معين بناءٌ على منع الرواية بالمعنى، فأما على جوازها فلا فرق، وكان جماعة من العلماء يحتاطون في مثل هذا، فإذا أرادوا رواية مثل هذا، أورد أحدهم الإسناد الثاني، ثم يقول: مثل حديث قبله، متنُهُ كذا، ثم يسوقه، واختار الخطيب هذا، ولا شك في حسنه. قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في مقدّمة "شرحه" لهذا الكتاب (١)، وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "الألفية" المذكورة، بقوله:
وَلَوْ رَوَى بِسَنَدٍ مَتْنًا وَقَدْ ... جَدَّدَ إِسْنَادًا وَمَتْنٌ لَمْ يُعَدْ
بَلْ قَالَ فِيهِ "نَحْوَه" أَوْ "مِثْلَهُ" ... لَا تَرْوِ بَالثَّانِي حَدِيثًا قَبْلَهُ
وَقِيلَ جَازَ إِنْ يَكُنْ مَنْ يَرْوِهِ ... ذَا مَيْزَةٍ وَقِيلَ لَا فِي "نَحْوِهِ
وَالْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلُ خَبَرِ ... قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا فَلْيَذْكُرِ (٢)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في بيان حكم ما إذا اختصر الشيخ الحديث بذكر طرف منه، ثم قال: "وذكر الحديث"، أو نحوه:
(اعلم): أنه إذا ذكر الإسناد، وطرفا من المتن، ثم قال: "وذكر الحديث"، أو قال: "واقتص الحديث"، أو قال: "الحديث"، أو ما أشبهه، فأراد السامع أن يروي عنه الحديث بكماله، فطريقه أن يقتصر على ما ذكره الشيخ، ثم يقول: والحديث بطوله كذا، ويسوقه إلى آخره، فإن أراد أن يرويه مطلقا، ولا يفعل ما ذكرناه، فهو أولى بالمنع مما سبق في "مثله"، و "نحوه"، وممن نَصّ على منعه الأستاذ أبو إسحاق الإسفراينيّ الشافعيّ، وأجازه أبو بكر الإسماعيليّ بشرط أن يكون السامع والمسمِع عارفين ذلك الحديث. ذكره النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى في "شرحه" (٣). وإلى هذا أشار السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى بقوله:
وَإِنْ بِبَعْضِهِ أَتَى وَقَوْلِهِ ... "وَذَكَرَ الْحَدِيثَ" أَوْ "بِطُولِهِ"
فَلَا تُتِمَّهُ وَقِيلَ جَازَا ... إِنْ يَعْرِفَا وَقِيلَ إِنْ أَجَازَا
وَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ "قَالَ وَذَكَرْ ... حَدِيثَهُ وَهْوَ كَذَا" وَائْتِ الْخَبَرْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 492
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
٣ - (بَابُ النَّهْي عَنِ الْحَدِيثِ بِكُلِّ مَا سَمِعَ)
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٧ - وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْب بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَفَى بالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بكلِّ مَا سَمِعَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبيد الله بن معاذ) العنبريّ، أبو عمرو البصريّ الحافظ.
رَوَى عن أبيه، وأخيه المثنى، ومعتمر بن سليمان، ويحيى القطان، وبشر بن المفضل، وخالد بن الحارث، ووكيع، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأبو داود، وروى البخاري عن أحمد غير منسوب، وحماد بن حميد عنه، وروى له النسائي بواسطة زكريا السِّجْزي، وعثمان بن خُرَّزاذ، ومحمد بن عبيد الله الكزبري، وأبو بكر المروزي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن أبي عاصم، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وحرب الكرماني، وآخرون.
قال أبو حاتم: ثقة. وقال الآجري عن أبي داود: كان يحفظ، وكان فصيحا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن قانع: هو ثقة. وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ابن أبي سمينة، وشَبَاب، وعبيد الله بن معاذ ليسوا أصحاب حديث، ليسوا بشيء، ومثنى بن معاذ لا بأس به.
قال البخاري، وموسى بن هارون: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. وقال ابن أخيه معاذ بن المثنى: مات سنة (٣٨)، وكذا أرّخه ابن قانع.
وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ من العاشرة.
أخرج له الجماعة، إلا الترمذيّ، وابن ماجه، رَوَى عنه البخاري سبعة أحاديث، ورَوَى في مواضع عن غير واحد عنه، ورَوَى عنه مسلم مائة وسبعة وستين حديثا (١).
стр. 493
٢ - (أبوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان بن الحارث بن مالك بن الخشخاش العنبريّ، أبو المثنى التميمي الحافظ البصريّ القاضي.
رَوَى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وابن عون، وأبي يونس حاتم بن أبي صغيرة، وبهز بن حكيم، وعاصم بن محمد بن زيد، وعمران بن حُدير، وعوف الأعرابي، وفرج بن فَضَالة وقره بن خالد، وكهمس بن الحسن، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وورقاء بن عمر، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وعبيد الله بن الحسن العنبري، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابناه: عبيد الله، والمثنى، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو من أقرانه، وأحمد، وإسحاق، وأبو خيثمة، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأبو بكر وعثمان، ابنا أبي شيبة، والحكم بن موسى، وعمرو بن علي، وقتيبة، وبندار، وأبو موسى، وإبراهيم بن محمد بن عَرْعَرَة، وعبد الوهاب بن الحكم الوراق، وعمرو بن زُرارة، وأبو غسان المسمعي، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وسعد بن نصر، وآخرون.
قال المروزي عن أحمد: معاذ بن معاذ قرة عين في الحديث، وقال في موضع آخر: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما رأيت أفضل من حسين الجعفي، وسعيد بن عامر، وما رأيت أحدا أعقل من معاذ بن معاذ. وقال ابن معين، وأبو حاتم: ثقة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أزهر السمان كيف حديثه؟ قال: ثقة، قلت: فمعاذ بن معاذ؟ قال: ثقة، قلت: أيهما أثبت في ابن عون؟ قال: ثقتان، قلت: فمعاذ أثبت في شعبة أو غندر؟ قال: ثقة وثقة. وقال نِفْطَويه: كان من الأثبات في الحديث. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال عمرو بن علي عن يحيى القطان: طلبت الحديث مع رجلين: خالد بن الحارث، ومعاذ بن معاذ، وأنا مولى، فوالله ما استبقاني إلى محدث قط، فكتبا شيئا حتى أحضر، وما أبالي إذا تابعاني من خالفني من الناس، قال: وكان شعبة يحلف لا يحدث، فيستثنيهما، وقال أيضا: سمعت يحيى يقول: ما بالبصرة، ولا بالكوفة، ولا بالحجاز، أثبت من معاذ بن معاذ. وقال محمد بن عيسى بن الطباع: ما علمت أن أحدا قدم بغداد، إلا وقد تُعُلّق عليه في شيء من الحديث، إلا معاذًا العنبري، فإنه ما قَدَروا أن يتعلقوا عليه في شيء، مع شغله بالقضاء. وقال ابن سعد: كان ثقة، ولي قضاء البصرة لهارون، ثم عُزِل، وتوفي في ربيع الآخر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان فقيها عالما متقنا.
قال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول: وُلدت في سنة عشرين ومائة
стр. 494
في أولها، ووُلد معاذ في سنة تسع عشرة في آخرها، كان أكبر مني بشهرين. وقال ابنه عبيد الله بن معاذ وغيره: مات سنة ست وتسعين ومائة. وقال ابن أبي خيثمة: مات معاذ بن نصر، وابنه معاذ مولود سنة تسع عشرة، ومات لليلة بقيت من ربيع الآخر سنة ست.
وقال في "التقريب": ثقة متقنٌ، من كبار التاسعة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧٣) حديثًا.
٣ - (محمد بن المثنّى) المترجم أول الباب.
٤ - (عبد الرحمن بن مهديّ) المتقدّم ترجمته عند ذكر أئمة الحديث.
٥ - (شعبة) بن الحجّاج المترجم عند ذكر أئمة الحديث أيضًا.
٦ - (خبيب بن عبد الرحمن) بن خُبيب بن يساف الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو الحارث المدنيّ الثقة.
رَوَى عن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن مسعود بن نيار، وعبد الله بن معن المدني، وعن أبيه، وعمته أنيسة.
ورَوَى عنه مالك، وابن إسحاق، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومنصور بن زاذان، وشعبة، وعمارة بن غَزِيّة، وعبد الله، وعبيد الله ابنا عمر بن حفص بن عاصم، وغيرهم.
قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال الواقدي: مات في زمن مروان بن محمد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٣٢). وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث.
وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث.
[تنبيه]: ليس في "الصحيحين" من يُسمّى خُبيبًا إلا ثلاثة، هذا، وخبيب بن عديّ، وأبو خُبَيب كنية عبد الله بن الزبير ﵄ (١). والله تعالى أعلم.
٧ - (حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطّاب العمريّ.
رَوَى عن أبيه، وعمه، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مالك بن بُحَينة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي سعيد بن الْمُعَلَّى.
стр. 495
ورَوَى عنه حبيب بن عبد الرحمن، وسعد بن إبراهيم، وعمر بن محمد بن زيد، والزهري، وسالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد، وهما من أقرانه، وبنوه (١): عُمر، وعيسى، ورَباح.
قال النسائي: ثقة. وقال هبة الله الطبري: ثقة مجمع عليه. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال أبو زرعة، والعجلي: ثقة. وذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة.
وقال في "القريب": ثقة، من الثالثة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة عشر حديثًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير خبيب، وحفص، فمدنيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) العمريّ المدنيّ، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) هكذا هذا الطريق مرسلٌ، ليس فيه ذكر أبي هريرة ﵁ وهذا هو الصواب، وقد وقع في نسخة شرح القاضي عياض، والنوويّ، والنسخة التركيّة، ومختصر القرطبيّ متّصلًا بذكر أبي هريرة، وهو غلط (٢).
قال المازريّ رحمهُ اللهُ تعالى: رواه شعبة عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم "أن رسول الله ﷺ ... " فأتى به مرسلًا، لم يذكر فيه أبا هريرة، هكذا رُوي من حديث معاذ بن معاذ، وغندر، وعبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة. وفي نسخة أبي العبّاس الرازيّ وحده في هذا الإسناد: عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة مسندًا، ولا يثبتُ هذا. وقد أسنده مسلم بعد هذا من طريق عليّ بن حفص المدائنيّ، عن شعبة. قال عليّ بن عمر الدارقطنيّ: والصواب مرسلٌ عن شعبة، كما
стр. 496
رواه معاذ، وغندرٌ، وابن مهديّ. انتهى كلام المازريّ (١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمهُ اللهُ تعالى: في "المفهم". هكذا وقع عند كافّة رواة كتاب مسلم -يعني مرسلًا- ووقع عند أبي العبّاس الرازيّ وحده في هذا الإسناد "عن أبي هريرة"، فأسنده. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بهذا أن الأكثرين من رواة كتاب مسلم في هذا الطريق على الإرسال، وهو الصواب، وأما الوصل، ففي الرواية التالية، وبهذا تعلم أن ما ردّ به الألبانيّ على أبي داود رحمه الله تعالى قوله: إن علي بن حفص تفرد به، محتجّا برواية مسلم هذه مبنيّ على النسخ التي وقع فيها ذكر أبي هريرة غلطًا، وأما على نسخ الإرسال، وهي الصواب، فما قاله أبو داود هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهّوَّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب.
(كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) قال القرطبيّ رحمهُ اللهُ تعالى: الباء زائدة هنا على المفعول، وفاعل "كفى" "أن يُحدّث"، وقد تزاد هذه الباء على فاعل "كفى"، كقول الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]. و "كذبًا"، و "شهيدًا" منصوبان على التمييز. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: زيادة الباء في فاعل "كفى" هو الغالب، وأما زيادتها في مفعوله فقليل، كهذا الحديث، وكقول الشاعر:
فَكَفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيْرُنَا ... حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا (٣).
قال القرطبيّ رحمهُ اللهُ تعالى: معنى الحديث أن من حدّث بكل ما سمع حصل له الحظّ الكافي من الكذب، فإن الإنسان يسمع الغثّ والسمين، والصحيح والسقيم، فإذا حدّث بكلّ ذلك حدّث بالسقيم وبالكذب، ثمّ يُحمَل عنه، فيكذب في نفسه، أو يُكذّب بسببه، ولهذا أشار مالك بقوله: "ليس يَسلَم رجلٌ حدّث بكلّ ما سمع، ولا يكون إمامًا أبدًا". أي إذا وُجد الكذب في روايته لم يُوثق بحديثه، وكان ذلك جرحًا فيه فلا يصلح ليقتدي به أحدٌ -ولو كان عالمًا- فلو بيّن الصحيح والسقيم، والصادق من الكذب، سلم من ذلك، وتَفَصَّى عن عهدة ما يَجب عليه من النصيحة الدينيّة. انتهى (٤).
стр. 497
وقال القاضي عياض رحمهُ اللهُ تعالى: معناه أن من حدّث بكلّ ما سمع، وفيه الحقّ والباطل، والصدق والكذب، نُقل عنه هو أيضًا ما حدّث به من ذلك، فكان من جملة من يروي الكذب، وصار كاذبًا لروايته إياه، وإن لم يتعمّده، ولا عَرَف أنه كذب.
وهو أقوى في الحجة للأشعريّة في أنه لا يُشترط في الكذب العمد من دليل خطاب الحديث المتقدّم. وأما الحديث الآخر الذي ذكره مسلم أول الفصل من حديث سمرة والمغيرة ﵄: "من حدّث عنّي حديثًا يُرى أنه كذبٌ، فهو أحد الكاذبين"، فبَيِّنُ المعنى؛ لأنه محدِّثٌ عنه ﷺ بما يقطع، أو يَغلب على ظنّه بطلانه، والمحدث بمثل هذا عنه مفترٍ عليه، وكمتعمّد الكذب عليه، مرتكبٌ لما نهى عنه، فهو أحد الكاذبين.
قال أبو جعفر الطحاويّ رحمهُ اللهُ تعالى: هو داخلٌ في وعيد الحديث فيمن كذب على النبيّ ﷺ . انتهى (١) .. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في تخريجه:
أخرجه المصنّف رحمهُ اللهُ تعالى هنا ١/ ٥ و ٦ بالأسانيد المذكورة، وأخرجه أبو داود في "سننه" رقم (٤٩٩٢) عن حفص بن عمر، عن شعبة -وعن محمد بن الحسين، عن عليّ بن حفص، عن شعبة- عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة ﵁ والحاكم في "المستدرك" ١/ ١١٢، وقال: صحيح الإسناد. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية) في بيان اختلاف إسناد هذا الحديث بالوصل والإرسال:
اعلم: أنّ المصنّف رحمهُ اللهُ تعالى أخرج هذا الحديث هنا من طريق معاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن مهديّ، كلاهما عن شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن النبيّ ﷺ مرسلًا، فإن حفصا تابعيّ، كما سبق في ترجمته، وأخرجه في الرواية التالية: من طريق علي بن حفص، عن شعبة، عن خبيب، عن حفص، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ موصولًا.
قال الدارقطنيّ رحمهُ اللهُ تعالى: الصواب المرسل عن شعبة، كما رواه معاذ، وابن مهديّ، وغندر.
стр. 498
قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: وقد رواه أبو داود في "سننه" أيضا مرسلا ومتصلًا، فرواه مرسلا عن حفص بن عمر النَّمَريّ، عن شعبة، ورواه متصلا من رواية عليّ بن حفص، وإذا ثبت أنه رُوي متصلا ومرسلًا، فالعمل على أنه متصل، هذا هو الصحيح الذي قاله الفقهاء، وأصحاب الأصول، وجماعة من أهل الحديث، ولا يضر كون الأكثرين رووه مرسلًا، فإن الوصل زيادة من ثقة، وهي مقبولة. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن صنيع المصنّف رحمهُ اللهُ تعالى يوافق ما رجحه النووي من ترجيح الوصل على الإرسال، حيث أورد الحديث مورد الاحتجاج، وأيّده بأثر عمر، وابن مسعود ﵄.
لكن الذي يظهر لي أن ما قاله الدارقطنيّ رحمهُ اللهُ تعالى هو الأرجح؛ لأن علي بن حفص ليس ممن يُعتمد على حفظه، وقد قال عنه أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به انتهى. ولا سيّما مع هذه المخالفة لهؤلاء الأثبات: معاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وغندر، وكلهم من أهل الحفظ والإتقان، وممن له اختصاص بشعبة، ومذهب المحقّقين من أهل الحديث، كأحمد، والبخاريّ، والترمذيّ، وغيرهم، أنه لا بدّ من كون المخالف ممن يُعتمد على حفظه حتى تُقبل زيادته، بل زاد بعضهم أن يتابع، وقد استوفيت البحث في مسألة زيادة الثقة عند ذكر المصنّف لها حيث يقول: ...... لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرّد به المحدّث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا ... الى آخر كلامه، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال الإمام أبو داود رحمهُ اللهُ تعالى بعد إخراج الحديث من طريق عليّ بن حفص-: ما نصّه: لم يسنده إلا هذا الشيخ -يعني علي بن حفص المدائني-.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وعليّ بن حفص المدائنيّ ثقة، ووافقه الذهبيّ.
وتعقّب الألبانيّ (٢) كلام أبي داود رحمه الله تعالى المذكور، بأنه بالنسبة لما وقف عليه هو من الطرق، وإلا فالطريقان الآخران -يعني طريقي معاذ، وابن مهدي- عند مسلم- يردّان عليه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا التعقّب نظر لا يخفى؛ لأنه مبنيّ على النسخ التي فيها الخطأ بزيادة أبي هريرة، كما قدّمنا، فالصواب أن الطريقين الآخرين
стр. 499
اللذين احتج بهما الألباني، وهما طريق معاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن مهديّ ليس فيهما ذكر "أبي هريرة"، بل الحديث مرسلٌ، فما قاله أبو داود رحمهُ اللهُ تعالى من تفرّد عليّ بن حفص بالوصل هو الحقّ، وهو أيضًا مقتضى كلام الحاكم المذكور آنفًا. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوَّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): الزجر عن التحديث بكّل ما سمع الإنسان، فإنه يسمع الصدق والكذب، فإذا حدّث بكل ما سمع، فقد كذب؛ لإخباره بما لم يكن. (ومنها): أن التوقّي، والتحفّظ عن التكلّم بكلّ ما عند الإنسان من علامة الصالحين المطيعين. (ومنها): أن الورع يكون من القول كما يكون من الفعل، بل هو أشدّ؛ لما أخرجه أحمد، والترمذيّ، واللفظ له، وابن ماجه، من حديث معاذ ﵁ الطويل، مرفوعًا، وفيه: "ألا أخبرك بِمِلاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه، قال: "كف عليك هذا"، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثَكِلتك أمك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم"، أو "على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٨ - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو بكر بن أبي شيبة) هو عبد الله بن محمد، تقدّم في ١/ ٢.
٢ - (عليّ بن حفص) أبو الحسن المدائنيّ، نزيل بغداد.
رَوَى عن حريز بن عثمان، وعكرمة بن عمار، وإبراهيم بن عبد الله بن الحارث ابن حاطب الجمحي، والثوري، وشعبة، وورقاء بن عمر، ومحمد بن طلحة بن مصرف، وسليمان بن المغيرة، وأبي معشر المدني، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة، ومحمد بن الحسين بن إشكاب، ومحمد بن عبد الله بن أبي الثلج، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن عبيد الله ابن المنادي، ومحمد بن إسحاق الصاغاني، ومحمد ابن إسماعيل ابن علية، وآخرون.
قال الْمَرُّوذي، عن أحمد: علي بن حفص أحب إلي من شبابة. وقال ابن المنادي: ثنا علي أبو بكر بن حفص، وكان أحمد يحبه حبا شديدا. وقال ابن الجنيد عن ابن معين: شبابة، وعلي بن حفص ثقتان. وقال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي. وقال ابن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو
стр. 500
داود: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: صالح الحديث، يكتب حديثه، ولا يحتج به.
وقال في "التقريب": صدوقٌ من التاسعة.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، و (٩٨٣) حديث: "ما يَنقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا ... " الحديث، و (٢٢٤٧) حديث. "لا يقولنّ أحدكم الكرم ... " الحديث.
٣ - (أبو هريرة) الصحابيّ الشهير ﵁ تقدّم في ١/ ٤ والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: "بمثل ذلك" الإشارة إلى الحديث السابق، يعني أن رواية عليّ بن حفص مثل رواية معاذ وعبد الرحمن بن مهديّ، وقد تقدّم في المسائل المذكورة في شرح حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن "مثل" تقال إذا اتّحد لفظه، بخلاف "نحو"، فإنها تقال إذا كان بمعناه، وتقدّم الخلاف أيضًا في كيفيّة الرواية لمن سمع هكذا، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٩ - (وحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْن الْخَطَّاب ﵁: "بِحَسْب الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يحيى بن يحيى) بُكير بن عبد الرحمن بن يحيى بن حماد التميميّ الحنظلي، أبو زكريّا النيسابوريّ، الحافظ أحد الأعلام.
رَوَى عن مالك، وسليمان بن بلال، والحمادين، وحميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، وأبي الأحوص، وأبي قُدامة الحارث بن عبيد، وجرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن عياش، وحفص بن غياث، ومعاوية بن عمار الذُهني، ومعاوية بن سلام الحبشي، ومحمد بن مسلم الطائفي، ويوسف بن يعقوب الماجشون، وأبي بكر بن شعيب بن الحبحاب، وإبراهيم بن سعد، وداود بن عبد الرحمن العطار، وعبد الله بن نمير، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وعبيد الله بن إياد بن لَقِيط، والليث بن سعد، وابن فضيل، وخلق كثير.
ورَوَى عنه البخاري، ومسلم، ورَوَى الترمذي عن مسلم عنه، ورَوَى النسائي عن عبيد الله بن فَضَالة، ومحمد بن يحيى الذُّهْلي عنه، وأبو الأزهر أحمد بن الأزهر،
стр. 501
وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وأحمد بن يوسف السُّلَمِي، وأحمد بن سلمة النيسابوري، والفضل بن يعقوب الرُّخَامي، ومحمد بن أسلم الطوسي، وأبو أحمد الفراء، ويعقوب بن سفيان، ويحيى بن محمد بن يحيى الذهلي، وآخرون.
قال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ما أخرجت خراسان بعد ابن المبارك مثله. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان ثقة وزيادة، وأثنى عليه خيرًا. وقال أبو داود عن أحمد: خرج من خراسان رجلان: ابن المبارك، ويحيى بن يحيى. وقال إسحاق بن راهويه: ما رأيت مثله، ولا رأى مثل نفسه، قال: وهو أثبت من عبد الرحمن بن مهدي، قال: ومات يوم مات، وهو إمام لأهل الدنيا. وقال الحسن بن سفيان: كنا إذا رأينا رواية ليحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُريع، قلنا: ريحانة أهل خراسان، عن ريحانة أهل العراق. وقال محمد بن أسلم الطوسي: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: عمن أكتب؟ قال: عن يحيى بن يحيى. وقال العباس بن مصعب: يحيى ابن يحيى أصله من مرو، وهو من بني تميم من أنفسهم، وكان ثقة، يرجع إلى زهد وصلاح. وقال أحمد بن سيار: يحيى بن يحيى من موالي بني مِنْقَر، وكان ثقة في الحديث، حسن الوجه، طويل اللحية، وكان خيرًا، فاضلًا صائنًا لنفسه. وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال مرة أخرى: ثقة مأمون. مات في آخر صفر سنة ست وعشرين ومائتين. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: أوصى بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، وكان من سادات أهل زمانه علمًا ودينًا وفضلًا ونسكًا وإتقانًا. وقال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو المستملي، سمعت أبا الطيب المكفوف يقول: وُلد يحيى بن يحيى سنة اثنتين وأربعين ومائة، قال: وسألت أبا أحمد الفراء عن وفاته؟ فقال: ليلة الأربعاء غرة ربيع الأول. قال الحاكم: وكل من خالف هذا القول يخطئ، والمكتوب على اللوح في قبره خطأ، قرأت في اللوح أنه مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وقال محمد بن موسى الباشاني: مات سنة خمس، وكلا القولين خطأ. وقال الفراء: أخبرني زكريا بن يحيى ابن يحيى قال: أوصى أبي بثياب بدنه لأحمد بن حنبل، فأتيته بها، فقال: ليس هذا من لباسي، ثم أخذ ثوبا واحدا منه، ورَدّ الباقي.
وطول الحاكم ترجمته في "تاريخه"، وقسم الرواة عنه إلى خمس طبقات، ومن آخرهم داود بن الحسين البيهقي، وإبراهيم بن علي الذهلي، ورَوَى فيها عن أحمد بن حنبل قال: ما رأى يحيى بن يحيى مثل نفسه، وقيل له: كان إماما؟ قال: نعم، ولو كانت عندي نفقة لرحلت إليه. وعن الأثرم قال: ذكر أبو عبد الله يحيى بن يحيى، فقال: بخ بخ بخ، ثم ذكر قتيبة، فأثنى عليه، ثم قال: إلا أن يحيى شيء آخر، وقَدَّمه عليه. وقال الفراء: قال أحمد: قراءة يحيى بن يحيى على مالك أحب إلي من سماع
стр. 502
غيره. وقال يحيى بن محمد بن يحيى: كان أبي يرجع في كل المشكلات إلى يحيى بن يحيى، ويقول: هو إمام فيما بيني وبين الله تعالى، قال يحيى: وما رأيت مُحَدّثا أورع منه، ولا أحسن بيانا. وقال الحسين بن منصور: سمعت عبد الله بن طاهر يقول: شَكُّ يحيى بن يحيى عندنا بَيِّنٌ. وقال أبو أحمد الفراء: سمعت يحيى بن يحيى، وكان إمامًا وقدوةً ونورًا وضوءًا للإسلام. وقال إبراهيم بن أبي طالب: قرأ عليه إسحاق بن إبراهيم عن مشايخه أحاديث، ثم انتهى إلى حديث يحيى بن يحيى، فقال: ثنا يحيى بن يحيى، وهو من أوثق من أُحَدِّثكم اليوم عنه، وقال: سمعت الذهلي يقول: لو شئت لقلت: هو أَبْيَنُ المحدثين في الصدق، وكان ثبتًا. وقال أبو أحمد الفراء: سمعت عامة مشايخنا يقولون: لو أن رجلا جاء إلى يحيى بن يحيى عامدًا، ليتعلم من شمائله، كان ينبغي له أن يفعل. وقال المستملي: قال قتيبة بن سعيد: يحيى بن يحيى رجل صالح، إمام من أئمة المسلمين. وقال محمد بن نصر المروزي، وقيل له: من أدركت من المشايخ على سنن النبي ﷺ ؟ فقال له: ما أدركت أحدًا إلا أن يكون يحيى بن يحيى. وقال بشر بن الحكم النيسابوري: حَزَرْنا في جنازة يحيى بن يحيى مائة ألف إنسان. وقال الحاكم: سمعت أبا علي النيسابوري يقول: كنت في غم شديد، فرأيت النبي ﷺ في المنام، كأنه يقول لي: سِرْ إلى قبر يحيى بن يحيى، واستغفر، وسل تقض حاجتك، فأصبحت، ففعلت ذلك، فقضيت حاجتي (١).
وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ إمامٌ، من العاشرة.
أخرج له الجماعة، إلا أبا داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٦٩٢) حديثًا.
٢ - (هشيم) -بالتصغير- ابن بَشير -بالفتح بوزن عَظِيم- ابن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم -بمعجمتين- الواسطيّ، قيل: إنه بخاري الأصل الحافظ.
رَوَى عن أبيه، وخاله القاسم بن مِهْران، وعبد الملك بن عُمير، ويعلى بن عطاء، وعبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وعاصم الأحول، وحصين بن عبد الرحمن، وحميد الطويل، وسيار أبي الحكم، وخالد الحذاء، والأعمش، وخلق كثير.
стр. 503
ورَوَى عنه مالك بن أنس، وشعبة، والثوري، وهم أكبر منه، وابنه سعيد بن هشيم، وابن المبارك، ووكيع، ويزيد بن هارون، ومُعَلَّى بن منصور، وإسماعيل بن سالم الصائغ، وإسحاق، ومحمد ابنا عيسى بن الطباع، ويحيى بن يحيى، وسعيد بن سليمان الواسطي، وسريج بن يونس، وسعيد بن منصور، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وعمرو بن عوف، وآخرون.
قال الفضل بن زياد: سألت أحمد أين كَتَبَ هشيم عن الزهري؟ قال: بمكة. وقال عمرو بن عون عن هشيم: سمعت من الزهري نحوًا من مائة حديث، فلم أكتبها. وقال الحسين بن محمد بن فهم: أخبرني الهروي أن هشيما كَتَبَ عن الزهري صحيفة بمكة، فجاءت الريح، فحملت الصحيفة، فطرحتها، فلم يجدوها، وحفظ هُشيم منها تسعة. وقال أبو القاسم البغوي عن يحيى بن أيوب المقابري: سمعت أبا عبيدة الحداد يقول: قدم علينا هشيم البصرة، فذكرنا لشعبة، فقال: إن حدثكم عن ابن عباس وابن عمر، فصدّقوه. وقال علي بن معبد الرَّقّيّ: جاء رجل من أهل العراق، فذاكر مالكا بحديث، فقال: وهل بالعراق أحد يُحسن الحديث إلا ذاك الواسطي -يعني هشيما-. وقال عمرو بن عوف: سمعت حماد بن زيد يقول: ما رأيت في المحدثين أنبل من هشيم. وقال إسحاق الزيادي: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: اسمعوا من هشيم، فنعم الرجل هشيم. وقال محمد بن عيسى بن الطباع: قال عبد الرحمن بن مهدي: كان هشيم أحفظ للحديث من سفيان الثوري، قال: وسمعت وكيعا يقول: نَحُّوا عنّي هشيما، وهاتوا من شئتم -يعني في المذاكرة-. وقال الحارث بن سُرَيج البقال: سمعت يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي يقولان: هشيم في حصين أثبت من سفيان وشعبة. وفي رواية عن ابن مهدي: هشيم أثبت منهما، إلا أن يجتمعا. وقال أبو داود: قال أحمد: ليس أحد أصح حديثا عن حصين من هشيم. وقال علي بن حجر: هشيم في أبي بشر مثل ابن عيينة في الزهري. وقال عنبسة بن سعد الرازي عن ابن المبارك: مَنْ غَيَّرَ الدهرُ حفظه، فلم يغير حفظ هشيم. وقال أحمد بن سنان عن ابن مهدي: حفظ هشيم أثبت عندي من حفظ أبي عوانة، وكتاب أبي عوانة أثبت من حفظ هشيم. وقال عمار: إذا اختلف أبو عوانة وهشيم، فالقول قول هشيم، لم يُعَدَّ عليه خطأٌ. وقال العجليّ: هُشيم واسطي ثقة، وكان يدلس. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عن هشيم ويزيد بن هارون؟ فقال: هشيم أحفظهما، قال: وسألت أبي عن هشيم؟ فقال: ثقة، وهو أحفظ من أبي عوانة، قال: وسئل أبو زرعة عن هشيم وجرير؟ فقال: هشيم أحفظ. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ثبتا يدلس كثيرا، فما قال في حديثه: أنا فهو حجة، وما لم يَقُل فليس بشيء. وقال ابن إسحاق الجلّاب عن إبراهيم
стр. 504
الحربي: كان حفاظ الحديث أربعة: هشيم شيخهم، يحفظ هذه الأحاديث المقاطيع -يعني المقطوعة- حفظا عَجَبًا. وقال الحربي: كان يحدث بالمعنى. وقال محمد بن حاتم المؤدب. قيل لهشيم: كم تحفظ؟ قال: كنت أحفظ في اليوم مائة، ولو سُئلتُ عنها بعد شهر لأجبت. وقال يزيد بن هارون: ما رأيت أحفظ من هشيم إلا الثوري. وقال عثمان بن أبي شيبة: ما رأيت يزيد يثني على أحد ما يثني على هشيم. وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: من أروى الناس عن يونس؟ فقال: هشيم، وكان بعض الناس يقول: وهيب، فبلغني عن هشيم أنه قال: كان وهيب يحضر مسألتي عند يونس، قال أحمد: وكان هشيم كثير التسبيح، ولازمته أربعا أو خمسا، ما سألته عن شيء هيبة له إلا مرتين. وقال الحسين بن الحسن الروميّ: ما رأيت أحدا أكثر ذكر الله من هشيم. قال معروف الكرخي: رأيت النبي ﷺ في المنام، وهو يقول لهشيم: يا هشيم جزاك الله تعالى عن أمتي خيرًا. وقال أبو حاتم: لا يُسأل عن هشيم في صلاحه وصدقه وأمانته. وقال عبد الرزاق عن ابن المبارك: قلت لهشيم: لم تُدَلِّس وأنت كثير الحديث؟ فقال: كبيراك قد دلسا، الأعمش وسفيان. وذكر الحاكم أن أصحاب هشيم اتفقوا على أن لا يأخذوا عنه تدليسا، فَفَطِنَ لذلك، فجعل يقول في كل حديث يذكره: ثنا حصين ومغيرة، فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم؟ قالوا: لا، قال: لم أسمع من مغيرة مما ذكرت حرفا، إنما قلت حدثني حصين، وهو مسموع لي، وأما مغيرة فغير مسموع لي. وقال الخليليّ: حافظ متقن، تغير بآخر موته، أقل الرواية عن الزهري، ضاعت صحيفته، وقيل: إنه ذاكر شعبة بحديث الزهري، ولم يكن شعبة كتب عن الزهري، فأخذ شعبة الصحيفة، فألقاها في دجلة، فكان هشيم يروي عن الزهري من حفظه، وكان يدلس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مدلسا. وقال أبو داود. قيل ليحيى بن معين في تساهل هشيم، فقال: ما أدراه ما يخرج من رأسه. قال: وبلغني عن أحمد قال: كان ابن علية أعلم بالفقه من هشيم. وقال نصر بن حماد: سألت هشيما متى ولدت؟ قال: في سنة أربع ومائة. وقال ابن سعد: أخبرني ابنه سعيد أنه وُلد في سنة خمس، وقال ابن سعد: ومات في شعبان سنة ثلاث وثمانين ومائة، وفيها أرخه غير واحد.
وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ، من السابعة.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٨٧) حديثًا.
٣ - (سليمان التيمي) بن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ولم يكن من بني تيم، وإنما نزل فيهم، فنُسب إليهم.
رَوَى عن أنس بن مالك ﵁، وطاووس، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي عثمان
стр. 505
النهدي، وأبي نضرة العبدي، وأبي عثمان، وليس بالنهدي، ونعيم بن أبي هند، وأبي السليل ضُرَيب بن نُقَير، وأبي المنهال سيار بن سلامة، والحسن البصري، وثابت البناني، وأبي مِجْلَز، وأبي بكر بن أبي أنس بن مالك ﵁، وبكر بن عبد الله المزني، وخالد الأشج، والأعمش، وهو من أقرانه، وغيرهم.
وروى عنه ابنه معتمر، وشعبة، والسفيانان، وزائدة، وزهير، وحماد بن سلمة، وابن علية، وابن المبارك، وعبد الوارث بن سعيد، وإبراهيم بن سعد، وجرير، وحفص ابن غياث، وسُليم بن أخضر، وأبو زبيد عبثر بن القاسم، وعيسى بن يونس، وابن أبي عدي، ومعاذ بن معاذ، وهشيم، والقطان، ويزيد بن هارون، ويوسف بن يعقوب الضبعي، ومروان بن معاوية، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبو عاصم النبيل، وغيرهم.
قال الربيع بن يحيى عن سعيد: ما رأيت أحدا أصدق من سليمان التيمي. وقال أبو بحر البكراوي عن شعبة: شَكُّ ابن عون، وسليمان التيمي يقين. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة، وهو في أبي عثمان أحب إلي من عاصم الأحول. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال العجلي: تابعي ثقة، وكان من خيار أهل البصرة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكان من العباد المجتهدين، وكان يصلي الليل كله بوضوء عشاء الآخرة، وكان مائلا إلى علي بن أبي طالب. وقال الثوري: حفاظ البصرة ثلاثة، فذكره فيهم، وكذا ذكره فيهم ابن علية. وقال ابن المديني عن يحيى: ما جلست إلى رجل أخوف لله منه. وقال محمد بن علي الوراق عن أحمد بن حنبل: كان يحيى بن سعيد يثني على التيمي، وكان عنده عن أنس أربعة عشر حديثا، ولم يكن يذكر أخباره، قال: ورأى أن أصل التيمي كان قد ضاع. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي سليمان أحب إليك في أبي عثمان، أو عاصم؟ قال: سليمان. قال سليمان التيمي: أتوني بصحيفة جابر، فلم أروها، فراحوا بها إلى الحسن فرواها، وراحوا بها إلى قتادة فرواها، حكاه القطان عنه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عباد أهل البصرة وصالحيهم، ثقة وإتقانا وحفظا وسنة. قال يحيى بن معين: كان يدلس. وفي "تاريخ البخاري" عن يحيى بن سعيد: ما روى عن الحسن، وابن سيرين صالح، إذا قال: سمعت، أو حدثنا. وقال يحيى بن سعيد: مرسلاته شِبْهُ لا شيء. وقال ابن المبارك في "تاريخه": التيمي، وابن عُلَيّة مشائخ أهل البصرة لم يسمعوا من أبي العالية. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل" عن أبي زرعة: لم يسمع عن عكرمة. قال: وقال أبي: لا أعلمه سمع من سعيد بن المسيب. وقال أبو غسان النهدي: لم يسمع من نافع، ولا من عطاء. وقال ابن سعد: تُوُفّي بالبصرة في ذي القعدة سنة
стр. 506
ثلاث وأربعين ومائة. وقال ابنه معتمر: مات وهو ابن (٩٧) سنة.
وقال في "التقريب": ثقة عابد، من الرابعة.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٦٩) حديثًا.
٤ - (أبو عثمان النهدي) -بفتح النون، وسكون الواو- هو عبد الرحمن بن ملّ -بميم مثلّثة، ولام مشدّدة- ابن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن رفاعة بن مالك بن نَهْد مشهور بكنيته، سكن الكوفة، ثم البصرة، وأدرك الجاهلية، وأسلم على عهد رسول الله ﷺ ، وصَدَّق إليه، ولم يلقه.
رَوَى عن عمر، وعلي، وسعد، وسعيد، وطلحة، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي ذر، وأُبَيّ بن كعب، وأسامة بن زيد، وبلال، وحنظلة الكاتب، وزهير بن عمرو، وزيد ابن أرقم، وعمرو بن العاص، وأبي بكرة، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي برزة الأسلمي، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي موسى الأشعري، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ثابت البناني، وقتادة، وعاصم الأحول، وسليمان التيمي، وأبو التياح، وعوف الأعرابي، وخالد الحذاء، وأيوب السختياني، وحميد الطويل، وأبو تميمة الْهُجَيمي، وعباس الجريري، وأبو نَعَامة عبد ربه السعدي، وعثمان بن غياث، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وجماعة.
قال ابن المديني: هاجر إلى المدينة بعد موت أبي بكر، ووافق استخلاف عمر، فسمع منه، ولم يسمع من أبي ذرّ، وقال: أدرك النبي ﷺ . وقال عبد القاهر بن السري عن أبيه عن جده: كان أبو عثمان من قضاعة، وأدرك النبي ﷺ ، ولم يره، وسكن الكوفة، فلما قُتل الحسين تحوّل إلى البصرة، وحج ستين ما بين حجة وعمرة، وكان يقول: أتت عليّ مائة وثلاثون سنة، وما مني شيء إلا وقد أنكرته، خلا أَمَلِي. وقال معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه: إني لأحسب أن أبا عثمان كان لا يصيب ذنبًا، كان ليله قائما، ونهاره صائمًا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان ثقة، وكان عَرِيف قومه. وقال أبو زرعة، والنسائي، وابن خِرَاش: ثقة.
قال عمرو بن علي وغيره: مات سنة خمس وتسعين، وهو ابن ثلاثين ومائة. وقال ابن معين وغيره: مات سنة (١٠٠). وقال خليفة مات بعد سنة مائة، ويقال: بعد سنة (٩٥). وقال هشيم: بلغني أن أبا عثمان توفي، وهو ابن أربعين ومائة. وهو معدود فيمن عاش في الجاهلية ستين سنة، وفي الإسلام أكثر من ذلك. وقال ابن سعد: كان ثقة، وتوفي أول قدوم الحجاج للعراق، وكذا أرّخه القرّاب، وزاد سنة (٧٥). قال ابن
стр. 507
حبان في "الثقات": مات سنة (١٠٠). وقال الآجري عن أبي داود: أكبر تابعي أهل الكوفة أبو عثمان.
وقال في "التقريب": مخضرم ثقة ثبتٌ عابد، من كبار الثانية.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٧) حديثًا.
٥ - (عمر بن الخطاب) بن نفيل بن عبد العزي بن رِيَاح -بالتحتانية- ابن عبد الله ابن قرط بن رزاح -بمهملة، ومعجمة، وآخره مهملة- ابن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العدوي، أبو حفص، أمير المؤمنين، وأمه حَنْتَمَة بنت هاشم بن المغيرة المخزومية، كذا قال ابن الزبير. وروى أبو نعيم من طريق ابن إسحاق أنها بنت هشام، أخت أبي جهل. جاء عنه أنه وُلد بعد الفجار الأعظم بأربع سنين، وذلك قبل المبعث النبوي بثلاثين سنة، وقيل بدون. وذكر خليفة بسند له أنه وُلد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة. وكان إليه السفارة في الجاهلية. وكان عند المبعث شديدًا على المسلمين، ثم أسلم فكان إسلامه فتحا على المسلمين، وفرجا لهم من الضيق. قال عبد الله بن مسعود: وما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر. وأخرج ابن أبي الدنيا بسند صحيح، عن أبي رجاء العطاردي، قال: كان عمر طويلًا، جسيمًا، أصلع، أشعر، شديد الحمرة، كثير السَّبَلَة (١) في أطرافها صهوبة، وفي عارضيه خِفَّة. وروى يعقوب بن سفيان في "تاريخه" بسند جيد إلى زِرّ بن حُبَيش قال: رأيت عمر أعسر أصلع آدم، قد فَرِعَ الناسَ، كأنه على دابة، قال: فذكرت هذه القصة لبعض ولد عمر، فقال: سمعنا أشياخنا يذكرون أن عمر كان أبيض، فلما كان عام الرَّمَادة، وهي سنة المجاعة، ترك أكل اللحم والسمن، وأدمن أكل الزيت حتى تغير لونه، وكان قد احمرّ، فشحب لونه. وروى الدينوري في "المجالسة" عن الأصمعي، عن شعبة، عن سماك: كان عمر أَرْوَح، كأنه راكب، والناس يمشون. قال: والأروح الذي يتدانى عقباه إذا مشى. وأخرج ابن سعد بسند جيد من طريق سماك بن حرب، أخبرني هلال بن عبد الله قال: رأيت عمر جسيمًا، كأنه من رجال بني سدوس. وبسند فيه الواقدي: كان عمر يأخذ أذنه اليسرى بيده اليمنى، ويجمع جراميزه (٢) ويَثِبُ على فرسه، فكأنما خُلق على ظهره. وأخرج يونس بن بُكير في زيادات المغازي، عن أبي عمر الجزار، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب"، فأصبح عمر، فغدا على رسول الله ﷺ . وأخرج أبو يعلى من طريق أبي
стр. 508
عامر العقدي، عن خارجة، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن رسول الله ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام "، وكان أحبهما إلى الله عمر بن الخطاب. وأخرجه عبد بن حميد، عن أبي عامر، عن خارجة بن عبد الله الأنصاري به. وأخرج ابن سعد بسند حسن، عن سعيد بن المسيب: كان رسول الله ﷺ إذا رأى عمر، أو أبا جهل قال: "اللهم اشدد دينك بأحبهما إليك". وأخرج الدارقطني من رواية القاسم، عن عثمان، عن أنس رفعه: "اللهم أعز الدين بعمر، أو بعمرو بن هشام ... " في حديث طويل. وأخرج أحمد من رواية صفوان بن عمرو، عن شُريح بن عُبيد قال: قال عمر: خرجت أتَعَرَّض لرسول الله ﷺ ، فوجدته سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أتعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾، فقلت: كاهن، قال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقّة: ٤٢] حتى ختم السورة، قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع. وأخرج محمد ابن عثمان بن أبي شيبة في "تاريخه" بسند فيه إسحاق بن أبي فروة، عن ابن عباس: أنه سأل عمر عن إسلامه، فذكر قصته بطولها، وفيها: أنه خرج ورسول الله ﷺ بينه وبين حمزة، وأصحابه الذين كانوا اختفوا في دار الأرقم، فعَلِمَت قريش أنه امتنع، فلم تصبهم كآبة مثلها، قال: فسماني رسول الله ﷺ يومئذ الفاروق. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح" مسلم" (٧٣) حديثا (١). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أحد المخضرمين، وهو أبو عثمان النهديّ، والمخضرم بفتح الراء: هو الذي أدرك الجاهليّة، وزمن النبيّ ﷺ ، ولم يره، وأسلم، ولا صحبة، وإنما سُمّي بذلك؛ لأنه متردّد بين طبقتين: الصحابة والتابعين، ولا يُدرى من أيّتهما هو؟ من قولهم: لحم مخضرمٌ، لا يُدرى من ذكر هو أو أُنثى، وطعامٌ مخضرمٌ، ليس بحلو ولا مرّ. وحكى العسكريّ أن المخضرم من المعاني التي حدثت في الإسلام. انتهى. وإلى معنى المخضرم أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
стр. 509
وَمِنْهُمُ الْمُخَضْرَمُونَ مُدْرِكُ ... نُبُوَّةٍ وَمَا رَأَى مُشْتَرَكُ
ومنها: أن صحابيّه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين في الجنّة، وكان يُلقّب بالفاروق، وقد مرّ سبب تلقيبه به في ترجمته، جم المناقب ﵁. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) عبد الرحمن بن عمرو، أنه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللهُ) تعالى (عَنْهُ: "بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ) الباء زائدة، و "حسب" خبر مقدَّم لقوله: "أن يُحدّث"، وهو بإسكَان السين، ومعنَاه يكفيه ذلك من الكذب، فإنه قد استكثر منه. وقوله: (أَنْ يُحَدِّثَ) بالبناء للفاعل في تأويل المصدر مبتدأ مؤخّر (بِكُلِّ مَا سَمِعَ) وإنما كان هذا كافيه من الإثم؛ لأن كلّ ما سمع الإنسان لا يخلو عن كذب، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدّث بكلّ ما سمع، فقد كذب؛ لإخباره بما لم يكن، وقد تقدّم أن مذهب أهل الحقّ أن الكذب الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، ولا يُشترط فيه التعمّد، لكن التعمّد شرط في كونه إثمًا. قاله النوويّ (١).
[تنبيه]: أثر عمر بن الخطّاب ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا بهذا الإسناد فقط، انظر "تحفة الأشراف" ٨/ ٨٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
١٠ - (وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ، حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا، وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) -بمهملات- الأمويّ مولاهم المصريّ الحافظ.
رَوَى عن ابن وهب فأكثر، والشافعي، والوليد بن مسلم، وابن عيينة، وخالد بن نزار الأيلي، وعبد الله بن نافع الصائغ، وبشر بن بكر، وأيوب بن سويد، وخاله عبد الرحمن بن عبد الحميد. وروى عنه مسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، وبَقِيّ بن مَخْلَد،
стр. 510
وأبو زرعة، وأبو حاتم، وقالا: لا بأس به. وابنه عمرو بن أبي الطاهر، ويعقوب الفسوي، وابن بُجير، وعلي بن الحسن بن خَلَف بن قُديد، وقال: كان ثقة ثبتا صالحًا، وخلق. وكان أحمد بن صالح يثني على أبي الطاهر هذا، ويقع في حرملة. وقال النسائي: ثقة. قال ابن يونس: كان فقيها من الصالحين الأثبات، تُوفي يوم الإثنين لأربع عشرة خَلَت من ذي القعدة سنة (٢٥٠). وقيل: مات آخر سنة (٢٤٩).
وقال في "التقريب": ثقة من العاشرة.
وله في "صحيح مسلم" (٢٣٣) حديثًا.
٢ - (ابن وهب) هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، الحافظ الثقة العابد.
رَوَى عن عمرو بن الحارث، وابن هانئ، وحسين بن عبد الله المعافري، وبكر بن مضر، وحيوة بن شُريح، وسعيد بن أبي أيوب، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، والليث بن سعد شيخه، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن يوسف التنيسي، وأحمد بن صالح المصري، وأحمد بن عمرو بن السرح، وغيرهم.
قال الميموني عن أحمد: كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح. وقال أبو طالب عن أحمد: صحيح الحديث، يَفصل السماع من العرض، والحديث من الحديث، ما أصح حديثه وأثبته، قيل له: إنه كان يُسيئ الأخذ، قال: قد كان، ولكن إذا نظرت في حديثه، وما روى عن مشايخه وجدته صحيحًا. وقال أحمد بن صالح: حَدّث ابن وهب بمائة ألف حديث. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: سمعت ابن بكير يقول: ابن وهب أفقه من ابن القاسم. وقال علي بن الحسين بن الجنيد: سمعت أبا مصعب يعظم ابن وهب، قال: ومسائل ابن وهب عن مالك صحيحة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث، صدوق، أحب إلي من الوليد بن مسلم، وأصح حديثا منه بكثير. وقال هارون بن عبد الله الزهري: كان الناس بالمدينة يختلفون في الشيء عن مالك، فينتظرون قدوم بن وهب حتى يسألوه عنه. وقال الحارث بن مسكين: شهدت ابن عيينة يقول: هذا عبد الله بن وهب شيخ أهل مصر. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: نظرت في نحو ثلاثين ألفا من حديث ابن وهب بمصر وغير مصر، لا أعلم أني رأيت له حديثا لا أصل له، وهو ثقة. وقال أبو حاتم بن حبان: جمع ابن وهب، وصنف، وهو حَفِظ على أهل الحجاز ومصر حديثهم، وعُنِيَ بجمع ما رووا من
стр. 511
المسانيد والمقاطيع، وكان من العباد. وقال ابن عَدِيّ: وابن وهب من أجلة الناس وثقاتهم، وحديث الحجاز ومصر يدور على رواية ابن وهب، وجمعه لهم مسندهم ومقطوعهم، وقد تفرد عن غير شيخ بالرواية من الثقات والضعفاء، ولا أعلم له حديثا منكرا إذا حدث عنه ثقة من الثقات. وقال يونس بن عبد الأعلى: عُرِض على ابن وهب القضاء، فَجَنَّنَ نفسه، ولَزِمَ بيته. وقال ابن عبد البر: كان مولى ريحانة مولاة يزيد بن أنس الفهري. وقال أبو عوانة في "كتاب الجنائز" من "صحيحه": قال أحمد بن حنبل في حديث ابن وهب عن ابن جريج شيء. قال أبو عوانة: صدق؛ لأنه يأتي عنه بأشياء لا يأتي بها غيره. وقال الحارث بن مسكين: جمع ابن وهب الفقه والرواية والعبادة، ورُزق من العلماء محبة وحظوة من مالك وغيره. وقال الحارث: وما أتيته قط إلا وأنا أَفْيَدُ منه خيرًا، وكان يسمى ديوان العلم. قال ابن القاسم: لو مات ابن عيينة لضُربت إلى ابن وهب أكباد الإبل، ما دَوّن العلم أحد تدوينه، وكانت المشيخة إذا رأته خضعت له. وقال ابن سعد: عبد الله بن وهب كان كثير العلم ثقة فيما قال: حدثنا، وكان يدلس. وقال العجلي: مصري ثقة، صاحب سنة، رجل صالح، صاحب آثار. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: كان ابن وهب أفقه من ابن القاسم، إلا أنه كان يمنعه الورع من الفتيا. وعن ابن وضاح قال: كان مالك يكتب إلى عبد الله بن وهب فقيه مصر، قال: وما كتبها مالك إلى غيره، قال: ولما نُعي ابن وهب إلى ابن عيينة ترحم عليه، وقال: أصيب به المسلمون عامة، وأُصبت به خاصة. قال: وقال لي سحنون: كان ابن وهب قد قسم دهره أثلاثا: ثلث في الرباط، وثلث يعلم الناس، وثلث يحج. قال: وأخبرني ثقة عن علي بن معبد قال: رأيت ابن القاسم في النوم، فقلت: كيف وجدت المسائل؟ قال: أُفّ أُفّ، قلت: فما أحسنُ ما وجدت؟ قال: الرباط، قال: ورأيت ابن وهب أحسن حالا منه. وقال الحارث بن مسكين: أخبرني من سمع الليث يقول لابن وهب: إن كنت أجد لابني شيئا، فإني أجد لك مثله. وقال النسائي: كان يتساهل في الأخذ، ولا بأس به. وقال في موضع آخر: ثقة ما أعلمه رَوَى عن الثقات حديثا منكرا. وقال الساجي: صدوق ثقة، وكان من العباد، وكان يتساهل في السماع؛ لأن مذهب أهل بلده أن الإجازة عندهم جائزة، ويقول فيها: حدثني فلان. وقال الساجي أيضًا: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت ابن وهب، وقيل له: ابن فلان حدث عنك، عن النبي ﷺ قال: "لا تكرهوا الفتن، فإن فيها حصاد المنافقين"، فقال ابن وهب: أعماه الله إن كان كاذبًا، فأخبرني أحمد بن عبد الرحمن أن الرجل عمي. وقال أبو الطاهر بن السرح: لم يزل ابن وهب يسمع من مالك من سنة (٤٨) إلى أن مات مالك. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، وموطؤه يزيد على كل من
стр. 512
روى عن مالك. وقال حاتم بن الليث الجوهري عن خالد بن خداش: قرئ على ابن وهب كتاب أهوال يوم القيامة -يعني من تصنيفه- فَخَرّ مغشيا عليه، فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد أيام. قال، فنُرَى -والله أعلم- أنه انصدع قلبه، فمات بمصر سنة سبع وتسعين ومائة. وقال ابن يونس: حدثني أبي عن جدي، قال: سمعت ابن وهب يقول: وُلِدت سنة (١٢٥)، وطلبت العلم وأنا ابن (١٧) سنة. وقال ابن يونس: وتوفي يوم الأحد لأربع بقين من شعبان.
وقال في "التقريب": فقيه حافظ ثقة عابد، من التاسعة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٥٤٤) حديثًا.
٣ - (مالك) بن أنس، أبو عبد الله الإمام الفقيه الحجة الثبت، إمام دار الهجر، المتوفّى سنة ١٧٩ هـ من السابعة، تقدّمت ترجمته عند قول المصنّف: "ممن ذم الرواية عنهم أئمة الحديث الخ". والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن ابن وهب رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه قال: (قَالَ لِي مَالِكٌ) بن أنس (اعْلَمْ) بهمزة الوصل، فعل أمر من علم (أَنَّهُ) الضمير للشأن، وهو ضمير تفسّرة جملة بعده، وهي قوله (لَيْسَ يَسْلَمُ) بفتع أوله وثالثه، من باب علم (رَجُلٌ) بالرفع على الفعليّة، وقوله (حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) جملة في محلّ جرّ صفة لرجل.
والمعنى أنه لا توجد السلامة من معرّة الكذب من يحدّث بكلّ ما سمعه من الوقائع والأمور؛ لأن كلّ ما سمعه فيه الصدق والكذب، والحقّ والباطل، فإذا حدّث به كان واقعًا لا محالة في الكذب (وَلَا يَكُونُ إِمَامًا) بالكسر: أي خليفة، أو عالمًا يُقتدى به، مؤتمّا به في الصلاة، قال الفيّوميّ: الإمام: الخليفة، والإمام: العالم المقتدى به، والإمام من يُؤتمّ به في الصلاة، يُطلق على الذكر والأنثى. قال بعضهم: وربّما أُنّث إمام الصلاة بالهاء، فقيل: امرأة إمامة. وقال بعضهم: الهاء فيها خطأ، والصواب حذفها؛ لأن الإمام اسم، لا صفة. ويقرُب من هذا ما حكاه ابن السّكّيت في "كتاب المقصور والممدود": تقول العرب: عاملنا امرأة، وأميرنا امرأة، وفلانة وصيّ فلان، وفلانة وكيل فلان. قال: وإنما ذُكِّر لأنه إنما يكون في الرجال أكثر مما يكون في النساء، فلما احتاجوا إليه في النساء أجروه على الأكثر في موضعه، وأنت قائل: مؤذّن بني فلان امرأة، وفلانة شاهد بكذا؛ لأن هذا يكثر في الرجال، ويَقِلّ في النساء. وقال تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثّر: ٣٥ - ٣٦]، فذكّر ﴿نَذِيرًا﴾، وهو لإحدى، ثم قال: وليس بخطإ أن تقول: وصيّة، ووكيلة بالتأنيث؛ لأنها صفة المرأة إذا كان لها
стр. 513
فيه حظّ، وعلى هذا فلا يمتنع أن يقال: امرأة إمامة؛ لأن في الإمام معنى الصفة. وجمع "الإمام" أئمة، والأصلُ أأمِمَة، وزانُ أمثلة، فأدغمت الميم في الميم بعد نقل حركتها إلى الهمزة. فمن القرّاء من يُبقي الهمزة محقّقةً على الأصل. ومنهم من يُسهّلها على القياس بين بين. وبعض النحاة يُبدلها ياء؛ للتخفيف. وبعضهم يَعُدُّه لحنًا، ويقول: لا وجه له في القياس. انتهى كلام الفيّوميّ (١). وقوله (أَبَدًا) متعلّق بـ "يكون". وقوله (وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) جملة في محلّ نصب على الحال، كما سبق نظيره قبله.
والمعنى: أنه لا يستحقّ الرجل الإمامة للناس، سواء كان الإمامة الكبرى، وهي الخلافة، أم الصغرى، وهي إمامة الصلاة، ونحوها إذا كان يحدّث الناس بكل ما سمعه؛ إذ التحديث بكلّ ذلك لا يخلو من الكذب بشهادة الحديث المتقدّم، وفيه مباعدة عن مسلك الحزم والاحتياط، وتجافٍ عن مراعاة المصالح المطلوبة شرعًا وعقلًا، فلا يكون صاحبه لائقًا بمنصب الإمامة، ولا يستأهل لها. والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه: أنه إذا حدّث بكلّ ما سمع كثُر الخطأ في روايته، فتُرك الاعتماد عليه، والأخذ عنه. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: "ولا يكون إمامأ أبدًا": أي إذا وجد الكذب في روايته لم يُوثق بحديثه، وكان ذلك جرحةً فيه، فلا يصلح ليقتدي به أحد، ولو كان عالمًا، فلو بيّن الصحيح من السقيم، والصادق من الكاذب، سلم من ذلك، وتَفَصَّى عن عهدة ما يجب عليه من النصيحة الدينية. انتهى (٣).
[تنبيه]: هذا الأثر من أفراد المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أخرجه هنا بهذا السند فقط. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المذكور في أول الكتاب إليه:
١١ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ، تقدّم في ١/ ٣.
стр. 514
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ البصريّ الإمام الحجة، تقدّمت ترجمته عند ذكر أئمة الجرح والتعديل.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّمت ترجمته في ١/ ١.
٤ - (أبو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عُبيد، ويقال: علي، ويقال: ابن أبي شعيرة، أبو إسحاق السبيعي الكوفي، والسَّبِيع من همدان، وُلد لسنتين بقِيَتَا من خلافة عثمان، قاله شريك عنه.
رَوَى عن علي بن أبي طالب، والمغيرة بن شعبة، وقد رآهما، وقيل: لم يسمع منهما، وعن سليمان بن صُرَد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وحارثة بن وهب الخزاعي، وحُبيش بن جُنادة، وذي الْجَوْشَن، وعبد الله بن يزيد الْخَطْمي، وعدي بن حاتم، وعمرو بن الحارث بن أبي ضرار، والنعمان بن بشير، وأبي جُحَيفة السُّوائي، والأسود بن يزيد النخعي، وأخيه عبد الرحمن بن يزيد، وابنه عبد الرحمن بن الأسود، والأغر أبي مسلم، وأبي الأحوص الجشمي، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابنه يونس، وابن ابنه إسرائيل بن يونس، وابن ابنه الآخر يوسف بن إسحاق، وقتادة، وسليمان التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وفطر بن خليفه، وشعبة، ومسعر، والثوري، وهو أثبت الناس فيه، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: أيما أحب إليك أبو إسحاق، أو السدي؟ فقال: أبو إسحاق ثقة، ولكن هؤلاء الذين حملوا عنه بآخره. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال ابن المديني: أحصينا مشيخته نحوا من ثلاثمائة شيخ، وقال مرة: أربعمائة. وقد روى عن سبعين، أو ثمانين لم يرو عنهم غيره. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، والشعبي أكبر منه بسنتين. وقال أبو حاتم: ثقة، وهو أحفظ من أبي إسحاق الشيباني، وشبه الزهري في كثرة الرواية، واتساعه في الرجال، وقال له رجل: إن شعبة يقول: إنك لم تسمع من علقمة، قال: صدق. وقال أبو داود الطيالسي: قال رجل لشعبة: سمع أبو إسحاق من مجاهد؟ قال: ما كان يصنع بمجاهد، كان هو أحسن حديثا من مجاهد، ومن الحسن، وابن سيرين. وقال الحميدي عن سفيان: مات سنة ست وعشرين ومائة. وقال أحمد عن يحيى بن سعيد: مات سنة سبع. وكذا قال غير واحد. وقال أبو نعيم: مات سنة (٨). وقال عمرو بن علي: مات سنة (٢٩). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: مات وهو ابن (٩٦). وقال ابن سعد: أنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، أنه صلى خلف عليّ الجمعة، قال: فصلاها بالهاجرة، بعدما زالت الشمس. وعن أبي بكر بن عياش قال: مات أبو إسحاق، وهو ابن مائة سنة أو
стр. 515
نحوها. وقال ابن حبان في كتاب "الثقات": كان مدلسا، وُلد سنة (٢٩) ويقال: سنة (٣٢). وكذا ذكره في المدلسين حسين الكرابيسي، وأبو جعفر الطبري.
وقال في "التقريب": مكثرٌ ثقة عابد، من الثالثة، اختلط بآخره.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٧٩) حديثًا.
٥ - (أبو الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَةَ الجشمي، أبو الأحوص الكوفي، من بني جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن.
رَوَى عن أبيه، وله صحبة، وعن علي، وقيل: إنه لم يسمع منه، وابن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعروة بن المغيرة بن شعبة، ومسروق بن الأجدع، ومسلم بن يزيد، وغيرهم.
ورَوَى عنه ابن أخيه أبو الزَّعْراء الْجُشَمي، وأبو إسحاق السبيعي، ومالك بن الحارث السلمي، وعبد الله بن مرة، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال غيره: قتلته الخوارج أيام الحجاج بن يوسف. وقال ابن سعد: روى عن حذيفة، وزيد ابن صوحان، قال: وكان ثقة، له أحاديث، أنا عفان، أنا حماد بن زيد، أنا عاصم قال: كنا نأتي أبا عبد الرحمن السُّلَمِيّ، فكان يقول لنا: لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص. وقال النسائي في "الكنى": كوفي ثقة، أنا أحمد بن سليمان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: خرج أبو الأحوص إلى الخوارج فقاتلهم فقتلوه. وذكر الخطيب في "تاريخه" أنه شهد مع علي قتال الخوارج بالنهروان، قال الحافظ: فإن ثبت ذلك فلا يدفع سماعه منه.
وقال في "التقريب": مشهور بكنيته، ثقة من الثالثة.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في صحيح مسلم (١٣) حديثًا.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود بن غافل -بمعجمة، وفاء- ابن حبيب بن شَمْخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس ابن مضر بن نزار الْهُذَلي، أبو عبد الرحمن، حَلِيف بني زهرة، وكان أبوه حالف عبد الحارث بن زهرة. أمه أم عبد الله بنت عبد وَدّ بن سواءة، أسلمت، وصحبت. أحد السابقين الأولين، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين.، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، ولازم النبي ﷺ ، وكان صاحب نعليه، وحَدّث عن النبي ﷺ بالكثير، وعن عمر، وسعد بن
стр. 516
معاذ، وروى عنه ابناه: عبد الرحمن، وأبو عبيدة، وابن أخيه عبد الله بن عتبة، وامرأته زينب الثقفية، ومن الصحابة: العبادلة، وأبو موسى، وأبو رافع، وأبو شُرَيح، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وأبو جُحَيفة، وأبو أمامة، وأبو الطفيل، ومن التابعين: علقمة، والأسود، ومسروق، والربيع بن خثيم، وشريح القاضي، وأبو وائل، وزيد بن وهب، وزِرّ بن حُبيش، وأبو عمرو الشيباني، وعَبِيدة بن عمرو السلماني، وعمرو بن ميمون، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبو عثمان النَّهْدي، والحارث بن سُويد، ورِبْعي بن حِرَاش، وآخرون.
وآخى النبي ﷺ بينه وبين الزبير، وبعد الهجرة بينه وبين سعد بن معاذ، وقال له في أول الإسلام: "إنك لغلام مُعَلَّم". وأخرج البغوي من طريق القاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: قال عبد الله: لقد رأيتني سادس ستة، وما على الأرض مسلم غيرنا. وبسند صحيح عن ابن عباس قال: آخى النبي ﷺ بين أنس وابن مسعود. وقال أبو نعيم: كان سادس من أسلم، وكان يقول: أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة. أخرجه البخاري. وهو أول من جهر بالقرآن بمكة. ذكره ابن إسحاق عن يحيى بن عروة، عن أبيه (١). وقال النبي ﷺ : "من سَرَّه أن يقرأ القرآن غَضّا، كما نزل، فليقرأ على قراءة ابن أم عبد" (٢). وكان يلزم رسول الله ﷺ ، ويحمل نعليه. وقال علقمة: قال لي أبو الدرداء: أليس فيكم صاحب النعلين والسواك والوساد -يعني عبد الله-. وقال له رسول الله ﷺ : "إذنُكَ عَلَيَّ أن ترفع الحجاب، وتسمع سوادي حتى أنهاك". أخرجهما أصحاب الصحيح، وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "تمسكوا بعهد ابن أم عبد". أخرجه الترمذي في أثناء حديث (٣). وأخرج الترمذي أيضا من طريق الأسود بن يزيد، عن أبي موسى قال: قدمت أنا وأخي من اليمن، وما نرى ابن مسعود إلا أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ ؛ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي ﷺ . وعند البخاري في "التاريخ" بسند صحيح عن حُريث ابن ظُهير: جاء نعي عبد الله بن مسعود إلى أبي الدرداء، فقال: ما ترك بعده مثله. وقال البخاري: مات قبل قتل عثمان. وقال أبو نعيم وغيره: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. وقيل: مات سنة ثلاث. وقيل: مات بالكوفة، والأول أثبت. وعن عبد الرحمن بن يزيد النخعي: قال أتينا حذيفة، فقلنا: حدثنا بأقرب الناس من رسول الله ﷺ
стр. 517
هديا ودَلًّا نَلْقاه، فنأخذ عنه، ونسمع منه، قال: كان أقرب الناس هديا ودلا وسَمْتًا برسول الله ﷺ ابن مسعود، لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد من أقربهم إلى الله زلفى. أخرجه الترمذي بسند صحيح. وأخرج من طريق الحارث، عن علي رفعه: "لو كنت مُؤَمِّرًا أحدًا بغير مشورة لأمرت ابن أم عبد" (١). ومن أخباره بعد النبي ﷺ أنه شهد فتوح الشام، وسَيَّره عمر إلى الكوفة؛ ليعلمهم أمور دينهم، وبعث عمارا أميرًا، وقال: إنهما من النجباء، من أصحاب محمد، فاقتدوا بهما، ثم أَمّره عثمان على الكوفة، ثم عزله، فأمره بالرجوع إلى المدينة. وأخرج ابن سعد من طريق الأعمش قال: قال زيد بن وهب: لما بَعَث عثمان إلى ابن مسعود يأمره بالقدوم إلى المدينة، اجتمع الناس، فقالوا: أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال: إن له عليّ حقَّ الطاعة، ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن. وقال علي: قال رسول الله ﷺ : "لَرِجْلُ عبد الله أثقل في الميزان من أحد". أخرجه أحمد بسند حسن. ومن طريق تميم بن حرام: جالست أصحاب رسول الله ﷺ ، فما رأيت أحدا أزهد في الدنيا، ولا أرغب في الآخرة، ولا أحب إليّ أن أكون في صلاحه من ابن مسعود. وأخرج البغوي من طريق سيّار، عن أبي وائل أن ابن مسعود رأى رجلا قد أسبل إزاره، فقال: ارفع إزارك، فقال: وأنت يا ابن مسعود، فارفع إزارك، فقال: إني لست مثلك، إن بساقي حُمُوشة، وأنا آدم الناس، فبلغ ذلك عمر، فضرب الرجل، ويقول: أترد على ابن مسعود. أخرج له الجماعة. وله في "صحيح مسلم" (١٦٧) حديثًا (٢). والله تعالى أعلم.
و شرح الأثر واضحٌ؛ حيث تقدّم مرارًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
١٢ - (وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ، حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ).
شرح الأثر:
(وحدّثنا) الواو عاطفة على حدّثنا الماضي (محمد بن المثنّى) أبو موسى العنزيّ (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: لَا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ) بالبناء
стр. 518
للمفعول، والجملة صفة "إمامًا" (حَتَّى يُمْسِكَ) بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإمساك، وهو كناية عن الترك (عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ) أي عن التحديث ببعض ما سمع، والمراد بالبعض هو الذي يكون كذبًا، أو يُشكّ في كونه كذبًا. والمعنى أن مما ينبغي للشخص الذي يستحقّ أن يكون قدوة للناس أن لا يُحدّث إلا بما يتيقّن أنه صدقٌ، ويترك ما لا يتيقّن صدقه؛ لأن ذلك أدعى لاستجابة الناس له، وإقبالهم عليه، واستفادتهم منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
١٣ - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: سَأَلَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ بِعِلْمِ الْقُرْآنِ، فَاقْرَأْ عَلَيَّ سُورَةً، وَفَسِّرْ، حَتَّى أَنْظُرَ فِيمَا عَلِمْتَ، قَالَ: فَفَعَلْتُ، فَقَالَ لِيَ: احْفَظْ عَلَيَّ مَا أَقُولُ لَكَ: إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ فِي نَفْسِهِ، وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِهِ).
رجال هذا الأثر أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ الحافظ الحجة، تقدّم في ١/ ٩.
٢ - (عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ) هو عمر بن عليّ بن عطاء بن مقدّم -بوزن محمد- المقدّميّ، أخو أبي بكر المقدّميّ، أبو حفص البصريّ، واسطيّ الأصل، مولى ثقيف. قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكره فأثنى عليه خيرا، وقال: كان يدلس. وقال ابن معين: كان يدلس، وما كان به بأس، حسن الهيئة، وأصله واسطي نزل البصرة، لم أكتب عنه شيئا. وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان يدلس تدليسا شديدا، يقول: سمعت، وحدثنا، ثم يسكت، فيقول: هشام بن عروة، والأعمش، وقال: كان رجلا صالحا، ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس، وأما غير ذلك فلا، ولم أكن أَقْبَل منه حتى يقول: حدثنا. وقال أبو حاتم: محله الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاء بزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. قال ابنه عاصم: مات سنة تسعين ومائة في جمادى الأولى، وفيها أرخه البخاري. وقال أبو موسى مات سنة (٩٢). وقال أبو زيد عمر بن شبة: كان مدلسا، وكان مع تدليسه أنبل الناس. وفي "الميزان" عن أحمد: عمرُ بنُ علي صالح عفيف مسلم عاقل، كان به من العقل أمر عجيب جدا، جاء إلى معاذ بن معاذ، فأَدَّى إليه مائتي ألف. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحكى القولين في وفاته. وقال الساجي: صدوق ثقة،
стр. 519
كان يدلس. ونقل ابن خلفون توثيقه عن العجلي. وقال في "التقريب": ثقة، وكان يدلّس تدليسًا شديدًا، من الثامنة.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" هذا الأثر، وحديث رقم (٤٨٢٨) حديث عبد الله بن عمرو: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ... " الحديث.
٣ - (سفيان بن حسين) بن الحسن، أبي محمد، أو أبي الحسن الواسطيّ.
قال ابن أبي خيثمة عن يحيى: ثقة في غير الزهري، لا يدفع، وحديثه عن الزهري ليس بذاك، إنما سمع منه بالموسم. وقال الدُّوري عن ابن معين نحوا منه. وقال الْمَرُّوذي عن أحمد: ليس بذاك في حديثه عن الزهري. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة، وفي حديثه ضُعْف. وقال النسائي: ليس به بأس إلا في الزهري. وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة إلا أنه كان مضطربا في الحديث قليلا. وقال العجلي: ثقة. وقال ابن سعد: ثقة يخطىء في حديثه كثيرا. وقال ابن عدي: هو في غير الزهري صالح، وفي الزهري يَرِوي أشياء خالف الناس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: أما روايته عن الزهري، فإن فيها تخاليط يجب أن يُجانَب، وهو ثقة في غير الزهري، مات في ولاية هارون، وقال في "الضعفاء" يروي عن الزهري المقلوبات، وذلك أن صحيفة الزهري اختلطت عليه. وقال أبو داود عن أحمد: هو أحب إلي من صالح بن أبي الأخضر، قال أبو داود: وليس هو من كبار أصحاب الزهري. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يُكتَب حديثه، ولا يحتج به، مثل ابن إسحاق، وهو أحب إلي من سليمان بن كثير. وقال النسائي في "التمييز": ليس به بأس إلا في الزهري، فإنه ليس بالقوي فيه. وقال البزار: واسطي ثقة. وقال ابن عدي: قال أبو يعلى: قلت لابن معين عن حديث سفيان بن حسين، عن الزهري في الصدقات، فقال: لم يتابعه عليه أحد ليس يصح. وقال أبو داود عن ابن معين: ليس بالحافظ.
وقال في "التقريب": ثقة في غير الزهريّ باتّفاقهم، من السابعة، مات بالريّ مع المهديّ، وقيل: في أول خلافة الرشيد.
علّق له البخاريّ، وأخرج له مسلم هنا في "المقدّمة"، والأربعة.
٤ - (إياس بن معاوية) بن قُرّة بن إياس المزنيّ، أبو واثلة البصريّ قاضيها، ولجده صحبة، المعروف بالذكاء (١)،
стр. 520
قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وكان عاقلا من الرجال فطنًا. وقال ابن عون: ذكر إياس عند ابن سيرين، فقال: إنه لَفَهِمٌ. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال العجلي: بصري ثقة، وكان على قضاء البصرة، وكان فقيها عفيفا. وقال قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد: أتى رجل إياس بن معاوية يشاوره في خصومة، فقال: إن أردت القضاء فعليك بعبد الملك بن يعلى، فهو القاضي، وإن أردت الفُتْيا فعليك بالحسن، فهو معلمي، ومعلم أبي، وإن أردت الصلح فعليك بحميد الطويل، وتدري ما يقول لك؟ يقول لك: دع شيئا من حقك، وخذ شيئا، وإن أردت الخصومة فعليك بصالح السدوسي، وتدري ما يقول لك؟ اجحد ما عليك، وادَّع ما ليس لك، واستشهد الغيب. وقال الأصمعي عن حماد بن زيد: كان أيوب يقولَ: لقد رموها بحجرها -يعني إياس بن معاوية- حين ولي القضاء. قال المدائني: مات إياس بعبدسا، وكانت له فيها ضَيْعة، فخرج من البصرة لرؤيا رآها. وقال خليفة، والهيثم بن عدي: مات سنة (١٢٢).
وقال في "التقريب": ثقة، من الخامسة.
علّق له البخاريّ، وذكره المصنّف في هذا الموضع فقط. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
(عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ) أنه (قَالَ: سَأَلَنِي إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) المزنيّ. وقوله: (فَقَالَ) تفسير لقوله: "سألني" (إِنِّي) بكسر الهمزة (أَرَاكَ قَدْ كَلِفْتَ) -بفتح الكاف، وكسر اللام، وبالفاء-: أي أحببته، وأُولِعتَ به، يقال: كَلِفْتُ به كَلَفًا، فأنا كَلِفٌ، من باب تَعِبَ، والاسم الْكَلَافة بالفتح. قاله الفيّوميّ (١). وقال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هو بكسر اللام، من الكَلَف بالشيء، وهو الولوع به، والمحبّة له، والاعتناء به. وهكذا صحّت روايتنا فيه. وقد رُوي من طريق الطبريّ. "علقت"، وهو من العلاقة، وهي المحبّة. انتهى (٢). وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه: وَلِعتَ به، ولازمته. قال ابن فارس وغيره من أهل اللغة: الْكَلف: الإيلاع بالشيء. وقال أبو القاسم الزمخشريّ: الكلف الإيلاع بالشيء مع شغل قلب ومشقّة. انتهى (٣). (بِعِلْمِ الْقُرْآنِ) متعلّقٌ بما قبله، وإضافة علم إلى القرآن من إضافة المصدر إلى مفعوله: أي بعلمك تفسير القرآن (فَاقْرَأْ) بوصل الهمزة؛ لأنه فعل أمر من قرأ ثلاثيّا (عَلَيَّ سُورَةً) أي أسمعني قراءة سوره من سور القرآن (وَفَسِّرْ) أمر من التفسير، وهو التوضيح، والتشديد للمبالغة، قال الفيّوميّ: فَسَرتُ الشيءَ فَسْرًا، من باب ضربْ بيّنته، وأوضحته، والتثقيل مبالغة. انتهى (٤). والمعنى هنا: اقرأ عندي سورة من القرآن،
стр. 521
وأوضح معناه (حَتَّى أَنْظُرَ) بالنصب بـ "حتّى"؛ لكون الفعل مستقبلًا، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" حَالًا أوْ مُؤَوَّلَا ... بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
(فِيمَا عَلِمْتَ) "ما" مصدريّة: أي في مقدار علمك، ويحتمل أن تكون موصولًا اسميّا، والعائد محذوف، كما قال في "الخلاصة":
............. ... وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ ... بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ
أي في الذي علمته من تفسير القرآن.
[تنبيه]: ذكر صاحب "فتح الملهم" أن "علمت" يوجد بفتح التاء، وهو الأظهر، وبضمّها، ويحتمل أن تكون حينئذ "في" سببيّة. انتهى (١).
(قَالَ) سفيان بن حُسين (فَفَعَلْتُ) أي ما أمره به، من قراءة سورة عليه، ثم تفسيرها (فَقَالَ) إياس بن معاوية (لِيَ: احْفَظْ عَلَيَّ) أي منّي، فـ "على" بمعنى "من" على حدّ قوله تعالى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ الآية [المطففين: ٢] (مَا أَقُولُ لَكَ) "ما" اسم موصول مفعول به لا حفظ: أي احفظ الذي أذكره لك، وهو قوله (إِيَّاكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الْحَدِيثِ) أي أُحذّرك من الشناعة في الحديث، و "الشناعة" -بفتح الشين المعجمة، وتخفيف النون-: القبح. قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الشناعة في الحديث: هو ما يُستقبح، ويُستنكر، يقال: شَنِعتُ بالشيء بكسر النون: أي أنكرته، وشَنُع الشيء بضمّها: قَبُح في نفسه، وشنّعتُ على الرجل مشدّدا: إذا ذكرت عنه قبيحًا. حذّره بهذا القول عن أن يُحدّث الأحاديث المنكرة، فيُكَذَّب، ويَذِلّ. انتهى (٢).
وقال النوويّ: قال أهل اللغة: الشَّنَاعَةُ: القبح. وقد شَنُع الشيءُ بضم النون: أي قبُح، فهو أشنع، وشَنيعٌ. وشَنِعتُ بالشيء بكسر النون، وشَنَّعته: أي أنكرته، وشَنّعتُ على الرجل: أي ذكَرتُهُ بقبيح.
ومعنى كلامه أنه حذّره أن يُحدّث بالأحاديث المنكرة التي يُشَنَّعُ على صاحبها، ويُنكَرُ، ويُقَبَّح حال صاحبها، فيُكذّب، أو يُستراب في رواياته، فتَسقُط منزلته، ويذلّ في نفسه. انتهى (٣).
[فائدة]: قوله: "إياك والشناعة" هذا التركيب هو الذي يُسمّى في علم النحو
стр. 522
بـ "التحذير"، وهو تنبيه المخاطب على أمر يجب الاحتراز منه، نحو: "إياك والشرّ"، وهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا، فقيل: التقدير: اتّق نفسك والشناعة، وقيل: باعد نفسك من الشناعة، والشناعة منك، وقيل: احذر تلاقي نفسك والشناعة. وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ ... مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لإِيَّا انْسُبْ وَمَا ... سِوَاهُ سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
إِلَّا مَعَ الْعَطْفِ أَوِ التَّكْرَارِ ... كَالضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي
وراجع تفاصيل المسألة في شروح "الخلاصة"، وحواشيها. والله تعالى أعلم.
(فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل، والضمير للشأن: أي إن الأمر والشأن (قَلَّمَا) "ما" هذه زائدة كافّة؛ لأنها كفّت الفعل عن عمل الرفع في الفاعل، قال ابن هشام الأنصاريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "كتابه "مغني اللبيب": ما معناه: لا تتصل "ما" هذه إلا بثلاثة أفعال، "قلّ"، و"كثُر"، و "طال"، وعلّة ذلك شبههنّ بـ "رُبّ"، ولا يدخلن حينئذ إلا على جملة فعليّة، صُرّح بفعليّتها، كقوله [من الخفيف]:
قَلَّمَا يَبْرَحُ اللَّبِيبُ إِلَى مَا ... يُورِثُ الْمَجْدَ دَاعِيًا أَوْ مُجِيبَا
وزعم بعضهم أن "ما" مع هذه الأفعال مصدريّة، لا كافّة. انتهى (١). وعلى هذا فالفعل بعدها صلتها، وهي في تأويل المصدر فاعل "قلّ". وقال الأمير في "حاشيته": وزاد بعضهم على هذه الأفعال "قَصُرَ"، وهي أفعالٌ لا فاعل لها، كالتوكيد اللفظيّ في قام قام زيد، و "كان" الزائدة. انتهى.
وقد نظمت ما ذُكر بقولي:
وَ "مَا" تَكُفُّ "طَالَ" "قَلَّ" "كَثُرَا" ... وَبَعْضُهُمْ زَادَ عَلَيْهَا "قَصُرَا"
فَلَا يَلِيهَا فَاعِلٌ كَقَامَا ... فِي قَامَ قَامَ صَالِحٌ إِكْرَامَا
وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ مَا مُؤَوِّلَهْ ... فَمَعَ مَا يَلِي تَكُونُ فَاعِلَهْ
(حَمَلَهَا) أي الشناعة في الحديث (أَحَدٌ) بالرفع على الفاعليّة (إِلَّا ذَلَّ) بالبناء للفاعل، منِ باب ضرب، والاسم الذُّلُّ بالضمّ، والذّلّة بالكسر، والمذلّة: أي ضَعُفَ، وهان (فِي نَفْسِهِ) يعني أنه يكون ذليلًا حقيرًا عند الناس، فلا يُقبلون عليه (وَكُذِّبَ) بالتشديد، مبنيّا للمفعول (فِي حَدِيثِهِ) يعني أن الناس يكذّبون حديثه، فلا يَقبَلونه.
وحاصل كلام إياس رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه حذّره أن يحدّث بالأحاديث المنكرة التي تُشنّع،
стр. 523
ويُنكر، ويقبّح صاحبها، فيكذّب، أو يستراب في روايته، فتسقط منزلته، ويذلّ في نفسه.
قال صاحب "فتح الملهم": انظر هل هذا خاصّ بما لا يعتقد صحّته، أو وإن اعتقدها، إذا كان يرى أنه لا يقبل منه، ويُردّ في وجهه؛ لأنه يضع من نفسه بغير فائدة، والثاني أظهر، ويدلّ عليه أثر ابن مسعود ﵁ الذي بعده. قال: ولعلّ إياس بن معاوية أوصاه خاصّة بهذه الوصيّة النافعة؛ لأنه كان مولعًا بتفسير القرآن العظيم، والمشتغلون بالتفسير كثيرًا ما يتساهلون في الرواية والنقل، فنبّهه على التجنّب من هذه البليّة العظمى، وهذا من دلائل فطنة إياس المشهورة رَحِمَهُ اللهُ تعالى. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:
١٤ - (وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً).
رجال هذا الأثر سبعة:
١ - (أبو الطاهر) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المذكور قبل حديثين.
٢ - (حَرْمَلة بن يحيى) بن عبد الله بن حرملة بن عمران التُّجِيبيّ، أبو حفص، وقيل: أبو عبد الله المصريّ، وهو صاحب الإمام الشافعيّ ﵀، وهو الذي يروي عن الشافعيّ كتابه المعروف في الفقه.
رَوَى عن ابن وهب فأكثر، وعن الشافعي ولازمه، وأيوب بن سُويد الرملي، وبشر ابن بكر، وأبي صالح عبد الغفار بن داود الحراني، ويحيى بن عبد الله بن بُكير، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، وابن ماجه، وروى له النسائي بواسطة أحمد بن الهيثم الطَّرَسوسي، وأبو دُجانة أحمد بن إبراهيم المصري، وحفيده أحمد بن طاهر بن حرملة، وأبو عبد الرحمن، أحمد بن عثمان النسائي الكبير، رفيق أبي حاتم في الرحلة، وإبراهيم بن الجنيد، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والحسن بن سفيان، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن الحسن بن قتيبة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يُحتج به. وقال الدُّوري عن يحيى شيخ لمصر، يقال له: حرملة كان أعلم الناس بابن وهب، وقال ابن عدي: سألت عبد الله بن محمد ابن إبراهيم الفرهاذاني أن يُملِي عليّ شيئا من حديث حرملة، فقال: يا بُني ما تصنع
стр. 524
بحرملة صعب. وقال أحمد بن صالح: صنف ابن وهب مائة ألف حديث وعشرين ألف حديث عند بعض الناس النصف -يعني نفسه- وعند بعض الناس منها الكل -يعني حرملة-. قال ابن عدي، وقد تَبَحَّرْتُ حديثَ حرملة، وفَتَّشتُه الكثيرَ فلم أجد فيه ما يجب أن يُضَعَّف من أجله، ورجلٌ يكون حديث ابن وهب كله عنده، فليس ببعيد أن يُغْرِب على غيره كُتُبا ونُسَخًا، وأما حمل أحمد بن صالح عليه، فإن أحمد سَمِع في كتب حرملة من ابن وهب فأعطاه نصف سماعه ومنعه النصف، فتولد بينهما العداوة من هذا، وكان من يَبدأ بحرملة إذا دخل مصر لم يحدثه أحمد بن صالح، وما رأينا أحدًا جمع بينهما، كذا قال، وقد جمع بينهما أحمد بن رِشدين شيخ الطبراني، لكن يُحمل قولُ ابن عدي على الغرباء.
وقال ابن يونس: وكان من أَمْلإ الناس بما روى ابنُ وهب. ونقل أبو عمر الكنديّ أن سبب كثرة سماعه من ابن وهب أن ابن وهب استخفى عندهم لَمّا طُلِب للقضاء، قال: ونظر إليه أشهب فقال: هذا خير أهل المسجد. وقال الْعُقيليّ: كان أعلم الناس بابن وهب، وهو ثقة -إن شاء الله تعالى-. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو عبد الله البُوشَنجي: سمعت عبد العزيز بن عمران المصري يقول: لَقِيتُ حرملة بعد موت الشافعي، فقلت له: أَخرِج إليّ فهرست كُتب الشافعي، قال: فأخرجه إليّ، فقلت: ما سمعتم من هذه الكتب؟ قال: فَسَمَّى لي سبعة كتب أو ثمانية، فقال: هذا كل شيء عندنا عن الشافعي عرضًا وسماعًا، قال أبو عبد الله البوشنجي: فرَوَى عنه الكتب كلها سبعين كتابا أو أكثر، وزاد أيضا ما لم يُصنّفه الشافعي، وذاك أنه رَوَى عنه فيما أخبرنا بعض أصحابنا كتاب الفَرْق ببن السحر والنبوة، وأنه قيل له في ذلك، فقال: هذا تصنيف حفص الفرد، وقد عرضته على الشافعي فرضيه.
مات حرملة رَحِمَهُ اللهُ تعالى سنة (٢٤٤). وقال ابن يونس: وُلِد سنة (١٦٦) وتُوفي لتسع بقين من شوال سنة (٢٤٣).
وقال في "التقريب": صدوقٌ، من الحادية عشرة.
رَوَى عنه مسلم، وابن ماجه، وروى له النسائيّ بواسطة أحمد بن الهيثم الطرسوسيّ. وله في صحيح مسلم (٢٦٨) حديثًا.
[تنبيه]: حرملة بن يحيى هذا هو التجيبيّ -بمثناة من فوق مضمومة على المشهور-، وقال صاحب "المطالع": بفتح أوله وضمه، قال: وبالضم يقول أصحاب الحديث، وكثير من الأُدباء، قال: وبعضهم لا يجيز فيه إلا الفتح، ويزعم أن التاء أصلية، وفي باب التاء ذكره صاحب "العين"، يعني فتكون أصلية، إلا أنه قال: تجيب، وتجوب قبيلة، يعني قبيلة من كندة، قال: وبالفتح قيدته على جماعة شيوخي، وعلى ابن
стр. 525
سراج وغيره، وكان ابن السِّيد البطليوسي يذهب إلى صحة الوجهين. هذا كلام صاحب "المطالع". وقد ذكر ابن فارس في "المجمل" أن تجوب قبيلة من كندة، وتجيب بالضم بطن لهم شرف، قال: وليست التاء فيهما أصلا، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز غيره، وأما حكم صاحب "العين" بأن التاء أصل فخطأ ظاهر. والله أعلم (١).
٣ - (ابن وهب) هو: عبد الله القرشيّ المصريّ المتقدّم في ٣/ ١٠.
٤ - (يونس) بن يزيد بن أبي النِّجَاد، ويقال: ابن مِشْكَان بن أبي النجاد الأيليّ، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان.
رَوَى عن أخيه أبي عليّ بن يزيد، والزهريّ، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وعُمارة بن غَزِيّة، وعكرمة، وغيرهم. ورَوَى عنه جرير، وعمرو بن الحارث، ومات قبله، وابن أخيه عنبسة بن خالد بن يزيد الأيليّ، والليث، والأوزاعيّ، وابن المبارك، وابن وهب، وخلق كثير.
قال ابن المديني، وابن مهدي: كان ابن المبارك يقول: كتابه صحيح، قال ابن مهدي: وكذا أقول. وقال عبدان عن ابن المبارك: إني إذا نظرت في حديث معمر ويونس يعجبني، كأنهما خرجا من مشكاة واحدة. وقال عبد الرزاق عن ابن المبارك: ما رأيت أحدا أروى للزهري من معمر، إلا أن يونس أحفظ للمسند، وفي رواية: إلا يونس، فإنه كتب على الوجه. وقال محمد بن عوف عن أحمد: قال وكيع: رأيت يونس ابن يزيد الأيلي، وكان سيِّىء الحفظ. وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد: ما أعلم أحدا أحفظ بحديث الزهري من معمر إلا ما كان من يونس، إنه كتب كل شيء هناك. وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: فإبراهيم بن سعد؟ فقال: وأي شيء رَوَى إبراهيم عن الزهري إلا أنه في قلة روايته أقل خطأ من يونس، قال: ورأيته يحمل على يونس، قال: وأنكر عليه، وقال: كان يجيء عن سعيد بأشياء ليست من حديث سعيد، وضعّف أمره، وقال: لم يكن يعرف الحديث، وكان يكتب أرى أولى الكلام، فينقطع الكلام، فيكون أوله عن سعيد، وبعضه عن الزهري، فيشتبه عليه، قال أبو عبد الله: وعقيل أقل خطأ منه. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: في حديث يونس عن الزهري منكرات، منها عن سالم عن أبيه: "فيما سقت السماء العشر". وقال الميموني: سئل أحمد من أثبت في الزهري؟ قال: معمر، قيل: فيونس؟ قال: روى أحاديث منكرة. وقال الفضل بن زياد عن أحمد: ثقة. وقال الدوري عن ابن معين: أثبت الناس في الزهري مالك، ومعمر، ويونس، وعقيل، وشعيب، وابن
стр. 526
عيينة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: يونس أحب إليك أو عقيل؟ قال: يونس ثقة، وعقيل ثقة قليل الحديث عن الزهري، قلت: أين يقع الأوزاعي من يونس؟ قال: يونس أسند عن الزهري. وقال يعقوب بن شيبة عن أحمد بن العباس: قلت لابن معين: معمر أو يونس؟ قال: يونس أسندهما، وهما ثقتان جميعًا، وكان معمر أحلى. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: يونس ومعمر عالمان بالزهري. وقال أحمد بن صالح: نحن لا نقدم في الزهري على يونس أحدًا، قال: وكان الزهري إذا قَدِم أَيْلَةَ نزل عليه. وقال يعقوب الفارسي، عن محمد بن عبد الرحيم: سمعت عليا يقول: أثبت الناس في الزهري ابن عيينة، وزياد بن سعد، ثم مالك، ومعمر، ويونس من كتابه. وقال ابن عمار: مالك وسفيان هؤلاء أصحاب الزهري، ويونس عارف برأيه. وقال العجلي، والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، عالم بحديث الزهري. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وقال ابن سعد: كان حلو الحديث كثيرهُ، وليس بحجة، ربما جاء بالشيء المنكر. وقال ابن يونس: كان من موالي بني أمية. وقال خالد بن نِزار: كان الأوزاعيّ يَحُضّني على يونس بن يزيد. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر: زعموا أنه تُوفّي بصعيد مصر سنة (١٥٢). وقيل: مات سنة (١٥٩) وقيل: (١٦٠).
وقال في "التقريب": ثقة إلا أن في روايته عن الزهريّ وَهَمًا قليلًا، وفي غيره خطأ، من كبار السابعة. انتهى.
أخرج له الجماعة. وله في "صحيح مسلم" (٢٧٢) حديثًا.
٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت، تقدّمت ترجمته (١).
٦ - (عبيد الله بن عبد الله بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذَلي أبو عبد الله المدني.
روى عن أبيه، وأرسل عن عمّ أبيه عبد الله بن مسعود، وعمّار بن ياسر، وعمر، وعن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وعثمان بن حُنَيف، والنعمان بن بشير، وأبي سعيد الخدريّ، وجماعة. وروى عنه أخوه عون، والزهريّ، وسعد بن إبراهيم، وأبو الزناد، وصالح بن كيسان، جماعة.
قال العجلي: كان أعمى، وكان أحد فقهاء المدينة، تابعي ثقة، رجل صالح، جامع للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون إمام. وعن
стр. 527
الزهري قال: ما جالست أحدا من العلماء إلا وأرى أني قد أتيت على ما عنده، وقد كنت اختلفت إلى عروة، حتى ما كنت أسمع منه إلا معادًا، ما خلا عبيد الله بن عتبة، فإنه لم آته إلا وجدت عنده علمًا طريفًا. وعن عبيد الله قال: ما سمعت حديثا قط ما شاء الله أن أعيه إلا وعيته. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أيما أحب إليك عكرمة أو عبيد الله؟ قال: كلاهما ولم يخير. وقال الواقدي: كان عالمًا، وكان ثقة فقيهًا، كثير الحديث والعلم، شاعرًا، وقد عمي. وقال أبو جعفر الطبري: كان مقدما في العلم والمعرفة بالأحكام والحلال والحرام، وكان مع ذلك شاعرًا مُجِيدًا. وقال ابن عبد البر: كان أحد الفقهاء العشرة، ثم السبعة الذين يَدُور عليهم الفتوى، وكان عالما فاضلا مقدما في الفقه، تَقِيّا شاعرا محسنا، لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا فيما علمتُ فقيه أشعر منه، ولا شاعرٌ أفقه منه. وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان عبيد الله حيا ما صدرت إلا عن رأيه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من سادات التابعين، مات سنة (٩٨) قال: وقد قيل: إنه مات قبل علي بن الحسين مات سنة (٩٤). قال البخاري: مات قبل علي بن الحسين سنة أربع أو خمس وتسعين. وقال ابن نمير وغيره: مات سنة (٩٨). وقال ابن المديني: مات سنة (٩٩). وقال في "التقريب": ثقة فقيه ثبتٌ، من الثالثة.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٥٥) حديثًا.
٧ - (عبد الله بن مسعود) الصحابيّ الشهير ﵁ المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذَلي (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) ﵁ (قَالَ: مَا) نافية (أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ) الباء زائدة: في خبر "ما"، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "مَا" وَ "لَيْسَ" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْي "كَانَ" قَدْ يُجَرّ
(قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ) جملة في محلّ نصب صفة لحديث، أي لا تدركه أفهامهم (إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً) قال أبو العبّاس القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الفتنة هنا الضلال والْحَيْرَة، وهي تتصرّف في القرآن على أوجه متعدّدة، وأصلها: الامتحان والاختبار، ومنه قولهم: فتنت الذهب بالنار: إذا اختبرته بها، وهذا نحو مما قال في حديث آخر: "حدّثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذّب الله ورسوله" (١). انتهى (٢).
стр. 528
[تنبيه]: عقد الإمام البخاريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "كتاب العلم" من "صحيحه" بابًا لما دلّ عليه أثر ابن مسعود ﵁ هذا، فقال: "باب من خص بالعلم قوما دون قوم؛ كراهية أن لا يفهموا". وقال عليّ: حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكذّب الله ورسوله؟ ".
قال في "الفتح": والمراد بقوله: "بما يعرفون": أي يفهمون، وزاد آدم بن أبي إياس في "كتاب العلم" له في آخره "ودعوا ما ينكرون": أي يشتبه عليهم فهمه. وكذا رواه أبو نعيم في "المستخرج".
وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكَرَ عند العامة. قال: وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما في قصّة الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة. وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي. وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يُخشَى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. انتهى ببعض تصرّف (١).
قال الجامع عفا الله رَحِمَهُ اللهُ تعالى عنه: أشار بقصّة الجرابين إلى ما أخرجه البخاريّ في "كتاب العلم" من "صحيحه"، عن أبي هريرة ﵁، قال: حَفِظت من رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطِعَ هذا البلعوم.
و"البلعوم" بضم الموحّدة: مجرى الطعام، وكنى به عن القتل.
قال في "الفتح": وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تَبْيِينُ أسامي أمراء السوء، وأحوالهم، وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يَكنِي عن بعضه، ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنة. قال ابن المنير: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم، حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنًا، وذلك الباطن إنما حاصله الانحلال من الدين، قال: وإنما أراد أبو هريرة بقوله: "قُطِع": أي قَطَعَ أهلُ الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتوبة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها؛ لما ذكره في
стр. 529
الحديث الأول (١) من الآية الدالة على ذمّ مَن كَتَمَ العلمَ. وقال غيره: يحتمل أن يكون أراد مع الصنف المذكور ما يتعلق بأشراط الساعة، وتغير الأحوال، والملاحم في آخر الزمان، فينكر ذلك من لم يألفه، ويعترض عليه من لا شعور له به. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى رحمة ربه القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبيّ عفا الله تعالى عنه، وعن والديه آمين:
انتهى الجزء الأول من شرح مقدّمة "صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج رَحِمَهُ اللهُ تعالى" المسمّى "قرّة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح مسلم بن الحجّاج" رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وذلك بتاريخ يوم السبت المبارك ١٩/ ٧/ ١٤٢٢ هـ الموافق ٦ (أكتوبر) ٢٠٠١ م.
وآخر دعوانا
﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
"اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم،
إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد
كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
"السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه الجزء الثاني مفتتحًا بـ ٤/ ١٥
"باب النهي عن الضعفاء، والاحتياط في تحملها".
"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك، وأتوب إليك".
стр. 530
قرة عين المحتاج
في شرح مقدمة
صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج
لجامعه الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى
الإتيوبي الولوي
عفا الله تعالى عنه وعن والديه
آمين
الجزء الثاني
دار ابن الجوزي