← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عيينة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: يونس أحب إليك أو عقيل؟ قال: يونس ثقة، وعقيل ثقة قليل الحديث عن الزهري، قلت: أين يقع الأوزاعي من يونس؟ قال: يونس أسند عن الزهري. وقال يعقوب بن شيبة عن أحمد بن العباس: قلت لابن معين: معمر أو يونس؟ قال: يونس أسندهما، وهما ثقتان جميعًا، وكان معمر أحلى. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: يونس ومعمر عالمان بالزهري. وقال أحمد بن صالح: نحن لا نقدم في الزهري على يونس أحدًا، قال: وكان الزهري إذا قَدِم أَيْلَةَ نزل عليه. وقال يعقوب الفارسي، عن محمد بن عبد الرحيم: سمعت عليا يقول: أثبت الناس في الزهري ابن عيينة، وزياد بن سعد، ثم مالك، ومعمر، ويونس من كتابه. وقال ابن عمار: مالك وسفيان هؤلاء أصحاب الزهري، ويونس عارف برأيه. وقال العجلي، والنسائي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: صالح الحديث، عالم بحديث الزهري. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن خِرَاش: صدوق. وقال ابن سعد: كان حلو الحديث كثيرهُ، وليس بحجة، ربما جاء بالشيء المنكر. وقال ابن يونس: كان من موالي بني أمية. وقال خالد بن نِزار: كان الأوزاعيّ يَحُضّني على يونس بن يزيد. وذكره ابن حبّان في "الثقات". وقال القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر: زعموا أنه تُوفّي بصعيد مصر سنة (١٥٢). وقيل: مات سنة (١٥٩) وقيل: (١٦٠). وقال في "التقريب": ثقة إلا أن في روايته عن الزهريّ وَهَمًا قليلًا، وفي غيره خطأ، من كبار السابعة. انتهى. أخرج له الجماعة. وله في "صحيح مسلم" (٢٧٢) حديثًا. ٥ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت، تقدّمت ترجمته (١). ٦ - (عبيد الله بن عبد الله بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذَلي أبو عبد الله المدني. روى عن أبيه، وأرسل عن عمّ أبيه عبد الله بن مسعود، وعمّار بن ياسر، وعمر، وعن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وعثمان بن حُنَيف، والنعمان بن بشير، وأبي سعيد الخدريّ، وجماعة. وروى عنه أخوه عون، والزهريّ، وسعد بن إبراهيم، وأبو الزناد، وصالح بن كيسان، جماعة. قال العجلي: كان أعمى، وكان أحد فقهاء المدينة، تابعي ثقة، رجل صالح، جامع للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون إمام. وعن

стр. 527

الزهري قال: ما جالست أحدا من العلماء إلا وأرى أني قد أتيت على ما عنده، وقد كنت اختلفت إلى عروة، حتى ما كنت أسمع منه إلا معادًا، ما خلا عبيد الله بن عتبة، فإنه لم آته إلا وجدت عنده علمًا طريفًا. وعن عبيد الله قال: ما سمعت حديثا قط ما شاء الله أن أعيه إلا وعيته. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أيما أحب إليك عكرمة أو عبيد الله؟ قال: كلاهما ولم يخير. وقال الواقدي: كان عالمًا، وكان ثقة فقيهًا، كثير الحديث والعلم، شاعرًا، وقد عمي. وقال أبو جعفر الطبري: كان مقدما في العلم والمعرفة بالأحكام والحلال والحرام، وكان مع ذلك شاعرًا مُجِيدًا. وقال ابن عبد البر: كان أحد الفقهاء العشرة، ثم السبعة الذين يَدُور عليهم الفتوى، وكان عالما فاضلا مقدما في الفقه، تَقِيّا شاعرا محسنا، لم يكن بعد الصحابة إلى يومنا فيما علمتُ فقيه أشعر منه، ولا شاعرٌ أفقه منه. وقال عمر بن عبد العزيز: لو كان عبيد الله حيا ما صدرت إلا عن رأيه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من سادات التابعين، مات سنة (٩٨) قال: وقد قيل: إنه مات قبل علي بن الحسين مات سنة (٩٤). قال البخاري: مات قبل علي بن الحسين سنة أربع أو خمس وتسعين. وقال ابن نمير وغيره: مات سنة (٩٨). وقال ابن المديني: مات سنة (٩٩). وقال في "التقريب": ثقة فقيه ثبتٌ، من الثالثة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٥٥) حديثًا. ٧ - (عبد الله بن مسعود) الصحابيّ الشهير ﵁ المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذَلي (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ) ﵁ (قَالَ: مَا) نافية (أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ) الباء زائدة: في خبر "ما"، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ "مَا" وَ "لَيْسَ" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ ... وَبَعْدَ "لَا" وَنَفْي "كَانَ" قَدْ يُجَرّ (قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ) جملة في محلّ نصب صفة لحديث، أي لا تدركه أفهامهم (إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً) قال أبو العبّاس القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الفتنة هنا الضلال والْحَيْرَة، وهي تتصرّف في القرآن على أوجه متعدّدة، وأصلها: الامتحان والاختبار، ومنه قولهم: فتنت الذهب بالنار: إذا اختبرته بها، وهذا نحو مما قال في حديث آخر: "حدّثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يكذّب الله ورسوله" (١). انتهى (٢).

стр. 528

[تنبيه]: عقد الإمام البخاريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "كتاب العلم" من "صحيحه" بابًا لما دلّ عليه أثر ابن مسعود ﵁ هذا، فقال: "باب من خص بالعلم قوما دون قوم؛ كراهية أن لا يفهموا". وقال عليّ: حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يُكذّب الله ورسوله؟ ". قال في "الفتح": والمراد بقوله: "بما يعرفون": أي يفهمون، وزاد آدم بن أبي إياس في "كتاب العلم" له في آخره "ودعوا ما ينكرون": أي يشتبه عليهم فهمه. وكذا رواه أبو نعيم في "المستخرج". وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكَرَ عند العامة. قال: وممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب، ومن قبلهم أبو هريرة كما في قصّة الجرابين، وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة. وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين؛ لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي. وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يُخشَى عليه الأخذ بظاهره مطلوب. انتهى ببعض تصرّف (١). قال الجامع عفا الله رَحِمَهُ اللهُ تعالى عنه: أشار بقصّة الجرابين إلى ما أخرجه البخاريّ في "كتاب العلم" من "صحيحه"، عن أبي هريرة ﵁، قال: حَفِظت من رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطِعَ هذا البلعوم. و"البلعوم" بضم الموحّدة: مجرى الطعام، وكنى به عن القتل. قال في "الفتح": وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تَبْيِينُ أسامي أمراء السوء، وأحوالهم، وزمنهم، وقد كان أبو هريرة يَكنِي عن بعضه، ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، واستجاب الله دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنة. قال ابن المنير: جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم، حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنًا، وذلك الباطن إنما حاصله الانحلال من الدين، قال: وإنما أراد أبو هريرة بقوله: "قُطِع": أي قَطَعَ أهلُ الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم، وتضليله لسعيهم، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتوبة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها؛ لما ذكره في

стр. 529

الحديث الأول (١) من الآية الدالة على ذمّ مَن كَتَمَ العلمَ. وقال غيره: يحتمل أن يكون أراد مع الصنف المذكور ما يتعلق بأشراط الساعة، وتغير الأحوال، والملاحم في آخر الزمان، فينكر ذلك من لم يألفه، ويعترض عليه من لا شعور له به. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى رحمة ربه القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبيّ عفا الله تعالى عنه، وعن والديه آمين: انتهى الجزء الأول من شرح مقدّمة "صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج رَحِمَهُ اللهُ تعالى" المسمّى "قرّة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح مسلم بن الحجّاج" رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وذلك بتاريخ يوم السبت المبارك ١٩/ ٧/ ١٤٢٢ هـ الموافق ٦ (أكتوبر) ٢٠٠١ م. وآخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. "السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته". ويليه الجزء الثاني مفتتحًا بـ ٤/ ١٥ "باب النهي عن الضعفاء، والاحتياط في تحملها". "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، أستغفرك، وأتوب إليك".

стр. 530

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج لجامعه الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الولوي عفا الله تعالى عنه وعن والديه آمين الجزء الثاني دار ابن الجوزي

стр. 531

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 532

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج

стр. 533

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى رجب ١٤٢٤ حقوق الطبع محفوظة ١٤٢٤ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر. دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية: الدمام -شارع ابن خلدون- ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢ - الرمز البريدي: ٣١٤٦١ فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض- ت: ٤٢٦٦٣٣٩ - الإحساء- الهفوف - شارع الجامعة - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة- ت: ٦٥١٦٥٤٩ - ٦٨١٣٧٠٦ - بيروت- هاتف: ٨٦٩٦٠٠/ ٠٣ - فاكس: ٦٤١٨٠١/ ٠١ - القاهرة - ج. م. ع- محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس: ٠٢٢٥٦١٤٧٣ البريد الإلكتروني: aljawzi@hotmail.com-www.jwzi.com

стр. 534

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤ - (بَابُ النَّهْي عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ، وَالاحْتِيَاطِ فِي تَحَمُّلِهَا): قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى المذكور في أول الكتاب إليه: ١٥ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هَانِىءٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ، يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإيَّاهُمْ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهمدانيّ الكوفيّ الحافظ، تقدّمت ترجمته في ١/ ٥. ٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد الثقة الثبت، تقدّم في ١/ ٤. ٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) العدويّ، مولى آل عمر، أبو عبد الرحمن المقرىء القصير (١)، أصله من ناحية البصرة، وقيل من ناحية الأهواز، سكن مكة.

стр. 535

روى عن كَهْمَس بن الحسن، وموسى بن عُليّ بن رَبَاح، وأبي حنيفة، وابن عون، وسعيد بن أبي أيوب، وغيرهم. ورَوَى البخاريّ، والباقون بواسطة أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن المدينيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وقال الخليلي: ثقة، حديثه في الثقات، يحتج به، ويتفرد بأحاديث. وقال أبو سعد الصفار عن جده عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري: كان ابن مبارك إذا سئل عن أبي؟ قال: زرزده يعني ذهبا مضروبا خالصا. وقال محمد بن عاصم الأصبهاني: سمعت المقري يقول: أنا ما بين التسعين إلى المائة، وأقرأت القرآن بالبصرة ستا وثلاثين سنة، وهَهنا بمكة خمسا وثلاثين سنة. وقال البخاري: مات بمكة سنة (١٢) أو ثلاث عشرة ومائتين. وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة (١٣). وفيها أرخه ابن سعد، وزاد: في رجب، قال: وكان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن قانع: مكي ثقة. وقال في "التقريب": ثقة فاضلٌ، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنةً، من التاسعة. روى له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٨) حديثًا. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) واسمه مِقْلاص الخزاعي مولاهم، أبو يحيى المصري. رَوَى عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، وأبي مرحوم، وعبيد الله بن أبي جعفر، وكعب بن علقمة، وحميد بن هانىء، وجماعة. ورَوى عنه ابن جُريج، وهو أكبر منه، وابن المبارك، وابن وهب، ونافع بن يزيد، وعبد الله بن يزيد المقرىء، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أحمد: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا. وقال ابن يونس: كان فقيها. وقال ابن وهب: كان فَهِمًا حُلْوًا، فقيل له: كان فقيها؟ فقال: نعم. وقال الساجي: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات". ونقل ابن خلفون عن يحيى بن بكير أنه وثقه. وقال ابن معين: مات زمن أبي جعفر. وقال ابن يونس: ولد سنة مائة، وتوفي سنة (١٦١). وقيل: سنة (٦٦) وسنة إحدى أصح. وقيل: غير ذلك، والأول أصحّ. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، من السابعة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٢) حديثًا. ٥ - (أَبُو هَانِئٍ) بهمز آخره: هو حميد بن هانئ الخولاني المصري، أدرك سُليم ابن عِتْر، وروى عن عمرو بن حُريث، وأبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، وعليّ بن رباح. وعنه سعيد بن أبي أيوب، وحيوة، والليث، وابن لهيعة. قال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في ثقات

стр. 536

التابعين. وقال ابن شاهين في "الثقات": هو أكبر شيخ لابن وهب، رفع به أحمد بن صالح المصري. وقال الدارقطني: لا بأس به ثقة. وقال ابن عبد البر: هو عندهم صالح الحديث، لا بأس به. وقال ابن يونس: توفي سنة (١٤٢). وقال في "التقريب": لا بأس به، من الخامسة. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في "صحيح مسلم" (١٠) أحاديث. ٦ - (أَبُو عُثْمَانَ، مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ) المصري الطُّنْبُذِي (١)، ويقال: الإفريقي مولى الأنصار، كان رضيع عبد الملك بن مروان. رَوَى عن أبي هريرة، وابن عمر، وسفيان بن وهب الخولاني. وعنه أبو هانئ، حميد بن هانئ، وبكر بن عمرو، وشراحيل بن يزيد، وعمرو بن أبي نعيمة المعافريان، وسهل بن علقمة السبائي، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم. ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الدارقطني: يعتبر به. وقال ابن يونس: قال يحيى بن عثمان بن صالح: توفي مسلم بن يسار بإفريقية زمن هشام بن عبد الملك. وقال في "التقريب": مقبول من الرابعة. انتهى. أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، سوى النسائيّ. وله في "صحيح مسلم" هذا الحديث، وأعاده بعده. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ المذكور في ٢/ ٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): من سداسيّات المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو هانىء، عن مسلم بن يسار. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ، يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ) أي بالأحاديث المكذوبة والمختلقة (فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ) أي باعدوا أنفسكم عنهم، ولا تجالسوهم، ولا تسمعوا أحاديثهم؛ لئلا يتقرّر ذلك الحديث الْمُخْتَلَق في نفوسكم، فتعجزوا عن التخلّص منه. وهذا الحديث أخرجه

стр. 537

المصنّف هنا، وأعاده بعده، وأخرجه أحمد في "مسنده" برقم ٧٩١٩ وفي ٨٢٤١. وفيه علم من أعلام النبوّة، حيث إن النبيّ ﷺ أخبر بما سيقع في أمته، فكان كما أخبر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل في أول الكتاب إليه: ١٦ - (وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ، أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ، كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ، لَا يُضِلُّونَكُمْ، وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو شُرَيْحٍ) -بضمّ الشين المعجمة، مصغّرًا- واسمه عبد الرحمن بن شُريح ابن عُبيد الله بن محمود المعافري الإسكندرانيّ المصريّ. روى عن أبي هانئ، وأبي قبيل حيي بن هانئ، وشراحيل بن يزيد وعبد الكريم بن الحارث، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، وابن وهب، وابن القاسم، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والنسائي: ثقة، زاد أحمد: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: مصري ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: كان كخير الرجال. وقال أبو حاتم: لا أظنه أدرك شراحيل. وضعفه ابن سعد وحده، فقال منكر الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما قول أبي حاتم: ولا أظنّه الخ، فيردّه تصريحه بالسماع في رواية مسلم هنا، وأما تضعيف ابن سعد، فلا اعتبار له، مع توثيق هؤلاء الأئمة، فتبصّر. وقد أجاد الحافظ في "التقريب" حيث قال: ثقة فاضلٌ، لم يُصب ابن سعد في تضعيفه، من السابعة. انتهى. قال ابن يونس: تُوفي بالإسكندرية سنة سبع وستين ومائة، وكانت له عبادة وفضل. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" خمسة أحاديث برقم ٨ و ٣٥٣٢ و ٣٥٣٧ و ٤٨٢٩ و ٥١٥٩.

стр. 538

٢ - (شَرَاحيلُ بنُ يزيد) الْمَعَافري المصري. رَوَى عن أبي عبد الرحمن الْحُبُلِيّ، وأبي عثمان مسلم بن يسار الطُّنْبُذِيّ، وأبي علقمة الهاشمي، ومحمد بن هُدْبة الصدفي، وغيرهم. ورَوَى عنه أبو شريح عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني، وسعيد بن أبي أيوب، وابن لهيعة، وغيرهم. ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس مات بعد العشرين ومائة. وقال في "التقريب": صدوقٌ، من السادسة. أخرج له البخاري في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف هنا في "المقدّمة"، وله عنده هذا الحديث فقط، وأبو داود. والباقون تقدّموا في السند الماضي، والذي قبله. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): من سداسيّات المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أنه مسلسل بثقات المصريين. (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ أحفظ من روى الحديث في دهره، كما تقدّم قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن عبد الله بن وهب (أَنَّهُ سَمِعَ شَرَاحِيلَ) بفتح الشين المعجمة، غير منصرف (ابْنَ يَزِيدَ) المعافريّ (يَقُولُ أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ) المصريّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ) جمع دَجّال: قال ثعلب: الدّجّال: هو المموِّه، يقال: سيف مُدَجَّلٌ: إذا طُلِي بذهب. وقال ابن دريد: كلُّ سميء غطَّيته، فقد دجّلته، واشتقاق الدجّال من هذا؛ لأنه يُغطِّي الأرض بالجمع الكثير. قاله في "المصباح" (١). وقال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الدجّال هو الكذّاب المموّه بكذبه الْمُلَبِّس به، يقال: دجل الحقَّ بباطله: أي غطّاه، ودجل: أي موّه، وكذب به، وبه سُمّي الكذّاب الأعور. وقيل: سُمّي بذلك لضربه في الأرض، وقطعه نواحيها، يقال: دجل الرجلُ بالفتح والضمّ: إذا فعل ذلك. حكاه ثعلب. هذا الحديث إخبار من النبيّ ﷺ بأنه سيوجد بعده كذّابون عليه، يُضلّون الناس

стр. 539

بما يضعونه، ويَختلقونه، وقد وُجد ذلك على نحو ما قاله، فكان هذا الحديث من دلائل صدقه. ذكر أبو عمر بن عبد البرّ عن حمّاد بن زيد أنه قال: وَضَعَت الزنادقة على رسول الله ﷺ اثني عشر ألف حديث، بثّوها في الناس. وحكي عن بعض الوضّاعين أنه تاب، فبكى، وقال: أنّى لي بالتوبة؟ وقد وضعتُ اثني عشر ألف حديث على رسول الله ﷺ كلّها يُعمل بها. وقد كتب أئمّة الحديث كتبًا كثيرةً بيّنوا فيها كثيرًا من الأحاديث الموضوعة المنتشرة في الوجود، قد عَمِلَ بها كثير من الفقهاء الذين لا علمَ عندهم برجال الحديث. انتهى كلام القرطبيّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: وضعت الزنادقة اثني عشر ألف حديث كلّها يُعمل بها، فيه نظرٌ لا يخفى، بل هو باطل من تأمّله، والله تعالى المستعان. وقوله: (كَذَّابُونَ) تأكيد لدجّالون؛ لأنه بمعناه. قال السنوسيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قلت: وعلماء السوء، والرهبان على غير أصل سنّة كلهم داخلون في هذا المعنى، وما أكثرهم في زماننا، نسأل الله سبحانه السلامة من شرّ هذا الزمن، وشرّ أهله. انتهى (٢). (يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لم تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ) أي بالأحاديث المختلقة التي لم تُنقل من مصدر صحيح. والمعنى أنهم يقولون، ويروون أشياء ليست مما يعرفه المسلمون فيما لم يزل سلفًا عن خلف، مع أن الله تعالى أكمل دينه، ووعد بحفظه، ونشره، ولم يترك سبيلًا إلى ضياع شيء منه، فأين كانت هذه الغرائب من القرون الأول. أفاده بعضهم (٣). (فَإِيَّاكمْ وَإِيَّاهُمْ) أي كونوا على حذر منهم (لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ) قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: كذا صحّت الرواية فيه بإثبات النون، والصواب حذفها؛ لأن ثبوتها يقتضي أن تكون خبرًا عن نفي وقوع الإضلال والفتنة، وهو نقيض المقصود؛ فإذا خذفت احتمل حذفها وجهين: [أحدهما]: أن يكون ذلك مجزومًا على جواب الأمر الذي تضمّنه إياكم، فكأنه قال: أُحذّركم لا يُضلّونكم، ولا يفتنونكم. و[ثانيهما]: أن يكون قوله: "لا يُضلّونكم" نهيًا، ويكون ذلك من باب قولهم: "لا أريَنّك هَهنا": أي لا تتعرّضوا لإضلالهم، ولا لفتنتهم. انتهى (٤). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 540

قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل في أول الكتاب إليه: ١٧ - (وحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْمُسَيَّبِ ابْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبَدَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ، فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد الله بن سعيد بن حُصين الكندي الكوفي. رَوَى عن إسماعيل ابن علية، وحفص بن غياث، وأبي أسامة، وعبد السلام بن حرب، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس به بأس، ولكنه يروي عن قوم ضعفاء. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال مرة: الأشج إمام زمانه. وقال النسائي: صدوق. وقال مرة: ليس به بأس. وقال محمد بن أحمد بن بلال الشطوي: ما رأيت أحفظ منه. وقال اللالكائي وغيره: مات سنة سبع وخمسين ومائتين. وأرخه ابن قانع سنة (٦). وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الخليلي، ومسلمة بن قاسم: ثقة. وفي "الزهرة": روى عنه البخاريّ ثمانية، ومسلم سبعين حديثا (١). وقال في "التقريب" ثقة، من صغار العاشرة. ٢ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ الحافظ، تقدمت ترجمته في ١/ ٢. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الكاهليّ الكوفيّ الحافظ الورع القارىء، تقدّمت ترجمته (٢). ٤ - (الْمُسَيَّبُ بْنُ رَافِعٍ) الأسدي الكاهليُّ أبي العلاء الكوفي الأعمى. رَوَى عن البراء بن عازب، وحارثة بن وهب، وخَرَشَة بن الْحُرّ، وعامر بن عَبَدَة، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه العلاء، وأبو إسحاق السبيعي، والأعمش، ومنصور، وغيرهم. قال الدُّوري عن ابن معين: لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من البراء، وأبي إياس عامر بن عبدة (٣). وقال العوام بن حَوْشَب: كان المسيب يختم القرآن في كل ثلاث.

стр. 541

وقال العجلي: تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن أبي عاصم وغيره: مات سنة خمس ومائة. وقال في "التقريب": ثقة من الرابعة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" ثلاثة أحاديث برقم ٦٤٩ و ٦٥١ و ٩٣٣. [تنبيه]: قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "شرحه": أما الْمُسَيَّب بنُ رافع، فبفتح الياء بلا خلاف، كذا قال القاضي عياض في "المشارق"، وصاحب "المطالع" أنه لا خلاف في فتح يائه، بخلاف سعيد بن المسيّب، فإنهم اختلفوا في فتح يائه وكسرها، كما سيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالى. انتهى (١). وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الأثر" بقوله: كُلُّ مُسَيَّبٍ فَبِالْفَتْحِ سِوَى ... أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى ٥ - (عَامِرُ بْنُ عَبَدَةَ) -بفتح الباء، وقيل: بسكونها- البجلي أبو إياس الكوفي. رَوَى عن ابن مسعود، وعنه المسيب بن رافع. قال النسائي في "الكنى": أبو إياس عامر بن عبد الله، ويقال: ابن عبدة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكر ابن ماكولا أنه رَوَى عنه أيضا أبو إسحاق السبيعي (٢)، وحَكَى ابن أبي حاتم عن ابن معين توثيقه. قال أبو بشر الدُّولابي: سمعت العباس بن محمد قال: قال ابن معين: عامر بن عبدة -يعني بالتحريك-. وقال ابن عبد البر في كتاب "الاستغنا في الكنى": أبو إياس عامر بن عَبَدَة تابعي ثقة، ثم غفل فذكره في "الصحابة"، وقال: رَوَى عن النبي ﷺ ، فذكر حديثا هو في مقدمة "صحيح مسلم"، من طريق عامر بن عبدة، عن عبد الله بن مسعود. وقال النوويّ في "شرحه": وأما عامر بن عبدة، فآخره هاء، وهو بفتح الباء وإسكانها، وجهان، أشهرهما وأصحهما الفتح. قال القاضي عياض: روينا فتحها عن عليّ بن المدينيّ، ويحيى بن معين، وأبي مسلم المستملي، قال: وهو الذي ذكره عبد الغني في كتابه، وكذا رأيته في "تاريخ البخاري"، قال: وروينا الإسكان عن أحمد بن حنبل وغيره، وبالوجهين ذكره الدارقطني، وابن ماكولا، والفتح أشهر. قال القاضي:

стр. 542

وأكثر الرواة يقولون: "عبد" بغير هاء، والصواب إثباتها، وهو قول الْحُفاظ: أحمد بن حنبل، وعلي بن المدينيّ، ويحيى بن معين، والدارقطني، وعبد الغنيّ بن سعيد، وغيرهم. انتهى (١). وقال في "التقريب": عامر بن عبدة -بفتح الموحّدة، وبسكونها- البجليّ، أبو إياس الكوفيّ، وثّقه ابن معين، من الثالثة. أخرج له المصنّف هنا في "المقدّمة" فقط، وأبو داود في "القدر". [تنبيه]: هذا الإسناد اجتمع فيه لطيفتان: من لطائف الإسناد: [إحداهما]: أنه إسناد كوفي كله. [والثانية]: أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: وهم الأعمش، والمسيب، وعامر. قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وهذه فائدة نفيسة، قَلَّ أن يجتمع في إسناد هاتان اللطيفتان. انتهى (٢). والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن عامر بن عبَدَة، أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود ﵁، تقدّمت ترجمته في ١/ ١١ (إِنَّ الشَّيْطَانَ) قال الفيوميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: فيه قولان: أحدهما: أنه من شَطَنَ: إذا بعُد عن الحقّ، أو عن رحمة الله، فتكون النون أصليّةً، ووزنه فيعالٌ، وكلُّ عاتٍ متمرّدٍ من الجنّ، والإنس، والدوابّ، فهو شيطان، ووصَفَ أعرابيّ فرسه، فقال: كأنه شيطان في أشطان (٣). والقول الثاني: أن الياء أصليّة، والنون زائدة، عكس الأول، وهو من شاط يَشِيطُ: إذا بطل، أو احترق، فوزنه فَعْلان. انتهى (٤). (لَيَتَمَثَّلُ) بفتح اللام، وهي لام الابتداء، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ ... لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ إِنِّي لَوَزَرْ وإنما نبّهتُ عليه، وإن كان واضحًا لأني رأيت في بعض النسخ ضبط اللام بالكسر ضبط قلم، فخشيت أن يغترّ به القاصر. والله تعالى أعلم. ومعنى يتمثّل: يتصوّر (فِي صُورَةِ الرَّجُلِ) بالتعريف بأل العهديّة: في صورة الرجل الذي يعرفه القوم الذين يأتيهم، وإنما تصوّر في الصورة المعروفة لهم؛ زيادة في التغرير والتلبيس؛ إذ لو أتاهم

стр. 543

في صورة من لا يعرفونه لما أقبلوا لاستماع حديثه. والله تعالى أعلم (فَيَأْتِي الْقَوْمَ، فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ) وإنما عبّر بـ "من" -والله أعلم- إشارة إلى أن بعض حديثه فيه صدق؛ ليموّه عليهمَ. (فَيَتَفَرَّقُونَ) من مجلس السماع (فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ) أي لكونه رآه قبل ذلك. والجملة في محلّ نصب صفة "رجلًا". (وَلَا) نافية (أَدْرِي) أي لا أعلم (مَا اسْمُهُ؟ ) "ما" استفهاميّة مبتدأ، و "اسمه" خبرها، والجملة في محلّ نصب سدّت مسدّ مفعولي "أدري"، معلّق عنها العامل. وقوله: (يُحَدِّثُ) جملة في محلّ نصب على الحال، من "رجلًا". مسألتان تتعلّقان بهذا الأثر: (المسألة الأولى): وجه استدلال المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بأثر ابن مسعود ﵁ هذا أنه يدلّ على التحذير من الرواية عن المجهولين والضعفاء، وأنه يجب الاحتياط في أخذ الحديث، فلا يُقبَل إلا من كان معروفًا عينًا وحالًا، وثبتت عدالته ظاهرًا وباطنًا. والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): هذا الأثر موقوف، إلا أن له حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، ومن المقرّر في مصطلح الحديث أن ما جاء عن الصحابي، ومثله لا يقال من قبل الرأي، ولا مجال للاجتهاد فيه، فيُحمَل على السماع، جزم به الرازي في "المحصول"، وغير واحد من أئمة الحديث، وترجم على ذلك الحاكم في كتابه: "معرفةُ المسانيد التي لا يُذكر سندها"، ومَثَّلَه بقول ابن مسعود ﵁: "من أَتَى ساحرًا، أو عَرّافًا، فقد كفر بما أُنزل به محمد ﷺ ". وقد أدخل ابن عبد البر في كتابه "التقصي" عدة أحاديث من ذلك، مع أن موضوع الكتاب للمرفوعة، منها: حديثُ سهل بن أبي حَثْمَة في صلاة الخوف، وقال في "التمهيد": هذا الحديث موقوف على سهل، ومثله لا يقال من قبل الرأي. نقل ذلك العراقي، وأشار إلى تخصيصه بصحابي لم يأخذ عن أهل الكتاب، وصرح بذلك الحافظ في "شرح النخبة"، جازمًا به، ومَثَّله بالإخبار عن الأمور الماضية، من بدء الخلق، وأخبار الأنبياء، والآتية، كالملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة، وعما يحصل بفعله ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص، قال: ومن ذلك فِعْلُهُ -يعني الصحابيّ- ما لا مجال للاجتهاد فيه، فَيُنَزَّل على أن ذلك عنده عن النبي ﷺ ، كما قال الشافعي رَحِمَهُ اللهُ تعالى في صلاة عليّ ﵁ في الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين. قال: ومن ذلك حكمه على فعل من الأفعال بأنه طاعة لله، أو لرسوله ﷺ ، أو معصية، كقوله: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم". وجزم بذلك أيضا الزركشي في "مختصره" نقلًا عن ابن عبد البر. وأما البلقيني فقال: الأقرب أن هذا ليس

стр. 544

بمرفوع؛ لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد، وسبقه إلى ذلك أبو القاسم الجوهري، نقله عنه ابن عبد البر، ورده عليه. ذكره في "تدريب الراوي" (١). والحاصل أن ما نُقل عن الصحابيّ له حكم الرفع، بشرطين: أحدهما: أن يكون مما لا مجال فيه للرأي. والثاني: أن لا يكون الصحابيّ ممن يروي الإسرائيليات عن أهل الكتاب، كعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وإلى هذا أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفية الأثر"، حيث قال: وَمَا أَتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْيِ لَا ... يُقَالُ إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلَا والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه: ١٨ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: "إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً، أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ، يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ، فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) بن أبي زيد، واسمه سابور القشيري مولاهم، أبو عبد الله النيسابوري الزاهد. رَوَى عن ابن عيينة، وأبي معاوية الضرير، وأبي أحمد الزُّبيريّ، وأبي داود الْحَفَريّ، وأبي داود الطيالسيّ، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم بن أبي طالب، ومحمد بن يحيى الذهليّ، وغيرهم. قال عبد الله بن عبد الوهّاب الْخُوَارَزميّ، عن أحمد: محمد بن يحيى أحفظ، ومحمد بن رافع أورع. وقال البخاري: ثنا محمد بن رافع بن سابور، وكان من خيار عباد الله. وقال النسائي: أنا محمد بن رافع الثقة المأمون. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: شيخ صدوق، قَدِمَ علينا، وكان قد رحل مع أحمد. وقال زكريا بن دلويه: بعث طاهر بن عبد الله بن طاهر إلى محمد بن رافع بخمسة آلاف فردها. قال زكريا: وكان يخرج إلينا في الشتاء الشاتي، وقد لبس لحافه الذي يلبسه بالليل. وقال الحاكم: هو شيخ عصره بخراسان في الصدق والرحلة حدّثنا ابن صالح، ثنا ابن رجاء قال: قلت لعثمان بن أبي شيبة: تعرف محمد بن رافع؟ قال: ذاك الزاهد. وقال عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي عن أحمد: محمد بن يحيى أحفظ، ومحمد بن رافع أورع. وقال

стр. 545

جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ: ما رأيت من المحدثين أهيب منه، كان يستند، فيأخذ الكتاب يقرأ بنفسه، فلا يَنطِق أحد، ولا يتبسّم، سمعت محمد بن صالح يقول: سمعت أحمد بن سلمة يقول: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: محمد بن رافع ثقة مأمون، صحيح الكتاب. وقال ابن صالح: ثنا محمد بن شاذان، ثنا محمد بن رافع الثقة المأمون. وقال أحمد بن سيار في ذكر مشايخ نيسابور: محمد بن رافع كان ثقة، حسن الرواية عن أهل اليمن. وقال النسائي في "مشيخته"، ومسلمة في "الصلة": ثقة ثبت. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة خمس وأربعين ومائتين، وكان ثبتا فاضلًا، وفيها أرخه البخاري وغيره. وقال في "التقريب": ثقة عابد، من الحادية عشرة. روى عنه البخاري، والمصنّف، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وله في "صحيح مسلم" (٣٤١) حديثًا (١). ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني. روى عن أبيه، وعمّه وهب، ومعمر، وعبيد الله بن عمر الْعُمَريّ، وأخيه عبد الله ابن عُمَر العمريّ، وجماعة. وروى عنه ابن عيينة، ومعتمر بن سُليمان، وهما من شيوخه، ووكيع، وأبو أسامة، وخلق كثير. قال أحمد بن صالح المصري: قلت لأحمد بن حنبل: رأيت أحدًا أحسن حديثا من عبد الرزاق؟ قال: لا. وقال أبو زرعة الدمشقي: عبد الرزاق أحد من ثبت حديثه. وقال ابن أبي السَّرِيّ عن عبد الوهاب بن همام: كنت عند معمر، فقال: يختلف إلينا أربعة: رباح بن زيد، ومحمد ابن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق، فأما رباح فخليق أن يغلب عليه العبادة، وأما هشام فخليق أن يغلب عليه السلطان، وأما ابن ثور فكثير النسيان، وأما عبد الرزاق فإن عاش فخليق أن تُضرَب إليه أكباد الإبل، قال ابن أبي السريّ: فوالله لقد أتعبها. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأحمد: من أثبت في ابن جريج: عبد الرزاق، أو البرساني؟ قال: عبد الرزاق، وقال أيضا: أخبرني أحمد، أنا عبد الرزاق قبل المائتين، وهو صحيح البصر، من سمع منه بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع. وقال عباس الدوري عن ابن معين: كان عبد الرزاق أثبت في حديث معمر من هشام بن يوسف، وكان هشام في ابن جريج أقرأ للكتب. وقال يعقوب بن

стр. 546

شيبة عن علي بن المديني: قال لي هشام بن يوسف: وكان عبد الرزاق أعلمنا وأحفظنا. قال يعقوب: وكلاهما ثقة. وقال الحسن بن جرير الصوري عن علي بن هاشم، عن عبد الرزاق: كتبَ عني ثلاثةٌ، لا أبالي أن لا يكتب عني غيرهم، كتب عني ابن الشاذكوني، وهو من أحفظ الناس، وكتب عَنِّي يحيى بن معين، وهو من أعرف الناس بالرجال، وكتب عني أحمد بن حنبل، وهو من أثبت الناس. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي هل كان عبد الرزاق يتشيع، ويفرط في التشيع؟ فقال: أما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئًا. وقال عبد الله بن أحمد: سمعت سلمة بن شبيب يقول: سمعت عبد الرزاق يقول: والله ما انشرح صدري قط أن أفضل عليا على أبي بكر وعمر، رحم الله أبا بكر وعمر وعثمان، من لم يحبهم فما هو مؤمن، وقال: أوثق أعمالي حبي إياهم. وقال أبو الأزهر: سمعت عبد الرزاق يقول: أُفَضّلُ الشيخين بتفضيل علي إياهما على نفسه، ولو لم يفضلهما ما فضلتهما، كفى بي ازدراء أن أحب عليا، ثم أخالف قوله: وقال ابن عدي: ولعبد الرزاق أصناف وحديث كثير، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم، وكتبوا عنه، إلا أنهم نسبوه إلى التشيع، وقد رَوَى أحاديث في الفضائل لم يتابع عليها، فهذا أعظم ما ذَمُّوه من روايته لهذه الأحاديث، ولما رواه في مثالب غيرهم، وأما في باب الصدق فأرجو أنه لا بأس به. وقال محمد بن إسماعيل الفزاري: بلغني ونحن بصنعاء، أن أحمد ويحيى تركا حديث عبد الرزاق، فدخلنا غَمّ شديد، فوافيت ابن معين في الموسم، فذكرت له، فقال: يا أبا صالح، لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه. قال أحمد وغيره: مولده سنة ست وعشرين ومائة. وقال البخاري وغير واحد: مات سنة إحدى عشرة ومائتين، زاد ابن سعد: في شوال. وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ، مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع، من التاسعة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٩٩) حديثًا. ٣ - (مَعْمَرٌ) بن راشد الأزديّ الْحُدّانيّ مولاهم، أبو عُروة بن أبي عمرو البصريّ، نزيل اليمن، شَهِدَ جنازة الحسن البصري. رَوَى عن ثابت البناني، وقتادة، والزهري، وعاصم الأحول، وأيوب، والجعد أبي عثمان، وزيد بن أسلم، وصالح بن كيسان، وعبد الله بن طاوس، وجعفر بن بُرْقان، والحكم بن أبان، وخلق كثير. ورَوَى عنه شيخه يحيى بن أبي كثير، وأبو إسحاق السبيعي، وأيوب، وعمرو بن دينار، وهم من شيوخه، وسعيد بن أبي عروبة،

стр. 547

وأبان العطار، وابن جريج، وعمران القطان، وهشام الدستوائي، وعبد الرزّاق، وخلق كثير. قال عبد الرزاق عن معمر: طلبت العلم سنة مات الحسن، وعنه قال: جلست إلى قتادة، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فما سمعت منه حديثا إلا كأنه يُنقش في صدري، وعَدّه علي بن المديني، وأبو حاتم فيمن دار الإسناد عليهم. وقال الميموني عن أحمد: ما نَضُمّ أحدا إلى معمر إلا وجدت معمرا يتقدمه في الطلب، كان من أطلب أهل زمانه للعلم، وكذا قال أبو طالب، والفضل بن زياد عن أحمد نحوه. وقال الدُّوري عن ابن معين: أثبت الناس في الزهري مالك، ومعمر، ثم عَدَّ جماعة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: معمر أثبت في الزهري من ابن عيينة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: معمر أحب إليك في الزهري أو ابن عيينة، أو صالح بن كيسان، أو يونس؟ فقال: في كل ذلك معمر. وقال الغلابي: سمعت ابن معين يُقَدِّم مالك بن أنس على أصحاب الزهري، ثم معمرا، قال: ومعمر عن ثابت ضعيف. وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة. وقال عمرو بن علي: كان من أصدق الناس. وقال العجلي: بصري سكن اليمن ثقة، رجل صالح. قال: ولما دخل صنعاء كرهوا أن يخرج من بين أظهرهم، فقال لهم رجل: قيدوه، فزوجوه. وقال أبو حاتم: ما حدث معمر بالبصرة فيه أغاليط، وهو صالح الحديث. وقال يعقوب بن شيبة: معمر ثقة، وصالح ثبتٌ عن الزهري. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق، عن ابن جريج: عليكم بهذا الرجل، فإنه لم يبق أحد من أهل زمانه أعلم منه، يعني معمرا. وقال ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل اليمن: كان معمر رجلا له قَدْرٌ ونُبْلٌ في نفسه، ولَمّا خرج إلى اليمن شيعه أيوب. حدثنا عبد الرحمن بن يونس، سمعت ابن عيينة يَسأل عبد الرزاق، فقال: أخبرني عما يقول الناس في معمر: إنه فُقِد، ما عندكم فيه؟ فقال: مات معمر عندنا، وحضرنا موته، وخلف على امرأته قاضينا مُطَرِّف بن مازن. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: إذا حدثك معمر عن العراقيين، فخالفه إلا عن الزهري، وابن طاوس، فإن حديثه عنهما مستقيم، فأما أهل الكوفة، وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا، قال يحيى: وحديث معمر عن ثابت، وعاصم ابن أبي النجود، وهشام بن عروة، وهذا الضرب مضطرب، كثير الأوهام. وقال الخليليّ: أثنى عليه الشافعي، ورَوَى ابن المبارك في "الرقاق" عن معمر، عن سعيد المقبري حديثًا، فقال الحاكم: صحيح إن كان معمر سمع من سعيد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان فقيها حافظا متقنا ورعا، مات في رمضان سنة اثنتين أو ثلاث وخمسين ومائة. قال الواقدي وجماعة: مات سنة ثلاث. وقال أحمد، ويحيى، وعلي: مات سنة

стр. 548

أربع، زاد أحمد: وهو ابن ثمان وخمسين. وقال الطبراني: كان معمر بن راشد، وسَلْمُ ابنُ أبي الذَّيّال فُقِدا، فلم يُرَ لهما أثر. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ فاضلٌ، إلا أن في روايته عن ثابت، والأعمش، وهشام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدّث به بالبصرة، من كبار السابعة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٠٠) حديث. ٤ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، أبو محمد الأبناوي. روى عن أبيه، وعطاء، وعمرو بن شعيب، وعليّ بن عبد الله بن عبّاس، ومحمد ابن إبراهيم بن الحارث، وغيره. ورَوَى عنه ابناه: طاوس، ومحمد، وعمرو بن دينار، وهو أكبر منه، وأيوب السختيانيّ، وهو من أقرانه، وابن إسحاق، وغيرهم. قال أبو حاتم، والنسائي: ثقة. وقال عبد الرزاق عن معمر: قال لي أيوب: إن كنت راحلا إلى أحد فعليك بابن طاوس، فهذه رحلتي إليه. وقال أيضا عن معمر: ما رأيت ابن فقيه مثل ابن طاوس، فقلت له: ولا هشام بن عروة؟ فقال: حسبك بهشام، ولكن لم أر مثل هذا، وكان من أعلم الناس بالعربية، وأحسنهم خلقا. وقال النسائي في "الكنى": ثقة مأمون. وكذا قال الدارقطني في "الجرح والتعديل". وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد أيوب بسنة، وكان من خيار عباد الله فضلا ونسكا ودينا. وتكلم فيه بعض الرافضة. قال ابن سعد عن الهيثم بن عدي: مات في خلافة أبي العباس. وقال ابن عيينة: مات سنة (١٣٢)، وأرخه ابن قانع سنة إحدى. وقال في "التقريب": ثقة فاضلٌ عابدٌ، من السادسة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٤٠) حديثًا. ٥ - (أبوه) طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري الْجَنَديّ، مولى بَحِير بن رَيْسان من أبناء الفرس، كان ينزل الْجَنَدَ، وقيل: هو مولى هَمْدَان. وقال ابن حبان: كانت أمه من فارس، وأبوه من النَّمِر بن قاسط. وقيل: اسمه ذكوان، وطاووس لقبه. رَوَى عن العبادلة الأربعة، وأبي هريرة، وعائشة، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وسراقة بن مالك، وصفوان بن أمية، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وجابر، وغيرهم.

стр. 549

وروى عنه ابنه عبد الله، ووهب بن مُنَبّه، وسليمان التيميّ، وسليمان الأحول، وأبو الزبير، والزهريّ، وإبراهيم بن ميسرة، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عُتيبة. قال عبد الملك بن ميسرة عنه: أدركت خمسين من الصحابة. وقال ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس: أني لأظن طاوسا من أهل الجنة. وقال ليث بن أبي سليم: كان طاوس يَعُدُّ الحديث حرفا حرفا. وقال قيس بن سعد: كان فينا مثل ابن سيرين بالبصرة. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: طاوس أحب إليك أم سعيد بن جبير؟ فلم يخير. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة. وقال ابن عيينة: مُتَجَنِّبو السلطان ثلاثة: أبو ذر في زمانه، وطاووس في زمانه، والثوري في زمانه. وقال ابن حبان: كان من عُبّاد أهل اليمن، ومن سادات التابعين، وكان قد حج أربعين حجة، وكان مستجاب الدعوة، مات سنة إحدى، وقيل: سنة ست ومائة. وقال ضمرة عن ابن شَوْذَب. شهدت جنازة طاوس بمكة سنة مائة، فجعلوا يقولون: رحم الله أبا عبد الرحمن، حج أربعين حجة. وقال عمرو بن علي وغيره: مات سنة ست ومائة. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة بضع عشرة ومائة. وقال في "التقريب": ثقة فقيهٌ فاضلٌ، من الثالثة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٧٨) حديثًا. ٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سَعْد بن سَهْم ابن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي، أبي محمد، وقيل: أبي عبد الرحمن، وقيل: أبي نُصَير. وأمه رائطة بنت مُنَبّه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة السهمية، ويقال: حذافة بن سعد بن سهل، وقال فيهم النبي ﷺ : "نعم أهل البيت: عبد الله، وأبو عبد الله، وأم عبد الله". وقيل: كان اسمه العاص، فلما أسلم سُمّي عبد الله، ولم يكن بينه وبين أبيه في السن سوى إحدى عشرة سنة، وأسلم قبل أبيه، وكان مجتهدا في العبادة، غزير العلم. قال أبو هريرة: ما كان أحد أكثر حديثا عن رسول الله ﷺ مني، إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، وكنت لا أكتب. رَوَى عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وسراقة بن مالك بن جُعشُم، وغيرهم. وروى عنه أنس بن مالك ﵁، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل: مات ليالي الحرة، وكانت في ذي الحجة، سنة (٦٣). وقال في موضع آخر: مات سنة (٦٥)، وكذا قال ابن بكير. وقال في رواية: مات سنة (٦٨)، وكذا قال الليث. وقيل: مات سنة (٧٣). وقيل: سنة (٧٧).

стр. 550

وقيل: غير ذلك، وكان موته بمكة، وقيل: بالطائف، وقيل: بمصر، وقيل: بفلسطين. وذكر العسكري أنه عاش قريبا من مائة سنة. قال الحافظ: وهو بعيد من الصحة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٦٧) حديثًا. [تنبيه]: قوله: "ابن العاص": أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه، ونحوهما بحذف الياء، وهي لغة، والفصيح الصحيح "العاصي" بإثبات الياء، وكذلك شدّاد بن الهادي، وابن أبي الموالي، فالفصيح الصحيح في كلّ ذلك، وما أشبهه إثبات الياء، ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث، أو أكثرها بحذفها. قاله النوويّ (١). وإلى القاعدة المذكورة أشار في "الخلاصة" بقوله: وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا ... لم يُنْصَبَ اوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي ... نَحْوِ "مُرٍ" لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقتُفِي والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه. (ومنها). أنه مسلسل باليمنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم مصريّ، ثم طائفيّ. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن صحابيّه ﵁ أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفية الأثر": وَالْبَحْر وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو ... وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ ... وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذا مَالَ لَهْ ومنها: أنه ليس بينه وبين أبيه إلا إحدى عشرة سنة. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) ﵄، أنه (قَالَ: إِنَّ فِي الْبَحْرِ) الظاهر أن "أل" للجنس، ويحتمل أن تكون للعهد، ويراد به البحر الأحمر؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق (شَياطِينَ) جمع شيطان، وتقدم أنه يطلق على كلّ عَاتٍ متمرِّد من الجنّ والإنس والدّوابّ، لكن المراد هنا من كان من الجنّ بدليل قوله: "أوثقها سليمان"؛ لأن الذي أوثقه سليمان ﵇ هو الجنّ (مَسْجُونَةً) أي محبوسة في البحر

стр. 551

(أَوثَقَهَا) أي شَدَّها ورَبَطَها (سُلَيْمَانُ) بن داود ﵇، قال في "المفهم": هذا الحديث ونحوه لا يُتَوَصَّلُ إليه بالرأي والاجتهاد، بل بالسمع، والظاهر أن الصحابة إنما يستندون في هذا للنبي ﷺ ، مع أنه يحتمل أن يُحدّث به عن بعض أهل الكتاب. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم أن شرط كون الموقوف في حكم المرفوع أن لا يكون الصحابي الذي وُقِف عليه معروفًا بالرواية عن أهل الكتاب، وأما إذا كان معروف بذلك فليس لموقوفه حكم الرفع، وهنا كذلك، فإن عبد الله بن عمرو معروف بذلك، فلا يكون هذا الحديث في حكم المرفوع، فتنبه. والله تعالى أعلم. (يُوشِكُ) أي يقرُب، وهو بضمّ الياء، وكسر الشين، ويُستعمل أيضًا ماضيًا، فيقال: أوشك كذا: أي قرُب، ولا يُقبل قول من أنكره من أهل اللغة، فقال: لم يُستعمل ماضيًا، فإن هذا نفيٌ يُعارضه إثبات غيره والسماع، وهما مقدّمان على نفيه. قاله النوويّ (١). وقال في "القاموس": وَشُكَ الأمرُ، ككَرُمَ: سَرُعَ، كوشّك -بالتشديد- وأوشك: أسرع السيرَ، كواشك، ويُوشك الأمرُ أن يكون، وأن يكون الأمر، ولا تُفتَح شينه، أو لُغَةٌ رديئة. انتهى. وقال في "المفهم": "يوشك" بكسر الشين، وهي من أفعال المقاربة، وماضيها أوشك، ومعناه مقاربة وقوع الشيء، وإسراعه، والوَشَكُ بفتح الواو: السرعة، وأنكر الأصمعيّ الكسر فيها. وحكى الجوهريّ الضمّ فيها. وتُستعمل "يوشك" على وجهين: ناقصة تفتقر إلى اسم وخبر، وتامّة تستقلّ باسم واحد، فالناقصة يلزم خبرها "أن" غالبًا؛ لما فيها من تراخي الوقوع، وتكون بتأويل المصدر، كقولك: يوشك زيد أن يذهب: أي قارب زيد الذهاب، وربّما حُذفت "أن" تشبيهًا لها بـ "كاد"، كقول الشاعر: يُوشِكَ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ ... فِي بَعْضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا والتامّة تكتفي باسم واحد، وهو "أن" مع الفعل بتأويل المصدر، بمعنى قرُب، كما في خبر عبد الله بن عمرو هذا. انتهى (٢). (أَنْ تَخْرُجَ) أي من محلّ سَجْنها من البحر (فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا) أي شيئًا تزعم أنه قرآن؛ لتَغُرّ به عوامّ الناس، وليس بقرآن. وقال في "المفهم": القرآن أصله الجمع، ومنه قول من مَدَحَ ناقته، فقال:

стр. 552

.............. ... هِجَانِ اللَّوْنِ لم تَقْرَأْ جَنِينَا (١) وبه سُمّي كتاب الله قرآنًا؛ لِمَا جمع من المعاني الشريفة، ثم قد يقال: مصدرًا، بمعنى القراءة، كما قال الشاعر في عثمان: ...................... ... يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنًا (٢) أي قراءة. ومعنى هذا الحديث: الإخبار بأن الشياطين المسجونة ستخرج، فتُموّه على الجهلة بشيء، تقرؤه عليهم، وتلبّس به، حتّى يحسبوا أنه قرآن، كما فعله مسيلمة، أو تسرُدُ عليهم أحاديث تُسندها للنبيّ ﷺ كاذبةً، وسُمّيت قرآنًا؛ لما جمعوا فيها من الباطل، وعلى هذا الوجه يُستفاد من الحديث التحذير من قبول حديث من لا يُعرَف. انتهى (٣). وقال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قد حفظ الله كتابه، وضمِن ذلك، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقد ثبت القرآن، ووقع عليه الإجماع، فلا يُزاد فيه حرف، ولا يُنقص حرف، وقد رام الروافض، والملحدة ذلك، فما يمكن لهم، ولا يصحّ أن يَقبل مسلم من أحد قرآنًا يدّعيه مما ليس بين الدَّفّتين، فإن كان لهذا الخبر أصلٌ صحيح، فلعله يأتي بقرآن فلا يُقبل منه، كما لم يُقبل ما جاءت به القرامطة، ومسيلمة، وسَجَاحِ، وطليحة، وشبههم. أو يكون أراد بالقرآن ما يأتي به، ويجمعه من أشياء يذكرها، إذ أصل القرآن الجمع، سمّي بذلك لما يجمعه من القصص، والأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، وكلُّ شيء جمعته فقد قرأته. انتهى (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما قال القاضي: إن كان للخبر أصل صحيح؛ لاحتمال أن يكون هذا من الإسرائيليات؛ لأن عبد الله بن عمرو ﵄ معروف بالحكاية من كتب أهل الكتاب، فيُخشى أن يكون هذا منها. والله تعالى أعلم. [فائدة]: ذكر صاحب "فتح الملهم" حكاية، حاصلها: قد رأينا قبل عشرين سنة أن الشيطان تمثّل في صورة الدكتور منجانا الإنجليزيّ، فأخرج قرآنا من وراء البحار، وعرضه على الناس، مع ادّعائه أنه مصحف عتيق، مخالف لهذه المصاحف الموجودة

стр. 553

بأيدي المسلمين شرقًا وغربًا في كثير من المواضع، وكان غرضه إثبات التحريف في القرآن، ولكن لم يرفعوا له رأسًا، فلم ينجح، بل خاب وخسر، وصار بعد أيام كأن لم يكن شيئًا مذكورًا، فذهب الزبد جُفاءً، ومكث ما ينفع الناس في الأرض، ولله الحمد. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه: ١٩ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ سَعِيدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ -يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ- فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، ثُمَّ حَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْرِي، أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا، أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبّاد) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد. رَوَى عن ابن عيينة، وحاتم بن إسماعيل، والدراوردي، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاري، ومسلم، وروى الباقون سوى أبي داود عنه بواسطة أحمد بن سعيد الدارمي، وسليمان بن توبة، وعثمان بن خُرّزاذ، وأحمد بن علي المروزي، وروى عنه أيضا الذهلي، والصاغاني، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: حديثه حديث أهل الصدق، وأرجو أنه لا يكون به بأس، وقال مرة: يقع في قلبي أنه صدوق. وقال أبو زرعة عن ابن معين: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن منده: يكنى أبا عبد الله. وقال صالح جَزَرَة: لا بأس به. وقال ابن قانع: كان ثقة. وقال البخاري وغيره: توفي آخر سنة أربع وثلاثين ومائتين. وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهِم، من العاشرة. وله في "صحيح مسلم" (٤٢) حديثًا. ٢ - (سعيد بن عمرو) بن سهل بن إسحاق بن محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ الأشعثيّ، أبو عثمان الكوفيّ.

стр. 554

رَوَى عن أبي زُبَيد عبثر بن القاسم، وعبد الله بن المبارك، وحفص بن غياث، وابن عيينة، وغيرهم. وعنه مسلم، وروى له النسائي بواسطة القاسم بن زكريا بن دينار، وأبو شيبة إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو زرعة، وقال: ثقة، وبقي بن مخلد، وغيرهم. وقال مطين: مات في صفر سنة ثلاثين ومائتين، وكان ثقة، كتب عنه يحيى بن معين. وقال ابن سعد: هو ثقة صدوق مأمون. وقال ابن قانع: كوفي صالح. وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة. وله في "صحيح مسلم" (٢٦) حديثًا. ٣ - (سفيان بن عيينة) الإمام المكيّ الحافظ الحجة، تقدّمت ترجمته (١). ٤ - (هشام بن حُجَير) -بمهملة، ثم جيم، مصغّرًا- المكيّ. رَوَى عن طاوس، ومالك بن أبي عامر الأصبحي، والحسن البصري، وروى عنه ابن جريج، ومحمد بن مسلم الطائفي، وشِبْل بن عباد المكي، وابن عيينة. قال الميموني عن أحمد، عن ابن عيينة، قال ابن شبرمة: ليس بمكة مثله. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، قلت: هو ضعيف؟ قال: ليس هو بذاك، قال: وسألت يحيى بن معين عنه؟ فضعفه جِدّا. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: صالح. وقال ابن المديني عن يحيى بن سعيد: ثنا عنه ابن جريج، وخليق أن أدعه، قلت: أضرب على حديثه؟ قال: نعم. وقال الآجري عن أبي داود: ضُرِبَ الحدَّ بمكة، قلت: في ماذا؟ قال: فيما يُضرب فيه أهل مكة. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال الساجي: صدوق. وقال العقيلي: قال ابن عيينة: لم نأخذ منه إلا ما لا نجد عند غيره. وقال في "التقريب": صدوقٌ، له أوهامٌ، من السابعة. أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، وله في "صحيح مسلم" حديثان فقط: (٢١٨٨) حديث معاوية: "أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله ﷺ "، و (٣١٢٤) حديث أبي هريرة ﵁: "قال سليمان بن داود: لأطوفنّ الليلة ... ". ٥ - (طاوس) بن كيسان المترجم في السند الماضي. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد قولُهُ: "قال سعيد: أخبرنا سفيان الخ" فإنه من تدقيقات المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى، واحتياطه، وورعه، حيث يراعي اختلاف شيوخه في صيغ

стр. 555

الأداء، فقد صرّح شيخه سعيد بن عمرو الأشعثيّ بالإخبار، وذكر شيخه باسمه، فقال: "أخبرنا سفيان"، فبيّن المصنّف ذلك؛ أداء للأمانة، وإن كان لا يختلف المعنى بذلك في الغالب، وهذا هو الذي حمل بعض العلماء على أن يُقَدِّموا مسلمًا على البخاريّ؛ حيث إنه أدقّ في الصناعة الحديثيّة، وإن كان البخاريّ أدقّ في مراعاة الأصحيّة، كما أشار إلى ذلك السيوطيّ في "ألفيّة الأثر" بقوله: وَمَنْ يُفَضِّلْ مُسْلِمًا فَإِنَّمَا ... تَرْتِيبَهُ وصُنْعَهُ قَدْ أَحْكَمَا والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ طَاوُسٍ) بن كيسان اليمانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: جَاءَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، يَعْنِي) العناية ممن بعد طاوس: أي يريد بقوله: "هذا" الإشارة إلى (بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ) بضمّ الموحّدة، وفتح المعجمة- ابن أبي الْحِمْيَري العدوي، ويقال: العامري أبو أيوب، رَوَى عن ربيعة الْجُرَشيّ، وشهد معه اليرموك، وشداد بن أوس، وأبي الدرداء، وأبي ذرّ، وأبي هريرة. ورَوَى عنه ابن بُرَيدة، وقتادة، وثابت البناني، وطلق بن حبيب، والعلاء بن زياد، وغيرهم. قال ابن المديني: معروف. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال عمرو ابن دينار: قال لي طاوس: اذهب بنا نجالس الناس، فجلسنا إلى رجل من أهل البصرة، يقال له: بُشَير بن كعب العدوي، فقال طاوس: رأيت هذا أتى ابن عباس، فجعل يحدثه، فقال ابن عباس: كأني أسمع حديث أبي هريرة، وهو الذي أنكر عليه ابن عباس الإرسال، وقصته في "مقدمة صحيح مسلم". وهو الذي قال لعمران بن حصين لَمّا حدث عن النبي ﷺ بحديث: "الحياء خير كله"، فقال بُشير بن كعب: إن في الحكمة مكتوبا منه ضعف، ومنه وقار، فغضب عمران عليه. أخرج ذلك البخاري ومسلم من حديث أبي السَّوّار عنهما، وأخرجه مسلم من حديث أبي قتادة الْعَدَويّ أيضا عنهما. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وقال الحاكم عن الدارقطني: ثقة. وذكر ابن حبان في "الثقات" أن بُشَير بن كعب الذي شهد اليرموك آخر غير صاحب الترجمة. أخرج له البخاريّ، والأربعة، وله عند المصنّف ذكرٌ فقط. (فَجَعَلَ) أي شرع، فـ "جعل" من أفعال الشروع التي تنسخ المبتدأ والخبر، واسمها ضمير بُشير، وخبرها قوله: (يُحَدِّثُهُ) ولا يقترن بـ "أَنْ"، كما قال ابن مالك في "الخلاصة": ........................... ... وَتَرْكُ "أَنْ" مَعْ ذِي الشُّرُوعِ وَجَبَا

стр. 556

كَأَنْشَأَ السَّائِقُ يَحْدُو وَطَفِقْ ... كَذَا جَعَلْتُ وَأَخَذْتُ وَعَلِقْ والمعنى: أن بشير بن كعب شرعِ يُحدّث ابن عبّاس ﵄ (فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا) بضم العين المهملة: أمر من عاد يعود، كقال يقول، يقال: عاد إلى كذا، وعاد له يعود عَوْدةً، وعَوْدًا: إذا صار إليه، وفي التنزيل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية [الأنعام: ٢٨]. والمعنى: أَعِد الحديث الفلانيّ (فَعَادَ لَهُ) أي لذلك الحديث (ثُمَّ حَدَّثَهُ) أي حدّث بُشيرٌ بحديث آخر (فَقَالَ) ابن عباس (لَهُ: عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا، فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ) أي قال بُشير لابن عبّاس (مَا) نافية (أَدْرِي) أي لم أعرف سبب طلبك العود إلى الحديث (أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا) أي الذي أمره بالعودة إليه (أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَعَرَفْتَ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (إِنَّا كنَّا نُحَدَّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) يحتمل أن يكون بالبناء للمفعول. أي كان الناس يحدّثوننا، ونستمع منهم. وهذا هو الظاهر؛ لأن السياق يدلّ عليه، وكذا الأثران بعده ظاهران فيه. ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل: أي نحدّث الناس. قال السنديّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قوله: "نُحدّث" ضُبط في غالب النسخ بكسر الدال على بناء الفاعل، والوجه عندي أنه على بناء المفعول، وهو كناية عن الميل إلى سماع الحديث عن الناس، والأخذ عنهم، فإن كذب الناس يمنع الأخذ عنهم، لا من تعليمهم، بل ينبغي أن يكون علّةً لتعليمهم عقلًا، وهو الموافق لسائر الروايات الآتية. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما استوجهه السنديّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى قويّ، إلا أنه لا يبعد أن يكون بالبناء للفاعل أيضًا، ووجهه أن ظهور الكذب، وكثرة الأهواء يجعل المحدّث يمسك عن حديثه، إذا خاف أن يتّخذوا ذلك وسيلة إلى تقوية أهوائهم، أو خاف الزيادة والنقص بسبب عدم مبالاتهم بالكذب. والله تعالى أعلم. ثم وجدتُّ القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى صحّح الوجه الأول، ونصّه: الصحيح في "نُحدَّث" بضمّ النون، وفتح الدال المشدّدة، مبنيّا للمفعول، ويؤيّده قوله في الرواية الأخرى: "كنّا إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا". وكذلك وجدته مقيّدًا بخطّ من يُعتمد على علمه وتقييده، وقد وجدته في بعض النسح بكسر الدال، وفيه بُعد، ولعله لا يصحّ. انتهى (١).

стр. 557

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المدار على صحّة الرواية، فإن صحّت بالبناء للمفعول، فهي متعيّنة، وإلا فالكلام محتمل للبناء للفاعل أيضًا، وإن كان الوجه الأول أوضح. فتأمّل. والله تعالى أعلم. (إِذْ) ظرفيّة متعلّقة بـ "نحدّث" (لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول: أي وقت عدم الكذب عليه ﷺ . والمعنى على الأول: كان الناس يُحدّثوننا، ونستمع إلى حديثهم، ونأخذ به، في الوقت الذي لا يَكذب فيه أهله على النبيّ ﷺ ، وهو عهده ﷺ ، وعهد أصحابه. وعلى الثاني: كنا نحدّت الناسَ بحديث رسول الله ﷺ في الوقت الذي نثق بأهله أنهم لا يزيدون على ما حدّثناهم به، ولا ينقصون منه، وقد سبق آنفًا أن الأول هو الأظهر؛ لأنه الذي يدلّ عليه السياق، والأثران بعده، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا رَكِبَ) بكسر الكاف، من باب علم (النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ) قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذا مثلٌ، وأصله في الإبل، ومعناه أن الناس تسامحوا في الحديث عن رسول الله ﷺ ، واجترؤوا عليه، فتحدّثوا بالمرضيّ عنه الذي مثّله بالذلول من الإبل، وبالمنكر منه الممثّل بالصعب من الإبل. انتهى (١). وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هو مثالٌ حسنٌ، وأصل الصعب والذلول في الإبل، فالصعب الْعَسِرُ المرغوب عنه، والذَّلُول السَّهْلُ الطيّب المحبوب المرغوب فيه. فالمعنى: سلك الناس كلَّ مَسْلَك مما يُحمد ويُذمّ. انتهى (٢). (تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ) أي تركنا استماع الحديث الذي يُنقل عن رسول الله ﷺ ، وقبوله، أو تركنا التحديث للناس؛ لعدم ثقتنا بهم، وخوفنا منهم الزيادة والنقص. وحاصل ما أشار إليه ابن عبّاس ﵄ في هذا الكلام أنه لَمّا فشا الكذب في الآونة الأخيرة، وكثُر عدم مبالات الناس به أراد أن يتحقّق ويتأكّد من صحّة حديثه، فأمره بإعادة بعض أحاديثه التي لم يستمع إليها حقّ استماع، حتى يوفّيها حقّها من القبول أو الردّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه: ٢٠ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظْ الْحدَيثَ، وَالحَدِيثُ يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ فَأَمَّا إِذْ رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ فَهَيْهَاتَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الإسناد تقدّم قبل حديث، فلا حاجة إلى إعادته. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 558

شرح الأثر: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (قَالَ: إِنَّمَا كُنَّا نَحْفَظُ الْحَدِيثَ) بالبناء للفاعل: أي نأخذ من الناس الحديث، ونحفظه. وقوله: (وَالْحَدِيثُ يُحْفَظُ) بالبناء للمفعول، جملة في محلّ نصب على الحال من "الحديث" (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) متعلّق بـ "يُحفَظ" (فَأَمَّا إِذْ) ظرفية (رَكِبْتُمْ كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ، فَهَيْهَاتَ) قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أي ما أبعد استقامة أمركم، أو فما أبعد أن نثق بحديثكم، ونسمع منكم، ونُعَوِّل على روايتكم. انتهى (١). وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "شرحه": قوله: "فهيهات": أي بَعُدت استقامتكم، أو بَعُد أن نَثِقَ بحديثكم. و"هيهات": موضوعة لاستبعاد الشيء، واليأس منه. قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: "هيهات": اسم سُمِّي به الفعل، وهو بَعُدَ في الخبر، لا في الأمر، قال: ومعنى "هيهات": بَعُدَ، وليس له اشتقاق؛ لأنه بمنزلة الأصوات، قال: وفيه زيادة معنى ليست في بَعُدَ، وهو أن المتكلم يخبر عن اعتقاده استبعاد ذلك الذي يخبر عن بعده، فكأنه بمنزلة قوله: بَعُد جِدّا، وما أبعده، لا على أن يعلم المخاطب مكان ذلك الشيء في البعد، ففي "هيهات" زيادة على "بَعُد"، وإن كنا نفسره به، ويقال: هيهات ما قلتُ، وهيهات لِمَا قلتُ، وهيهات لك، وهيهات أنت. قال الواحدي: وفي معنى هيهات ثلاثة أقوال: [أحدها]: أنه بمنزلة بَعُدَ، كما ذكرناه أَوّلًا، وهو قول أبي علي الفارسي، وغيره من حُذّاق النحويين. [والثاني]: بمنزلة بعيد، وهو قول الفراء. [والثالث]: بمنزلة البعد، وهو قول الزجاج، وابن الأنباري، فا لأول نجعله بمنزلة الفعل، والثاني بمنزلة الصفة، والثالث بمنزلة المصدر. وفي "هيهات": ثلاث عشرة لغة، ذكرهن الواحديّ: "هيهات" -بفتح التاء، وكسرها، وضمها، مع التنوين فيهن، وبحذفه، فهذه ست لغات، و"أيهات" بالألف بدل الهاء الأولى، وفيها اللغات الست أيضا. والثالثة عشرة: "أيها" بحذف التاء من غبر تنوين. وزاد غير الواحديّ: "أيئات" بهمزتين بدل الهاءين، والفصيح المستعمل من هذه اللغات استعمالًا فاشيًا "هيهات" بفتح التاء بلا تنوين. قال الأزهريّ: واتفق أهل اللغة على أن تاء هيهات ليست أصلية، واختلفوا في الوقف عليها، فقال أبو عمرو، والكسائيّ: يوقف بالهاء. وقال الفراء:

стр. 559

بالتاء. انتهى كلام النوويّ (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه: ٢١ - (وحَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ، سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْغَيْلَانِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو عَامِرٍ -يَعْنِي الْعَقَدِيَّ- حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ، وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا لِي لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي، أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا تَسْمَعُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَضْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو أَيُّوبَ، سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ) بن عمرو بن جابر الْغَيْلَانِيُّ المازنيّ، أبو أيوب البصريّ. رَوَى عن أبي عامر العقدي، وأبي داود الطيالسي، وبهز بن أسد، وأبي قتيبة سلم ابن قتيبة، وأمية بن خالد، وغيرهم. ورَوَى عنه مسلم، والنسائي، وابن ناجية، وابن أبي عاصم، وابن أبي الدنيا، وعبيد الله بن واصل. قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وذكره ابن أبي عاصم فيمن مات سنة ست وأربعين ومائتين، وفيمن مات سنة (٢٤٧). وقال في "التقريب": صدوقٌ، من الحادية عشرة. انتهى. وله في "صحيح مسلم" خمسة أحاديث برقم ١٣٦ و ١٦٩٦ و ٢١٠٥٦ و ٢١١٥ و ٤٨٥. ٢ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيَّ) -بفتحتين- هو: عبد الملك بن عمرو القيسيّ البصريّ. رَوَى عن أيمن بن نابل، وسحّامة بن عبد الرحمن الأصم، وعكرمة بن عمار، وقرة بن خالد، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي، ويحيى، والمسندي، وأبو خيثمة، وسليمان بن عبيد الله، وغيرهم.

стр. 560

قال سليمان بن داود القزاز: قلت لأحمد: أريد البصرة عمن أكتب؟ قال: عن أبي عامر العقدي، ووَهْب بن جرير، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: صدوق. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال ابن مهدي: كتبت حديث ابن أبي ذئب عن أوثق شيخ أبي عامر العقدي. قال السراج: و"الْعَقَدُ" قوم من قيس، وهم صنف من الأزد. وقال أبو زكريا الأعرج النيسابوري: كان إسحاق إذا حدثنا عن أبي عامر قال: ثنا أبو عامر الثقة الأمين. وقال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن شاهين في "الثقات"، قال عثمان الدارمي: أبو عامر ثقة عاقل. قال محمد بن سعد، ونصر بن علي: مات سنة أربع ومائتين. وقال أبو داود، وابن حبان: مات سنة (٥). وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٢) حديثًا. ٣ - (رَبَاحٌ) -بفتح الراء، وتخفيف الباء الموحّدة، آخره حاء مهملة- ابن أبي معروف بن أبي سارة المكيّ. رَوَى عن عطاء، وقيس بن سعد، ومجاهد، وابن أبي مليكة، وأبي الزبير، وغيرهم. وروى عنه الثوري، وأبو أحمد الزبيري، ووكيع، وابن أبي فديك، وأبو داود الطيالسي، وأبو نعيم، وغيرهم. قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، وكان عبد الرحمن يحدث عنه، ثم تركه، وقال ابن معين: ضعيف. وقال ابن عمار، وأبو زرعة، وأبو حاتم: صالح. وقال ابن حبان: كان ممن الغالب عليه التقشف، ولزوم الورع، وكان يَهِم في الشيء بعد الشيء. وقال النسائي: ضعيف. وقال في موضع آخر: ليس بالقوي. وقال العجلي: لا بأس به. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وقال الساجي عن أحمد: كان صالحًا. وقال ابن عدي: ما أرى برواياته بأسًا، ولم أجد له شيئا منكرًا. وقال في "التقريب": صدوقٌ، له أوهام، من السابعة. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والترمذي، والنسائي، وله في "صحيح مسلم" ثلاثة أحاديث برقم ٢٠٢١ و ٢١٠٥ و ٢٨٦٠. ٤ - (قَيْسُ بْنُ سَعْد) المكيّ، أبو عبد الملك، ويقال: أبو عبد الله الحبشي، مولى نافع بن علقمة، ويقال: مولى أم علقمة. رَوَى عن عطاء، وطاووس، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، ومكحول

стр. 561

الشامي، ويزيد بن هرمز، وغيرهم. ورَوَى عنه الحمادان، وعمران القصير، وجرير بن حازم، ورباح بن أبي معروف، وهشام بن حسان، وسيف بن سليمان، ويزيد بن إبراهيم التستري، وغيرهم. قال أحمد، وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان قد خلف عطاء في مجلسه، ولكنه لم يُعَمَّر، مات سنة تسع عشرة ومائة، وكان ثقة، قليل الحديث. وقال العجلي: مكي ثقة. وسئل أبو داود عن قيس، وابن جريج في عطاء؟ فقال: كان قيس أقدم، وابن جريج يُقَدَّم. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٧). وقيل: سنة (١٩). وقال في "التقريب": ثقة، من السادسة. أخرج له البخاري في التعاليق، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجهْ، وله في "صحيح مسلم" ستة أحاديث برقم ٧٣٧ و ١٢٨٢ و ١٢٨٨ و ٢٠٢٠ و ٣٢٣٠ و ٣٣٧٩. ٥ - (عَنْ مُجَاهِدٍ) بن جبر المخزوميّ مولاهم المقرىء، مولى السائب بن أبي السائب، أبو الحجّاج المكيّ. رَوَى عن علي، وسعد بن أبي وقاص، والعبادلة الأربعة، ورافع بن خديج، وأسيد بن ظهير، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، وأم سلمة، وجويرية بنت الحارث، وأبي هريرة، وأم هانىء بنت أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وغيرهم. ورَوَى عنه أيوب السختياني، وعطاء، وعكرمة، وابن عون، وعمرو بن دينار، وغيرهم. قال عبد السلام بن حرب عن مصعب: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد، وبالحج عطاء. وقال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدا يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال أبو نعيم: قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء، وكذا قال الآجري عن أبي داود. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال الثوري عن سلمة بن كهيل: ما رأيت أحدا أراد بهذا العلم وجه الله تعالى إلا عطاء، وطاوسًا، ومجاهدًا. وقال الأعمش عن مجاهد: لو كنت قرأت على قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن. وعن مجاهد قال: قرأت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية، أسأله فيم نزلت، وكيف كانت. وقال إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد قال: ربما آخذ لابن عمر بالركاب. وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد. وقال أبو بكر بن عياش: قلت للأعمش: ما لهم يقولون: تفسير مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب. وقال علي بن المديني: لا أنكر أن يكون مجاهد يلقى جماعة من الصحابة، وقد سمع من عائشة. ووقع التصريح بسماعه منها عند أبي عبد الله البخاري في "صحيحه". وقال ابن سعد: كان ثقة فقيها عالما كثير

стр. 562

الحديث. وقال ابن حبان: كان فقيها ورعا عابدًا متقنًا. وقال أبو جعفر الطبري: كان قارئا عالمًا. وقال العجلي. مكي تابعي ثقة. وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد، والاحتجاج به. وقال أيضًا: قرأ عليه عبد الله بن كثير. قال الهيثم بن عدي: مات سنة مائة. وقال يحيى بن بكير: مات سنة إحدى، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة. وقال أبو نعيم مات سنة اثنتين. وقال سعيد بن عفير وأحمد: مات سنة ثلاث. وقال ابن حبان: مات بمكة سنة اثنتين أو ثلاث ومائة، وهو ساجد، وكان مولده سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر. وقال يحيى القطان: مات سنة أربع ومائة. وقال في "التقريب": ثقة، إمام في التفسير والعلم، من الثالثة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٨) حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه مسلسل بالمكيين من رَبَاح، وشيخ المصنف، وشيخ شيخه بصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن قوله: "يعني العقَديّ" فيه قاعدة من القوأعد المصطلحيّة، وهي أن شيخ المصنّف لم ينسب أبا عامر إلى قبيلته، فأراد المصنّف أن يَنسبه؛ ليُعْرَف، فلو قال: "حدّثنا أبو عامر العقَديّ" لكان زائدًا على شيخه، ففصله بـ "يعني"؛ تمييزًا بين كلام شيخه، وبين ما زاده عليه وقد تقدم تمام البحث في هذا مستوفي في المسألة السادسة من مقدمة هذا الشرح، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ مُجَاهِد) بن جبر الإمام المشهور رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (فَجَعَلَ) أي شرع بُشير (يُحَدِّثُ) وفي الرواية الماضية: "يُحدّثه" بالضمير، وهو لابن عبّاس ﵄ (وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي جعل يكرّر الأحاديث المرفوعة (فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ) بفتح الذال المعجمة، من باب علِمَ: أي لا يستمع، ولا يُصغي إليه بأذنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢]. أي سمعت، ومنه سُمّيت الأذن (١). (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ) بُشير (يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا) استفهاميّة مبتدأ، خبرها قوله: (لِي) أي أيُّ شيء ثبت؟ ، والاستفهام للإنكار. وقوله: (لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي) جملة في محلّ نصب على الحال (أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ ولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا تَسْمَعُ) أي سماع قبول.

стр. 563

[تنبيه]: الظاهر أن هذه القصّة واقعة أخرى غير القصة المذكورة في الرواية الماضية. ويحتمل أن تتّحد القصّتان، فيكون في الرواية الأولى اختصار، وهو أن ابن عباس ﵄ ظنّ أن غرضه مجرّد إسماعه الحديث، فلما قال له: "ما لي لا أراك تسمع الخ" عرف أن مقصوده تحقيق أحاديثه بعرضها عليه، فاعتذر إليه بأنه إنما لم يستمع لكون الناس سلكوا في الحديث مسلكًا غير مرضيّ بحملهم الصحيح والسقيم، ثم قال له: أما إذا أردت التحقيق، فاقرأها عليّ حتى أستمع، فجعل يحدّثه، فقال له: عُد لحديث كذا ولحديث كذا. لكن الاحتمال الأول هو ظاهر سياق الروايتين، فهو أولى. والله تعالى أعلم. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (إِنَّا كُنَّا مَرَّةً) أي مرّةً من المرّات، ووقتًا من الأوقات، وذلك قبل أن يفشو الكذب (إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ابْتَدَرَتْهُ) أي تسابقته (أَبْصَارُنَا) بفتح الهمزة: جمع بصر (وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ) أي مِلْنا إليه. قال في "المصباح": صَغَيتُ إِلى كذا أصْغَى -بفتحتين-: مِلْتُ، وصَغَتِ النُّجوم: مالت للغروب، وصَغِىَ يَصْغَى صَغًى، من باب تَعِبَ، وصُغِيّا على فُعُول، وصغَوْتُ صُغُوًّا، من باب قَعَدَ لُغة أيضًا، وبالأولى جاء القرآن في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وأصغيت الإناء بالألف: أملته، وأصغيتُ سمعي ورأسي كذلك. انتهى (١). (بِآذَانِنَا) بالمدّ: جمع أذُن. والمراد أنهم يقبلون ذلك الحديث، ويأخذونه عن ذلك الرجل؛ لظهور صدقه؛ لأن ذلك العصر أهله أهل صدق وورع، فلا يُخشى أن يحدّثوا بما لا أصل له (فَلَمَّا رَكِبَ) بكسر الكاف (النَّاسُ الصَّعْبَ) بفتح، فسكون (وَالذَّلُولَ) بفتح الذال المعجمة، وقد تقدّم معناهما قبل حديث (لم نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ) "ما" موصول اسميّ مفعول "نأخذ"، فالاستثناء مفرّغ: أي لم نأخذ من حديث الناس إلا الحديث الذي نعرف ثقة نَقَلَته، وصحّة مَخْرجه؛ لأن ما ليس كذلك يُخشَى أن يكون كذبًا. قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذا الذي قاله ابن عبّاس ﵄ يشهد بصحّة ما تأوّلنا عليه قول ابن سيرين -يعني الآتي- فإن ابن عبّاس كان في أول مرّة يُحدّث عن الصحابة، ويأخذ عنهم؛ لأن سماعه من رسول الله ﷺ كان قليلًا؛ لصغر سنّه، فكان حاله مع الصحابة كما قال، فلمّا تلاحق التابعون، وحدّثوا، وظهر له ما يُوجب الريبة لم يأخذ عنهم، كما فعل مع بُشير العدويّ. انتهى كلام القرطبيّ (٢). [مسألة]: تتعلّق بآثار ابن عبّاس ﵄ المتقدّمة:

стр. 564

(اعلم): أنه يتعلّق بهذه الآثار أنواع من الآداب: (منها): الإعراض عمن يُحدّث بالأحاديث التي لا أصل لها، وعدم استماعها. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من تعظيم أحاديث رسول الله ﷺ ، واحترامهم لحاملها. (ومنها): أن من أدب طالب الحديث أن يعطي كلّه للحديث؛ لأنه لا تحصل له الاستفادة التامة إلا بذلك، كما قيل: العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه، وإن أعطيته بعضك لم يُعطك شيئًا. (ومنها): أنه لا ينبغي للطالب أن يُبقي حال استماعه ذرّة من ذرّاته تلتفت إلى غيره، بل يُحضر قلبه كلّه كما أحضر جسمه، فإذا سمع المحدّث شرع في التحديث دنا منه، وابتدره في أول مجلسه، وابتداء إلقائه، فيُلقي نظره عليه، ويُصغي بأذنه إليه، فإن وصول العلم إلى القلب إنما يتمّ عن طريقي السمع، والبصر، فإذا نظر إلى الشيخ بعينيه، وأصغى إليه بأذنيه، فقد حصل له التلقّي التامّ، وإن تخلّف أحدهما نقصت الاستفادة بقدر ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٢٢ - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا، وَيُخْفِي عَنِّي، فَقَالَ: وَلَدٌ نَاصِحٌ، أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الْأُمُورَ اخْتِيَارًا، وَأُخْفِي عَنْهُ، قَالَ: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ، إِلَّا أَنْ يَكونَ ضَلَّ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (داود بن عمرو الضبيّ) هو: داود بن عمرو بن زهير بن عمرو بن جميل الضبي، أبو سليمان البغدادي، كذا نسبه ابن سعد وغيره، وقال الحاكم أبو أحمد: داود بن عمرو بن المسيب، ويقال: ابن زهير. رَوَى عن نافع بن عمر الجمحي، وابن أبي الزناد، ومسلم بن خالد الزنجي، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وهو من كبار شيوخه، وروى له النسائي بواسطة الفضل بن سهل الأعرج، وأبو يحيى صاعقة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. قال موسى بن هارون الحمال: حدثنا أبو الحسن بن العطار شيخ لنا ثقة، أنه رأى أحمد بن حنبل يأخذ لداود بن عمرو بالركاب. قال ابن محرز: سئل عنه ابن معين؟ فلم يعرفه، ثم بلغني أنه قال: لا بأس به، وأنه سأل سعدويه عنه، فحمده. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن عمرو بن زهير الثقة المأمون. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال موسى بن هارون وغيره: مات في صفر سنة

стр. 565

(٢٢٨). وقيل: في ربيع الأول (١). وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة. تفرّد به مسلم، والنسائي، وله في "صحيح مسلم" حديثان فقط برقم (٤٢٤٤) حديث: "حوضي مسيرة شهر ... "، و (٤٢٤٥) حديث: "إني على الحوض حتى أنظر من يرد ... ". ٢ - (نافع بن عمر) بن عبد الله بن جَمِيل بن عامر بن حِذْيَم بن سلامان بن ربيعة ابن سعد بن جُمَح الجمحي الحافظ المكي. رَوَى عن ابن أبي مليكة، وسعيد بن حسان الحجازي، وسعيد بن أبي هند، وغيرهم. ورَوى عنه عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، ويحيى القطان، وابن المبارك، وداود بن عمرو الضبّيّ، وغيرهم. قال عبد الرحمن بن مهدي: كان من أثبت الناس. وقال أبو طالب عن أحمد: ثبت ثبت، صحيح الكتاب. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: نافع بن عمر أثبت من عبد الله بن مؤمل. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: هو أحب إلي من عبد الجبار بن الورد، وهو أصح حديثًا، وهو في الثقات ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه؟ فقال: ثقة، قلت: يُحتج بحديثه؟ قال: نعم. وقال ابن سعد عن شهاب بن عباد: مات بمكة سنة تسع وستين ومائة، وكان ثقة، قليل الحديث، فيه شيء. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بِفَخّ سنة تسع وستين ومائة. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، من كبار السابعة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" ثلاثة أحاديث: الحديثان المذكوران في ترجمة داود بن عمرو قبله، و (٣٢٢٩) حديث: "قضى باليمين على المدّعى عليه". ٣ - (ابن أبي مُليكة) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة زُهير بن عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أبو بكر، ويقال: أبو محمد التيمي المكي، كان قاضيا لابن الزبير، ومؤذنا له. روى عن العبادلة الأربعة، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن السائب المخزومي، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه يحيى، وابن أخته عبد الرحمن بن أبي بكر، وعطاء بن أبي رباح، ونافع بن عمر الجمحي، وغيرهم.
следующие страницы →