← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الشامي، ويزيد بن هرمز، وغيرهم. ورَوَى عنه الحمادان، وعمران القصير، وجرير بن حازم، ورباح بن أبي معروف، وهشام بن حسان، وسيف بن سليمان، ويزيد بن إبراهيم التستري، وغيرهم. قال أحمد، وأبو زرعة، ويعقوب بن شيبة، وأبو داود: ثقة. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال ابن سعد: كان قد خلف عطاء في مجلسه، ولكنه لم يُعَمَّر، مات سنة تسع عشرة ومائة، وكان ثقة، قليل الحديث. وقال العجلي: مكي ثقة. وسئل أبو داود عن قيس، وابن جريج في عطاء؟ فقال: كان قيس أقدم، وابن جريج يُقَدَّم. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٧). وقيل: سنة (١٩). وقال في "التقريب": ثقة، من السادسة. أخرج له البخاري في التعاليق، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجهْ، وله في "صحيح مسلم" ستة أحاديث برقم ٧٣٧ و ١٢٨٢ و ١٢٨٨ و ٢٠٢٠ و ٣٢٣٠ و ٣٣٧٩. ٥ - (عَنْ مُجَاهِدٍ) بن جبر المخزوميّ مولاهم المقرىء، مولى السائب بن أبي السائب، أبو الحجّاج المكيّ. رَوَى عن علي، وسعد بن أبي وقاص، والعبادلة الأربعة، ورافع بن خديج، وأسيد بن ظهير، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، وأم سلمة، وجويرية بنت الحارث، وأبي هريرة، وأم هانىء بنت أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وغيرهم. ورَوَى عنه أيوب السختياني، وعطاء، وعكرمة، وابن عون، وعمرو بن دينار، وغيرهم. قال عبد السلام بن حرب عن مصعب: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد، وبالحج عطاء. وقال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهدا يقول: عرضت القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة. وقال أبو نعيم: قال يحيى القطان: مرسلات مجاهد أحب إلي من مرسلات عطاء، وكذا قال الآجري عن أبي داود. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال الثوري عن سلمة بن كهيل: ما رأيت أحدا أراد بهذا العلم وجه الله تعالى إلا عطاء، وطاوسًا، ومجاهدًا. وقال الأعمش عن مجاهد: لو كنت قرأت على قراءة ابن مسعود لم أحتج أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن. وعن مجاهد قال: قرأت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية، أسأله فيم نزلت، وكيف كانت. وقال إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد قال: ربما آخذ لابن عمر بالركاب. وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد. وقال أبو بكر بن عياش: قلت للأعمش: ما لهم يقولون: تفسير مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنه يسأل أهل الكتاب. وقال علي بن المديني: لا أنكر أن يكون مجاهد يلقى جماعة من الصحابة، وقد سمع من عائشة. ووقع التصريح بسماعه منها عند أبي عبد الله البخاري في "صحيحه". وقال ابن سعد: كان ثقة فقيها عالما كثير

стр. 562

الحديث. وقال ابن حبان: كان فقيها ورعا عابدًا متقنًا. وقال أبو جعفر الطبري: كان قارئا عالمًا. وقال العجلي. مكي تابعي ثقة. وقال الذهبي في آخر ترجمته: أجمعت الأمة على إمامة مجاهد، والاحتجاج به. وقال أيضًا: قرأ عليه عبد الله بن كثير. قال الهيثم بن عدي: مات سنة مائة. وقال يحيى بن بكير: مات سنة إحدى، وهو ابن ثلاث وثمانين سنة. وقال أبو نعيم مات سنة اثنتين. وقال سعيد بن عفير وأحمد: مات سنة ثلاث. وقال ابن حبان: مات بمكة سنة اثنتين أو ثلاث ومائة، وهو ساجد، وكان مولده سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر. وقال يحيى القطان: مات سنة أربع ومائة. وقال في "التقريب": ثقة، إمام في التفسير والعلم، من الثالثة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٨) حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه مسلسل بالمكيين من رَبَاح، وشيخ المصنف، وشيخ شيخه بصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن قوله: "يعني العقَديّ" فيه قاعدة من القوأعد المصطلحيّة، وهي أن شيخ المصنّف لم ينسب أبا عامر إلى قبيلته، فأراد المصنّف أن يَنسبه؛ ليُعْرَف، فلو قال: "حدّثنا أبو عامر العقَديّ" لكان زائدًا على شيخه، ففصله بـ "يعني"؛ تمييزًا بين كلام شيخه، وبين ما زاده عليه وقد تقدم تمام البحث في هذا مستوفي في المسألة السادسة من مقدمة هذا الشرح، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ مُجَاهِد) بن جبر الإمام المشهور رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: جَاءَ بُشَيْرٌ الْعَدَوِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (فَجَعَلَ) أي شرع بُشير (يُحَدِّثُ) وفي الرواية الماضية: "يُحدّثه" بالضمير، وهو لابن عبّاس ﵄ (وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي جعل يكرّر الأحاديث المرفوعة (فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ) بفتح الذال المعجمة، من باب علِمَ: أي لا يستمع، ولا يُصغي إليه بأذنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢]. أي سمعت، ومنه سُمّيت الأذن (١). (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ) بُشير (يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا) استفهاميّة مبتدأ، خبرها قوله: (لِي) أي أيُّ شيء ثبت؟ ، والاستفهام للإنكار. وقوله: (لَا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي) جملة في محلّ نصب على الحال (أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ ولِ اللهِ ﷺ ، وَلَا تَسْمَعُ) أي سماع قبول.

стр. 563

[تنبيه]: الظاهر أن هذه القصّة واقعة أخرى غير القصة المذكورة في الرواية الماضية. ويحتمل أن تتّحد القصّتان، فيكون في الرواية الأولى اختصار، وهو أن ابن عباس ﵄ ظنّ أن غرضه مجرّد إسماعه الحديث، فلما قال له: "ما لي لا أراك تسمع الخ" عرف أن مقصوده تحقيق أحاديثه بعرضها عليه، فاعتذر إليه بأنه إنما لم يستمع لكون الناس سلكوا في الحديث مسلكًا غير مرضيّ بحملهم الصحيح والسقيم، ثم قال له: أما إذا أردت التحقيق، فاقرأها عليّ حتى أستمع، فجعل يحدّثه، فقال له: عُد لحديث كذا ولحديث كذا. لكن الاحتمال الأول هو ظاهر سياق الروايتين، فهو أولى. والله تعالى أعلم. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (إِنَّا كُنَّا مَرَّةً) أي مرّةً من المرّات، ووقتًا من الأوقات، وذلك قبل أن يفشو الكذب (إِذَا سَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ابْتَدَرَتْهُ) أي تسابقته (أَبْصَارُنَا) بفتح الهمزة: جمع بصر (وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ) أي مِلْنا إليه. قال في "المصباح": صَغَيتُ إِلى كذا أصْغَى -بفتحتين-: مِلْتُ، وصَغَتِ النُّجوم: مالت للغروب، وصَغِىَ يَصْغَى صَغًى، من باب تَعِبَ، وصُغِيّا على فُعُول، وصغَوْتُ صُغُوًّا، من باب قَعَدَ لُغة أيضًا، وبالأولى جاء القرآن في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وأصغيت الإناء بالألف: أملته، وأصغيتُ سمعي ورأسي كذلك. انتهى (١). (بِآذَانِنَا) بالمدّ: جمع أذُن. والمراد أنهم يقبلون ذلك الحديث، ويأخذونه عن ذلك الرجل؛ لظهور صدقه؛ لأن ذلك العصر أهله أهل صدق وورع، فلا يُخشى أن يحدّثوا بما لا أصل له (فَلَمَّا رَكِبَ) بكسر الكاف (النَّاسُ الصَّعْبَ) بفتح، فسكون (وَالذَّلُولَ) بفتح الذال المعجمة، وقد تقدّم معناهما قبل حديث (لم نَأْخُذْ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا نَعْرِفُ) "ما" موصول اسميّ مفعول "نأخذ"، فالاستثناء مفرّغ: أي لم نأخذ من حديث الناس إلا الحديث الذي نعرف ثقة نَقَلَته، وصحّة مَخْرجه؛ لأن ما ليس كذلك يُخشَى أن يكون كذبًا. قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذا الذي قاله ابن عبّاس ﵄ يشهد بصحّة ما تأوّلنا عليه قول ابن سيرين -يعني الآتي- فإن ابن عبّاس كان في أول مرّة يُحدّث عن الصحابة، ويأخذ عنهم؛ لأن سماعه من رسول الله ﷺ كان قليلًا؛ لصغر سنّه، فكان حاله مع الصحابة كما قال، فلمّا تلاحق التابعون، وحدّثوا، وظهر له ما يُوجب الريبة لم يأخذ عنهم، كما فعل مع بُشير العدويّ. انتهى كلام القرطبيّ (٢). [مسألة]: تتعلّق بآثار ابن عبّاس ﵄ المتقدّمة:

стр. 564

(اعلم): أنه يتعلّق بهذه الآثار أنواع من الآداب: (منها): الإعراض عمن يُحدّث بالأحاديث التي لا أصل لها، وعدم استماعها. (ومنها): ما كان عليه الصحابة ﵃ من تعظيم أحاديث رسول الله ﷺ ، واحترامهم لحاملها. (ومنها): أن من أدب طالب الحديث أن يعطي كلّه للحديث؛ لأنه لا تحصل له الاستفادة التامة إلا بذلك، كما قيل: العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه، وإن أعطيته بعضك لم يُعطك شيئًا. (ومنها): أنه لا ينبغي للطالب أن يُبقي حال استماعه ذرّة من ذرّاته تلتفت إلى غيره، بل يُحضر قلبه كلّه كما أحضر جسمه، فإذا سمع المحدّث شرع في التحديث دنا منه، وابتدره في أول مجلسه، وابتداء إلقائه، فيُلقي نظره عليه، ويُصغي بأذنه إليه، فإن وصول العلم إلى القلب إنما يتمّ عن طريقي السمع، والبصر، فإذا نظر إلى الشيخ بعينيه، وأصغى إليه بأذنيه، فقد حصل له التلقّي التامّ، وإن تخلّف أحدهما نقصت الاستفادة بقدر ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٢٢ - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا، وَيُخْفِي عَنِّي، فَقَالَ: وَلَدٌ نَاصِحٌ، أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الْأُمُورَ اخْتِيَارًا، وَأُخْفِي عَنْهُ، قَالَ: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ، إِلَّا أَنْ يَكونَ ضَلَّ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (داود بن عمرو الضبيّ) هو: داود بن عمرو بن زهير بن عمرو بن جميل الضبي، أبو سليمان البغدادي، كذا نسبه ابن سعد وغيره، وقال الحاكم أبو أحمد: داود بن عمرو بن المسيب، ويقال: ابن زهير. رَوَى عن نافع بن عمر الجمحي، وابن أبي الزناد، ومسلم بن خالد الزنجي، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وهو من كبار شيوخه، وروى له النسائي بواسطة الفضل بن سهل الأعرج، وأبو يحيى صاعقة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. قال موسى بن هارون الحمال: حدثنا أبو الحسن بن العطار شيخ لنا ثقة، أنه رأى أحمد بن حنبل يأخذ لداود بن عمرو بالركاب. قال ابن محرز: سئل عنه ابن معين؟ فلم يعرفه، ثم بلغني أنه قال: لا بأس به، وأنه سأل سعدويه عنه، فحمده. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن عمرو بن زهير الثقة المأمون. وقال ابن قانع: ثقة ثبت. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال موسى بن هارون وغيره: مات في صفر سنة

стр. 565

(٢٢٨). وقيل: في ربيع الأول (١). وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة. تفرّد به مسلم، والنسائي، وله في "صحيح مسلم" حديثان فقط برقم (٤٢٤٤) حديث: "حوضي مسيرة شهر ... "، و (٤٢٤٥) حديث: "إني على الحوض حتى أنظر من يرد ... ". ٢ - (نافع بن عمر) بن عبد الله بن جَمِيل بن عامر بن حِذْيَم بن سلامان بن ربيعة ابن سعد بن جُمَح الجمحي الحافظ المكي. رَوَى عن ابن أبي مليكة، وسعيد بن حسان الحجازي، وسعيد بن أبي هند، وغيرهم. ورَوى عنه عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، ويحيى القطان، وابن المبارك، وداود بن عمرو الضبّيّ، وغيرهم. قال عبد الرحمن بن مهدي: كان من أثبت الناس. وقال أبو طالب عن أحمد: ثبت ثبت، صحيح الكتاب. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: نافع بن عمر أثبت من عبد الله بن مؤمل. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: هو أحب إلي من عبد الجبار بن الورد، وهو أصح حديثًا، وهو في الثقات ثقة. وقال ابن معين والنسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبي عنه؟ فقال: ثقة، قلت: يُحتج بحديثه؟ قال: نعم. وقال ابن سعد عن شهاب بن عباد: مات بمكة سنة تسع وستين ومائة، وكان ثقة، قليل الحديث، فيه شيء. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بِفَخّ سنة تسع وستين ومائة. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، من كبار السابعة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" ثلاثة أحاديث: الحديثان المذكوران في ترجمة داود بن عمرو قبله، و (٣٢٢٩) حديث: "قضى باليمين على المدّعى عليه". ٣ - (ابن أبي مُليكة) هو: عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة زُهير بن عبد الله بن جُدْعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، أبو بكر، ويقال: أبو محمد التيمي المكي، كان قاضيا لابن الزبير، ومؤذنا له. روى عن العبادلة الأربعة، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن السائب المخزومي، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه يحيى، وابن أخته عبد الرحمن بن أبي بكر، وعطاء بن أبي رباح، ونافع بن عمر الجمحي، وغيرهم.

стр. 566

قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وفي "صحيح البخاري": قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ ﷺ . وقال ابن سعد: ولاه ابن الزبير قضاء الطائف، وكان ثقة، كثير الحديث، وهو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ملكية زهير، وكذا نسبه الزبير، وابن الكلبي، وغيرهما. وقال البخاري: يكنى أبا محمد، وله أخ يقال له: أبو بكر. وقال العجلي: مكي تابعي ثقة. وقال ابن حبان في "الثقات": رأى ثمانين من الصحابة. وقال البخاري وغير واحد: مات سنة سبع عشرة ومائة. وقيل: سنة (١١٨) وكذا أرخه ابن قانع. وقال في "التقريب": ثقة فقيهٌ، من الثالثة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٠) حديثًا والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ) رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄. ولعل هذه الكتابة كانت من مكّة إلى البصرة حينما كان ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما مقيمًا بها. والله تعالى أعلم. وقوله: (أَسْأَلُهُ) في محلّ نصب على الحال من فاعل "كتبت" (أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا، وَيُخْفِي عَنِّي) هذا مما اختلف العلماء في ضبطه، فقال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ضبطنا هذين الحرفين وهما: "ويخفى عني"، "وأُخْفِي عنه" بالحاء المهملة فيهما، عن جميع شيوخنا، إلا عن أبي محمد الْخُشَنيّ، فإني قرأتهما عليه بالخاء المعجمة. قال: وكان أبو بحر يحكي لنا عن شيخه القاضي أبي الوليد الكنانيّ أن صوابه بالخاء المعجمة، قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ويظهر لي أن رواية الجماعة هي الصواب، وأن معنى "يُحْفِي" ينْقُصُ، من إحفاء الشوارب، وهو جَزُّها: أي يُمسك عني من حديثه، ولا يُكثر عليّ، أو يكون الإحفاء الإلحاح، والاستقصاء، ويكون "عني" بمعنى "عليّ": أي يستقصي ما يُحدثني به. قال: وحكى المفجّع اللغويّ (١) في "المنقذ": أحفى فلان على فلان في الكلام: إذا أربى عليه، وزاد. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ ببعض تصرّف (٢). قال النوويّ: وذكر صاحب "مطالع الأنوار" قول القاضي، ثم قال: وفي هذا نظر، قال: وعندي أنه بمعنى المبالغة في الْبِرّ به، والنصيحة له، من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]. أي أبالغ له، وأستقصي في النصيحة له، والاختيار فيما

стр. 567

ألقي إليه من صحيح الآثار. وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هما بالخاء المعجمة: أي يكتم عني أشياء، ولا يكتبها، إذا كان عليه فيها مقال من الشِّيَع المختلفة، وأهل الفتن، فإنه إذا كثبها ظهرت، وإذا ظهرت خُولف فيها، وحصل فيها قال وقيل، مع أنها ليست مما يلزم بيانها لابن أبي مليكة، وإن لَزِمَ فهو ممكن بالمشافهة دون المكاتبة. قال: وقوله: "ولد ناصح" مشعر بما ذكرته، وقوله: "أنا أختار له، وأُخفي عنه" إخبار منه بإجابته إلى ذلك. ثم حَكَى الشيخ الرواية التي ذكرها القاضي عياض، ورجّحها، وقال: هذا تكلف، ليست به رواية متصلة، نضطر إلى قبوله. هذا كلام الشيخ أبي عمرو. قال النوويّ: وهذا الذي اختاره من الخاء المعجمة هو الصحيح، وهو الموجود في معظم الأصول الموجودة بهذه البلاد. والله أعلم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختاره ابن الصلاح، وتبعه عليه النوويّ رحمهما الله تعالى هو الأرجح عندي؛ لأن الذي رجحه القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى فيه تكلّف لا يخفى، فتأمّل. والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) ابن عبّاس ﵄ (وَلَدٌ نَاصِحٌ) خبر لمحذوف: أي هو ولدٌ ناصحٍ: أي مُخلص وصادق في طلبه. قال في "المصباح": نصحتُ لزيد، أنصَحُ نُصْحًا، ونَصِيحةً، هذه هي اللغة الفصيحة، وعليها قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ﴾ [هود: ٣٤]. وفي لغة يتعدّى بنفسه، فيقال: نصحته، وهو: الإخلاص، والصدق، والْمَشُورةُ، والعملُ، والفاعل: ناصحٌ، ونَصِيحٌ، والجمعُ نُصَحَاءُ. انتهى (٢). (أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الْأُمُورَ اخْتِيَارًا) أي أكتب إليه المنتخب الخالص المناسب لحاله (وَأُخْفِي عَنْهُ) أي أكتم عنه ما لا يستفيد به، أو يحصل له بسببه ضرر (قَالَ) ابن أبي مليكة (فَدَعَا) ابن عباس (بِقَضَاءِ عَلِيّ) بن أبي طالب: أي بالكتاب الذي جُمع مما قضى به عليّ ﵇ في الكوفة، وغيرها (فَجَعَلَ) أي شرع ابن عباس ﵄ (يَكْتُبُ مِنْهُ) أي من قضاء عليّ ﵇ (أَشْيَاءَ) أي مما يوافق طلب ابن أبي مليكة (وَيَمُرُّ بِهِ الشَّيْءُ) أي الذي لا يليق بمقام عليّ من العلم بالقضاء، واتّصافه بالورع، مما يخالف الأدلة من الكتاب والسنّة الصحيحة (فَيَقُولُ) ابن عباس (وَاللهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ) ﵁ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَلَّ) قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: المعنى: أنه لا يقضي به إلا ضالّ، وعليّ ﵇ غير ضالّ، فلا يصحّ أن يكون قضى به، لا أنه حَكَم بضلاله إن صحّ أنه قضى به، أو يكون الضلال هنا بمعنى الخطإ، كما قال تعالى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ

стр. 568

الضَّالِّينَ﴾ [لشعراء: ٢٠]: أي من المخطئين. وقيل: من الناسين. انتهى (١). وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه: ما يقضي بهذا إلا ضالّ، ولا يقضي به عليّ ﵇، إلا أن يُعرَف أنه ضل، وقد عُلِمَ أنه لم يضل، فيعلم أنه لم يقض به. والله أعلم. انتهى (٢). وكتب صاحب "فتح الملهم": ما حاصله: يحتمل أن يكون "ضلّ" بمعنى أخطأ، أو نسي، وهو أيضًا بعيد؛ إذ لم يُؤْلَف من عليّ ﵇ مثلُ هذا الخطإ الفاحش، والنسيان المفرط في مثل هذا. والله أعلم. وبالجملة رَدَّ ابن عبّاس ﵄ بعض أجزاء ذلك الكتاب التي كانت قطعيّة البطلان عنده، وكان هذا منه جريًا على سنّة القرآن التي هدى الله إليها في ردّ الروايات والنقول المقطوع بخلافها، حيث قال في قصّة الإفك: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النور: ١٢]، ثم قال بعد آيات: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ابن عبّاس ﵄ أراد أن هذا الشيء المكتوب في ذلك الكتاب ليس مما قضى به عليّ ﵇، وإنما هو مما زاده أعداؤه من الروافض والشيعة، واختلقوه وقوّلوه به، وهو ﵁ بريء منه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (مسألة): تتعلّق بأثر ابن عبّاس ﵄ هذا: (اعلم): أنه اشتمل هذا الأثر على فوائد كثيرة: (منها): جواز كتابة العلماء بالعلم إلى البلدان النائية، وقد اختلف الصدر الأول في جواز كتابة الحديث، ثم انعقد الإجماع بعد ذلك على جوازها. واحتجّ المانعون بما أخرجه مسلم في "صحيحه" من طريق عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني، ولا حرج، ومن كذب عليّ- قال همام (٤): أحسبه قال: متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".

стр. 569

واحتجّ الجمهور بأحاديث كثيرة في "الصحيحين"، وفي غيرهما: فمنها: حديث "اكتبوا لأبي شاه ... " الحديث. متّفقٌ عليه. ومنها: حديث: "ايتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلّوا بعده ... " الحديث. متّفقٌ عليه أيضًا. ومنها: حديث أبي جحيفة ﵁ قال: قلت لعليّ ﵁: هل عندكم كتاب، قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة ... " الحديث. متّفق عليه. وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة. وجمعوا بينها وبين النهي المذكور في حديث أبي سعيد ﵁ بأنه كان حين خيف اختلاطه بالقرآن، فهو منسوخ. أو بأن الإذن لمن خيف عليه النسيان، والنهي لمن أُمن منه. أو بأن النهي لمن نسخ الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة. ومنهم من أعلّ حديث أبي سعيد ﵁، وقال: الصواب وقفه عليه. قاله البخاريّ وغيره. وإلى هذا الخلاف أشار الحافظ السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفية الأثر" حيث قال: كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا ... ثُمَّ الْجَوَازُ بَعْدُ إِجْمَاعًا وَفَى مُسْتَنَدُ الْمَنْعِ حَدِيثُ مُسْلِمِ ... "لا تَكْتُبُوا عَنِّيَ" فَالْخُلْفُ نُمِي فَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ ... وَآخَرُونَ عَلَّلُوا بِالْخَوْفِ مِنِ اخْتِلَاطٍ بِالْقُرَانِ فَانْتَسَخْ ... لأَمْنِهِ وَقِيلَ ذَا لِمَنْ نَسَخْ الْكُلَّ فِي صَحِيفَةٍ وَقِيلَ بَلْ ... لآمِنٍ نِسْيَانَهُ لَا ذِي خَلَلْ وقلت في "ألفية العلل": كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتلِفَا ... كَرِهَهَا قَوْمٌ سَرَاةٌ حُنَفَا فَمِنْهُمُ زَيْدٌ أَبُو هُرَيْرَةِ ... كَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَحَبْرُ الأُمَّةِ كَذَا أَبُو مُوسَى وَنَجْلُ عُمَرَا ... كَذَلِكَ الْخُدْرِيْ وَغَيْرُهُمْ جَرَى وَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ كَعُمَرِ ... وَأَنَسٍ مَعَ ابْنِ عَمْرٍ وجَابِرِ كَذَا عَلِيٌّ وَابْنُهُ الْبَرُّ الْحَسَنْ ... وَابْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنْ وَأَكْثَرُ الصِّحَاب أَيْضًا ذَهَبُوا ... وَأَكْثَرُ الأَتْبَاعِ نِعْمَ الْمَذْهَبُ وَفِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ قَدْ جَوَّزَتْ ... لِلْحِفْظِ ثُمَّ الْمَحْوَ بَعْدُ أَلْزَمَتْ أَمَّا دَلِيلُ مَنْ أَبَاحَ فَـ "اكْتُبُوا" ... أَمَّا لِعَكَسِهِ فَجَا "لا تَكْتُبُوا" وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ قِيلَ الإِذْنُ ... لِخَائِفِ النِّسْيَانِ نَعْمَ الأَمْنُ وَقِيلَ نَهْيُهُ لِئَلَّا يَخْتَلِطْ ... مَعَ الْقُرَانِ ثُمَّ زَالَ إِذْ ضُبِطْ وَقِيلَ نَهْيُهُ لِمَنْ كَتَبَ فِي ... صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ فَلْتَعْرِفِ وَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ ... وَمُسْلِمٌ رَوَاهُ رَفْعًا يَكْفِي ثُمَّ أَتَى الإِجْمَاعُ بَعْدُ وَانْتَفَى ... الْخُلْفُ فَاكْتُبَنْ تَنَلْ خَيْرًا وَفَا

стр. 570

(ومنها): ما كان عليه السلف من الحرص في طلب العلم، حيث إنهم إذا لم يستطيعوا الحضور عند العالم أخذوا منه بالمكاتبة. (ومنها): بيان فضل علي ﵁، حيث كان معروفًا بالقضاء حتّى اعتمد عليه بحر الأمة وحبرها ابن عبّاس ﵄، وذلك بدعوة النبيّ ﷺ ، فقد أخرج ابن ماجه في "سننه" بسند صحيح، عن أبي الْبَخْتَريّ (١)، عن علي ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم، ولا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب بيده في صدري، ثم قال: "اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه"، قال: فما شككت بَعْدُ في قضاء بين اثنين. (ومنها): أنه لا ينبغي لطالب العلم، وإن كان شديد الحرص على العلم أن يطلب ما يترتّب عليه ضرر له، أو لغيره من المسلمين، وكذا لا ينبغي للعالم أن يحدّثه به، أو يكتب به إليه، وقد سلك هذا المسلك إمام الحريصين (٢) على العلم الصحابيّ الجليل أبو هريرة، فقد أخرج البخاريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "صحيحه"، عن أبي هريرة ﵁، قال: "حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قُطِع هذا البلعوم". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه: ٢٣ - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: أُتِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِكِتَابٍ، فِيهِ قَضَاءُ عَلِيٍّ ﵁، َ فَمَحَاهُ إِلَّا قَدْرَ -وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ- بِذِرَاعِهِ). هذا الإسناد تقدّم قبل حديثين، سوى: (عمرو الناقد) وهو: عمرو بن محمد بن بُكير بن سابور الناقد، أبو عثمان البغدادي الحافظ، سكن الرقة. رَوَى عن هشيم، وعيسى بن يونس، وعمار بن محمد، وحفص بن غياث، وغيرهم. ورَوى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى النسائي عن أحمد بن نصر النيسابوري عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.

стр. 571

قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: عمرو يتحرى الصدق، وسئل عنه وعن المعيطي؟ فقال: عمرو كأنه أحب إليه. وعن عبد الله بن أحمد، عن حجاج بن الشاعر نحو ذلك. وقال أبو حاتم: ثقة أمين صدوق. وقال ابن معين، وقيل له: إن خلفا يقع فيه، فقال: ما هو من أهل الكذب، هو صدوق. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وقال الحسين ابن فهم: ثقة ثبت، صاحب حديث، وكان من الحفاظ المعدودين، وكان فقيهًا، توفي ببغداد في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وفيها أرخه غير واحد، منهم ابن حبان في "الثقات"، ومنهم ابن قانع، وقال: ثقة، وأنكر عليُّ بن المديني عليه روايته عن ابن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود: "أن ثقفيا وقرشيا وأنصاريا عند أستار الكعبة ... " الحديث، وقال: هذا كذب لم يرو هذا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال الخطيب: والأصح أن حجاجا سأل أحمد عنه؟ فقال أحمد ذلك. وقال في "التقريب": ثقة حافظ، وهِم في حديث، من العاشرة. روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وله في "صحيح مسلم" (٢٩٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ طَاوُس) بن كيسان اليمانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: أُتِيَ) بالبناء للمفعول (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ (بِكِتَابٍ) أي بمكتوب (فِيهِ قَضَاءُ عَلِيّ) بن أبي طالب ﵁، فَمَحَاهُ) أي أزاله، يقال: محوته مَحْوًا، من باب قتل، ومحيته مَحْيًا بالياء، من باب نفع لغةٌ: أزلته، وانمحى الشيءُ: ذهب أثره. قاله الفيّوميّ (١). (إِلَّا قَدْرَ -وَأَشَارَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ- بِذِرَاعِهِ) "قدرَ" منصوبٌ، غيرُ منون؛ لكونه مضافًا إلى مقدّر لفظًا بدليل قوله: "وأشار سفيان الخ": والمعنى: محاه إلا قدرَ ذراعٍ. والظاهر أن هذا الكتاب كان دُرْجَا مستطيلًا. (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه: ٢٤ - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: لَمَّا أَحْدَثُوا تِلْكَ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَيَّ عِلْمٍ أَفْسَدُوا؟ ). رجال هذا الإسناد: خمسة:

стр. 572

١ - (حسن بن علي الحلوانيّ) -بضمّ الحاء المهملة، وسكون اللام- هو: الحسن بن علي بن محمد الْهُذَلي الخلال، أبو علي، وقيل: أبو محمد الحلواني، نزيل مكة. رَوَى عن عبد الله بن نمير، وأبي أسامة، ويحيى بن آدم، وخلق كثير. وروى عنه الجماعة، سوى النسائي، وإبراهيمُ الحربي، وابن أبي عاصم، وغيرهم. قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا. وقال أبو داود: كان عالما بالرجال، وكان لا يستعمل علمه، وقال أيضًا: كان لا ينتقد الرجال. وقال النسائي: ثقة. وقال داود بن الحسين البيهقي: بلغني أن الحلواني قال: لا أُكَفّر من وقف في القرآن، قال داود: فسألت سلمة بن شبيب عن الحلواني؟ فقال: يُرْمَى في الْحُشّ، من لم يشهد بكفر الكافر فهو كافر. وقال الإمام أحمد: ما أعرفه بطلب الحديث، ولا رأيته يطلبه، ولم يحمده، ثم قال: يبلغني عنه أشياء أكرهها، وقال مرة: أهل الثَّغْر عنه غير راضين، أو ما هذا معناه. وقال الخطيب أبو بكر: كان ثقة حافظا، وساق بإسناده إليه أنه قال: القرآن كلام الله، غير مخلوق، ما نعرف غير هذا. وقال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي، وكان حافظًا. وقال ابن عدي: له كتاب صنفه في السنن. وقال الخليلي: كان يُشَبَّه بأحمد في سَمْتِهِ وديانته. وذكره ابن حبّان في "الثقات". قال اللالكائي: مات سنة (٢٤٢)، وزاد غيره: في ذي الحجة. وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ، له تصانيف، من الحادية عشرة. وله في "صحيح مسلم" مائة حديث، وحديث. ٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي، مولى آل أبي مُعَيط، أبو زكريا الكوفي. رَوَى عن عيسى بن طهمان، وفطر بن خليفة، وإسرائيل، والثوري، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، والحسن بن علي الخلال، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي. وقال الآجري: سئل أبو داود عن معاوية بن هشام، ويحيى بن آدم؟ فقال: يحيى بن آدم واحدُ الناس. وقال أبو حاتم: كان يتفقه، وهو ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة كثير الحديث، فقيه البدن، ولم يكن له سن متقدم، سمعت علي بن المديني يقول: يرحم الله تعالى يحيى بن آدم أيُّ علم كان عنده، وجعل يُطريه. وقال أبو أسامة: ما رأيت يحيى بن آدم إلا ذكرت

стр. 573

الشعبي. وقال ابن سعد: وكان ثقة. وقال العجلي: كان ثقة جامعا للعلم عاقلا ثبتا في الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان متقنا يتفقه. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال يحيى بن أبي شيبة: ثقة صدوق ثبت حجة ما لم يخالف من هو فوقه، مثل وكيع. وقال ابن سعد وغيره: مات في ربيع الأول سنة ثلاث ومائتين. وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ فاضلٌ، من كبار التاسعة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٤٠) حديثًا. ٣ - (ابن إدريس) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي -بفتح الهمزة، وسكون الواو- الزَّعَافِرِيّ، أبو محمد الكوفي. روى عن أبيه، وعمه داود، والأعمش، ومنصور، وخلق كثير. وروى عنه مالك ابن أنس، وهو من شيوخه، وابن المبارك، ومات قبله، ويحيى بن آدم، وغيرهم. قال أحمد: كان نسيج وحده. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: ابن إدريس أحب إليك، أو ابن نمير؟ فقال: ثقتان إلا أن ابن إدريس أرفع منه، وهو ثقة في كل شيء. وقال يعقوب بن شيبة: كان عابدا فاضلا، وكان يسلك في كثير من فتياه ومذاهبه مسلك أهل المدينة، وكان بينه وبين مالك صداقة، وقيل: إن بلاغات مالك سمعها من ابن إدريس. وقال بشر بن الحارث: ما شرب أحد من ماء الفرات، فسلم إلا ابن إدريس. وقال الحسن بن عرفة: ما رأيت بالكوفة أفضل منه. وقال ابن المديني: عبد الله بن إدريس فوق أبيه في الحديث. وقال جعفر الفريابي: سألت ابن نمير عن عبد الله ابن إدريس، وحفص؟ فقال: حفص أكثر حديثا، ولكن ابن إدريس ما خرج عنه، فإنه فيه أثبت وأتقن، فقلت: أليس عبد الله آخذٌ في السنة؟ قال: ما أقربهما في السنة. وقال ابن عمار: كان من عباد الله الصالحين الزهاد، وكان إذا لَحَنَ رجل عنده في كلامه لم يحدثه. وقال أبو حاتم: هو حجة يحتج بها، وهو إمام من أئمة المسلمين ثقة. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، كثير الحديث، حجة صاحب سنة وجماعة. وقال ابن حبان في "الثقات": كان صلبًا في السنة. وقال ابن خِرَاش: ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت، صاحب سنة، زاهد صالح، وكان عثمانيا، ويُحَرّم النبيذ. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه. وقال ابن أبي حاتم: ثنا أحمد بن عبيد الله بن صخر الْغُدَاني، ثنا ابن إدريس، وكان مرضيا. وروى الخطيب بإسناد صحيح أن الرشيد عَرَض عليه القضاء فأبى، ووصله فرد عليه، وسأله أن يُحَدِّث ابنه، فقال: إذا جاءنا مع الجماعة

стр. 574

حدثناه، فقال له: وددت أني لم أكن رأيتك، فقال: وأنا وددت أني لم أكن رأيتك. وقال الساجي: سمعت ابن المثنى يقول: ما رأيت بالكوفة رجلا أفضل منه. وقال علي ابن نصر الجهضمي الكبير: قال لي شعبة: هَهنا رجل من أصحابي من علمه ومن حاله، فجعل يثني عليه، يعني ابن إدريس. وقال أبو حاتم: قال علي بن المديني: عبد الله بن إدريس من الثقات. وقال أحمد بن جَوّاس: سمعته يقول: وُلدت سنة (١١٥)، وكذا رواه غير واحد، وقيل: سنة (٢٠). وقال أحمد بن حنبل وغير واحد: مات سنة اثنتين وتسعين ومائة، زاد ابن سعد: في عشر ذي الحجة. وقال في "التقريب": ثقة فقيه عابدٌ، من الثامنة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٦١) حديثًا. ٤ - (الأعمش): سليمان بن مهران الحافظ الحجة تقدمت ترجمته (١). ٥ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الهمدانيّ الكوفيّ، تقدّمت ترجمته ٢/ ١١. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) السَّبِيعيّ أنه (قَالَ: لَمَّا) بفتح اللام، وتشديد الميم: هي "لَمّا" الحينيّة، متعلّقة بـ "قال" الآتَي: أي حين (أَحْدَثُوا) الروافض والشيعة (تِلْكَ الْأَشْيَاءَ) الباطلة المخالفة للحقّ الذي كان عليّ ﵇ يتمسّك به، ويدعو إليه. وقال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أشار به إلى ما أدخلته الروافض والشيعة في علم عليّ ﵁، وحديثه، وتقَوّلوه عليه من الأباطيل، وأضافوه إليه من الروايات، والأقاويل المفتَعَلَة والمختَلَقَة بالحق، فلم يتميز ما هو صحيح عنه مما اختلقوه. انتهى (٢). (بَعْدَ عَلِيٍّ ﵁) أي بعد موته ﵁ (قَالَ رَجُلٌ) قال صاحب المبهمات (٣): لا أعرفه. (٤). (مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ) ﵁ (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ) قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه: لعنهم الله. وقيل: باعدهم. وقيل: قتلهم. قال: وهؤلاء استوجبوا عنده ذلك؛ لشناعة ما أَتَوْه، كما فعله كثير منهم، وإلا فلعنة المسلم غير جائزة. انتهى. (أَيَّ عِلْمٍ) بالنصب مفعولًا مقدمًا لقوله: (أَفْسَدُوا؟ ) أي أفسدوا علمًا كثيرًا من علم عليّ ﵁، ووجه إفسادهم أنهم لمّا خلطوا مفترياتهم بأحاديثه لم يتبيّن للناس ما هو الحقّ، وما هو الباطل، فتركوا كلّه. والله تعالى أعلم بالصواب،

стр. 575

وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٢٥ - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ -يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ- قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: لم يَكُنْ يَصْدُقُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ، إِلَّا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عليّ بن خشرم) -بمعجمتين، وزان جعفر- بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله الحافظ قريب بشر الحافي، أبو الحسن المروزي. روى عن حفص بن غياث، وعيسى بن يونس، والدراوردي، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وذكره مسلمة بن قاسم في "تاريخه"، وقال: مروزي ثقة. قال أبو رجاء، محمد بن حمدويه: سمعته يقول: وُلدت سنة (١٦٠)، وصُمتُ ثمانية وثمانين رمضانا، ومات في رمضان سنة (٢٥٧). وروى غنجار في "تاريخ بخارى" بإسناده عن محمد بن يوسف الفربري، قال: سمعت من علي ابن خشرم سنة (٢٥٨) وافَى فِرَبْر مرابطا. وقال في "التقريب": ثقة، من صغار العاشرة. وله في "صحيح مسلم" (٥٠) حديثًا (١). ٢ - (أبو بكر بن عياش) هو: أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي الحناط المقرئ، مولى واصل الأحدب، قيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل: شعبة، وقيل: رُؤْبَة، وقيل: مسلم، وقيل: خِدَاش، وقيل: مُطَرِّف، وقيل: حماد، وقيل: حبيب، عشرة أقوال، والصحيح أن اسمه كنيته. رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي حَصِين، عثمان بن عاصم، وغيرهم. وروى عنه الثوري، وابن المبارك، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. قال الحسن بن عيسى: ذكر ابن المبارك أبا بكر بن عياش، فأثنى عليه. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: صدوق، صالح، صاحب قرآن وخبر، وقال عبد الله بن أحمد

стр. 576

عن أبيه: ثقة، وربما غلط. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: فأبو الأحوص أحب إليك في أبي إسحاق، أو أبو بكر بن عياش؟ قال: ما أقربهما؟ قلت: الحسن بن عياش، أخو أبي بكر كيف حديثه؟ قال: هو ثقة، قال عثمان: هما من أهل الصدق والأمانة، وليسا بذاك في الحديث، قال: وسمعت محمد بن عبد الله بن نمير يضعف أبا بكر في الحديث، قلت: كيف حاله في الأعمش؟ قال: هو ضعيف في الأعمش وغيره. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي بكر بن عياش، وأبي الأحوص؟ فقال: ما أقربهما؟ لا أبالي بأيهما بدأت، قال: وسئل أبي عن شريك، وأبي بكر بن عياش، أيهما أحفظ؟ فقال: هما في الحفظ سواء، غير أن أبا بكر أصح كتابا، قلت لأبي: أبو بكر، أو عبد الله بن بشر الرَّقّيّ؟ قال: أبو بكر أحفظ منه وأوثق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عدي: أبو بكر هذا كوفي مشهور، وهو يروي عن أجلة الناس، وحديثه سنذكره، وهو من مشهوري مشايخ الكوفة وقرائهم، وعن عاصم بن بهدلة أخذ القراءة، وهو في كل رواياته عن كل من روى عنه لا بأس به، وذلك أني لم أجد له حديثا منكرًا إذا روى عنه ثقة، إلا أن يروي عن ضعيف. وقال أحمد بن شبويه، عن الفضل بن موسى: قلت لأبي بكر بن عياش: ما اسمك؟ قال: وُلدت وقد قُسمت الأسماء. وقال أبو حاتم الرازي: سألت إبراهيم بن أبي بكر بن عياش عن أبيه؟ فقال: اسمه وكنيته واحد. قال إبراهيم بن شَمّاس: سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن عياش قال: لما نزل بأبي الموت، قلت: يا أبت ما أسمك؟ قال: يا بني إن أباك لم يكن له اسم، وإن أباك أكبر من سفيان بأربع سنين، وإنه لم يأت فاحشة قط، وإنه يختم القرآن من ثلاثين سنه كل يوم مرة. وقال ابن حبان: مولده سنة خمس، أو ست وتسعين. وقال ابن أبي داود: قال أحمد بن حنبل: أحسب أن مولده سنة مائة. وقال الترمذي: مات سنة اثنتين وتسعين. وقال أبو موسى: مات سنة ثلاث. وقال ابن أبي داود: قال محمد ابن إسماعيل: مات سنة أربع وتسعين. وقال في "التقريب": ثقة عابدٌ، إلا أنه لَمّا كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة. أخرج له البخاري، ومسلم في "المقدمة"، والأربعة. ٣ - (المغيرة) -بضمّ الميم، وكسرها- ابن مِقْسَم -بكسر، فسكون- الضبي مولاهم، أبو هشام الكوفي الفقيه، قيل: إنه وُلد أعمى. روى عن أبيه، وأبي وائل، وأبي رزين الأسدي، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، ومجاهد، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيمي، وشعبة، والثوري، وأبو بكر ابن عياش، وغيرهم.

стр. 577

قال ححاج بن محمد عن شعبة: كان مغيرة أحفظ من الحكم، وفي رواية: أحفظ من حماد. وقال ابن فضيل: كان يدلس، وكنا لا نكتب عنه إلا ما قال: حدثنا إبراهيم. وقال أبو بكر بن عياش: ما رأيت أحدا أفقه من مغيرة فلزمته، وفي رواية: كان من أفقههم. وقال جرير عن مغيرة: ما وقع في مسامعي شيء فنسيته. وقال معتمر: كان أبي يحثني على حديث مغيرة. وقال أبو حاتم عن أحمد: حديث مغيرة مدخول، عامة ما روى عن إبراهيم إنما سمعه من حماد، ومن يزيد بن الوليد، والحارث الْعُكْلي، وعُبَيدة، وغيرهم، قال: وجعل يضعف حديث مغيرة عن إبراهيم وحده، قال: وكان إبراهيم صاحب سنة، ذكيًّا حافظًا. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة مأمون. وقال العجلي: مغيرة ثقة فقيه الحديث، إلا أنه كان يرسل الحديث عن إبراهيم، فإذا وُقِّف أخبرهم ممن سمعه، وكان من فقهاء أصحاب إبراهيم، وكان عثمانيا. وقال النسائي: مغيرة ثقة. وقال ابن فضيل عن أبيه: كنا نجلس أنا ومغيرة وعَدَّ ناسا نتذاكر الفقه، فربما لم نَقُم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر. قال أبو نعيم: مات بعد منصور سنة اثنتين. وقال أحمد بن حنبل: أُخبرت أنه مات سنة ثلاث. وقال ابن نمير: مات سنة ثلاث. وقال ابن معين: سنة أربع. وقال العجلي: تُوفّي سنة ست وثلاثين ومائة. وقال في "التقريب": ثقة متقنٌ، إلا أنه كان يُدلّس، ولا سيّما عن إبراهيم، من السادسة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٦) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن أبي بكر بن عيّاش رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ) بن مقسم رَحِمَهُ اللهُ تعالى (يَقُولُ: لم يَكُنْ يَصْدُقُ) قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ضُبط على وجهين: أحدهما: بفتح الياء، وإسكان الصاد، وضمّ الدال. والثاني: بضم الياء، وفتح الصاد، والدال المشدّدة. انتهى (١). (عَلَى عَلِيٍّ ﵁ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ، إِلَّا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) قال النوويّ: هكذا هو في الأصول: "إلا من أصحاب"، فيجوز في "من" وجهان: أحدهما: أنها لبيان الجنس. والثاني: أنها زائدة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونها زائدة هو الأظهر، فـ "أصحاب عليّ" مرفوع على الفاعليّة ليصدُق على الضبط الأول، وعلى أنه نائب فاعله على الضبط الثاني، والاستثناء مفرّغ فيهما.

стр. 578

فالمعنى على الأول: لم يكن يصدُق: أي لم يكن يروي حديث صدق إلا أصحاب ابن مسعود ﵁. وعلى الثاني: لم يكن يُصدّق: أي لم يكن يُنسب إلى الصدق، ويُقبل حديث عليّ ﵁ منه إلا أصحابه ﵃. وحاصل المعنى: أن الناس قد تغيّروا، وكثر فيهم الكذابون، والوضّاعون، ولا سيّما على عليّ ﵁، فكان طلّاب العلم لا يقبلون حديث عليّ ﵁ إلا ممن يرونه صادقًا لهجته، مستقيمًا في دينه، وهم أصحاب ابن مسعود ﵁، كعلقمة، وأبي وائل، ومسروق، والأسود بن يزيد، وأخيه عبد الرحمن، وغيرهم من خيار التابعين الذين لازموا ابن مسعود ﵁، واقتفوا آثاره، كما أخذوا علم عليّ ﵁ واهتدوا بهديه، فإنهم كانوا أصحاب صدق، واستقامة، وحفظ، وإتقان، فكانوا محلِّ ثقة لطلاب العلم، ورُوّاده، بخلاف من ينتسب إلى عليّ ﵁ زورًا، ويفتعل عليه بهتانًا من أصحاب الأهواء المنحرفة، من الرافضة، والشيعة، فإنهم معروفون بالكذب عليه. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة ما أشار إليه المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بإيراد هذه الأحاديث، والآثار في هذا الباب التحذير من قبول رواية المجهولين، وأنه يجب الاحتياط في أخذ الحديث، فلا يُقبل إلا من أهله، وأنه لا ينبغي أن يُروى عن الضعفاء. وبالله تعالى التوفيق. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٥ - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ الإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ، وَأَنَّ الرِّوَايَةِ لَا تَكُونُ إِلَّا عَنِ الثِّقَاتِ، وَأَنَّ جَرْحَ الرُّوَاةِ بِمَا هُوَ فِيهِمْ جَائِزٌ، بَلْ وَاجِبٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرِّمَةِ، بَلْ مِنَ الذَّبِّ عَنِ الشَّرِيعَةِ الْمُكَرَّمَةِ): قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٢٦ - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، وَهِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، وَحَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حسن بن الربيع) بن سليمان البجليّ القسريّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورانيّ -بضمّ الموحّدة- الحصّار، ويقال: الخشّاب.

стр. 579

روى عن أبي إسحاق الفزاري، وعبد الله بن إدريس، وحماد بن زيد، وغيرهم. وعنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى له الباقون بواسطة أبي الأحوص قاضي عكبرا، وعمرو بن منصور النسائي، ومحمد بن يحيى بن كثير الحراني، وغيرهم. قال العجلي: كان يبيع الْبَوَارِي، كوفي ثقة، رجل صالح متعبد. وقال أبو حاتم: كان من أوثق أصحاب ابن إدريس. وقال ابن خراش: كوفي ثقة، كان يبيع القصب. وقال الحسن بن الربيع: كتب عني أحمد بن حنبل. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كنت أحسب أنه مكسور العنق؛ لانحنائه حتى قيل لي بعدُ: إنه لا ينظر إلى السماء. وقال ابن شاهين في "الثقات" قال عثمان بن أبي شيبة: الحسن بن الربيع صدوق، وليس بحجة. وقال ابن حبان في "الثقات". هو الذي غَمَّضَ ابنَ المبارك، ودفنه. وقال البخاري: مات سنة (٢٢٠)، أو نحوها. وقال ابن سعد: مات سنة (٢١) في رمضان. وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة. وله في "صحيح مسلم" (١٤) حديثًا. ٢ - (حماد بن زيد) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ الأزرق، مولى آل جرير بن حازم. رَوَى عن ثابت البناني، وأنس بن سيرين، وعبد العزيز بن صهيب، وخلق كثير. وروى عنه ابن المبارك، وابن مهدي، وابن وهب، والقطان، وابن عيينة، وهو من أقرانه، والثوري وهو أكبر منه، وإبراهيم بن أبي عبلة، وهو في عداد شيوخه، وخلق كثير. قال رسته: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة. وقال ابن مهدي: ما رأيت أعلم من هؤلاء: فذكرهم سوى الأوزاعي. وقال فطر بن حماد: دخلت على مالك، فلم يسألني عن أحد من أهل البصرة إلا عن حماد بن زيد. وقال ابن مهدي: لم أر أحدا قط أعلم بالسنة، ولا بالحديث الذي يدخل في السنة من حماد بن زيد. وقال أبو حاتم: قال ابن مهدي: ما رأيت بالبصرة أفقه من حماد بن زيد. وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زريع، وسئل ما تقول في حماد ابن زيد، وحماد بن سلمة، أيهما أثبت؟ قال: حماد بن زيد، وكان الآخر رجلا صالحا. وقال وكيع، وقيل له: أيهما أحفظ؟ فقال: حماد بن زيد، ما كنا نشبهه إلا بمسعر. وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: ما رأيت أحفظ منه. وقال أحمد بن حنبل: حماد بن زيد أحب إلينا من عبد الوارث، حماد من أئمة المسلمين، من أهل الدين والإسلام، وهو أحب إلي من حماد بن سلمة. وقال يحيى بن معين: حماد بن زيد

стр. 580

أثبت من عبد الوارث، وابن علية، والثقفي، وابن عيينة. وقال أيضا: ليس أحد أثبت في أيوب منه. وقال أيضا: من خالفه من الناس جميعا فالقول قوله في أيوب. وقال أبو زرعة: حماد بن زيد أثبت من حماد بن سلمة بكثير، وأصح حديثا وأتقن. وقال أبو عاصم: مات حماد يوم مات، ولا أعلم له في الإسلام نظيرا في هيئته ودَلِّه. وقال خالد بن خداش: كان من عقلاء الناس، وذوي الألباب. وقال يزيد بن زريع يوم مات: اليوم مات سيد المسلمين. وقال محمد بن سعد: كان عثمانيا، وكان ثقة ثبتا حجة كثير الحديث. وقال أبو زرعة: سمعت أبا الوليد يقول: ترون حماد بن زيد دون شعبة في الحديث؟ . وقال عبد الله بن معاوية الجمحي: حدثنا حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم، وفضل ابن سلمة على ابن زيد، كفضل الدينار على الدرهم. وقال ابن منجويه، وابن حبان: كان ضريرا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا يردّه ما رواه ابن أبي خيثمة، قال: سأل إنسان عبيد الله بن عمر: كان حماد أميا؟ قال: أنا رأيته، وأتيته يوم مطر، فرأيته يكتب، ثم ينفخ فيه ليجف، قال: وسمعت يحيى يقول: لم يكن أحد يكتب عند أيوب إلا حماد، إلا أن يُجاب -كما قال الحافظ- بأن العمى طرأ عليه. والله تعالى أعلم. وقال ابن حبان في "الثقات": وقد وهم من زعم أن بينهما كما بين الدينار والدرهم، إلا أن يكون القائل أراد فضل ما بينهما مثل الدينار والدرهم في الفضل والدين؛ لأن حماد بن سلمة كان أفضل، وأدين، وأورع من حماد بن زيد. وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، رضيه الأئمة، قال: والمعتمد في حديث يرويه حماد، ويخالفه غيره عليه، والرجوع إليه. قال خالد بن خداش: وُلد سنة (٩٨). وقال عارم وجماعة: مات في رمضان سنة (١٧٩). وقال في "التقريب": ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٩٩) حديثًا. ٣ - (أيوب) السختياني تقدمت ترجمته (١). ٤ - (هشام) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ -بضم القاف، والدال- يقال: كان نازلا في القراديس، ويقال: مولاهم، أحد الأعلام، أبو عبد الله البصريّ. رَوَى عن حميد بن هلال، والحسن البصري، ومحمد، وأنس، وحفصة بني

стр. 581

سيرين، وغيرهم. وعنه عكرمة بن عمار، وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وزائدة والحمادان، والسفيانان، وخلق كثير. قال عارم: ثنا حماد بن زيد، عن سعيد بن أبي صدقة، أن محمد بن سيرين قال: هشام منا أهل البيت، قال حماد: وكان أيوب يقول: سل لي هشاما عن حديث كذا. وقال سعيد بن أبي عروبة: ما رأيت أحفظ عن محمد بن سيرين من هشام. وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن عيينة يقول: لقد أتى هشام أمرا عظيما بروايته عن الحسن، قيل لنعيم: لم؟ قال: إنه كان صغيرا، قال نعيم: قال ابن عيينة: وكان هشام أعلم الناس بحديث الحسن. وقال أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن علية: ما كنا نَعُدّ هشام بن حسان في الحسن شيئا. وقال إبراهيم بن مهدي: سمعت حماد بن زيد يقول: أنبأنا هشام وأيوب، وحسبك بهشام. وقال مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان: ما كتبت للحسن حديثا قط، إلا حديث الأعماق. وقال علي عن يحيى بن سعيد: هشام بن حسان في ابن سيرين أحب إلي من عاصم الأحول، وخالد الحذاء، وهو عندي في الحسن دون محمد بن عمرو -يعني الأنصاري. وقال حجاج بن المنهال: كان حماد بن سلمة لا يختار على هشام في ابن سيرين أحدًا. وقال ابن المديني: كان يحيى بن سعيد، وكبار أصحابنا يُثَبِّتون هشام بن حسان، وكان يحيى يضعف حديثه عن عطاء، وكان الناس يرون أنه أخذ حديثه عن حَوْشَب. وقال ابن المديني أيضا: أما حديث هشام عن محمد فصحاح، وحديثه عن الحسن عامتها يدور على حوشب، وهشام أثبت من خالد الحذاء في ابن سيرين، وهشام ثَبْتٌ. وقال العجلي: بصري ثقة، حسن الحديث، يقال: إن عنده ألف حديث حسن ليست عند غيره. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، كثير الحديث. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة. وقال أبو داود: إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء؛ لأنه كان يرسل، وكانوا يرون أنه أخذ كتب حَوْشَب. وقال ابن عدي: أحاديثه مستقيمة، ولم أر في حديثه منكرًا، وهو صدوق. وقال أبو بكر بن أبي شيبة وغيره: مات سنة ست. وقال يحيى القطان وغيره: مات سنة سبع. وقال الترمذي وغيره: مات سنة ثمان وأربعين ومائة. قلت وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة سبع أو ثمان، وكان من العباد الْخُشُن البكائين. وقال في "التقريب": ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن، وعطاء مقال: لأنه قيل: كان يرسل عنهما، من السادسة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٥٤) حديثًا. [تنبيه]: كون هشام المذكور في هذا السند هو ابن حسّان القردوسيّ هو الذي في

стр. 582

شرح النوويّ ١/ ٨٤، وهو الصواب، ووقع في شرح القاضي عياض ١/ ١٢٤ أنه الدستوائيّ، وهو غلطٌ، فتنبّه. والله تعالى أعلم. ٥ - (فضيل) بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي اليربوعي، أبو علي الزاهد الخراساني، نزيل مكة. رَوَى عن الأعمش، ومنصور، وعبيد الله بن عمر، وهشام بن حسان، وغيرهم. وروى عنه الثوري، وهو من شيوخه، وابن عيينة، وهو من أقرانه، وابن المبارك، ومات قبله، ويحيى القطان، وابن مهدي، وحسين بن علي الجعفي، وخلق كثير. قال أبو عمار الحسين بن حريث: سمعت الفضل بن موسى يقول: كان الفضيل ابن عياض شاطرًا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته، أنه عَشِقَ جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، فلما سمعها قال: بلى يا رب قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خَرِبة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتى نُصبح، فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت قلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين يخافونني هَهنا، وما أرى الله ساقني إليهم، إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام. وقال إبراهيم بن محمد الشافعي: سمعت ابن عيينة يقول: فضيل ثقة. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: قال ابن مهدي: فضيل بن عياض رجل صالح، ولم يكن بحافظ. وقال العجلي: كوفي ثقة متعبد، رجل صالح، سكن مكة. وقال الحسين بن إدريس، عن أبي عمار: ليت فضيلا كان يحدثك بما يعرف، قلت: ترى حديثه حجة، قال: سبحان الله. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة مأمون، رجل صالح. وقال الدارقطني: ثقة. وقال ابن سعد: وُلد بخراسان بكُورة أبيورد، وقدم الكوفة، وهو كبير، فسمع الحديث من منصور، وغيره، ثم تعبد، وانتقل إلى مكة، فنزلها إلى أن مات بها في أول سنة سبع وثمانين ومائة، وكان ثقة نبيلا فاضلا عابدا ورعا كثير الحديث. وفي سنة سبع أرخه غير واحد، زاد بعضهم: في أول المحرم، وقيل: يوم عاشوراء. وقيل: مات سنة ست وثمانين. وقال أبو وهب محمد بن مزاحم عن ابن المبارك: وأما أورع الناس ففضيل بن عياض. وقال إبراهيم بن شماس عن ابن المبارك: ما بقي على ظهر الأرض عندي أفضل من فضيل. وقال ابن أبي خيثمة عن عبيد الله بن عمر القواريري: أفضل من رأيت من المشايخ، فذكره فيهم ثانيًا. وقال النضر بن شميل: سمعت هارون الرشيد يقول: ما رأيت في العلماء أهيب من مالك، ولا أورع من الفضيل. وقال الهيثم بن جميل عن شريك: لم يزل لكل قوم حجة في زمانهم، وأن فضيل بن عياض حجة لأهل زمانه، وقيل: عن

стр. 583

الهيثم نفسه مثل ذلك. وقال بشر بن الحارث: عشرة كانوا يأكلون الحلال، لا يدخل بطونهم غيره، ولو استفّوا التراب، فذكره فيهم. وقال إبراهيم بن الأشعث، خادم الفضيل: ما رأيت أحدا كان الله في صدره أعظم من الفضيل، كان إذا ذكر الله عنده، أو سمع القرآن ظهر به من الخوف والحزن، وفاضت عيناه فبكى، حتى يرحمه من بحضرته. وقال إسحاق بن إبراهيم الطبري: ما رأيت أحدا كان أخوف على نفسه، ولا أرجى للناس من الفضيل، وكان صحيح الحديث، صدوق اللسان، شديد الهيبة للحديث إذا حدث. وقال أبو بكر بن عفان: سمعت وكيعا يوم مات الفضيل بن عياض يقول: ذهب الحزن اليوم من الأرض، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة صدوقا، وليس بحجة. وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: أقام بالبيت الحرام مجاورا مع الجهد الشديد، والورع الدائم، والخوف الوافر، والبكاء الكثير، والتخلي بالوحدة، ورفض الناس، وما عليه أسباب الدنيا إلى أن مات بها. وقال ابن المبارك: إذا نظرت إلى فضيل جُدّد لي الحزن، ومَقَتُّ نفسي، ثم بكى. وقال في "التقريب": ثقة عابد إمام، من الثامنة. أخرج له الجماعة، سوى ابن ماجه، وله في "صحيح مسلم" سبعة أحاديث برقم ٦٤١ و ٨٨٩ و ٩٤٧ و ١٧٠٠ و ٤٢٩٤ و ٤٩٩٢ و ٥٠٤٨. ٦ - (مخلد (١) بن حسين) الأزدي المهلبيّ، أبو محمد البصري، نزيل المصيصة. رَوَى عن الأوزاعي، وابن جريج، وهشام بن حسان، وغيرهم. وروى عنه ابن بنته داود بن معاذ العتكي، وأبو إسحاق الفزاري، وابن المبارك، وغيرهم. قال العجلي: ثقة رجل صالح، كان من عقلاء الرجال. وقال المسيب بن واضح: حدثنا مخلد بن الحسين، وما رأيت في زماننا أوفى عقلا منه. وقال أبو داود: كان أعقل أهل زمانه. وقال ابن سعد: كان ثقة فاضلا. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من العُبّاد الْخُشُن، ممن لا يأكل إلا الحلال المحض. قال ابن أبي عاصم، وغيره: مات سنة إحدى وتسعين. وقال في "التقريب": ثقة، فاضلٌ، من كبار التاسعة. أخرج له مسلم في "المقدّمة" فقط، والنسائيّ. ٧ - (محمد بن سيرين) الأنصاري مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصري الإمام المشهور تقدمت ترجمته في أوائل هذا الشرح.

стр. 584

[تنبيه]: قوله: (وَهِشَامٍ) بالجرّ عطفًا على أيوب، فحماد يروي عن أيوب، وهشام ابن حسّان كليهما، وهما يرويان (عَنْ مُحَمَّدٍ) ابن سيرين. وقوله: (وَحَدَّثَنَا فُضَيْلٌ) عطف على "حدّثنا حمّاد"، فقائل: "حدّثنا" هو حسن بن الربيع، فهذا طريق ثان له: أي قال حسن بن الربيع: حدثنا فُضيل ابن عياض (عَنْ هِشَام) بن حسّان. وقوله: (قَالَ: وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ حُسَيْنٍ) طريق ثالث لحسن بن الربيع: أي قال حسن بن الربيع أيضًا: حدثنا مخلد بن حسين. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ هِشَام) بن حسان (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) أنه (قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ) إشارة إلى علم الحديث (دِينٌ) أي عبادة لله تعالى، فإن الدين يُطلق على العبادة، فقد ذكر في "القاموس" للدين معاني كثيرة، ومنها: العبادة، والتوحيد، واسم لجميع ما يُتعبَّد الله تعالى به، والملّة. انتهى (١). (فَانْظُرُوا) الفاء فصيحيّة، سمّيت بذلك لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدّر: أي إذا كان علم الحديث دينًا يُدانُ الله تعالى به، فانظروا (عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ) أي عن أي شخص تأخذون الحديث الذي تتعبّدون الله تعالى بطلبه. والمراد إرشادهم إلى أن يأخذوه عن الثقات، وتحذيرهم من الأخذ عن الضعفاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٢٧ - (حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: لم يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ، فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) الدُّولابيّ، البغدادي البزاز، مولى مُزينة، صاحب "السنن". رَوَى عن حفص بن غياث، والفضل بن موسى السِّيناني، وإسماعيل بن جعفر، وإسماعيل بن زكريا، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى الباقون عنه بواسطة، وغيرهم. قال القاسم بن نصر المخرمي: سألت أحمد بن حنبل عن محمد بن الصباح

стр. 585

الدولابي؟ فقال: شيخنا ثقة. وقال ابن معين: ثقة مأمون. وقال العجلي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، صاحب حديث. وقال في موضع آخر: كان ثقة عالما يَهِم. وقال أبو حاتم: ثقة ممن يُحتج بحديثه، وكان أحمد يعظمه. وقال تمتام: حدثنا محمد ابن الصباح الدولابي الثقة المأمون والله. وقال ابن عدي: شيخ سُنّيّ من الصالحين. وقال مسلمة في "الصلة": ثقة مشهور. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلد بالري بقرية يقال لها دُولاب، وقال ابنه: مات أبي وهو ابن (٧٧) سنة. وقال ابن سعد: مات في آخر المحرم سنة سبع وعشرين ومائتين، وفيها أرخه ابن حبان، لكن قال: لأربع عشرة ليلة خلت من المحرم. وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ، من العاشرة. انتهى. وله في "صحيح مسلم" (٢٢) حديثًا (١). ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرَّة الْخُلْقَانيّ -بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها قاف- الأسدي، أبو زياد الكوفي، لَقَبُهُ شَقُوصَا -بفتح المعجمة، وضمّ القاف الخفيفة، وبالصاد المهملة-. روى عن أبي بردة بن أبي موسى، وعاصم الأحول، والأعمش، وغيرهم. وروى عنه سعيد بن منصور، وأبو الربيع الزهراني، ومحمد بن الصبّاح الدُّولابيّ، وغيرهم. قال الفضل بن زياد: سألت أحمد عن أبي شهاب، وإسماعيل بن زكريا؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال أبو داود عنه: ما كان به بأس. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: صالح الحديث، قيل له: أفَحُجّة هو؟ قال: الحجة شيء آخر. وقال أبو الحسن الميموني عن أحمد: أما الأحاديث المشهورة التي يرويها، فهو فيها مقارب الحديث، صالح، ولكن ليس ينشرح الصدر له، ليس يعرف هكذا، يريد بالطلب. وعن يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وقال الدارمي عن ابن معين: يحيى يعني ابن أبي زائدة، أحب إلي من إسماعيل. وقال الدُّوري، وابن أبي خيثمة: ثقة. وقال النسائي: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال ابن خراش: صدوق. وقال ابن سعد وغيره: مات في أول سنة (١٧٣). وقال أبو الأحوص البغوي: مات سنة (٧٤). وقال في "التقريب": صدوقٌ يُخطىء قليلًا، من الثامنة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" عشرة أحاديث.

стр. 586

٣ - (عاصم الأحول) بن سليمان، أبو عبد الرحمن البصري، مولى بني تميم، ويقال: مولى عثمان، ويقال: آل زياد. روى عن أنس، وعبد الله بن ماسَرْجِس، وعمرو بن سلمة الْجَرْميّ، وغيرهم. وروى عنه قتادة، وسليمان التيمي، وداود بن أبي هند، وإسماعيل بن زكريا، وغيرهم. قال علي بن المديني عن القطان: لم يكن بالحافظ. وقال حجاج بن محمد عن شعبة: عاصم أحب إلي في أبي عثمان النَّهْدي من قتادة. وقال سفيان الثوري: أدركت حفاظ الناس أربعة، وفي رواية ثلاثة، فَيُثَنِّي به. وقال عبد الرحمن بن مهدي: كان من حفاظ أصحابه. وقال أحمد: شيخ ثقة. وقال أيضا: من الحفاظ للحديث ثقة. وقال الْمَرُّوذيّ: قلت لأحمد: إن يحيى تكلم فيه، فعجب، وقال: ثقة. وقال إسحاق بن منصور، وعثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال ابن المديني، وأبو زرعة، والعجلي، وابن عمار، وذكره ابن عمار في موازين أصحاب الحديث. وقال ابن المديني مرة: ثبت. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يحيى بن سعيد قليل الميل إليه. وقال ابن إدريس: رأيته أتى السوق، فقال: اضربوا هذا، أقيموا هذا، فلا أروي عنه شيئًا. وتركه وُهَيْبٌ؛ لأنه أنكر بعض سيرته. وقال الدارقطني: هو أثبت من عاصم بن أبي النجود. وقال البزار: ثقة. وقال أبو الشيخ: سمعت عبدان يقول: ليس في العواصم أثبت من عاصم الأحول. وقال ابن سعد: كان من أهل البصرة، وكان يتولى الولايات، فكان بالكوفة على الحسبة في المكاييل والأوزان، وكان قاضيا بالمدائن لأبي جعفر، ومات سنة إحدى، أو اثنتين وأربعين ومائة. وقال عمرو بن علي: مات سنة (٢). وقال البخاري: مات سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين. وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في صحيح مسلم" (٦٥) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) رَحِمَهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ) قال أبو العبّاس القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "المفهم": يعني بذلك من أدرك من الصحابة، وكبراء التابعين. أما الصحابة، فلا فرق بين إسنادهم وإرسالهم؛ إذ الكلّ عُدول على مذهب أهل الحقّ، وكذلك كلّ من خالف في قبول مراسيل غير الصحابة وافق على قبول مراسيل الصحابة. وأما كبراء التابعين، ومتقدّموهم، فالظاهر من حالهم أنهم يُحدّثون عن الصحابة إذا أرسلوا، فتُقبل مراسيلهم، ولا ينبغي أن يُختَلَف فيها؛ لأن المسكوت عنه صحابيّ، وهم عدول، وهؤلاء التابعون هم: كعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيّب، ونافع مولى ابن عمر، ومحمد بن سيرين، وغيرهم ممن هو في طبقتهم. وأما من تأخّر

стр. 587

عنهم ممن حدّث عن متأخّري الصحابة، وعن التابعين، فذلك محلّ الخلاف، والصواب قبول المراسيل إذا كان المرسل مشهور المذهب في الجرح والتعديل، وكان لا يُحدّث إلا عن العدول. كما أوضحناه في الأصول. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المرسل عند المحدّثين ضعيفٌ بلا خلاف؛ للانقطاع، كما سيأتي للمصنّف قوله: "والمرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس محلّ حجة الخ"، وأما عند غيرهم ففيه أقوال كثيرة، وأصحها وأعدلها ما ذهب إليه الإمام الشافعيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه يقبل بشروط ثلاثة في المرسِل بالكسر، وثلاثة في المرسل بالفتح، وسيأتي تفصيل ذلك عند شرح قول المصنّف المذكور، إن شاء الله تعالى. (فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ) -بكسر، فسكون-: هي المحنة، والابتلاء، والجمع فِتَنٌ، وأصل الفتنة من قولك: فَتَنتُ الذهب والفضّة: إذا أحرقته بالنار؛ لِيَبِين الجيّد من الرديء. قاله الفيّوميّ (١). والمراد بها هنا فتنة العقائد، حيث خالفت طائفة أهل السنة والجماعة، كالخوارج، والروافض، ونحوهم. وقال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذه الفتنة يعني بها -والله أعلم- فتنة قتل عثمان ﵁، وفتنة خروج الخوارج على عليّ ومعاوية ﵄، فإنهم كفّروهما، واستحلّوا الدماء والأموال. وقد اختُلف في تكفير هؤلاء، ولا يُشَكُّ في أنّ من كفّرهم لم يقبل حديثهم، ومن لم يُكفّرهم اختلفوا في قبول حديثهم، كما بيّنّاه فيما تقدّم، فيعني بذلك -والله أعلم- أنّ قَتَلَة عثمان، والخوارج لَمّا كانوا فُسّاقًا قطعًا، واختلطت أخبارهم بأخبار من لم يكن منهم، وجب أن يُبحَثَ عن أخبارهم، فتُردّ، وعن أخبار غيرهم ممن ليس منهم، فتُقبَل، ثم يجري الحكم من غيرهم من أهل البدع كذلك. ولا يَظنُّ أحدٌ له فهم أنه يعني بالفتنة فتنة عليّ، وعائشة، ومعاوية ﵄؛ إذ لا يصحّ أن يقال في أحد منهم مبتدعٌ، ولا فاسقٌ، بل كلّ منهم مجتهدٌ، عَمِلَ على حسب ظنّه، وهم في ذلك على ما أجمع عليه المسلمون في المجتهدين من القاعدة المعلومة، وهي أن كلّ مجتهد مأجور، غير مأثوم، على ما مهّدناه في الأصول. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في كلامه هذا أيّما إجادة، وأفاد أيّما إفادة، فإن بعض من لا فهم له حمل الفتنة المذكورة في كلام ابن سيرين رَحِمَهُ اللهُ تعالى هذا على فتنة حرب عليّ ومعاوية ﵄، فقد كتب الدكتور

стр. 588

محمد ضياء الرحمن الأعظمي في كتابه "دراسات في الجرح والتعديل" ص ٨: ما نصّه: والفتنة التي أشار إليها ابن سيرين هي ما وقع بين عليّ ومعاوية ﵄ إلى آخر كلامه، فقد فهم فهمًا خاطئًا؛ فإن في حمله على ذلك خطرًا عظيمًا؛ لأن ذلك يؤدّي إلى ردّ أحاديث من حارب معهما، وقد كان مع كلّ منهم عدد كبير من جلّة الصحابة ﵃، وكلّهم مجتهدون متأولون، فالمخطىء منهم عدل ثقة مأجور، فلا يردّ بذلك حديثه. ومما يُبطل ما ذهب إليه الدكتور المذكور من حمل الفتنة على ما ذكره: آخر كلام ابن سيرين رَحِمَهُ اللهُ تعالى، حيث قال: "فيُنظر إلى أهل السنة، فيؤخذ بحديثهم، وينظر إلى أهل البِدَع، فلا يؤخذ حديثهم". فإن المتحاربين من الجانبين كلهم من أهل السنة والجماعة، ولا قائل بأنهم من أهل البدع، كما تقدّم في كلام القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى. والحاصل أن ابن سيرين رَحِمَهُ اللهُ تعالى ما أراد بقوله المذكور حرب عليّ ومعاوية ﵄ قطعًا، وإنما أراد فتنة تفرّق الناس في عقائدهم إلى الخروج، والتشيّع، والرفض، والإرجاء، والقدر، ونحو ذلك مما يؤدّي إلى تكفيرهم، أو تفسيقهم، أو تضليلهم، فيلزم البحث عن حال الراوي حتى يُعرف أنه ممن تردّ روايته لذلك، أو تقبل على تفاصيل تقدّم البحث عنها مستوفًى. ولله الحمد والمنّة. (قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ) أي رجال إسنادكم (فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ) -بكسر، ففتح: جمع بدعة، وهي ما استُحدث في الدين بعد إكمال الله تعالى له، مما لا أصل له في الكتاب والسنة (فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ) قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وقوله: "ويُنظر إلى أهل البدع، فلا يؤخذ حديثهم": هذا مع ما ذَكَرَه عن السلف والأئمة من مثل هذا يؤيّد ما قلناه في ترك حديثهم، خلاف ما حكاه الغسّانيّ من الاتّفاق على قبوله إذا لم يكونوا دُعاةً، ولا غُلاةً، وظهر صدقهم. وقد ذكرنا أن أبا عبد الله بن البيّع ذكره في القسم الخامس. قال القاضي: وإلى قبول روايتهم وشهادتهم مال الشافعيّ. وقال مالك: لا يؤخذ الحديث عن صاحب هوًى يدعو إلى هواه. فانظر اشتراطه الدعاء، هل هو ترخيصٌ في الأخذ عنه إذا لم يدع، أو أن البدعة سببٌ لتُهمته أن يدعو الناس إلى هواه: أي لا تأخذوا عن ذي بدعة، فإنه ممن يدعو إلى هواه؟ أو أن هواه يحمله أن يدعو إلى هواه، فاتّهمه لذلك، وهذا هو المعروف من مذهبه. وقد تأوّل الباجيّ أن معنى يدعو: يُظهرها، ويُحقّق عليه، فأما من دعا، فلم يُختَلَف في ترك حديثه. وقد ذمّ مسلم بعد هذا الرواية عنهم. وأما القاضي أبو بكر الباقلّانيّ في طائفة من المحقّقين من الأصوليين والفقهاء والمحدّثين من السلف والخلف، فأبوا قبول خبر المبتدعة، والفسّاق المتأوّلين، ولم يَعذروهم بالتأويل،

стр. 589

وقالوا: هو فاسقٌ بقوله، فاسق بجهله، فاسق ببدعته، فتضاعف فسقه. وعلى هذا وقع خلاف بين الفقهاء في شهادتهم، فقبلها الشافعيّ، وابن أبي ليلى، وردّها مالك وغيره. وكذلك لا يُشترط فيمن دعا إلى بدعته ما ذكره الغسّانيّ من افتعاله الحديث، وتحريفه الرواية لنصرة مذهبه، فإن هذا يُثبت كذبه، وطرحَ قوله، ولو لم يكن ذا بدعة، ومن شُهر بالبدعة اتّهمناه أن يفعل هذا، وإن لم يفعله؛ لثبوت فسقه ببدعته. وقال مالك: لا يؤخذ الحديث عن أربعة، ويؤخذ عمن سواهم: رجلٌ مُعلنٌ بفسقه، وإن كان أروى الناس، ورجلٌ يكذب في أحاديث الناس، وإن كنت لا تتّهمه على حديث رسول الله ﷺ ، وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته، ورجل له فضل (١)، لا يَعلَم ما يُحدّث به. انتهى كلام القاضي (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق الخلاف في الرواية عن المبتدعة، وأن الحقّ أنه لا تردّ رواياتهم على الإطلاق، ولا تُقبل على الإطلاق، بل لا بدّ من التفصيل، فننظر أنه إن كُفّر ببدعته بأن أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، أو اعتقد عكسه، فلا يؤخذ بروايته، وأما من لم يُكَفَّر بها، وانضمّ إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فيؤخذ بروايته، إن لم يكن داعية، ولم تكن روايته مما يؤيّد بدعته، إلا الرافضة، فلا تقبل روايتهم مطلقًا؛ فقد قال الشافعيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطّابيّة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. وقد أشار إلى هذا السيوطيّ في "ألفية الأثر"، حيث قال: وَكَافِرٌ بِبِدْعَةٍ لَنْ يُقْبَلَا ... ثَالِثُهَا إِن كَذِبًا قَدْ حَلَّلَا وَغَيْرُهُ يُرَدُّ مِنْهُ الرَّافِضِي ... وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِي قَبُولَهُمْ لَا إِنْ رَوَوْا وِفَاقَا ... لِرَأْيِهِمْ أَبْدَى أَبُو إِسْحَاقَا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب: ٢٨ - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: لَقِيتُ طَاوُسًا، فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ كَيْتَ وَكَيْتَ، قَالَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مخلد بن إبراهيم بن مطر، أبو يعقوب الحنظلي،

стр. 590

المعروف بابن راهويه، المروزي نزيل نيسابور، أحد الأئمة طاف البلاد. رَوَى عن ابن عيينة، وابن علية، وجرير، وبشر بن المفضل، وخلق كثير. وروى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وبقية بن الوليد، ويحيى بن آدم، وهما من شيوخه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق الكوشج، ومحمد بن رافع، ويحيى بن معين، وهؤلاء من أقرانه، والذهلي، وزكرياء السجزي، ومحمد بن أفلح، وأبو العباس السراج، وهو آخر من حدث عنه. قال محمد بن موسى الباشاني: وُلد سنة (١٦١) وكان سمع من ابن المبارك، وهو حدث، فترك الرواية عنه لحداثته. وقال موسى بن هارون: كان مولد إسحاق سنة (١٦٦) فيما أرى. قال وهب بن جرير: جزى الله إسحاق بن راهويه عن الإسلام خيرا. وقال نعيم بن حماد: إذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق، فاتهمه في دينه. وقال أحمد: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثله. وقال أيضا: لا أعرف له بالعراق نظيرًا. وقال مرة لما سئل عنه: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين. وقال محمد بن أسلم الطوسي لما مات: كان أعلم الناس، ولو عاش الثوري لاحتاج إلى إسحاق. وقال النسائي: إسحاق أحد الأئمة. وقال أيضا: ثقة مأمون. وقال ابن خزيمة: والله لو كان في التابعين لأقروا له بحفظه وعلمه وفقهه. وقال أبو داود الخفاف: سمعت إسحاق يقول: لكأني أنظر إلى مائة ألف حديث في كتبي، وثلاثين ألفا أسردها. وقال: أملى علينا إسحاق أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثم قرأها علينا، فما زاد حرفا ولا نقص حرفا. وقال أبو حاتم: ذكرت لأبي زرعة إسحاق وحفظه للأسانيد والمتون، فقال أبو زرعة: ما رُؤي أحفظُ من إسحاق. قال أبو حاتم: والعجب من إتقانه وسلامته من الغلط، مع ما رُزق من الحفظ. وقال أحمد بن سلمة: قلت لأبي حاتم: إنه أملى التفسير عن ظهر قلبه، فقال أبو حاتم: وهذا أعجب، فإن ضبط الأحاديث المسندة أسهل وأهون من ضبط أسانيد التفسير وألفاظها. وقال إبراهيم بن أبي طالب: أملى المسند كله من حفظه مرة، وقرأه من حفظه مرة. وقال ابن حبان في "الثقات": كان إسحاق من سادات أهل زمانه فقها وعلما وحفظًا، وصنف الكتب، وفرّع على السنن، وذَبَّ عنها، وقَمَعَ مَن خالفها، وقبره مشهور يزار. وقال الآجري: سمعت أبا داود يقول: إسحاق بن راهويه تغير قبل أن يموت بخمسة أشهر، وسمعت منه في تلك الأيام، فرميت به، ومات سنة (٧) أو (٢٣٨). وقال حسين القباني: مات ليلة النصف من شعبان سنة (٢٣٨). وقال البخاري: مات وهو ابن (٧٧) سنة. وفي "تاريخ البخاري": مات ليلة السبت لأربع عشرة خلت من شعبان من السنة. وفي "الكنى" للدولابي. مات ليلة نصف شعبان، قال: وفي ذلك يقول الشاعر: يَا هَدَّةً مَا هُدِدْنَا لَيْلَةَ الأَحَدِ ... فِي نِصْفِ شَعْبَانَ لَا تُنْسَى مَدَى الأَبَدِ

стр. 591

وقال في "التقريب": ثقة حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، ذكر أبو داود: إنه تغيّر قبل موته بيسير. روى عنه الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٦١٨) حديثًا. ٢ - (عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي، أبو عمرو، ويقال: أبو محمد الكوفي، نزل الشام مرابطًا. رأى جدّه أبا إسحاق، وروى عن أبيه، وأخيه إسرائيل، وابن عمه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، وسليمان التيمي، وغيرهم. وروى عنه أبوه يونس، وابنه عمرو ابن عيسى، وحماد بن سلمة، وهو أكبر منه، وغيرهم. قال أحمد، وأبو حاتم، ويعقوب بن شيبة، وابن خراش: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي أيما أصح حديثا عيسى بن يونس، أو أبوه يونس؟ قال: لا، بل عيسى أصحّ حديثًا. قلت له: عيسى أو إسرائيل؟ قال: ما أقربهما. قلت: ما تقول فيه؟ فقال: عيسى يسأل عنه؟ . قال المرُّوذيّ: سئل يعني أحمد عن عيسى بن يونس وأبي إسحاق الفزاريّ، ومروان بن معاوية، أيهم أثبت؟ فقال: ما فيهم إلا ثبت، قيل له: من تُقَدِّم؟ قال: ما فيهم إلا ثقة ثبتٌ، إلا أن أبا إسحاق ومكانه من الإسلام. قال الْمَرُّوذيّ: سمعت أبا عبد الله يقول: الذي نُخْبَرُ أن عيسى بن يونس كان سنة في الغزو، وسنة في الحج، وقد كان قدم إلى بغداد، فأُمر له بمال، فأبى أن يقبل. وقال علي بن عثمان بن نفيل: قلت لأحمد: إن أبا قتادة الحراني كان يتكلم في وكيع، وعيسى بن يونس، وابن المبارك، فقال: من كَذّب أهل الصدق فهو الكذاب. وقال حرب بن إسماعيل: سئل ابن المديني عن عيسى بن يونس؟ فقال: بخ بخ، ثقة مأمون. وقال قيس بن حنش: سمعت ابن المديني يقول: جماعة من الأولاد أثبت عندنا من آبائهم، منهم عيسى بن يونس. وقال ابن عمار: أثبتهم عيسى، ثم يوسف، ثم إسرائيل، أولاد يونس. وقال في موضع آخر: عيسى حجة، وهو أفضل من إسرائيل. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان يسكن الثغر، وكان ثبتا في الحديث. وقال الكديمي عن سليمان بن داود: كنا عند ابن عيينة، فجاء عيسى، فقال: مرحبا بالفقيه ابن الفقيه ابن الفقيه. وقال أبو همام: ثنا عيسى بن يونس الثقة الرضى. وقال أبو زرعة: كان حافظا. وقال جعفر بن يحيى البرمكي: ما رأينا في القراء مثله، عرضتُ عليه مائة ألف دينار، فقال: لا، والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنا، ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إليّ، فأما على الحديث فلا، ولا شربة ماء، ولا إهْلِيلجة (١). وقال أحمد بن

стр. 592

جناب: مات سنة سبع وثمانين ومائة، وفيها أرّخه غير واحد. وقال محمد بن المثنّى، وأبو داود، وغير واحد: مات سنة (١٨٧) وقيل: (١٨٨)، وقيل: (١٩١). وقال في "التقريب": ثقة مأمون، من الثامنة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٦١٨) حديثًا. ٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، واسمه يُحْمِد الشامي، أبو عمرو الأوزاعي الفقيه، نزل بيروت في آخر عمره، فمات بها مرابطًا. روى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وشداد بن عمار، وسليمان بن موسى، وغيرهم. وروى عنه مالك، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وابن أبي الزناد، وعيسى بن يونس، وروى عنه من شيوخه الزهري، ويحيى بن أبي كثير، وقتادة، وغيرهم. قال الحاكم أبو أحمد في "الكنى": الأوزاعي من حمير، وقد قيل: إن الأوزاع قرية بدمشق، وعرضت هذا القول على أحمد بن عمير فلم يرضه، وقال: إنما قيل: الأوزاعي لأنه من أوزاع القبائل. وقال أبو سليمان بن زبر: هو اسم وقع على موضع مشهور بدمشق، يُعرف بالأوزاع سكنه في صدر الإسلام بقايا من قبائل شتى. وقال أبو زرعة الدمشقي: كان اسم الأوزاعي عبد العزيز، فسمى نفسه عبد الرحمن، وكان أصله من سباء السند، وكان ينزل الأوزاع، فغلب ذلك عليه، وإليه فتوى الفقه لأهل الشام؛ لفضله فيهم، وكثرة روايته، وبلغ سبعين سنة، وكان فصيحا، ورسائله تؤثر. وقال عمرو بن علي عن ابن مهدي: الأئمة في الحديث أربعة: الأوزاعي، ومالك، والثوري، وحماد بن زيد. وقال أبو عبيد عن ابن مهدي: ما كان بالشام أعلم بالسنة منه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة ما أقل ما روى عن الزهري. وقال أبو حاتم: إمام متبع لما سمع. وقال أبو مسهر عن هقل بن زياد: أجاب الأوزاعي في سبعين ألف مسألة أو نحوها. وقال ابن عيينة: كان إمام أهل زمانه. وقال أمية بن يزيد ابن أبي عثمان: كان عندنا أرفع من مكحول، جمع العبادة والورع والقول بالحق. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من فقهاء أهل الشام وقرائهم وزهادهم، وكان السبب في موته أنه كان مرابطا ببيروت، فدخل الحمام، فَزَلِق، فسقط، وغَشِيَ عليه، ولم يعلم به حتى مات. وقالا أحمد بن حنبل: دخل الثوري والأوزاعي على مالك، فلما خرجا قال مالك: أحدهما أكثر علما من صاحبه، ولا يصلح للإمامة، والآخر يصلح للإمامة -يعني الأوزاعي-. وقال أبو إسحاق الفزاري: ما رأيت مثل رجلين الأوزاعي والثوري، فأما الأوزاعي فكان رجل عامة، والثوري كان رجل خاصة، ولو خيرت لهذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي؛ لأنه كان أكثر توسعا، وكان والله إماما، إذ لا نُصيب اليوم إماما، ولو أن الأمة أصابتها شدة والأوزاعي فيهم، لرأيت لهم أن يفزعوا إليه.

стр. 593

وقال ابن المبارك: لو قيل لي: اختر لهذه الأمة لاخترت الثوري والأوزاعي، ثم لاخترت الأوزاعي؛ لأنه أرفق الرجلين. وقال الخريبي: كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه. وقال أبو عبد الملك القرطبي في "تاريخه": كانت الفتيا تدور بالأندلس على رأي الأوزاعي إلى زمن الحكم بن هشام المتوفى سنة (٢٥٦). وقال الخليلي في "الإرشاد": أجاب عن ثمانين ألف مسألة في الفقه من حفظه. وقال الوليد بن مسلم فيما رواه أبو عوانة في "صحيحه": احترقت كتبه زمن الرجفة، فأتى رجل بنسخها، وقال له: هو إصلاحك بيدك، فما عرض لشيء منها حتى مات. وقال ابن سعد: وُلِد سنة (٨٨)، وكان ثقة مأمونا صدوقا فاضلا خيرا، كثير الحديث والعلم والفقه، وكان مكتبه باليمامة، ومات ببيروت سنة (١٥٧). وقال الآجري عن أبي داود: مات الأوزاعي رَحِمَهُ اللهُ تعالى في الحمام. وقيل: سنة (٥٥). وقيل: سنة (٥١). وقيل: سنة (٥٦). وقال في "التقريب": ثقة جليلٌ، من السابعة. انتهى. أخرخ له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٦٠) حديثًا. ٤ - (سليمان بن موسى) الأموي مولاهم، أبو أيوب، ويقال: أبو الربيع، ويقال: أبو هشام الدمشقي الأشدق، فقيه أهل الشام في زمانه. أرسل عن جابر، ومالك بن يُخَامِر السَّكْسَكِيّ الدمشقي، وأبي سَيَّارة الْمُتَعِيّ، وروى عن واثلة بن الأسقع، وأبي أمامة، وطاووس، والزهري، ونافع، وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، وسعيد بن عبد العزيز، وزيد بن واقد، والأوزاعي، وغيرهم. قال سعيد بن عبد العزيز: سليمان بن موسى كان أعلم أهل الشام بعد مكحول. وقال عطاء بن أبي رباح: سيد شباب أهل الشام سليمان بن موسى. وقال الزهري: سليمان ابن موسى أحفظ من مكحول. وقال عثمان الدارمي، عن دُحَيم: ثقة. وعن ابن معين: ثقة في الزهري. وقال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدا من أصحاب مكحول أفقه منه، ولا أثبت منه. وقال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: أحد الفقهاء، وليس بالقوي في الحديث. وقال في موضع آخر: في حديثه شيء. وقال ابن عدي: وسليمان بن موسى فقيهٌ راوٍ، حَدَّث عنه الثقات، وهو أحد علماء أهل الشام، وقد روى أحاديث ينفرد بها، لا يرويها غيره، وهو عندي ثبت صدوق. وقال الدارقطني في "العلل": من الثقات، أثنى عليه عطاءٌ، والزهري. وقال ابن سعد: كان ثقة، أثنى عليه ابن جريج. وذكر العقيلي عن ابن المديني: كان من كبار أصحاب مكحول، وكان خولط قبل موته بيسير. وذكره ابن المديني في الطبقة الثالثة من

стр. 594

أصحاب نافع. وقال يحيى في معين ليحيى بن أكثم: سليمان بن موسى ثقة، وحديثه صحيِح عندنا. وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة (١١٥) من شَرْبَةٍ سُقِيها، وكان فقيهًا ورعًا. وقال دُحَيم: مات سنة (١١٥). وقال خليفة وغير واحد: مات سنة تسع عشرة ومائة. وقال في "التقريب": صدوق، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل، من الخامسة. أخرج له مسلم في "المقدمة"، والأربعة. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ سُلَيْمَانَ بْن مُوسَى) الأشدق، أنه (قَالَ: لَقِيتُ) بكسر القاف، يقال: لقيته ألقاه، من باب تعب لُقِيّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالضمّ جمع القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلّ شيء استَقْبَل شيئًا، أو صادفه، فقد لقيه. قاله الفيّوميّ (١). (طَاوُسًا) أي ابن كيسان اليمانيّ الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته برقم ٣/ ١٦. (فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف اسم فلان. انتهى (٢). (كَيْتَ وَكَيْتَ) هما بفتح التاء وكسرها، لغتان، نقلهما الجوهريّ في "صحاحه" عن أبي عُبيدة (٣). وقال في "القاموس"، و"شرحه": "كيتَ وكيتَ" بالفتح، ويُكسر آخرهما، وهي كناية عن القصّة، أو الأُحدوثة، حكاها سيبويه. قال الليث: تقول العرب: كان من الأمر كيتَ وكيتَ. أي كذا وكذا، والتاء فيهما هاء في الأصل، مثلُ ذَيتَ وذَيْتَ. قال: وقد صرّح ابن القطاع، وابن سِيدَه بأن ذَيتَ وكيتَ مثلّثا الآخر. انتهى باختصار (٤). وقال في "المصباح": قولهم "كيتَ"، و"ذيت" كناية عن الحديث، والأصل "كَيْهَ"، و"ذَيْهَ"، لكنه أُبدل من الهاء تاءٌ، وفُتحت لالتقاء الساكنين، وطلبًا للتخفيف. انتهى (٥). (قَالَ) طاوس (إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ) يعني الذي حدّثه (مَلِيًّا) يعني ثقةً ضابطًا متقنًا، يُوتق بدينه، ومعرفته، ويُعتمد عليه، كما يُعتمد على معاملة المليء بالمال؛ ثقةً بذمّته. (فَخُذْ عَنْهُ) أي ارو عنه أحاديثه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:

стр. 595

٢٩ - (وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ -يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيَّ- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيِزِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: إِنَّ فُلَانًا حَدَّثَنِي بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل ابن بَهْرَام بن عبد الصمد التميمي الدارمي، أبو محمد السمرقندي، الحافظ صاحب "المسند". رَوَى عن النضر بن شميل، وأبي النضر هاشم بن القاسم، ومروان بن محمد الطاطري، ويزيد بن هارون، وخلق كثير. وروى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والبخاري في غير "الجامع"، والحسن بن الصباح البزاز، وبندار، والذهلي، وخلق كثير. قال الإمام أحمد بن حنبل: إمام، وقال لرجل: عليك بذاك السيد عبد الله بن عبد الرحمن كررها. وقال محمد بن عبد الله بن نمير: غلبنا بالحفظ والورع. وقال أبو سعيد الأشج: إمامنا. وقال عثمان بن أبي شيبة: أمره أظهر مما يقولون من الحفظ والبصر وصيانة النفس. وعَدّه بُندار في حفاظ الدنيا. وقال إسحاق بن أحمد زَيْرَك عن أبي حاتم الرازي: سمعته يقول: محمد بن إسماعيل أعلم مَنْ دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الله بن عبد الرحمن أثبتهم. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: إمام أهل زمانه. وقال أبو حامد بن الشرقي: إنما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمسة، فذكره فيهم. وقال محمد بن إبراهيم بن منصور الشيرازي: كان على غاية من العقل والديانة، ممن يُضرَب به المثل في الحلم والدراية، والحفظ والعبادة والزهد، أظهر علم الحديث والآثار بسمرقند، وذَبَّ عنها الكذب، وكان مُفَسِّرا كاملًا، وفقيها عالمًا. قال أبو حاتم بن حبان: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع في الدين، ممن حفظ وجمع، وتفقه وصنف، وحدّث وأظهر السنة في بلده، ودعا إليها وذَبّ عن حريمها، وقَمَعَ من خالفها. وقال الخطيب: كان أحد الرحالين في الحديث، والموصوفين بحفظه وجمعه، والإتقان له، مع الثقة، والصدق، والورع، والزهد، واستقضي على سمرقند فأبى، فألحّ عليه السلطان، فقضى بقضية واحدة، ثم أُعفي، وكان يُضرَب به المثل في الديانة، والحلم، والرزانة. قال إسحاق بن إبراهيم الوراق: سمعته يقول: وُلدت في سنة مات ابن المبارك سنة (٨١). وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاري: كنا عند محمد بن إسماعيل، فورد عليه كتاب فيه نَعْيُ عبد الله بن عبد الرحمن، فنَكَّسَ رأسه، ثم رفع واسترجع، وجعل تسيل

стр. 596

دموعه على خديه، ثم أنشأ يقول [من الكامل]: إِنْ تَبْقَ تُفْجَعْ بِالأَحِبَّةِ كُلِّهِمْ ... وَفَنَاءُ نَفْسِكَ لا أَبَا لَكَ أَفْجَعُ قال إسحاق: ما سمعناه يُنشد شعرا إلا ما يجيء في الحديث. وقال أحمد بن سيار: كان حسن المعرفة، قد دَوَّن "المسند"، و"التفسير"، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، يوم التروية، ودفن يوم عرفة، يوم الجمعة، وهو ابن أربع وسبعين سنة. وكذا أرخه غير واحد، وقيل: مات سنة (٢٥٠)، وهو وَهَمٌ. وقال في "التقريب": ثقة فاضلٌ متقنٌ، من الحادية عشرة. وله في "صحيح مسلم" (٧٢) حديثًا (١). ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) هو: مروان بن محمد بن حسان الأسدي الطَّاطَرِيّ -بمهملتين مفتوحتين- أبو بكر، ويقال: أبو حفص، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقي. قال الطبري: كل من يبيع الكرابيس بدمشق يقال له: الطاطري. روى عن سعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وسعيد بن بشير، وغيرهم. وروى عنه ابنه إبراهيم بن مروان، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وبقية ابن الوليد، وغيرهم. قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأحمد بن حنبل: بلغني أنك تُثني على مروان بن محمد، قال: إنه كان يذهب مذهب أهل العلم. وقال أبو حاتم، وصالح بن محمد: ثقة. وقال عبد الله بن يحيى بن معاوية: أدركت ثلاث طبقات، إحداها: طبقة سعيد بن عبد العزيز، ما رأيت فيهم أخشع من مروان بن محمد. وقال أبو سليمان الداراني: ما رأيت مسلما خيرا من مروان، قيل له: ولا معلمه سعيد بن عبد العزيز؟ قال: لا. وقال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد: عندكم ثلاثة أصحاب حديث: مروان بن محمد الطاطري، والوليد بن مسلم، وأبو مسهر. وقال الدُّوري عن ابن معين: لا بأس، به وكان مرجئًا. وقال الدارقطني: ثقة. قال الحافظ: وضعفه أبو محمد بن حزم، فأخطأ؛ لأنا لا نعلم له سلفا في تضعيفه إلا ابن قانع، وقول ابن قانع غير مُقْنِع. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلد سنة سبع وأربعين ومائة. وقال البخاري: مات سنة عشر ومائتين. وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة. أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في "صحيح مسلم" (٤٨) حديثًا. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن أبي يحيى التنوخي، أبو محمد، ويقال: أبو عبد

стр. 597

العزيز الدمشقي، قرأ القرآن على ابن عامر، ويزيد بن أبي مالك، وسأل عطاء بن أبي رباح. رَوَى عن عبد العزيز بن صهيب، والزهري، وربيعة بن يزيد الدمشقي، وجماعة. وروى عنه الثوري، وشعبة، وابن المبارك، ومروان بن محمّد، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بالشام رجل أصح حديثا من سعيد بن عبد العزيز، هو والأوزاعي عندي سواء. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي: ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لدُحيم: مَن بعد عبد الرحمن بن يزيد بن جابر من أصحاب مكحول؟ قال: الأوزاعي، وسعيد. قال: وقلت ليحيى بن معين: وذكرت له الحجةُ: محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز. وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين ضعيف، إلا نفرا منهم: الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز. وقال أبو حاتم: كان أبو مسهر يُقَدِّم سعيدَ بنَ عبد العزيز على الأوزاعي، ولا أقدم بالشام بعد الأوزاعي على سعيد واحدًا. وقال مروان بن محمد: كان علم سعيد في صدره. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال الحاكم أبو عبد الله: هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة في التقدم، والفضل، والفقه، والأمانة. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله-. وقال أبو جعفر العامري: رأى أنسًا، وكان فاضلًا، ديّنًا، ورعًا، وكان مفتي أهل دمشق. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عُبّاد أهل الشام، وفقهائهم، ومتقنيهم في الرواية. وقال الآجري عن أبي داود: تغير قبل موته. وكذا قال حمزة الكناني. وقال البخاري في "تاريخه": قال علي عن الوليد بن مسلم: أحدثكم عن الثقات: صفوان بن عمرو، وابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: اختلط قبل موته، وكان يُعرَض عليه فيقول: لا أجيزها، لا أجيزها. وقال أبو مسهر: كان قد اختلط قبل موته. وقال أحمد: بلغني عن أبي مسهر أنه قال: وُلد سنة (٩٠). وقال أبو مسهر وغير واحد: مات سنة (١٦٧). وقال سليمان بن سلمة الخبائري: مات سنة (١٦٨). وقال في "التقريب": ثقة إمام، سوّاه أحمد بالأوزاعيّ، وقدّمه أبو مُسهِرٍ، لكنه اختلط في آخر عمره، من السابعة. انتهى. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في "صحيح مسلم" خمسة أحاديث برقم ٦٩١ و ٧٣٦ و ١٧٢٩ و ١٨٩٢ و ٤٦٧٤. وشرح الأثر تقدّم في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 598

قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب: ٣٠ - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ، عَن ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُ بالْمَدِينَةِ مائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) نصر بن علي بن نصر بن علي بن صُهْبان الأزدي الجهضمي، أبو عمرو البصري. روى عن أبيه، ويزيد بن زريع، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، والأصمعيّ، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، وروى النسائي أيضا عن زكريا السجزي، وأحمد بن علي المروزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذهلي، وخلق كثير. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: ما به بأس ورضيه. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن نصر بن علي وأبي حفص الصيرفي؟ فقال: نصر أحب إلي، وأوثق، وأحفظ من أبي حفص، قلت: فما تقول في نصر؟ قال: ثقة. وقال النسائي، وابن خراش: ثقة. وقال عبيد الله بن محمد الفرهياني: نصر عندي من نبلاء الناس. وقال أبو علي بن الصواف عن عبد الله بن أحمد: لَمّا حدث نصر بن علي بهذا الحديث، يعني حديث علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ أخذ بيد حسن وحسين، فقال: "من أحبني، وأحب هذين، وأباهما وأمهما، كان في درجتي يوم القيامة"، أمر المتوكل بضربه ألف سوط، فكلمه فيه جعفر بن عبد الواحد، وجعل يقول له: هذا من أهل السنة، فلم يزل به حتى تركه. وقال الحسين بن إدريس الأنصاري: سئل محمد بن علي النيسابوري عن نصر بن علي؟ فقال: حجة. وقال مسلمة بن قاسم: هو ثقه عند جميعهم. وقال قاسم بن أصبغ: سمعت الْخُشَنيّ يقول: ما كتبت بالبصرة عن أحد أعقل من نصر بن علي. وقال أبو بكر ابن أبي داود: كان المستعين بعث إلى نصر بن علي ليوليه القضاء، فقال لأمير البصرة: أَرجِعُ فأستخير الله تعالى، فرجع إلى بيته، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، فنام فنبهوه، فإذا هو ميت. قال البخاري: مات في ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين، وفيها أرخه غير واحد. وقيل: مات سنة إحدى وخمسين. وقال في "التقريب": ، ثقة ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع، من العاشرة. وله في "صحيح مسلم" (٥٠) حديثًا. [تنبيه]: "الجهضميّ -بفتح الجيم، وسكون الهاء، وفتح الضاد المعجمة- قال

стр. 599

السمعانيّ: هذه النسبة إلى الجهاضمة، وهي مَحِلّةٌ بالبصرة. انتهى (١). ٢ - (الأصمعيّ) عبد الملك بن قُرَيب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مطهر ابن رَبَاح بن عمرو الباهلي، أبو سعيد الأصمعي البصري، أحد الأعلام، ويقال: إن قُرَيبا لقب، واسمه عاصم، وكنيته أبو بكر. قال أبو أمية الطرسوسي: سمعت أحمد، ويحيى يثنيان على الأصمعي في السنة. قال: وسمعت علي بن المديني يثني عليه. وقال الدوري عن ابن معين: سمعت الأصمعي يقول: سمع مني مالك بن أنس. وقال الرَّيَاشِيّ: قال الأصمعي: قال لي شعبة: لو أتفرّغ لجئتك. وقال ثعلب عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلت على الأصمعي أعوده، وإذا قِمَطر، فقلت: هذا علمك كله؟ فقال: إن هذا من حقٍّ لكثير. وقال عمر بن شَبَّة: سمعته يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة. وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما عَبَّر أحدٌ عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. وقال محمد بن أبي زُكَيْر الأسواني: سمعت الشافعي يقول: ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: الأصمعي ثقة. وقال أبو معين الرازي: سألت ابن معين عنه؟ فقال: لم يكن ممن يكذب، وكان من أعلم الناس في وقته. وقال الدُّوري: قلت لابن معين: أريد الخروج إلى البصرة، فعمن أكتب؟ قال: عن الأصمعي، فهو ثقة صدوق. وقال الآجري عن أبي داود: صدوق. وقال الحربي: كان أهل البصرة من أصحاب الأهواء، إلا أربعة، فإنهم كانوا أصحاب سنة: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، والأصمعي. وقال نصر بن علي: سمعت الأصمعي يقول لعفان: اتق الله، ولا تغير حديث رسول الله ﷺ بقولي. قال نصر بن علي: كان الأصمعي يتقي أن يُفَسِّر حديث رسول الله ﷺ ، كما يتقي أن يفسر القرآن. وقال المبرد: كان الأصمعي بحرا في اللغة، وكان دون أبي زيد في النحو. وقال أبو العَيْنَاء: سمعت إسحاق الموصلي يقول: لم أر الأصمعي يدعي شيئا من العلم، فيكون أحد أعلم به منه. وقال الحارث بن أبي أسامة، عن يحيى بن حبيب، عن الأصمعي: بلغتُ ما بلغتُ من العلم، ونِلْتُ ما نلت بالْمُلَح. وقال أبو العيناء: توفي بالبصرة، وأنا حاضر في سنة ثلاث عشرة ومائتين. وقال خليفة: مات سنة (١٥). وقال أبو موسى، والبخاري: مات سنة (١٦). وقال الكديمي سنة (١٧). وقال الخطيب: بلغني أنه عاش (٨٨) سنة. وقال في "التقريب": صدوقٌ سنيّ، من التاسعة. انتهى.

стр. 600

روى له مسلم في مقدمة كتابه، وأبو داود في تفسير أسنان الإبل، والترمذي في تفسير حديث أمّ زرع. ٣ - (ابن أبي الزناد) هو: عبد الرَّحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي مولاهم المدني. روى عن أبيه، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، وزهير بن معاوية، ومعاذ بن معاذ العنبري، والأصمعيّ، وغيرهم. قال مصعب: كان أبو الزناد أحب أهل المدينة، وابنه، وابن ابنه. وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة: قَدِمتُ المدينة، فأتيت مالك بن أنس، فقلت له: إني قَدِمت إليك لأسمع العلم، وأسمع ممن تأمرني به، فقال: عليك بابن أبي الزناد. وقال أبو داود عن ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرَّحمن بن أبي الزناد. وقال أبو طالب عن أحمد: يُروَى عنه، قلت: يُحتَمَل؟ قال: نعم. وقال أيضًا فيما حكاه الساجي: أحاديثه صحاح. وقال ابن معين فيما حكاه الساجي: عبد الرَّحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة حجة. وقال الآجري، عن أبي داود: كان عالما بالقرآن، عالما بالأخبار. وقال الترمذي، والعجلي: ثقة. وصحح الترمذي عدةً من أحاديثه. وقال في "اللباس": ثقة حافظ. وقال ابن عديّ: هو ممن يُكتب حديثه. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم. وقال الواقدي: كان نبيلًا في علمه، ووَلِيَ خراج المدينة، فكان يستعين بأهل الخير والورع، وكان كثير الحديث، عالمًا. وقال الشافعي: كان ابن أبي الزناد يكاد يجاوز القصد في ذَمّ مذهب مالك. وقال ابن مُحرز عن يحيى بن معين: ليس ممن يَحتَجّ به أصحاب الحديث، ليس بشيء. وقال معاوية بن صالح وغيره عن ابن معين: ضعيف. وقال الدُّوري عن ابن معين: لا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردي. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث. وقال محمد ابن عثمان عن ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا. وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون. ورأيت عبد الرَّحمن بن مهدي يخط على أحاديثه، وكان يقول: في حديثه عن مشيختهم: فلان وفلان وفلان، قال: ولقنه البغداديون عن فقهائهم. وقال صالح بن محمد: روى عن أبيه أشياء لم يروها غيره، وتكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة -يعني الفقهاء- وقال: أين كنا عن هذا؟ . وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وفي حديثه ضعف، سمعت علي بن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب، وما حدث به بالعراق فهو مضطرب، قال علي: وقد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي، فرأيتها مقاربة. وقال عمرو بن علي: فيه ضعف، فما حدث بالمدينة أصح
следующие страницы →