← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

دموعه على خديه، ثم أنشأ يقول [من الكامل]: إِنْ تَبْقَ تُفْجَعْ بِالأَحِبَّةِ كُلِّهِمْ ... وَفَنَاءُ نَفْسِكَ لا أَبَا لَكَ أَفْجَعُ قال إسحاق: ما سمعناه يُنشد شعرا إلا ما يجيء في الحديث. وقال أحمد بن سيار: كان حسن المعرفة، قد دَوَّن "المسند"، و"التفسير"، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، يوم التروية، ودفن يوم عرفة، يوم الجمعة، وهو ابن أربع وسبعين سنة. وكذا أرخه غير واحد، وقيل: مات سنة (٢٥٠)، وهو وَهَمٌ. وقال في "التقريب": ثقة فاضلٌ متقنٌ، من الحادية عشرة. وله في "صحيح مسلم" (٧٢) حديثًا (١). ٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) هو: مروان بن محمد بن حسان الأسدي الطَّاطَرِيّ -بمهملتين مفتوحتين- أبو بكر، ويقال: أبو حفص، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقي. قال الطبري: كل من يبيع الكرابيس بدمشق يقال له: الطاطري. روى عن سعيد بن عبد العزيز، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر، وسعيد بن بشير، وغيرهم. وروى عنه ابنه إبراهيم بن مروان، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وبقية ابن الوليد، وغيرهم. قال أحمد بن أبي الحواري: قلت لأحمد بن حنبل: بلغني أنك تُثني على مروان بن محمد، قال: إنه كان يذهب مذهب أهل العلم. وقال أبو حاتم، وصالح بن محمد: ثقة. وقال عبد الله بن يحيى بن معاوية: أدركت ثلاث طبقات، إحداها: طبقة سعيد بن عبد العزيز، ما رأيت فيهم أخشع من مروان بن محمد. وقال أبو سليمان الداراني: ما رأيت مسلما خيرا من مروان، قيل له: ولا معلمه سعيد بن عبد العزيز؟ قال: لا. وقال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد: عندكم ثلاثة أصحاب حديث: مروان بن محمد الطاطري، والوليد بن مسلم، وأبو مسهر. وقال الدُّوري عن ابن معين: لا بأس، به وكان مرجئًا. وقال الدارقطني: ثقة. قال الحافظ: وضعفه أبو محمد بن حزم، فأخطأ؛ لأنا لا نعلم له سلفا في تضعيفه إلا ابن قانع، وقول ابن قانع غير مُقْنِع. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلد سنة سبع وأربعين ومائة. وقال البخاري: مات سنة عشر ومائتين. وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة. أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في "صحيح مسلم" (٤٨) حديثًا. ٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن أبي يحيى التنوخي، أبو محمد، ويقال: أبو عبد

стр. 597

العزيز الدمشقي، قرأ القرآن على ابن عامر، ويزيد بن أبي مالك، وسأل عطاء بن أبي رباح. رَوَى عن عبد العزيز بن صهيب، والزهري، وربيعة بن يزيد الدمشقي، وجماعة. وروى عنه الثوري، وشعبة، وابن المبارك، ومروان بن محمّد، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس بالشام رجل أصح حديثا من سعيد بن عبد العزيز، هو والأوزاعي عندي سواء. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والعجلي: ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لدُحيم: مَن بعد عبد الرحمن بن يزيد بن جابر من أصحاب مكحول؟ قال: الأوزاعي، وسعيد. قال: وقلت ليحيى بن معين: وذكرت له الحجةُ: محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز. وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين ضعيف، إلا نفرا منهم: الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز. وقال أبو حاتم: كان أبو مسهر يُقَدِّم سعيدَ بنَ عبد العزيز على الأوزاعي، ولا أقدم بالشام بعد الأوزاعي على سعيد واحدًا. وقال مروان بن محمد: كان علم سعيد في صدره. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال الحاكم أبو عبد الله: هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة في التقدم، والفضل، والفقه، والأمانة. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله-. وقال أبو جعفر العامري: رأى أنسًا، وكان فاضلًا، ديّنًا، ورعًا، وكان مفتي أهل دمشق. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عُبّاد أهل الشام، وفقهائهم، ومتقنيهم في الرواية. وقال الآجري عن أبي داود: تغير قبل موته. وكذا قال حمزة الكناني. وقال البخاري في "تاريخه": قال علي عن الوليد بن مسلم: أحدثكم عن الثقات: صفوان بن عمرو، وابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز. وقال الدُّوريّ عن ابن معين: اختلط قبل موته، وكان يُعرَض عليه فيقول: لا أجيزها، لا أجيزها. وقال أبو مسهر: كان قد اختلط قبل موته. وقال أحمد: بلغني عن أبي مسهر أنه قال: وُلد سنة (٩٠). وقال أبو مسهر وغير واحد: مات سنة (١٦٧). وقال سليمان بن سلمة الخبائري: مات سنة (١٦٨). وقال في "التقريب": ثقة إمام، سوّاه أحمد بالأوزاعيّ، وقدّمه أبو مُسهِرٍ، لكنه اختلط في آخر عمره، من السابعة. انتهى. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والأربعة، وله في "صحيح مسلم" خمسة أحاديث برقم ٦٩١ و ٧٣٦ و ١٧٢٩ و ١٨٩٢ و ٤٦٧٤. وشرح الأثر تقدّم في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 598

قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب: ٣٠ - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَصْمَعِيُّ، عَن ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُ بالْمَدِينَةِ مائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ، مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) نصر بن علي بن نصر بن علي بن صُهْبان الأزدي الجهضمي، أبو عمرو البصري. روى عن أبيه، ويزيد بن زريع، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، والأصمعيّ، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، وروى النسائي أيضا عن زكريا السجزي، وأحمد بن علي المروزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذهلي، وخلق كثير. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه؟ فقال: ما به بأس ورضيه. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن نصر بن علي وأبي حفص الصيرفي؟ فقال: نصر أحب إلي، وأوثق، وأحفظ من أبي حفص، قلت: فما تقول في نصر؟ قال: ثقة. وقال النسائي، وابن خراش: ثقة. وقال عبيد الله بن محمد الفرهياني: نصر عندي من نبلاء الناس. وقال أبو علي بن الصواف عن عبد الله بن أحمد: لَمّا حدث نصر بن علي بهذا الحديث، يعني حديث علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ أخذ بيد حسن وحسين، فقال: "من أحبني، وأحب هذين، وأباهما وأمهما، كان في درجتي يوم القيامة"، أمر المتوكل بضربه ألف سوط، فكلمه فيه جعفر بن عبد الواحد، وجعل يقول له: هذا من أهل السنة، فلم يزل به حتى تركه. وقال الحسين بن إدريس الأنصاري: سئل محمد بن علي النيسابوري عن نصر بن علي؟ فقال: حجة. وقال مسلمة بن قاسم: هو ثقه عند جميعهم. وقال قاسم بن أصبغ: سمعت الْخُشَنيّ يقول: ما كتبت بالبصرة عن أحد أعقل من نصر بن علي. وقال أبو بكر ابن أبي داود: كان المستعين بعث إلى نصر بن علي ليوليه القضاء، فقال لأمير البصرة: أَرجِعُ فأستخير الله تعالى، فرجع إلى بيته، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، فنام فنبهوه، فإذا هو ميت. قال البخاري: مات في ربيع الآخر سنة خمسين ومائتين، وفيها أرخه غير واحد. وقيل: مات سنة إحدى وخمسين. وقال في "التقريب": ، ثقة ثبتٌ، طُلب للقضاء، فامتنع، من العاشرة. وله في "صحيح مسلم" (٥٠) حديثًا. [تنبيه]: "الجهضميّ -بفتح الجيم، وسكون الهاء، وفتح الضاد المعجمة- قال

стр. 599

السمعانيّ: هذه النسبة إلى الجهاضمة، وهي مَحِلّةٌ بالبصرة. انتهى (١). ٢ - (الأصمعيّ) عبد الملك بن قُرَيب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مطهر ابن رَبَاح بن عمرو الباهلي، أبو سعيد الأصمعي البصري، أحد الأعلام، ويقال: إن قُرَيبا لقب، واسمه عاصم، وكنيته أبو بكر. قال أبو أمية الطرسوسي: سمعت أحمد، ويحيى يثنيان على الأصمعي في السنة. قال: وسمعت علي بن المديني يثني عليه. وقال الدوري عن ابن معين: سمعت الأصمعي يقول: سمع مني مالك بن أنس. وقال الرَّيَاشِيّ: قال الأصمعي: قال لي شعبة: لو أتفرّغ لجئتك. وقال ثعلب عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلت على الأصمعي أعوده، وإذا قِمَطر، فقلت: هذا علمك كله؟ فقال: إن هذا من حقٍّ لكثير. وقال عمر بن شَبَّة: سمعته يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة. وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما عَبَّر أحدٌ عن العرب بأحسن من عبارة الأصمعي. وقال محمد بن أبي زُكَيْر الأسواني: سمعت الشافعي يقول: ما رأيت بذلك العسكر أصدق لهجة من الأصمعي. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: الأصمعي ثقة. وقال أبو معين الرازي: سألت ابن معين عنه؟ فقال: لم يكن ممن يكذب، وكان من أعلم الناس في وقته. وقال الدُّوري: قلت لابن معين: أريد الخروج إلى البصرة، فعمن أكتب؟ قال: عن الأصمعي، فهو ثقة صدوق. وقال الآجري عن أبي داود: صدوق. وقال الحربي: كان أهل البصرة من أصحاب الأهواء، إلا أربعة، فإنهم كانوا أصحاب سنة: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، والأصمعي. وقال نصر بن علي: سمعت الأصمعي يقول لعفان: اتق الله، ولا تغير حديث رسول الله ﷺ بقولي. قال نصر بن علي: كان الأصمعي يتقي أن يُفَسِّر حديث رسول الله ﷺ ، كما يتقي أن يفسر القرآن. وقال المبرد: كان الأصمعي بحرا في اللغة، وكان دون أبي زيد في النحو. وقال أبو العَيْنَاء: سمعت إسحاق الموصلي يقول: لم أر الأصمعي يدعي شيئا من العلم، فيكون أحد أعلم به منه. وقال الحارث بن أبي أسامة، عن يحيى بن حبيب، عن الأصمعي: بلغتُ ما بلغتُ من العلم، ونِلْتُ ما نلت بالْمُلَح. وقال أبو العيناء: توفي بالبصرة، وأنا حاضر في سنة ثلاث عشرة ومائتين. وقال خليفة: مات سنة (١٥). وقال أبو موسى، والبخاري: مات سنة (١٦). وقال الكديمي سنة (١٧). وقال الخطيب: بلغني أنه عاش (٨٨) سنة. وقال في "التقريب": صدوقٌ سنيّ، من التاسعة. انتهى.

стр. 600

روى له مسلم في مقدمة كتابه، وأبو داود في تفسير أسنان الإبل، والترمذي في تفسير حديث أمّ زرع. ٣ - (ابن أبي الزناد) هو: عبد الرَّحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي مولاهم المدني. روى عن أبيه، وموسى بن عقبة، وهشام بن عروة، وغيرهم. وروى عنه ابن جريج، وزهير بن معاوية، ومعاذ بن معاذ العنبري، والأصمعيّ، وغيرهم. قال مصعب: كان أبو الزناد أحب أهل المدينة، وابنه، وابن ابنه. وقال سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة: قَدِمتُ المدينة، فأتيت مالك بن أنس، فقلت له: إني قَدِمت إليك لأسمع العلم، وأسمع ممن تأمرني به، فقال: عليك بابن أبي الزناد. وقال أبو داود عن ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة عبد الرَّحمن بن أبي الزناد. وقال أبو طالب عن أحمد: يُروَى عنه، قلت: يُحتَمَل؟ قال: نعم. وقال أيضًا فيما حكاه الساجي: أحاديثه صحاح. وقال ابن معين فيما حكاه الساجي: عبد الرَّحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة حجة. وقال الآجري، عن أبي داود: كان عالما بالقرآن، عالما بالأخبار. وقال الترمذي، والعجلي: ثقة. وصحح الترمذي عدةً من أحاديثه. وقال في "اللباس": ثقة حافظ. وقال ابن عديّ: هو ممن يُكتب حديثه. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم. وقال الواقدي: كان نبيلًا في علمه، ووَلِيَ خراج المدينة، فكان يستعين بأهل الخير والورع، وكان كثير الحديث، عالمًا. وقال الشافعي: كان ابن أبي الزناد يكاد يجاوز القصد في ذَمّ مذهب مالك. وقال ابن مُحرز عن يحيى بن معين: ليس ممن يَحتَجّ به أصحاب الحديث، ليس بشيء. وقال معاوية بن صالح وغيره عن ابن معين: ضعيف. وقال الدُّوري عن ابن معين: لا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردي. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث. وقال محمد ابن عثمان عن ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا. وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون. ورأيت عبد الرَّحمن بن مهدي يخط على أحاديثه، وكان يقول: في حديثه عن مشيختهم: فلان وفلان وفلان، قال: ولقنه البغداديون عن فقهائهم. وقال صالح بن محمد: روى عن أبيه أشياء لم يروها غيره، وتكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة -يعني الفقهاء- وقال: أين كنا عن هذا؟ . وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وفي حديثه ضعف، سمعت علي بن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب، وما حدث به بالعراق فهو مضطرب، قال علي: وقد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي، فرأيتها مقاربة. وقال عمرو بن علي: فيه ضعف، فما حدث بالمدينة أصح

стр. 601

مما حَدّث ببغداد كان عبد الرَّحمن يخط على حديثه. وقال في موضع آخر: تركه عبد الرَّحمن. وقال الساجي: فيه ضعف، وما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه، وعن ورقاء، وشعيب، والمغيرة، أيهم أحب إليك في أبي الزناد؟ قال: كلهم أحب إلي من عبد الرَّحمن بن أبي الزناد. وقال النسائي: لا يحتج بحديثه. وقال ابن سعد: قَدِمَ في حاجة، فسمع منه البغداديون، وكان كثير الحديث، وكان يضعف لروايته عن أبيه، وكان يفتي، مات ببغداد سنة أربع وسبعين ومائة، ومولده سنة (١٠٠)، وكذا أرخه أبو موسى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في ابن أبي الزناد أنه ثقة فيما رواه بالمدينة، وأما ما رواه ببغداد، فإنه مضطرب فيه. والله تعالى أعلم. وقال في "التقريب": صدوقٌ تغيّر حفظه لمَّا قَدِمَ بغداد، وكان فقيهًا، من السابعة. انتهى. روى له البخاري في التعاليق، ومسلم في "المقدمة"، والأربعة. ٤ - (أبوه) هو: عبد الله بن ذكوان القرشي، أبو عبد الرَّحمن المدني المعروف بأبي الزناد، مولى رملة، وقيل: عائشة بنت شيبة بن ربيعة، وقيل: مولى عائشة بنت عثمان، وقيل: مولى آل عثمان، وقيل: إن أباه كان أخا أبي لؤلؤة، قاتل عمر، وقال ابن عيينة: كان يغضب من أبي الزناد. روى عن أنس، وعائشة بنت سعد، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، وسعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرَّحمن، وأبان بن عثمان بن عفان، وغيرهم. وروى عنه ابناه: عبد الرَّحمن، وأبو القاسم، وصالح بن كيسان، وابن أبي مليكة، وخلق كثير. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة. وقال حرب عن أحمد: كان سفيان يسميه أمير المؤمنين. قال: وهو فوق العلاء بن عبد الرَّحمن، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن عمرو. وقال أبو زرعة الدمشقي عن أحمد: أبو الزناد أعلم من ربيعة. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة. وقال ابن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم منه، ومن ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وبكير بن الأشج. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، سمع من أنس. وقال أبو حاتم: ثقة فقيه صالح الحديث، صاحب سنة، وهو ممن تقوم به الحجة، إذا روى عن الثقات. وقال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وقال الليث عن عبد ربه بن سعيد: رأيت أبا الزناد دخل مسجد النبي ﷺ ، ومعه من الأتباع مثل ما مع السلطان. وقال النسائي، والعجلي، والساجي، وأبو جعفر الطبري: كان ثقة. وقال ابن حبان في

стр. 602

"الثقات": كان فقيهًا، صاحب كتاب. وقال ابن عديّ: أحاديثه مستقيمة كلها. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: روى عن أنس مرسلًا، وعن ابن عمر، ولم يره. وقال أبو يوسف، عن أبي حنيفة: قدمت المدينة، فأتيت أبا الزناد، ورأيت ربيعة، فإذا الناس على ربيعة، وأبو الزناد أفقه الرجلين، فقلت له: أنت أفقه، والعمل على ربيعة، فقال: ويحك كَفٌّ من حظ، خير من جراب من علم. قال خليفة وغيره: مات سنة ثلاثين ومائة في رمضان، وهو ابن (٦٦) سنة. وكذا قال ابن سعد، وزاد: كان ثقة، كثير الحديث، فصيحًا، بصيرا بالعربية، عالمًا، عاقلا. وقال ابن معين وغيره: مات سنة (٣١). وقيل: مات سنة (٣٢). وقال في "التقريب": ثقةٌ، فقيهٌ، من الخامسة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١١٢) حديثًا. [تنبيه]: "أبو الزناد" لقب بصورة الكنية، اشتهر به عبد الله بن ذكوان، وكان يكرهه، كما تقدّم، وكنيته أبو عبد الرَّحمن. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَن) عبد الرَّحمن (بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن ذكوان، أنه (قَالَ: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ) النبويّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام (مائَةً، كُلُّهُمْ مَأْمُونٌ) أي في دينه، وأمانته (مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ) أي لكونهم غير ضابطين له، كما أشار إليه بقوله: (يُقَالُ: لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ) أفرد اسم "ليس" بتأويله بالراوي: أي ليس الراوي أهلًا لأخذ الحديث منه. قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: يعني أنهم كانوا موثوقًا بهم في دينهم، وأمانتهم، غير أنهم لم يكونوا حُفّاظًا للحديث، ولا مُتقنين لروايته، ولا مُحترزين فيه، فلم تكن لهم أهليّة الأخذ عنهم، وإن كانوا قد تعاطوا الحديث والرواية. انتهى (١). وقال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ليس يشترط في رواية الثقة عندنا، وعند المحقّقين من الفقهاء، والأصوليين، والمحدّثين كون المحدّث من أهل العلم، والفقه، والحفظ، وكثرة الرواية، ومجالسة العلماء، بل يُشترط ضبطه لما رواه، إما من حفظه، أو كتابه، وإن كان قليلًا علمه، إذ عُلِم من إجماع الصدر الأول قبول خبر العدل، وإن كان أُمّيّا، وممن جاء بعدُ قبول الرواية من صاحب الكتاب، وإن لم يحفظه، والرواية عن الثقات، وإن لم يكونوا أهل علم. وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم في أقسام الصحيح المختلف فيه رواية الثقات المعروفين بالسماع، وصحّة الكتاب غير الحفّاظ، ولا

стр. 603

العارفين، قال: كأكثر محدّثي زماننا، قال: فهذا محتجّ به عند أكثر أهل الحديث، قال: وإن لم ير ذلك مالك، ولا أبو حنيفة. قال القاضي: والذي أقول: إن معنى قول أبي الزناد هذا -وقد رُوي نحوه عن مالك وغيره-: أن هؤلاء لم يكونوا أهل ضبط لما رووه، لا من حفظهم، ولا من كتبهم، أو قَصَدوا إيثار أهل العلم، وترجيح الرواية عن أهل الإتقان، والحفظ؛ لكثرتهم حينئذ، والاستغناء بهم عن سواهم، فأما أن لا يُقبل حديثهم فلا، وقد وجدنا هؤلاء رووا عن جماعة ممن لم يشتهر بعلم، ولا إتقان. انتهى كلام القاضي (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول القاضي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: "أو قصدوا إيثار أهل العلم الخ" فيه نظر لا يخفى؛ لأنه بعيد عن معنى كلام أبي الزناد، بل معنى كلامه هو الوجه الأول الذي ذكره القاضي بقوله: "أن هؤلاء لم يكونوا أهل ضبط الخ". والحاصل من مراد ابن أبي الزناد -والله أعلم- أنه كما يُشترط لقبول الرواية كون الراوي عدلًا، يشترط أيضًا كونه ضابطًا، فلا تكفي عدالته، واستقامته، وأمانته لقبول ما يروي، بل لا بُدّ من كونه ضابطًا لما روى، إما ضبط صدرٍ، إن كان يروي من حفظه، أو ضبط كتاب، إن كان يروي من كتابه، وهذا معنى ما تقدّم عن الإمام مالك رَحِمَهُ اللهُ تعالى، حيث عدّ من الأربعة الذين لا يؤخذ عنهم الحديث رجلًا له فضل وعبادة، لكنه لا يعلم ما يُحدّث به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب: ٣١ - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ وحَدَّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: "لَا يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا الثِّقَاتُ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن أبي عمر) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، أبو عبد الله الحافظ، نزيل مكة، نُسِب إلى جده. روى عن أبيه، وابن عيينة، وفضيل بن عياض، وغيرهم. وروى عنه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وروى النسائي عن محمد بن حاتم بن نعيم الأزدي، وهلال بن العلاء، وزكرياء بن يحيى السجزي عنه، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان رجلا صالحًا، وكان به غفلة، ورأيت عنه حديثًا

стр. 604

موضوعًا، حدّث به عن ابن عيينة، وكان صدوقا، قال: وثنا أحمد بن سهل الإسفرائيني، سمعت أحمد، وسئل عمن يُكتَبُ؟ فقال: أما بمكة فابن أبي عمر. وقال الحسن بن أحمد بن الليث الرازي: كان حج سبعا وسبعين حجة. وقال الترمذي في "الصلاة" من "الجامع": سمعت ابن أبي عمر يقول: كان الحميدي أكبر مني بسنة، واختلفتُ إلى ابن عيينة ثماني عشرة سنة، قال: وسمعته يقول: حججت سبعين حجة ماشيًا. وقال مسلمة: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال البخاري: مات في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وقال في "التقريب": صدوقٌ، صنّف "المسند"، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة. وله في "صحيح مسلم" (٢٨٥) حديثًا (١). ٢ - (أبو بكر بن خلاد) هو: محمد بن خلاد بن كثير الباهلي، أبو بكر البصري. روى عن الدراوردي، وعبد الوهاب الثقفي، والوليد بن مسلم، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وروى النسائي عن زكريا السجزي عنه، وأبو حاتم الرازي، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أبو بكر بن خلاد عرفته معرفة قديمة، لقيناه أيام المعتمر بالبصرة وببغداد، وكان ملازما ليحيى بن سعيد. وقال أبو بكر الأعين: سمعت مسددا يقول: أبو بكر بن خلاد ثقة، ولكنه صَلْفٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقة. وقال معاوية بن عبد الكريم الزيادي: أدركت البصرة، والناس يقولون: ما بها أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خلاد، وبعده عباس العنبري. قال ابن أبي عاصم: مات سنة أربعين ومائتين. وقيل: مات سنة (٣٩). وقيل: سنة تسع وأربعين. وقيل: سنة (٥٧). وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة. انتهى. وله في "صحيح مسلم" (١٤) حديثًا. ٣ - (سفيان بن عيينة) تقدّمت ترجمته (٢). ٤ - (مسعر) -بكسر الميم، وسكون السين، وفتح العين- ابن كدام -بكسر أوله،

стр. 605

وتخفيف ثانيه- ابن ظهير بن عبيدة بن الحارث بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالي العامري الرَّوَّاسيّ، أبو سلمة الكوفي، أحد الأعلام. روى عن أبي بكر بن عمارة بن رويبة، وعطاء، وعبد الجبار بن وائل بن حجر، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيمي، وابن إسحاق، وشعبة، والثوري، وغيرهم. قال حفص بن غياث، عن هشام بن عروة: ما قدم علينا من العراق أفضل من أيوب، ومن ذاك الرَّوَّاسي، يعني مسعرًا؛ لأن رأسه كان كبيرًا. وقال ابن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: أيما أثبت هشام الدستوائي، أو مسعر؟ قال: ما رأيت مثل مسعر، كان مسعر من أثبت الناس. وقال عمرو بن علي: سمعت ابن مهدي يقول: حدثنا أبو خَلْدَة، فقال له أحمد بن حنبل: كان ثقة، وكان مؤدبًا، وكان خيارًا، الثقة شعبة، ومسعر. وقال العربي عن الثوري: كنا إذا اختلفنا في شيء سألنا عنه مسعرًا. قال: وقال شعبة: كنا نُسمّي مسعرًا المصحف. وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري: كان يسمى الميزان. وقال أبو زرعة الرازي: سمعت أبا نعيم يقول: كان مسعر شكّاكا في حديثه، وليس يخطىء في شيء من حديثه، إلا في حديث واحد. وقال أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع: شَكُّ مسعر كيقين غيره. وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث، وكان الأعمش يقول: شيطان مسعر يستضعفه، فيشككه في الحديث، وكان يقول الشعر. وقال عبد الجبار بن العلاء عن ابن عيينة: كان من معادن الصدق. وقال أبو طالب عن أحمد: كان ثقة خيارا، حديثه حديث أهل الصدق. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال ابن عمار: مسعر حجة، ومَنْ بالكوفة مثله؟ . وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: ثقة. قال: وسئل أبي عن مسعر وسفيان؟ فقال: مسعر أعلى إسنادًا، وأجود حديثًا، وأتقن، ومسعر أتقن من حماد بن زيد. وقال الآجري عن أبي داود: مسعر أعلى، صاحب شيوخ، روى عن مائة لم يرو عنهم سفيان. وقال محمد بن عمار بن الحارث الرازي: سمعت أبا نعيم يقول: سمعت الثوري يقول: الإيمان يزيد وينقص، ثم قال: أقول بقول سفيان، ولقد مات مسعر، وكان من خيارهم، في شهد سفيان جنازته، يعني من أجل الإرجاء. وقال أبو مسهر: حدثنا الحكم بن هشام، حدثنا مسعر: دعاني أبو جعفر ليوليني، فقلت: إن أهلي يقولون لي. لا نرضى اشتراءك في شيء بدرهمين، وأنت توليني فأعفاني. وقال معن المسعودي: ما رأيت مسعرا في يوم إلا وهو فيه أفضل من اليوم الذي كان بالأمس. وقال شعبة: مسعر في الكوفيين كابن عون في البصريين. وفيه يقول ابن المبارك [من الكامل]: مَنْ كَانَ مُلْتَمِسًا جَلِيسًا صَالِحًا ... فَلْيَأْتِ حَلْقَةَ مِسْعَر ِبْنِ كِدَامِ في أبيات. وقال محمد بن مسعر: كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن.

стр. 606

وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: كان مرجئا ثبتا في الحديث، سمعت ابن قحطبة يقول: سمعت نصر بن علي يقول: سمعت عبد الله بن داود يقول: كان مسعر يسمى المصحف؛ لقلة خطئه وحفظه. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن مسعر، إذا خالفه الثوري؟ فقال: الحكم لمسعر؛ فإنه المصحف. قال عمرو بن علي: مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. وقال أبو نعيم: مات سنة خمس وخمسين. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ فاضلٌ، من السابعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٦) حديثًا. ٥ - (سعد بن إبراهيم) بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق، ويقال: أبو إبراهيم، أمه أم كلثوم بنت سعد، وكان قاضي المدينة، والقاسم بن محمد حيّ. رأى ابن عمر، وروى عن أبيه، وعميه: حميد وأبي سلمة، وابن عم أبيه، طلحة ابن عبد الله بن عوف، وابن عمه عمر بن أبي سلمة، وأخيه المسور، وخاليه: إبراهيم وعامر ابني سعد، وغيرهم. ورَوَى عنه ابنه إبراهيم، وأخوه صالح، وعبد الله بن جعفر المخزومي، وعياض بن عبد الله الفهري، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ثقة، ولي قضاء المدينة، وكان فاضلًا. وقال عبد الله بن شعيب، عن ابن معين: ثقة لا يشك فيه. وقال الدُّوري وغير واحد، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال العجلي، وأبو حاتم، والنسائي. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت ابن المديني، وقيل له: سمع سعد بن إبراهيم من عبد الله بن جعفر؟ قال: ليس فيه سماع، ثم قال عليّ: لم يلق سعد بن إبراهيم أحدًا من الصحابة. وقال أبو حاتم، عن ابن المديني: كان سعد لا يحدث بالمدينة، فلذلك لم يكتب عنه أهل المدينة، ومالك لم يكتب عنه، وإنما سمع منه شعبة، وسفيان بواسط، وابن عيينة سمع منه بمكة. وقال حجاج بن محمد: كان شعبة إذا ذكره قال: حدثني حبيبي سعد. وقال أحمد عن ابن عيينة: لما عُزل سعد عن القضاء، كان يتقي كما كان يتقي وهو قاض. وقال الساجي: ثقة أجمع أهل العلم على صدقه، والرواية عنه إلا مالكًا، وقد روى مالك عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، وصح باتفاقهم أنه حجة، ويقال: إن سعدا وعظ مالكا، فوجد عليه، فلم يرو عنه. حدثني أحمد بن محمد، سمعت أحمد بن حنبل يقول: سعد ثقة، فقيل له: إن مالكا لا يحدث عنه، فقال: مَن يلتفت إلى هذا؟ سعد ثقة، رجل صالح. ثنا أحمد بن محمد، سمعت المعيطي، يقول لابن معين: كان مالك يتكلم في سعد، سيد من سادات قريش، ويروي عن ثور، وداود بن الحصين خارجيين خبيثين. قال الساجي: ومالك

стр. 607

إنما ترك الرواية عنه، فأَما أن يكون يتكلم فيه فلا أحفظه، وقد روى عنه الثقات والأئمة، وكان دَيِّنًا عفيفًا. وقال أحمد بن الْبَرْقِيّ: سألت يحيى عن قول بعض الناس في سعد: إنه كان يرى القدر، وترك مالك الرواية عنه، فقال: لم يكن يرى القدر، وإنما ترك مالك الرواية عنه؛ لأنه تكلم في نسب مالك، فكان مالك لا يروي عنه، وهو ثبت، لا شك فيه. وقال ابن عيينة: قال ابن جريج: أتيت الزهري بكتاب أَعْرِض عليه، فقلت: أعرض عليك؟ فقال: إني وعدت سعدا في ابنه، وسعد سعدٌ، قال ابن جريجٍ: فقلت: ما أَشَدَّ ما تَفْرَق منه. وذكره ابن المديني في الطبقة الثالثة من الرواة عن نافع. وقال يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه: سرد سعد الصوم قبل أن يموت بأربعين سنة. قال إبراهيم ابنه: مات سنة خمس وعشرين ومائة. وقال يعقوب بن إبراهيم: مات سنة (٢٦)، وقال مرّة: سنة (٢٧)، وهو ابن (٧٢) سنة. وقال خليفة وغير واحد: مات سنة (٧). وقال خليفة مرّة: مات سنة (٨). وأرخه ابن سعد، وابن حبان في "الثقات" سنة (٢٧)، وحكى ابن حبان الخلاف في وفاته أيضًا. وقال في "التقريب": ثقة، فاضلٌ، عابدٌ، من الخامسة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ مِسْعَرٍ) بن كِدام، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: لَا يُحَدِّثُ) يحتمل أن تكون "لا" ناهية، والفعل مجزوم، فيكون نهيًا عن التحديث. ويحتمل أن تكون نافية، والفعل مرفوع، فيكون نفيًا للتحديث، لكن النفي هنا معناه النهي: أي لا يجوز أن يُحدّث (عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا الثِّقَاتُ) بالرفع على الفاعلية؛ لأن الاستثناء مفرّغ. والمراد من النهي عن تحديث غير الثقات عدم قبول رواياتهم، فالمعنى: لا يُقبَلُ حديث رسول الله ﷺ إلا من الثقات. وهذا الذي قاله سعد بن إبراهيم رَحِمَهُ اللهُ تعالى نُقل معناه عن غيره أيضًا، فقد نُقل عن عقبة بن نافع أنه قال لبنيه: يا بَنِيّ لا تقبلوا الحديث إلا من ثقة. وقال ابن معين: كان فيما أوصى به صُهيب بنيه أن قال: يا بَنِيّ لا تقبلوا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا من ثقة. وقال ابن عون: لا تأخذوا العلم إلا ممن شُهِد له بالطلب. وقال سليمان بن موسى: لا يؤخذ العلم من صَحَفيّ. وقال أيضًا: قلت لطاوس: إن فلانًا حدّثني بكذا وكذا، فقال: إن كان مثَبَّتًا فخذ عنه. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

стр. 608

قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب: ٣٢ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَانَ ابْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ المُبَارَكِ، يَقُولُ: "الْإسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ"). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) -بضم القاف، وسكون الهاء، ثم زاي- المروزي، أبو جابر. روى عن النضر بن شميل، وجعفر بن عون، وعبد الله بن عثمان عبدان، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو عوانة الإسفرائيني، ومحمد بن علي بن حمزة المروزي، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: كتب إليّ، وإلى أبي زرعة ببعض حديثه، وهو صدوق ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة اثنتين وستين ومائتين. وقال ابن ماكولا: مات محمد بن عبد الله بن قهزاد هذا يوم الأربعاء، لعشر خلون من المحرم، سنة اثنتين وستين ومائتين. وقال في "التقريب": ثقة، من الحادية عشرة. انتهى. تفرّد به مسلم، روى عنه في "صحيحه" ثمانية أحاديث (١)، برقم ٥٨٧ و ١٨١٨ و ٢٣٠٥ و ٣٤٩٥ و ٣٦٦١ و ٤٤٧٢ و ٤٧٦٣ و ٥٢٣٠. [تنبيه]: تقدّم في مقدّمة هذا الشرح في ترجمة الإمام مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه مات عشيّةَ الأحد، لخمس بقين من رجب سنة (٢٦١) فيكون موته متقدّمًا على شيخه هذا بخمسة أشهر ونصف. والله تعالى أعلم. ٢ - (عبدان بن عثمان) هو: عبد الله بن عثمان بن جَبَلَة -بفتح الجيم، والموحّدة- ابن أبي رَوّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- واسمه ميمون، وقيل: أيمن الأزدي العتكي -بفتح المهملة، والمثنّاة- مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المروزي الحافظ، وعبدان لقبه. روى عن أبيه، وأبي حمزة السُّكَّري، ويزيد بن زريع، وابن المبارك، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى له الباقون سوى ابن ماجه بواسطة محمد بن يحيى

стр. 609

اليشكري، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، وأحمد بن عبدة الآملي، وغيرهم. قال أحمد ابن عبدة: تصدق عبدان في حياته بألف ألف درهم، وكتَبَ كُتُبَ ابن المبارك بقلم واحد. وقال أبو رجاء محمد بن حمدويه: رأيته يخضب، وهو ثقة مأمون. وقال الحاكم: كان إمام أهل الحديث ببلده، ولاه عبد الله بن طاهر قضاء الْجُوزجَان، فاحتال حتى اعتفى. وقال ابن عدي في شيوخ البخاري: حدث عن شعبة أحاديث تفرد بها. وقال ابن حبان في "الثقات": قال أحمد بن حنبل: ما بقي الرحلة إلا إلى عبدان بخراسان، مات سنة عشرين، وقد قيل: سنة اثنتين وعشرين. وقال البخاري وغيره: مات سنة إحدى وعشرين ومائتين، زاد غيره: وهو ابن (٧٦) سنة، وفيها أرّخه الحاكم، والْقَرّاب، وزادت في العشر الأواخر من شعبان. وقال الكلاباذي: وُلد سنة (١٤٠) (١). وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ، من العاشرة. انتهى. وله في "صحيح مسلم" أربعة أحاديث برقم ٣٦٦١ و ٤٤٧٢ و ٤٧٧٨ و ٥٢٣٠. واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي التميمي مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المروزي، أحد الأئمة الأعلام. روى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلق كثير. وروى عنه الثوري، ومعمر بن راشد، وأبو إسحاق الفزاري، وجعفر بن سليمان الضبعي، وبقية بن الوليد، وخلق كثير. قال أبو أسامة: ما رأيت أطلب للعلم من عبد الله بن المبارك. وقال عبدان: أول ما خرج سنة إحدى وأربعين. وقال ابن مهدي: الأئمة أربعة: الثوري، ومالك، وحماد ابن زيد، وابن المبارك. وقال العباس بن مصعب: كانت أمه خوارزمية، وأبوه تركيا. وقال ابن مهدي لَمّا سئل عن ابن المبارك وسفيان: لو جهد سفيان جهده على أن يكون يومًا مثل عبد الله لم يقدر. وقال شعيب بن حرب: إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة واحدة مثل ابن المبارك، فما أقدر أن أكون، ولا ثلاثة أيام. وقال شعيب: ما لقي ابن المبارك رجلا إلا وابن المبارك أفضل منه. وقال أحمد: لم يكن في زمانه أطلب للعلم منه، جمع أمرا عظيمًا، ما كان أحد أقلّ سقطا منه، كان رجلا صاحب حديث،

стр. 610

حافظًا، وكان يحدث من كتاب. وقال شعبة: ما قدم علينا مثله. وقال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة، فما رأيت لهم فضلا على ابن المبارك إلا بصحبتهم النبي ﷺ ، وغزوهم معه. وقال أبو حاتم، عن إسحاق بن محمد بن إبراهيم المروزي: نُعِي ابن المبارك إلى سفيان بن عيينة، فقال: لقد كان فقيها عالما عابدا زاهدا سخيّا شجاعا شاعرًا. وقال فضيل بن عياض: أما إنه لم يَخلُف بعده مثله. وقال أبو إسحاق الفزاري: ابن المبارك إمام المسلمين. وقال سلام بن أبي مطيع: ما خَلَّف بالمشرق مثله. وقال القواريري: لم يكن ابن مهدي يُقَدِّم عليه، وعلى مالك في الحديث أحدًا. وقال ابن المثنى: سمعت ابن مهدي يقول: ما رأت عيناي مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثوري، ولا أشد تقشفا من شعبة، ولا أعقل من مالك، ولا أنصح للأمة من ابن المبارك. وقال الحسن بن عيسى: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك، مثل الفضل بن موسى، ومخلد بن حسين، وغيرهما، فقالوا: تعالوا حتى نَعُدّ خصال ابن المبارك من أبواب الخير، فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والشعر، والفصاحة، والزهد، والورع، والإنصاف، وقيام الليل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسية، والشجاعة، والشدة في بدنه، وترك الكلام فيما لا يعنيه، وقلة الخلاف على أصحابه. وقال العباس بن مصعب: جمع الحديث، والفقه، والعربية، والشجاعة، والتجارة، والسخاء، والمحبة عند الْفِرَق. وقال ابن الجنيد عن ابن معين: كان كيسا، متثبتا، ثقة، وكان عالما، صحيح الحديث، وكانت كتبه التي حَدّث بها عشرين ألفا، أو إحدى وعشرين ألفا. وقال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير، إلا وقد جعلها فيه. وقال علي بن الحسين بن شقيق: بلغنا أنه قال للفضيل بن عياض: لولا أنت وأصحابك ما اتجرت، قال: وكان ينفق على الفقراء في كلّ سنة مائة ألف درهم. وقال الحاكم: هو إمام عصره في الآفاق، وأولاهم بذلك علما، وزهدا، وشجاعة، وسخاء. وقد روى عن أبيه، عن عطاء في البيوع. وقيل لابن معين: أيما أثبت عبد الله بن المبارك، أو عبد الرزاق؟ فقال: كان عبد الله خيرا من عبد الرزاق، ومن أهل قريته، عبد الله سيد من سادات المسلمين. وقال ابن جريج: ما رأيت عراقيا أفصح منه. وقال أبو وهب: مَرَّ عبد الله برجل أعمى، فقال: أسألك أن تدعو لي، فدعا، فرد الله عليه بصره، وأنا أنظر. وقال الحسن بن عيسى: كان مجاب الدعوة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، رجل صالح، وكان جامعا للعلم. وقال ابن حبان في "الثقات": كان فيه خصال لم تجتمع في أحد من أهل العلم في زمانه، في الأرض كلها. وقال يحيى بن يحيى الأندلسي: كنا في مجلس مالك، فاستؤذن لابن المبارك، فأذن، فرأينا مالكا

стр. 611

تزحزح له في مجلسه، ثم أقعده بلصقه، ولم أره تزحزح لأحد في مجلسه غيره، فكان القارئ يقرأ على مالك، فربما مَرَّ بشيء، فيسأله مالك ما عندكم في هذا؟ فكان عبد الله يجيبه بالخفاء، ثم قام، فخرج، فأُعجب مالك بأدبه، ثم قال لنا: هذا ابن المبارك فقيه خراسان. وقال الخليلي في "الإرشاد": ابن المبارك الإمام المتفق عليه، له من الكرامات ما لا يحصي، يقال: إنه من الأبدال (١) وقال: كتبت عن ألف شيخ. وحكى الحسن بن عرفة عنه، من دقيق الورع، أنه استعار قلمًا من رجل بالشام، وحمله إلى خراسان ناسيًا، فلما وجده معه بها، رجع إلى الشام حتى أعطاه لصاحبه. وقال الأسود ابن سالم: إذا رأيت الرجل يغمز ابن المبارك، فاتهمه على الإسلام. وقال النسائي: لا نعلم في عصر ابن المبارك أجل من ابن المبارك، ولا أعلى منه، ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه. ومناقبه وفضائله كثيرة جدّا. وقال أحمد بن حنبل وغير واحد: وُلد سنة ثمان عشرة ومائة. وقال ابن سعد: مات بهيت منصرفا من الغزو سنة إحدى وثمانين ومائة، وله ثلاث وستون سنةً، طلب العلم، وروى رواية كثيرةً، وصنف كتبا كثيرة في أبواب العلم، وكان ثقة مأمونا حجة، كثير الحديث. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ فقيهٌ عالم جَوَاد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير، من الثامنة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٤٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. [فائدة]: قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: في هذا السند لطيفة من لطائف الإسناد الغريبة، وهو أنه إسناد خُراسانيّ كله، من شيخنا أبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر إلى آخره، فإني قد قدمت أن الإسناد من شيخنا إلى مسلم خراسانيون، نيسابوريون، وهؤلاء الثلاثة المذكورون، أعني محمدًا، وعبدان، وابن المبارك، خراسانيون، مروزيون، وهذا قَلَّ أن يتفق مثله في هذه الأزمان. انتهى كلام النوويّ (٢). والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن (مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُهْزَاذَ) قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "شرحه": -بقاف مضمومة، ثم هاء ساكنة، ثم زاي، ثم ألف، ثم ذال معجمة- هذا هو الصحيح المشهور المعروف في ضبطه. وحكى صاحب "مطالع الأنوار" عن بعضهم أنه قَيَّده بضم الهاء، وتشديد الزاي، وهو أعجميّ، فلا ينصرف (٣). (مِنْ أَهْلِ مَرْوَ) -بفتح الميم،

стр. 612

وسكون الراء، آخره واو- غير منصرف للعلمية والعجمة، وهي مدينة عظيمة بخراسان، وأمهات مدائن خراسان أربع: نيسابور، ومرو، وبَلْخ، وهَرَاة (١). (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَانَ) -بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة- لقب عبد الله (بْنَ عُثْمَانَ) بن جَبَلة، لُقِّب به؛ لأنه تكرّر في اسمه وكنيته لفظ "عبد"، فاسمه عبد الله، وكنيته أبو عبد الرَّحمن (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ: الْإِسْنَادُ) -بكسر الهمزة-: هو طريق المتن، وقد تقدّم تحقيق معناه، وهل هو والسند واحد، أم بينهما فرقٌ عند قول المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى: "بالأسانيد التي بها نُقلت إلخ"، فراجعه تستفد (مِنَ الدِّينِ) قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أي من أصوله؛ لأنه لَمّا كان مرجع الدين إلى الكتاب والسنّة، والسنّة لا تؤخذ عن كلّ أحد، تعيّن النظر في حال النَّقَلَة، واتّصال روايتهم، ولولا ذلك لاختلط الصادق بالكاذب، والحقّ بالباطل. ولَمّا وجب الفرق بينهما وجب النظر في الأسانيد. وهذا الذي قاله ابن المبارك قد قاله أنس بن مالك، وأبو هريرة، ونافع، مولى ابن عمر، وغيرهم، وهو أمر واضحُ الوجوب، لا يُختَلَف فيه. انتهى (٢). (وَلَوْلَا الْإِسْنَادُ) أي لولا المطالبة بالإسناد ممن حدّث بأيّ حديث (لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ) أي لحدّث من أراد أن يُحدّث الناس بما شاء من الأحاديث الباطلة؛ لعلمه بعدم مطالبته بذكر الإسناد. والمعنى: أنه لَمّا جعل أهل العلم الإسناد للحديث، وطالبوا كلّ من حدّثهم بذكر إسناده قلّ تحديث الناس بالأحاديث الضعيفة والمنكرة، خوفًا من أن يُطالبوا بالإسناد، فيفتضحوا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب: ٣٣ - (وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي رِزْمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ، يَقُولُ: "بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ" -يَعْنى الْإِسْنَادَ-). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن قُهزاذ المذكور في السند الماضي. ٢ - (الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي رِزْمَةَ) -براء مكسورة، ثم زاي ساكنة، ثم ميم، ثم هاء- هكذا وقع، والصواب عبد العزيز بن أبي رِزمة. قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "شرحه" -بعد أن ذكر الضبط المذكور: ما نصّه: ثم إنه

стр. 613

وقع في بعض الأصول: العباس بن رِزْمَة، وفي بعضها: العباس بن أبي رِزْمة، وكلاهما مشكل، ولم يذكر البخاري في "تاريخه"، وجماعة من أصحاب كتب أسماء الرجال: العباس بن رزمة، ولا العباس بن أبي رزمة، وإنما ذكروا عبد العزيز بن أبي رزمة، أبا محمد المروزيّ، سمع عبد الله بن المبارك، ومات في المحرم سنة ست ومائتين، واسم أبي رزمة غزوان. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نقل الحافظ في "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٨٩ كلام النووي هذا، ولم يعلّق عليه، وكذا ذكر في "التقريب" نحوه مختصرًا. وفي "تهذيب التهذيب" ٧/ ٣٠٠: عبد العزيز بن أبي رزمة، واسمه غزوان، اليشكري مولاهم، أبو محمد المروزي. روى عن إسماعيل بن أبي خالد، والمسعودي، والثوري، وشعبة، وابن منيب العتكي، وابن عيينة، وإسرائيل، وابن المبارك، والحمادين، وغيرهم. وعنه ابنه محمد، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، وبشر بن محمد الكندي، وأبو وهب محمد بن مزاحم العامري، ووهب بن زمعة المروزيون، وعبد بن حميد الكشي، وآخرون. قال ابن سعد: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ست ومائتين. وقال محمد بن علي بن حمزة المروزي: خرج إلى الحج سنة (٥٥)، وسمع من مالك بن مِغْوَل، وغيره. قلت: فإن كانت هي أول ما رحل، فلم يدرك إسماعيل. وقال الحاكم: كان من كبار مشايخ المراوزة، وعلمائهم، ومن أخص الناس بابن المبارك. وقال ابن قانع: ثقة. وقال الدارقطني ليس بقوي. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تَبَيَّنَ بهذا أن الصواب إنما هو عبد العزيز بن أبي رِزْمَة. لا العبّاس بن أبي رِزْمة. وقال في "التقريب": عبد العزيز بن أبي رِزْمة -بكسر الراء، وسكون الزاي- اليشكريّ مولاهم، أبو محمد المروزيّ، ثقة من التاسعة، مات سنة ست ومائتين انتهى. والله تعالى أعلم. ٣ - (عبد الله) هو: ابن المبارك المذكور في السند السابق. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن ابن أبي رِزْمة، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ) أي ابن المبارك (يَقُولُ: "بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْم الْقَوَائِمُ") الظرف خبر مقدّم، و"القوائم" مبتدأ مؤخّر. ومراده بالضمير المحدّثون من أَهل السنّة والجماعة، وبالقوم الكذّابون، والوضّاعون من أهل الأهواء. يعني أن الفارق بين المحدّثين أهل الصدق والعدالة، وبين المفترين، أهل الوضع والضلالة ذكر

стр. 614

الإسناد، فخاصيّة المحدثين ذكر الحديث بسنده الصحيح، وسمة أهل الأهواء حشد الروايات بلا إسناد، أو افتعال إسناد يفنّده أولو المعرفة والرشاد. ثم فسّر "القوائم" بقوله: (يَعْنِي الْإِسْنَادَ) وهذا التفسير يحتمل أن يكون من مسلم، أو ممن فوقه. شبّه ابن المبارك رَحِمَهُ اللهُ تعالى الحديث بالحيوان، فكما لا يقوم الحيوان إلا بالقوائم، فكذلك لا يقوم الحديث إلا بالإسناد. وغرضه بهذا التشبيه أنه إن جاء المحدث بإسناد صحيح قَبِلنا حديثه، وإلا تركناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب: ٣٤ - (وقَالَ مُحَمَّدُ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطَّالَقَانِيَّ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ: "إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ، أَنْ تُصَلِّيَ لِأَبَوَيْكَ مَعَ صَلَاتِكَ، وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ"، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، عَمَّنْ هَذَا؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ، فَقَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ: قُلْتُ: عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: ثِقَةٌ، عَمَّنْ؟ قَالَ: قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ: إِنَّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ ، مَفَاوِزَ تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ، وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ اخْتِلَافٌ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (محمد) بن قُهْزَاذ المذكور في السند الماضي. ٢ - (أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى الطّالَقَانيّ) هو: إبراهيم بن إسحاق بن عيسى الْبُنَاني -بضم الموحّدة، ثم نون- مولاهم، أبو إسحاق الطالَقَاني، نزيل مرو، نُسِبَ هنا إلى جده. رَوَى عن ابن المبارك، ومالك، والدراورديّ، والوليد بن مسلم، ومعتمر بن سليمان، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن محمد بن حنبل، ويحيي، وأبو موسي، والحسين بن محمد البلخي، والحسين بن منصور، وإسماعيل سمويه، وعباس الدُّوري، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، وعدة. قال ابن معين: ثقة. وفي موضع آخر: ليس به بأس. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت، يقول بالإرجاء. وقال أبو حاتم: صدوق. قال غنجار في "تاريخه": توفي بمرو سنة (٢١٥). وقال ابن حبان في "الثقات": يُخطئ، ويخالف، مات سنة (١٤). وقال الإدريسي: كان على مظالم سمرقند. وقال إبراهيم بن عبد الرَّحمن الدارمي: روى عن ابن المبارك أحاديث غرائب.

стр. 615

وقال في "التقريب": صدوقٌ يُغرِب، من التاسعة. انتهى. رَوَى له مسلم في "المقدمة"، وأبو داود، والترمذي. [تنبيه]: قوله: "الطَّالَقَانِيَّ " -بفتح الطاء المهملة، وسكون اللام، بعدها قاف مفتوحة، وفي آخرها نون-. هكذا ضبطه السمعانيّ في "الأنساب" (١). وضبطه النوويّ في "شرحه" بفتح اللام، وهو ظاهر عبارة "القاموس"، ونصّه: وطالَقَان كخَابَرَان بلد بين بَلْخَ ومَرْوِ الرُّوذِ، قال: أو كُورة بين قَزْوِين وأَبْهَر. انتهى. ٣ - (عبد الله بن المبارك) المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن محمد بن عبد الله بن قُهزاذ، أنه (قال: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عِيسَى الطالَقَانِيّ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية ابن المبارك (الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ) "الحديث": مبتدأ، حُذف خبره: أي ما حاله؟ أصحيح، فنعمل به، أم ضعيف، فنتركه؟ . (إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْبِرِّ) أي من الخير بعد الخير. والبِرّ -بكسر الموحّدة: الخير والفضل، ويقال: بَرَّ الرجل يَبَرُّ بِرًّا، وزان عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْمًا، فهو بَرٌّ بالفتح، وبارّ أيضًا: أي صادقٌ، أو تَقِيٌّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع الأول أبرار، وجمع الثاني: بررَة، مثلُ كافر وكَفَرَة. ويقال: أيضًا بَرِرْتُ والدي أَبَرُّه بِرّا وبُرُورًا: أحسنت الطاعة إليه، ورَفَقْتُ به، وتحرّيتُ محابّه، وتوقّيتُ مكارهه. أفاده الفيّوميّ (٢). وقوله: "إن من البرّ الخ" بدل من "الحديث". ويحتمل أن يكون مقولًا لقول مقدَّر من الحديث، تقديره: الحديث الذي جاء، مقولًا فيه: "إن من البرّ إلخ". (أَنْ تُصَلِّيَ لِأَبَوَيْكَ مَعَ صَلَاتِكَ) أي بعد صلاتك لنفسك (وَتَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ، قَالَ) إبراهيم ابن عيسى (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) أي ابن المبارك (يَا أبَا إِسْحَاقَ) كنية إبراهيم السائل (عَمَّنْ هَذَا؟ ) أي عن أي شخص رُوي هذا الحديث الذي تسأل عنه (قَالَ) إبراهيم (قُلْتُ لَهُ: هَذَا مِنْ حَدِيثِ شِهَابِ بْنِ خِرَاشٍ) بن حَوشَب بن يزيد بن الحارث الشيبانيّ الْحَوْشَبيّ، أبي الصّلْت الواسطَيّ، ابن أخي العوّام بن حَوْشَب، نزل الكوفة، روى عن أبيه، وعمه، وشعيب بن زريق الطائي، وغيرهم. وروى عنه عبد الرَّحمن بن مهدي، وآدم بن أبي إياس، وأسد بن موسى، وجماعة. قال ابن المبارك هنا، وابن عمار، والمدائني: ثقة. وقال أحمد، وأبو زرعة: لا بأس به. وقال ابن معين، والنسائي: ليس به بأس. وقال ابن معين مرّة: ثقة. وقال العجلي، وأبو زرعة مرّة: كوفي ثقة، نزل الرملة. وقال

стр. 616

أبو حاتم: صدوق لا بأس به. وقال ابن عدي: له أحاديث ليست بالكثيرة، وفي بعض رواياته ما يُنكر عليه، ولا أعرف للمتقدمين فيه كلاما، فأَذكرَه. وقال ابن مهدي: لم أر أحدا أعلم بالسنة من حماد بن زيد، ولم أر أحدا أحسن وَصْفًا لها من شهاب بن خراش. وقال أبو زرعة: كان صاحب سنة. وقال هشام بن عمار: لقيته وأنا شابّ سنة (١٧٤)، وقال لي: إن لم تكن قدريا، ولا مرجئا حدثتك، وإلا لم أحدثك، فقلت: ما فِيّ من هذين شيء. وقال ابن حبان في "الضعفاء" يخطئ كثيرًا، حتى خرج عن الاحتجاج به. تفرّد به أبو داود، أخرج له حديثين فقط، وله ذكر عند المصنّف هنا فقط. وفي "التقريب": صدوق يُخطىء، من السابعة. [تنبيه]: ليس في الرواة من اسمه حِرَاش بالحاء المهملة إلا والد رِبعيّ بن حِرَاش، وحِراش بن مالك، ومن عداهما، فخراش بالخاء المعجمة، كوالد شهاب المذكور هنا، وإلى هذا أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفيّة الأثر"، حيث قال: حِرَاشٌ بنُ مَالِكٍ كَوَالِدِ ... رِبْعِيٍّ اهْمِلْهُ بِغَيْرِ زَائِدِ (فَقَالَ) ابن المبارك (ثِقَةٌ) خبر لمحذوف: أي هو ثقة: يعني أن شهاب بن خراش ثقة (عَمَّنْ؟ ) أي عن أي شخص يرويه شهاب بن خراش؟ : ثقة، أم لا؟ (قَالَ) إبراهيم (قُلْتُ: عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ) الأشجعي، وقيل: السُّلَمِيّ مولاهم الواسطي، رَوَى عن الحكم بن عتيبة، ومنصور، ومعاوية بن قرّة، وغيرهم. وروى عنه إسرائيل، وشعبة، وإسماعيل بن زكريا، وعيسى بن يونس، وشهاب بن خراش، وغيرهم. قال ابن المبارك هنا: ثقة. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: صدوق، ليس به بأس. وقال زهير بن حرب، ويعقوب بن شيبة، والعجلي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح، صدوق، مستقيم الحديث، لا بأس به. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال الترمذي: ثقة، مقارب الحديث. وقال ابن خزيمة: في القلب منه. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أبو داود، وابن عمار: ثقة. وكذا قال ابن المديني. وقال عبدة بن سليمان: ثنا حجاج بن دينار، وكان ثبتًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال في "التقريب" لا بأس به، وله في ذكر في "مقدّمة مسلم"، من السابعة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول أن الأكثرين على توثيق حجاج بن دينار. والله تعالى أعلم. أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي في "اليوم والليلة"، وابن ماجه. وله ذكر عند المصنّف هنا فقط. والله تعالى أعلم.

стр. 617

(قَالَ) ابن المبارك (ثِقَةٌ) أي هو ثقة (عَمَّنْ؟ ) أي عمن رواه حجاج؟ (قَالَ) إبراهيم (قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أي قال حجاج: قال رسول الله ﷺ ، فـ "قال رسول الله" مقول لقال محذوفةً، كما قدّرته. (قَالَ: يَا أبَا إِسْحَاقَ) كنية إبراهيم ابن عيسى السائل (إِنَّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ، وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ ، مَفَاوِزَ) بالنصب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، وخبرها الظرف قبله. وهو: جمع مفازة بفتح الميم فيهما، وهي الأرض الْقَفْرُ البعيدة عن العمارة، وعن الماء التي يُخاف الهلاك فيها. قيل: سُمّيت مفازةً للتفاؤل بسلامة سالكها، كما سَمُّوا اللَّدِيغ سَلِيمًا. وقيل: لأن من قطعها فاز، ونجا. وقيل: لأنها تُهلك صاحبها، يقال: فَوّز الرجل: إذا هلك. وجملة (تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ) في محلّ النصب صفة "مفاوز". و"الأعناق" -بفتح الهمزة-: جمع عُنُق -بضم النون- للإتباع في لغة الحجاز، وبسكونها في لغة تميم، وهو مذكّرٌ، ويؤنّث في لغة الحجاز، فيقال: هي الْعُنُق ومعناه: الرقَبَة. و"المطيّ" بالفتح: جمع مطيّة، ويُجمع أيضًا على مطايا، فَعيلة بمعنى مفعولة، سُمّي المركوب به؛ لأنه يُركب مَطَاه بالفتح وزان العَصَا: أي ظهره. قال في "القاموس": و"المطا": التمطّي، والظهر، جمعه أَمْطاء، و"المطيّة": الدابّة تَمْطُو في سيرها: أي تُسرع، جمعه مَطَايا، ومَطِيٌّ. انتهى. وقال في "المصباح": "الْمَطَا": وزانُ الْعَصَا: الظهر، ومنه قيل للبعير: مطيّة، فَعِيلة بمعنى مفعولة؛ لأنه يُركب مَطَاه، ذكرًا كان أو أنثى، ويُجمع على مَطِيّ، ومطايا. انتهى. قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معنى هذه الحكاية: أنه لا يُقبل الحديث إلا بإسناد صحيح. ثم إن هذه العبارة التي استعملها هنا استعارة حسنة، وذلك لأن الحجاج بن دينار هذا من تابعي التابعين، فأقل ما يُمكن أن يكون بينه وبين النبي ﷺ "اثنان: التابعي، والصحابي، فلهذا قال: "بينهما مفاوز": أي انقطاع كثير. انتهى (١). (وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الصَّدَقَةِ اخْتِلَافٌ) أي إن العلماء لا يختلفون في مشروعيّة التصدّق عن الأبوين؛ لورود النصوص الكثيرة بذلك. قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: معناه أن هذا الحديث لا يحتج به، ولكن من أراد بر والديه، فليتصدق عنهما، فإن الصدقة تَصِل إلى الميت، وينتفع بها بلا خلاف بين

стр. 618

المسلمين، وهذا هو الصواب، وأما ما حكاه أقضى القضاة، أبو الحسن الماورديّ البصري الفقيه الشافعي في كتابه "الحاوي" عن بعض أصحاب الكلام، من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب، فهو مذهب باطل قطعًا، وخطأ بَيّنٌ، مخالف لنصوص الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، فلا التفات إليه، ولا تعريج عليه. وأما الصلاة والصوم، فمذهب الشافعيّ، وجماهير العلماء، أنه لا يصل ثوابها إلى الميت، إلا إذا كان الصوم واجبا على الميت، فقضاه عنه وليه، أو من أذن له الولي، فإن فيه قولين للشافعيّ: أشهرهما عنه، أنه لا يصحّ، وأصحهما عند محققي متأخري أصحابه أنه يصح. قال، وأما قراءة القرآن، فالمشهور من مذهب الشافعيّ، أنه لا يصل ثوابها إلى الميت. وقال بعض أصحابه: يصل ثوابها إلى الميت. وذهب جماعات من العلماء إلى أنه يصل إلى الميت ثواب جميع العبادات، من الصلاة، والصوم، والقراءة، وغير ذلك. وفى "صحيح البخاريّ" في "باب من مات وعليه نذر": أن ابن عمر أمر من ماتت أمها وعليها صلاة، أن تصلي عنها. وحكى صاحب "الحاوي" عن عطاء بن أبي رَبَاح، وإسحاق بن راهويه أنهما قالا بجواز الصلاة عن الميت. وقال (١) الشيخ أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله بن أبي عصرون، من أصحابنا المتأخرين، في كتابه "الانتصار" إلى اختيار هذا. وقال الإمام أبو محمد البغويّ، من أصحابنا، في كتابه "التهذيب": لا يبعد أن يُطعَمَ عن كلّ صلاة مُدّ من طعام، وكل هذه المذاهب ضعيفة. ودليلهم القياس على الدعاء، والصدقة، والحج، فإنها تصل بالإجماع. ودليل الشافعيّ وموافقيه قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وقول النبيّ ﷺ : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له". واختلف أصحاب الشافعيّ في ركعتي الطواف في حج الأجير، هل تقعان عن الأجير، أم عن المستأجر. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما جاء النصّ بمشروعيّته، كالصدقة، والعتق، والحجّ، والصوم، والدعاء فالصواب أنه يصل إلى الميت؛ عملًا بالنصوص الكثيرة الواردة بذلك، وأما ما لم يرد النصّ بمشروعيّته، كقراءة القرآن، فلا ينبغي قياسه على المشروع؛ لعدم ثبوته عن النبي ﷺ ، ولا عن السلف، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، ومع ذلك فلم يُنقل عنهم، فليُتنبّه.

стр. 619

وقد طوّل البحث ابن القيّم، وطوّل نفسه في ذلك، ومال إلى ترجيح القول بوصول جميع أنواع القرب، وذكر أن مذهب أحمد، ومن وافقه أوسع المذاهب، يقولون: يصل إليه ثواب جميع القرب، بدنيّها وماليّها، والجامعُ للأمرين (١). لكن الذي يظهر لي هو ما قدّمته. فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ٦ - (بَابُ الْكَشْفِ عَنْ مَعَايب رُوَاةِ الْحَدِيثِ، وَنَقَلَةِ الْأَخْبَارِ، وَمَا نُقِلَ عَن الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ): قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب: ٣٥ - (وَقَالَ مُحَمَّدٌ، سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ شَقِيقٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ: "دَعُوا حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَسُبُّ السَّلَفَ"). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (محمد) بن عبد الله بن قُهْزَاذ المذكور قريبًا. ٢ - (عليّ بن شَقِيق) هو: علي بن الحسن بن شقيق بن ديناربن مِشْعَب -نُسِب هنا لجدّه- العبدي مولاهم، أبو عبد الرَّحمن المروزي، قَدِمَ شقيق من البصرة إلى خراسان. رَوَى عن الحسين بن واقد، وخارجة بن مصعب، وابن المبارك، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى الباقون له بواسطة ابنه محمد، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، ومحمد بن حاتم بن بزيع، وغيرهم. قال أبو داود عن أحمد: لم يكن به بأس، إلا أنهم تكلموا فيه في الإرجاء، وقد رجع عنه. وقال ابن معين: قيل له في الإرجاء، فقال: لا أجعلكم في حِلّ، ولا أعلم قدم علينا من خراسان أفضل منه، وكان عالما بابن المبارك. وقال الآجري عن أبي داود: وسمع بالكتب من ابن المبارك أربع عشرة مرّة. وقال أبو حاتم: هو أحب إلي من علي بن الحسين بن واقد. وقال أبو عمار الحسين بن حُريث: قلت له: هل سمعت "كتاب الصلاة" من أبي حمزة السُّكَّريّ؟ فقال: نعم سمعت، ولكن نَهق حمار يومًا، فاشتبه علي حديث، فلا أدري أيّ حديث هو؟ فتركت الكتاب كله. وقال العباس بن مصعب: كان جامعًا، وكان من أحفظهم لكتب ابن المبارك في كثير من رجاله، وتوفي سنة خمس عشرة ومائتين. وكذا أرّخ

стр. 620

وفاته غير واحد، زاد أبو رجاء بن حمدويه: ويقال وُلد ليلة قتل أبي مسلم بالمدائن سنة (٣٧). وقال ابن حبان: مات سنة (١١)، وقيل: سنة (٢١٢) وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وروى الحاكم في "تاريخه" عن عبد العزيز بن حاتم: وُلدتُ سنة (١٩٣)، واختلفتُ إلى علي بن الحسن بن شقيق من سنة (١١) إلى سنة (١٥)، وفيها توفي. وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ، من كبار العاشرة. انتهى. ٣ - (عبد الله بن المبارك) المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن محمد بن عبد الله بن قُهْزاذ (سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ شَقِيقٍ) العبديّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ) أي بمرأي، ومسمع من الناس، والمراد أنه أعلن ذلك لهم، ولم يُخفه عنهم (دَعُوا) أمر من وَدَع يَدَع وَدْعًا: إذا تركه، وأصل المضارع الكسر، ولذا حُذفت الواو، ثم فُتح لمكان حرف الحلق. قال بعض المحقّقين: وزعمت النحاة أن العرب أماتت ماضي "يَدَع"، ومصدره، واسم الفاعل. وقد قرأ مجاهد، وعروة، ومقاتل، وابن أبي عَبْلَةَ، ويزيد النحويّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ بالتخفيف، وفي الحديث: "لَيَنْتَهِيَنَّ قوم عن وَدْعِهِم الجمعات": أي عن تركهم، فقد رُويت هذه الكلمة عن أفصح العرب ﷺ ، ونُقلت من طريق القرّاء، فكيف يكون إماتةً. وقد جاء الماضي في بعض الأشعار، وما هذه سبيله، فيجوز القول بقلّة الاستعمال، ولا يجوز القول بالإماتة. قاله الفيّوميّ (١). (حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ) هو: عمرو بن ثابت ابن هُرمُز البكري، أبو محمد، ويقال: أبو ثابت الكوفي، وهو عمرو بن أبي الْمِقْدَام الحداد، مولى بكر بن وائل. قال الحسن بن عيسى: ترك ابن المبارك حديثه. وقال هناد بن السري: لم يُصَلّ عليه ابن المبارك. وقال عمرو بن علي، ومحمد بن المثنى: لم يحدث عنه ابن مهدي. وقال الدُّوري، عن ابن معين: هو غير ثقة. وقال معاوية بن صالح عن يحيى: ضعيف. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وكذا قال أبو حاتم، وزاد: يكتب حديثه، كان رديء الرأي، شديد التشيع. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال الآجري عن أبي داود: رافضي خبيث. وقال في موضع آخر: رجل سوء. قال: لما مات النبي ﷺ كفر الناس، إلا خمسة، وجعل أبو داود يذمه. وقال في "السنن" إثر حديث في الاستحاضة: ورواه عمرو بن ثابت، عن ابن عقيل، وهو رافضي خبيث، وكان رجل سوء، زاد في رواية ابن الأعرابي: ولكنه كان صدوقا في الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال مرّة: ليس بثقة ولا مأمون. وقال ابن حبان:

стр. 621

يروي الموضوعات عن الأثبات. وقال ابن عدي: الضعف على رواياته بَيِّنٌ. وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالمستقيم. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان، يشتم عثمان، ترك ابن المبارك حديثه. وقال الساجيّ: مذموم، وكان ينال من عثمان، ويُقَدّم عليا على الشيخين. وقال العجليّ: شديد التشيع، غالٍ فيه، واهي الحديث. وقال البزار: كان يتشيع، ولم يترك. وقال ابن سعد: كان متشيعا مُفْرِطًا، ليس هو بشيء في الحديث، ومنهم من لا يكتب حديثه؛ لضعفه ورأيه، وتُوُفّي في خلافة هارون. وقال ابن قانع: مات سنة اثنتين وسبعين ومائة. وكذا قال البخاري، عن عباد بن يعقوب. وقال في "التقريب": ضعيفٌ، رُمي بالرفض، من الثامنة. انتهى. روى له أبو داود، وابن ماجه في "التفسير". (فَإِنَّهُ) الفاء للتعليل: أي لأنه (كَانَ يَسُبُّ) بفتح أوله، وضمّ ثانيه، من باب نصر: أي يشتم (السَّلَفَ) -بفتحتين-: هو لغة -كما في "القاموس"- كلّ من تقدّمك من آبائك، وقرابتك. والمراد هنا الصحابة ﵃ وقد سبق في ترجمته آنفًا أنه كان يشتم عثمان ﵁، وأنه قال: لَمّا مات النبيّ ﷺ كفر الناس إلا خمسة. كبُرت كلمة خرجت من فيه، إن يقول إلا كذبًا، وحاشا أصحاب رسول الله ﷺ أن يرتدّوا بعد نبيّهم ﷺ إلا خمسة، فإنهم أكرم على الله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٣٦ - (وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ ابْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ، صَاحِبُ بُهَيَّةَ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَقَالَ يَحْيَى لِلْقَاسِمٍ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ عَظِيمٌ، أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ، مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ، فَلَا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ وَلَا فَرَجٌ، أَوْ عِلْمٌ وَلَا مَخْرَجٌ، فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: وَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَي هُدًى، ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، قَالَ: يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ: أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ، أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ أَخُذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَالَ: فَسَكَتَ، فَمَا أَجَابَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ) هاشم بن القاسم البغدادي، وأكثر ما ينسب إلى جده. قال أبو يعلى والسراج: سألته عن اسمه؟ فقال: اسمي وكنيتي أبو بكر. وقال عبد الله بن الدَّوْرَقِيّ: اسمه أحمد. وقال غيره: اسمه محمد. رَوَى عن جده، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وحجاج بن محمد، وغيرهم.

стр. 622

وروى عنه مسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو قدامة عبيد الله بن سعيد السرخسي، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو بكر بن مردويه في "كتاب أولاد المحدثين": بغدادي ثقة. وقال السراج والبغوي: مات سنة خمس وأربعين ومائتين. وقال في "التقريب": ثقة، من الحادية عشرة. انتهى. وله في "صحيح مسلم" (١٢) حديثًا. ٢ - (أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم بن مقسم الليثيّ، أبو النضر البغدادي الحافظ، خراساني الأصل، ولقبه قيصر. روى عن عكرمة بن عمار، وحريز بن عثمان، وورقاء بن عُمر، وسمع من شعبة جميع ما أملى ببغداد، وهو أربعة آلاف حديث، وعبد الرَّحمن بن ثوبان، وخلق كثير. وروى عنه ابنه، أو حفيده أبو بكر بن أبي النضر، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، ويحيى ابن معين، وغيرهم. قال الحارث بن أبي أسامة: كان أحمد بن حنبل يقول: أبو النضر شيخنا من الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر. وقال أبو بكر بن أبي عتاب، عن أحمد بن حنبل: أبو النضر من مُتَثَبِّتي بغداد. وقال مهنا عن أحمد: أبو النضر أثبت من شاذان. وحكى أحمد بن منصور الرَّمَادي عن أحمد بن حنبل: ترجيحه على وهب بن جرير. وقال ابن معين، وابن المديني، وابن سعد، وأبو حاتم: ثقة. وقال العجلي: بغداديّ، صاحب سنة، وكان أهل بغداد يفخرون به. وقال ابن قانع: ثقة. وقال ابن عبد البر: اتفقوا على أنه صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وقال الحاكم: حافظ ثبت في الحديث. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قال أبو النضر: وُلدت سنة أربع وثلاثين ومائة. وقال ابن حبان: مات في ذي القعدة سنة خمس أو سبع ومائتين. وقال الحارث، ومُطَيَّن: مات سنة سبع. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، من التاسعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣١) حديثًا. ٣ - (أَبُو عَقِيلٍ) -بفتح العين المهملة، وكسر القاف، مكبِّرًا- هو: يحيى بن المتوكل الْعُمَريّ مولاهم، المدنيّ، ويقال: الكوفي الحذاء الضرير. روى عن أبيه، وأمه أم يحيي، وبُهَيّة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والقاسم بن عبيد الله بن عمر، ويقال: إنه مولاه، وعبيد الله بن عمر الْعُمَريّ، وغيرهم. وروى عنه

стр. 623

إسحاق بن المنذر، وأسد بن موسى، وإسماعيل بن إبراهيم التيميّ، وأمية بن بِسطام، وغيره. قال سفيان بن عبد الملك: أبو عقيل المحجوب، يحيى بن المتوكل، صاحب بُهية، ضعيف. وقال أبو طالب عن أحمد: روى عن قوم لا أعرفهم، ولم يحمل عنهم. وقال حرب: قلت لأبي عبد الله: كيف حديثه؟ فكأنه ضعفه. وقال أحمد بن أبي يحيى: أحاديثه عن بُهَيّة منكرة، وما روى عنها إلا هو، وهو واهي الحديث. وعن يحيى بن معين: ضعيف. وكذا قال يزيد بن الهيثم الْبَادَا عن يحيى. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس حديثه بشيء. وقال الغلابي عن ابن معين: منكر الحديث، مات بمدينة أبي جعفر. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس. وقال عثمان: هو ضعيف. وقال عبد الله بن علي بن المديني: سألت أبي عنه؟ فضعفه. وقال ابن أبي شيبة، عن ابن المديني: ذاك عندنا ضعيف. وقال ابن عمار: أبو عقيل، وبُهَية ليس هؤلاء بحجة. وقال عمر بن علي: فيه ضعف شديد. وقال يعقوب الْجُوزجاني: أحاديثه منكرة. وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، يُكتب حديثه. وقال النسائي: ضعيف. وقال الساجي: منكر الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ضعيف. وقال ابن حبان: ينفرد بأشياء ليس لها أصول، لا يَرتاب الْمُمْعِن في الصناعة أنها معمولة. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة. قال ابن قانع: مات سنة سبع وستين ومائة. وفي "التقريب": ضعيف، من الثامنة. انتهى. أخرج له مسلم هنا في "المقدّمة"، وأبو داود. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم لأبي عَقِيل، صاحب بُهَيّة، مع أنه متّفق على ضعفه؟ : [قلت]: أجاب النوويّ رَحِمَهُ اللهَ تعالى عن هذا بجوابين: أحدهما: أنه لم يثبت جرحه عنده، مفسّرًا، ولا يُقبل الجرح إلا مفسّرًا. والثاني: أنه لم يذكره أصلًا، ومقصودًا، بل ذكره استشهادًا لما قبله. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب الثاني أقرب، وأما الأول، ففيه أن اتفاقهم على جرحه يكفي في طرحه، وإن لم يكن مفسّرًا، على أن جرح بعضهم مفسّر، كابن حبّان، وابن عديّ، والساجيّ. فتفطّن. والحاصل أن الأولى أن يجاب بأن مسلمًا إنما أتى به استشهادًا لما سبق له من نقل كلام السلف في عدم جواز الأخذ عن غير ثقة. ومن الجواب أيضًا أن يقال: إن مسلمًا لم يلتزم في "المقدّمة" شروط "صحيحه"، فقد سبق أنه استدلّ بحديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "أُمرنا أن ننزّل الناس منازلهم"، مع أنه

стр. 624

منقطع على الصحيح، فإن ميمون بن أبي شَبِيب لم يدرك عائشة ﵂، ومما يؤيّد ذلك أن أصحاب كتب الرجال، مثل "تهذيب الكمال"، و"تهذيب التهذيب"، و"التقريب"، وغيرها وضعوا رمزا لرجال مقدّمته غير رمز رجال "صحيحه"، فجعلوا رمز رجال "الصحيح" (م) ورمز رجال المقدّمة (مق)، فهذا يدلّ على أن الرجال الذين أخرج لهم في المقدّمة ليسوا كرجال "صحيحه"، فليتنبّه. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن أبي بكر بن النضر، أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) برفع "هاشم" بدلًا من "أبو النضر"، قال (حَدَّثَنَا أبو عَقِيل) بفتح العين المهملة، وكسر القاف، يحيى بن المتوكّل، وقوله (صاحِبُ بُهَيَّةَ) -بضمّ الباء الموحدة، وفتح الهاء، وتشديد الياء، مُصغّرًا-: هي امرأة تروي عن عائشة أم المؤمنين ﵂، قيل: إنها سمّتها بُهَيّة. ذكره أبو عليّ الغسّانيّ في "تقييد المهمل"، وروى عن بُهيّة مولاها أبو عَقِيل المذكور، ولذلك عُرف بها، فقيل له: صاحب بُهيّة. (١). وقال في "تهذيب التهذيب": بهيّة مولاة أبي بكر، عن عائشة أم المؤمنين في "الاستحاضة"، وعنها أبو عَقِيل يحيى بن المتوكّل. قال ابن عمّار: ليست بحجة. انتهى (٢). وفي "التقريب": "بُهيّة" بالتصغير، مولاة عائشة، وعنها أبو عَقِيل، لا تُعرف، من "الثالثة". انتهى. وأخرج حديثها أبو داود في "سننه"، فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عقيل، عن بُهَيّة، قالت: سمعت امرأة تسأل عائشة، عن امرأة فسد حيضها، وأُهريقت دمًا، فأمرني رسول الله ﷺ أن آمرها، فلتنظر قدر ما كانت تحيض في كلّ شهر، وحيضها مستقيم، فلتعتدّ بقدر ذلك من الأيام، ثم لتدع الصلاة فيهنّ، أو بقدرهنّ، ثم لتغتسل، تم لْتَسْتَثْفِر بثوب، ثم لتصل (٣). (قَالَ) أبو عَقِيل (كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبي محمد المدني، روى عن أبيه، وعمه سالم، وروى عنه عمر، وعاصم ابنا محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وأبو عَقِيل، يحيى بن المتوكل. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال روى عن جده عبد الله، وروى عنه الزهري. وقال ابن سعد: أمه أم عبد الله بن عمر بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، تُوُفّي في خلافة مروان بن محمد، وكان قليل الحديث.

стр. 625

وقال في "التقريب": ثقة (١)، من السادسة، مات في حدود الثلاثين. أي بعد المائة. أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم، والنسائي، وله عندهما حديث واحد برقم ٣٧٦٥ حديث: "لا يأكلنّ أحدكم بشماله، ولا يشربنّ بها، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها". (وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث بن زيد بن ثَعْلَبة بن غَنْم بن مالك بن النجار، ويقال: يحيى بن سعيد بن قيس بن قَهْد، ولا يصح -قاله البخاري- الأنصاري النجاريّ، أبو سعيد المدني القاضي، روى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، ومحمد بن أبي إمامة بن سهل بن حُنيف، وغيرهم. وروى عنه الزهري، ويزيد بن الهاد، وابن عجلان، ومالك، وخلق كثير. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، حجةً، ثبتًا. وقال جرير بن عبد الحميد: لم أر أنبل منه. وقال حماد بن زيد: قدم أيوب من المدينة، فقال: ما تركت بها أحدا أفقه من يحيى بن سعيد. وقال سعيد بن عبد الرَّحمن الْجُمَحِيّ: ما رأيت أقرب شبها بالزهري من يحيى بن سعيد، ولولاهما لذهب كثير من السنن. وقال ابن المديني: لم يكن بالمدينة بعد كبار التابعين أعلم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد، وبكير ابن الأشج، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: يحيى بن سعيد يوازي الزهري. وقال الثوري: كان أجلّ عند أهل المدينة من الزهري. وقال الليث: لم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه. وقال أيضًا: كنت عند ربيعة، فجاء رجل فسأله، فقال له: هذا يحيى ابن سعيد دونك واسأله. وقال أيضًا عن عبيد الله بن عمر: كان يحيى بن سعيد، يحدثنا فَيَسُحُّ علينا مثل اللؤلؤ. وعَدّه الثوري في الحفاظ، وابن عيينة في محدثي الحجاز الذين يجيئون بالحديث على وجهه، وابن المديني في أصحاب صحة الحديث وثقاته، ممن ليس في النفس من حديثهم شيء، وابن عمار في موازين أصحاب الحديث. وقال عبد الرَّحمن بن مهدي: حدثني وهيب، وكان من أبصر أصحابه في الحديث والرجال، أنه قَدِم المدينة، قال: فلم أر أحدًا إلا وأنت تَعْرِف وتُنكِر غير مالك، ويحيى بن سعيد. وقال حماد بن زيد: قيل لهشام بن عروة: سمعت أباك يقول كذا وكذا؟ فقال: لا ولكن حدثني العدل الرِّضَى الأمين، عَدْلُ نفسي عندي، يحيى بن سعيد. وقال عبد الله بن بشر الطالقاني عن أحمد: يحيى بن سعيد أثبت الناس. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، له

стр. 626

فقه، وكان رجلا صالحًا، وكان قاضيا على الْحِيرَة، وثَمَّ لقيه يزيد بن هارون. وقال عثمان الدارميّ: قلت ليحيى. فالزهري في سعيد بن المسيب أحب إليك، أو قتادة؟ قال: كلاهما، قلت: فهما أحب إليك، أو يحيى بن سعيد؟ قال: كلّ ثقة. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال في موضع آخر: ثقة ثبت. وقال أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقة. وقال أحمد بن سعيد الدارمي: سمعت أصحابنا يحكون عن مالك قال: ما خرج منا أحد إلى العراق إلا تغير، غير يحيى بن سعيد. قال ابن سعد وغير واحد: مات سنة ثلاث. وقال يزيد بن هارون، وعمرو بن علي: مات سنة أربع وأربعين ومائة. وقيل: مات سنة ست وأربعين. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٧٦) حديثًا. (فَقَالَ يَحْيَى) بن سعيد (لِلْقَاسِمِ) بن عبيد الله (يَا أَبَا مُحَمَّدٍ) كنية القاسم (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره جملة بعده، وهي هنا قوله (قَبِيحٌ) خبر مقدّم لقوله: "أن تُسال إلخ" (عَلَى مِثْلِكَ عَظِيمٌ) صفة "قبيح"، (أَنْ) بفتح الهمزة، مصدريّة (تُسْأَلَ) بالبناء للمفعول (عَنْ شَيءٍ، مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ) أي من أحكامه (فَلَا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ) أي من أمر الدين بمعنى أحكامه (عِلْمٌ) أي معرفة وجه الصواب (وَلَا فَرَجٌ) بفتحتين: أي تفريج لهمّ السائل بالجواب (أَوْ) للشكّ من الراوي (عِلْمٌ وَلَا مَخْرَجٌ) أي طريق خروج من مضيق حكم المسؤول عنه (فَقَالَ لَهُ) أي ليحيى بن سعيد (الْقَاسِمُ) ابن عبيد الله (وَعَمَّ ذَاكَ؟ ) أي عن أيّ شيء صدر استقباحك المذكور؟ فـ "عن" حرف جرّ، و"ما" استفهاميّة، حُذفت ألفها؛ لدخول حرف الجرّ عليها، كما قال في "الخلاصة": و"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ ... أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ وحاصل ما أشار إليه القاسم رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه يقول ليحيى: إن عدم وجود الجواب عن المسألة لا يُستغرب عادةً، فإن قول العالم لما لا يعلمه: لا أدري زينٌ، لا شينٌ، فكيف تقول: إنه قبيح على مثلك الخ، وما وجه استقباحك؟ ، فأجابه يحيى رَحِمَهُ اللهُ تعالى بقوله: "لأنك ابن إمامي هدى إلخ". (قَالَ) يحيى (لأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَي هُدًى) أي إنما قلت ما قلت؛ لأنك من بيت العلم، فمن كان مثلك لا بدّ أن يعتني بالعلم، حتى يتبحّر، فمن أتاه سائلًا وجد عنده جوابًا حافلًا. وقوله (ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) بالرفع بدلٌ مما قبله: أي لأنك حفيد أبي بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب ﵄، وذلك لما تقدّم من أن القاسم هذا: بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وأمه هي أم عبد الله بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق ﵁، فأبو بكر ﵁ جدّه الأعلى لأمه، وعمر ﵁-

стр. 627

جدّه الأعلى لأبيه. والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو عَقِيل، صاحب بُهيّة (يَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ) أي قاله له، وإنما عبّر بالمضارع؛ لحكاية الحال الماضية (أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ) أي من عدم وجود علم، ولا فرج، أو علم ولا مخرج (عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ) من باب ضرب، وفي لغة من باب تَعِبَ: أي فهم، وتدبّر عن الله تعالى وعيدَهُ لمن قال بغير علم، فقد توعّد الله تعالى له في كتابه، فقال : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. وقوله: (أَنْ أَقُولَ بغَيْرِ عِلْمٍ) "أن" مصدريّة، وهو في تأويل المصدر مبتدأ مؤخّر، خبره قوله: "أقبح"، والَظرف متعلّق به. (أَوْ آخُذَ) أي العلم (عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ) هذا محلّ الشاهد للباب من كلام القاسم، حيث إنه يرى أن لا يؤخذ عن غير ثقة، بل سوّى بينه وبين القول بلا علم. وحاصل ما أجاب به القاسم رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن جوابه للمسائل التي يسأل عنها بلا علم، أو بما أخذه عن غير ثقة أشدّ قُبْحًا من قوله: لا أدري، مع كونه من بيت علم وفقه. والله تعالى أعلم. (قَالَ) أبو عَقِيل (فَسَكَتَ، فَمَا أَجَابَهُ) أي سكت يحيى بن سعيد عن مناقشة القاسم؛ لكونه حجّه، وغلبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٣٧ - (وحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ الْحَكَمٍ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَخْبَرُونِي عَنْ أَبِي عَقِيلٍ، صَاحِبِ بُهَيّةَ، أَنَّ ابْنًا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، سَأَلُوِهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ عِلْمٌ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَاللهِ إِنِّي لَأُعْظِمُ أَنْ يَكُون مِثْلُكَ، وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَيِ الْهُدَى، يَعْنِي عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ، تُسْأَلُ عَنْ أَمْرٍ لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ، فَقَالَ: أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهِ عِنْدَ اللهِ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ، أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ أُخْبِرَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَالَ: وَشَهِدَهُمَا أَبُو عَقِيلٍ يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ حِينَ قَالَا ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (بِشْرُ -بكسر، فسكون- ابْنُ الْحَكَمِ -بفتحتين- الْعَبْدِيُّ) هو: بشر بن الحكم ابن حبيب بن مِهْران الْعَبْديّ، أبو عبد الرَّحمن النيسابوري الفقيه الزاهد، روى عن مالك، وابن عيينة، وشريك، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم، والنسائي،

стр. 628

وإسحاق بن راهويه، والدارمي، والذهلي، وغيرهم. قال ابن عمه أبو أحمد الفراء: بشر عندي ثقة، صدوق، ضَيَّعَ نفسه. وقال أحمد بن سيار في "تاريخ مرو": رَوَى عن ابن عيينة، فأكثر، ورحل في الحديث، وجالس الناس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (٢٣٨). وقال زكريا بن دلُّويه: سنة (٣٧). وفي "التقريب": ثقة زاهدٌ، فقيهٌ، من العاشرة. انتهى. وله في "صحيح مسلم" ستة أحاديث، برقم ٤٩ و ٢٧٦ و ٣٥١ و ١٣١٩ و ٢٩٠٩ و ٣١٩٢. [تنبيه]: قوله: "الْعَبْديّ" -بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة-: قال السمعانيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هذه النسبة إلى عبد القيس في ربيعة بن نِزار، وهو عبد القيس بن أفصَى بن دُعْميّ بن جَدِيلَة بن أسد بن ربيعة بن نِزَار، والمنتسب إليه مُخيّر بين أن يقول: "عبديّ "، أو "عَبْقَسيّ". انتهى. والله تعالى أعلم. ٢ - (سفيان بن عيينة) الإمام الحجة المشهور، تقدّمت ترجمته (١). ٣ - (أبو عَقِيل) المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن بشر بن الحكم، أنه (قال: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَخْبَرُونِي) قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "شرحه": قد يقال: هذه رواية عن مجهولين، وجوابه ما تقدّم أن هذا ذكره متابعةً واستشهادًا، والمتابعة والاستشهاد يَذكرون فيهما من لا يُحتجّ به على انفراده، لأن الاعتماد على ما قبلهما، لا عليهما. انتهى (٢). (عَنْ أَبِي عَقِيلٍ، صَاحِب بُهَيَّةَ، أَنَّ ابْنًا) وقع في بعض النسخ "أن أبناءً" بلفظ جمع "ابن"، وهو غلطٌ؛ والصوابَ بلفظ الإفراد؛ لأن المراد هنا هو القاسم المذكور في الرواية السابقة، فتنبّه. والله تعالى أعلم. (لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) فيه تجوّز؛ لأن القاسم ليس ابنه من صلبه، وإنما هو ابن ابنه عبيد الله، كما بيّنّاه في الرواية السابقة (سَأَلُوهُ) أي القوم الحاضرون عنده (عَنْ شَيْءٍ) من أحكام الدين (لم يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهِ) أي في ذلك الشيء (عِلْمٌ) أي معرفة وفهم بجوابه (فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ المترجم في السند الماضىِ (وَاللهِ إِنِّيِ لَأُعْظِمُ) اللام لام الابتداء، و"أُعظم" بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإعظام (أَنْ يَكُون مِثْلُكَ، وَأَنْتَ ابْنُ إِمَامَي الْهُدَى) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال: أي حال كونك ابن إمامي الهدى، وَ"الهدى" بضم، ففتح، مقصورًا-: البيان والإرشاد، وإضافة "إمامي" إليه

стр. 629

بمعنى اللام. ثم بيّن المراد بالإمامين بقوله (يَعْنِي عُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ) والعناية من ابن عيينة، أو من تلميذه بشر. ثم إنه لا تخالف بين هذا، وبين ما تقدّم في الرواية السابقة، من قوله: "ابن أبي بكر وعمر"؛ لأن ابن عمر جدّه الحقيقيّ لأبيه، وعمر جدّه الأعلي، كما أن أبا بكر ﵁ جدّه الأعلى لأمه، فنسبته إلى الثلاثة صحيح. فتنبّه. والله تعالى أعلم. وقوله: (تُسْأَلُ) بالبناء للمفعول، في محلّ نصب خبر "يكون" (عَنْ أَمْرٍ) متعلّق بـ "تسأل" وقوله: (لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ) في محلّ جرّ صفة "أمرٍ". والمعنى: تسأل عن أمر من أمور الدين، لا يجد السائل منك حلّ مشكلته، وإزالة مُعضلته. (فَقَالَ) أي ذلك الابن، وهو القاسم (أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهِ عِنْدَ اللهِ، وَعِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنِ اللهِ) أي عند العالمين بوعيد الله ووعده. فقوله: "أعظم" خبر مقدّم لقوله: (أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ أُخْبِرَ) بالبناء للفاعل: أي أحدّث ناقلًا (عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَالَ) يحتمل أن يكون القائل ابن عيينة أخذًا من الذين أخبروه، ويحتمل أن يكون أحد المخبرين له. (وَشَهِدَهُمَا) أي ابنَ عبد الله بن عمر، ويحيى بنَ سعيد (أَبُو عَقِيلٍ) فاعل "شهد"، والجملة مقول القول (يَحْيَى بْنُ الْمُتَوَكِّلِ) بالرفع على البدلية مما قبله (حِينَ قَالَا ذَلِكَ) متعلّق بـ "شهد": أي حضرهما وقت قولهما المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٣٨ - (وحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو حَفْصٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكًا، وَابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنِ الرَّجُلِ لَا يَكُونُ ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ، فَيَأْتِينِي الرَّجُلُ، فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ؟ ، قَالُوا: أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ). رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو حَفْصٍ) هو: عمرو بن علي بن بَحْر بن كَنِيز -بفتح الكاف، وكسر النون- الباهلي، أبو حفص البصري الصيرفي الفلاس. رَوَى عن عبد الوهاب الثقفي، ويزيد بن زريع، ويحيى بن سعيد القطان، وخالد ابن الحارث، وخلق كثير. ورَوَى عنه الجماعة، وروى النسائي، عن زكريا السجزي عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وخلق كثير. قال أبو حاتم: كان أرشق من علي بن المديني، وهو بصري صدوق. وقال أيضًا: سمعت العنبري يقول: ما تعلمت الحديث إلا من عمرو بن علي. وقال حجاج ابن الشاعر: عمرو بن علي لا يبالي أحدّث من حفظه، أو من كتابه. وقال النسائي:

стр. 630

ثقة صاحب حديث حافظ. وقال أبو زرعة: كان من فرسان الحديث. وفي الترمذي: سمعت أبا زرعة يقول: روى عفّان عن عمرو بن علي حديثًا. وقال الدارقطني: كان من الحفاظ، وبعض أصحاب الحديث يفضلونه على ابن المديني، ويتعصبون له، وقد صنف "المسند"، و"العلل"، و"التاريخ"، وهو إمام متقن. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحسين بن إسماعيل المحاملي: ثنا أبو حفص الفلاس، وكان من نُبَلاء المحدثين. وقال عبد الله بن علي بن المديني: سألت أبي عنه؟ فقال: قد كان يطلب، قلت: قد روى عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن: "الشفعة لا تورث"، فقال: ليس هذا في كتاب عبد الأعلى. قال الحاكم: وقد كان عمرو بن علي أيضًا يقول في علي بن المديني، وقد أجلّ الله تعالى محلهما جميعًا عن ذلك، يعني أن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضًا، إذا كان غير مفسر لا يَقْدَح. وقال إبراهيم بن أورمة الأصبهاني: حَدّث عمرو بن علي بحديث عن يحيى القطان، فبلغه أن بندارًا قال: ما نَعرِف هذا من حديث يحيي، فقال أبو حفص: وبلغ بندار إلى أن يقول: ما نعرف؟ . قال إبراهيم: وصدق أبو حفص، بُندار رجل صاحب كتاب، وأما أن يأخذ على أبي حفص فلا. وقال صالح جَزَرَة: ما رأيت في المحدثين بالبصرة أكيس من خياط، ومن أبي حفص الفلاس، وكانا جميعا مُتَّهَمين، وما رأيت بالبصرة مثل ابن عرعرة، وكان أبو حفص أرجح عندي منهما. وقال ابن إشكاب: كان عمرو بن علي يحسن كلّ شيء. وقال العباس العنبري: حَدَّث يحيى بن سعيد القطان بحديث، فأخطأ فيه، فلما كان من الغد اجتمع أصحابه حوله، وفيهم ابن المديني، وأشباهه، فقال لعمرو بن علي من بينهم: أُخطئ في حديث، وأنت حاضر، فلا تنكر. وقال مسلمة بن قاسم: ثقة حافظ، وقد تكلم فيه علي بن المديني، وطعن في روايته عن يزيد بن زريع. انتهى. قال الحافظ: وإنما طعن في روايته عن يزيد؛ لأنه استصغره فيه. وقال أبو الشيخ الأصبهاني: قدم أصبهان سنة (١٦)، وسنة (٢٤)، وسنة (٣٦). وحكى ابن مُكْرَم بالبصرة قال: ما قَدِم علينا بعد علي بن المديني مثل عمرو بن علي، مات بالعسكر في آخر ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين. وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من العاشرة. وله في "صحيح مسلم" عشرة أحاديث (١).

стр. 631

٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الإمام الحجة، تقدّمت ترجمته (١). والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن عمرو بن عليّ، أنه (قال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) القطّان (قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَشُعْبَةَ) بن الحجاج (وَمَالِكًا) إمام دار الهجرة (وَ) سفيان (بْنَ عُيَيْنَةَ) كلهم تقدّمت تراجمهم، فأما الثوريّ، فتقدّم في ١/ ١، وأما الباقون فتقدموا عند قول المصنّف: "ممن ذمّ الرواية عنهم أئمة الحديث، مثل مالك بن أنس الخ" (عَنِ الرَّجُلِ) متعلّق بـ "سألت". وقوله: (لَا يَكُونُ ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الرجل، ويحتمل أن تكون في محلّ جرّ صفة له؛ بناء على القاعدة من أن المعرّف بـ "أل" الجنسيّة في قوة النكرة، كما في قول الشاعر [من الكامل]: وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي و"الثبْتُ" -بفتح الثاء المثلّثة، وسكون الباء-: المُتَثَبِّتُ في أموره، بمعنى ضابطٍ عدلٍ، قال في "المصباح": رجل ثَبْتٌ ساكن الباء: مُتثَبّتٌ في أموره، وثَبْتُ الْجَنَان: أي ثابت القلب، وثَبُتَ في الحرب، فهو ثَبِيتٌ، مثالُ قَرُبَ فهو قَرِيبٌ، والاسم ثَبَتٌ -بفتحتين- ومنه قيل للحجّة ثَبَتٌ. ورجلٌ ثَبَتٌ بفتحتين أيضًا: إذا كان عَدْلًا ضَابِطًا، والجمعُ أَثْبَاتٌ، مثلُ سَبَبٍ وأَسْبَابٍ. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتحصّل مما ذُكر أن "ثَبتًا" في كلام يحيى القطّان يجوز أن يكون ساكن الباء، ومفتوحها، ومعناه: عدلٌ ضابطٌ. والله تعالى أعلم. (فَيَأْتِينِي الرَّجُلُ) "ال" فيه للجنس: أي يأتيني شخص من الأشخاص (فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ؟ ) أي عن ذلك الرجل الذي ليس بثبت، هل هو ثقة، أم لا؟ ، فهل أستر عليه؛ لئلا يكون غيبة له، أم أخبر أنه غير ثقة؛ نصيحةً للسائل؟ (قَالُوا: أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ) هذا يدلّ أن هؤلاء الأئمة يرون وجوب جرح المجروح، قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وليس من باب الغيبة والأذى؛ إذ دعت إلى هذا الضرورة؛ لحياطة الشريعة، وحماية الملّة، ونصيحة الدين، كما نُجيز تجريح الشهود لمراعاة إقامة الحقوق، ودفع الشبهات. وأما تعيين سبب الجرح في الخبر والشهادة، فقد اختلف فيه العلماء من الفقهاء والأصوليين، فأوجبه بعضهم مطلقًا، وهو اختيار الشافعيّ، وبعض أئمتنا، ولم يوجبه آخرون، وهو اختيار القاضي أبي بكر، وجماعة غيره من أئمتنا، ورأوا قبول الجرح مطلقًا، دون ذكر السبب، وذهب بعضهم إلى أن الْمُجَرِّح إذا كان عالمًا بصيرًا

стр. 632

بوجوه التجريح لم نستفسره، وإلا استفسرناه، وهو في الشهادة أضيق، إذ قد يُجَرَّحُ الشاهد، وإن كان مجرّحه بصيرًا بوجوه التجريح بما يعتقده جرحةً، ولعلّ الحاكم لا يراه؛ لاختلاف الاجتهاد. أما الخبر إذا أَطْلَق عارفٌ بصيرٌ فيه بالجرح، فقد عُدمت به الثقة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأصحّ قبول الجرح والتعديل المجملين من عالم بصير بأسبابهما، ما لم يوثّق من جُرح مجملًا، فلا يُقبل الجرح حينئذ إلا مفسّرًا، قال الحافظ السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفيّة الأثر": ........................... ... وَالْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ مُطْلَقًا رَأَوْا قَبُولَهُ مِنْ عَالِم عَلَى الأَصَحّ ... مَا لم يُوَثَّقْ مَنْ بِإِجْمَالٍ جُرِحْ وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٣٩ - (وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ، يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثٍ لِشَهْرٍ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ، فَقَالَ: إنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ، إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ، قَالَ مُسْلِم ﵀: يَقُولُ: أَخَذَتْهُ أَلْسِنَةُ النَّاسِ، تَكَلَّمُوا فِيهِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى بن بُرْد اليشكري مولاهم، أبو قدامة السَّرَخْسِيُّ الحافظ، نزيل نيسابور. رَوَى عن عبد الله بن نمير، وابن عيينة، وحماد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرَّحمن بن مهدي، ووكيع، والنضر بن شُميل، وخلق كثير. وروى عنه الشيخان، والنسائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذهلي، وخلق كثير. قال أبو حاتم: كان من الثقات. وقال أبو داود: ثقة. وقال النسائي: ثقة مأمون، قَلَّ من كتبنا عنه مثله. وقال إبراهيم بن أبي طالب: ما قَدِمَ علينا أثبت منه، ولا أتقن. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو الذي أظهر السنة بِسَرَخْسَ، ودعا إليها. ذكر الحاكم في "تاريخه" عن محمد بن موسى الباشاني، عن محمد بن شعيب، قال: رأيت يحيى بن يحيى، سمع من أبي قُدَامة، وعن محمد بن عبد السلام قال: رأيت إسحاق ابن راهويه، يَسْأَل أبا قُدَامة عن أحاديث، فكتبها بيده. قال: وقرأت بخط أبي عمرو

стр. 633

المستملي: ثنا الشيخ الصالح، أبو قدامة، قال: المستملي: وثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا أبو قدامة، وكان إماما خَيِّرًا فاضلًا، قال الحاكم: وقد كان محمد بن يحيى روى عن أبي قدامة، ثم ضرب على حديثه، لا يُخَرِّج منه، فإن أبا قدامة أحد أئمة الحديث، متفق على إمامته، وحفظه، وإتقانه، ثم ذكر أن سبب ذلك أن محمد بن يحيى دخل على أبي قدامة، فلم يَقُمْ له. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في كون ما ذُكر سببًا للضرب على حديثه نظرٌ، ولعله ظنٌّ ممن ذكره، وإلا فمثل هذا لا يليق بمنصب محمد بن يحيى الإمام الجليل أن يضرب على حديث أبي قُدامة الإمام المتّفق على إمامته وحفظه وإتقانه لغرض نفسيّ، حاشا، ثم حاشا. فالله المستعان. وقال ابن عديّ: فاضل من أهل السنة. وقال مسلمة في "الصلة": ثقة مأمون. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته. قال البخاري: مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، زاد غيره: بغرقد. وفي "التقريب": ثقةٌ، مأمونٌ، سُنّيٌّ، من العاشرة. وله في "صحيح مسلم" (٥١) حديثًا (١). ٢ - (النَّضْرُ) بن شُمَيل بن خَرَشَةَ بن زيد بن كُلْثُوم بن عَنَزَة بن زُهير بن عمرو بن حُجر بن خُزَاعيّ بن مازن بن عمرو بن تميم. وقيل: في نسبه غير ذلك، المازنيّ، أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مَرْوَ. رَوَى عن حميد الطويل، وابن عون، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن يحيى النيسابوري، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وابن المديني، وأبو قُدَامة السرخسيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم عن ابن المديني: من الثقات. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال أبو حاتم: ثقة، صاحب سنة. وقال حمدويه بن محمد: سمعت محمد بن خاقان يقول: سئل ابن المبارك عن النضر بن شميل؟ فقال: درة بين مروين ضائعة. وقال العباس بن مصعب المروزي: بلغني أن ابن المبارك سئل عن النضر بن شميل؟ فقال: ذاك أحد الآخذين، لم يكن أحد من أصحاب الخليل يدانيه. وقال العباس: كان النضر إماما في العربية والحديث، وهو أول من أظهر السنة بمرو،

стр. 634

وجميع خراسان، وكان أروى الناس عن شعبة، وأخرج كتبا كثيرة لم يسبقه إليها أحد، وكان ولي قضاء مرو. وقال أحمد بن سعيد الدارمي عنه: خرج بي أبي من مرو الرُّوذ إلى البصرة سنة ثمان وعشرين ومائة، وأنا ابن خمس أو ست سنين، وقال: مات في أول سنة أربع ومائتين. وقال محمد بن عبد الله بن قُهزاذ: مات في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث. وفيها أرّخه الترمذي. وقال البخاري: مات سنة ثلاث، أو نحوها. وقال ابن منجويه: كان من فصحاء الناس، وعلمائهم بالأدب، وأيام الناس. وقال في "التقريب": ثقةٌ، ثبتٌ، من كبار التاسعة. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣١) حديثًا. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان المزني مولاهم، أبو عون البصري. رَأَى أنس بن مالك، وروى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، وأنس بن سيرين، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وخلق كثير. وروى عنه الأعمش، وداود بن أبي هند، والثوري، وشعبة، والقطان، وابن المبارك، ووكيع، والنضر بن شميل، وغيرهم. قال ابن المديني: جُمِع لابن عون من الإسناد ما لم يُجمَع لأحد من أصحابه، سمع بالمدينة من القاسم، وسالم، وبالبصرة من الحسن، وابن سيرين، وبالكوفة من الشعبي، والنخعي، وبمكة من عطاء، ومجاهد، وبالشام من مكحول، ورجاء بن حيوة، قال علي: وقال بشر بن المفضل: لقيت الثوري بمكة، فقلت له: مَنْ آمَنُ مَن تركت على الحديث بالكوفة؟ قال: منصور، وبالبصرة يونس بن عبيد، قال علي: وهذا كان قبل أن يُحَدِّث ابن عون؛ لأنه لم يُحَدِّث إلا بعد موت أيوب، ومات ابن عون سنة إحدى وخمسين ومائة، بعد موت أيوب بعشرين سنة. وقال الثوري: ما رأيت أربعة اجتمعوا في مصر، مثل هؤلاء: أيوب، ويونس، والتيمي، وابن عون. وقال وُهيب: دار أمر البصرة على أربعة، فذكر هؤلاء. وقال أبو داود عن شعبة: ما رأيت مثلهم. وقال حماد بن زيد عن ابن عون: وَفَدت عند الحسن وابن سيرين، فكلاهما لم يزل قائمًا حتى فُرِش لي. وقال معاذ بن معاذ عن موسى بن عبيد: إني لأعرف رجلا يطلب منذ عشرين سنة أن يَسْلَمَ له يوم كأيام ابن عون، فلم يَسْلَم له ذاك، فكأنه عَنَى نفسه. وقال هشام بن حسان: حدثني من لم تر عيناي مثله، وأشار بيده إلى ابن عون، وكذا قال عثمان الْبَتِّي. وقال ابن المبارك: ما رأيت أحدًا ذُكِرَ لي قبل أن ألقاه، ثم لقيته إلا وهو على دون ما ذُكر لي إلا ابن عون، وحيوة، وسفيان، فأما ابن عون فلوددت أني لزمته حتى أموت، أو يموت. وقال ابن مهديّ: ما كان بالعراق أحدٌ أعلم بالسنة منه.

стр. 635

وقال قُرّة: كنا نتعجب من ورع ابن سيرين، فأنساناه ابن عون. ومناقبه كثيرة جدًّا. وقال النضر بن شُميل عن شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثا يقول فيه: أظن أني سمعته أحب إلي من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت. وقال ابن خيثمة عن ابن معين: ثبت. وقال عيسى بن يونس: كان أثبت من هشام -يعني ابن حسان-. وقال أبو حاتم: ثقة، وهو أكبر من التيمي. وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان عثمانيا، وكان كثير الحديث، ورعًا. وقال الأنصاري: كان ابن عون: لا يُسَلِّم على القدرية، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا إلى أن مات، وتزوج امرأة عربية، فضربه بلال بن أبي بردة. وقال محمد بن فَضَاء: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: زُوروا ابن عون، فإن الله يحبه. وقال النسائي في "الكنى": ثقة مأمون. وقال في موضع آخر: ثقة ثبت. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه عبادةً وفضلًا، وورعًا، ونسكًا، وصلابة في السنة، وشدة على أهل البدع. وقال أبو بكر البزار: كان على غاية من التوقي. وقال عثمان بن أبي شيبة: ثقة، صحيح الكتاب. وقال العجلي: بصري ثقة رجل صالح. قال عمرو بن علي، وغير واحد: مولده سنة (٦٦)، وقد تقدم تاريخ موته، وكذا ذكره غير واحد، وزاد بكار بن محمد السوسي: في رجب. وقيل: مات سنة خمسين. وقيل سنة اثنتين وخمسين. والأول أصح. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٩) حديثًا. وقال في "التقريب": ثقة ثبت فاضلٌ، من أقران أيوب في العلم والعمل، من السادسة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "من السادسة" فيه نظر، بل هو من الخامسة، كما يظهر من قوله من أقران أيوب، فإنه رأى أنسًا زمنه مثل أيوب، فيكون من طبقته، فتبصّر. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن النضر بن شُمَيل، أنه قال (سُئِلَ) عبد الله (بن عون عَنْ حَدِيثٍ لِشَهْرٍ) -بفتح المعجمة، وسكون الهاء- ابن حَوْشب -بفتح المهملة، وسكون الواو- الأشعري، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرَّحمن، ويقال: أبو الجعد الشاميّ، مولى أسماء بنت يزيد بن السَّكَن، روى عن مولاته أسماء بنت يزيد، وأم سلمة، زوج النبي ﷺ ، وأبي هريرة، وعائشة، وأم حبيبة، وبلال المؤذن، وغيرهم. وروى عنه عبد الحميد بن بَهْرَام، وقتادة، وعاصم بن بهدلة، والحكم بن عتيبة، وثابت البنانيّ، وغيرهم. قال ابن المديني: حدث ابن عون، عن هلال بن أبي زينب، عن شهر، فساره
следующие страницы →