٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان الإمام الحجة، تقدّمت ترجمته (١). والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن عمرو بن عليّ، أنه (قال: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) القطّان (قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَشُعْبَةَ) بن الحجاج (وَمَالِكًا) إمام دار الهجرة (وَ) سفيان (بْنَ عُيَيْنَةَ) كلهم تقدّمت تراجمهم، فأما الثوريّ، فتقدّم في ١/ ١، وأما الباقون فتقدموا عند قول المصنّف: "ممن ذمّ الرواية عنهم أئمة الحديث، مثل مالك بن أنس الخ" (عَنِ الرَّجُلِ) متعلّق بـ "سألت". وقوله: (لَا يَكُونُ ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الرجل، ويحتمل أن تكون في محلّ جرّ صفة له؛ بناء على القاعدة من أن المعرّف بـ "أل" الجنسيّة في قوة النكرة، كما في قول الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
و"الثبْتُ" -بفتح الثاء المثلّثة، وسكون الباء-: المُتَثَبِّتُ في أموره، بمعنى ضابطٍ عدلٍ، قال في "المصباح": رجل ثَبْتٌ ساكن الباء: مُتثَبّتٌ في أموره، وثَبْتُ الْجَنَان: أي ثابت القلب، وثَبُتَ في الحرب، فهو ثَبِيتٌ، مثالُ قَرُبَ فهو قَرِيبٌ، والاسم ثَبَتٌ -بفتحتين- ومنه قيل للحجّة ثَبَتٌ. ورجلٌ ثَبَتٌ بفتحتين أيضًا: إذا كان عَدْلًا ضَابِطًا، والجمعُ أَثْبَاتٌ، مثلُ سَبَبٍ وأَسْبَابٍ. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتحصّل مما ذُكر أن "ثَبتًا" في كلام يحيى القطّان يجوز أن يكون ساكن الباء، ومفتوحها، ومعناه: عدلٌ ضابطٌ. والله تعالى أعلم.
(فَيَأْتِينِي الرَّجُلُ) "ال" فيه للجنس: أي يأتيني شخص من الأشخاص (فَيَسْأَلُنِي عَنْهُ؟ ) أي عن ذلك الرجل الذي ليس بثبت، هل هو ثقة، أم لا؟ ، فهل أستر عليه؛ لئلا يكون غيبة له، أم أخبر أنه غير ثقة؛ نصيحةً للسائل؟ (قَالُوا: أَخْبِرْ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِثَبْتٍ) هذا يدلّ أن هؤلاء الأئمة يرون وجوب جرح المجروح، قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وليس من باب الغيبة والأذى؛ إذ دعت إلى هذا الضرورة؛ لحياطة الشريعة، وحماية الملّة، ونصيحة الدين، كما نُجيز تجريح الشهود لمراعاة إقامة الحقوق، ودفع الشبهات. وأما تعيين سبب الجرح في الخبر والشهادة، فقد اختلف فيه العلماء من الفقهاء والأصوليين، فأوجبه بعضهم مطلقًا، وهو اختيار الشافعيّ، وبعض أئمتنا، ولم يوجبه آخرون، وهو اختيار القاضي أبي بكر، وجماعة غيره من أئمتنا، ورأوا قبول الجرح مطلقًا، دون ذكر السبب، وذهب بعضهم إلى أن الْمُجَرِّح إذا كان عالمًا بصيرًا
стр. 632
بوجوه التجريح لم نستفسره، وإلا استفسرناه، وهو في الشهادة أضيق، إذ قد يُجَرَّحُ الشاهد، وإن كان مجرّحه بصيرًا بوجوه التجريح بما يعتقده جرحةً، ولعلّ الحاكم لا يراه؛ لاختلاف الاجتهاد. أما الخبر إذا أَطْلَق عارفٌ بصيرٌ فيه بالجرح، فقد عُدمت به الثقة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأصحّ قبول الجرح والتعديل المجملين من عالم بصير بأسبابهما، ما لم يوثّق من جُرح مجملًا، فلا يُقبل الجرح حينئذ إلا مفسّرًا، قال الحافظ السيوطيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "ألفيّة الأثر":
........................... ... وَالْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ مُطْلَقًا رَأَوْا
قَبُولَهُ مِنْ عَالِم عَلَى الأَصَحّ ... مَا لم يُوَثَّقْ مَنْ بِإِجْمَالٍ جُرِحْ
وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٣٩ - (وحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّضْرَ، يَقُولُ: سُئِلَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ حَدِيثٍ لِشَهْرٍ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ، فَقَالَ: إنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ، إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ، قَالَ مُسْلِم ﵀: يَقُولُ: أَخَذَتْهُ أَلْسِنَةُ النَّاسِ، تَكَلَّمُوا فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى بن بُرْد اليشكري مولاهم، أبو قدامة السَّرَخْسِيُّ الحافظ، نزيل نيسابور.
رَوَى عن عبد الله بن نمير، وابن عيينة، وحماد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرَّحمن بن مهدي، ووكيع، والنضر بن شُميل، وخلق كثير. وروى عنه الشيخان، والنسائي، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والذهلي، وخلق كثير.
قال أبو حاتم: كان من الثقات. وقال أبو داود: ثقة. وقال النسائي: ثقة مأمون، قَلَّ من كتبنا عنه مثله. وقال إبراهيم بن أبي طالب: ما قَدِمَ علينا أثبت منه، ولا أتقن. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو الذي أظهر السنة بِسَرَخْسَ، ودعا إليها. ذكر الحاكم في "تاريخه" عن محمد بن موسى الباشاني، عن محمد بن شعيب، قال: رأيت يحيى بن يحيى، سمع من أبي قُدَامة، وعن محمد بن عبد السلام قال: رأيت إسحاق ابن راهويه، يَسْأَل أبا قُدَامة عن أحاديث، فكتبها بيده. قال: وقرأت بخط أبي عمرو
стр. 633
المستملي: ثنا الشيخ الصالح، أبو قدامة، قال: المستملي: وثنا يحيى بن محمد بن يحيى، ثنا أبو قدامة، وكان إماما خَيِّرًا فاضلًا، قال الحاكم: وقد كان محمد بن يحيى روى عن أبي قدامة، ثم ضرب على حديثه، لا يُخَرِّج منه، فإن أبا قدامة أحد أئمة الحديث، متفق على إمامته، وحفظه، وإتقانه، ثم ذكر أن سبب ذلك أن محمد بن يحيى دخل على أبي قدامة، فلم يَقُمْ له.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في كون ما ذُكر سببًا للضرب على حديثه نظرٌ، ولعله ظنٌّ ممن ذكره، وإلا فمثل هذا لا يليق بمنصب محمد بن يحيى الإمام الجليل أن يضرب على حديث أبي قُدامة الإمام المتّفق على إمامته وحفظه وإتقانه لغرض نفسيّ، حاشا، ثم حاشا. فالله المستعان.
وقال ابن عديّ: فاضل من أهل السنة. وقال مسلمة في "الصلة": ثقة مأمون. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته. قال البخاري: مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، زاد غيره: بغرقد.
وفي "التقريب": ثقةٌ، مأمونٌ، سُنّيٌّ، من العاشرة.
وله في "صحيح مسلم" (٥١) حديثًا (١).
٢ - (النَّضْرُ) بن شُمَيل بن خَرَشَةَ بن زيد بن كُلْثُوم بن عَنَزَة بن زُهير بن عمرو بن حُجر بن خُزَاعيّ بن مازن بن عمرو بن تميم. وقيل: في نسبه غير ذلك، المازنيّ، أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مَرْوَ.
رَوَى عن حميد الطويل، وابن عون، وهشام بن عروة، وهشام بن حسان، وغيرهم. وروى عنه يحيى بن يحيى النيسابوري، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وابن المديني، وأبو قُدَامة السرخسيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم عن ابن المديني: من الثقات. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال أبو حاتم: ثقة، صاحب سنة. وقال حمدويه بن محمد: سمعت محمد بن خاقان يقول: سئل ابن المبارك عن النضر بن شميل؟ فقال: درة بين مروين ضائعة. وقال العباس بن مصعب المروزي: بلغني أن ابن المبارك سئل عن النضر بن شميل؟ فقال: ذاك أحد الآخذين، لم يكن أحد من أصحاب الخليل يدانيه. وقال العباس: كان النضر إماما في العربية والحديث، وهو أول من أظهر السنة بمرو،
стр. 634
وجميع خراسان، وكان أروى الناس عن شعبة، وأخرج كتبا كثيرة لم يسبقه إليها أحد، وكان ولي قضاء مرو. وقال أحمد بن سعيد الدارمي عنه: خرج بي أبي من مرو الرُّوذ إلى البصرة سنة ثمان وعشرين ومائة، وأنا ابن خمس أو ست سنين، وقال: مات في أول سنة أربع ومائتين. وقال محمد بن عبد الله بن قُهزاذ: مات في آخر يوم من ذي الحجة سنة ثلاث. وفيها أرّخه الترمذي. وقال البخاري: مات سنة ثلاث، أو نحوها. وقال ابن منجويه: كان من فصحاء الناس، وعلمائهم بالأدب، وأيام الناس.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، ثبتٌ، من كبار التاسعة.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣١) حديثًا.
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان المزني مولاهم، أبو عون البصري.
رَأَى أنس بن مالك، وروى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس، وأنس بن سيرين، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعي، وخلق كثير. وروى عنه الأعمش، وداود بن أبي هند، والثوري، وشعبة، والقطان، وابن المبارك، ووكيع، والنضر بن شميل، وغيرهم.
قال ابن المديني: جُمِع لابن عون من الإسناد ما لم يُجمَع لأحد من أصحابه، سمع بالمدينة من القاسم، وسالم، وبالبصرة من الحسن، وابن سيرين، وبالكوفة من الشعبي، والنخعي، وبمكة من عطاء، ومجاهد، وبالشام من مكحول، ورجاء بن حيوة، قال علي: وقال بشر بن المفضل: لقيت الثوري بمكة، فقلت له: مَنْ آمَنُ مَن تركت على الحديث بالكوفة؟ قال: منصور، وبالبصرة يونس بن عبيد، قال علي: وهذا كان قبل أن يُحَدِّث ابن عون؛ لأنه لم يُحَدِّث إلا بعد موت أيوب، ومات ابن عون سنة إحدى وخمسين ومائة، بعد موت أيوب بعشرين سنة. وقال الثوري: ما رأيت أربعة اجتمعوا في مصر، مثل هؤلاء: أيوب، ويونس، والتيمي، وابن عون. وقال وُهيب: دار أمر البصرة على أربعة، فذكر هؤلاء. وقال أبو داود عن شعبة: ما رأيت مثلهم. وقال حماد بن زيد عن ابن عون: وَفَدت عند الحسن وابن سيرين، فكلاهما لم يزل قائمًا حتى فُرِش لي. وقال معاذ بن معاذ عن موسى بن عبيد: إني لأعرف رجلا يطلب منذ عشرين سنة أن يَسْلَمَ له يوم كأيام ابن عون، فلم يَسْلَم له ذاك، فكأنه عَنَى نفسه. وقال هشام بن حسان: حدثني من لم تر عيناي مثله، وأشار بيده إلى ابن عون، وكذا قال عثمان الْبَتِّي. وقال ابن المبارك: ما رأيت أحدًا ذُكِرَ لي قبل أن ألقاه، ثم لقيته إلا وهو على دون ما ذُكر لي إلا ابن عون، وحيوة، وسفيان، فأما ابن عون فلوددت أني لزمته حتى أموت، أو يموت. وقال ابن مهديّ: ما كان بالعراق أحدٌ أعلم بالسنة منه.
стр. 635
وقال قُرّة: كنا نتعجب من ورع ابن سيرين، فأنساناه ابن عون. ومناقبه كثيرة جدًّا. وقال النضر بن شُميل عن شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثا يقول فيه: أظن أني سمعته أحب إلي من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت. وقال ابن خيثمة عن ابن معين: ثبت. وقال عيسى بن يونس: كان أثبت من هشام -يعني ابن حسان-. وقال أبو حاتم: ثقة، وهو أكبر من التيمي. وقال ابن سعد: كان ثقة، وكان عثمانيا، وكان كثير الحديث، ورعًا. وقال الأنصاري: كان ابن عون: لا يُسَلِّم على القدرية، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا إلى أن مات، وتزوج امرأة عربية، فضربه بلال بن أبي بردة. وقال محمد بن فَضَاء: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: زُوروا ابن عون، فإن الله يحبه. وقال النسائي في "الكنى": ثقة مأمون. وقال في موضع آخر: ثقة ثبت. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من سادات أهل زمانه عبادةً وفضلًا، وورعًا، ونسكًا، وصلابة في السنة، وشدة على أهل البدع. وقال أبو بكر البزار: كان على غاية من التوقي. وقال عثمان بن أبي شيبة: ثقة، صحيح الكتاب. وقال العجلي: بصري ثقة رجل صالح. قال عمرو بن علي، وغير واحد: مولده سنة (٦٦)، وقد تقدم تاريخ موته، وكذا ذكره غير واحد، وزاد بكار بن محمد السوسي: في رجب. وقيل: مات سنة خمسين. وقيل سنة اثنتين وخمسين. والأول أصح. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٩) حديثًا.
وقال في "التقريب": ثقة ثبت فاضلٌ، من أقران أيوب في العلم والعمل، من السادسة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "من السادسة" فيه نظر، بل هو من الخامسة، كما يظهر من قوله من أقران أيوب، فإنه رأى أنسًا زمنه مثل أيوب، فيكون من طبقته، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن النضر بن شُمَيل، أنه قال (سُئِلَ) عبد الله (بن عون عَنْ حَدِيثٍ لِشَهْرٍ) -بفتح المعجمة، وسكون الهاء- ابن حَوْشب -بفتح المهملة، وسكون الواو- الأشعري، أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرَّحمن، ويقال: أبو الجعد الشاميّ، مولى أسماء بنت يزيد بن السَّكَن، روى عن مولاته أسماء بنت يزيد، وأم سلمة، زوج النبي ﷺ ، وأبي هريرة، وعائشة، وأم حبيبة، وبلال المؤذن، وغيرهم. وروى عنه عبد الحميد بن بَهْرَام، وقتادة، وعاصم بن بهدلة، والحكم بن عتيبة، وثابت البنانيّ، وغيرهم. قال ابن المديني: حدث ابن عون، عن هلال بن أبي زينب، عن شهر، فساره
стр. 636
شعبة، فلم يذكره ابن عون. وقال معاذ بن معاذ: سألت ابن عون عن حديث هلال بن أبي زينب، عن شهر، عن أبي هريرة: "لا يَجِفُّ دم الشهيد، حتى تبتدره زوجتاه من الحور العين". فقال: ما تصنع بشهر؟ إن شعبة نَزَكَ شهرًا. وقال النضر عن ابن عون: إن شهرًا نَزَكُوه، قال النضر: نزكوه: أي طعنوا فيه. وقال شبابة عن شعبة: ولقد لَقِيتُ شهرًا، فلم أعتد به. وقال عمرو بن علي: ما كان يحيى يحدث عنه، وكان عبد الرَّحمن يحدث عنه. وقال يحيى بن أبي بكرٍ الكرماني، عن أبيه: كان شهر بن حوشب على بيت المال، فأخذ خريطة فيها دراهم، فقال القائل [من الطويل]:
لَقَدْ بَاعَ شَهْرٌ دِينَهُ بِخَرِيطَةٍ ... فَمَنْ يَأْمَنُ الْقُرَّاءَ بَعْدَكَ يَا شَهْرُ
أَخَذْتَ بِهَا شَيْئًا طَفِيفًا وَبِعْتَهُ ... مِنِ ابْنِ جَرِيرٍ إِنَ هَذَا هُوَ الْغَدْرُ
وقد أجاب عن هذا الذهبيّ، فقال: إسنادها منقطعٌ، ولعلّها وقعت، وتاب منها، أو أخذها متأَوَّلًا أن له في بيت مال المسلمين حقًّا، نسأل الله الصفح. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الجواب الأول هو الصواب، وأما الثاني فلا فائدة فيه؛ لأن الحكاية منقطعة ضعيفة، فلا حاجة إلى تأويلها.
ثم إن الذهبيّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى ذكر بعد هذا: ما نصّه: فأما رواية يحيى القطّان، عن عباد بن منصور، قال: حججتُ مع شهر بن حَوْشب، فسرق عَيْبَتي. فما أدري ما أقول. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: الجواب عنه سهل، وذلك أنه على تقدير صحة الحكاية، نقول: إن هذه السرقة لم تثبُت ببيّنة شرعيّة، حتى يثبت جرح المدّعى عليه، بل إن المدَّعي لما فقد عيبته ظنّ ذلك، وادّعى، ومثل هذا كثير، فلا تبطل عدالة شهر، ولا إمامته بمجرّد هذه الدعوى، وهذا مما لا يخفى لمن تأمَّل. والله تعالى أعلم.
وقال إبراهيم بن يعقوب الْجُوزجاني: أحاديثه لا تشبه حديث الناس. قال: ثنا عمرو بن خارجة: كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله ﷺ ، وعن أسماء بنت يزيد قالت: كنت آخذة بزمام ناقة رسول الله ﷺ ، كأنه مولع بزمام ناقة رسول الله ﷺ ، وحديثه دالّ عليه، فلا ينبغي أن يُغتَرّ به وبروايته. وقال موسى بن هارون: ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال يعقوب بن شيبة: قيل لابن المديني: ترضى حديث شهر؟ فقال: أنا أُحَدِّث عنه. وكان عبد الرَّحمن يحدث عنه، وأنا لا أدع حديث الرجل إلا أن يجتمع عليه يحيى وعبد الرَّحمن على تركه. وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد: ما أحسن
стр. 637
حديثه، ووثقه، وأظنه قال: هو كنديّ، وروى عن أسماء أحاديث حسانًا. وقال أبو طالب عن أحمد: عبد الحميد بن بَهْرام أحاديثه مقاربة، هي أحاديث شهر كان يحفظها، كأنه يقرأ سورة من القرآن. وقال حنبل عن أحمد: ليس به بأس. وقال عثمان الدارمي: بلغني أن أحمد كان يُثني على شهر. وقال الترمذي: قال أحمد: لا بأس بحديث عبد الحميد بن بهرام عن شهر. وقال الترمذي عن البخاري: شهر حسن الحديث، وقَوَّى أمره. وقال ابن أبي خيثمة، ومعاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة. وقال عباس الدوري، عن ابن معين: ثبت. وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، على أن بعضهم قد طَعَن فيه. وقال يعقوب بن سفيان: وشهر -وإن قال ابن عون، نزكوه- فهو ثقة. وقال ابن عمار: روى عنه الناس، وما أعلم أحدًا قال فيه غير شعبة، قيل: يكون حديثه حجة؟ قال: لا. وقال أبو زرعة: لا بأس به، ولم يلق عمرو بن عبسة. وقال أبو حاتم: شهر أحب إلي من أبي هارون، وبشر بن حرب، ولا يحتج به. وقال صالح بن محمد: شهر شاميّ، قَدِم العراق، روى عنه الناس، ولم يوقف منه على كذب، وكان يَتَنَسَّك، إلا أنه روى أحاديث ينفرد بها، لم يشاركه فيها أحد، وروى عنه عبد الحميد بن بَهْرام أحاديث طوالا عجائب، ويروي عن النبي ﷺ أحاديث في القراءات، لا يأتي بها غيره. وقال أبو جعفر الطبري: كان فقيهًا، قارئًا، عالما. وقال أبو بكر البزار: لا نعلم أحدًا ترك الرواية عنه غير شعبة، ولم يسمع من معاذ بن جبل. وقال الساجيّ: فيه ضعف، وليس بالحافظ، وكان شعبة يشهد عليه أنه رافق رجلًا من أهل الشام، فخانه. وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات المعضلات، وعن الأثبات المقلوبات. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه شهر وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه، وشهر ليس بالقوي في الحديث، وهو ممن لا يحتج بحديثه، ولا يُتَدَيّن به.
وقال الدارقطنيّ: يُخَرَّج حديثه. وقال البيهقي: ضعيف. وقال ابن حزم: ساقط. وقال يحيى القطان، عن عباد بن منصور: حججنا مع شهر، فسرق عيبتي. وقال أيوب ابن أبي حسين النَّدَبِيّ: ما رأيت أحدا أقرأ لكتاب الله منه. وقال عبد الحميد بن بَهْرام: أَتَى على شهر ثمانون سنة. قال البخاري وغير واحد: مات سنة مائة. وقال يحيى بن بكير: مات سنة (١١١). وقال الواقدي: مات سنة (١٢). أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والباقون، وله في "صحيح مسلم" حديث واحد برقم ٣٨٢١ حديث: "الكمأة من المنّ ... " الحديث. وقال في "التقريب": صدوقٌ، كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح في شهر أنه ثقة يُحتجّ به، فقد
стр. 638
وثّقه كثيرون من كبار أئمة السلف، أو أكثرهم، فممن وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وآخرون، وقال أحمد بن حنبل: ما أحسن حديثه، ووثقه. وقال أحمد بن عبد الله العجلى: هو تابعيّ ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: هو ثقة، ولم يذكر ابن أبي خيثمة غير هذا. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال الترمذيّ: قال محمد -يعني البخاريَّ-: شهر حسن الحديث، وقَوَّى أمره، وقال: إنما تكلم فيه ابن عون. وقال يعقوب بن شيبة: شهر ثقة. وقال صالح بن محمد: شهر روى عنه الناس، من أهل الكوفة، وأهل البصرة، وأهل الشام، ولم يوقف منه على كذب، وكان رجلا يتنَسّك: أي يتعبد، إلا أنه روى أحاديث لم يشركه فيها أحد. قال النووي في "شرحه": فهذا كلام هؤلاء الأئمة في الثناء عليه. وأما ما ذُكر من جرحه أنه أخذ خريطة من بيت المال، فقد حمله العلماء المحققون على محمل صحيح. وقول أبي حاتم بن حِبّان: إنه سرق من رفيقه في الحج عيبة غير مقبول عند المحققين، بل أنكروه. والله تعالى أعلم (١).
ولقد أجاد القول في شأنه إمامان حافظان جليلان، لهما استقراء تامّ في أحوال الرجال، وباعٌ طويل في موازنة الأقوال، وهما: الحافظ أبو الحسن القطّان الفاسيّ، والحافظ الذهبيّ: فأما أبو الحسن، فقال: لم أسمع لمضعفه حجة، وما ذكروا من تزيه بزي الجند، وسماعه الغناء بالآلات، وقذفه بأخذ الخريطة، فإما لا يصح، أو هو خارج على مخرج لا يضره، وشر ما قيل فيه: إنه يروي منكرات عن ثقات، وهذا إذا كثر منه سقطت الثقة به. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الأحاديث التي أنكرت عليه قليلة، لا تتجاوز نحو خمسة أحاديث، كما سيأتي في كلام الذهبي، فليست كثيرةً -ولله الحمد-.
وأما الحافظ الذهبيّ فقال في "ميزان الاعتدال" -لَمّا ذكر قول ابن عديّ: "هو ممن لا يُحتجّ به"، وقد سبق-: قد ذهب إلى الاحتجاج به جماعة، ثم نقل قول الإمام أحمد: ما أحسن حديثه، وذكر توثيقه له، وقوله أيضًا: ليس به بأس. وقول الفسويّ: شهرٌ، وإن تكلّم فيه ابن عون، فهو ثقة. انتهى (٣).
وقال في "سير أعلام النبلاء" -بعد أن أورد نحو خمسة أحاديث من أحاديث شهر-: فهذا ما استُنكر من حديث شهر في سعة روايته، وما ذاك بالمنكر جدًّا. قال يعقوب بن شيبة: شهر ثقة، طعن فيه بعضهم. وقال يعقوب بن سُفيان: شهرٌ، وإن تكلّم
стр. 639
فيه ابن عون، فهو ثقة.
قلت (١): الرجل غير مدفوع عن صدقٍ، وعلمٍ، والاحتجاج به مترجّحٌ. انتهى (٢).
والحاصل: أنه ثقة حجة، وأما ما أُنكر عليه من الأحاديث، وهي قليلة في جنب ما روى من الأحاديث الكثيرة، كما قال الذهبيّ، فإنها تترك كما يُترك ما أُنكر على أيّ محدّث حافظ، ويؤخذ بما لم يُنكر عليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهور بتقليد ذوي الاعتساف. والله تعالى أعلم.
(وَهُوَ قَائِمٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من "ابن عون" (عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ) -بضم الهمزة والكاف، وتشديد الفاء-: عَتَبتُه الْعُلْيا، وقد تُستعمل في السفلى، واقتصر في "التهذيب"، و"مُختصر العين" عليها، فقال: "الأُسْكُفّةُ": عَتَبَة الباب التي يوطأ عليها، والجمع أُسْكُفّات. قاله الفيّوميّ (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المعنى الثاني هو الذي اقتصر عليه في "القاموس" أيضًا، وهو المراد هنا، والمعنى: أن ابن عون كان واقفًا على عَتَبة الباب السفلى، والظاهر أنه أراد الخروج من البيت. والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) ابن عون (إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ). -بالنون، والزاي المفتوحتين- "معناه طعنوا فيه، وتكلموا بجرحه، فكأنه يقول: طعنوه بالنَّيْزَك -بفتح النون، وإسكان المثناة من تحتُ، وفتح الزاي- وهو: رُمْحٌ قصير. قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى بعد ذكر ما سبق: وهذا الذي ذكرته هو الرواية الصحيحة المشهورة، وكذا ذكرها من أهل الأدب، واللغة، والغريب الهرويّ في "غريبه"، وحكى القاضي عياض عن كثيرين، من رواة مسلم، أنهم رووه: "تَرَكُوه" -بالتاء والراء- وضعفه القاضي، وقال: الصحيح بالنون والزاي، قال: وهو الأشبه بسياق الكلام. وقال غير القاضي: رواية التاء تصحيف، وتفسير مسلم يرُدّها، ويدل عليها أيضًا أن شهرًا ليس متروكًا، بل وثقه كثيرون من كبار أئمة السلف، أو أكثرهم -كما سبق نقله عنهم-. انتهى (٤).
(إِنَّ شَهْرًا نَزَكُوهُ) كرّره للتأكيد (قَالَ مُسْلِمٌ) بن الحجّاج، صاحب الكتاب ﵀ تعالى، مفسّرًا معنى"نزكوه" (يَقُولُ) يعني أن ابن عون يريد بقوله: "نزكوه" أنه (أَخَذَتْهُ أَلْسِنَةُ النَّاسِ) جمع لسان على لغة من جعل اللسان مذكرًا، وأما من جعله مؤنثًا، فجمعه أَلْسُنٌ بضم السين. قاله ابن قتيبة (٥). وقال الفيّوميّ: اللسان:
стр. 640
العضو يُذكّر، ويؤنّث، فمن ذكّر جمعه على ألسِنَة، ومن أنّث جمعه على ألسُن. قال أبو حاتم: والتذكير أكثر، وهو في القرآن كلِّهِ مذكّر. انتهى (١). وقوله: (تَكَلَّمُوا فِيهِ) تفسير وتوضيحٌ لما قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٤٠ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، قَالَ: قَالَ شُعْبَةُ: وَقَدْ لَقِيتُ شَهْرًا، فَلَمْ أَعْتَدَّ بِهِ)
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفيُّ، أبو محمد بن أبي يعقوب البغدادي المعروف بابن الشاعر، وكان يوسف شاعرًا صَحِبَ أبا نُوَاس، وكان يُلَقَّب لَقْوَه.
رَوَى حجاج عن رَوْح بن عبادة، وحجاج بن محمد، والأشيب، وشبابة، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن أبي عاصم، وَبَقِيّ بن مخلد، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال ابن أبي حاتم: ثقة من الحفاظ، ممن يحسن الحديث. وقال أبو داود: خير من مائة مثل الرَّمَاديّ. وقال النسائي. ثقة وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن قانع: مات في رجب سنة (٢٥٩)، قال: وقيل: سنة (٥٧).
وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من الحادية عشرة.
وله في "صحيح مسلم" (٧١) حديثًا.
[تنبيه]: قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: حجاج هذا يوافق الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفيّ أبا محمد الوالي الجائر المشهور بالظلم، وسفك الدماء، فيوافقه في اسمه، واسم أبيه، وكنيته، ونسبته، ويُخالفه في جدّه، وعصره، وعدالته، وحسن طريقته. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره النووي رَحِمَهُ اللهُ تعالى هو السبب -فيما أرى- في عدول مسلم، وأبي داود عن نسبته إلى اسم أبيه؛ لئلا يلتبس بالحجاج الجائر المذكور، فأما مسلم فيقول دائمًا: حدّثني حجاج بن الشاعر، وأما أبو داود، فيقول: حدثني حجاج بن أبي يعقوب. والله تعالى أعلم.
стр. 641
[تنبيه آخر]: حجاج بن يوسف بن الحكم المذكور ليس من رجال الكتب الستة، وإنما يُكتب في كتبها للتمييز، قال في "التقريب": حجاج بن يوسف بن أبي عقيل الثقفيّ الأمير الشهير، الظالم الْمُبِير، وقع ذكره، وكلامه في "الصحيحين"، وغيرهما، وليس بأهل أن يُروى عنه، ولي إمرة العراق عشرين سنة، ومات سنة خمس وتسعين. انتهى.
٢ - (شَبَابَةُ) -بفتح الشين المعجمة، وبالبائين الموحدتين، بينهما ألف- ابن سَوّار -بفتح المهملة، وتشديد الواو- الْفَزَاريّ مولاهم، أبو عمرو المدائني، أصله من خراسان، قيل: اسمه مروان، حكاه ابن عدي.
رَوَى عن حَرِيز بن عثمان الرَّحَبِيّ، وإسرائيل، وشعبة، وغيرهم. وروى عنه أحمد ابن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: تركته لم أكتب عنه للإرجاء، قيل له: يا أبا عبد الله، وأبو معاوية؟ قال: شبابة كان داعية. وقال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: كان يدعو إلى الإرجاء. وحُكي عنه قول أخبث من هذه الأقاويل، قال: إذا قال، فقد عمل بجارحته، وهذا قول خبيث، ما سمعت أحدًا يقوله، قيل له: كيف كتبت عنه؟ قال: كتبت عنه شيئًا يسيرًا قبل أن أعلم أنه يقول بهذا. وقال عثمان بن أبي شيبة: صدوق، حسن العقل، ثقة. وقال زكريا الساجيّ: صدوق يدعو إلى الإرجاء، كان أحمد يَحمِل عليه. وقال ابن خِرَاش: كان أحمد لا يرضاه، وهو صدوق في الحديث. وقال جعفر الطيالسي عن ابن معين: ثقة. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: فشبابة في شعبة؟ قال: ثقة. وسألت يحيى عن شاذان؟ فقال: لا بأس به، قلت: هو أحب إليك أم شبابة؟ قال: شبابة. وقال ابن الجنيد: قلت ليحيى: تفسير ورقاء عمن حملته؟ قال: كتبته عن شبابة، وعن علي بن حفص، وكان شبابة أجرأ عليها، وهما جميعا ثقتان. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت علي بن عبد الله، وقيل له: روى شبابة عن شعبة، عن بكير، عن عطاء، عن عبد الرَّحمن بن يعمر في الدباء، فقال عليّ: أيَّ شيء تقدر أن تقول في ذاك، يعني شبابة، كان شيخا صدوقا، إلا أنه كان يقول بالإرجاء، ولا يُنكَر لرجل سمع من رجل ألفا أو ألفين، أن يجيء بحديث غريب. قال يعقوب: وهذا حديث لم يبلغني أن أحدًا رواه عن شعبة غير شبابة. وقال ابن سعد: كان ثقة، صالح الأمر في الحديث، وكان مرجئًا. وقال العجلي: كان يرى الإرجاء، قيل له: أليس الإيمان قولًا وعملًا؟ فقال: إذا قال، فقد عَمِل. وقال صالح بن أحمد العجلي: قلت لأبي: كان يحفظ الحديث؟ قال: نعم. وقال البرذعي، عن أبي زرعة: كان يرى الإرجاء، قيل له: رجع عنه؟ قال: نعم. وقال أبو حاتم: صدوق يكتب حديثه، ولا
стр. 642
يحتج به. وقال ابن عدي: إنما ذمه الناس للإرجاء الذي كان فيه، وأما في الحديث فلا بأس به، كما قال ابن المديني، والذي أُنكر عليه الخطأ، ولعله حدث به حفظًا. قال أبو محمد بن قتيبة: خرج إلى مكة، وأقام بها إلى أن مات. وقال البخاري: يقال: مات سنة (٤) أو (٢٠٥). وقال أبو موسى وغيره: مات سنة (٢٠٦). وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحكى الأقوال الثلاثة في وفاته، وزاد: لعشر مضين من جمادى الأولى. وقال البخاري في تاريخه "الأوسط"، و"الصغير": مات سنة (٦).
وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ، رُمي بالإرجاء، من التاسعة.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٧) حديثًا.
(شعبة) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور، تقدّمت ترجمته (١). والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن شبابة بن سوَّار، أنه (قال: قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجاج (وَقَدْ لَقِيتُ شَهْرًا) أي ابن حوشب (فَلَمْ أَعْتَدَّ بِهِ) كناية عن ترك الرواية عنه؛ لكونه ضعيفًا عنده. وقد عرفت فيما حقّقناه فيما سلف أن شهرًا ثقة عند أكثر المحقّقين، فلا يضرّه كلام شعبة، فتفطّن. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٤١ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، مِنْ أَهْلِ مَرْوَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: إِنَّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ مَنْ تَعْرِفُ حَالَهُ، وَإِذَا حَدَّثَ جَاءَ بأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَتَرَى أَنْ أَقُولَ لِلنَّاسِ: لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ؟ قَالَ سُفْيَانُ: بَلَى، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَكُنْتُ إِذَا كنْتُ فِي مَجْلِسٍ، ذُكرَ فِيهِ عَبَّادٌ، أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ، وَأَقُولُ: لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ).
رجال هذا الأثر: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) بضم القاف، وسكون الهاء المتقدّم في ٤/ ٣٢. وقوله: "مِنْ أَهْلِ مَرْوَ" -بفتح، فسكون- غير منصرف؛ للعلمية والعجمة.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ) المروزي، كان جده واقد مولى عبد الله بن عامر ابن كُرَيز.
رَوَى عن أبيه، وهشام بن سعد، وابن المبارك، وغيرهم. وروى عنه إسحاق بن راهويه، ومحمود بن غيلان، وعلي بن خشرم، ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ، وغيرهم.
قال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وأسند العقيلي من
стр. 643
طريق البخاري قال: رأينا علي بن الحسين سنة (١٠)، وكان أبو يعقوب -يعني إسحاق ابن راهويه- سيىء الرأي فيه؛ لعلة الإرجاء، فتركناه، ثم كتبنا عن إسحاق. ونقل ابن حبان عن البخاري قال: كنت أَمُرُّ عليه طرفي النهار، ولم أكتُب عنه. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مولده سنة (١٣٥) ومات سنة (١١) وقيل: سنة (٢١٢). وقال البخاري: مات سنة إحدى عشرة ومائتين.
وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهِمُ، من العاشرة.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، ومسلم في "المقدمة" فقط، والأربعة.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ) الحنظليّ المروزيّ الإمام الشهير المتقدّم في ٤/ ٣٢. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن عبد الله بن المبارك، أنه قال (قُلْتُ لِسُفْيَانَ) بن سعيد بن مسروق الإمام المشهور (الثَّوْرِيِّ) -بفتح، فسكون-: نسبة إلى ثور، بطن من تميم، كما في "الأنساب" للسمعانيّ (١) (إِنّ عَبَّادَ بْنَ كَثِيرٍ) الثقفيّ البصريّ (مَنْ) موصولة خبر "إنّ"، وأما ما قاله بعضهم من أنَّها استفهاميّة، فبعيد (٢)، فتنبّه. (تَعْرِفُ) بفتح التاء، وكسر الراء، من باب ضرب (حَالَهُ) بالنصب على المفعوليّة والمعنى: إن عبّاد بن كثير هو الذي تعرف حاله من كثرة العبادة، والزهد، والتقشّف. ويحتمل أن يكون المعنى: الذي تعرف حاله من الضعف، وهذا هو الذي ذكره النوويّ، فقال في "شرحه": قوله: "تعرف" -بالتاء المثنّاة فوقُ خطابًا، يعني أنت عارف بضعفه. انتهى (٣).
(وَإِذَا حَدَّثَ جَاءَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ) أي بالأحاديث المكذوبة التي هي أعظم أنواع الكذب؛ لأن الكذب على رسول الله ﷺ أَشدّ جرمًا من الكذب على غيره، فقد أخرج الشيخان (٤) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إن كذبا عليّ ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". (فَتَرَى) بالبناء للفاعل، وتقدير همزة الاستفهام: أي أفترى: أي أتعتقد، يقال: الذي أراه بمعنى الذي أذهب إليه (٥). (أَنْ أَقُولَ
стр. 644
لِلنَّاسِ: لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ؟ ) أي لكونه كذّابًا (قَالَ سُفْيَانُ: بَلَى) أي قل ذلك. و"بلى": حرف إيجاب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت في الجواب: بلى، فمعناه: إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا، وقلت: بلى، فمعناه: التقرير والإثبات. ولا تكون إلا بعد نفيّ، إما في أول الكلام، كما تقدّم، وإما في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى﴾ الآية [القيامة: ٣ - ٤]، والتقدير: بلى نجمعها. قاله الفيّوميّ (١). (قَالَ عَبْدُ اللهِ) أي ابن المبارك (فَكُنْتُ إِذَا كُنْتُ فِي مَجْلِسٍ) الظاهر أن "كنت" الأول زائد (ذُكِرَ فِيهِ عَبَّادٌ) فعل ونائب فاعله (أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ) أي في عبادته (وَأَقُولُ: لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ) أي لأنه ليس بمعدن للصدق.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المبارك من تضعيف كثير بن عبّاد، ووافقه عليه الثوريّ رحمهما الله تعالى، نُقل عن غيرهما أيضًا، قال أبو طالب، عن أحمد بن حنبل: هو أسوأ حالا من الحسن بن عمارة، وأبي شيبة، روى أحاديث كذب لم يسمعها، وكان صالحا، قلت: فكيف روى ما لم يسمع؟ قال الْبَلَهُ (٢) والغفلة. وقال الدوري عن ابن معين: ضعيف الحديث، وليس بشيء. وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ليس بشيء في الحديث، وكان رجلًا صالحًا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان يسكن مكة ضعيف الحديث، وفي حديثه عن الثقات إنكار. وعن أبي زرعة: لا يكتب حديثه، كان شيخا صالحًا، وكان لا يضبط الحديث، قال: وكان في كتاب أبي زرعة حديث عن أحمد بن يونس، عن زهير عنه، فقال: اضربوا عليه. وقال البخاري: تركوه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال إبراهيم الجوزجاني: لا ينبغي لحكيم أن يذكره في العلم، حسبك بحديث النهي. وقال ابن عدي: حَدّث من المناهي بمقدار ثلاثمائة حديث، قال: ومقدار ما أمليت من حديثه لا يتابع عليه.
قال الحافظ: وحديث النهي الذي أشار إليه الجوزجاني، هو الذي ذكر ابن عدي أنه مقدار ثلاثمائة حديث، وصدق ابن عدي، قد رأيتها، وكأنه لم يترك متنا صحيحا ولا سقيما فيه نهى رسول الله ﷺ عن كذا إلا وساقه على ذلك الإسناد الذي ركبه، وهو حدثني عثمان الأعرج، حدثني يونس، عن الحسن البصري، قال: حدثني سبعة من أصحاب رسول الله ﷺ : عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وأبو هريرة، ومعقل بن يسار، وعمران بن حصين، فساق الحديث عنهم، وافترى في زعمه أن الحسن سمع من هؤلاء، نعم سمع من معقل وعمران، واختُلف في سماعه من أبي هريرة. وساق ابن حبان بعضه في ترجمة عباد بن راشد، عن الحسن، وزعم أن ابن
стр. 645
قتيبة أخبره به، عن صفوان بن صالح، عن ضمرة بن ربيعة عنه، وما أظنه إلا وَهِمَ في ذلك، أو بعض من تقدمه. والله أعلم. وذكره البخاري في "الأوسط" في "فصل من مات بين الأربعين إلى الخمسين ومائة"، وقال: سكتوا عنه. وقال الحاكم، وأبو نعيم: أبو عبد الله، شيخ قديم، كان الثوري يُكَذِّبه، ولما مات لم يصل عليه، حدث عن هشام، والحسن، وابن عَقِيل، ونافع بالمعضلات. وقال يعقوب بن سفيان: يُذكَر بزهد، وتَقَشُّف، وحديثه ليس بذاك. وقال الْبَرْقِيّ: ليس بثقة. وقال ابن عمار: ضعيف، وعباد بن كثير الرَّمْلِيّ أثبت منه. وقال العجلي: ضعيف، متروك الحديث، وكان رجلا صالحًا. وقال عبد الله بن إدريس: كان شعبة لا يستغفر له. أخرج له أبو داود، وابن ماجه. وقال في "التقريب": عبّاد بن كثير الثقفيّ البصريّ متروك، قال أحمد: روى أحاديث كذب، من السابعة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة ما قاله هؤلاء العلماء أنهم أجمعوا على تضعيفه، بل كذّبه بعضهم، وأنه رجل صالح، أصابته غفلة الصالحين، كما سبق في كلام أحمد رَحِمَهُ اللهُ تعالى -لما قيل له: كيف روى ما لم يسمع؟ قال: الْبَلَهُ والغفلة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٤٢ - (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ أَبِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: انْتَهَيْتُ إِلَى شُعْبَةَ، فَقَالَ: هَذَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، فَاحْذَرُوهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدٌ) بن عبد الله بن قُهْزاذ المذكور قريبًا.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بنُ عُثْمَانَ) هو الملقّب بـ "عبدان" المروزيّ تقدّم في ٤/ ٣٠.
٣ - (أَبُوه) هو عثمان بن جَبَلة -بفتح الجيم والموحّدة- ابن أبي رَوَّاد -بفتح الراء، وتشديد الواو- الْعَتَكي -بفتح المهملة، والمثنّاة- مولاهم المروزي.
روى عن عمه عبد العزيز، وشعبة، والثوري، وابن المبارك، وغيرهم. وعنه ابناه: عبدان، وعبد العزيز، وأبو بشر، مصعب بن بشر المروزي، وأبو جعفر النفيلي.
قال أبو حاتم: كان شريكا لشعبة، وهو ثقة صدوق. وقال ابن عديّ: قيل لعثمان ابن جَبَلة: من أين لك هذه الغرائب؟ قال: كنت شريكا لشعبة، فكان يخصني بها. وقال ابن حبان في "الثقات": كان عثمان مع أبي تُمَيْلة بالكوفة في طلب الحديث، فهاج به غَمّ وكرب، فوضع رأسه في حجر أبي تُمَيلة فمات. وقال أبو حاتم عن النفيلي: رأيت عثمان والد عبدان بالكوفة، فبينا هو يمشي معنا في بعض أزقة الكوفة،
стр. 646
إذ دخل دارا ليبول، فنظرنا فإذا هو ميت. أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي، وله في "صحيح مسلم" حديث واحد برقم (٤٧٧٨) حديث: "المرء مع من أحب".
وقال في "التقريب": ثقة من كبار العاشرة، مات على رأس المائتين.
٤ - (عبد الله بن المبارك) المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن عثمان بن جَبَلَة، أنه (قال: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: انْتَهَيْتُ) أي وصلت (إِلَى شُعْبَةَ) أي إلى مجلسه (فَقَالَ: هَذَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، فَاحْذَرُوهُ) أي احذروا الرواية عنه؛ لكونه متروك الحديث. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٤٣ - (وحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ مُعَلَّى الرَّازِيَّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَبَّادٌ، فَأَخْبَرَنِي عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ: كُنْتُ عَلَى بَابِهِ، وَسُفْيَانُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ سَأَلْتُهُ عَنْهُ؟ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَذَّابٌ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) بن إبراهيم الأعرج، أبو العباس، البغدادي، خراسانيّ الأصل الحافظُ.
رَوَى عن شبابة، والأسود بن عامر، ومعلى بن منصور، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وغيرهم.
قال عبدان الأهوازي: سمعت أبا داود يقول: أنا لا أحدث عنه، قلت لم؟ قال: لأنه كان لا يفوته حديث جيّد. وقال أحمد بن الحسين بن إسحاق الصوفي: كان أحد الدَّوَاهي، قال الخطيب يعني في الذكاء. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة خمس وخمسين ومائتين. وفيها أرّخه السَّرّاج، وزاد: في صفر، وله نيف وسبعون سنة.
وقال في "التقريب": صدوقٌ، من الحادية عشرة.
وله في "صحيح مسلم" ثلاثة أحاديث، برقم ٢٠٩ و ٢٠٧٨ و ٣١٦٤.
٢ - (مُعَلًّى الرَّازِيَّ) بن منصور، أبو يعلى، نزيل بغداد.
رَوَى عن مالك، وسليمان بن بلال، ومحمد بن ميمون الزعفراني، وعيسى بن يونس، وغيرهم. وروى عنه ابنه يحيى، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو ثور، والفضل بن سهل، وغيرهم.
стр. 647
قال الميموني عن أحمد: ما كتبت عن معلى شيئًا قط. وكذا قال الأثرم عن أحمد. وقال أبو طالب عن أحمد: كان يحدث بما وافق الرأي، وكان كلّ يوم يخطئ في حديثين وثلاثة. وقال محمد بن يوسف بن الطباع: سألت أحمد بن حنبل عن معلى الرازي؟ فسكت. وقال أبو حاتم الرازي: قيل لأحمد: كيف لم تكتب عن معلى؟ قال: كان يكتب الشروط، ومن كتبها لم يخل من أن يكذب. وقال أبو زرعة: بلغني أن في قلبه غصصًا من أحاديث ظهرت عن المعلى بن منصور، كان يحتاج إليها، وكان المعلى أشبه القوم بأهل العلم، وذلك أنه كان طَلابةً للعلم، رَحَلَ وعُنِيَ، فأما علي بن المديني، وأبو خيثمة، وعامة أصحابنا، فسمعوا منه، المعلى صدوق. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال الحسين بن حيان: قال أبو زكريا: إذا اختلف معلى الرازي وإسحاق بن الطباع في حديث مالك، فالقول قول معلى في كلّ حديث، معلى أثبت منه، وخير منه. وقال العباس بن محمد عن ابن معين: كان المعلى يصلي، فوقع على رأسه كور الزنابير، فما انتقل ولا التفت. وقال العجلي: ثقة، صاحب سنة، وكان نبيلًا، طلبوه للقضاء غير مرة فأبى. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة فيما تفَرَّد به، وشورك فيه، متقن، صدوق، فقيه، مأمون. وقال ابن سعد: كان صدوقا، صاحب حديث ورأي وفقه، فمن أصحاب الحديث من يروي عنه، ومنهم من لا يروي عنه. وقال أبو حاتم الرازي: كان صدوقا في الحديث، وكان صاحب رأي. وقال أحمد بن حنبل: معلى بن منصور من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به؛ لأني لم أجد له حديثا منكرًا. وقال الحكم: قرأت بخط المستملي: حدثني سهل بن عمار، وقال: كنت عند المعلى، فقال: من قال القرآن مخلوق فهو عندي كافر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن جمع، وصنف. ونقل عبد الحق في "الأحكام" عن أحمد أنه رماه بالكذب (١). قال ابن سعد، وجماعة: مات سنة إحدى عشرة ومائتين. وقال خليفة في موضع آخر: مات سنة إحدى عشرة، أو اثنتي عشرة ومائتين. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" أربعة أحاديث برقم ٨٤١ و ٢٠٨٨ و ٢٨٦٤ و ٥١٥٧.
وقال في "التقريب": ثقة سُنّيّ، فقيه، طُلِب للقضاء، فامتنع، وأخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، من العاشرة، مات سنة (٢١١) على الصحيح. انتهى.
٣ - (عِيسَى بْن يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّمت ترجمته في ٤/ ٢٦. والله تعالى أعلم.
стр. 648
شرح الأثر:
عن الفضل بن سهل، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ مُعَلًّى) أي ابن منصور (الرَّازِيَّ) نسبة إلى الريّ بزيادة الزاي: مدينة كبيرة مشهورة من بلاد الدَّيْلَم (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ) بن حسان بن قيس الأسدي المصلوب في الزندقة، ويقال له: ابن سعيد بن عبد العزيز، أو ابن أبي عتبة، أو ابن أبي قيس، أو ابن أبي حسّان، ويقال له: ابن الطبريّ، أبو عبد الرَّحمن، أو أبو عبد الله، أو أبو قيس، وقد يُنسب إلى جدّه. قيل: إنهم قلبوا اسمه على مائة وجه؛ لِيَخْفَى، وإلى هذا أشار السيوطيّ رَحِمَهُ اللهَ تعالى في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
وَأَلَّفَ الأَزْدِيُّ فِيمَنْ وُصِفَا ... بِغَيْرِ مَا وَصْفٍ إِرَادَةَ الْخَفَا
وَهْوَ عَوِيصٌ عِلْمُهُ نَفِيسُ ... يُعْرَفُ مِنْ إِدْرَاكِهِ التَّدْلِيسُ
مِثَالُهُ مُحَمَّدُ الْمَصْلُوبُ ... خَمْسِينَ وَجْهًا اسْمُهُ مَقْلُوبُ
وقد تقدّمت ترجمته مستوفاةً عند قول المصنّف: "فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متّهمون الخ"، فراجعها تستفد. (الَّذِي) صفة لمحمد بن سعيد (رَوَى عَنْهُ عَبَّادٌ) أي ابن كثير المذكور آنفًا (فَأَخْبَرَنِي) أي معلّى الرازيّ (عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ) ابن أبي إسحاق السبيعيّ (قَالَ) أي عيسى بن يونس (كُنْتُ عَلَى بَابِهِ) أي باب محمد بن سعيد (وَسُفْيَانُ عِنْدَهُ) جملة في محلّ نصب على الحال: أي والحال أن سفيان الثوريّ جالس عند محمد بن سعيد (فَلَمَّا خَرَجَ) سفيان (سَأَلْتُهُ عَنْهُ؟ ) أي عن محمد بن سعيد، هل هو ثقة، أم لا؟ (فَأَخْبَرَنِي) سفيان (أَنَّهُ) أي محمد بن سعيد (كَذَّابٌ) وقد تقدَّم في ترجمته أنهم اتّفقوا على تكذيبه، بل قال أحمد بن صالح: زنديقٌ، ضُرِبت عنقه، وضع أربعة آلاف حديث عند هؤلاء الحمقى فاحذروها. وقال أحمد بن حنبل: قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٤٤ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَفَّانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمْ نَرَ الصَّالِحِينَ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَتَّابٍ: فَلَقِيتُ أَنَا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ؟ فَقَالَ عَنْ أَبِيهِ: لَمْ تَرَ أَهْلَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ مُسْلِم: يَقُولُ: يَجْرِي الْكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِمْ، وَلَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ).
стр. 649
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَتَّابٍ) البغداديّ، أبو بكر الأعين، واسم أبي عَتّاب طَرِيف، وقيل: الحسن بن طريف.
رَوَى عن روح بن عبادة، وأسود بن عامر، وعفّان، وغيرهم. وروى عنه مسلم في "مقدمة كتابه"، وروى الترمذي عن زكريا بن يحيى اللؤلؤي عنه، وأبو داود في غير السنن، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ليس هو من أصحاب الحديث. قال الخطيب: يعني لم يكن بالحافظ للطرق والعلل، وأما الصدق والضبط فلم يكن مدفوعا منه. وقال عبد الله بن أحمد: ذكر أبي أبا بكر الأعين حين مات، فقال: رَحِمَهُ اللهُ تعالى، مات ولا يعرف إلا الحديث، ولم يكن صاحب كلام، وإني لأغبطه. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال موسى بن هارون وغير واحد: مات سنة أربعين ومائتين.
وقال في "التقريب": صدوقٌ، من الحادية عشرة.
٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الصفار، أبو عثمان البصري، مولى عزرة بن ثابت الأنصاري، سكن بغداد.
رَوَى عن داود بن أبي الفُرَات، وعبد الله بن بكر المزني، وصخر بن جويرية، وشعبة، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى هو والباقون عنه بواسطة إسحاق بن منصور، وأبي قدامة السرخسي، ومحمد بن عبد الرحيم البزار، وحجاج بن الشاعر، وأبو خيثمة، وخلق كثير.
قال العجلي: عفان بصري ثقة ثبت، صاحب سنه، وكان على مسائل معاذ بن معاذ، فَجُعِل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل، فلا يقول: عدل، ولا غير عدل، فأبى، وقال: لا أبطل حقا من الحقوق. وقال حنبل بن إسحاق: وأمر المأمون إسحاق بن إبراهيم الطاهري أن يدعو عفان إلى القول بخلق القرآن، فإن لم يُجِب فاقطع عنه رزقه، وهو خمسمائة درهم في الشهر، فاستدعاه فقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى ختمها، فقال: مخلوق هذا؟ قال: يا شيخ إن أمير المؤمنين يقول: إن لم يجب أقطع رزقه، فقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، وخرج ولم يُجِب. وقال الحسين بن حيان: سألت أبا زكريا، إذا اختلف أبو الوليد وعفان في حديث عن حماد بن سلمة، فالقول قول من؟ قال: عفان، قلت: وفي حديث شعبة؟ قال: القول قول عفان، قلت: وفي كلّ شيء؟ قال: نعم عفان أثبت منه وأكيس، وأبو
стр. 650
الوليد ثبت ثقة، قلت: فأبو نعيم؟ قال: عفان أثبت. وقال المفضل الغلابي: ذُكر له -يعني لابن معين- عفان وثبته، فقال: قد أخذت عليه الخطأ في غير حديث. وقال عُمر ابن أحمد الجوهري عن جعفر بن محمد الصائغ: اجتمع علي بن المديني، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، وعفان، فقال عفان: ثلاثة يُضَعّفون في ثلاثة: علي بن المديني في حماد بن زيد، وأحمد بن حنبل في إبراهيم بن سعد، وأبو بكر بن أبي شيبة في شريك. قال علي: ورابع معهم، قال عفان: ومن ذاك؟ قال: عفان في شعبة. قال عمر بن أحمد: وكل هؤلاء أقوياء، ليس فيهم ضعيف، ولكن قال هذا على وجه المزاح. وقال إسحاق بن الحسن عن أحمد بن حنبل: ما رأيت الألفاظ في كتاب أحد من أصحاب شعبة أكثر منها عند عفان، يعني أنبأنا، وأخبرنا، وسمعت، وحدثنا، يعني شعبة. وقال حنبل عن أحمد: عَفّان وحَبّان، وبهز، هؤلاء المتثبتون. وقال: قال عفان كنت أوقف شعبة على الأخبار. قلت له: فإذا اختلفوا في الحديث، يُرجَع إلى من؟ قال: إلى قول عفان، هو في نفسي أكبر، وبهز أيضا، إلا أن عفان أضبط للأسامي، ثم حبان. وقال يحيى بن سعيد القطان: كان عفان، وحَبّان، وبهز يختلفون إليّ، فكان عفان أضبط القوم للحديث، عملت عليهم مرة في شيء، فما فَطِنَ لي أحد إلا عفان. وقال الآجري عن أبي داود: عفان أثبت من حَبان. وقال الآجري: قلت لأبي داود: بلغك عن عفان أنه يُكَذِّب وهب بن جرير؟ فقال: حدثني عباس العنبري، سمعت عليا يقول: أبو نعيم، وعفان صدوقان، لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يَدَعُون أحدا إلا وقعوا فيه. وقال حسان بن الحسن المجاشعي: سمعت ابن المديني يقول: قال عفان: ما سمعت من أحد حديثا إلا عرضته عليه، غير شعبة، فإنه لم يُمَكِّنّي أن أعرض عليه. قال: وذُكر عنده عفان، فقال: كيف أذكر رجلا يشك في حرف، فيضرب على خمسة أسطر. قال: وسمعت عليا يقول: قال عبد الرحمن: أتينا أبا عوانة، فقال: من على الباب؟ فقلنا: عفان، وبهز، وحَبان، يقول: هؤلاء بلاء من البلاء، قد سمعوا يريدون أن يَعْرِضوا. وقال الحسن الزعفراني: قلت لأحمد: من تابع عفان على كذا وكذا؟ فقال: وعفان يحتاج إلى متابعة أحد؟ . وقال عبد الخالق بن منصور: سئل يحيى ابن معين عن عفان وبهز أيهما كان أوثق؟ فقال: كلاهما ثقة، فقيل له: إن ابن المديني يزعم أن عفان أصح الرجلين، فقال: كانا جميعا ثقتين صدوقين. وقال يعقوب بن شيبة: سمعت يحيى بن معين يقول: أصحاب الحديث خمسة: مالك، وابن جريج، والثوري، وشعبة، وعفان. وقال الدُّوريّ: سمعت ابن معين يقول: كان عفان أثبت من زيد بن الحباب، وقال: عفان -والله- أثبت من أبي نعيم في حماد بن سلمة. وقال محمد بن العباس النسائي: سألت ابن معين، مَن أثبت: عبد الرحمن بن مهدي، أو
стр. 651
عفان؟ قال: كان عبد الرحمن أحفظ لحديثه، وحديث الناس، ولم يكن من رجال عفان في الكتاب، وكان عفان أسن منه. وقال عمرو بن علي: رأيت يحيى يومًا حدث بحديث، فقال له عفان: ليس هو هكذا، فلما كان من الغد أتيت يحيى، فقال: هو كما قال عفان، ولقد سألت الله أن لا يكون عندي على خلاف ما قال عفان. وقال ابن معين: كان يحيى إذا تابعه عفان على شيء ثبت عليه، وإن كان خطأ، وإذا خالفه عفان في حديث عن حماد رجع عنه يحيى، لا يحدث به أصلًا. وقال الحسن الزعفراني: رأيت يحيى بن معين يَعْرِض على عفان ما سمعه من يحيى القطان. وقال المعيطيّ: عفان أثبت من القطان. وقال محمد بن عبد الرحمن بن فهم: سمعت يحيى بن معين يقول: عفان أثبت من عبد الرحمن بن مهدي. قال: وسمعت ابن معين يقول: ما أخطأ عفان قط إلا مرة أنا لقنته إياه، فأستغفرُ الله. وقال خلف بن سالم: ما رأيت أحدًا يُحسن الحديث إلا رجلين: بهز وعفان. وقال أحمد: لزمته عشر سنين. وقال أبو حاتم: ثقة إمام متقن. وقال ابن عدي بعد أن حَكَى قولَ سليمان بن حرب: تُرَى عفان ابن مسلم كان يضبط عن شعبة؟ ، والله لو جَهَد جهده أن يضبط عن شعبة حديثا واحدًا، ما قدر عليه، كان بَطِيئًا، رَدِيء الفهم، بطيء الفهم، قال سليمان: والله لقد دخل عفّان قبره وهو نادم على رواياته عن شعبة. قال ابن عدي: عفان أشهر وأصدق وأوثق من أن يقال فيه شيء، فإن أحمد كان يرى أن يُكتب عنه ببغداد الإملاء من قيام، وأحمد أروى الناس عنه، ولا أعلم لعفان إلا أحاديث مراسيل عن الحمادين وغيرهما وصلها، وأحاديث موقوفة رفعها، والثقة قد يَهِم في الشيء، وعفان لا بأس به، صدوق. وقد رحل أحمد بن صالح المصري من مصر إلى بغداد، وكانت رحلته إلى عفان خاصة. قال ابن أبي خيثمة: سمعت أبي وابن معين يقولان: أنكرنا عفان في صفر سنة (١٩)، وفي رواية سنة عشرين، ومات بعد أيام. وقال ابن سعد: كان مولده سنة (١٣٤). وقال ابن سعد: ومات سنة عشرين، وكذا قال أبو داود، وزاد: شهدت جنازته، وفيها أرّخه غير واحد. وقيل: سنة (١٩). قال الخطيب: والصحيح الأول. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث ثبتا حجة. وقال ابن خراش: ثقة من خيار المسلمين. وقال ابن قانع: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال في "التقريب": ثقة، ثبتٌ، من كبار العاشرة. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٥٤) حديثًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ) أبو صالح البصري.
روى عن أبيه، ومعاذ بن معاذ، وفضيل بن عياض، وابن عيينة، وغيرهم. وروى عنه البخاري في "الجامع" تعليقًا، وفي "التاريخ"، وروى له مسلم في "المقدّمة"، وأبو
стр. 652
داود في "المسائل" بواسطة عفان، وهو أكبر منه، وأبي بكر بن أبي عتاب الأعين، وعباس بن عبد العظيم العنبري، وغيرهم. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وقيل: مات سنة ست وعشرين ومائتين. قال الحافظ: قرأت بخط الذهبي: هذا وَهَمٌ في تاريخ وفاته، فإن أبا يعلى، والحسن بن سفيان إنما دخلا البصرة بعد موت أبي الوليد الطيالسي في حدود الثلاثين ومائتين، وقد قيل: إن وفاته سنة ثلاث وثلاثين، قال: هذا مُتَّجِهٌ. انتهى. وفي سنة ثلاث وثلاثين أرّخه ابن مردويه في "كتاب أولاد المحدثين" له.
وقال في "التقريب": محمد بن يحيى بن سعيد القطّان، أبو صالح البصريّ، ولد العالم الشهير، وأما هو، فثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وثلاثين -أي ومائتين- على الصحيح. انتهى.
٤ - (أبوه) هو: يحيى بن سعيد القطّان الإمام الحجة المشهور المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن سعيد القطّان، أنه (قَالَ: لم نَرَ) بنون المتكلّم، وفي الرواية التالية: "تر" بتاء الخطاب (الصَّالِحِينَ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ) قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: ضبطناه في الأول بالنون، وفي الثاني بالتاء المثنّاة، ومعناه: ما قاله مسلم: إنه يجري الكذب على ألسنتهم، ولا يتعمّدون ذلك؛ لكونهم لا يعانون صناعة أهل الحديث، فيقع الخطأ في رواياتهم، ولا يعرفونه، ويروون الكذب، ولا يعلمون أنه كذب، وقد قدّمنا أن مذهب أهل الحقّ أن الكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو، عمدًا كان، أو سهوًا، أو غلطًا. انتهى (١).
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قول يحيى القطان: "أكذب منهم في الحديث" يعني به الغلط، والخطأ، كما فسّره مسلم، وسبب هذا أن أهل الخير هؤلاء المعنيين غلبت عليهم العبادة، فاشتغلوا بها عن الرواية، فنسوا الحديث، ثمّ إنهم تعرّضوا للحديث، فغلطوا، أو كثُر عليهم الْوَهَمُ، فتُرك حديثهم، كما اتّفق للْعُمريّ، وفرقد السَّبَخيّ، وغيرهما. انتهى (٢).
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: يعني أنهم يُحدّثون بما لم يصحّ؛ لقلة معرفتهم بالصحيح، والعلم بالحديث، وقلّة حفظهم، وضبطهم لما سمعوه، وشغلهم بعبادتهم،
стр. 653
وإضرابهم عن طريق العلم، فكذبوا من حيث لم يعلموا، وإن لم يتعمّدوا، وعلى هذا يأتي قولهم: "كذب" في صالح الْمُرّيّ، وشبهه: أي أخطأ، وقال ما ليس واقعًا، وإن لم يتعمّد، وقد يقع في الكذب على رسول الله ﷺ منهم من غلبت عليه العبادة، ولم يكن معه علم، فيضع الحديث في فضائل الأعمال، ووجوه البرّ، ويتساهلون في رواية ضعيفها، ومنكرها، وموضوعها، كما قد حُكي عن كثير منهم، واعترف به بعضهم، وهم يحسبون -لقلة علمهم- أنهم يُحسنون صنعًا، وربّما احتجّوا في ذلك بالحديث المأثور عن أبي هريرة ﵁ يرفعه إلى النبيّ ﷺ أنه قال: "إذا حُدّثتم عنّي حديثًا تعرفونه، ولا تنكرونه، فصدّقوا به، قلته، أو لم أقله، فإني أقول ما يُعرف، ولا يُنكر". وهو حديث ضعّفه الأصيليّ وغيره من الأئمة. انتهى كلام القاضي ببعض تغيير (١).
[تنبيه]: فإن قيل: كيف كان هؤلاء الصالحون أقلّ كذبًا في حديث الناس، وأكثر كذبًا في الحديث النبويّ، مع كونه أشدّ جرمًا؟ .
[قلت]: سبب ذلك أنهم لصلاحهم يرون أن الإكثار من أحاديث الناس اشتغال بما لا يعني، فتركوه، وأما الأحاديت النبويّة، فيرون الاشتغال بها عبادة، فاستكثروا منها، فوقعوا في الأكاذيب الكثيرة. والله تعالى أعلم.
(قَال) محمد (بْنُ أَبِي عَتَّابٍ: فَلَقِيتُ أَنَا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ) أي شيخ عفّان في هذا الأثر، و"القطّان" بالجرّ صفة ليحيى، وليس منصوبًا على أنه صفة لمحمد. قاله النوويّ (٢). (فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ؟ ) أي عن هذا الأثر (فَقَالَ عَنْ أَبِيهِ) متعلّق بحال مقدّر: أي حال كونه آخذًا (لَمْ تَرَ) بتاء الخطاب بدل النون (أَهْلَ الْخَيْرِ فِي شَيْءٍ أَكْذَبَ مِنْهُمْ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ مسْلِم) صاحب الكتاب، مفسّرًا، وموضّحًا كلام يحيى القطّان (يَقُولُ) الضمير ليحيى القطّان: أي يريد بقوله: "لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث" (يَجْرِي الْكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِمْ) أي لسان أهل الخير، إما غلطًا، أو نسيانًا (وَلَا يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ) يعني أنهم يحدّثون بالأحاديث المكذوبة، من غير قصد لها، وإنما فسّره بهذا؛ لأنه لا يمكن تفسيره بالكذب قصدًا؛ لأنه ينافي وصفهم بالصلاح، أو بالخير؛ لأن من يتعمّد الكذب يكون مرتكبًا لذنب عظيم، ولا سيّما الكذب على رسول الله ﷺ ؛ فإنه أعظم أنواع الكذب، كما تقدّم بيان ذلك، فقد اختلف العلماء في كفر مرتكبه، على ما قدّمنا تحقيقه عند قول المصنّف: "ممن اتُّهم بوضع الأحاديث، وتوليد الأخبار". فراجعه تستفد.
стр. 654
وعن عليّ بن المدينيّ، قال: سُئل يحيى بن سعيد عن مالك بن دينار، ومحمد بن واسع، وحسّان بن أبي سنان؟ فقال: ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث؛ لأنهم يكتبون عن كلّ من يلقونه، لا تمييز لهم فيه. وقال الجوزجانيّ: سمعت أبا قُدامة يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: رُبّ رجل صالح لو لم يُحدّث كان خيرًا له، إنما هو أمانة، وتأدية الأمانة في الذهب والفضّة أيسر منه في الحديث. (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن يحيى القطّان رحمه اللهُ تعالى، قد نُقل عن غيره من أهل العلم أيضًا، كما سيأتي بعضه فيما سينقله المصنّف رحمه الله تعالى، وقد روى ابن عديّ في "كامله" بإسناده عن أبي عاصم النبيل قال: ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث. وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي أسامة قال: إن الرجل يكون صالحًا، ويكون كذّابًا، يعني يُحدّث بما لا يحفظ. وروى عمرو الناقد قال: سمعت وكيعًا، وذُكر له حديث يرويه وهب بن إسماعيل، فقال: ذاك رجل صالحٌ، وللحديث رجال. وروى أبو نُعيم بإسناده عن ابن مهديّ قال: فتنة الحديث أشدّ من فتنة المال، وفتنةِ الولد، لا تُشبه فتنته فتنةٌ، كم من رجل يُظنّ به الخير، قد حمله فتنة الحديث على الكذب. قال الحافظ ابن رجب: يُشير إلى من حدّث من الصالحين من غير إتقان وحفظ، فإنما حمله على ذلك حبّ الحديث، والتشبّه بالحفّاظ، فوقع في الكذب على النبيّ ﷺ ، وهو لا يعلم، ولو تورّع، واتّقى الله، لكفّ عن ذلك، فسلِمَ. وعن ابن منده قال: إذا رأيت في حديث حدّثنا فلان الزاهد، فاغسل يدك منه. وقال ابن عديّ: الصالحون قد رَسموا بهذا الاسم أن يرووا أحاديث في فضائل الأعمال موضوعة بواطيل، ويُتّهم جماعة منهم بوضعها.
قال ابن رجب: وهؤلاء المشتغلون بالتعبّد الذين يترك حديثهم على قسمين: منهم: من شغلته العبادة عن الحفظ، فكثر الوهم في حديثه، فرفع الموقوف، ووصل المرسل، وهؤلاء مثلُ أبان بن أبي عيّاش، ويزيد الرَّقَاشيّ. وقد كان شعبة يقول في كلّ منهما: لأن أزني أحبّ إليّ من أن أُحدّث عنه. ومثلُ جعفر بن الزبير، ورِشْدين بن سعد، وعبّاد بن كثير، وعبد الله بن محرّر، والحسن بن أبي جعفر الْجُفْريّ، وغيرهم. ومنهم: من كان يتعمّد الوضع، ويتعبّد بذلك، كما ذُكر عن أحمد بن محمد بن غالب غلام خليل، وعن زكريّا بن يحيى الوقّار المصريّ. انتهى كلام ابن رجب (٢).
стр. 655
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يزاد على هذا من يروي عن كلّ من دبّ ودرج؛ تحسينًا للظنّ بكلّ من قال: قال رسول الله ﷺ .
والحاصل أنهم على ثلاثة أقسام: قسم: أخذ عن الثقات، لكنه غلبت عليه العبادة، فاشتغل بها عن حفظ الأحاديث، فكثر الوهم في حديثه. وقسم: غلب عليه الجهل، فكان يتعبّد بوضع الأحاديث؛ ترغيبًا للناس إلى الخير، وترهيبًا لهم عن الشرّ. وقسم: غلب عليه حسن الظنّ بالناس، فكان يروي عن كلّ من دبّ ودرج، فكلّ من سمعه يحدّث عن النبيّ ﷺ أخذ عنه، سواء كان ثقةً، أم لا؛ تحسينًا للظنّ. وإلى ما تقدّم أشرت في "شافية الغُلل" بقولي:
ثُمَّ الَّذِينَ اشْتَغَلُوا بِالطَّاعَةِ ... وَلَا يُبَالُونَ لَدَى الرِّوَايَةِ
قِسْمَانِ مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ مُهْمِلَا ... لِحِفْظِهِ فَذَا يَكُونُ مُهْمَلَا
لِكَثْرَةِ الْوَهْمِ بِرَفْعِ مَا وُقِفْ ... وَوَصْلِ مُرْسَلٍ فَبِئْسَمَا وُصِفْ
مِثْلُ أَبَانَ بْنِ أَبِي عَيَّاشِ ... كَذَا يَزِيدُ أَقْصِدُ الرَّقَاشِي
كَذَاكَ عَبَّادٌ وَهَى وَجَعْفَرُ ... وَالْحَسَنُ الْجُفْرِيُّ أَيْضًا يُذْكَرُ
وَابْنُ مُحَرَّرٍ كَذَا رِشْدِينُ ... كَذَا أَبُو مُقَاتِلٍ يَمِينُ
وَغَيْرُ هَؤُلَا مِنَ الْعَبَدَةِ ... قَدْ ضَيَّعُوا الأَخْبَارَ بِالْعِبَادَةِ
وَمِنْهُمُ مَنْ كَانَ قَدْ تَعَبَّدَا ... بِالْوَضْعِ قَدْ ضَلَّ وَبَاءَ بِالرَّدَى
كَأَحْمَدَ بْنِ غَالِبٍ ذِي الْوَضْعِ ... وَزَكَرِيَّا نَجْلِ يَحْيَى الْبِدْعِي
وَمِنْهُمُ مَنْ ظَنَّهُ قَدْ أَحْسَنَا ... بِكُلِّ مَنْ حَدَّثَهُ فَافْتَتَنَا
بِحَمْلِهِ الْحَدِيثَ عَنْ كُلِّ أَحَدْ ... ثِقَةً أَوْ كَانَ بِوَضْعِهِ مَرَدْ
فَكُلُّهُمْ فِي الْحُكْمِ قُلْ سَوَاءُ ... فَاحْذَرْهُمُ فَإِنَّهُمْ غُثَاءُ (١)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٤٥ - (حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي خَلِيفَةُ ابْنُ مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، فَجَعَلَ يُمْلِي عَلَيَّ: حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، فَأَخَذَهُ الْبَوْلُ، فَقَامَ، فَنَظَرْتُ فِي الْكُرَّاسَةِ، فَإِذَا فِيهَا: حَدَّثَنِي أَبَانٌ، عَنْ أَنَسٍ، وَأَبَانٌ، عَنْ فُلَانٍ، فَتَرَكْتُهُ، وَقُمْتُ).
стр. 656
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ) الأعرج البغداديّ المتقدّم قبل حديث.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) بن زاذي، ويقال: زاذان بن ثابت السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، قيل: أصله من بُخَارَى.
رَوَى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، وخلق كثير. وروى أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وخلق كثير.
قال أبو طالب عن أحمد: كان حافظا للحديث، صحيح الحديث، عن حجاج بن أرطاة. وقال ابن المديني: هو من الثقات. وقال في موضع آخر: ما رأيت أحفظ منه. وقال ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة ثبت في الحديث، وكان متعبدا، حسن الصلاة جدّا، وكان يصلي الضحى ست عشرة ركعة بها من الجودة غيرُ قليل، وكان قد عَمِي. وقال أبو زرعة عن أبي بكر بن أبي شيبة: ما رأيت أتقن حفظا من يزيد. قال أبو زرعة: والإتقان أكثر من حفظ السرد. وقال أبو حاتم: ثقة إمام صدوق، لا يُسأل عن مثله. وقال عمرو بن عون عن هشيم: ما بالبصريين مثل يزيد. وقال أحمد بن سنان عن عفان: أخذ يزيد عن حماد حفظًا، وهي صحاح، بها من الاستواء غير قليل، ومَدَحَهَا. وقال أيضا: ما رأيت عالمًا قط أحسن صلاة منه، كأنه أسطوانة، لم يكن يفتر عن صلاة الليل والنهار، وكان هو وهشيم معروفين بطول الصلاة. وقال يحيى بن يحيى: كان بالعراق أربعة من الحفاظ، فذكره فيهم، وأشار إلى أنه أحفظ من وكيع. وقال مؤمل بن إهاب: سمعت يزيد يقول: ما دلست قط إلا حديثا واحدًا عن عوف، فما بورك لي فيه. وقال محمد بن قُدامة الجوهري: سمعته يقول: أحفظ خمسة وعشرين ألف إسناد، ولا فخر. وقال علي بن شعيب: سمعته يقول: أحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بإسناده، ولا فخر، وأحفظ للشاميين عشرين ألف حديث، لا أُسأل عنها. وقال يحيى بن أبي طالب: كان يقال: إن في مجلسه سبعين ألف رجل. وقال يعقوب بن سفيان عن محمد بن فضيل البزاز: وُلد يزيد سنة سبع عشرة ومائة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وُلد سنة ثماني عشرة، وكان يقول: طلبت العلم، وحُصين حي، وقد نَسِيَ، وربما ابتدأني الجريري بالحديث، وكان قد أُنكر، مات في خلافة المأمون، في غرة ربيع الآخر، سنة ست ومائتين. وفيها أرّخه غير واحد. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من خيار عباد الله تعالى، ممن يحفظ حديثه، وكان قد كُفّ في آخر عمره. وقال زكريا بن يحيى: كنا نسمع أن يزيد من أحسن أصحابنا صلاةً، وأعلمهم بالسنة.
стр. 657
وقال في "التقريب": ثقة متتقنٌ، عابدٌ، من التاسعة، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٦٧) حديثًا.
٣ - (خَلِيفَةُ بْنُ مُوسَى) بن راشد الْعُكْليّ -بضم المهملة، وسكون الكاف- الكوفي.
رَوَى عن الشرقي بن قطامي، وغالب بن عبيد الله الجزري، ومحمد بن ثابت، وعنه ابن أخيه محمد بن عباد بن موسى، ويزيد بن هارون. وله في "صحيح مسلم" هذا الموضع فقط.
وقال في "التقريب": مستور، من السابعة. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن خَلِيفة بن موسى، أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى غَالِبِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) -بالتصغير- الْعُقَيليّ الْجَزَريّ، روى عن عطاء، ومكحول، ومجاهد. وروى عنه يحيى بن حمزة، ويعلى بن عُبيد، وعمرو بن أيوب، وآخرون (فَجَعَلَ يُمْلِي) بضمّ أوله من الإملاء، يقال: أمليت الكتاب على الكاتب إملاءً: إذا ألقيته عليه، ويقال أيضًا: أمللته بلامين، وهي لغة أهل الحجاز، وبني أسد، والأولى لغة تميم، وقيس، وبهما جاء القرآن الكريم، قال الله : ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]، وقال: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] (١). (عَلَيَّ) متعلّق بـ "يملي" (حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ) الشاميّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو أيوب، ويقال: أبو مسلم الفقيه الدمشقيّ، روى عن النبي ﷺ مرسلًا، وعن أبي بن كعب، وثوبان، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم. وروى عنه الأوزاعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وثور بن يزيد الحمصي، وخلق كثير. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل الشام. وقال يحيى بن حمزة عن أبي وهيب الكلاعي، عن مكحول: عَتَقْتُ بمصر، فلم أدع فيها علما إلا احتويت عليه فيما أدري، ثم أتيت العراق، والمدينة، والشام، فذكر كذلك. وقال ابن زَبْر عن الزهري: العلماء أربعة، فذكرهم، فقال: ومكحول بالشام. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: سمعت مكحولا يقول: طفت الأرض كلها في طلب العلم. وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: كان سليمان بن موسى يقول: إذا جاء بالعلم من الشام عن مكحول قبلناه. وقال مروان بن محمد عن سعيد: لم يكن في
стр. 658
زمان مكحول أبصر منه بالفتيا. وقال عثمان بن عطاء: كان مكحول أعجميا، وكل ما قال بالشام قُبل منه. وقال ابن عمار: كان مكحول إمام أهل الشام. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال ابن خراش: شامي صدوق، وكان يرى القدر. وقال مروان بن محمد عن الأوزاعي: لم يبلغنا أن أحدا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين: الحسن، ومكحول، فكشفنا عن ذلك، فإذا هو باطل. وقال أبو حاتم: ما أعلم بالشام أفقه من مكحول.
وقال ابن سعد: قال بعض أهل العلم: كان مكحول من أهل كَابُل، وكانت فيه لُكْنَةٌ، وكان يقول بالقدر، وكان ضعيفا في حديثه ورأيه. وقال أبو داود: سألت أحمد، هل أَنكر أهلُ النظر على مكحول شيئًا؟ قال: أنكروا عليه مجالسة غَيلان، ورموه به، فبرأ نفسه، بأن نَحّاه. وقال الْجُوزجاني: يُتَوَهّم عليه القدر، وهو ينتفي عنه. وقال يحيى بن معين: كان قدريا، ثم رجع. وقال ابن يونس ذُكر أنه من أهل مصر. ويقال: كان لرجل من هُذيل، من أهل مصر، فأعتقه، فسكن الشام. ويقال: كان من آل فارس. ويقال: كان اسم أبيه شِهْراب، وكان مكحول يُكنى أبا مسلم، وكان فقيها عالما، رأى أبا أمامة، وأنسًا، وسمع من واثلة، يقال: توفي سنة ثماني عشرة ومائة. وقال أبو نعيم: مات سنة اثنتي عشرة. وفيها أرخه دُحيم، وغير واحد. قال أبو مسهر: مات بعد سنة اثنتي عشرة، وعنه: مات سنة ثلاث عشرة، أو أربع عشرة. وكذا قال الحسن بن محمد بن بكار بن بلال. وقال سليمان بن عبد الرحمن: مات سنة ثلاث عشرة. وقال ابن سعد: مات سنة ست عشرة. وعن عمر بن سعيد الدمشقي: سنة ثمان عشرة. وقال في "التقريب": ثقة فقيه، كثير الإرسال، مشهور، من الخامسة. انتهى.
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والباقون، وله في "صحيح مسلم" أربعة أحاديث، برقم ٥٧٢ و ١٦٣٢ و ٣٥٣٧ و ٣٥٦٩.
(حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ) كرره إشارة إلى إكثاره الرواية عن مكحول (فَأَخَذَهُ الْبَوْلُ) أي ضغطه، وأزعجه، واحتاج إلى إخراجه (فَقَامَ) من مجلسه (فَنَظَرْتُ فِي الْكُرَّاسَةِ) بضم الكاف، وتشديد الراء، آخرها هاء. قال في "الصحاح": الْكُرّاسة: واحدة الكرّاس، والكراريس. قال الْكُميتُ [من البسيط]:
حَتَّى كَأَنَّ عِرَاضَ الدَّارِ أَرْدِيَةٌ ... مِنَ التَّجَاوِيزِ أَوْ كُرَّاسُ أَسْفَارِ (١)
وفي "القاموس"، و"شرحه": الْكُرّاس: الجزء من الصحيفة، يقال: قرأت كُرّاسة
стр. 659
من كتاب سيبويه، وهذا الكتاب عدّة كَرَاريس، وتقول: التاجر مجده في كيسه، والعالم مجده في كراريسه. وقال ابن الأعرابيّ: كرس الرجل: إذا ازدحم علمه في قلبه، والكُرَّاسَةُ من الكتب، سُمّيت بذلك لتكرّسها. انتهى (١).
وقال النوويّ: قال أبو جعفر النحاس في كتابه "صناعة الكتاب": الكراسة معناها: الكُتُب المضموم بعضها إلى بعض، والورق الذي قد أُلصق بعضه إلى بعض، مشتق من قولهم: رَسْمٌ مُكَرَّسٌ: إذا ألصقت الريح التراب به. قال: وقال الخليل: الكراسة مأخوذة من أَكْراس الغنم، وهو أن تبول في الموضع شيئا بعد شيء، فَيَتَلَبَّدَ. وقال أقضى القضاة الماورديّ: أصل الكرسيّ: العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب: كُرّاسة. انتهى (٢).
(فَإِذَا) هي "إذا" الْفُجائيّة: أي ففاجأني (فِيهَا) أي في تلك الكُرّاسة (حَدَّثَنِي أَبَان) ابن أبي عيّاش العبديّ، أبو إسماعيل البصريّ، متروك الحديث، سيأتي تمام البحث فيه حيث يذكره المصنّف، إن شاء الله تعالى.
[تنبيه]: "أبان" -بفتح الهمزة، وتخفيف الموحّدة، آخره نون- وفيه وجهان لأهل العربية: الصرف، وعدمه، فمن لم يصرفه جعله فِعْلًا ماضيا، والهمزة زائدة، فيكون أفعل، ومن صرفه جعل الهمزة أصلًا، فيكون فَعَالًا، وصرفه هو الصحيح، وهو الذي اختاره الإمام محمد بن جعفر، في كتابه "جامع اللغة"، والإمام أبو محمد بن السِّيد الْبَطْلَيُوسِيّ (٣). والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَنَس) بن مالك الصحابيّ الشهير ((وَأَبَانُ) بن أبي عيّاش (عَنْ فُلَانٍ) كناية عن شيخ من شيوخ أبان.
وغرض خليفة بن موسى بهذا الكلام تضعيف غالب بن عبيد الله، ووجه ذلك أنه أملى عليه أحاديث، قائلًا: حدّثني مكحول عن فلان، ومكحول عن فلان، فلما قام للبول، نظر في كرّاسته، فوجد أسانيد تلك الأحاديث غير ما أملى عليه؛ لأن فيها: حدّثني أبان، عن أنس، وأبان عن فلان، فتبيّن له بذلك كذبه، ولذلك قال: (فَتَرَكْتُهُ) أي تركت سماع حديثه (وَقُمْتُ) أي من مجلسه.
وهذا الذي قاله خليفة بن موسى في غالب قاله غيره من الأئمة، فقد تركه وكيع،
стр. 660
وقال يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال ابن المديني: كان ضعيفا، وليس بشيء. وقال ابن سعد: كان ضعيف الحديث، ليس بذاك. وقال أبو حاتم: لم يرو عنه يحيى بن سعيد، ولا ابن مهدي، وسألت ابن المديني عنه؟ فقال ما كتبت من حديثه شيئا. وقال ابن عدي بعد أن أورد له أحاديث: ولغالب غير ما ذكرت، وله أحاديث منكرة المتن، مما لم أذكره. وقال أبو حاتم: هو متروك الحديث، منكر الحديث. وقال العقيلي: حدثنا إدريس بن عبد الكريم، ثنا الهيثم بن خارجة، قال: كان غالب نزل خراسان، ومات في آخر أيام المهدي، وكان ضعيفا في الحديث، ثم أخرج من طريق خليفة بن موسى ما أخرجه المصنّف هنا. وقال الجوزجاني: غير مقنع. وقال الحاكم: ساقط الحديث. ونقل البخاري عن يحيى بن معين أنه قال فيه: منكر الحديث. وقال الساجي: ضعيف. وقال البرقي عنه: لا يكتب حديثه. وقال النسائي في "الجرح والتعديل": ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال في "الضعفاء": متروك الحديث. وكذا قال العجلي. وذكره ابن الجارود، وابن شاهين، في الضعفاء. (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٤٦ - (قَالَ: وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي كِتَابِ عَفَّانَ حَدِيثَ هِشَامٍ أَبِي الْمِقْدَامِ، حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ: يَحْيَى ابْنُ فُلَانٍ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَفَّانَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هِشَامٌ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا ابْتُلِيَ مِنْ قِبَلِ هَذَا الْحَدِيثِ، كَان يَقُولُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ادَّعًى بَعْدُ، أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ).
شرح الأثر:
(قَالَ) المصنّف رحمه الله تعالى، وهو ملحق من بعض الرواة عنه (وَسَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيَّ) -بضمّ المهملة- (٢) نزيل مكّة الثقة الحافظ المتوفّى سنة (٢٤٢) تقدّمت ترجمته في ٣/ ٢٢. (يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي كِتَابِ عَفَّانَ) بن مسلم الصفّار المذكور قبل أثرين (حَدِيثَ هِشَامٍ أَبِي الْمِقْدَامِ) هو: هشام بن زياد بن أبي يزيد القرشي، أبو المقدام بن أبي هشام، ويقال له أيضًا: هشام بن أبي الوليد المدني مولى عثمان. روى عن الحسن البصري، وأبي صالح، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم. وروى عنه وكيع، وزيد بن الحباب، وابن المبارك، وعباد بن عباد المهلبي، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد، وأبو
стр. 661
زرعة: ضعيف الحديث. وقال الدُّوري عن ابن معين: ليس بثقة. وقال في موضع آخر: ضعيف، ليس بشيء. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال أبو داود: غير ثقة. وقال الترمذي: يضعف. وقال النسائي، وعلي بن الجنيد الأزدي: متروك الحديث. وقال النسائي أيضا: ضعيف. وقال النسائي أيضا: ليس بثقة، ومرة: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس بالقوي، وكان جارًا لأبي الوليد، فلم يرو عنه، وكان لا يرضاه، ويقال: إنه أخذ كتاب حفص المنقري عن الحسن، فروى عن الحسن، وعنده عن الحسن أحاديث منكرة. وقال ابن حبّان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدارقطني: ضعيف، وترك ابن المبارك حديثه. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وقال أبو بكر بن خزيمة: لا يحتج بحديثه. وقال العجلي: ضعيف. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف، لا يفرح بحديثه. أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. قال في "التقريب": متروك، من السادسة. (حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بنصب "حديث" بدلًا من قوله: "حديث هشام"، أو على أنه مفعول لفعل مقدّر: أي أعني. ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدإ محذوف: أي هو.
وعمر بن عبد العزيز هذا: هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الْحَكَم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أبو حفص اليدني، ثم الدمشقي، أمير المؤمنين، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، روى عن أنس، والسائب بن يزيد، وعبد الله بن جعفر، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وغيرهم. وروى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وابناه: عبد الله، وعبد العزيز، وأخوه زبان بن عبد العزيز، والزهريّ، وخلق كثير. قال ابن سعد: قالوا: وُلد سنة (٦٣)، وكان ثقة، مأمونا، له فقه، وعلم، وورع، وروى حديثا كثيرًا، وكان إمام عدل. وقال عمرو بن علي: سمعت عبد الله بن داود يقول: وُلد مقتل الحسين سنة (٦١). وذكر سعيد بن عُفير أنه كان أسمر، دقيق الوجه، نَحِيف الجسم، حسن اللحية، بجبهته أثر نَفْحة دابة، قد وَخَطَه الشيب. قال ضمرة بن ربيعة: حدثنا أبو علي، ثروان مولى عمر بن عبد العزيز، أنه دخل إصطبل أبيه، وهو غلام، فضربه فرس، فشجه، فجعل أبوه يمسح عنه الدم، ويقول: إن كنتَ أشج بني أمية إنك لسعيد. وقال أبو بكر بن أبي الأسود، عن جده، عن الضحاك بن عثمان، أن عبد العزيز بن مروان، ضَمّ عمر ابنه إلى صالح بن كيسان، فلما حج أتاه، فسأله عنه؟ فقال: ما خبرت أحدًا الله أعظم في صدره من هذا الغلام. وقال ابن أبي خيثمة: ثنا أبي ثنا المفضل بن عبد الله، عن داود بن أبي هند قال: دخل علينا عمر بن عبد العزيز من هذا الباب، فقال رجل من القوم: بعث إلينا الفاسق بابنه هذا، يتعلم الفرائض والسنن، ويزعم أنه لن يموت حتى يكون خليفة، ويسير سيرة عمر
стр. 662
ابن الخطاب، فقال لنا داود: فوالله ما مات حتى رأينا ذلك فيه. وقال مالك بن أنس: كان سعيد بن المسيب لا يأتي أحدًا من الأمراء غيره. وقال ابن وهب عن الليث: حدثني قادم الْبَرْبَرِيُّ أنه ذاكر ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيئًا من قضاء عمر بن عبد العزيز، إذ كان بالمدينة، قال: فقال له ربيعة: كأنك تقول: إنه أخطأ، والذي نفسي بيده ما أخطأ قط. وقال ابن عيينة: سألت عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: كم أتى على عمر؟ قال: لم يُتم أربعين سنة. وقال مجاهد: أتيناه نعلمه، فما بَرِحْنا حتى تعلمنا منه. وقال ميمون بن مِهْران: ما كانت العلماء عند عمر إلا تلامذة. وقال نوح بن قيس: سمعت أيوب يقول: لا نعلم أحدا ممن أدركنا، كان آخَذَ عن النبي ﷺ منه. وقال أنس: ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى. وقال محمد بن علي بن الحسين: لكل قوم نَجِيبة، وإن نَجِيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. وقال أبو مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: عَهِدَ سليمان إلى عمر ابن عبد العزيز، فأقام سنتين ونصفا. وقال يعقوب بن إبراهيم بن سعد: تُوفّي سليمان ابن عبد الملك في صفر سنة (٩٩)، واستَخلَف عمرَ بنَ عبد العزيز يوم مات. وقال سعيد بن عامر الضبعي، عن ابن عون: لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، قام على المنبر، فقال: يا أيها الناس إن كرهتموني لم أقم عليكم، فقالوا: رضينا رضينا، فقال ابن عون: الآن حين طاب الأمر. وقال يحيى بن حمزة: ثنا سليمان بن داود، أن عَبْدة بن أبي لبابة بَعَث معه بدراهم يفرقها في فقراء الأمصار، قال: فأتيت الماجشون، فسألته، فقال: ما أعلم أن فيهم اليوم محتاجا، أغناهم عمر بن عبد العزيز. وقال جعفر ابن سليمان، عن هشام بن حسان: لمّا جاء نَعْيُ عمر بن عبد العزيز قال الحسن: مات خير الناس. ومناقبه، وفضائله كثيرة جدًّا. قال غير واحد: مات في رجب سنة إحدى ومائة.
وعدّه في "التقريب" من الطبقة الرابعة.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح البخاريّ" حديث واحد، حديث: "أيما امرئ أفلس ... " الحديث، وله في "صحيح مسلم" ستة أحاديث، برقم ٥٢٩ و ١٤٠٤ و ١٨٥٨ و ٢٥٠٩ و ٢٩١٣ و ٢٩١٤.
وقوله: (قَالَ هِشَامٌ) بيان للحديث الذي رآه في كتاب عفّان: أي نصّ الحديث الذي في كتاب عفّان: قال هشام، أي أبو المقدام المذكور: (حَدَّثَنِي رَجُلٌ، يُقَالُ لَهُ يَحْيَى ابْنُ فُلَانٍ) قال صاحب المبهمات: لا أعرفه. انتهى. (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ) هو: محمد بن كعب بن سُليم بن أسد القرظي، أبو حمزة، وقيل: أبو عبد الله المدني، من حلفاء الأوس، وكان أبوه من سبي قريظة، سكن الكوفة، ثم المدينة، روى عن العباس
стр. 663
ابن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وغيرهم. وروى عنه أخوه عثمان، والحكم بن عتيبة، ويزيد بن أبي زياد، وابن عجلان، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقةً، عالمًا، كثير الحديث، ورعًا. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، رجل صالح، عالم بالقرآن. وقال ابن المديني، وأبو زرعة: ثقة. وقال البخاري: إن أباه كان ممن لم يُنبِت يوم قريظة، فتُرك. قال: وسمعت قتيبة يقول: بلغني أنه رأى النبي ﷺ وقال الترمذي سمعت قتيبة يقول بلغني أن محمد بن كعب ولد في حياة النبي ﷺ .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نقله الترمذيّ، عن قتيبة، مما لا حقيقة له، وإنما الذي ولد في عهده ﷺ هو أبوه، فقد ذكروا أنه كان من سبي قريظة، ممن لم يَحتلِم، ولم يُنبت، فخَلَّوا سبيله، حكى ذلك البخاري، كما سبق آنفًا. نبّه عليه الحافظ رحمه الله تعالى.
وقال يعقوب بن شيبة: وُلد في آخر خلافة علي سنة أربعين، ولم يسمع من العباس. وقال عون بن عبد الله: ما رأيت أحدًا أعلم بتأويل القرآن منه. وقال ابن حبان: كان من أفاضل أهل المدينة علمًا، وفقهًا، وكان يَقُصُّ في المسجد، فسقط عليه وعلى أصحابه سقف، فمات هو وجماعة معه تحت الهدم، سنة ثماني عشرة. وأرّخه أبو بكر بن أبي شيبة وغير واحد سنة ثمان ومائة. وقال يعقوب بن شيبة وغيره: مات سنة سبع عشرة، وهو ابن ثمان وسبعين سنة. وقال ابن نمير: مات سنة تسع عشرة. وقال ابن سعد وغيره: مات سنة عشرين. وقيل: غير ذلك. وقال في "التقريب": ثقة، عالمٌ، من الثالثة، وُلد سنة أربعين على الصحيح، ووهِم من قال: وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، فقد قال البخاريّ: إن أباه كان ممن لم يُنبِت من سبي قُريظة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" حديث واحد، برقم ٢٧٤٨ حديث: "لو أنكم لم تكن لكم ذنوب، يغفرها الله لكم ... " الحديث.
(قَالَ) الحسن الحلوانيِّ (قُلْتُ لِعَفَّانَ) بن مسلم (إِنَّهُمْ) أي إن الناس الذين ليس لهم علم بحال هشام (يَقُولُونَ: هِشَامٌ) أي أبو المقدام (سَمِعَهُ) أي الحديث الذي رآه في كتاب عفّان (مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ) القرظيّ (فَقَالَ) عفّان (إِنَّمَا ابْتُلِيَ) بالبناء للمفعول: أي إنما ابتُلي هشام بالكذب (مِنْ قِبَلِ) -بكسر القاف، وفتح الموحّدة-: أي من جهة (هَذَا الْحَدِيثِ) وقوله: (كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى) بيان لوجه ابتلائه بالحديث المذكور. و"يحيى": هو ابن فلان المذكور آنفًا، وقد سبق أنه مجهول (عَنْ مُحَمَّدٍ) أي ابن كعب (ثُمَّ ادَّعَى) أي هشام (بَعْدُ) بالبناء على الضمّ لقطعه عن الإضافة لفظًا، ونيّة معناه، كما قال في "الخلاصة":
стр. 664
وَاضْمُمْ بِنَاءً "غَيْرًا" انْ عَدِمْتَ مَا ... لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا
"قَبْلُ" كَغَيْرُ "بَعْدُ" "حَسْبُ" "أَوَّلُ" ... وَ"دُونُ" وَالْجِهَاتُ أَيْضًا و"عَلُ"
أي بعد أن كان يرويه عن محمد بن كعب بواسطة ادّعى (أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّد) بن كعب.
وحاصل ما أشار إليه عفّان رحمه الله تعالى بكلامه هذا أن هشام بن زياد، أبا المقدام كذّابٌ، وبيان ذلك أنه كان زمنًا يُحدّث عن محمد بن كعب بواسطة رجل يقال له يحيى ابن فلان، ثم ترك الواسطة، فادّعى أنه سمع ذلك الحديث عن محمد بن كعب مباشرة.
[تنبيه]: قال النوويّ رحمه الله تعالى: ثم هنا قاعدةٌ، نُنَبِّه عليها، ثم نُحِيل عليها فيما بعدُ -إن شاء الله تعالى- وهي أن عفان رحمه الله تعالى قال: إنما ابتُلي هشام -يعنى إنما ضعفوه- من قِبَل هذا الحديث، كان يقول: حدثني يحيى، عن محمد، ثم ادّعَى بعدُ أنه سمعه من محمد. وهذا القدر وحده لا يقتضي ضعفًا، لأنه ليس فيه تصريح بكذب؛ لاحتمال أنه سمعه من محمد، ثم نسيه، فحدث به عن يحيى عنه، ثم ذَكَر سماعه من محمد، فرواه عنه، ولكن انضم إلى هذا قرائن، وأمور اقتضت عند العلماء بهذا الفنّ، الحذاقِ فيه، الْمُبَرِّزين من أهله، العارفين بدقائق أحوال رواته، أنه لم يسمعه من محمد، فحكموا بذلك لَمّا قامت الدلائل الظاهرة عندهم بذلك. وسيأتي بعدَ هذا أشياء كثيرة من أقوال الأئمة في الجرح بنحو هذا، وكلها يُقال فيها ما قلنا هنا. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ رحمه الله تعالى بحثٌ نفيسٌ جدَّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه في أول الكتاب:
٤٧ - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ، يَقُولُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ، حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: "يَوْمُ الْفِطْرِ يَوْمُ الْجَوَائِزِ"؟ قَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَجَّاجِ، انْظُرْ مَا وَضَعْتَ فِي يَدِكَ مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة، وقد تقدّموا قريبًا.
شرح الأثر:
قال المصنّف رحمه الله تعالى (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُهْزَاذَ) -بضمّ القاف، وسكون الهاء، بعدها زاي، وذال، بينهما ألف- المروزيّ، تقدّم في ٤/ ٣٠ (قَالَ:
стр. 665
سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ) -بفتح الجيم، والموحّدة- المروزيّ، الملقّب بـ "عبدان"، تقدّم في ٤/ ٣٠ (يَقُولُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: مَنْ) -بفتح الميم-: استفهاميّة، مبتدأ، خبره قوله: (هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ) ببناء الفعل للفاعل، والتاء ضمير المخاطب (حَدِيثَ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو) بنصب "حديث" على أنه مفعول "رَوَيت". و"عبد الله بن عمرو": هو ابن العاص الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، وقد تقدّم في ٣/ ١٦. وقوله: ("يَوْمُ الْفِطْرِ يَوْمُ الْجَوَائِزِ"؟ ) بدل من "حديثَ عبد الله". والحديث هذا هو ما رُوي: "إذا كان يومُ الفطر، وقفت الملائكة على أفواه الطرق، ونادت: يا معشر المسلمين، اغدوا إلى رب رحيم، يأمر بالخير، ويثيب عليه الجزيل، أمركم فصمتم، وأطعتم ربكم، فاقبلوا جوائزكم، فإذا صَلَّوا العيد نادى مناد من السماء: ارجعوا إلى منازلكم راشدين، فقد غُفرت ذنوبكم كلها، ويُسَمَّى ذلك اليوم يوم الجوائز". قال النوويّ رحمه الله تعالى: وهذا الحديث رويناه في كتاب "المستقصى في فضائل المسجد الأقصى"، تصنيف الحافظ أبي محمد بن عساكر الدمشقيّ رحمه الله تعالى. والجوائز: جمع جائزة، وهي: العطاء. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث من رواية ابن عساكر لم أجده، حتّى أنظر في إسناده، والظاهر أنه ضعيفٌ، ولذا أورده النوويّ بصيغة "رُوي"، فتنبّه.
وقد وجدته من حديث أوس الأنصاريّ، وهو ما أخرجه الحافظ أبو القاسم الطبرانيّ رحمه الله تعالى في "المعجم الكبير" ١/ ٢٢٦ من طريق يحيى بن بكير، ثنا عمرو بن شَمِر، عن جابر، عن أبي الزبير، عن سعيد بن أوس الأنصاري، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم الفطر، وقفت الملائكة على أبواب الطرق، فنادَوْا: اغدُوا يا معشر المسلمين إلى رب كريم، يَمُنُّ بالخير، ثم يُثيب عليه الجزيل، لقد أُمرتم بقيام الليل فقمتم، وأُمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا نادى مناد: ألا إن ربكم قد غفر لكم، فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهو يوم الجائزة، ويسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة". وفي إسناده عمرو بن شَمِر متروك الحديث، وجابر الجعفيّ، متروك أيضًا عند الجمهور. وفيه عنعنة أبي الزبير. ثم أخرجه بإسناد آخر، وفيه من لا يعرفون.
والحاصل أن الحديث ضعيف جدّا. انظر "ضعيف الترغيب والترهيب" للشيخ الألباني ﵀ ١/ ٣٣٥. والله تعالى أعلم.
стр. 666
(قَالَ) أي ابن المبارك (سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَجَّاجِ) بالرفع على أنه خبر لمحذوف: أي هو سليمان بن الحجاج. وقوله: (انْظُرْ مَا وَضَعْتَ فِي يَدِكَ مِنْهُ) قال النوويّ: ضبطناه بفتح التاء من "وضعتَ"، ولا يمتنع ضمها، وهو مدح وثناء على سليمان بن الحجاج. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وهو مدح وثناء الخ"، لكن سليمان هذا تكلّم فيه غيره، فقد قال الذهبيّ في "الميزان": سليمان بن حجاج شيخ للدراورديّ، لا يُعْرَف، عداده في أهل الطائف. ونقل عن العقيليّ أنه قال: الغالب على حديثه الْوَهَم. وذكر له البخاريّ في "التاريخ" حديثًا، ثم قال: لا يُتابع عليه. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يروي عن المدنيين، وقد رأى محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، روى عنه ابن المبارك. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
(قَالَ ابْنُ قُهْزَاذَ: وَسَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ، يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ- رَأَيْتُ رَوْحَ بْنَ غُطَيْفٍ، "صَاحِبَ الدَّمِ، قَدْرِ الدِّرْهَمِ" وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ مَجْلِسًا، فَجَعَلْتُ أَسْتَحْيِي مِنْ أصْحَابِي أَنْ يَرَوْنِي جَالِسًا مَعَهُ، كُرْهَ حَدِيثِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة، وقد تقدّموا قريبًا، غير اثنين، وهما:
١ - (وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ) -بفتح الزاي، وسكون الميم، وفتحها- التميميّ، أبو عبد الله المروزيّ.
رَوى عن ابن المبارك، وأبي حمزة السُّكّري، وسفيان بن عبد الملك، وعبد العزيز بن أبي رِزْمَة، وفَضَالة بن إبراهيم الْفَسَوِيّ، وإبراهيم بن إسحاق الطالقاني، وغيرهم. وروى عنه البخاري في "جزء القراءة خلف الإمام"، وروى له مسلم في "المقدمة"، والترمذي، والنسائي بواسطة محمد بن عبد الله بن قهزاذ، وأحمد بن عبدة الآملي، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وغيرهم.
قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال في "التقريب": ثقة، من قُدماء العاشرة.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) المروزي، صاحب ابن المبارك، روى عنه، وعنه وهب بن زمعة، وعبدان، وحِبّان بن موسى، والحسن بن عمرو السدوسي، وإسحاق بن
стр. 667
راهويه. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات قبل المائتين. وكذا أرّخه أبو علي محمد بن علي بن حمزة المروزي، وزاد: كان متقدم السماع. روى له مسلم في "المقدّمة"، والأربعة. وقال في "التقريب": من كبار أصحاب ابن المبارك، ثقة، من قدماء العاشرة. انتهى.
٤ - (عبد الله) بن المبارك الإمام الشهير المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن محمد بن عبد الله بن قُهْزَاذ، أنه قال (وَسَمِعْتُ) هكذا الرواية بواو العطف، فـ "سمعتُ" معطوف على "سمعت" المذكور في السند السابق (وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ يَذْكُرُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير وهب، والجملة في محلّ نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ"سمعت" على رأي من يرى أنها تعمل عمل "ظنّ" وأخواتها (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ) المروزيّ، أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ) العناية من وهب، أو ممن دونه (رَأَيْتُ رَوْحَ) -بفتح الراء، وسكون الواو، آخره حاء مهملة- (ابْنَ غُطَيْفٍ) -بغين معجمة مضمومة، ثم طاء مهملة مفتوحة- هذا هو الصواب، وحَكَى القاضي عياض عن أكثر شيوخه أنهم رووه غُضَيف -بالضاد المعجمة- قال: وهو خطأ (١).
(صَاحِبَ الدَّمِ) بالنصب صفة لرَوْح (قَدْرِ الدِّرْهَمِ) بالجرّ صفة للدّم. قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "صاحب الدم، قدر الدرهم" يريد وصفه، وتعريفه بالحديث الذي رواه روح هذا، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، يرفعه: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم" -يعني من الدم-. وهذا الحديث ذكره البخاريّ في "تاريخه"، وهو حديث باطل، لا أصل له عند أهل الحديث.
وقال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في "الميزان": رَوح بن غُطيف -بطاء مهملة- عِدَاده في أهل الجزيرة، وهّاه ابن معين. وقال النسائيّ: متروك. وله عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "تُعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم". انفرد به عنه القاسم بن مالك المزنيّ. وروى نصر بن حمّاد أحد التَّلْفَى عنه، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة: "لا يُعاد المريض إلا بعد ثلاث". انتهى (٢).
وكتب الحافظ في "اللسان" بعد ذكر كلام الذهبيّ: ما نصّه: وروى عنه أيضًا محمد بن ربيعة. قاله أبو حاتم. وقوله: إن القاسم بن مالك تفرّد به، ليس كذلك، فقد ذكر ابن عديّ أن غير القاسم رواه عن روح. وذكر الدارقطنيّ في "العلل" أن أنس بن عمرو البجليّ تابعه عن روح. وقال: منكر الحديث جدًّا. وذكر البخاريّ في "التاريخ
стр. 668
الكبير" حديثه، وقال: هذا باطل. وقال أبو حاتم أيضًا: ليس بثقة. وقال الساجيّ: منكر الحديث. انتهى (١).
[مسألة]: قد تحقّق بما سبق أن حديث: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم" حديث باطلٌ، فلا يصلح الاحتجاج به، ثم إن أهل العلم اختلفوا فيمن صلّى حاملًا للنجاسة، هل تجب عليه الإعادة، أم لا؟ :
قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى في كتابه "الأوسط" ٢/ ١٦٣:
اختلفوا في الثوب يصلي فيه المرء، ثم يعلم بعد الصلاة بنجاسة كانت فيه: فقالت طائفة: لا إعادة عليه، هذا قول ابن عمر، وعطاء، وابن المسيب، وطاوس، وسالم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، والنخعي، والحسن، ويحيى الأنصاري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور. قال: وأوجبت طائفة عليه الإعادة، وممن أوجب عليه الإعادة: أبو قلابة، والشافعي، وأحمد، وقال الحكم: يعيد أحب إلي. وفيه قول ثالث: وهو أن يعيد في الوقت، وليس عليه إذا خرج الوقت أن يعيد، هكذا قال ربيعة، ومالك، وقال الحسن: يعيد.
ومن حجة من قال: لا إعادة عليه من الأخبار خبر أبي سعيد الخدري، ثم أخرج بسنده عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي، إذ وضع نعليه عن يساره، فخلع القوم نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ "، قالوا: رأيناك ألقيت فألقينا، قال: "إن جبريل أخبرني أن فيهما قَذَرًا، فإن جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر في نعليه، فإن رأى فيهما قذرًا، أو أَذىً، فليمسحهما، وليصلي فيهما" (٢). وأخرج بسنده عن علقمة، عن عبد الله -يعني ابن مسعود- قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في نعليه، فخلعهما، فخلع القوم نعالهم، فلما صلى قال: "أخبرني جبريل أن فيهما نتنًا، فخلعتهما، فلا تفعلوا".
وحجتهم من النظر أن الذي يجب على المرء أن يصلي في الثوب على ظاهر ما هو عنده أنه طاهر، ولم يُكَلَّف في ذلك الوقت عِلْمَ ما غاب عنه، فإذا صلى على تلك الصفة، فقد أَدَّى ما عليه في الظاهر، فإذا اختلفوا في وجوب الإعادة عليه، لم يجز أن يُوجَب بالاختلاف فرض.
وأما قول من قال: يعيد في الوقت، ولا يعيد إذا خرج الوقت، فليس يخلو فاعله على ما ذكرناه من أحد أمرين: إما أن يكون مؤديا ما فُرض عليه فلا إعادة عليه في
стр. 669
الوقت، ولا بعد خروج الوقت، أو يكون غير مصل كما أُمر فلا بُدّ لمن حالته هذه من الإعادة في الوقت، وبعد خروج الوقت.
قال ابن المنذر: وإذا صلى الرجل، ثم رأى في ثوبه نجاسة، لم يكن عَلِمَ بها ألقى الثوب عن نفسه، وبنى على صلاته، فإن لم يعلم بها حتى فرغ من صلاته فلا إعادة عليه، يدل على ذلك أن النبي ﷺ ، لم يعد ما مضى من الصلاة. انتهى كلام ابن المنذر (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجّحه الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى من عدم وجوب الإعادة مطلقًا هو الحقّ عندي؛ لما ذكره. والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ مَجْلِسًا) يحتمل أن يكون مصدرًا ميميّا مفعولًا مطلقًا: أي جلستُ جلوسًا. ويحتمل أن يكون منصوبًا على أنه ظرف مكان لجلست، وهو قياسيّ، كما قال في "الخلاصة":
وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسًا أَنْ يَقَعْ ... ظَرْفًا لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ
(فَجَعَلْتُ أَسْتَحْيِي) بياءين، ويجوز حذف إحداهما (مِنْ أَصْحَابِي أَنْ يَرَوْنِي) في تأويل المصدر بدل من "أصحابي": أي أستحيي من رؤية أصحابي لي، حال كوني (جَالِسًا مَعَهُ) أي مع روح (كُرْهَ حَدِيثِهِ) أي لأجل كراهية حديثه. فـ "كره" بالنصب على أنه مفعول لأجله، كما قال في "الخلاصة":
يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ ... أَبَانَ تَعْلِيلًا كَجُدْ شُكْرًا وَدِنْ
و"الكره" -بضم الكاف، وفتحها، يقال: كَرِهتُهُ أَكْرَهُهُ، من باب تعِبَ كُرْهًا بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته، فهو مكروه. والْكَرْهُ بالفتح: المشقّة، وبالضمّ: القهر. وقيل: بالفتح: الإكراه، وبالضمّ: المشقّة. ويقال: كَرُهَ الأمرُ، والمَنظَرُ كَرَاهَةً، فهو كَرِيهٌ، مثلُ قَبُحَ قَبَاحَةً، فهو قَبيح، وزنًا ومعنًى، وكَرَاهِيَةً بالتخفيف أيضًا. أفاده الفيّوميّ (٢).
و"الحياء": في اللغة: تغيّرٌ، وانكسارٌ يَعتَري الإنسان من خوف ما يُعاب به، وقد يُطلق على مجرّد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه. وفي الشرع: خُلُقٌ يَبعَث على اجتناب القبيح، ويَمنع من التقصير في حقّ ذي الحقّ. قاله في "الفتح" (٣). والله تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
стр. 670
قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٤٨ - (حَدَّثَنِي ابْنُ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللِّسَانِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ).
شرح الأثر:
عن محمد بن عبد الله (بْنُ قُهْزَاذَ) المروزيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا) أي ابن زمعة المذكور في السند الماضي (يَقُولُ عَنْ سُفْيَانَ) بن عبد الملك المذكور في السند الماضي أيضًا، والجارّ والمجرور متعلّق بحال مقدّر: أي حال كونه آخذا عن سفيان، وكذلك قوله: (عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ) أنه (قَالَ: بَقِيَّةُ) -بفتح الموحّدة، وكسر القاف، وتشديد التحتانيّة- أي ابن الوليد (صَدُوقُ اللِّسَانِ) أي هو صادق في نفسه (وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ) أي يروي (عَمَّنْ أَقْبَلَ) كناية عن الثقات: أي عن الشخص الذي أقبل على الحديث، فسمعه من أهله، وحفظه إلى أن أدّاه (وَأَدْبَرَ) كناية عن الضعفاء: أي عن الشخص الذي أدبر عن الحديث، فلم يسمعه، من أهله، أو سمعه، لكنه ضيّعه بعدم حفظه، وإتقانه.
والمعنى: أن بقية بن الوليد، وإن كان ثقة في نفسه، إلا أنه يضعّف في بعض حديثه؛ لكونه يروي عن الضعفاء، ولا سيّما وهو كثير التدليس عنهم.
و"بقيّة" هذا: هو بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حَرِيز الْكَلَاعِيّ الْمَيتَمِيّ (١)، أبو يُحْمِد -بضم التحتانيّة، وسكون الحاء المهملة، وكسر الميم- الحمصي، روى عن محمد بن زياد الألهاني، وصفوان بن عمرو، وحريز بن عثمان، ومالك، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، وشعبة، والأوزاعي، وابن جريج، والحمادان، وابن عيينة، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: سئل أبي عن بقية، وإسماعيل -يعني ابن عياش-؟ فقال: بقية أحب إلي، وإذا حدث عن قوم ليسوا بمعروفين، فلا تقبلوه. وقال ابن أبي خيثمة: سئل يحيى عن بقية؟ فقال: إذا حدث عن الثقات، مثل صفوان بن عمرو وغيره فاقبلوه، أما إذا حدث عن أولئك المجهولين فلا، وإذا كَنَى الرجل، ولم يسمه فليس يساوي شيئًا، فقيل له: أيما أثبت بقية، أو إسماعيل؟ فقال: كلاهما صالح. وقال يعقوب بن شيبة عن أحمد بن العباس، عن ابن معين: بقية يحدث عن من هو أصغر منه، وعنده ألفا حديث عن شعبة صحاح، كان يذاكر شعبة بالفقه، قال يحيى: ولقد قال لي نعيم -يعني ابن حماد: كان بقية يَضِنّ بحديثه عن الثقات، قال: طلبت منه كتاب صفوان، فقال: كتاب صفوان؟ أي كأنه. قال يحيى بن معين: كان يحدث عن