← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

(قَالَ) أي ابن المبارك (سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَجَّاجِ) بالرفع على أنه خبر لمحذوف: أي هو سليمان بن الحجاج. وقوله: (انْظُرْ مَا وَضَعْتَ فِي يَدِكَ مِنْهُ) قال النوويّ: ضبطناه بفتح التاء من "وضعتَ"، ولا يمتنع ضمها، وهو مدح وثناء على سليمان بن الحجاج. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "وهو مدح وثناء الخ"، لكن سليمان هذا تكلّم فيه غيره، فقد قال الذهبيّ في "الميزان": سليمان بن حجاج شيخ للدراورديّ، لا يُعْرَف، عداده في أهل الطائف. ونقل عن العقيليّ أنه قال: الغالب على حديثه الْوَهَم. وذكر له البخاريّ في "التاريخ" حديثًا، ثم قال: لا يُتابع عليه. وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: يروي عن المدنيين، وقد رأى محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفّان، روى عنه ابن المبارك. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: (قَالَ ابْنُ قُهْزَاذَ: وَسَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ، يَذْكُرُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ- رَأَيْتُ رَوْحَ بْنَ غُطَيْفٍ، "صَاحِبَ الدَّمِ، قَدْرِ الدِّرْهَمِ" وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ مَجْلِسًا، فَجَعَلْتُ أَسْتَحْيِي مِنْ أصْحَابِي أَنْ يَرَوْنِي جَالِسًا مَعَهُ، كُرْهَ حَدِيثِهِ). رجال هذا الإسناد: أربعة، وقد تقدّموا قريبًا، غير اثنين، وهما: ١ - (وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ) -بفتح الزاي، وسكون الميم، وفتحها- التميميّ، أبو عبد الله المروزيّ. رَوى عن ابن المبارك، وأبي حمزة السُّكّري، وسفيان بن عبد الملك، وعبد العزيز بن أبي رِزْمَة، وفَضَالة بن إبراهيم الْفَسَوِيّ، وإبراهيم بن إسحاق الطالقاني، وغيرهم. وروى عنه البخاري في "جزء القراءة خلف الإمام"، وروى له مسلم في "المقدمة"، والترمذي، والنسائي بواسطة محمد بن عبد الله بن قهزاذ، وأحمد بن عبدة الآملي، وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال في "التقريب": ثقة، من قُدماء العاشرة. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ) المروزي، صاحب ابن المبارك، روى عنه، وعنه وهب بن زمعة، وعبدان، وحِبّان بن موسى، والحسن بن عمرو السدوسي، وإسحاق بن

стр. 667

راهويه. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات قبل المائتين. وكذا أرّخه أبو علي محمد بن علي بن حمزة المروزي، وزاد: كان متقدم السماع. روى له مسلم في "المقدّمة"، والأربعة. وقال في "التقريب": من كبار أصحاب ابن المبارك، ثقة، من قدماء العاشرة. انتهى. ٤ - (عبد الله) بن المبارك الإمام الشهير المذكور قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن محمد بن عبد الله بن قُهْزَاذ، أنه قال (وَسَمِعْتُ) هكذا الرواية بواو العطف، فـ "سمعتُ" معطوف على "سمعت" المذكور في السند السابق (وَهْبَ بْنَ زَمْعَةَ يَذْكُرُ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير وهب، والجملة في محلّ نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ"سمعت" على رأي من يرى أنها تعمل عمل "ظنّ" وأخواتها (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ) المروزيّ، أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ -يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ) العناية من وهب، أو ممن دونه (رَأَيْتُ رَوْحَ) -بفتح الراء، وسكون الواو، آخره حاء مهملة- (ابْنَ غُطَيْفٍ) -بغين معجمة مضمومة، ثم طاء مهملة مفتوحة- هذا هو الصواب، وحَكَى القاضي عياض عن أكثر شيوخه أنهم رووه غُضَيف -بالضاد المعجمة- قال: وهو خطأ (١). (صَاحِبَ الدَّمِ) بالنصب صفة لرَوْح (قَدْرِ الدِّرْهَمِ) بالجرّ صفة للدّم. قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "صاحب الدم، قدر الدرهم" يريد وصفه، وتعريفه بالحديث الذي رواه روح هذا، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، يرفعه: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم" -يعني من الدم-. وهذا الحديث ذكره البخاريّ في "تاريخه"، وهو حديث باطل، لا أصل له عند أهل الحديث. وقال الحافظ الذهبيّ رحمه الله تعالى في "الميزان": رَوح بن غُطيف -بطاء مهملة- عِدَاده في أهل الجزيرة، وهّاه ابن معين. وقال النسائيّ: متروك. وله عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "تُعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم". انفرد به عنه القاسم بن مالك المزنيّ. وروى نصر بن حمّاد أحد التَّلْفَى عنه، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة: "لا يُعاد المريض إلا بعد ثلاث". انتهى (٢). وكتب الحافظ في "اللسان" بعد ذكر كلام الذهبيّ: ما نصّه: وروى عنه أيضًا محمد بن ربيعة. قاله أبو حاتم. وقوله: إن القاسم بن مالك تفرّد به، ليس كذلك، فقد ذكر ابن عديّ أن غير القاسم رواه عن روح. وذكر الدارقطنيّ في "العلل" أن أنس بن عمرو البجليّ تابعه عن روح. وقال: منكر الحديث جدًّا. وذكر البخاريّ في "التاريخ

стр. 668

الكبير" حديثه، وقال: هذا باطل. وقال أبو حاتم أيضًا: ليس بثقة. وقال الساجيّ: منكر الحديث. انتهى (١). [مسألة]: قد تحقّق بما سبق أن حديث: "تعاد الصلاة من قدر الدرهم" حديث باطلٌ، فلا يصلح الاحتجاج به، ثم إن أهل العلم اختلفوا فيمن صلّى حاملًا للنجاسة، هل تجب عليه الإعادة، أم لا؟ : قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى في كتابه "الأوسط" ٢/ ١٦٣: اختلفوا في الثوب يصلي فيه المرء، ثم يعلم بعد الصلاة بنجاسة كانت فيه: فقالت طائفة: لا إعادة عليه، هذا قول ابن عمر، وعطاء، وابن المسيب، وطاوس، وسالم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، والنخعي، والحسن، ويحيى الأنصاري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور. قال: وأوجبت طائفة عليه الإعادة، وممن أوجب عليه الإعادة: أبو قلابة، والشافعي، وأحمد، وقال الحكم: يعيد أحب إلي. وفيه قول ثالث: وهو أن يعيد في الوقت، وليس عليه إذا خرج الوقت أن يعيد، هكذا قال ربيعة، ومالك، وقال الحسن: يعيد. ومن حجة من قال: لا إعادة عليه من الأخبار خبر أبي سعيد الخدري، ثم أخرج بسنده عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي، إذ وضع نعليه عن يساره، فخلع القوم نعالهم، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: "ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ "، قالوا: رأيناك ألقيت فألقينا، قال: "إن جبريل أخبرني أن فيهما قَذَرًا، فإن جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر في نعليه، فإن رأى فيهما قذرًا، أو أَذىً، فليمسحهما، وليصلي فيهما" (٢). وأخرج بسنده عن علقمة، عن عبد الله -يعني ابن مسعود- قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في نعليه، فخلعهما، فخلع القوم نعالهم، فلما صلى قال: "أخبرني جبريل أن فيهما نتنًا، فخلعتهما، فلا تفعلوا". وحجتهم من النظر أن الذي يجب على المرء أن يصلي في الثوب على ظاهر ما هو عنده أنه طاهر، ولم يُكَلَّف في ذلك الوقت عِلْمَ ما غاب عنه، فإذا صلى على تلك الصفة، فقد أَدَّى ما عليه في الظاهر، فإذا اختلفوا في وجوب الإعادة عليه، لم يجز أن يُوجَب بالاختلاف فرض. وأما قول من قال: يعيد في الوقت، ولا يعيد إذا خرج الوقت، فليس يخلو فاعله على ما ذكرناه من أحد أمرين: إما أن يكون مؤديا ما فُرض عليه فلا إعادة عليه في

стр. 669

الوقت، ولا بعد خروج الوقت، أو يكون غير مصل كما أُمر فلا بُدّ لمن حالته هذه من الإعادة في الوقت، وبعد خروج الوقت. قال ابن المنذر: وإذا صلى الرجل، ثم رأى في ثوبه نجاسة، لم يكن عَلِمَ بها ألقى الثوب عن نفسه، وبنى على صلاته، فإن لم يعلم بها حتى فرغ من صلاته فلا إعادة عليه، يدل على ذلك أن النبي ﷺ ، لم يعد ما مضى من الصلاة. انتهى كلام ابن المنذر (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجّحه الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى من عدم وجوب الإعادة مطلقًا هو الحقّ عندي؛ لما ذكره. والله تعالى أعلم بالصواب. (وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ مَجْلِسًا) يحتمل أن يكون مصدرًا ميميّا مفعولًا مطلقًا: أي جلستُ جلوسًا. ويحتمل أن يكون منصوبًا على أنه ظرف مكان لجلست، وهو قياسيّ، كما قال في "الخلاصة": وَشَرْطُ كَوْنِ ذَا مَقِيسًا أَنْ يَقَعْ ... ظَرْفًا لِمَا فِي أَصْلِهِ مَعْهُ اجْتَمَعْ (فَجَعَلْتُ أَسْتَحْيِي) بياءين، ويجوز حذف إحداهما (مِنْ أَصْحَابِي أَنْ يَرَوْنِي) في تأويل المصدر بدل من "أصحابي": أي أستحيي من رؤية أصحابي لي، حال كوني (جَالِسًا مَعَهُ) أي مع روح (كُرْهَ حَدِيثِهِ) أي لأجل كراهية حديثه. فـ "كره" بالنصب على أنه مفعول لأجله، كما قال في "الخلاصة": يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ ... أَبَانَ تَعْلِيلًا كَجُدْ شُكْرًا وَدِنْ و"الكره" -بضم الكاف، وفتحها، يقال: كَرِهتُهُ أَكْرَهُهُ، من باب تعِبَ كُرْهًا بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته، فهو مكروه. والْكَرْهُ بالفتح: المشقّة، وبالضمّ: القهر. وقيل: بالفتح: الإكراه، وبالضمّ: المشقّة. ويقال: كَرُهَ الأمرُ، والمَنظَرُ كَرَاهَةً، فهو كَرِيهٌ، مثلُ قَبُحَ قَبَاحَةً، فهو قَبيح، وزنًا ومعنًى، وكَرَاهِيَةً بالتخفيف أيضًا. أفاده الفيّوميّ (٢). و"الحياء": في اللغة: تغيّرٌ، وانكسارٌ يَعتَري الإنسان من خوف ما يُعاب به، وقد يُطلق على مجرّد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه. وفي الشرع: خُلُقٌ يَبعَث على اجتناب القبيح، ويَمنع من التقصير في حقّ ذي الحقّ. قاله في "الفتح" (٣). والله تعالى وليّ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.

стр. 670

قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٤٨ - (حَدَّثَنِي ابْنُ قُهْزَاذَ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللِّسَانِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ). شرح الأثر: عن محمد بن عبد الله (بْنُ قُهْزَاذَ) المروزيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا) أي ابن زمعة المذكور في السند الماضي (يَقُولُ عَنْ سُفْيَانَ) بن عبد الملك المذكور في السند الماضي أيضًا، والجارّ والمجرور متعلّق بحال مقدّر: أي حال كونه آخذا عن سفيان، وكذلك قوله: (عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ) أنه (قَالَ: بَقِيَّةُ) -بفتح الموحّدة، وكسر القاف، وتشديد التحتانيّة- أي ابن الوليد (صَدُوقُ اللِّسَانِ) أي هو صادق في نفسه (وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ) أي يروي (عَمَّنْ أَقْبَلَ) كناية عن الثقات: أي عن الشخص الذي أقبل على الحديث، فسمعه من أهله، وحفظه إلى أن أدّاه (وَأَدْبَرَ) كناية عن الضعفاء: أي عن الشخص الذي أدبر عن الحديث، فلم يسمعه، من أهله، أو سمعه، لكنه ضيّعه بعدم حفظه، وإتقانه. والمعنى: أن بقية بن الوليد، وإن كان ثقة في نفسه، إلا أنه يضعّف في بعض حديثه؛ لكونه يروي عن الضعفاء، ولا سيّما وهو كثير التدليس عنهم. و"بقيّة" هذا: هو بقية بن الوليد بن صائد بن كعب بن حَرِيز الْكَلَاعِيّ الْمَيتَمِيّ (١)، أبو يُحْمِد -بضم التحتانيّة، وسكون الحاء المهملة، وكسر الميم- الحمصي، روى عن محمد بن زياد الألهاني، وصفوان بن عمرو، وحريز بن عثمان، ومالك، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، وشعبة، والأوزاعي، وابن جريج، والحمادان، وابن عيينة، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد: سئل أبي عن بقية، وإسماعيل -يعني ابن عياش-؟ فقال: بقية أحب إلي، وإذا حدث عن قوم ليسوا بمعروفين، فلا تقبلوه. وقال ابن أبي خيثمة: سئل يحيى عن بقية؟ فقال: إذا حدث عن الثقات، مثل صفوان بن عمرو وغيره فاقبلوه، أما إذا حدث عن أولئك المجهولين فلا، وإذا كَنَى الرجل، ولم يسمه فليس يساوي شيئًا، فقيل له: أيما أثبت بقية، أو إسماعيل؟ فقال: كلاهما صالح. وقال يعقوب بن شيبة عن أحمد بن العباس، عن ابن معين: بقية يحدث عن من هو أصغر منه، وعنده ألفا حديث عن شعبة صحاح، كان يذاكر شعبة بالفقه، قال يحيى: ولقد قال لي نعيم -يعني ابن حماد: كان بقية يَضِنّ بحديثه عن الثقات، قال: طلبت منه كتاب صفوان، فقال: كتاب صفوان؟ أي كأنه. قال يحيى بن معين: كان يحدث عن

стр. 671

الضعفاء بمائة حديث قبل أن يحدث عن الثقات. قال يعقوب: بقية ثقة، حسن الحديث إذا حدث عن المعروفين، ويحدث عن قوم متروكي الحديث، وعن الضعفاء، وَيحِيد عن أسمائهم إلى كناهم، وعن كناهم إلى أسمائهم، ويحدث عمن هو أصغر منه، وحدث عن سويد بن سعيد الْحَدَثَاني. وقال ابن سعد: كان ثقة في روايته عن الثقات، ضعيفا في روايته عن غير الثقات. وقال العجلي: ثقة فيما يروي عن المعروفين، وما روى عن المجهولين فليس بشيء. وقال أبو زرعة: بقية عجب إذا روى عن الثقات فهو ثقة، وذكر قول ابن المبارك المذكور عند مسلم، ثم قال: وقد أصاب ابن المبارك في ذلك، ثم قال: هذا في الثقات، فأما في المجهولين، فيحدث عن قوم لا يَعرِفُون، ولا يَضْبِطُون. وقال في موضع آخر: ما له عيب إلا كثرة روايته عن المجهولين، فأما الصدق فلا يُؤتَى من الصدق، إذا حدث عن الثقات فهو ثقة. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إلي من إسماعيل بن عياش. وقال النسائي: إذا قال: حدثنا، وأخبرنا، فهو ثقة، وإذا قال: عن فلان، فلا يؤخذ عنه؛ لأنه لا يُدرَى عمن أخذه. وقال ابن عدي: يخالف في بعض رواياته عن الثقات، وإذا روى عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روى عن غيرهم خَلَط، وإذا روى عن المجهولين، فالعهدة منهم لا منه، وبقية صاحب حديث، ويروي عن الصغار والكبار، ويروي عنه الكبار من الناس، وهذه صفة بقية. وقال أبو مسهر الغساني: بقية ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية. وقال الدارقطني: أهل الحديث يقولون في كنيته: أبو يحمد -بفتح الياء- والصواب بضمها. وقال ابن خزيمة: لا أحتج ببقية، حدثني أحمد بن الحسن الترمذي، سمعت أحمد بن حنبل يقول: توهمت أن بقية لا يحدث المناكير إلا عن المجاهيل، فإذا هو يحدث المناكير عن المشاهير، فعلمت من أين أُتِي، قلت: أُتِي من التدليس. وقال ابن حبان: لم يسبر أبو عبد الله شأن بقية، وإنما نظر إلى أحاديث موضوعة، رويت عنه عن أقوام ثقات، فأنكرها، ولعمري إنه موضع الإنكار، وفي دون هذا ما يُسقط عدالة الإنسان، ولقد دخلت حمص، وأكبر همي شأن بقية، فتتبعت أحاديثه، وكتبت النسخ على الوجه، وتتبعت ما لم أجد بعلو -يعني بنزول- فرأيته ثقة مأمونا، ولكنه كان مدلسا، دَلَّس عن عبيد الله بن عمر، ومالك، وشعبة، ما أخذه عن مثل المجاشع بن عمرو، والسَّرِيّ بن عبد الحميد، وعمر بن موسى الميتمي، وأشباههم، فروى عن أولئك الثقات الذين رآهم، ما سمع من هؤلاء عنهم، فكان يقول: قال عبيد الله، وقال مالك، فحملوا عن بقية، عن عبيد الله، وعن بقية عن مالك، وأسقط الواهي بينهما، فأُلزق الوضع ببقية، وتخلص الواضع من الوسط، وامتُحن بقية بتلاميذ له كانوا يسقطون الضعفاء من حديثه، ويسوونه، فالتزق ذلك كله به. وأورد ابن حبان له عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن

стр. 672

عباس أحاديث، منها: "تَرِّبُوا الكتاب". ومنها: "من أدمن على حاجبيه بالمشط، عوفي من الوباء". ومنها: "إذا جامع أحدكم، فلا ينظر إلى فرجها، فإن ذلك يورث العمى". وقال: هذه من نسخة موضوعة، كتبناها، يشبه أن يكون بقية سمعها من إنسان ضعيف، عن ابن جريج، فدلس عنه، فالتزق ذلك به. وقال العقيلي: صدوق اللهجة، إلا أنه يأخذ عمن أقبل وأدبر، فليس بشيء. وقال أبو أحمد الحاكم: ثقة في حديثه، إذا حدث عن الثقات بما يُعرَف، لكنه ربما روى عن أقوام مثل الأوزاعي، والزُّبيدي، وعبيد الله العمري، أحاديث شبيهة بالموضوعة، أخذها عن محمد بن عبد الرحمن، ويوسف بن السَّفْر، وغيرهما من الضعفاء، ويسقطهم من الوسط، ويرويها عن من حدثوه بها عنهم. وقال ابن المديني: صالح فيما روى عن أهل الشام، وأما عن أهل الحجاز والعراق، فضعيف جِدّا. وقال الحاكم في "سؤالات مسعود": بقية ثقة مأمون. وقال الساجي: فيه اختلاف. وقال الجوزجاني: إذا تفرد بالرواية فغير محتج به؛ لكثرة وهمه، مع أن مسلمًا، وجماعة من الأئمة، قد أخرجوا عنه؛ اعتبارًا، واستشهادًا، لا أنهم جعلوا تفرده أصلًا. وقال الخليلي: اختلفوا فيه. وقال الخطيب: في حديثه مناكير، إلا أن أكثرها عن المجاهيل، وكان صدوقًا. وقال البيهقي في "الخلافيات": أجمعوا على أن بقية ليس بحجة. وقال عبد الحق في "الأحكام" في غير ما حديث: بقية لا يحتج به. وقال ابن القطان: بقية يُدَلِّس عن الضعفاء، ويستبيح ذلك، وهذا إن صح مُفسد لعدالته. قال يزيد بن عبد ربه: سمعت بقية يقول: وُلدت سنة (١١٠). وقال ابن سعد، وغير واحد: مات سنة (١٩٧). وقال إسحاق بن إبراهيم بن العلاء: سنة (٩٨). وقال في "التقريب": صدوقٌ، كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة. انتهى. روى له البخاري في التعاليق، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وله في "صحيح مسلم" حديثٌ واحدٌ استشهادًا: "من دُعي إلى عُرْس، أو نحوه، فليجب". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصّل مما ذُكر أن الأكثرين على توثيق بقيّة، لكن إذا رَوَى عن المعروفين، وصرّح بالتحديث في شيوخه، فمن فوقهم؛ لأنه كثير التدليس، والتسوية والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٤٩ - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ، وَكَانَ كَذَّابًا).

стр. 673

رجال الإسناد: أربعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن جَمِيل -بفتح الجيم- ابن طَرِيف بن عبد الله الثقفي مولاهم، أبو رجاء الْبَغْلانيّ -بفتح الموحدة، وسكون المعجمة- وبَغْلان من قرى بَلْخ، قال ابن عدي: اسمه يحيى، وقتيبة لقبٌ. وقال ابن منده: اسمه علي. وروى عن مالك، والليث، وابن لهيعة، ورشدين بن سعد، وغيرهم. رَوَى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وروى له الترمذي أيضًا، وابن ماجه، بواسطة أحمد بن حنبل، وأحمد بن سعيد الدارمي، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن يحيى الذهلي، وروى عنه أيضا علي بن المديني، ونعيم بن حماد، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد أنه ذكر قتيبة، فأثنى عليه. وقال: هو آخر من سمع من ابن لهيعة. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقة، زاد النسائي: صدوق. وقال أحمد ابن محمد بن زياد الْكَرْمِينِيّ: قال لي قتيبة بن سعيد: ما رأيتَ في كتابي من علامة الحمرة فهو علامة أحمد، ومن علامة الخضرة فهو علامة يحيى بن معين. وقال محمد ابن حميد بن فروة: سمعت قتيبة يقول: انحدرت إلى العراق أول خروجي سنة (١٧٢) وكنت يومئذ ابن (٢٣) سنة. وقال الْفَرْهِيَاني: قتيبة صدوق، ليس أحد من الكبار إلا وقد حَمَل عنه بالعراق. قال: وسمعت عمرو بن علي يقول: مررت بمنى على قتيبة فجزته، ولم أحمل عنه، فَنَدِمت. وقال أحمد بن سيار المروزي: كان ثبتا فيما روى، صاحب سنة وجماعة، سمعته يقول: وُلدت سنة (١٥٠)، ومات لليلتين خلتا من شعبان سنة أربعين ومائتين، وكان كتب الحديث عن ثلاث طبقات. وقال موسى بن هارون: وُلد سنةَ مات الأعمش سنة (٤٧). والأول أثبت. وقال ابن حبان في "الثقات": مات قتيبة يوم الأربعاء، مُسْتَهَلَّ شعبان سنة (٤٠). وقال مسلمة بن قاسم: خراساني، ثقة، مات سنة إحدى وأربعين. وقال ابن القطان الفاسي: لا يعرف له تدليس. وفي "الزهرة": وقال في "التقريب": ثقة، ثبتٌ، من العاشرة. روى عنه البخاري ثلاثمائة وثمانية أحاديث، ومسلم ستمائة وثمانية وستين (١). ٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي، أبو عبد الله الرازي القاضي، وُلد بقرية من قرى أصبهان، ونشأ بالكوفة، ونزل الرَّيَّ.

стр. 674

رَوَى عن عبد الملك بن عمير، وأبي إسحاق الشيباني، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وسليمان التيمي، وخلق كثير. وروى عنه إسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وقتيبة، وخلقٌ كثير. قال ابن سعد: كان ثقة، يُرحَلِ إليه. وقال ابن عمار الموصلي: حجة، كانت كتبه صحاحًا. وقال محمد بن عمرو زُنيج: سمعت جريرًا قال: رأيت ابن أبي نجيح، وجابرا الجعفي، وابن جريج، فلم أكتب عن واحد منهم، فقيل له: ضَيّعت يا أبا عبد الله، فقال: لا، أما جابر فكان يؤمن بالرجعة، وأما ابن أبي نجيح فكان يرى القدر، وأما ابن جريج فكان يرى المتعة. وقيل لسليمان بن حرب: أين كتبت عن جرير؟ فقال: بمكة أنا وعبد الرحمن -يعني ابن مهدي- وشاذان. وقال علي بن المديني: كان جرير صاحب ليل. وقال أبو خيثمة: لم يكن يدلس. وقال يعقوب بن شيبة، عن عبد الرحمن بن محمد، عن سليمان الشاذكوني: حدثنا عن مغيرة، عن إبراهيم في طلاق الأخرس، ثم حدثنا به عن سفيان، عن مغيرة، ثم وجدته على ظهر كتاب لابن أخيه، عن ابن المبارك، عن سفيان، عن مغيرة، قال سليمان: فوَقّفته عليه، فقال لي: حدثنيه رجل عن ابن المبارك، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم. قال الحافظ: إن صحت هذه الحكاية، فجرير كان يدلس. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كيف تصحّ الحكاية، والشاذكونيّ متروك، بل كذّبه بعضهم (١). فبمثل حكايته لا يثبت تدليس جرير، فالحقّ أنه ممن لا يدلّس، كما سبق عن أبي خيثمة. والله تعالى أعلم. وقال حنبل: سئل عبد الله: من أحب إليك جرير، أو شريك؟ فقال: جرير أقل سقطا من شريك، وشريك كان يخطىء. وكذا قال ابن معين نحوه. وقال العجلي: كوفي ثقة، نزل الري. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن أبي الأحوص، وجرير في حديث حصين؟ فقال: كان جرير أكيس الرجلين، أحب إلي، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم، جرير ثقة، وهو أحب إلي في هشام بن عروة من يونس بن بكير. وقال النسائي: ثقة. وقال ابن خراش: صدوق. وقال أبو القاسم اللالكائي: مجمع على ثقته. وقال أحمد بن حنبل: لم يكن بالذكي، اختلط عليه حديث أشعث، وعاصم الأحول حتى قدم عليه بهز، فعرّفه. نقله العقيلي. وقد قيل ليحيى بن معين -عقب هذه الحكاية- كيف تروي عن جرير؟ فقال: ألا تراه قد بَيَّنَ لهم أمرها. وقال البيهقي في

стр. 675

"السنن": نُسِب في آخر عمره إلى سوء الحفظ. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من الْعُبّاد الْخُشُن. وقال أبو أحمد الحاكم: هو عندهم ثقة. وقال الخليلي في "الإرشاد": ثقة، متفق عليه. وقال حنبل بن إسحاق: وُلد جرير بن عبد الحميد في سنة (١٠٧). وقال حنبل أيضا عن أحمد: ثنا محمد بن حميد، عن جرير: وُلدت سنة (١٠) قال: ومات جرير سنة (١٨٨). وكذا قال مطين في تاريخ وفاته، وزاد: في شهر ربيع الآخر. وقال في "التقريب": ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يَهِم من حفظه (١). أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢٩٤) حديثًا. ٣ - (مُغِيرَةُ) -بضمّ الميم، وتُكسر-: هو ابن مقسم الضبيّ الكوفيّ الثقة الثبت، تقدّم في ٣/ ٢٣. ٤ - (الشَّعْبِيُّ) -بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة-: هو عامر بن شَرَاحيل بن عبد، وقيل: عامر بن عبد الله بن شراحيل، الشعبي الحميري، أبو عمرو الكوفي، من شعب همدان -بفتح الهاء، وسكون الميم، آخره دال مهملة. رَوَى عن علي، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وزيد بن ثابت، وعبادة ابن الصامت، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي هريرة، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن عمرو بن أشوع، وإسماعيل بن أبي خالد، وبيان بن بشر، وخلق كثير. قال منصور الْغُدَانيّ، عن الشعبي: أدركت خمسمائة من الصحابة. وقال أشعث ابن سوار نَعَى الحسنُ الشعبيَّ، فقال: كان والله كثير العلم، عظيم الحلم، قديم السِّلْم، من الإسلام بمكان. وقال عبد الملك بن عمير: مَرَّ ابن عمر على الشعبي، وهو يحدث بالمغازي، فقال: لقد شهدت القوم، فلهو أحفظ لها، وأعلم بها. وقال مكحول: ما رأيت أفقه منه. وقال أبو مِجْلَز: ما رأيت فيهم أفقه منه. وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول بعد الصحابة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. وقال ابن شُبْرُمَة: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته، ولا حدثني رجل بحديث، فأحببت أن يُعيده عليّ. وقال ابن معين: إذا حدث عن رجل فسماه، فهو ثقة، يحتج بحديثه. وقال ابن معين، وأبو زرعة، وغير واحد: الشعبي ثقة. وقال العجلي: سمع من ثمانية وأربعين من الصحابة، وهو أكبر من أبي إسحاق بسنتين، وأبو إسحاق أكبر من عبد الملك بسنتين، ولا يكاد الشعبي يرسل

стр. 676

إلا صحيحًا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يسمع من سمرة بن جندب، ولم يدرك عاصم بن عدي. قال: وسئل أبي عن الفرائض التي رواها الشعبي، عن علي؟ فقال: هذا عندي ما قاسه الشعبي على قول علي، وما أرى عليا كان يتفرغ لهذا. وقال ابن معين: قضى الشعبي لعمر بن عبد العزيز. وقال أبو جعفر الطبري في "طبقات الفقهاء": كان ذا أدب، وفقه، وعلم، وكان يقول: ما حَلَلتُ حَبْوَتي إلى شيء مما ينظر الناس إليه، ولا ضربت مملوكا لي قط، وما مات ذو قرابة لي، وعليه دين إلا قضيته عنه. وحكى ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن أبي حصين قال: ما رأيت أعلم من الشعبي، فقال له أبو بكر بن عياش: ولا شُريح؟ فقال: تريدني أن أكذب، ما رأيت أعلم من الشعبي. وقال أبو إسحاق الْحَبّال: كان واحد زمانه في فنون العلم. انتهى. قيل: مات سنة (٣) وقيل: (٤) وقيل: (٥) وقيل: (٦) وقيل: (٧) وقيل: عشرة ومائة. وقال أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد القطان: مات قبل الحسن بيسير، ومات الحسن بلا خلاف سنة (١١٠). واختُلف في سنه، فقيل: (٧٧)، وقيل: (٧٩)، وقيل: (٨٢)، والمشهور أن مولده كان لست سنين خلت من خلافة عمر. قال الحافظ: فعلى القول الأخير في وفاته، وعلى المشهور من مولده، يكون بلغ تسعين سنة. وقد قال أبو سعد ابن السمعاني: وُلد سنة عشرين، وقيل: سنة (٣١)، ومات سنة (١٠٩). وحكى ابن سعد عن الشعبي قال: وُلدت سنة جَلُولاء -يعني سنة (١٩). وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان فقيها، شاعرا، مولده سنة (٢٠)، ومات سنة (١٠٩) على دعابة فيه. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٨٧) حديثًا. وقال في "التقريب": ثقة، مشهور، فقيه، فاضلٌ، من الثالثة. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ) أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ) -بفتح، فسكون-: هو الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني الخارفي، أبو زهير الكوفي، ويقال: الحارث بن عبيد الله، ويقال: الْحُوتيّ، وحوت بطن من همدان. روى عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت. وغيرهم. ورَوَى عنه الشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو البختري الطائي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن مرة، وجماعة. قال مسلم في مقدمة "صحيحه": ثنا قتيبة، ثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، حدثني الحارث الأعور، وكان كذابا. وقال منصور، ومغيرة، عن إبراهيم: إن الحارث اتهم. وقال أبو معاوية، عن محمد بن شيبة الضبي، عن أبي إسحاق: زعم الحارث الأعور، وكان كذابا. وقال يوسف بن موسى عن جرير: كان الحارث زيفًا. وقال أبو بكر بن عياش: لم يكن الحارث بأرضاهم. وقال

стр. 677

الثوري: كنا نعرف فضل حديث عاصم بن ضمرة على حديث الحارث. وقال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، غير أن يحيى حدثنا يوما عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن الحارث يعني عن علي: "لا يجد عبد طعم الإيمان، حتى يؤمن بالقدر"، فقال: هذا خطأ من شعبة، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عبد الله، وهو الصواب. وقال أبو خيثمة: كان يحيى بن سعيد يحدث عن حديث الحارث ما قال فيه أبو إسحاق: سمعت الحارث. وقال الجوزجاني: سألت علي بن المديني عن عاصم والحارث، فقال: مثلك يَسأل عن ذا؟ الحارث كذاب. وقال الدُّوري عن ابن معين: الحارث قد سمع من ابن مسعود، وليس به بأس. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، قال عثمان: ليس يتابع ابن معين على هذا. وقال أبو زرعة: لا يحتج بحديثه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي، ولا ممن يحتج بحديثه. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال في موضع آخر: ليس به بأس. وقال مجالد: قيل للشعبي: كنتَ تختلف إلى الحارث؟ قال: نعم، أَختَلِف إليه أتعلم منه الحساب، كان أحسب الناس. وقال أشعث بن سَوّار عن ابن سيرين: أدركت الكوفة، وهم يُقَدِّمُون خمسة، من بدأ بالحارث ثَنّى بعَبِيدة، ومن بدأ بعَبِيدة ثَنّى بالحارث. وقال علي بن مجاهد، عن أبي جَنَاب الكلبي، عن الشعبي: شهد عندي ثمانية من التابعين الْخُيّر، فالْخُيّر منهم: سويد بن غفلة، والحارث الهمداني، حتى عَدّ ثمانية أنهم سمعوا عليا يقول، فذكر خبرًا. وقال ابن أبي داود: كان الحارث أفقه الناس، وأحسب الناس، وأفرض الناس، تعلم الفرائض من علي. وقال البخاري في "التاريخ" عن أبي إسحاق: إن الحارث أوصى أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد الخطمي. وفي "مسند أحمد"، عن وكيع، عن أبيه، قال حبيب بن أبي ثابت لأبي إسحاق، حين حدث عن الحارث، عن علي، في الوتر: يا أبا إسحاق يساوي حديثك هذا ملء مسجدك ذهبًا. وقال الدارقطني: الحارث ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. وقال ابن حبان: كان الحارث غاليا في التشيع، واهيا في الحديث، مات سنة (٦٥) وكذا ذكر وفاته إسحاق الْقَرّاب في "تاريخه". وقال ابن أبي خيثمة: قيل ليحيى: يحتج بالحارث؟ فقال: ما زال المحدثون يقبلون حديثه. وقال ابن عبد البر في "كتاب العلم" له لَمّا حكى عن إبراهيم أنه كَذّب الحارث: أظن الشعبي عوقب بقوله في الحارث: كذاب، ولم يَبِنْ من الحارث كَذِبه، وإنما نُقِم عليه إفراطه في حب علي. وقال ابن سعد: كان له قول سوء، وهو ضعيف في رأيه، تُوفي أيام ابن الزبير. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح المصري: الحارث الأعور ثقة، ما أحفظه، وما أحسن ما روى عن علي، وأثنى عليه، قيل له: فقد قال الشعبي: كان يكذب، قال: لم يكن

стр. 678

يكذب في الحديث، إنما كان كذبه في رأيه. وقال الذهبي في "الميزان": والنسائي مع تعنته في الرجال، قد احتج به، والجمهور على توهينه، مع روايتهم لحديثه في الأبواب، وهذا الشعبي يُكَذّبه، ثم يروي عنه، والظاهر أنه يكذّب حكاياته، لا في الحديث (١). قال الحافظ: لم يحتج به النسائي، وإنما أخرج له في "السنن" حديثًا واحدًا، مقرونا بابن ميسرة، وآخر في "اليوم والليلة" متابعةً، هذا جميع ما له عنده. أخرج له الأربعة. وقال في "التقريب": كذّبه الشعبيّ في رأيه، ورُمي بالرفض، وفي حديثه ضعف، وهو من الثانية. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بهذا أن تكذيب الحارث في رأيه، لا في روايته، وروايته فيها أيضًا ضعف، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهور بالاعتساف. والله تعالى أعلم. (وَكَانَ كَذَّابًا) قد عرفت آنفًا أن تكذيبه يعود إلى رأيه، وأما روايته، فهي وإن كان فيها ضعف، إلا أنه لم يُكَذّبه فيها، فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٥٠ - (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُفَضَّلٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو عَامِرٍ، عَبْدُ الله بْنُ بَرَّادٍ (٢) الْأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن براد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، الكوفي، وهو عم عبد الله بن عامر بن براد، روى عن أبي أسامة، وعبد الله بن إدريس، ومحمد بن فضيل، وغيرهم. وروى عنه البخاري تعليقا في موضع واحد، ومسلم، وأبو زرعة، وموسى بن هارون، وعبدان الأهوازي، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس به بأس، كان معنا بالكوفة. وذكره ابن

стр. 679

حبان في "الثقات". قال الحضرمي، وموسى بن هارون: مات في جمادى الآخرة، سنة أربع وثلاثين ومائتين. وروى ابن ماجه أحاديث عن عبد الله بن عامر بن براد، نسبه في بعضها إلى جده، فيظن الظان أنه هذا، وليس به. قال صاحب "الزهرة": روى عنه مسلم سبعة وعشرين حديثًا (١). وقال ابن قانع: صالح. وقال في "التقريب": صدوقٌ، من العاشرة. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) هو: حماد بن زيد القرشي مولاهم، الكوفي، روى عن هشام بن عروة، وبريد بن عبد الله بن أبي بردة، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، ومجالد، وغيرهم. وروى عنه الشافعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن سعيد، وإسحاق بن راهويه، وإبراهيم الجوهري، وغيرهم. قال حنبل بن إسحاق عن أحمد: أبو أسامة ثقة، كان أعلم الناس بأمور الناس، وأخبار أهل الكوفة، وما كان أرواه عن هشام بن عروة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: أبو أسامة أثبت من مائة مثل أبي عاصم، كان صحيح الكتاب، ضابطا للحديث، كَيِّسًا، صدوقا. وقال أيضا عن أبيه: كان ثبتًا، ما كان أثبته، لا يكاد يخطىء. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: أبو أسامة أحب إليك، أو عبدة؟ قال: ما منهما إلا ثقة. وقال عبد الله بن عمر بن أبان: سمعت أبا أسامة يقول: كتبت بإصبعي هاتين مائة ألف حديث. وقال ابن عمار: كان أبو أسامة في زمن الثوري يُعَدّ من النُّسّاك. وقال العجلي بسنده عن سفيان: ما بالكوفة شاب أعقل من أبي أسامة. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، كثير الحديث، يدلس، ويبين تدليسه، وكان صاحب سنة وجماعة. وقال العجلي: كان ثقة، وكان يُعَدّ من حكماء أصحاب الحديث. وقال ابن قانع: كوفي صالح الحديث. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الآجري عن أبي داود: قال وكيع: نهيت أبا أسامة أن يستعير الكتب، وكان دفن كتبه. وحكى الأزدي في "الضعفاء" عن سفيان بن وكيع قال: كان أبو أسامة يتتبع كتب الرواة، فيأخذها، وينسخها. قال لي ابن نمير إن المحسن لأبي أسامة يقول: إنه دفن كتبه، ثم تتبع الأحاديث بعدُ من الناس، قال سفيان بن وكيع: إني لأعجب كيف جاز حديث أبي أسامة، كان أمره بيّنًا، وكان من أسرق الناس لحديث جيد. قال الحافظ في "التهذيب" بعد أن حكى قول الأزديّ: ما نصّه: وحكى الذهبي أن الأزدي قال هذا القول عن سفيان الثوري، وهذا كما ترى لم ينقله الأزدي إلا عن سفيان بن وكيع، وهو به أليق، وسفيان بن وكيع ضعيف. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه الحافظ رحمه الله تعالى أن هذا

стр. 680

الكلام لسفيان بن وكيع، لا لسفيان الثوريّ، سفيان بن وكيع ضعيف، فكيف يؤخذ منه جرح الثقة الثبت حماد بن أسامة؟ بل هو الأحقّ بالطعن؛ لطعنه في إمام ثبت حجة. والله تعالى أعلم. قال العجلي: مات في شوال سنة إحدى ومائتين. وكذا قال البخاري، وزاد: وهو ابن ثمانين سنة فيما قيل. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢٤٦) حديثًا. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، ربّما دلّس، وكان بآخره يحدّث من كتب غيره، من كبار التاسعة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما تدليسه، فقد عرفت فيما سبق آنفًا أنه كان يُبيّنه. وأما تحديثه من كتب غيره، ففيه نظر، كما أسلفته آنفًا. والله تعالى أعلم. ٣ - ((مُفَضَّل) -بضم الميم، وفتح الفاء، وفتح الضاد المعجمة المشدّدة- ابن مُهَلْهَل -بضم الميم، وفتح الهاءين، بينهما لام ساكنة- السعدي، أبو عبد الرحمن الكوفي، رَوَى عن الأعمش، ومنصور، ومغيرة، والحسن بن عبيد الله، وبيان بن بشر، وغيرهم. وروى عنه جرير، وابن إدريس، وأبو أسامة، وغيرهم. قال صالح بن أحمد عن أبيه: رجل صالح. وقال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وكان من أقران الثوري، وهو أحب إلي من أخيه الفضل. وقال العجلي: كان ثقة ثبتا صاحب سنة وفضل وفقه ثبتا في الحديث، ولما مات الثوري جاء أصحابه إلى المفضل، وقالوا: تجلس لنا مكانه فأبى. وقال الآجري عن أبي داود: قال رجل لعبد الرزاق: أما رأيت الرجل الذي كان مع سفيان؟ قال: ذاك الراهب -يعني المفضل بن مهلهل-. قال أبو داود: وخرج مع سفيان إلى اليمن مضاربا له. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من العباد الْخُشُن، ممن يفضل على الثوري، مات سنة سبع وستين ومائة، لا أحفظ له من تابعي سماعا، ولست أنكر أن يكون سمع من إسماعيل بن أبي خالد. وقال ابن سعد: كان ثقة. وقال ابن شاهين في "الثقاث": قال علي بن المديني: كان ثقة. وقال أبو بكر البزار: ثقة. وقال أبو عوانة في "صحيحه": كان من النبلاء. وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ نبيلٌ عابدٌ، من السابعة. انتهى. أخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وله في "صحيح مسلم" سبعة أحاديث برقم ٤٨٤ و ٥٣٤ و ١٣٥٣ و ١٦٣٩ و ١٦٨٢ و ١٣٥٣ و ٢١٢٥. ٤ - (مُغِيرَةُ) تقدّم أنه بضم الميم، وتكسر، وهو ابن مِقْسم الضبيّ، تقدّم في ٣/ ٢٣.

стр. 681

٥ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل المذكور في السند الماضي. [تنبيه]: هذا الإسناد مسلسلٌ بالكوفيين. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عن مغيرة) بن مِقسم، أنه (قال: سمعت الشعبيّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ، وَهُوَ) أي الشعبيّ، والقائل: "وهو يشهد" هو المغيرة. (يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ) بفتح النون، بصيغة جمع المذكّر السالم، وتقدّم المراد بأن المراد كذبه في رأيه، وأما روايته، وإن كان فيها ضعف، إلا أنها ليست مكذوبة. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: إنما حدّث هؤلاء الأئمة عن مثل هؤلاء مع اعترافهم بكذبهم، وسمعوا منهم مع علمهم بجرحتهم؛ لوجوه: منها: أن يعلموا صُوَر حديثهم، وضُروب روايتهم؛ لئلا يأتي مجهول، أو مدلّسٌ، فيبدل اسم الضعيف، ويجعل مكانه قويّا بروايته اللبسَ، فيعلم المحقّق لها العارف بها أن مخرجها من ذلك الطريق، فلا ينخدع بتلبيس ملبس بها. وبهذا احتجّ ابن معين في روايته صحيفة معمر عن أبان. والثاني: أن يكون الرجل إنما تُرك لأجل غلطه، وسوء حفظه، أو يكون ممن أكثر، فأصاب وأخطأ، فتروى أحاديثه، والحفّاظ يعرفون وهمه وغلطه، وما وافق فيه الأثبات، وما خالفهم فيه، فَيَدَعُون تخليطه، ويستظهرون حديثه لموافقة غيره. وبهذا احتجّ الثوريّ حين نهى عن الكلبيّ، فقيل له: أنت تروي عنه؟ قال: أنا أعلم صدقه من كذبه. وهم لا يروون شيئًا منها للحجة بها، والعمل بمقتضاها. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٥١ - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَالَ عَلْقَمَةُ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي سَنَتَيْنِ، فَقَالَ الْحَارِثُ: الْقُرْآنُ هَيِّنٌ، الْوَحْيُ أَشَدُّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذُهل النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، روى عن خاليه: الأسود، وعبد الرحمن، ابني يزيد، ومسروق، وعلقمة، وخلق كثير. روى عنه الأعمش، ومنصور، وابن عون، وزبيد اليامي، وحماد بن أبي سليمان، ومغيرة بن مقسم الضبي، وخلق كثير.

стр. 682

قال العجلي: رأى عائشة رؤيا، وكان مفتي أهل الكوفة، وكان رجلا صالحًا، فقيهًا، مُتَوَقّيًا، قليل التكلف، ومات وهو مختف من الحجاج. وقال الأعمش: كان إبراهيم صَيْرَفِيَّ الحديث. وقال الشعبي: ما ترك أحدا أعلم منه. وقال ابن معين: مراسيل إبراهيم أحب إلي من مراسيل الشعبي. وقال الأعمش: قلت لإبراهيم أسند لي عن ابن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد، عن عبد الله. وقال ابن معين: أُدخل على عائشة ﵂، وهو صغير. وقال أبو حاتم: لم يلق أحدا من الصحابة، إلا عائشة، ولم يسمع منها، وأدرك أنسًا، ولم يسمع منه. وقال الحافظ أبو سعيد العلائي: هو مُكثر من الإرسال، وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود. قال أبو نعيم: مات سنة (٩٦). وقال غيره: وهو ابن (٤٩) سنة. وقيل: ابن (٥٨). وقال في "التقريب": ثقة، إلا أنه يرسل كثيرًا، من الخامسة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٥) حديثًا. ٢ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن كَهْل، ويقال: ابن كُهَيل بن بكر بن عوف، ويقال: ابن المنتشر بن النَّخَع، أبو شِبْل النخعي الكوفي، وُلد في حياة رسول الله ﷺ . رَوَى عن عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وحذيفة، وأبي الدرداء، وابن مسعود، وأبي مسعود، وأبي موسى، وغيرهم. وروى عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد بن قيس، وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعي، وإبراهيم بن سويد النخعي، وعامر الشعبي، وأبو وائل، وغيرهم. قال مغيرة عن إبراهيم: كان علقمة عقيمًا، وقال أبو طالب عن أحمد: ثقة، من أهل الخير. وقال عثمان ابن سعيد: قلت لابن معين: علقمة أحب إليك، أو عَبيدة؟ فلم يخير. قال عثمان: كلاهما ثقة، وعلقمة أعلم بعبد الله. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال ابن المديني: أعلم الناس بعبد الله علقمة، والأسود، وعبيدة، والحارث. وقال أبو المثنى رياح: إذا رأيت علقمة، فلا يضرك أن لا ترى عبد الله، أشبه الناس به سمتا وهديًا، وإذا رأيت إبراهيم، فلا يضرك أن لا ترى علقمة. وقال الأعمش عن عمارة بن عمير: قال لنا أبو معمر: قوموا بنا إلى أشبه الناس هَدْيًا وسَمْتًا ودَلًّا بابن مسعود، فقمنا معه، حتى جلس إلى علقمة. وقال داود بن أبي هند: قلت لشعبة: أخبرني عن أصحاب عبد الله، قال: كان علقمة أنظر القوم به. وقال ابن سيرين: أدركت الناس

стр. 683

بالكوفة، وهم يقدمون خمسة، من بدأ بالحارث ثَنَّى بعَبيدة، ومن بدأ بعَبيدة ثَنّى بالحارث، ثم علقمة الثالث، لا شك فيه. وقال منصور عن إبراهيم: كان أصحاب عبد الله الذين يُقرئون الناس، ويعلمونهم السنة، ويصدر الناس عن رأيهم ستة: علقمة، والأسود، وذكر الباقين. وقال غالب أبو الهذيل: قلت لإبراهيم: أعلقمة كان أفضل، أو الأسود؟ فقال: علقمة، وقد شهد صفين. وقال أبو إسحاق عن مرة الهمداني: كان علقمة من الربانيين. وقال أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد: قال عبد الله: ما أقرأ شيئًا، ولا أعلمه إلا علقمة يقرؤه، ويعلمه. وقال قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه: أدركت ناسا من أصحاب النبي ﷺ ، يسألون علقمة، ويستفتونه. قال أبو نعيم: مات سنة إحدى وستين. وقال ابن معين، وغير واحد: مات سنة (٦٢). وقيل: سنة (٣). وقيل: سنة (٥). وقيل: سنة (٧٢). وقيل: سنة (٧٣). وقال هارون بن حاتم، عن عبد الرحمن بن هانئ: مات وله تسعون سنة. وقال في "التقريب": ثقة، ثبتٌ، فقيهٌ، عابدٌ، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٥) حديثًا. [تنبيه]: كان الأسود، وعبد الرحمن ابنا يزيد بن قيس، ولدا أخي علقمة أسن منه. والباقون تقدّموا قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ مُغِيرَةَ) بن مِقسم المتقدّم قبل حديث (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد النخَعيّ، أنه (قَالَ: قَالَ عَلْقَمَةُ) بن قيس النخَعيّ، أنه (قَالَ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ فِي سَنَتَيْنِ) أي حفظت القرآن كلّه في مدّة سنتين (فَقَالَ الْحَارِثُ) بن عبد الله الأعور (القُرْآنُ هَيِّنٌ) أي حفظ القرآن سهل، لا مشقّة فيه (الْوَحْيُ أَشَدُّ) أي حفظ الوحي أشدّ من حفظ القرآن. وأشار بالوحي إلى ما تدّعيه الشيعة بزعمها الباطل أن النبيّ ﷺ أسرّ إلى عليّ ﵁ من الوحي، وعلم الغيب ما لم يُطلع عليه غيره. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: "القرآن هيّنٌ، والوحي أشدّ" أورده في جملة ما أُنكر من قول الحارث، وشناعة مذهبه، وأُخذ عليه فيه من الغلوّ، والتشيّع، والكذب، ومذهب الرفض، وأرجو أن يكون هذا من أخفّ أقواله؛ لاحتماله الصواب، فقد فسّره بعضهم أن المراد بالوحي هنا الكتابة والخطّ. وعن الخطّابي مثله. قال ابن دُريد: وحى يَحِي وَحْيًا: إذا كتب. وقال الهرويّ: قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم: ١١]: أي كتب لهم في الأرض، إذ كان لا يتكلّم. وقيل: أوحى: رمز، وقال بعض اللغويين: وَحَى، وأوحى واحد، وقاله صاحب "الأفعال"، وعلى هذا فليس على الحارث دَرَكٌ، وعليه الدَّرَك في غير ذلك، لكنه لما

стр. 684

عرف من شناعة مذهبه في غلوّ التشيّع، ودعواهم من الوصيّة إلى عليّ، وسرّ النبيّ ﷺ من الوحي، وعلم الغيب ما لم يطلع عليه غيره بزعمهم، ودعوى بعضهم من غلاتهم الوحي إلى عليّ سِيءَ الظنّ بالحارث في كلامه هذا، وذُهب به ذلك المذهب، وقد أنكر عليّ ما ادّعته شيعته من ذلك. وقال ابن عبّاس ﵄: لا وحي إلا القرآن. ولعله فَهِمَ من الحارث معنًى منكرًا فيما أراده. انتهى كلام القاضي (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القاضي رحمه الله تعالى في توجيه كلام الحارث هو الصواب؛ لأنه هو الذي يؤيّده الأثران المذكوران بعده (٢). وأما ما كتبه صاحب "الحلّ المفهم" من حمل كلامه على أنه أراد بالوحي السنة، ثم طوّل في تقرير ذلك، فمما لا يُلتفت إليه، فراجعه، وما كتب في هامشه ص ١٦ ترى تقريرًا تمجّه الأسماع، وترفضه الأفهام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٥٢ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ -يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ- حَدَّثنَا زَائِدَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ الْحَارِثَ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْوَحْيَ فِي سَنَتَيْنِ، أوْ قَالَ: الْوَحْيَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْقُرْآنَ فِي سَنَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ، أبو محمد البغداديّ الثقة الحافظ، تقدّم في ٤/ ٣٨. ٢ - (أَحْمَدُ- يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميمي اليربوعي الكوفي، وقد نسب إلى جده، كما هنا. رَوَى عن الثوري، وابن عيينة، وزائدة، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والباقون بواسطة، وأبو بكر بن أبي شيبة، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم. قال أحمد بن حنبل لرجل: اخرُج إلى أحمد بن يونس، فإنه شيخ الإسلام. وقال أبو حاتم: كان ثقةً متقنًا آخر من روى عن الثوري (٣). وقال النسائي: ثقة. وقال عثمان بن أبي شيبة: كان ثقة، وليس بحجة. وقال ابن سعد: كان ثقة،

стр. 685

صدوقًا، صاحب سنة وجماعة. وقال العجلي: ثقة، صاحب سنة. وقال أبو حاتم: كان من صالحي أهل الكوفة، وسُنِّيِّيها. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن قانع: كان ثقة، مأمونًا، ثبتًا. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: سمعته يقول: مات الأعمش، وأنا ابن (١٤) سنة. ورأيت أبا حنيفة، ومِسعرًا، وابن أبي ليلى يقضي خارج المسجد من أجل الْحُيَّض. قال أبو داود: كان مولده سنة (١٣٤). وقال مطين سنة (١٣٣). وقال البخاري: مات بالكوفة في ربيع الآخر سنة (٢٢٧)، زاد غيره: ليلة الجمعة، لخمس بقين من الشهر، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وقال في "التقريب": ثقة، حافظٌ، من كبار العاشرة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٥٤) حديثًا. ٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدَامة الثقفي، أبو الصَّلْت الكوفيّ. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وسليمان التيمي، والأعمش، وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك، وأبو أسامة، وحسين بن علي الجعفي، وابن عيينة، وأحمد بن يونس، وجماعة. قال عثمان بن زائدة: قَدِمتُ الكوفة، فقلت للثوري: ممن أسمع؟ قال: عليك بزائدة. وقال أبو أسامة: حدثنا زائدة، وكان من أصدق الناس وأبره. وقال أبو داود الطيالسي، وسفيان بن عيينة: حدثنا زائدة بن قدامة، وكان لا يحدث قَدَرِيًّا، ولا صاحب بدعة. وقال أحمد: الْمُتَثَبِّتُون فىِ الحديث أربعة: سفيان، وشعبة، وزهير، وزائدة. وقال أيضا: إذا سمعت الحديث عن زائدة وزهير، فلا تبالي أن لا تسمعه عن غيرهما، إلا حديث أبي إسحاق. وقال أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. وقال أبو حاتم: كان ثقة، صاحب سنة، وهو أحب إلي من أبي عوانة، وأحفظ من شريك، وأبي بكر بن عياش. وقال العجلي: كان ثقة، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، مأمونًا، صاحب سنة. وقال أبو نعيم: كان زائدة لا يكلم أحدا حتى يمتحنه، فأتاه وكيع، فلم يحدثه. وقال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى: زهير أحب إليك من الأعمش، أو زائدة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال الدارقطني: من الأثبات الأئمة. وقال أبو داود الطيالسي: لم يكن زائدة بالأستاذ في حديث أبي إسحاق. وقال الذهلي: ثقة حافظ. وقال أحمد بن يونس: رأيت زهير بن معاوية، جاء إلى زائدة، فكلمه في رجل يحدثه، فقال: من أهل السنة هو؟ قال: ما أعرفه ببدعة، فقال: من أهل السنة هو؟ فقال زهير: متى كان الناس هكذا، فقال زائدة: متى كان الناس يشتمون أبا بكر وعمر ﵄. وقال النسائي: ثقة. وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات في أرض الروم

стр. 686

غازيًا سنة ستين، أو إحدى وستين ومائة. وكذا قال ابن سعد. وأرّخه الْقَرّاب تبعا لعلي ابن الجعد سنة (٦٣). وقال ابن حبان في "الثقات": كان من الحفاظ المتقنين، لا يَعُدُّ السماع حتى يسمعه ثلاث مرات، مات سنة إحدى. وكذا أرّخه ابن قانع. وقال في "التقريب": ثقةٌ، ثبتٌ، صاحب سنّة، من السابعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٤٦) حديثًا. ٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّمت ترجمته. (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ المذكور في السند السابق. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنِ الْأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ (أَنَّ الْحَارِثَ) بن عبد الله الأعور (قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْقُرْآنَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْوَحْيَ فِي سَنَتَيْنِ، أَوْ) للشكّ من الراويّ (قَالَ: الْوَحْيَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالْقُرْآنَ فِي سَنَتَيْنِ) هذا هو الموافق لقوله في الرواية الماضية: "الوحي أشدّ". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٥٣ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ الْحَارِثَ اتُّهِمَ). رجال هذا الإسناد هم المذكورون في السند الماضي. شرح الأثر: (عَنْ مَنْصُورٍ) بن المعتمر، تقدّمت ترجمته (١) (وَالْمُغِيرَةِ) بن مقسم الضبيّ، تقدّم قريبًا، وهو مجرور عطفًا على "منصور" (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ (أَنَّ الْحَارِثَ) الأعور (اتُّهِمَ) بالبناء للمفعول: أي اتّهمه الناس بسوء رويّته، وفساد عقيدته، حيث كان يغلو في التشيّع، كما تقدّم في ترجمته عن ابن حبّان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٥٤ - (وحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، قَالَ: سَمِعَ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ، مِنَ الْحَارِثِ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ: اقْعُدْ بِالْبَابِ، قَالَ: فَدَخَلَ مُرَّةُ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ، قَالَ: وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بِالشَّرِّ، فَذَهَبَ).

стр. 687

رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (حمزة الزّيّات) هو: حمزة بن حبيب بن عُمارة الزيات القارىء، أبو عمارة الكوفي التيمي مولاهم. رَوَى عن أبي إسحاق السبيعي، وأبي إسحاق الشيباني، والأعمش، وغيرهم. ورَوَى عنه ابن المبارك، وحسين بن علي الجعفي، وعبد الله بن صالح العجلي، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الآجري عن أحمد بن سنان: كان يزيد -يعني ابن هارون- يكره قراءة حمزة كراهية شديدة. قال أحمد بن سنان: وسمعت ابن مهدي يقول: لو كان لي سلطان على من يقرأ قراءة حمزة، لأوجعت ظهره وبطنه. قال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات بِحُلْوان سنة ثمان وخمسين. ويقال: سنة (٥٦). وقال أبو بكر بن منجويه: كان من علماء زمانه بالقراءات، وكان من خيار عباد الله عبادةً وفضلًا وورعا ونسكا، وكان يجلب الزيت من الكوفة إلى حُلْوان. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: ثقة، رجل صالح. وقال ابن سعد: كان رجلا صالحا، عنده أحاديث، وكان صدوقا، صاحب سنة. وقال ابن فضيل: ما أحسب أن الله يدفع البلاء عن أهل الكوفة إلا بحمزة. ورآه الأعمش مقبلًا، فقال: وبشر المخبتين. وقال حسين الجعفي: ربما عَطِش حمزة، فلا يستسقي؛ كراهة أن يصادف من قرأ عليه. وقال الساجي: صدوق، سيىء الحفظ، ليس بمتقن في الحديث، وقد ذمه جماعة من أهل الحديث في القراءة، وأبطل بعضهم الصلاة باختياره من القراءة. وقال الساجي أيضًا، والأزدي: يتكلمون في قراءته، وينسبونه إلى حالة مذمومة فيه، وهو في الحديث صدوقٌ، سيىء الحفظ، ليس بمتقن في الحديث. قال الساجي: سمعت سلمة بن شبيب يقول: كان أحمد يكره أن يصلي خلف من يقرأ بقراءة حمزة. وقال أبو بكر بن عياش: قراءة حمزة عندنا بدعة. وقال ابن دريد: إني لأشتهي أن يخرج من الكوفة قراءة حمزة. قال الحافظ الذهبي: يريد ما فيها من المد المفرط، والسكت، وتغيير الهمز في الوقف، والإمالة، وغير ذلك، وقد انعقد الإجماع بآخره على تلقي قراءة حمزة بالقبول، ويكفي حمزة شهادة الثوري له، فإنه قال: ما قرأ حمزة حرفا إلا بأثر. وذكر الداني أنه وُلد سنة (٨٠). وقال أبو حنيفة: غلب حمزة الناس على القرآن، والفرائض. أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في "صحيح مسلم" حديث واحد، برقم (٥٩٦) حديث: "مُعقّباتٌ لا يخيب قائلهن ... " الحديث.

стр. 688

وقال في "التقريب": صدوقٌ، زاهدٌ، ربّما وَهِمَ، من السابعة. انتهى. ٢ - (مُرّة الْهَمْدَانيّ) هو: مرة بن شَرَاحيل الهمداني، السَّكْسَكِيّ، أبو إسماعيل الكوفي، المعروف بمرة الطيّب، ومرة الخير، لُقّب بذلك؛ لعبادته. رَوَى عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وأبي ذر، وحذيفة، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وزيد بن أرقم، وعلقمة بن قيس، وغيرهم. وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل السدي، وحصين بن عبد الرحمن، وزبيد اليامي، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال سَكَنُ بن محمد العابد، عن الحارث الغنوي: سجد مرة الهمداني حتى أكل التراب وجهه. وقال ابن سعد: تُوُفّي زمان الحجاج بعد الجماجم. وكذا قال أبو حاتم في تاريخ وفاته. وقال غيره: تُوُفّي سنة ست وسبعين. وهو قول ابن حبان في "الثقات"، زاد: وكان يصلي كل يوم ستمائة ركعة (١). وقال العجلي: تابعي ثقة، وكان يصلي في اليوم والليلة خمسمائة ركعة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يدرك عمر. وقال هو وأبو زرعة: روايته عن عمر مرسلة. وقال أبو بكر البزار: روايته عن أبي بكر مرسلة، ولم يدركه. وقال ابن منده في "تاريخه": أدرك النبي ﷺ ، ولم يره. وقال في "التقريب": ثقة عابدٌ، من الثانية. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" ثلاثة أحاديث، برقم ١٧٣ و ٦٢٨ و ٢٤٣١. والباقيان تقدّما قريبًا. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ) التميميّ مولاهم، أبو عُمَارة الكوفيّ، أنه (قَالَ: سَمِعَ مُرَّةُ) -بمضمّ الميم، وتشديد الراء- ابن شَرَاحيل (الْهَمْدَانِيُّ) -بفتح الهاء، وسكون الميم، ودال مهملة-: نسبة همدان شَعْبٌ عظيم من قَحْطان (٢). (مِنَ الْحَارِثِ) متعلّق بـ "سمع"، أي سمع من الحارث الأعور (شَيْئًا) أي من البدعة (فَقَالَ لَهُ) أي قال مرّة للحارث (اقْعُدْ بِالْبَابِ) أي انتظرني قاعدًا على الباب (قَالَ) حمزة (فَدَخَلَ مُرَّةُ) أي بيته (وَأَخَذَ سَيْفَهُ) لعله أَراد أن يُخوّفه به (قَالَ: وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بالشَّرِّ) أي لَمّا أمره بالقعود على الباب علم أنه أضمر له الشرّ.

стр. 689

قال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "وأحسّ الخ": هكذا ضبطناه من أصول محققة: "أحس"، ووقع في كثير من الأصول، أو أكثرها: "حَسَّ"، بغير ألف، وهما لغتان: "حَسَّ"، و"أَحَسّ"، ولكن "أحس" أفصح وأشهر، وبها جاء القرآن العزيز. قال الجوهريّ، وآخرون: حَسّ وأحسّ لغتان: بمعنى عَلِمَ، وأيقن. وأما قول الفقهاء، وأصحاب الأصول: الحاسة، والحواس الخمس، فإنما يصح على اللغة القليلة، حَسَّ بغير ألف، والكثير في حَسّ بغير ألف أن يكون بمعنى قتل. انتهى. (فَذَهَبَ) أي ذهب الحارث من ذلك المكان؛ لئلا يلحقه ضرر من مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب؛ وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٥٥ - (وحَدَّثَنِي عُبَيْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ- حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: قَالَ لَنَا إِبْرَاهِيمُ: إِيَّاكُمْ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ، وَأَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّهُمَا كَذَّابَانِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ الله بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السرخسيّ الحافظ الثبت، تقدّم في ٤/ ٣٧. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ) العنبريّ الإمام الحجة البصريّ، تقدّمت ترجمته (١). ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ الحافظ الحجة الثبت، تقدّم في ٣/ ٢٤. ٤ - (ابن عون) هو: عبد الله بن عون بن أَرْطبان، أبي عون البصريّ الثقة الثبت الفقيه العابد، تقدّمت ترجمته (٢). ٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعيّ الإمام الفقيه الكوفيّ، تقدّم في ٤/ ٤٩. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: (عَن) عبد الله (بْنِ عَوْنٍ) أنه (قَالَ: قَالَ لَنَا إِبْرَاهِيمُ) النخَعيّ (إِيَّاكُمْ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ) أي احذروا مجالسته، فـ "إيا" منصوب بفعل محذوف وجوبًا؛ لكونه تحذيرًا، كما قال في "الخلاصة":

стр. 690

إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ ... مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ و"المغيرة بن سعيد" هذا: هو البجلي، أبو عبد الله الكوفي الرافضي الكذاب. قال حماد بن عيسى الجهني: حدثني أبو يعقوب الكوفي، سمعت المغيرة بن سعيد يقول: سألت أبا جعفر كيف أصبحت؟ قال: أصبحت برسول الله خائفًا، وأصبح الناس كلهم برسول الله آمنين. ورُوي عن الشعبي أنه قال للمغيرة: ما فعل حُبّ علي؟ قال: في العظم، والعصب، والعروق. وقال شبابة: حدثنا عبد الأعلى بن أبي المساور، سمعت المغيرة بن سعيد الكذاب يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ عليٌّ ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ فاطمة، ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ الحسن والحسين، ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠] قال: فلان أفحش الناس، والمنكر فلان. وقال جرير بن عبد الحميد: كان المغيرة بن سعيد كذابا ساحرا. وقال الجوزجاني: قتل المغيرة على ادعاء النبوة، كان أشعل النيران بالكوفة على التمويه والشعبذة، حتى أجابه خلق. وقال أبو معاوية عن الأعمش قال: جاءني المغيرة فلما صار على عتبة الباب وثب إلى البيت، فقلت: ما شأنك؟ فقال: إن حيطانكم هذه لخبيثة، ثم قال: طوبى لمن يَروَى من ماء الفرات، فقلت: ولنا شراب غيره؟ ، قال: إنه يُلقى فيه المحايض والجيف، قلت: من أين تشرب؟ قال من بئر. قال الأعمش: فقلت: والله لأسألنه، فقلت: كان علي يحيي الموتى؟ قال: إي والذي نفسي بيده، لو شاء أحيا عادا وثمود، قلت: من أين علمت ذلك؟ قال: أتيت بعض أهل البيت، فسقاني شربة من ماء، فما بقي شيء إلا وقد علمته. وكان من ألحن الناس، فخرج وهو يقول: كيف الطريق إلى بنو حرام. وقال أبو معاوية: أول من سمعته يتنقّص أبا بكر وعمر المغيرة المصلوب، كثير النواء، سمعت أبا جعفر يقول: برىء الله ورسوله من المغيرة بن سعيد، وبنان بن سمعان، فإنهما كذبا علينا أهل البيت. قال عبد الله بن صالح العجلي: ثنا فُضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن قال: دخل عليّ المغيرة بن سعيد، وأنا شابّ، وكنت أُشَبّهُ برسول الله ﷺ ، فذكر من قرابتي، وشبهي، وأمله فيَّ، ثم ذكر أبا بكر وعمر، فلعنهما، فقلت: يا عدو الله عندي، قال: فخنقته خنقا حتى أدلع لسانه. وقال أبو عوانة عن الأعمش قال: أتاني المغيرة بن سعيد، فذكر عليا، وذكر الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، ففضله عليهم، ثم قال: كان علي بالبصرة، فأتاه أعمى، فمسح على عينيه، فأبصر، ثم قال له: أتحب أن ترى الكوفة؟ قال: نعم، فحُمِلت الكوفة إليه حتى نظر إليها، ثم قال لها: ارجعي، فرجعت، فقلت: سبحان الله سبحان الله، فتركني، وقام. وقال ابن عدي: لم يكن بالكوفة ألعن من المغيرة بن سعيد في ما يُرْوَى عنه من الزور عن علي، هو دائم الكذب على أهل البيت، ولا أعرف له حديثا مسندًا. وقال ابن حزم: قالت فرقة غاوية بنبوة

стр. 691

المغيرة بن سعيد، مولى بجيلة، وكان لعنه الله يقول: إن معبوده على صورة رجل، على رأسه تاج، وإن أعضاءه على عدد حروف الهجاء، وإنه لما أراد أن يخلق تكلم باسمه، فطار فوقع على تاجه، ثم كتب بإصبعه أعمال العباد، فلما رأى المعاصي ارفَضّ عَرَقًا، فاجتمع من عرقه بحران: مَلِح وعَذْب، وخلق الكفار من البحر الملح، تعالى الله عما يقول، وحاكي الكفر ليس بكافر، فإن الله ﵎ قَصّ علينا في كتابه صريح كفر النصارى واليهود، وفرعون ونُمرود، وغيرهم. وقال أبو بكر بن عياش: رأيت خالد بن عبد الله القسري حين أتي بالمغيرة بن سعيد، وأتباعه، فقتل منهم رجلًا، ثم قال للمغيرة: أحيه، وكان يُريهم أنه يحيي الموتى، فقال: والله ما أحيي الموتى، فأمر خالد بِطَنٍّ قَصَب، فأُضرم نارًا، ثم قال للمغيرة: اعتنقه، فأبى، فعدا رجل من أصحابه، فاعتنقه، والنار تأكله، فقال خالد: هذا والله أحق منك بالرياسة، ثم قتله، وقتل أصحابه. قُتل في حدود العشرين ومائة. انتهى (١). (وَأَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ) قال النوويّ في "شرحه": قيل: هو شقيق الضبيّ الكوفيّ القاصّ. وقيل: هو سلمة بن عبد الرحمن النخعيّ، وكلاهما يُكنى أبا عبد الرحيم، وهما ضعيفان. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه شقيق الضبّيّ؛ كما سيأتي عن الدولابيّ، وهو: شقيق بن عبد الله الضبّيّ من قُدماء الخوارج، صدوقٌ في نفسه، كان يقصّ بالكوفة، وكان أبو عبد الرحمن السُّلَميّ يذمّه. وذكر الدولابي في "الكنى" أنه المراد بقول إبراهيم النخعي: إياكم وأبا عبد الرحيم، والمغيرة بن سعيد. وفي "الثقات" لابن حبان: شقيق بن عبد الله الضبي عداده في أهل الكوفة، روى عنه أبو حصين، وعاصم بن أبي النجود، فهو هو. وقال ابن المديني: سألت جريرا عنه؟ فقال: كان صاحب كلام. وقال سفيان بن عيينة: سمعت ابن شبرمة يقول: كان أبو وائل يقول لشقيق: يا شقيق هل وجدت دينك بعدما أضللته، وكان يرى رأي الخوارج. وقال العقيلي: حَرُوريّ، رأس في الضلال. قاله عاصم، وغيره. وقال العقيلي: رَوَى مُفَضَّل ابن مُهَلْهَل، عن مغيرة، عن شقيق الضبي قال: وقال ابن مسعود: لا خير في كلام ليس له أصل، ولا عملٍ لا يؤمه عقل. وروى أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين قال: لقي الخوارج شقيقا الضبي، وكان رجل سوء، فقالوا له: ما أنت؟ قال: أنا مؤمن مهاجر، أو مسلم معاون، أو ابن سبيل عابر، فقالوا له: أنت شقيق، ولك الأمان، قال: نعم،

стр. 692

فقالوا: أولى لك. وقال الساجي: كان قاضيا مبتدعا. (١) (فَإِنَّهُمَا كَذَّابَانِ) الفاء فيه للتعليل؛ أي لأنهما كذّابان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٥٦ - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ، وَنَحْنُ غِلْمَةٌ أَيْفَاعٌ، فَكَانَ يَقُولُ لَنَا: لَا تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ، غَيْرَ أَبِي الْأَحْوَصِ، وَإِيَّاكُمْ وَشَقِيقًا، قَالَ: وَكَانَ شَقِيقٌ هَذَا يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَلَيْسَ بِأَبِي وَائِلٍ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين بن طلحة البصري، أبو كامل الجحدري ابن أخي كامل بن طلحة. روى عن حماد بن زيد، وعبد الواحد بن زياد، وأبي عوانة، وغيرهم. وروى عنه البخاري تعليقا، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، عن زكريا السجزي عنه، وأبو زرعة، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: أبو كامل بصير بالحديث، متقن، يشبه الناس، وله عقل. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه، عن علي بن المديني: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال مطين، وموسى بن هارون: مات سنة سبع وثلاثين ومائتين. وذكر ابن السمعاني أن مولده كان سنة خمس وأربعين ومائة. وله في "صحيح مسلم" (١٣٥) حديثًا. وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من العاشرة. انتهى. ٢ - (حَمَّاد بْنُ زَيْدٍ) بن درهم الحافظ الثبت، تقدم في ٣/ ٢٤. ٣ - (عَاصِمٌ) بن بهدلة -بفتح الموحّدة، وسكون الهاء- وهو ابن أبي النَّجُود -بفتح النون، وضم الجيم- الأسدي مولاهم، أبو بكر الكوفي المقرىء، قال أحمد وغيره: بَهْدَلة هو أبو النجود. وقال عمرو بن علي وغيره: هو اسم أمه، وخطّأه أبو بكر ابن أبي داود. رَوَى عن زِرّ بن حُبيش، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي، وقرأ عليهما القراءات، وأبي

стр. 693

وائل، وأبي صالح السمان، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، ومنصور، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، إلا أنه كان كثير الخطأ في حديثه. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان رجلا صالحًا، قارئا للقرآن، وأهل الكوفة يختارون قراءته، وأنا أختارها، وكان خيرًا، ثقة، والأعمش أحفظ منه، وكان شعبة يختار الأعمش عليه في تثبيت الحديث. وقال أيضا: عاصم صاحب قرآن، وحماد صاحب فقه، وعاصم أحب إلينا. وقال ابن معين: لا بأس به. وقال العجلي: كان صاحب سنة وقراءة، وكان ثقة، رأسا في القراءة، ويقال: إن الأعمش قرأ عليه، وهو حدث، وكان يُختلف عليه في زر وأبي وائل. وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب، وهو ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح، وهو أكثر حديثا من أبي قيس الأودي، وأشهر وأحب إلي منه، وهو أقل اختلافا عندي من عبد الملك بن عمير، قال: وسألت أبا زرعة عنه؟ فقال: ثقة. قال: وذكره أبي، فقال: محله عندي محل الصدق، صالح الحديث، وليس محله أن يقال: هو ثقة، ولم يكن بالحافظ، وقد تكلم فيه ابن علية، فقال: كان كلُّ من اسمه عاصم سيىء الحفظ. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن خِرَاش: في حديثه نكرة. وقال العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ. وقال الدارقطني: في حفظه شيء. وقال أبو بكر البزار: لم يكن بالحافظ، ولا نعلم أحدا ترك حديثه على ذلك، وهو مشهور. وقال ابن قانع: قال حماد بن سلمة: خلط عاصم في آخر عمره. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال العجلي: كان عثمانيا. وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن معين: ثقة، لا بأس به، من نظراء الأعمش. وقال الآجري: سألت أبا داود، عن عاصم، وعمرو بن مرة؟ فقال: عمرو فوقه. وقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا إسحاق يقول: ما رأيت أقرأ من عاصم. وقال شهاب بن عباد، عن أبي بكر بن عياش: دخلت على عاصم، وقد احتُضِرَ، فجعلت أسمعه يُرَدِّد هذه الآية، يُحققها كأنه في المحراب: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]. قال خليفة، وابن بكير: مات سنة سبع وعشرين ومائة. وقال ابن سعد وغيره: مات سنة ثمان وعشرين ومائة. أخرج له الجماعة، وأخرج له الشيخان مقرونا بغيره. وليس له عند مسلم في "صحيحه" سوى حديث أُبَيّ بن كعب في ليلة القدر، برقم (٧٦٢). وقال في "التقريب": صدوق، له أوهامٌ، حجة في القراءة، من السادسة. انتهى. ٤ - (أبو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ) عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعَةَ -بالتصغير- الكوفي القارىء، ولأبيه صحبة.

стр. 694

رَوَى عن عمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وخالد بن الوليد، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي موسى الأشعري، وأبي الدرداء، وأبي هريرة ﵃. وروى عنه إبراهيم النخعي، وعلقمة بن مرثد، وسعد بن عبيدة، وأبو إسحاق السبيعي، وسعيد بن جبير، وعاصم بن بهدلة، وغيرهم. قال أبو إسحاق السبيعي: أقرأ القرآن في المسجد أربعين سنة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال أبو داود: كان أعمى. وقال النسائي: ثقة. وقال حجاج بن محمد عن شعبة: لم يسمع من ابن مسعود، ولا من عثمان، ولكن سمع من علي. وقال ابن سعد: توفي زمن بشر بن مروان. وقيل: مات سنة (٧٢). وقيل: سبعين. وقال ابن قانع: مات سنة خمس وثمانين، وهو ابن (٩٠) سنة. وقال عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن: صمت لله ثمانين رمضان. وذكره البخاري في "الأوسط" في "فصل من مات بين السبعين إلى الثمانين"، وقال: روى عن أبيه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليس تثبت روايته عن علي، فقيل له: سمع من عثمان؟ قال: روى عنه، ولم يذكر سماعًا. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: لم يسمع من عمر. وقال البخاري في "تاريخه الكبير": سمع عليا، وعثمان، وابن مسعود. وقال ابن سعد: قال محمد بن عمر: كان ثقة، كثير الحديث. وقال غيره، عن الواقدي: شهد مع علي صفين، ثم صار عثمانيا، ومات في سلطان الوليد بن عبد الملك، وكان من أصحاب ابن مسعود. وقال ابن عبد البر: هو عند جميعهم ثقة. وقال في "التقريب": ثقةٌ ثبتٌ، من الثانية. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" تسعة أحاديث برقم ١٤٤٦ و ١٧٠٥ و ١٨٤٠ وأعاده بعده و ٢٤٩٤ و ٢٦٤٧ وأعاده بعده و ٢٨٠٤ وأعاده بعده. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن عاصم بن بَهْدَلَة، أنه (قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ) -بضمّ السين المهملة، وفتح اللام-: نسبة إلى سُليم، قبيلة من العرب، مشهورة، يقال لها: سُليم ابن منصور بن عكرمة بن قيس عَيْلان بن مُضَر. قاله السمعانيّ (١) (وَنَحْنُ غِلْمَةٌ) -بضمّ الغين المعجمة، وسكون اللام-: جمع غلام، واسم الغلام يقع على الصبيّ من حين يولد على اختلاف حالاته إلى أن يبلغ (٢). وقال الفيّوميّ: "الغلام": الابن الصغير،

стр. 695

وجمع القلّة غِلْمةٌ بالكسر، وجمع الكثرة: غِلْمانٌ، ويُطلق الغلام على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخٌ، مجازًا، باسم ما يؤول إليه. وجاء في الشعر "غُلامةٌ" بالهاء للجارية، قال أوس ابن غَلْفاء الْهُجَيميّ، يصف فرسًا [من الوافر]: وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٌّ أَبُوهَا ... يُهَانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ قال الأزهريّ: وسمعتُ العرب تقول للمولود حين يُولَد ذكرًا: غلام، وسمعتهم يقولون للكهل غلام، وهو فاش في كلامهم. انتهى (١). وقد نظمت الأسماء التي تُطلق على الإنسان من حين كونه في بطن أمه إلى أن يموت، فقلت: اعْلَمْ هَدَاكَ الله أَنَّ الْوَلَدَا ... دَعَوْهُ بِالْجَنِينِ حَتَّى يُولَدَا ثُمَّ صَبِيًّا لِلْفِطَامِ يُدْعَى ... ثُمَّ إِلَى سَبْعٍ غُلَامًا يُرْعَى وَيَافِعٌ لِعَشْرَةٍ حَزَوَّرُ ... لِخَمْسَ عَشْرَةَ أَتَاكَ الْخَبَرُ وَقُمُدٌ لِلْخَمْسِ وَالْعِشْرِينَ ثُمّ ... عَنَطْنَطٌ إِلَى ثَلَاثِينَ يُؤَمّ ثُمَّ لأَرْبَعِينَ قُلْ مُمِلُّ ... ثُمَّ إِلَى خَمْسِينَ قَالُوا كَهْلُ إِلَى ثَمَانِينَ بِشَيْخٍ يُعْلَى ... ثُمَّ إِذَا زَادَ بِهِمٍّ يُجْلَى وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ الأَعْلَامُ ... فَاحْفَظْ فَكُلُّ حَافِظٍ إِمَامُ ولما كان الغلام يطلق على الصبيّ من حين يولد على اختلاف حالاته إلى أن يبلغ، قيّده بقوله: (أَيْفَاعٌ) إشارة إلى أن المراد بالْغِلْمَة هنا هم البالغون، أو المقاربون للبلوغ؛ لأن "الأيفاع" -بفتح الهمزة: هم الشَبَبَةٌ البالغون، أو المقاربون للبلوغ، يقال: غلام يافِعٌ، ويَفَعٌ، ويَفَعَةٌ -بفتحات-: إذا شَبَّ وبَلَغَ، أو كاد يبلُغُ. قال الثعالبيّ: إذا قارب البلوغ، أو بلغه يقال له حينئذ: يافِعٌ، وقد أيفع، وهو نادر. وقال أبو عُبيد: أيفع الغلام: إذا شارف الاحتلام، ولم يَحتلِم. (٢). وقال ابن الأثير: أَيفَعَ الغلامُ، فهو يافع: إذا شارف الاحتلام، ولَمّا يحتلم، وهو من نوادر الأبنية، وغلام يافعٌ، ويَفَعَة -بفتحات- فمن قال: يافِع ثَنَّى وجمع، ومن قال: يَفَعَةٌ لم يُثنِّ، ولم يَجمع. انتهى (٣). وقال ابن منظور: غلام يافِعٌ، ويَفَعَةٌ، وأَفَعَةٌ، ويَفَعٌ: شابّ، وكذلك الجمع والمؤنّث، ورُبّما كُسّر على الأَيْفَاع، فقيل: غِلْمان أَيْفَاع، ويَفَعَةٌ أيضًا. وقال أبو زيد:

стр. 696

سمعت يَفَعَةٌ، ووَفَعَةٌ، بالياء والواو. وقد أيفع: أي ارتفع، وهو يافع على غير قياس، ولا يقال: مُوفِعٌ، وهو من النوادر. انتهى (١). (فَكَانَ) أي أبو عبد الرحمن السُّلَميّ (يَقُولُ لَنَا: لَا تُجَالِسُوا الْقُصَّاصَ) بالضمّ: جمع قاصّ، وهو الذي يقرأ القصص على الناس. قال أهل اللغة: القِصّة: الأمر، والخبر، وقد اقتصصتُ الحديث: إذا رويته على وجهه، وقصّ عليه الخبر قَصَصًا -بفتح القاف، والاسم أيضًا الْقَصَصُ بالفتح، والْقِصَصُ بكسر القاف. اسم جمع للقصّة. (غَيْرَ أَبِي الْأَحْوَصِ) بنصب "غير" بدلا من القُصّاص، وهذا هو المختار؛ لوقوع الاستثناء بعد نهي، ويجوز نصبه على الاستثناء، كما قال في "الخلاصة": مَا اسْتَثْنَتِ "إلَّا" مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ ... وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْي انْتُخِبْ إِتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ ... وَعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ و"أبو الأحوص" هذا: هو: عوف بن مالك بن نَضْلَة -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة- الجشمي التابعيّ الثقة، تقدّم في ٢/ ١٠. (وَإِيَّاكُمْ وَشَقِيقًا) تقدّم إعراب هذا التركيب. وشقيق هذا قال القاضي عياض: هو شقيق الضيّى الكوفيّ القاصّ، ضعّفه النسائيّ، كنيته أبو عبد الرحيم، قال بعضهم: وهو أبو عبد الرحيم الذي حَذّر منه إبراهيم النخعيّ قبل هذا في الكتاب. وقيل: إن أبا عبد الرحيم الذي حذّر منه إبراهيم، هو سلمة بن عبد الرحمن النخعيّ. ذكر ذلك ابن أبي حاتم الرازي في كتابه، عن ابن المدينيّ (٢). ثم بيّن مسلم رحمه الله تعالى سبب نهي أبي عبد الرحمن السُّلَمي عن مجالسة شقيق هذا، فـ (قَالَ: وَكَانَ شَقِيقٌ هَذَا) أي الذي وقع التحذير هنا عن مجالسته (يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ) أي يعتقد مذهب الخوارج. ولَمّا كان يلتبس شقيق هذا الذي نُهي عن مجالسته هنا بشقيق ابن سلمة أبي وائل التابعيّ الكبير المشهور، نبّه على ذلك مسلم بقوله: (وَلَيْسَ بِأَبِي وَائِلٍ) يعني أن شقيقًا الذي حذّر عن مجالسته أبو عبد الرحمن السُّلَميّ ليس هو شقيق بن سلمة، أبا وائل، فإنه كان من خيار التابعين. وهو: شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، أدرك النبي ﷺ ، ولم يره، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ بن جبل، وخلق من الصحابة، والتابعين. وروى عنه الأعمش، ومنصور، وزبيد اليامي، وجامع بن أبي راشد، وخلق

стр. 697

كثير. قال عاصم بن بهدلة عنه: أدركت سبع سنين من سني الجاهلية. وقال مغيرة عنه: أتانا مُصَدِّق النبي ﷺ ، فأتيته بكبش لي، فقلت: خذ صدقة هذا، فقال: ليس في هذا صدقة. وقال الأعمش: قال لي أبو وائل: يا سليمان، لو رأيتني، ونحن هُرّاب من خالد بن الوليد، فوقعت عن البعير، فكادت عُنُقي تَنْدَقّ، فلو مت يومئذ كانت النار، قال: وكنت يومئذ ابن إحدى عشرة سنة. وقال يزيد بن أبي زياد: قلت لأبي وائل: أيما أكبر أنت، أو مسروق؟ قال: أنا. وقال الثوري عن أبيه: سمعت أبا وائل، وسئل أنت أكبر، أو الربيع بن خُثَيم؟ قال: أنا أكبر منه سنا، وهو أكبر مني عقلًا. وقال عاصم بن بهدلة: قيل لأبي وائل: أيهما أحب إليك علي، أو عثمان؟ قال: كان علي أحب إلي، ثم صار عثمان. وقال عمرو بن مرة: قلت لأبي عُبيدة: من أعلم أهل الكوفة بحديث عبد الله؟ قال: أبو وائل. وقال الأعمش عن إبراهيم: عليك بشقيق، فإني أدركت الناس، وهم متوافرون، وإنهم ليعُدُّونه من خيارهم. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، لا يسأل عن مثله. وقال وكيع: كان ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث. وقال ابن حبان في "الثقات": سكن الكوفة، وكان من عُبّادها، وليست له صحبة، ومولده سنة إحدى من الهجرة. وقال العجلي: رجل صالح، جاهليّ، من أصحاب عبد الله. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة. قال خليفة بن خياط: مات بعد الجماجم سنة (٨٢). وقال الواقدي: مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٧٦) حديثًا. وقال في "التقريب": ثقة، مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٥٧ - (حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ: لَقِيتُ جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ الْجُعْفِيَّ، فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ، كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ). رجال هذا الإسناد: اثنان: ١ - (أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الرَّازِيُّ) هو: محمد بن عمرو بن بَكْر بن سالم، ويقال: مالك بن الحباب التميمي العدوي، أبو غَسّان الرازي الطيالسي، المعروف بزُنَيج -بضم الزاي، وفتح النون، مصغّرًا-. روى عن حَكّام بن سَلْم، وهارون بن المغيرة، وجرير، وسلمة بن الفضل، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. وذكره الدارقطني في شيوخ البخاري، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وغيرهم.

стр. 698

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ثنا محمد بن عمرو، زُنَيج، وكان ثقة. وقال أبو سعد الزاهد: كتبت عن زُنَيج، صاحب جرير، وكان صدوقًا. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال السراج: مات آخر سنة أربعين، أو أول سنة إحدى وأربعين ومائتين. وله في "صحيح مسلم" أربعة أحاديث (١)، برقم ٩٥٤ و ١١٧٨ و ١٢١٠ و ٢٣٤٨. وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة. [تنبيهان]: (الأول): قوله: "أبو غسان" -هو بفتح الغين المعجمة، وتشديد السين المهملة- المسموع في كتب المحدثين، ورواياتهم غَسّانُ غير مصروف، وذكره ابن فارس في "المجمل" وغيره من أهل اللغة في باب غَسَنَ، وفي باب غَسَسَ، وهذا تصريح بأنه يجوز صرفه، وترك صرفه، فمن جعل النون أصلا صرفه، ومن جعلها زائدة لم يصرفه. قاله النوويّ (٢). (الثاني): قوله: "الرازي": بالزاي: نسبة إلى الريّ، مدينة كبيرة مشهورة، من بلاد الدَّيْلَم، بين قُومس والجبال، وألحقوا الزاي في النسب تخفيفًا. قاله في "الأنساب" ٣/ ٢٣ - ٢٥ و"اللباب" ٢/ ٦. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفي، قاضي الريّ، تقدّم في ٤/ ٤٧. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن محمد بن عمرو الرازيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرًا) أي ابن عبد الحميد (يَقُولُ: لَقِيتُ) بكسر القاف، يقال: لَقِيته أَلْقاه، من باب تعِبَ لُقِيّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالضمّ معِ القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلّ شيء استَقْبَل شيئًا، أو صادفه، فقد لقِيه، ومنه لِقَاءُ البيت، وهو استقباله. قاله الفيّوميّ (٣) (جَابِرَ بْنَ يَزِيدَ الْجُعْفِيَّ) -بضمّ الجيم، وسكون المهملة-: نسبة إلى قبيلة جُعْفِي بن سعد العشيرة، من مَذْحِج. قاله في "اللبّ" (٤). و"جابر" هذا: هو: جابر بن يزيد بن الحارث بن عبد يغوث الجعفي، أبو

стр. 699

عبد الله، ويقال: أبو يزيد الكوفي، روى عن أبي الطفيل، وأبي الضحى، وعكرمة، وغيرهم. وروى عنه شعبة، والثوري، وإسرائيل، والحسن بن حي، وشريك، ومسعر، ومعمر، وأبو عوانة، وغيرهم. قال أبو نعيم عن الثوري: إذا قال جابر: حدثنا، وأخبرنا فذاك. وقال ابن مهدي عن سفيان: ما رأيت أورع في الحديث منه. وقال ابن علية عن شعبة: جابر صدوق في الحديث. وقال يحيى بن أبي بكير عن شعبة: كان جابر إذا قال: حدثنا، وسمعت، فهو من أوثق الناس. وقال ابن أبي بكير أيضا عن زهير بن معاوية: كان إذا قال: سمعت، أو سألت فهو من أصدق الناس. وقال وكيع: مهما شككتم في شيء، فلا تشكوا في أن جابرا ثقة، حدثنا عنه مسعر، وسفيان، وشعبة، وحسن بن صالح. وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال سفيان الثوري لشعبة: لإن تكلمت في جابر الجعفي، لأتكلمن فيك. وقال معلى بن منصور: قال لي أبو عوانة: كان سفيان، وشعبة، ينهياني عن جابر الجعفي، وكنت أدخل عليه، فأقول: من كان عندك؟ فيقول: شعبة، وسفيان. وقال وكيع: قيل لشعبة: لم طرحت فلانا وفلانا، ورويت عن جابر؟ قال: لأنه جاء بأحاديث لم نصبر عنها وقال الدُّوري عن ابن معين: لم يدع جابرًا ممن رآه إلا زائدةُ، وكان جابر كذابا. وقال في موضع آخر: لا يكتب حديثه، ولا كرامة. وقال بيان ابن عمرو عن يحيى بن سعيد: تركنا حديث جابر قبل أن يَقْدَم علينا الثوري. وقال يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد: قال الشعبي لجابر: يا جابر لا تموت حتى تَكْذِب على رسول الله ﷺ ، قال إسماعيل: فما مضت الأيام والليالي حتى اتُّهِم بالكذب. وقال يحيى بن يعلى: قيل لزائدة: ثلاثة لم لا تروي عنهم؟ ابن أبي ليلى، وجابر الجعفي، والكلبي؟ قال: أما الجعفي فكان والله كذابا، يؤمن بالرجعة. وقال أبو يحيى الحماني عن أبي حنيفة: ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأيي إلا جاءني فيه بأثر، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث لم يُظهرها. وقال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه، كان عبد الرحمن يحدثنا عنه قبل ذلك، ثم تركه. وقال أحمد بن حنبل: تركه يحيى وعبد الرحمن. وقال محمد بن بشار عن ابن مهدي: ألا تَعْجَبون من سفيان بن عيينة، لقد تركت لجابر الجعفي لقوله لَمّا حكي عنه أكثر من ألف حديث، ثم هو يحدث عنه. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال ابن عدي: له حديث صالح، وشعبة أقل رواية عنه من الثوري، وقد احتمله الناس، وعامة ما قذفوه به أنه كان يؤمن بالرجعة، وهو مع هذا إلى الضعف

стр. 700

أقرب منه إلى الصدق. روى له أبو داود في "السهو في الصلاة" حديثا واحدا من حديث المغيرة بن شعبة، وقال عقبه: ليس في كتابي عن جابر الجعفي غيره. وقال شبابة عن ورقاء عن جابر: دخلت على أبي جعفر الباقر، فسقاني في قعب حسائي، حفظت به أربعين ألف حديث. وقال يحيى بن يعلى: سمعت زائدة يقول: جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب النبي ﷺ . وقال ابن سعد: كان يدلس، وكان ضعيفا جدا في رأيه وروايته. وقال العجلي: كان ضعيفا يغلو في التشيع، وكان يدلس. وقال الميموني قلت لأحمد بن حنبل: أكان جابر يكذب؟ قال: إي والله، وذاك في حديثه بَيِّنٌ. وقال ابن حبان: كان سبئيا من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول: إن عليا يرجع إلى الدنيا، فإن احتج مُحْتَجٌّ بأن شعبة والثوري رويا عنه، قلنا: الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء، وأما شعبة وغيره، فرأوا عنده أشياء لم يصبروا عنها، وكتبوها ليعرفوها، فربما ذكر أحدهم عنه الشيء بعد الشيء على جهة التعجب. وأخبرني ابن فارس قال: ثنا محمد بن رافع قال، رأيت أحمد بن حنبل في مجلس يزيد بن هارون، معه كتاب زهير عن جابر الجعفي، فقلت له: يا أبا عبد الله تنهونا عن جابر، وتكتبونه؟ قال: لنعرفه. وقال أبو موسى محمد بن المثنى: مات سنة (١٢٨). وذكر مُطَيَّن عن مفضل بن صالح: مات سنة (٧). وقال ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: مات سنة (١٣٢). رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه. وقال في "التقريب": ضعيفٌ، رافضيّ، من الخامسة. انتهى. (فَلَمْ أَكْتُبْ عَنْهُ) أي لم أكتب حديثًا عنه، ثم علّل عدم كتابته عنه بقوله: (كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّجْعَةِ) أي لأنه كان يؤمن بالرجعة، وهي -بفتح الراء- قال الأزهرى وغيره: لا يجوز فيها إلا الفتح، وأما رجعة المرأة المطلقة، ففيها لغتان: الكسر، والفتح. قال القاضى عياض رحمهُ اللهُ تعالى: وحُكي في هذه الرجعة التي كان يؤمن بها جابر الكسر أيضا. ومعنى إيمانه بالرجعة هو ما تقوله الرافضة، وتعتقده بزعمها الباطل، أن عليا ﵁ في السحاب، فلا نخرج مع من يخرج من ولده حتى ينادى من السماء أن اخرجوا معه. وهذا نوع من أباطيلهم، وعظيم من جهالاتهم اللائقة بأذهانهم السخيفة، وعقولهم الواهية. وقال القاضي أيضًا: وأما الطائفة السبائية، والأخرى المعروفة بالناوسيّة، فيدّعون أن عليا لم يمت، وأنه سيخرج، فيملأها عدلًا كما مُلئت جَوْرًا. وقال ابن سباء للذي جاء بنعي عليّ ﵁: لو جئتنا بدماغه في تسعين صرّة لعلمنا أنه لا يموت حتى يسوق

стр. 701

العرب بعصاه، فذُكر ذلك لابن عبّاس، فقال: لو علمنا ما زوّجنا نساءه، ولا قسمنا ماله. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٥٨ - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثنَا مِسْعَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مَا أَحْدَثَ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) -بضم الحاء المهملة، وسكون اللام- هو الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلّال الحافظ الثقة، تقدّم في ٣/ ٢٢. ٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ الحافظ الثبت، تقدّم في ٣/ ٢٢. ٣ - (مسعر) -بكسر الميم، وسكون السين، وفتح العين- ابن كِدَام -بكسر الكاف- ابن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ الحافظ الثقة الثبت الفاضل، تقدّم في ٤/ ٢٩. والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن يَحْيَى بْنِ آدَمَ، أنه قال (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ) الْجعفيّ المذكور في الأثر السابق (قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ) بضم أوله، وسكون ثانيه، وكسر ثالثه، من الإحداث: أي قبل أن يبتدع عقيدته الباطلة، ونِحْلته العاطلة (مَا أَحْدَثَ) "ما" موصولة مفعول "يُحدث" أي الذي أحدثه. وأراد مسعر رحمهُ اللهُ تعالى بهذا أن جابرًا كان مستقيمًا على السنّة، فكانوا يأخذون عنه الحديث في تلك الحال، ثم لَمّا تحوّل إلى اعتقاده الباطل، وهو ما سبق أنه كان يؤمن بالرجعة، تركوا حديثه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٥٩ - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَ، فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِي حَدِيثِهِ، وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا أَظْهَرَ؟ قَالَ: الْإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ).

стр. 702

رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (سلمة بن شَبيب) النيسابوري، أبو عبد الرحمن الْمِسْمَعيّ، نزيل مكة. رَوَى عن عبد الرزاق، وأبي أسامة، وزيد بن الحباب، والحميديّ، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأحمد بن حنبل، وبقي بن مخلد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. قال أبو حاتم، وصالح بن محمد البغدادي: صدوق. وقال النسائي: ما علمنا به بأسا. وقال أحمد بن سيار: كان من أهل نيسابور، ورحل إلى مكة، وكان مستملي المقرىء، صاحب سنة وجماعة، رحل في الحديث، وجالس الناس، وكتب الكثير، ومات بمكة. وقال أبو نعيم الأصبهاني: أحد الثقات، حَدَّث عنه الأئمة، والقدماء. وقال الحاكم: هو محدث أهل مكة، والمتفق على إتقانه وصدقه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس، وابن قانع، وغير واحد: مات سنة (٢٤٧). وقال أبو بكر ابن أبي داود: مات سنة (٢٤٦) في أَكْلَة فالوذج. وقال حسين القباني: مات سنة (٤). وله في "صحيح مسلم" (٤٠) حديثًا. وقال في "التقريب": ثقة، من كبار الحادية عشرة. انتهى. ٢ - (الْحُميديّ) هو: عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن حميد بن نصر بن الحارث بن أسد بن عبد العزي، وقيل في نسبه غير ذلك، ساق الزبير بن بكّار نسبه إلى عبد الله، فقال: ابن الزبير بن عُبيد الله بن حُميد، وهذا هو الراجح، أبو بكر الأسديّ الحميدي المكيّ. رَوَى عن ابن عيينة، وإبراهيم بن سعد، ومحمد بن إدريس الشافعي، والوليد بن مسلم، وخلق كثير. وروى عنه البخاري، وروى له مسلم في "المقدّمة"، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، في "التفسير" بواسطة سلمة بن شبيب، ومحمد بن يونس النسائي، وهارون الحمال، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعبيد الله بن فضالة النسائي، ومحمد بن أحمد القرشي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وأبو الأزهر النيسابوري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو بكر محمد بن إدريس وراق الحميدي، وغيرهم. قال أحمد: الحميدي عندنا إمام. وقال أبو حاتم: هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا الحميدي، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. وقال محمد بن عبد الرحمن الهروي: قدمت مكة عقب وفاة ابن عيينة، فسألت عن أجل أصحابه، فقالوا: الحميدي. وقال ابن سعد: مات بمكة

стр. 703

سنة تسع عشرة ومائتين، وكان ثقة، كثير الحديث. وكذا أَرَّخه البخاري، وأرّخه غيرهما سنة (٢٠). وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: صاحب سنة، وفضل ودين. وقال ابن عدي: ذهب مع الشافعي إلى مصر، وكان من خيار الناس. وقال الحاكم: ثقة مأمون، قال: ومحمد بن إسماعيل إذا وجد الحديث عنه لا يخرجه إلى غيره من الثقة به. وفي "الزهرة" روى عنه البخاري خمسة وسبعين حديثًا (١). وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ فقيهٌ، أجلّ أصحاب ابن عيينة، من العاشرة. انتهى. ٣ - (سفيان) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته (٢). والله تعالى أعلم. شرح الأثر: عن عبد الله بن الزبير الْحُمَيْدِيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: كَانَ النَّاسُ) أي أهل الحديث (يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ) أي يروون أحاديثه (قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ) بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإظهار (مَا أَظْهَرَ) "ما" موصولة مفعول "يظهر": أي الذي أظهره من البدع (فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِي حَدِيثِهِ) أي بالكذب فيما يُحدّث به (وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ) أي ترك الرواية عنه (فَقِيلَ لَهُ) أي لسفيان (وَمَا أَظْهَرَ؟ ) "ما" استفهامية: أي أيّ شيء أظهر حتى تركوه؟ (قَالَ: الْإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ) بنصب "الإيمان" على أنه مفعول لفعل مقدّر دلّ عليه السؤال: أي أظهر الإيمان برجوع عليّ ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب: ٦٠ - (وحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، وَأَخُوهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا الْجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: عِنْدِي سَبْعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهَا). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) المذكور قبل حديث. ٢ - (أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ) عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني -بكسر الحاء المهملة، وتشديد الميم- أبو يحيى الكوفي، ولقبه بَشْمِين -بفتح الموحّدة، وسكون المعجمة، وكسر الميم، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم نون- أصله خوارزمي.

стр. 704

رَوَى عن بُريد بن أبي بردة، والأعمش، والسفيانين، وأبي حنيفة، وجماعة. وروى عنه الحسن بن علي الخلال، وأحمد بن عمر الوكيعي، وأبو كريب، وغيرهم. قال ابن معين: ثقة. وقال أبو داود: كان داعية في الإرجاء. وقال النسائي: ليس بقوي. وقال في موضع آخر: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عدي: هو وابنه ممن يكتب حديثه. قال هارون الحمال: مات سنة اثنتين ومائتين. وفيها أَرَّخه ابن قانع، وزاد: في جمادى الأولى، وهو ثقة. وقال ابن سعد، وأحمد: كان ضعيفا. وقال العجلي: كوفي ضعيف الحديث، مرجئ. وقال البرقي: قال ابن معين: كان ثقة، ولكنه ضعيف العقل. أخرج له البخاريّ، ومسلم في "المقدّمة"، والباقون، إلا النسائيّ. وقال في "التقريب": صدوقٌ يُخطىء، ورُمي بالإرجاء، من التاسعة. [تنبيه]: قوله: "الْحِمّانيّ" -بكسر، فتشديد ميم-: نسبة إلى حِمّان بطن من هَمْدان. والله تعالى أعلم. ٣ - (قبيصة) -بفتح القاف، وكسر الموحّدة- هو: قبيصة بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن جُنَيدب بن رئاب بن حبيب بن سُوَاءة بن عامر بن صعصعة السُّوَائي، أبو عامر الكوفي. رَوَى عن الثوري، وشعبة، وفطر بن خليفة، ويونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس، والجراح والد وكيع، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى له الباقون بواسطة ابنه عقبة، ويحيى بن بشر البلخي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وهناد بن السري، ومحمود ابن غيلان، والذهلي، وغيرهم. قال حنبل: قال أبو عبد الله: كان يحيى بن آدم عندنا أصغر من سمع من سفيان، قال: وقال يحيى: قبيصة أصغر مني بسنتين، قلت: فما قصة قبيصة في سفيان؟ فقال أبو عبد الله: كان كثير الغلط، قلت: فغير هذا؟ قال: كان صغيرا لا يضبط، قلت: فغير سفيان؟ قال: كان قبيصة رجلا صالحا، ثقة، لا بأس به، وأي شيء لم يكن عنده؟ ، يذكر أنه كثير الحديث. وقال أبو طالب: ذَكَرَ قبيصةُ ابنَ مهدي، وأبا نعيم، فكأنّ أحمد لم يعبأ به. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قبيصة أثبت منه جدا -يعني من أبي حذيفة- قال: وقد كتبت عنهما جميعًا. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: قبيصة ثقة في كل شيء، إلا في حديث سفيان، فإنه سمع منه وهو صغير. وقال يعقوب ابن سفيان: قال يحيى بن يعمر: قبيصة أكبر من يحيى بن آدم بشهرين، قال: وسمعت قبيصة يقول: شهدت عند شريك، فامتحنني في شهادتي، فذكرت ذلك لسفيان، فأنكر على شريك، قال: وصليت بسفيان الفريضة. وقال أبو زرعة الدمشقي عن أحمد بن أبي

стр. 705

الحواري: قلت للفريابي: رأيت قبيصة عند سفيان؟ قال: نعم رأيته صغيرًا. قال أبو زرعة: فذكرته لابن نمير، فقال: لو حدثنا قبيصة عن النخعي لقبلنا منه. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن قبيصة، وأبي نعيم، فقال: كان قبيصة أفضل الرجلين، وأبو نعيم أتقن الرجلين. وقال أيضا: سألت أبي عن قبيصة، وأبي حذيفة، فقال: قبيصة أحلى عندي، وهو صدوق، ولم أر من المحدثين من يحفظ يأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره، سوى قبيصة، وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيى الحماني في حديث شريك، وعلي بن الجعد في حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: كان قبيصة، وأبو عامر، وأبو حذيفة، لا يحفظون، ثم حفظوا بعدُ. وقال إسحاق بن سيار: ما رأيت أحفظ منه من الشيوخ. وقال ابن خراش: صدوق. وقال صالح بن محمد: كان رجلا صالحًا تكلموا في سماعه من سفيان. وقال الفضل بن سهل الأعرج: كان قبيصة يحدث بحديث الثوري على الولاء درسا درسا حفظا. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أحمد بن سلمة: كان هناد إذا ذكره قال: الرجل الصالح. وقال هارون الحمال: سمعت قبيصة يقول: جالست الثوري، وأنا ابن (١٦) سنة ثلاثَ سنين. قال معاوية بن صالح الدمشقي: مات سنة (٢١٣). وقال هارون بن حاتم، وغير واحد: مات سنة خمس عشرة ومائتين. وقال في "التقريب": صدوقٌ ربّما خالف، من التاسعة. انتهى. وله في "صحيح مسلم" حديث واحد برقم (١٦٢٣) حديث: "نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ... " الحديث (١). ٤ - (أخوه) هو: سفيان بن عقبة (٢) السوائي الكوفي، روى عن الثوري، والجراح ابن مليح، وحسين المعلم، وحمزة الزيات، ومسعر، وسعد بن أوس الكاتب. وروى عنه ابن أخيه عقبة بن قبيصة بن عقبة، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، وأبو كريب، ومحمود بن غيلان، وأبو يحيى الحماني، وأبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: لا بأس به. وكذا قال ابن نمير، وابن عدي. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال الحافظ: والذي في سؤالات عثمان الدارمي عن ابن معين: سألت يحيى عنه؟ فقال: لا أعرفه. وكذا نقله ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، وابن عدي في "الكامل" عن عثمان، زاد ابن عدي: يعني أنه لم يَرَهُ، ولم
следующие страницы →