العرب بعصاه، فذُكر ذلك لابن عبّاس، فقال: لو علمنا ما زوّجنا نساءه، ولا قسمنا ماله. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٥٨ - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثنَا مِسْعَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ مَا أَحْدَثَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ) -بضم الحاء المهملة، وسكون اللام- هو الحسن بن عليّ بن محمد الْهُذَليّ، أبو عليّ الخلّال الحافظ الثقة، تقدّم في ٣/ ٢٢.
٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ الحافظ الثبت، تقدّم في ٣/ ٢٢.
٣ - (مسعر) -بكسر الميم، وسكون السين، وفتح العين- ابن كِدَام -بكسر الكاف- ابن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ الحافظ الثقة الثبت الفاضل، تقدّم في ٤/ ٢٩. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن يَحْيَى بْنِ آدَمَ، أنه قال (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ يَزِيدَ) الْجعفيّ المذكور في الأثر السابق (قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ) بضم أوله، وسكون ثانيه، وكسر ثالثه، من الإحداث: أي قبل أن يبتدع عقيدته الباطلة، ونِحْلته العاطلة (مَا أَحْدَثَ) "ما" موصولة مفعول "يُحدث" أي الذي أحدثه. وأراد مسعر رحمهُ اللهُ تعالى بهذا أن جابرًا كان مستقيمًا على السنّة، فكانوا يأخذون عنه الحديث في تلك الحال، ثم لَمّا تحوّل إلى اعتقاده الباطل، وهو ما سبق أنه كان يؤمن بالرجعة، تركوا حديثه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٥٩ - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَ، فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِي حَدِيثِهِ، وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا أَظْهَرَ؟ قَالَ: الْإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ).
стр. 702
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (سلمة بن شَبيب) النيسابوري، أبو عبد الرحمن الْمِسْمَعيّ، نزيل مكة.
رَوَى عن عبد الرزاق، وأبي أسامة، وزيد بن الحباب، والحميديّ، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى البخاري، وأحمد بن حنبل، وبقي بن مخلد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال أبو حاتم، وصالح بن محمد البغدادي: صدوق. وقال النسائي: ما علمنا به بأسا. وقال أحمد بن سيار: كان من أهل نيسابور، ورحل إلى مكة، وكان مستملي المقرىء، صاحب سنة وجماعة، رحل في الحديث، وجالس الناس، وكتب الكثير، ومات بمكة. وقال أبو نعيم الأصبهاني: أحد الثقات، حَدَّث عنه الأئمة، والقدماء. وقال الحاكم: هو محدث أهل مكة، والمتفق على إتقانه وصدقه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن يونس، وابن قانع، وغير واحد: مات سنة (٢٤٧). وقال أبو بكر ابن أبي داود: مات سنة (٢٤٦) في أَكْلَة فالوذج. وقال حسين القباني: مات سنة (٤). وله في "صحيح مسلم" (٤٠) حديثًا. وقال في "التقريب": ثقة، من كبار الحادية عشرة. انتهى.
٢ - (الْحُميديّ) هو: عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن حميد بن نصر بن الحارث بن أسد بن عبد العزي، وقيل في نسبه غير ذلك، ساق الزبير بن بكّار نسبه إلى عبد الله، فقال: ابن الزبير بن عُبيد الله بن حُميد، وهذا هو الراجح، أبو بكر الأسديّ الحميدي المكيّ.
رَوَى عن ابن عيينة، وإبراهيم بن سعد، ومحمد بن إدريس الشافعي، والوليد بن مسلم، وخلق كثير. وروى عنه البخاري، وروى له مسلم في "المقدّمة"، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، في "التفسير" بواسطة سلمة بن شبيب، ومحمد بن يونس النسائي، وهارون الحمال، ومحمد بن يحيى الذهلي، وعبيد الله بن فضالة النسائي، ومحمد بن أحمد القرشي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وأبو الأزهر النيسابوري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو بكر محمد بن إدريس وراق الحميدي، وغيرهم.
قال أحمد: الحميدي عندنا إمام. وقال أبو حاتم: هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا الحميدي، وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه. وقال محمد بن عبد الرحمن الهروي: قدمت مكة عقب وفاة ابن عيينة، فسألت عن أجل أصحابه، فقالوا: الحميدي. وقال ابن سعد: مات بمكة
стр. 703
سنة تسع عشرة ومائتين، وكان ثقة، كثير الحديث. وكذا أَرَّخه البخاري، وأرّخه غيرهما سنة (٢٠). وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: صاحب سنة، وفضل ودين. وقال ابن عدي: ذهب مع الشافعي إلى مصر، وكان من خيار الناس. وقال الحاكم: ثقة مأمون، قال: ومحمد بن إسماعيل إذا وجد الحديث عنه لا يخرجه إلى غيره من الثقة به. وفي "الزهرة" روى عنه البخاري خمسة وسبعين حديثًا (١).
وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ فقيهٌ، أجلّ أصحاب ابن عيينة، من العاشرة. انتهى.
٣ - (سفيان) بن عيينة الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته (٢). والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن عبد الله بن الزبير الْحُمَيْدِيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: كَانَ النَّاسُ) أي أهل الحديث (يَحْمِلُونَ عَنْ جَابِرٍ) أي يروون أحاديثه (قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ) بضم أوله، وكسر ثالثه، من الإظهار (مَا أَظْهَرَ) "ما" موصولة مفعول "يظهر": أي الذي أظهره من البدع (فَلَمَّا أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ اتَّهَمَهُ النَّاسُ فِي حَدِيثِهِ) أي بالكذب فيما يُحدّث به (وَتَرَكَهُ بَعْضُ النَّاسِ) أي ترك الرواية عنه (فَقِيلَ لَهُ) أي لسفيان (وَمَا أَظْهَرَ؟ ) "ما" استفهامية: أي أيّ شيء أظهر حتى تركوه؟ (قَالَ: الْإِيمَانَ بِالرَّجْعَةِ) بنصب "الإيمان" على أنه مفعول لفعل مقدّر دلّ عليه السؤال: أي أظهر الإيمان برجوع عليّ ﵁. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٦٠ - (وحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، وَأَخُوهُ، أَنَّهُمَا سَمِعَا الْجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: عِنْدِي سَبْعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) المذكور قبل حديث.
٢ - (أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ) عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني -بكسر الحاء المهملة، وتشديد الميم- أبو يحيى الكوفي، ولقبه بَشْمِين -بفتح الموحّدة، وسكون المعجمة، وكسر الميم، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم نون- أصله خوارزمي.
стр. 704
رَوَى عن بُريد بن أبي بردة، والأعمش، والسفيانين، وأبي حنيفة، وجماعة. وروى عنه الحسن بن علي الخلال، وأحمد بن عمر الوكيعي، وأبو كريب، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة. وقال أبو داود: كان داعية في الإرجاء. وقال النسائي: ليس بقوي. وقال في موضع آخر: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عدي: هو وابنه ممن يكتب حديثه. قال هارون الحمال: مات سنة اثنتين ومائتين. وفيها أَرَّخه ابن قانع، وزاد: في جمادى الأولى، وهو ثقة. وقال ابن سعد، وأحمد: كان ضعيفا. وقال العجلي: كوفي ضعيف الحديث، مرجئ. وقال البرقي: قال ابن معين: كان ثقة، ولكنه ضعيف العقل. أخرج له البخاريّ، ومسلم في "المقدّمة"، والباقون، إلا النسائيّ.
وقال في "التقريب": صدوقٌ يُخطىء، ورُمي بالإرجاء، من التاسعة.
[تنبيه]: قوله: "الْحِمّانيّ" -بكسر، فتشديد ميم-: نسبة إلى حِمّان بطن من هَمْدان. والله تعالى أعلم.
٣ - (قبيصة) -بفتح القاف، وكسر الموحّدة- هو: قبيصة بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عقبة بن ربيعة بن جُنَيدب بن رئاب بن حبيب بن سُوَاءة بن عامر بن صعصعة السُّوَائي، أبو عامر الكوفي.
رَوَى عن الثوري، وشعبة، وفطر بن خليفة، ويونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس، والجراح والد وكيع، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وروى له الباقون بواسطة ابنه عقبة، ويحيى بن بشر البلخي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وهناد بن السري، ومحمود ابن غيلان، والذهلي، وغيرهم.
قال حنبل: قال أبو عبد الله: كان يحيى بن آدم عندنا أصغر من سمع من سفيان، قال: وقال يحيى: قبيصة أصغر مني بسنتين، قلت: فما قصة قبيصة في سفيان؟ فقال أبو عبد الله: كان كثير الغلط، قلت: فغير هذا؟ قال: كان صغيرا لا يضبط، قلت: فغير سفيان؟ قال: كان قبيصة رجلا صالحا، ثقة، لا بأس به، وأي شيء لم يكن عنده؟ ، يذكر أنه كثير الحديث. وقال أبو طالب: ذَكَرَ قبيصةُ ابنَ مهدي، وأبا نعيم، فكأنّ أحمد لم يعبأ به. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: قبيصة أثبت منه جدا -يعني من أبي حذيفة- قال: وقد كتبت عنهما جميعًا. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: قبيصة ثقة في كل شيء، إلا في حديث سفيان، فإنه سمع منه وهو صغير. وقال يعقوب ابن سفيان: قال يحيى بن يعمر: قبيصة أكبر من يحيى بن آدم بشهرين، قال: وسمعت قبيصة يقول: شهدت عند شريك، فامتحنني في شهادتي، فذكرت ذلك لسفيان، فأنكر على شريك، قال: وصليت بسفيان الفريضة. وقال أبو زرعة الدمشقي عن أحمد بن أبي
стр. 705
الحواري: قلت للفريابي: رأيت قبيصة عند سفيان؟ قال: نعم رأيته صغيرًا. قال أبو زرعة: فذكرته لابن نمير، فقال: لو حدثنا قبيصة عن النخعي لقبلنا منه. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن قبيصة، وأبي نعيم، فقال: كان قبيصة أفضل الرجلين، وأبو نعيم أتقن الرجلين. وقال أيضا: سألت أبي عن قبيصة، وأبي حذيفة، فقال: قبيصة أحلى عندي، وهو صدوق، ولم أر من المحدثين من يحفظ يأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره، سوى قبيصة، وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيى الحماني في حديث شريك، وعلي بن الجعد في حديثه. وقال الآجري عن أبي داود: كان قبيصة، وأبو عامر، وأبو حذيفة، لا يحفظون، ثم حفظوا بعدُ. وقال إسحاق بن سيار: ما رأيت أحفظ منه من الشيوخ. وقال ابن خراش: صدوق. وقال صالح بن محمد: كان رجلا صالحًا تكلموا في سماعه من سفيان. وقال الفضل بن سهل الأعرج: كان قبيصة يحدث بحديث الثوري على الولاء درسا درسا حفظا. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أحمد بن سلمة: كان هناد إذا ذكره قال: الرجل الصالح. وقال هارون الحمال: سمعت قبيصة يقول: جالست الثوري، وأنا ابن (١٦) سنة ثلاثَ سنين. قال معاوية بن صالح الدمشقي: مات سنة (٢١٣). وقال هارون بن حاتم، وغير واحد: مات سنة خمس عشرة ومائتين.
وقال في "التقريب": صدوقٌ ربّما خالف، من التاسعة. انتهى.
وله في "صحيح مسلم" حديث واحد برقم (١٦٢٣) حديث: "نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ... " الحديث (١).
٤ - (أخوه) هو: سفيان بن عقبة (٢) السوائي الكوفي، روى عن الثوري، والجراح ابن مليح، وحسين المعلم، وحمزة الزيات، ومسعر، وسعد بن أوس الكاتب. وروى عنه ابن أخيه عقبة بن قبيصة بن عقبة، وعلي بن المديني، وابنا أبي شيبة، وأبو كريب، ومحمود بن غيلان، وأبو يحيى الحماني، وأبو البختري عبد الله بن محمد بن شاكر، وغيرهم. قال عثمان الدارمي عن ابن معين: لا بأس به. وكذا قال ابن نمير، وابن عدي. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال الحافظ: والذي في سؤالات عثمان الدارمي عن ابن معين: سألت يحيى عنه؟ فقال: لا أعرفه. وكذا نقله ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، وابن عدي في "الكامل" عن عثمان، زاد ابن عدي: يعني أنه لم يَرَهُ، ولم
стр. 706
يكتب عنه، فلم يَخْبُر أمره. انتهى. وقال العجلي: كوفي ثقة.
وقال في "التقريب": صدوق، من التاسعة. انتهى.
روى له مسلم هنا فقط، والأربعة.
٥ - (الجرّاح بن مَلِيح) -بفتح الميم، وكسر اللام- ابن عدي بن فُرْس بن جمحة ابن سفيان بن الحارث بن عمرو بن عبيد بن رُؤاس، وهو الحارث بن كلاب الرُّؤَاسي الكوفي، أبو وكيع، روى عن أبي إسحاق السبيعي، وعطاء بن السائب، وأبي فزارة العبسي، وغيرهم. وروى عنه ابنه، وأبو قتيبة، وسفيان بن عقبة، وابن مهدي، وغيرهم.
قال ابن سعد: وَلِيَ بيتَ المال ببغداد في خلافة هارون، وكان ضعيفا في الحديث عَسِرًا. وقال عثمان بن أبي جعفر الطيالسي عن ابن معين: ما كتبت عن وكيع، عن أبيه، ولا عن قيس شيئا قط. وقال ابن أبي خيثمة عنه: ضعيف الحديث، وهو أمثل من أبي يحيى الْحِمّاني. وقال عثمان الدارمي عنه: ليس به بأس. وكذا قال ابن أبي مريم عنه، وزاد: يُكتب حديثه. وقال في موضع آخر: ثقة. وكذا قال الدُّوري عنه. وقال ابن عمار ضعيف. وقال أبو الوليد: ثنا أبو وكيع، وكان ثقة. وقال أبو داود: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال البرقاني: سألت الدارقطني عن الجراح؟ فقال: ليس بشيء، هو كثير الوهم، قلت: يُعتَبَر؟ قال: لا. وقال أبو أحمد بن عدي: له أحاديث صالحة، وروايات مستقيمة، وحديثه لا بأس به، وهو صدوق، لم أجد في حديثه منكرا، فأذكره، وعامة ما يرويه عنه ابنه وكيع، وقد حدث عنه غير وكيع الثقات من الناس. وقال أبو حاتم الرازي: يُكتب حديثه، ولا يحتج به. وقال العجلي: لا بأس به، وابنه أنبل منه. وقال الأزدي: يتكلمون فيه، وليس بالمرضي عندهم. وقال الهيثم بن كليب: سمعت الدُّوري يقول: دخل وكيع البصرة، فاجتمع عليه الناس، فحدثهم حتى قال: حدثني أبي وسفيان، فصاح الناس من كل جانب: لا نريد أباك، حَدِّثْنا عن الثوري، فأعاد وأعادوا، فأطرق، ثم قال: يا أصحاب الحديث من بُلي بكم، فليصبر. رواها الإدريسي في "تاريخ سمرقند". وحَكَى فيه أن ابن معين كَذّبه، وقال: كان وضاعا للحديث. وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، وزعم يحيى بن معين أنه كان وضاعا للحديث. قال خليفة: مات بعد سنة (١٧٥). وقال ابن قانع: سنة (٧٦).
وقال في "التقريب": صدوقٌ يَهِم، من السابعة. انتهى.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن
стр. 707
ماجه، وله في "صحيح مسلم" حديث واحد برقم (٦٦٣) حديث: "إن لك ما احتسبت". والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن أَبي يَحْيَى الْحِمَّانِيّ، أنه قال: (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بن عقبة (وَأَخُوهُ) سفيان بن عقبة (أَنَّهُمَا سَمِعَا الْجَرَّاحَ بْنَ مَلِيحٍ) بفتح الميم، وكسر اللام، مكبّرًا (يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا) أي الجعفيّ (يَقُولُ: عِنْدِي سَبْعُونَ ألْفَ حَدِيثٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) هو: محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشمي، أبو جعفر الباقر، أمه بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، روى عن أبيه، وجديه الحسن والحسين، وجد أبيه علي بن أبي طالب مرسل، وعم أبيه، محمد بن الحنفية، وابن عم جده عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وسمرة بن جندب، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم. وروى عنه ابنه جعفر، وأبو إسحاق السبيعي، والأعرج، والزهري، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وليس يروي عنه من يُحْتَجُّ به. وقال العجلي: مدني تابعي ثقة. وقال ابن البرقي: كان فقيهًا فاضلًا. وذكره النسائي في فقهاء أهل المدينة من التابعين. وقال محمد بن فضيل، عن سالم بن أبي حفصة: سألت أبا جعفر، وابنه جعفر بن محمد، عن أبي بكر وعمر فقالا لي: يا سالم تَوَلّهما، وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى. وعنه قال: ما أدركت أحدًا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما. قال ابن البرقي: كان مولده سنة ست وخمسين. وقيل: إنه مات سنة أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: ست عشرة، وقيل: سبع عشرة. وقال ابن سعد: مات سنة ثماني عشرة ومائة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. قال الحافظ: فإن ثبت ذلك فيكون مولده سنة خمس وأربعين، ولكن ابن سعد: لم ينقل ذلك إلا عن الواقدي، كذا صرح به في "الطبقات الكبرى"، ثم قال ابن سعد: أنا عبد الرحمن بن يونس، عن ابن عيينة، عن جعفر بن محمد، سمعت محمد بن علي، وهو يذاكر فاطمة بنت الحسين، صدقة النبي ﷺ فقال: وهذه تُوفِي لي ثمانيا وخمسين سنة، ومات بها. انتهى. وهذا السند في غاية الصحة، ومقتضاه أن يكون وُلد سنة ستين، وهذا هو الذي يتجه؛ لأن أباه علي بن الحسين شهد مع أبيه يوم كربلاء، وهو ابن عشرين سنة، وكان يومُ كربلاء في المحرم سنة إحدى وستين، ومقتضاه أن مولد علي كان سنة إحدى وأربعين، فمن يولد سنة أربعين، أو سنة إحدى وأربعين، كيف يولد له سنة خمس وأربعين؟ والأصح أنه مات سنة أربع عشرة؛ لأن البخاري قال: ثنا عبد الله بن محمد، عن ابن عيينة، عن جعفر ابن محمد، قال: مات أبي سنة أربع عشرة، فيكون مولده على هذا سنة ست وخمسين، وهو يتجه أيضًا. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٩) حديثًا.
стр. 708
وقال في "التقريب": ثقةٌ فاضلٌ، من الرابعة. انتهى.
(عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهَا) بالرفع تأكيد لسبعون. وغرض الجرّاح بهذا الكلام تكذيب جابر الجعفيّ في دعواه أنه سمع من أبي جعفر سبعين ألف حديث مرفوع، وذلك أن روايته هذا العدد الكبير عن شخص واحد، وإن كان ممكنًا، لكنه متّهمٌ في ذلك بأدلّة أخرى تبيّن كذبه، ومنها قوله الآتي: ما حدّثت منها بشيء؛ إذ يدلّ على أنه كان يُخفيها من الناس تقيّةً؛ لكونها من المنكرات التي تُشيعها الرافضة في عليّ ﵁، وأهل بيته.
[فإن قلت]: الجرّاح ضعيف، فكيف احتجّ به مسلم هنا؟ .
[قلت]: لم يحتجّ به أصالة، وإنما أتى به متابعة، واستشهاداً على ثبوت كذب جابر الجعفيّ، فقد ثبت ذلك بما ساقه من الأسانيد الماضية والتالية، فيكون الجرّاح متابعًا لهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٦١ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: سَمِعْتُ زُهَيْرًا يَقُولُ: قَالَ جَابِرٌ، أَوْ سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: إِنَّ عِنْدِي لَخَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، مَا حَدَّثْتُ مِنْهَا بِشَيْءٍ، قَالَ: ثُمَّ حَدَّثَ يَوْمًا بِحَدِيثٍ، فَقَالَ: هَذَا مِنَ الْخَمْسِينَ أَلْفًا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن يوسف الثقفيّ البغداديّ الثقة الحافظ، تقدّم في ٤/ ٣٨.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ اليربوعيّ، نُسب لجده ثقة حافظ، تقدّم في ٥/ ٥١.
٣ - (زُهير) بن معاوية بن حُديج بن الرُّحَيل بن زُهَير بن خيثمة الجعفي الكوفي، سكن الجزيرة.
رَوَى عن أبي إسحاق السبيعي، وسليمان التيمي، وعاصم الأحول، وغيرهم. وروى عنه ابن مهدي، والقطان، وأبو داود الطيالسي، وأحمد بن يونس، وغيرهم.
قال معاذ بن معاذ: والله ما كان سفيان بأثبت من زهير. وقال شعيب بن حرب: كان زهير أحفظ من عشرين مثل شعبة. وقال بشر بن عمر الزهراني عن ابن عيينة: عليك بزهير بن معاوية، فما بالكوفة مثله. وقال الميموني عن أحمد: كان من معادن الصدق. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: زهير فيما روى عن المشايخ ثبت بخ بخ، وفي حديثه عن أبي إسحاق لين، سمع منه بآخره. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة.
стр. 709
وقال أبو زرعة: ثقة، إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط. وقال أبو حاتم: زهير أحب إلينا من إسرائيل في كل شيء، إلا في حديث أبي إسحاق، فقيل له: فزائدة وزهير؟ قال: زهير أتقن من زائدة، وهو أحفظ من أبي عوانة، وما أشبه حديثه بحديث زيد بن أبي أنيسة، وهو أحفظ من أبي عوانة، وزهير ثقة متقن، صاحب سنة، وهو أحب إلي من جرير، وخالد الواسطي. وقال العجلي: ثقة مأمون. وقال النسائي: ثقة ثبت. وقال مطين: مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وسبعين ومائة. وقال ابن منجويه: مات سنة (١٧٧)، وكان حافظا متقنا، وكان أهل العراق يقدمونه في الإتقان على أقرانه. قال الخطيب: حدث عنه ابن جريج وعبد السلام بن عبد الحميد الحراني، وبين وفاتيهما بضع وتسعون سنة، وحدث عنه محمد بن إسحاق، وبين وفاتيهما قريب من ذلك. وقال ابن سعد: توفي آخر سنة (٧٢)، وكان ثقة ثبتا مأمونا، كثير الحديث. وقال أبو جعفر بن نفيل: مات في رجب سنة (٧٣). وقال أيضا: وُلد سنة مائة. وقال البزار: ثقة. وقال ابن حبان في "الثقات": توفي سنة ثلاث، أو أربع وسبعين ومائة في رجب، وكان حافظا متقنا، وكان أهل العراق يقولون في أيام الثوري: إذا مات الثوري، ففي زهير خَلَفٌ، وكانوا يقدمونه في الإتقان على غيره، وعاب عليه بعضهم أنه كان ممن يَحْرُس خشبة زيد بن علي لما صُلِبَ. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٨٩) حديثًا.
وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأخرة، من السابعة. انتهى.
وشرح الأثر واضح، ولا تنافي بينه وبين قوله الماضي: سبعون ألف حديث؛ لأن العدد لا مفهوم له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٦٢ - (وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْوَليدِ يَقُولُ، سَمِعْتُ سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرًا الْجُعْفِيَّ يَقُولُ: عِنْدِي خَمْسُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إبراهيم بن خالد) اليشكري، روى عن أبي الوليد الطيالسي، وعنه مسلم في "مقدمة كتابه"، أفرده بعضهم عن أبي ثور، وقيل: إنه هو. قال الحافظ: عَدّ اللالكائي، والحاكم، وابن خلفون، والصريفينيّ، وابن عساكر أبا ثور في شيوخ مسلم، وأما الدارقطني، فأفرد اليشكري، وقال ابن خلفون: لا أعرف اليشكري، ومن ظن أنه أبو
стр. 710
ثور، فقد وَهِمَ. وقال الذهبي: اليشكري مجهول. انتهى.
وقال في "التقريب": قيل: هو أبو ثور، وأنكر ذلك ابن خلفون، وهو من الحادية عشرة. انتهى.
قلت: أبو ثور: هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبيّ الفقيه، صاحب الشافعيّ، ثقة، من العاشرة، مات سنة (٢٤٠). قاله في "التقريب" ص ٢٠.
٢ - (أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم الطيالسي البصري الحافظ الإمام الحجة.
رَوَى عن عكرمة بن عمار، وجرير بن حازم، وشعبة، وهمام، ومالك والليث، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وأبو داود، وروى أبو داود أيضا والباقون عنه بواسطة إسحاق بن راهويه، وأبي خيثمة، والحسن بن علي الخلال، وإبراهيم بن خالد اليشكري، وغيرهم.
قال أبو طالب عن أحمد: متقن. وقال الميموني عن أحمد: أبو الوليد شيخ الإسلام، ما أُقَدّم اليوم عليه أحدا من المحدثين، وهو أسن من عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- بثلاث سنين. وقال ابن وارة: قلت لأحمد: أبو الوليد أحب إليك في شعبة، أو أبو النضر؟ قال: إن كان أبو الوليد يكتب عند شعبة، فأبو الوليد، قلت لأحمد: فإني سمعته يقول: بينا أنا أكتب عند شعبة، إذ بصر بي، فقال: وتكتب؟ فوضعت الألواح. وقال ابن وارة: قال لي علي بن المديني: اكتب عن أبي الوليد الأصول، قال: وقال لي أبو نعيم: لولا أبو الوليد ما أشرت عليك أن تدخل البصرة. قال ابن وارة: وحدثني أبو الوليد، وما أرى أني أدركت مثله. وقال العجلي: بصري ثقة ثبت في الحديث، وكانت الرحلة إليه بعد أبي داود. وقال ابن أبي حاتم: ثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو الوليد، أمير المحدثين، قال: وسمعت أبا زرعة، وذكر أبا الوليد، فقال: أدرك نصف الإسلام، وكان إمام زمانه، جليلا عند الناس، قال: وسمعت أبي يقول: أبو الوليد إمام فقيه عاقل ثقة حافظ، ما رأيت بيده كتابا قط. وقال أيضا: سئل أبي عن أبي الوليد، وحجاج بن المنهال؟ فقال: أبو الوليد عند الناس أكبر، كان يقال: سماعه من حماد بن سلمة فيه شيء، كان سمع منه بآخرة، وكان حماد ساء حفظه في آخر عمره. وقال أبو حاتم أيضا: ما رأيت أصح من كتاب أبي الوليد. وقال معاوية بن عبد الكريم الرمادي: أدركت الناس، وهم يقولون: ما بالبصرة أعقل من أبي الوليد، وبعده أبو بكر بن خلاد. وقال ابن سعد، والبخاري، وغير واحد: مات سنة سبع وعشرين. ويقال: إن مولده سنة ثلاث وثلاثين. زاد ابن سعد: كان ثقة ثبتا، حجة توفي في غرة شهر ربيع الأول، وهو ابن أربع وتسعين سنة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال:
стр. 711
كان من عقلاء الناس، حدثنا عنه أبو خليفة، الفضل بن الحباب. انتهى. قال الحافظ: وأبو خليفة خاتمة أصحابه، ولم يذكره المزي في الرواة عنه. وقال ابن قانع: ثقة مأمون ثبت. وله في "صحيح مسلم" تسعة أحاديث (١).
وقال في "التقريب": ثقةٌ ثبتٌ، من التاسعة. انتهى.
٣ - (سلام بن أبي مطيع) واسمه سعد الخزاعي مولاهم، أبو سعيد البصري.
رَوَى عن قتادة، وغالب القطان، وأبي عمران الجوني، وغيرهم. وروى عنه ابن مهدي، وابن المبارك، ويونس بن محمد، وهشام بن عبد الملك، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد في "العلل" عن أبيه: ثقة، صاحب سنة، كان ابن مهدي يحدث عنه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الآجري عن أبي داود: سمعت أبا سلمة، سمعت سلام بن أبي مطيع، وكان يقال: هو أعقل أهل البصرة، قال أبو داود: وهو القائل: لأن ألقى الله بصحيفة الحجاج أحب إلي من أن ألقاه بصحيفة عمرو بن عبيد. وقال أبو داود أيضا: سلام ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال البزار في "مسنده": كان من خيار الناس، وعقلائهم. وقال ابن عدي: ليس بمستقيم الحديث عن قتادة خاصة، وله أحاديث حسان، غرائب وأفراد، وهو يُعَدُّ من خطباء أهل البصرة، وعقلائهم، وكان كثير الحج، ومات في طريق مكة، ولم أر أحدا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث ليست بمحفوظة، وهو مع هذا كله عندي لا بأس به. وقال ابن حبان كان سيىء الأخذ، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة، وسوء الحفظ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام ابن حبّان، والحاكم هذا في سلام فيه نظر لا يخفى؛ لمخالفتهما فيه لما قاله أحمد، وأبو حاتم، وأبو داود، وغيرهم ممن هم أعلم بهذا الشأن منهما، فالحقّ ما قاله ابن عديّ فيه، وهو ما لخّصه الحافظ في "التقريب" بقوله: ثقة، صاحب سنّة، في روايته عن قتادة ضعف، من السابعة. انتهى. فتفطّن.
قال البخاري عن محمد بن محبوب: مات سنة (١٦٤)، وهو مقبل من مكة. وقال الترمذي: مات سنة سبع وستين. وقال خليفة، وابن قانع: مات سنة ثلاث وسبعين ومائة.
стр. 712
وقال في "التقريب": ثقةٌ، صاحب سنّة، في روايته عن قتادة ضعف، من السابعة. انتهى.
أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في "المسائل"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وله في "صحيح مسلم" حديث واحد، حديث رقم (٩٤٧): "ما من ميت تصلي عليه أمة ... " الحديث. و شرح الأثر واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٦٣ - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا سَأَلَ جَابِرًا عَنْ قَوْلِهِ : ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠] فَقَالَ جَابِرٌ: لم يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ، قَالَ سُفْيَانُ: وَكَذَبَ، فَقُلْنَا لِسُفْيَانَ: وَمَا أَرَادَ بِهَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّافِضَةَ تَقُولُ: إِنَّ عَلِيَّا فِي السَّحَاب، فَلَا نَخْرُجُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلَدِهِ، حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ -يُرِيدُ عَلِيًّا- أَنَّهُ يُنَادِي اخْرُجُوا مَعَ فُلَانٍ، يَقُولُ جَابِرٌ: فَذَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَكَذَبَ، كَانَتْ فِي إِخْوَةِ يُوسُفَ ﷺ .
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (سلمة بن شبيب) المسمعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة ثقة، تقدم في ٤/ ٥٧.
٢ - (الحميديّ) عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشيّ المكيّ الحافظ الثبت، تقدم في ٤/ ٥٧.
٣ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت، تقدّمت ترجمته (١). والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن سفيان بن عيينة رحمهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا) قال صاحب "المبهمات": لا أعرفه (سَأَلَ جَابِرًا) أي ابن عبد الله الجعفيّ الكذّاب (عَنْ) المعنى المراد بـ (قَوْلِهِ : ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠]، فَقَالَ جَابِرٌ: لم يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ) أي لم يأت تفسير هذه الآية (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (وَكَذَبَ) أي في دعواه الباطلة من تأويل الآية (فَقُلْنَا لِسُفْيُانَ: وَمَا أَرَادَ بِهَذَا؟ ) أي بقوله: لم يجىء تأويل هذه الآية (فَقَالَ) سفيان (إِنَّ الرَّافِضَةَ) مشتقّ من
стр. 713
الرفض، يقال: رفضته رَفْضًا، من باب ضرب، وفي لغة من باب قتل: إذا تركته، والرافضة فرقة من شيعة الكوفة، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم رَفَضُوا: أي تركوا زيد بن عليّ ﵁، حين نهاهم عن الطعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فلما عرفوا مقالته، وأنه لا يبرأ من الشيخين رفضُوه. ثم استُعمل هذا اللقب في كلّ من غلا في هذا المذهب، وأجاز الطعن في الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قاله الفيّوميّ (١). وفي "القاموس"، و"شرحه": الروافض: جنود تركوا قائدهم، وانصرفوا عنه، والروافض فرقة منهم، والنسبة إليهم رافضيّ. والرافضة أيضًا: فرقة من الشيعة، بايعوا زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رحمهم الله تعالى، ثم قالوا له: تبرّأ من الشيخين، نقاتل معك، فأبى، وقال: كانا وزيري جدّي ﷺ ، فلا أبرأ منهما، فتركوه، ورفضوه، وارفضّوا عنه، فسُمُّوا رافضة. والنسبة رافضيّ. وقالوا: الروافض، ولم يقولوا: الرُّفّاض؛ لأنهم عَنَوا الجماعات. انتهى (٢).
(تَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا) أي ابن أبي طالب ﵁ (فِي السَّحَاب) هذا من زعمهم الباطل، حيث إنهم يقولون: إن عليّا ﵁ حيّ، هجر الناس، فسكَن في السحاب، ينتظر أن تخلو الأرض من الظالمين الطاغين، ويبقى المطيعون، فيرجع من السحاب، ويملأ الأرض عدلًا (٣). (فَلَا نَخْرُجُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مِنْ وَلَدِهِ) أي لا نتّبع أحدًا من أولاده إذا صار خليفة (حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ -يُرِيدُ عَلِيًّا) أي يقصد بالمنادي عليّ بن أبي طالب ﵁ (أَنَّهُ يُنَادِي اخْرُجُوا مَعَ فُلَانٍ) أي وهو المهديّ الذي يُنتظر في زعمهم الباطل. يعني أنهم إذا سمعوا نداءه بذلك يخرجون معه، فيتبعونه. قال السنديّ رحمهُ اللهُ تعالى: قوله: "اخرجوا مع فلان": يريدون المهديّ الموعود، فيصير قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ الآية حكاية عن قول المهديّ، والأرض البرّيّة، والمراد ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ هو نداء عليّ ﵁ من السماء. فانظروا إلى أولئك القوم، وتحريفهم كتاب الله تعالى، نعوذ بالله منه. انتهى (٤).
(يَقُولُ جَابِرٌ) الجعفيّ (فَذَا تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ) أي آية ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾.
وحاصل ما أشار إليه جابر في كلامه هذا أن الرافضة تزعم أن هذه الآية نزلت في حقّ المهديّ الذي وُعد بخروجه في آخر الزمان، وهذا مغالطة منهم، فإن المهديّ كان
стр. 714
اسم رجل من أولاد الحسين، وقد مات في ذلك الزمان، فزعموا أنه ما مات، بل هو حيّ، فرّ من أيدي الناس إلى غار "سُرَّ من رأى"، فاعتكف فيه، ويقول: "لن نبرح الأرض": أي لن نخرج من غار "سُرَّ من رأى" "حتى يأذن لي أبي"، وهو عليّ ﵁؛ لأنه أيضًا فرّ من أيدي الناس، وسكن في السحاب، فإذا ناداني أن أخرج إليهم أخرج، وكذلك لو حكم الله لي بالخروج أخرج، فيقولون: هذا المهديّ هو عين المهديّ الموعود به في آخر الزمان، يخرج بأمر عليّ ﵁، أو بأمر الله تعالى من الغار. وهذا هو التأويل الذي أراده جابر بقوله: لم يجىء تأويل هذه الآية. (وَكَذَبَ) في هذا الزعم الباطل، فإنه خطير ضلالاتهم، وعظيم جهالاتهم اللائقة بأذهانهم السخيفة، وعقولهم الواهية، فإن الآية جاء تأويلها في زمن يوسف ﵇، كما قال سفيان رحمهُ اللهُ تعالى (كَانَت) الآية (فِي إِخْوَةِ يُوسُفَ ﷺ ومضى تأويلها.
[تنبيه]: تأويل الآية الكريمة: قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: أي ألزمها، ولا أبرح مقيمًا فيها، يقال: برِح بَراحًا، وبُرُوحًا: أي زال، فإذا دخل النفي صار مثبتًا. ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالرجوع، فإني أستحيي منه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بالممرّ مع أخي، فأمضي معه إلى أبي. وقيل: المعنى: أو يحكم الله لي بالسيف، فأحارب، وآخذ أخي، أو أعجز، فأنصرف بعذر، وذلك أن يعقوب ﵇ قال: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾، ومن حارب وعجز، فقد أُحيط به. قاله القرطبيّ في "تفسيره" (١). وقال النسفيّ: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾: أي فلن أفارق أرض مصر ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الانصراف إليه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بالخروج منها، أو بالموت، أو بقتالهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنه لا يحكم إلا بالعدل. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٦٤ - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا يُحَدِّثُ بِنَحْوٍ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ، مَا أَسْتَحِلُّ أَنْ أَذْكُرَ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا).
هذا الإسناد هو الإسناد الماضي.
[تنبيه]: قال أبو عليّ الغسانيّ الجيانيّ رحمهُ اللهُ تعالى: سقط ذكر "سلمة بن شبيب" بين مسلم والحميديّ عند ابن ماهان، والصواب رواية الْجُلُوديّ بإثباته، فإن مسلما لم يَلْقَ الحميديّ. قال أبو عبد الله بن الحذّاء، أحد رواة كتاب مسلم: سألت عبد الغنيّ بن
стр. 715
سعيد، هل روى مسلم عن الحميديّ؟ فقال: لم أره إلا في هذا الموضع، وما أبعد ذلك، أو يكون سقط قبل الحميدي رجل. قال القاضي عياض: وعبد الغنيّ إنما رأى من مسلم نسخة ابن ماهان، فلذلك قال ما قال، ولم تكن نسخة الْجُلُوديّ دخلت مصر. قال: وقد ذكر مسلم قبل هذا: حدثنا سلمة، حدثنا الْحُمَيديّ في حديث آخر، كذا هو عند جميعهم، وهو الصواب هنا أيضًا، إن شاء الله تعالى. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٦٥ - (قَالَ مسْلِم: وَسَمِعْتُ أَبَا غَسَّانَ، مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو الرَّازِيَّ، قَالَ: سَأَلْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ، فَقُلْتُ: الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ لَقِيتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، شَيْخٌ طَوِيلُ السُّكُوتِ، يُصِرُّ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: "مسلم" هو ابن الحجّاج، صاحب الكتاب، والقائل: قال مسلم تلميذه، ويحتمل أن يكون مسلم نفسه هو القائلَ، فيكون فيه التفات. و"أبو غسّان" بفتح الغين المعجمة، وتشديد السين المهملة، هو محمد بن عمرو الرازيّ الملقّب بـ "زُنَيج"، وقد تقدّم قريبًا في ٤/ ٥٥. و"جرير بن عبد الحميد": هو الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، تقدّم في ٤/ ٤٧. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الرَّازِيّ، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ) وقوله: (فَقُلْتُ) تفسير للسؤال (الْحَارِثُ بْنُ حَصِيرَةَ لَقِيتَهُ؟ ) بتقدير همزة الاستفهام، ورفع الحارث على الابتداء، وخبره الجملة بعده، ويجوز نصبه على الاشتغال، لكن الأول أولى؛ لعدم ما يوجب النصب، ولا الرفع، ولا ما يرجّح النصب، ولا ما يستوي فيه الأمران، كما أشار إلى تفاصيل هذه الأحوال في "الخلاصة" بقوله:
وَالنَّصْبُ حَتْمٌ إِنْ تَلَا السَّابِقُ مَا ... يَخْتَصُّ بِالْفِعْلِ كَإِنْ وَحَيْثُمَا
وَإِنْ تَلَا السَّابِقُ مَا بِالابْتِدَا ... يَخْتَصُّ فَالرَّفْعَ الْتَزِمْهُ أَبَدَا
كَذَا إِذَا الْفِعْلُ تَلَا مَا لَمْ يَرِدْ ... مَا قَبْلُ مَعْمُولًا لِمَا بَعْدُ وُجِدْ
وَاخْتِيرَ نَصْبٌ قَبْلَ فِعْلٍ ذِي طَلَبْ ... وَبَعْدَ مَا إِيلَاؤُهُ الْفِعْلَ غَلَبْ
وَبَعْدَ عَاطِفٍ بِلَا فَصْلٍ عَلَى ... مَعْمُولِ فِعْلٍ مُسْتَقِرٍّ أَوَّلَا
وَإِنْ تَلَا الْمَعْطُوفُ فِعْلًا مُخْبَرَا ... بِهِ عَنِ اسْمٍ فَاعْطِفَنْ مُخَيَّرَا
стр. 716
وَالرَّفْعُ فِي غَيْرِ الَّذِي مَرَّ رَجَحْ ... فَمَا أُبِيحَ افْعَلْ وَدَعْ مَا لم يُبَحْ
و"حَصِيرة" بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين، آخره هاء. وهو: الحارث بن حَصِيرة الأزديّ، أبو النعمان الكوفي، روى عن زيد بن وهب، وأبي صادق الأزدي، وجابر الجعفي، وسعيد بن عمرو بن أشوع، وغيرهم. وروى عنه عبد الواحد بن زياد، والثوري، ومالك بن مغول، وعبد السلام بن حرب، وعبد الله بن نمير، وجماعة. قال أبو أحمد الزبيري: كان يؤمن بالرجعة. وقال ابن معين: خَشَبِيّ، ثقة، ينسبونه إلى خشبة زيد بن علي التي صُلِب عليها. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لولا أن الثوري روى عنه لترك حديثه. وقال ابن عدي: عامة روايات الكوفيين عنه في فضائل أهل البيت، وإذا روى عنه البصريون، فرواياتهم أحاديث متفرقة، وهو أحد من يُعَدُّ من المحترقين بالكوفة في التشيع، وعلى ضعفه يكتب حديثه. وقال الدارقطني: شيخ للشيعة يغلو في التشيع. وقال الآجري عن أبي داود: شيعي، صدوق. ووثقه العجلي، وابن نمير. وقال العقيلي: له غير حديث منكر، لا يتابع عليه، منها حديث أبي ذر في ابن صياد. وقال الأزدي: زائغ، سألت أبا العباس بن سعيد عنه؟ فقال: كان مذموم المذهب، أفسدوه. وذكره ابن حبان في "الثقات". روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والنسائي في "مسند علي"، وله ذكر في مقدّمة مسلم هنا فقط.
(قَالَ) جريرٌ (نَعَمْ) بفتحتين، وسكون الميم، وقد تُكسر العين، لغة حكاها الكسائيّ، ويقال فيها: نَعَام بإشباع الفتحة حتى تَحْدُث الألف، وهي لغة، حكاها المعافى بن زكريّا النهروانيّ، وهي كلمة كبلى، إلا أنه في جواب الواجب، كما في "المحكم". وفي "التهذيب": إنما يُجاب بها الاستفهام الذي لا جحد فيه، قال: وقد يكون "نعم" عِدَةً، وربّما ناقض "بلى"، إذا قال: ليس لك عندي وديعة، فتقول: نعم تصديقًا له، وبلى تكذيبًا له، ومثله في "الصحاح". وحاصل ما في "المغني"، و"شروحه": أنه حرف تصديق بعد الخبر، ووعد بعد "افعل"، و"لا تفعل"، وبعد استفهام، كهل تعطيني، وإعلام بعد استفهام، ولو مُقدّرًا. ذكره المرتضى في "شرح القاموس" (١).
وقال الفيّومي رحمهُ اللهُ تعالى: وقولهم في الجواب: "نعم" معناها: التصديق، إن وقعت بعد الماضي، نحو هل قام زيد؟ ، والوعد إن وقعت بعد المستقبل، نحو هل تقوم؟ . قال سيبويه: "نعم" عِدَةٌ، وتصديقٌ. قال ابن بَابَشَاذ: يُريد أنها عِدَةٌ في الاستفهام، وتصديقٌ للإخبار، ولا يُريد اجتماع الأمرين فيها في كلّ حال. قال النِّيليُّ:
стр. 717
وهي تُبقِي الكلام على ما هو عليه من إيجاب، أو نفيٍ؛ لأنها وُضعت لتصديق ما تقدّم من غير أن ترفع النفي، وتُبطله، فإذا قال القائل: ما جاء زيد، ولم يكن قد جاء، وقلت في جوابه: نعم، كان التقدير: نعم ما جاء، فصدّقت الكلام على نفيه، ولم تُبطل النفي كما تُبطله "بلى"، وإن كان قد جاء، قلت في الجواب: بلى، والمعنى: قد جاء، فنعم تُبقي النفي على حاله، ولا تبطله، وفي التنزيل: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ٧٢]، ولو قالوا: نعم كان كفرًا؛ إذ معناه: نعم لست ربنا؛ لأنها لا تزيل النفي، بخلاف "بلى"، فإنها للإيجاب بعد النفي. انتهى كلام الفيّوميّ (١).
والمعنى هنا: نعم لقيته. (شَيْخٌ) خبر لمحذوف: أي هو شيخ (طَوِيلُ السُّكُوتِ) أي لا يكثر الكلام (يُصِرُّ) بضمّ أوله، من الإصرار، يقال: أصرّ على فعله بالألف: إذا داومه، ولازمه، وأصرّ عليه: إذا عزم. قاله الفيّوميّ (عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ) أي وهو الإيمان بالرجعة، والغلوّ في التشيّع، كما سبق في ترجمته. والمعنى: أنه لا يتوب عن عقيدته الفاسدة، بل هو ملازم لها، ومداوم عليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٦٦ - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: ذَكَرَ أَيُّوبُ رَجُلًا يَوْمًا، فَقَالَ: لم يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللِّسَانِ، وَذَكَرَ آخَرَ، فَقَالَ: هُوَ يَزِيدُ فِي الرَّقْمِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ) هو: أحمد بن إبراهيم بن كثير بن زيد الدَّوْرَقي النُّكْريّ، أبو عبد الله البغدادي.
روى عن حفص بن غياث، وجرير، وهشيم، وابن مهديّ، وغيرهم. وروى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، ويعقوب بن شيبة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق. وقال العقيلي: ثقة. وقال الخليلي في "الإرشاد": ثقة، متفق عليه. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال صالح جزرة: كان أحمد أكثرهما حديثًا وأعلمهما بالحديث، وكان يعقوب -يعني أخاه- أسندهما، وكانا جميعا ثقتين، كان مولد أحمد سنة (١٦٨) ومات في شعبان سنة (٢٤٦). وله في "صحيح مسلم" تسعة أحاديث.
стр. 718
وفي "التقريب": ثقة حافظ، من العاشرة. انتهى.
[تنبيه]: "النُّكْريّ" -بضم النون-: نسبة إلى بني نُكْر، وهم بطن من عبد القيس. و"الدَّوْرَقِيّ" -بفتح الدال، وسكون الواو، وفتح الراء، وبالقاف- قال ابن الجارود في "مشيخته": هو من أهل دَوْرَق، من أعمال الأهواز، وهي معروفة، وإليها تُنْسَب القلانس الدَّوْرَقية. ويقال: بل هو منسوب إلى صنعة القلانس، لا إلى البلد. وقال اللالكائي: كان يلبس القلانس الطوال (١).
وقال النوويّ في "شرحه". واختُلف في معنى هذه النسبة، فقيل: كان أبوه ناسكًا: أي عابدًا، وكانوا في ذلك الزمان يُسمُّون الناسك دَوْرقيّا، وهذا القول مرويّ عن أحمد الدَّوْرقيّ هذا، وهو من أشهر الأقوال. وقيل: هي نسبة إلى القلانس الطوال التي تُسمّى الدورقيّة. وقيل: منسوب إلى دَوْرق بلدة بفارس، أو غيرها. انتهى (٢).
٢ - (عبد الرحمن بن مهديّ) العنبريّ الإمام الحجة البصريّ، تقدّم في ٢/ ٧.
٣ - (حماد بن زيد) بن درهم الإمام الحافظ الثبت، تقدّم في ٣/ ٢٤. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
(عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ) أنه (قَالَ: ذَكَرَ أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختيانيّ، تقدّمت ترجمته (رَجُلًا) لا يعرف، كما قاله صاحب "تنبيه المعلم" (يَوْمًا) ظرف لذكر: أي في يوم من الأيّام (فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ بِمُسْتَقِيمِ اللِّسَانِ) كناية عن كذبه: أي إنه يكذب (وَذَكَرَ) أيوب (آخَرَ) أي رجلا آخر، ولا يُعرف، كما قاله صاحب "التنبيه" (فَقَالَ) أيوب (هُوَ يَزِيدُ فِي الرَّقْمِ) -بفتح الراء، وسكون القاف-: أي الكتابة، وهو أيضًا كناية عن كذبه. قال القاضي عياض رحمهُ اللهُ تعالى: هذا كلّه تعريضٌ بالكذب في نفي استقامة اللسان، وفي استعارة الزيادة في الرقم، كالتاجر الذي يزيد في رقم السلعة، ويكذب فيها؛ ليَرْبَح على الناس، ويغرّهم بذلك الرقم؛ ليشتروا عليه. انتهى (٣).
وذلك كأن يشتري شيئًا بعشرة، ويكتب عليها أنه اشتراها بخمسة عشر؛ ليبيعه بزيادة على خمسة عشر، فقد كذب، وغشّ الناس، حيث أوهم أنه اشتراه بما لم يشتر به، وكذلك المحدّث إذا روى حديثًا لم يسمعه من شيخ، ولا أجازه، فقد كذب، وغشّ
стр. 719
الناس، حيث أوهمهم أنه مما سمعه من ذلك الشيخ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٦٧ - (حَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ أَيُّوبُ: إِنَّ لِي جَارًا، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ فَضْلِهِ، وَلَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلَى تَمْرَتَيْنِ مَا رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (حجاج بن الشاعر) هو: حجاج بن أبي يعقوب، يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ الثقة، تقدّم في ٤/ ٣٨.
٢ - (سليمان بن حرب) بن بَجِيل الأزدي الواشحي، أبو أيوب البصري، وواشح من الأزد، سكن مكة، وكان قاضيها.
رَوَى عن شعبة، ومحمد بن طلحة بن مصرف، ووهيب بن خالد، وحَوْشب بن عَقِيل، والحمادين، وغيرهم. وروى عنه البخاري، وأبو داود، وروى له الباقون بواسطة أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي داود سليمان بن مَعْبَد، وأحمد بن سعيد الدارمي، وحجاج ابن الشاعر، وغيرهم.
قال أبو حاتم: إمام من الأئمة، كان لا يدلس، ويتكلم في الرجال، وفي الفقه، وليس بدون عفان، ولعله أكبر منه، وقد ظهر من حديثه نحو من عشرة آلاف حديث، وما رأيت في يده كتابا قط، وهو أحب إلي من أبي سلمة في حماد بن سلمة، وفي كل شيء، ولقد حضرت مجلس سليمان بن حرب ببغداد، فَحَزَرُوا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل، فأتينا عفان، فقال: ما حدثكم أبو أيوب، فإذا هو يُعَظِّمه. وقال أبو حاتم أيضا: كان سليمان بن حرب قَلّ من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ، فاعلم أنه ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: سمعت سليمان بن حرب يقول: طلبت الحديث سنة (٥٨) ولزمت حماد بن زيد تسع عشرة سنة. قال: وسمعته يقول: أَعْقِل موت ابن عون. وقال يحيى بن أكثم: قال لي المأمون: من تركت بالبصرة؟ فوصفت له مشايخ، منهم سليمان بن حرب، وقلت: هو ثقة حافظ للحديث، عاقل في نهاية الستر والصيانة، فأمرني بحمله إليه، فكتبت إليه في ذلك، فقَدِمَ، وولاه قضاء مكة، فخرج إليها. قال الخطيب: وكان ذلك سنة (٢١٤) فلم يزل على ذلك إلى أن عزله سنة (١٩). وقال الآجري عن أبي داود: كان سليمان بن حرب يحدث بالحديث، ثم يحدث به كأنه ليس ذاك. قال الخطيب: كان يروي على المعنى، فيغير ألفاظه. وقال عبد الله بن
стр. 720
أحمد عن أبيه: كتبنا عن سليمان بن حرب، وابن عيينة حي. وقال يعقوب بن شيبة: ثنا سليمان بن حرب، وكان ثقة، ثبتًا، صاحب حفظ. وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال ابن خراش: كان ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن قانع: ثقة، مأمون. وقال ابن عدي: كان يغسل الموتى، وكان خَيِّرًا فاضلًا. قال البخاري: قال سليمان بن حرب: وُلدت سنة (١٤٠). وقال حنبل بن إسحاق: مات سنة أربع وعشرين ومائتين. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، وقد ولي قضاء مكة، ثم عُزِل، فرجع إلى البصرة، فلم يزل بها حتى توفي بها لأربع ليال بقين من شهر ربيع الآخر، سنة أربع وعشرين ومائتين. وكذا قال غيره. وقال غيرهم: سنة (٢٣) وقيل: سنة (٢٧)، والأول أصح. وله في "صحيح مسلم" ثمانية أحاديث (١).
وقال في "التقريب": ثقة، إمام، حافظ، من التاسعة. مات سنة (٢٢٤) وله (٨٠) سنة. انتهى.
٣ - (حماد بن زيد) المذكور قبله. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن حمّاد بن زيد، أنه (قَالَ: قَالَ أَيُّوبُ) السختيانيّ (إِنَّ لِي جَارًا) لم يعرف اسمه، كما قاله صاحب "التنبيه" (ثُمَّ ذَكَرَ) أيوب (مِنْ فَضْلِهِ) -بفتح، فسكون-: أي خيره، ومثله الفضيلة، وهو خلاف النقص، والنقيصة، و"من" للتبعيض: أي ذكر بعض ما يتحلّى به من العبادة، ونحوها، مما يفضل به على غيره. (وَلَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلَى تَمْرَتَيْنِ مَا رَأَيْتُ شَهَادَتَهُ جَائِزَةً) أي لكونه غير أهل لتحمّل الشهادة، وأدائها؛ لأن الشهادة كالرواية لا بُدّ لقبولها من شرطين. وهما: العدالة، والضبط، فإذا فُقد أحدهما انتفى قبولها. والظاهر أن الرجل فُقد منه الضبط؛ لأن أيوب وصفه بالفضل، فالظاهر تحقّق العدالة له، ولكن العدالة وحدها لا تكفي حتى يتحقّق الضبط، فلا بدّ من تحقّقهما معًا حتى تقبل شهادته وروايته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٦٨ - (وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
стр. 721
قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ: مَا رَأَيْتُ أَيُّوبَ اغْتَابَ أَحَدًا قَطُّ، إِلَّا عَبْدَ الْكَرِيمِ -يَعْنِي أَبَا أُمَيَّةَ- فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ، فَقَالَ ﵀: كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ، لَقَدْ سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ لِعِكْرِمَةَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (محمد بن رافع) أبو عبد الله النيسابوريّ الحافظ، تقدّم في ٣/ ١٨.
٢ - (حجاج بن الشاعر) المذكور في السند الماضي.
٣ - (عبد الرزّاق) بن همّام، أبو بكر الصنعانيّ الحافظ المشهور، تقدّم في ٣/ ١٨.
٤ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ الثقة الثبت، تقدّم في ٣/ ١٨. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن عبد الرزاق، أنه (قَالَ: قَالَ مَعْمَرٌ) أي ابن راشد (مَا) نافية (رَأَيْتُ أَيُّوبَ) السختيانيّ (اغْتَابَ أَحَدًا) أي ذكره بما يكره من العيوب التي فيه، فإن لم تكن فيه، فهو بُهتان، وهو أشدّ، وقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما الغيبة؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره"، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته".
(قَطُّ) تقدّم قريبًا الكلام في ضبطها: أي فيما مضى من الزمن (إِلَّا عَبْدَ الْكَرِيمِ - يَعْنِي أَبَا أُمَيَّةَ-) هو: عبد الكريم بن أبي الْمُخَارق، واسمه قيس، ويقال: طارق المعلم البصري، نزل مكة. روى عن أنس بن مالك، وعمرو بن سعيد بن العاص، وطاووس، وغيرهم. وروى عنه عطاء، ومجاهد، ومحمد بن إسحاق، وابن جريج، وغيرهم. قال معمر: سألني حماد -يعني ابن أبي سليمان- عن فقهائنا، فذكرتهم، فقال: قد تركت أفقههم، يعني عبد الكريم أبا أمية، قال أحمد بن حنبل: كان يوافقه على الإرجاء. وقال ابن معين: ثنا هشام بن يوسف، عن معمر، قال: قال أيوب: لا تأخذوا عن أبي أمية عبد الكريم، فإنه ليس بثقة. وقال عمرو بن علي: كان عبد الرحمن ويحيى لا يحدثان عنه. وسألت عبد الرحمن عن حديث من حديثه، فقال: دعه، فلما قام ظننت أنه يحدثني به فسألته، فقال: فأين التقوى. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان ابن عيينة يستضعفه، قلت له: هو ضعيف؟ قال: نعم. وقال الدوري عن ابن معين: قد روى مالك عن عبد الكريم، أبي أمية، وهو بصري ضعيف. وقال خالد
стр. 722
الحذاء: كان عبد الكريم إذا سافر يقول أبو العالية: اللهم لا ترد علينا صاحب الأكسية. وعَدّه أبو داود من خير أهل البصرة. وقال النسائي، والدارقطني: متروك. وقال السعدي: كان غير ثقة. وكذا قال النسائي في موضع آخر. وقال ابن حبان: كان كثير الوهم، فاحش الخطأ، فلما كثر ذلك منه بطل الاحتجاج به. وقال أبو داود، والخليلي، وغير واحد: ما روى مالك عن أضعف منه. وقال الحاكم، أبو أحمد: ليس بالقوي عندهم. وقال الجزري: غيره أوثق منه. وذكره ابن الْبَرْقي في طبقة من نُسِب إلى الضعف. وقال أبو زرعة: لين. وقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه. ومن أجلّ من جرحه أبو العالية، وأيوب مع ورعه، غَرّ مالكا سَمْتُهُ، ولم يكن من أهل بلده، ولم يخرج عنه حكما، إنما ذكر عنه ترغيبًا. روى له البخاري تعليقًا، ومسلم حديثًا واحدًا، وأبو داود في "المسائل"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الحافظ أبو محمد المنذري: لم يخرج له مسلم شيئا أصلًا، لا متابعة، ولا غيره، وإنما أخرج لعبد الكريم الجزري. مات سنة (١٢٧) كما جزم به البخاري في "تاريخه الكبير". وفي تاريخ ابن أبي خيثمة ما يقتضي أنه مات سنة ست وعشرين ومائة، وكذلك صرح به في موضع آخر من "تاريخه". فالله أعلم. وقال في "التقريب": ضعيفٌ، له في البخاريّ زيادة في أول قيام الليل من طريق سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عبّاس في الذكر عند القيام، قال سفيان: زاد عبد الكريم، فذكر شيئًا، وهذا موصول، وعلّم له المزّيّ علامة التعليق، وليس هو معلّقًا، وله ذكر في مقدمة مسلم، وما روى له النسائيّ إلا قليلًا، من السادسة. انتهى.
(فَإِنَّه) أي أيوب (ذَكَرَهُ) أي ذكر عبد الكريم (فَقَالَ ﵀ الظاهر أن هذه الجملة الدعائيّة من قوِل معمر، دعاء لشيخه أيوب، وأما كونها من أيوب دعاء لعبد الكريم، ففيه بُعْدٌ (كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ) ثم استدلّ على عدم كونه ثقة بقوله: (لَقَدْ سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف هذا الحديث (لِعِكْرِمَةَ) الظاهر أنه مولى ابن عبّاس ﵄ (ثُمَّ قَالَ) أي عبد الكريم (سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ) أي ادّعى أنه سمع ذلك الحديث الذي أخبره أيوب عن عكرمة.
قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: هذا القطع بكذبه، وكونه غير ثقة بمثل هذه القضية، قد يُستَشكل من حيث إنه يجوز أن يكون سمعه من عكرمة، ثم نسيه، فسأل عنه، ثم ذكره، فرواه، ولكن عُرِف كذبه بقرائن. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ أن ما ذكره أيوب
стр. 723
على تكذيب عبد الكريم ليس كافيًا، إلا بانضمام قرائن خارجيّة، فإن مثل هذا لو وُجد من ثقة حافظ لقُبل منه حملًا على أنه سمعه من الشيخ، ثم نسيه، فلما سأل من سمعه من ذلك تذكّره، فجعل يحدّث به من الشيخ، لكن لما ثبت عند أيوب كذب عبد الكريم بقرائن أخرى، ضمّ إليها هذا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٦٩ - (حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى، فَجَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ: كَذَبَ، مَا سَمِعَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَائِلًا، يَتَكَفَّفُ النَّاسَ زَمَنَ طَاعُونِ الْجَارِفِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (الفضل بن سهل) الأعرج البغداديّ، خراسانيّ الأصل، ثقة تقدّم في ٤/ ٤١.
٢ - (عفّان بن مسلم) الصفّار البصريّ الثقة الثبت، تقدّم في ٤/ ٢٤.
٣ - (همّام) بن يحيى بن دينار الأزدي الْعَوْذي الْمُحَلِّمِيّ (١) مولاهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر البصري.
رَوَى عن عطاء بن أبي رباح، وإسحاق بن أبي طلحة، وزيد بن أسلم، وأبي جمرة الضبعي، وقتادة، وغيرهم. ورَوَى عنه الثوري، وابن المبارك، وابن علية، وعفّان، وغيرهم.
قال عُمَر بن شَبّةَ عن عفان: كان يحيى بن سعيد يَعتَرض على همام في كثير من حديثه، فلما قَدِم معاذ نظرنا في كتبه، فوجدناه يوافق هماما في كثير مما كان يحيى ينكره، فكفّ يحيى بعدُ عنه. وقال أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون: كان همام قويا في الحديث. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: همام ثبت في كل المشايخ. وقال الأثرم عن أحمد: كان عبد الرحمن يرضاه. وقال أبو حاتم عن أحمد: سمعت ابن مهدي يقول: همام عندي في الصدق مثل ابن أبي عروبة. وقال ابن مُحْرِز عن أحمد: همام ثقة، وهو أثبت من أبان العطار في يحيى بن أبي كثير. وقال الدُّوري عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد يروي عن أبان، ولا يروي عن همام، وهمام عندنا أفضل من أبان.
стр. 724
وقال الحسين بن الحسن الرازي عن ابن معين: ثقة، صالح، وهو أحب إلي في قتادة من حماد بن سلمة. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: همام في قتادة أحب إلي من أبي عوانة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين مثله، وزاد: قلت: همام أحب إليك في قتادة، أو أبان؟ قال: ما أقربهما، كلاهما ثقتان. وقال ابن المديني لما ذكر أصحاب قتادة: كان هشام أرواهم عنه، وسعيد أعلمهم به، وشعبه أعلمهم بما سمع عن قتادة مما لم يسمع، قال: ولم يكن همام عندي بدون القوم فيه، ولم يكن ليحيى فيه رأي، وكان ابن مهدي حسن الرأي فيه. وقال ابن عمار: كان يحيى بن سعيد لا يعبأ بهمام، ويقول: ألا تعجبون من عبد الرحمن يقول: من فاته شعبة يسمع من همام. وقال عمرو ابن علي: كان يحيى بن سعيد لا يحدث عن همام، وكان عبد الرحمن يحدث عنه. قال: وسمعت إبراهيم بن عرعرة قال ليحيى: ثنا عفان، ثنا همام، فقال له: اسكت ويحك. قال عمرو بن علي: الأثبات من أصحاب قتادة بن أبي عروبة، وهشام، وشعبة، وهمام. وقال ابن المبارك: همام ثبت في قتادة. وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زريع يقول: همام حفظه رديء، وكتابه صالح. وقال ابن سعد: كان ثقة، ربما غَلِطَ في الحديث. وقال ابن أبي حاتم سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: لا بأس به. قال: وسئل أبي عن همام وأبان من تقدم منهما؟ قال: همام أحب إلي ما حدث من كتابه، وإذا حدث من حفظه فهما متقاربان في الحفظ والغلط. قال: وسألت أبي عن همام؟ فقال: ثقة صدوق، في حفظه شيء، وهو أحب إلي من حماد بن سلمة، وأبان العطار، في قتادة. وقال ابن عدي: أخبرني إسحاق بن يوسف، أظنه عن عبد الله ابن أحمد عن أبيه: قال: شهد يحيى بن سعيد في حداثته شهادة، فلم يَعُدّله همام، فنَقِمَ عليه. وقال ابن أبي خيثمة: قال عبد الرحمن بن مهدي: ظَلَمَ يحيى بن سعيد همام ابن يحيى، لم يكن له به علم، ولا مجالسة. وقال الحسن بن علي الحلواني: سمعت عفان يقول: كان همام لا يكاد يرجع إلى كتابه، ولا ينظر فيه، وكان يخالَف، فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعدُ فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيرا، فنستغفر الله تعالى.
قال الحافظ: وهذا يقتضي أن حديث همام بآخره أصح ممن سمع منه قديمًا، وقد نص على ذلك أحمد بن حنبل. وقال أبو بكر البرديجي: همام صدوق، يكتب حديثه، ولا يحتج به، وأبان العطار أمثل منه. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال الحاكم: ثقة حافظ. وقال الساجي: صدوق سيىء الحفظ، ما حدث من كتابه فهو صالح، وما حدث من حفظه فليس بشيء. وقال ابن عدي: وهمام أشهر، وأصدق من أن يُذكر له حديث، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو متقدم في يحيى بن أبي كثير. قال
стр. 725
محمد بن محبوب: مات سنة ثلاث وستين ومائة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربع وستين. وقال الميموني عن أحمد، عن سريج بن النعمان: قدمت البصرة سنة أربع أو خمس وستين، فقيل لي: مات همام منذ جمعة، أو جمعتين. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٥٨) حديثًا.
وقال في "التقريب": ثقة، ربّما وَهِم، من السابعة. انتهى. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن همّام بن يحيى العوذيّ، أنه (قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال (عَلَيْنَا أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى) نفيع بن الحارث الهمداني الدارمي، ويقال: السبيعي الكوفي القاصّ، ويقال: اسمه نافع. روى عن عمران بن حصين، ومعقل بن يسار، وأبي برزة الأسلمي، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق، وابنه يونس بن أبي إسحاق، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وغيرهم. قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن نفيع، أبي داود. قال: وسمعت عبد الرحمن يقول: سفيان عن إسماعيل، عن رجل، عن أنس، فقال له رجل: هذا أبو داود، فقال: لم يسمه. وقال شريك: دخلت على أبي داود الأعمى، فجعل يقول: سمعت سعيد، وسمعت ابن عمر، وسمعت ابن عباس، ثم أعادها في ذلك المجلس، فجعل حديث ذا لذا، وحديث ذا لذا. وقال أحمد بن أبي يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو داود الأعمى يقول: سمعت العبادلة، ولم يسمع منهم شيئا. وقال أيضا: سمعت ابن معين يقول: أبو داود الأعمى يضع، ليس بشيء. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال الترمذي: يضعف في الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال العقيلي: كان ممن يغلو في الرفض. وقال ابن عدي: هو في جملة الغالية بالكوفة. وقال ابن حبان في "الضعفاء": نفيع أبو داود الأعمى، يروي عن الثقات الموضوعات توهما، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الساجي: كان منكر الحديث، يكذب. وقال الدولابي، والدارقطني: متروك. وقال الحاكم: روى عن بريدة، وأنس أحاديث موضوعة. وذكره البخاري في "الأوسط" في فصل من مات من العشرين إلى الثلاثين. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه، وكَذّبه بعضهم، وأجمعوا على ترك الرواية عنه. أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وله ذكر عند مسلم هنا في المقدّمة فقط.
(فَجَعَلَ) أي فشرع (يَقُولُ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ) أي ابن عازب الصحابيّ المشهور ﵄ (قَالَ) أي أبو داود (وَحَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) ﵁ (فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِقَتَادَةَ) بن دِعامة بن قتادة بن عَزيز بن عَمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سَدُوس، أبو الخطاب
стр. 726
السدوسي البصري، وُلِد أكمه، روى عن أنس بن مالك، وعبد الله بن سَرْجِس، وأبي الطفيل، وغيرهم. وروى عنه أيوب السختياني، وسليمان التيمي، وجرير بن حازم، وشعبة، وهمام، وغيرهم. قال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، أنه أقام عند سعيد بن المسيب ثمانية أيام، فقال له في اليوم الثالث: ارتحل يا أعمى، فقد أنزفتني. وقال سلام بن مسكين: حدثني عمرو بن عبد الله، قال: لما قدم قتادة على سعيد بن المسيب، فجعل يسأله أياما وأكثر، فقال له سعيد: أكل ما سألتني عنه تحفظه؟ قال: نعم، سألتك عن كذا، فقلت فيه كذا، وسألتك عن كذا، فقلت فيه كذا، وقال فيه الحسن كذا، حتى رَدّ عليه حديثا كثيرا، قال: فقال سعيد. ما كنت أظن أن الله خلق مثلك. وعن سعيد بن المسيب قال: ما أتاني عراقي أحسن من قتادة. وقال بكير بن عبد الله المزني: ما رأيت الذي هو أحفظ منه، ولا أجدر أن يؤدي الحديث كما سمعه. وقال ابن سيرين: قتادة هو أحفظ الناس. وقال مطر الوراق: كان قتادة إذا سمع الحديث أخذه الْعَوِيل والزَّوِيل حتى يحفظه. وقال معمر: قال قتادة لسعيد بن أبي عروبة: خذ المصحف، قال: فعرض عليه سورة البقرة، فلم يخطئ فيها حرفا واحدا: قال يا أبا النضر أحكمتُ؟ قال: نعم، قال: لأنا بصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة، قال: وكانت قرئت عليه. وقال مطر الوراق: ما زال قتادة متعلما حتى مات. وقال حنظلة بن أبي سفيان: كان طاوس يَفِرّ من قتادة، وكان قتادة يُرمَى بالقدر. وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن يقول: اترُك كل من كان رأسا في بدعة يدعو إليها، قال: كيف تصنع بقتادة، وابن أبي رَوّاد، وعُمر بن ذَرّ، وذكر قوما، ثم قال يحيى: إن تركت هذا الضرب، تركت ناسا كثيرًا. وقال معتمر بن سليمان، عن أبي عمرو بن العلاء: كان قتادة، وعمرو بن شعيب لا يَغِث عليهما شيء، يأخذان عن كل أحد. وقال جرير عن مغيرة، عن الشعبي: قتادة حاطب ليل. وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة: كان قتادة إذا جاء ما سمع قال: حدثنا، وإذا جاء ما لم يسمع قال: قال فلان. وقال أبو مسلمة، سعيد بن يزيد: سمعت أبا قلابة، وقال له رجل: من أسأل؟ أسأل قتادة؟ ، قال: نعم، سل قتادة. وقال شعبة: حدثت سفيان بحديث عن قتادة، فقال لي: وكان في الدنيا مثل قتادة؟ . قال معمر: قلت للزهري: أقتادة أعلم عندك أم مكحول؟ قال: لا بل قتادة. وقال عمرو بن علي عن ابن مهدي: قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد الطويل. قال أبو حاتم: صدق ابن مهدي. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: ما قلت لمحدث قط أَعِدْ عليّ، وما سمعت أذناي شيئا قط إلا وعاه قلبي. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا حجة في الحديث، وكان يقول بشيء من القدر. وقال همام: لم يكن قتادة يَلْحَن. وقال أبو حاتم: سمعت أحمد بن
стр. 727
حنبل، وذكر قتادة، فأطنب في ذكره، فجعل ينشر من علمه، وفقهه، ومعرفته بالاختلاف والتفسير، ووصفه بالحفظ والفقه، وقال: قلما تجد من يتقدمه، أما المثل فلعل. وقال الأثرم: سمعت أحمد يقول: كان قتادة أحفظ أهل البصرة، لم يسمع شيئا إلا حفظه، وقرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها، وكان سليمان التيمي وأيوب، يحتاجون إلى حفظه، ويسألونه، وكان له خمس وخمسون سنة يوم مات. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وقال أبو زرعة: قتادة من أعلم أصحاب الحسن. وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزهري، ثم قتادة، قال: وهو أحب إلي من أيوب، ويزيد الرشك إذا ذكر الخبر -يعني إذا صرح بالسماع. وقال ابن حبان في "الثقات": كان جمن علماء الناس بالقرآن والفقه، ومن حفاظ أهل زمانه، مات بواسط سنة (١١٧)، وكان مدلسا على قدر فيه. وقال عمرو بن علي: وُلد سنة (٦١) ومات سنة سبع عشرة ومائة. وقال أبو حاتم: توفي بواسط في الطاعون، وهو ابن ست، أو سبع وخمسين سنة بعد الحسن بسبع سنين. وقال أحمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد: مات سنة (١١٧) أو (١٨).
وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ، رأس الطبقة الرابعة. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢٤٧) حديثًا.
(فَقَالَ) قتادة (كَذَبَ) بتخفيف الذال: أي كذب فيما ادّعاه من السماع من البراء، وزيد، ونحوهم، وقوله: (مَا سَمِعَ مِنْهُمْ) "ما" نافية، والجملة تعليلية لما قبلها، فكأنه قال: لأنه لم يسمع منهم، وإنما جمع الضمير، مع أنه ذكر البراء، وزيد بن أرقم فقط؛ لأن مراده منهما، ومن أمثالهما، بدليل الرواية التالية، حيث قالوا: إن هذا يزعم أنه لقي ثمانية عشر بدريّا. ثم علّل عدم سماعه منهم، فقال: (إِنَّمَا كَان ذَلِكَ) أي أبو داود الأعمى (سَائِلًا، يَتَكَفَّفُ النَّاسَ) أي يسأل من الناس بكفّه، يقال: تكفّف الرجل الناس، واستكفّهم: إذا مدّ كفّه إليهم بالمسألة، وقيل: إذا أخذ الشيء بكفّه. قاله الفيّوميّ (١).
وقال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: قوله: "يتكفف الناس" معناه: يسألهم في كفه، أو بكفه، ووقع في بعض النسخ "يتطفف" -بالطاء- وهو بمعنى "يتكفف": أي يسأل في كفه الطفيف، وهو القليل. وذكر ابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل" وغيره: "يتنطف"، ولعله مأخوذ من قولهم: ما تنطفت به: أي ما تلطخت. انتهى (٢).
(زَمَنَ طَاعُونِ الْجَارِفِ) بنصب "زمن" على الظرفية ليتكفّف. والمراد أنه ليس ممن
стр. 728
يطلب العلم في ذلك الوقت، فكيف يدّعي السماع منهم.
[تنبيهات]:
(الأول): طاعون الجارف سُمّي بذلك؛ لكثرة من مات فيه من الناس، وسمى الموت جارفًا؛ لاجترافه الناس، وسُمّي السيل جارفًا؛ لاجترافه على وجه الأرض، والْجَرْف: الْغَرْف من فوق الأرض، وكَشْحِ ما عليها.
(الثاني): الطاعون: وباء معروف، وهو بَثْرٌ، ووَرَمٌ مُؤلِم جدّا، يَخرُج مع لَهَبٍ، ويَسْوَدُّ ما حوله، أو يَخْضرّ، أو يَحْمَرّ حمرة بَنَفْسَجِيّة، كَدِرة، ويحصل معه خَفَقَان القلبِ، والقيءُ.
(الثالث): أنه اختَلَف العلماء رحمه الله تعالى في زمن طاعون الجارف على أقوال، اختلافا شديدًا، متباينا تباينا بعيدًا، فمن ذلك ما قاله الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر في أول "التمهيد": قال: مات أيوب السختياني في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، في طاعون الجارف. ونقل ابن قتيبة في "المعارف" عن الأصمعيّ أن طاعون الجارف كان في زمن ابن الزبير سنة سبع وستين. وكذا قال أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتاب "التعازي": إن الطاعون الجارف كان في زمن ابن الزبير ﵄، سنة سبع وستين في شوال. وكذا ذكر الكلاباذيّ في كتابه في رجال البخاريّ معنى هذا، فإنه قال: وُلد أيوب السختياني سنة ست وستين، وفي قول: إنه وُلد قبل الجارف بسنة. وقال القاضي عياض في هذا الموضع: كان الجارف سنة تسع عشرة ومائة. وذكر الحافظ عبد الغنيّ المقدسيّ في ترجمة عبد الله بن مطرف، عن يحيى القطان قال: مات مطرف بعد طاعون الجارف، وكان الجارف سنة سبع وثمانين. وذكر في ترجمة يونس بن عبيد أنه رأى أنس بن مالك، وأنه وُلد بعد الجارف، ومات سنة سبع وثلاثين ومائة. فهذه أقوال متعارضة، فيجوز أن يجمع بينها بأن كل طاعون من هذه يُسمى جارفًا؛ لأن معنى الْجَرْف موجود في جميعها، وكانت الطواعين كثيرة، ذكر ابن قتيبة في "المعارف" عن الأصمعيّ أن أول طاعون كان في الإسلام طاعون عمواس بالشام، في زمن عمر بن الخطاب ﵁، فيه تُوُفّي أبو عبيدة بن الجراح ﵁، ومعاذ بن جبل، وامرأتاه، وابنه ﵃. ثم الجارف في زمن ابن الزبير، ثم طاعون الفتيات؛ لأنه بدأ في العذارِي والجواري بالبصرة، وبواسط، وبالشام والكوفة، وكان الحجاج يومئذ بواسط، في ولاية عبد الملك بن مروان، وكان يقال له: طاعون الأشراف، يعنى لما مات فيه من الأشراف. ثم طاعون عديّ بن أرطاة سنة مائة. ثم طاعون غُرَاب سنة سبع وعشرين ومائة. وغراب رجل. ثم طاعون مسلم بن قتيبة سنة إحدى وثلاثين ومائة، في شعبان، وشهر رمضان، وأقلع في شوال، وفيه مات أيوب
стр. 729
السختيانيّ، قال: ولم يقع بالمدينة، ولا بمكة طاعون قط، هذا ما حكاه ابن قتيبة. وقال أبو الحسن المداينيّ: كانت الطواعين المشهورة العظام في الإسلام خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن، على عهد النبيّ ﷺ في سنة ست من الهجرة، ثم طاعون عمواس، في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وكان بالشام، مات فيه خمسة وعشرون ألفا، ثم طاعون الجارف، في زمن ابن الزبير، في شوال سنة تسع وستين، هلك في ثلاثة أيام، في كل يوم سبعون ألفا، مات فيه لأنس بن مالك ﵁ ثلاثة وثمانون ابنا، ويقال: ثلاثة وسبعون ابنا. ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة أربعون ابنا. ثم طاعون الفتيات، في شوال، سنة سبع وثمانين، ثم كان طاعون في سنة إحدى وثلاثين ومائة، في رجب، واشتد في شهر رمضان، فكان يُحصَى في سكة المِرْبَد في كل يوم ألف جنازة أياما، ثم خف في شوال. وكان بالكوفة طاعون، وهو الذي مات فيه المغيرة بن شعبة، سنة خمسين. هذا ما ذكره المدائنيّ، وكان طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: كان سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة.
و"عمواس": قرية بين الرملة وبيت المقدس، نُسِب الطاعون إليها لكونه بدأ فيها، وقيل: لأنه عم الناس وتواسوا فيه. ذكر القولين الحافظ عبد الغنيّ في ترجمة أبي عبيدة ابن الجراح ﵁.
و"عمواس" -بفتح العين والميم-.
قال النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى: فهذا مختصر ما يتعلق بالطاعون، فإذا عُلم ما قالوه في طاعون الجارف، فإن قتادة وُلد سنة إحدى وستين، ومات سنة سبع عشرة ومائة على المشهور، وقيل: سنة ثمان عشرة، ويلزم من هذا بطلان ما فسر به القاضي عياض رحمهُ اللهُ تعالى طاعون الجارف هنا، ويتعين أحد الطاعونين، فإمّا سنة سبع وستين، فإن قتادة كان ابن ست سنين في ذلك الوقت، ومثله يضبطه، وإما سنة سبع وثمانين، وهو الأظهر، إن شاء الله تعالى. والله أعلم. انتهى كلام النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ رحمهُ اللهُ تعالى تحقيقٌ نفيسٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٧٠ - (وحَدَّثَنِي حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى عَلَى قَتَادَةَ، فَلَمَّا قَامَ، قَالُوا: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ لَقِيَ
стр. 730
ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَدْرِيًّا، فَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا كَانَ سَائِلًا قَبْلَ الْجَارِفِ، لَا يَعْرِضُ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ، فَوَاللهِ مَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ عَنْ بَدْرِيٍّ مُشَافَهَةً، وَلَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ بَدْرِيِّ مُشَافَهَةً، إِلَّا عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (الحسن بن عليّ الْحُلْوَانيّ) نزيل مكة الحافظ الثبت، تقدّم في ٣/ ٢٢.
٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطيّ الثقة الحافظ، تقدّم في ٤/ ٤٣.
٣ - (همّام) بن يحيى الْعَوذيّ المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن همّام بن يحيى، أنه (قَالَ: دَخَلَ أَبُو دَاوُدَ الْأَعْمَى عَلَى قَتَادَةَ) بن دِعامة (فَلَمَّا قَامَ) أي خرج من عند قتادة (قَالُوا) أي الناس الحاضرون (إِنَّ هَذَا) أي أبا داود الأعمى (يَزْعُمُ) بضم العين المهملة، من باب نصر، وفي "الزعم" ثلاث لغات: فتح الزاي للحجاز، وضمّها لأسد، وكسرها لبعض قيس. قال الأزهريّ: أكثر ما يكون الزعم فيما يُشكّ فيه، ولا يَتَحَقّق. وقال بعضهم: هو كناية عن الكذب. وقال المرزوقيّ: أكثر ما يُستعمل فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب. وقال ابن الْقُوطيّة: زَعَمَ زعمًا: قال خبرًا لا يُدرى أحقٌّ هو أو باطلٌ. قال الخطّابيّ: ولهذا قيل: زعم مطيّة الكذب (١). ويُطلق الزعم بمعنى القول، ومنه: زعمت الحنفيّة كذا: أي قالت، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾ الآية [الإسراء: ٩٢]: أي كما أخبرت. ويُطلق على الظنّ، يقال: في زعمي كذا، وعلى الاعتقاد: ومنه قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ الآية [التغابن: ٧]. أفاده الفيّوميّ (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المعنى المناسب هنا هو ما قاله ابن الْقُوطيّة: أي إنه يقول قولًا لا ندري، أحقٌّ هو أم لا؟ . والله تعالى أعلم.
(أَنَّهُ لَقِيَ) بكسر القاف، من باب علم (ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَدْرِيًّا) أي ثمانية عشر صحابيّا، حضروا غزوة بدر مع رسول الله ﷺ ، وكانت في رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وقصّتها مشهورة (فَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا) يعني أبا داود الأعمى (كَانَ سَائِلًا قَبْلَ الْجَارِفِ) لا ينافي هذا قوله في الرواية الماضية: "كان سائلا زمن طاعون الجارف"؛ لأن المقصود
стр. 731
أن حاله حال من لا يتصدّى لطلب العلم في كلّ زمن، في الطاعون أو قبله. (لَا يَعْرِضُ) بفتح أوله، وكسر الراء، من باب ضرب (فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا) أي من الحديث. والمراد أنه لا يعتني بطلب شيء من علم الحديث (وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ) أي في علم الحديث، والمراد أنه لا يعتني بسؤال العلماء. (فَوَاللهِ مَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار البصريّ الإمام الحجة المشهور، تقدّمت ترجمته (عَنْ بَدْرِيٍّ) أي عن صحابيّ حضر غزوة بدر (مُشَافَهَةً) أي بلا واسطة، قال الجوهريّ: المشافهة: المخاطبة من فيك إلى فيه. انتهى (١). وقال المجد: شافهه: أدنى شفته من شفته (٢).
[فائدة]: قال الفيّوميّ رحمهُ اللهُ تعالى: "الشّفَة": مخفّف، ولامها محذوفة، والهاء عوضٌ عنها، وللعرب فيها لغاتٌ، منهم من يجعلها هاءً، ويَبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل شَفَهَةٌ، وتُجمع على شِفَاه، مثل كَلْبة وكلاب، وعلى شَفَهَات، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات: وتُصغّر على شُفَيهة، وكلّمته مشافهة، والحروف الشفهيّة. ومنهم من يجعلها واوًا، ويبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل شَفَوَةٌ، وتُجمع على شَفَوَات، مثلُ شَهْوة وشَهَوَات، وتُصغّر على شُفيّة، وكلّمته مُشَافَاةً، والحروف الشّفَويّة. ونَقَل ابن فارس القولين عن الخليل. وقال الأزهريّ أيضًا: قال الليث: تُجمع الشفة على شَفَهات، وشَفَوَات، والهاء أقيس، والواو أعمّ؛ لأنهم شبّهوها بسنوات، ونُقصانها حذف هائها. قال: ولا تكون الشفة إلا من الإنسان، ويقال في الْفَرْق: الشفة من الإنسان، والْمِشْفر من ذي الْخُفّ، والْجَحْفَلَةُ من ذي الحافر، والْمِقَمّةُ من ذي الظلف، والْخَطْمُ، والْخُرْطُومُ من السباع، والْمَنْسَرُ -بفتح الميم، وكسرها، والسين مفتوحة فيهما- من ذي الجناح الصائد، والْمِنْقَار من غير الصائد، والْفِنْطِيسَةُ من الْخِنْزير. انتهى (٣).
ونظصت الفروق المذكورة، فقلت:
فَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ أَنِيقَهْ ... بِحِفْظِهَا وَفَهْمِهَا خَلِيقَهْ
فَشَفَةٌ لِلنَّاسِ قُلْ وَالْمِشْفَرُ ... غَدَا لِذِي الْخُفِّ فَخُذْهُ تُشْكَرُ
وَقُلْ لِذِي الْحَافِرِ جَاءَ جَحْفَلَهْ ... مِقَمَّةٌ ذَوَاتَ ظِلْفٍ شَمَلَهْ (٤)
وَالْخَطْمُ وَالْخُرْطُومُ لِلسِّبَاعِ ... وَمَنْسَرٌ لِذِي الْجَنَاحِ السَّاعِي
للاصْطِيَادِ وَالَّذِي لا صَيْدَ لَهْ ... أَتَى لَهُ الْمِنْقَارُ عِنْدَ النَّقَلَهْ
قَالُوا وَلِلْخِنْزِيرِ جَا فِنْطِيسَةُ ... فَاحْفَظْ لَهَا فَإِنَّهَا نَفِيسَةُ
стр. 732
(وَلَا حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران ابن مخزوم القرشي المخزومي، روى عن أبي بكر مرسلا، وعن عمر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وحكيم بن حِزَام، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وأبيه المسيب، وأبي هريرة، وكان زوج ابنته، وغيرهم. وروى عنه ابنه محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، والزهري، وقتادة، وشريك بن أبي نمر، وأبو الزناد، وغيرهم. قال نافع عن ابن عمر: هو والله أحد المفتين. وعن عمرو بن ميمون ابن مهران عن أبيه: قال: قدمت المدينة، فسألت عن أعلم أهل المدينة، فدُفعت إلى سعيد بن المسيب. وقال ابن شهاب: قال لي عبد الله بن ثعلبة بن أبي صُعَير: إن كنت تريد هذا -يعني الفقه- فعليك بهذا الشيخ، سعيد بن المسيب. وقال قتادة: ما رأيت أحدا قط أعلم بالحلال والحرام منه. وقال محمد بن إسحاق عن مكحول: طفت الأرض كلها في طلب العلم، فما لقيت أعلم منه. وقال سليمان بن موسى: كان أفقه التابعين. وقال البخاري: قال لي علي عن أبي داود، عن شعبة، عن إياس بن معاوية، قال لي سعيد بن المسيب: ممن أنت؟ قلت: من مُزَينة، قال: إني لأذكر يوم نَعَى عمر ابن الخطاب النعمان بن مقرن على المنبر. وقال أبو طالب: قلت لأحمد: سعيد بن المسيب؟ فقال: ومن مثل سعيد؟ ثقة، من أهل الخير، فقلت له: سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر، وسمع منه، وإذا لم يُقبل سعيد عن عمر، فمن يُقْبَل؟ . وقال الميموني وحنبل، عن أحمد: مرسلات سعيد صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته. وقال عثمان الحارثي عن أحمد: أفضل التابعين سعيد بن المسيب. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما من سعيد بن المسيب، قال: وإذا قال: مضت السنة، فحسبك به، قال: هو عندي أجل التابعين. وقال الربيع عن الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن. وقال الليث عن يحيى بن سعيد: كان ابن المسيب يُسَمَّى راوية عمر، كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته. وقال إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن سعيد: ما بقي أحدٌ أعلم بكل قضاء قضاه رسول الله ﷺ ، وكل قضاء قضاه أبو بكر، وكل قضاء قضاه عمر، قال إبراهيم عن أبيه: وأحسبه قال: وكل قضاء قضاه عثمان مني. وقال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب، يسأله عن بعض شأن عمر وأمره. وقال مالك: لم يدرك عمر، ولكن لما كبر أكب على المسألة عن شأنه وأمره. وقال قتادة: كان الحسن إذا أشكل عليه شيء كتب إلى سعيد بن المسيب. وقال العجلي: كان رجلا صالحا فقيهًا، وكان لا يأخذ العطاء، وكانت له بضاعة يتجر بها في الزيت. وقال أبو زرعة: مدني، قرشي، ثقة، إمام. وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه، وهو أثبتهم في أبي هريرة. وقال ابن حبان في
стр. 733
"الثقات": كان من سادات التابعين فقهًا ودينًا وورعًا وعبادة وفضلًا، وكان أفقه أهل الحجاز، وأعبر الناس لرؤيا، ما نودي بالصلاة من أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد، فلما بايع عبد الملك للوليد وسليمان، وأَبَى سعيد ذلك فضربه، هشام بن إسماعيل المخزومي ثلاثين سوطًا، وألبسه ثيابا من شعر، وأمر به فطيف به، ثم سُجِن.
قال الواقدي: مات سنة أربع وتسعين، في خلافة الوليد، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقال أبو نعيم: مات سنة ثلاث وتسعين.
وقال في "التقريب": أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار الثانية (١)، اتفقوا على أن مرسلاته أصحّ المراسيل، وقال ابن المدينيّ: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٤٣) حديثًا.
[تنبيه]: المسيب والد سعيد صحابيّ مشهور، ﵁، وهو بكسر الياء، وفتحها، والكسر أولى، وإن كان الفتح هو المشهور، فقد حكى صاحب "مطالع الأنوار" عن عليّ بن المديني أنه قال: أهل العراق يفتحون الياء، وأهل المدينة يكسرونها، قال: وحُكي أن سعيدا كان يكره الفتح. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كسر الياء هو الأولى؛ لأن أهل المدينة أدرى بضبط أسماء أهل بلدهم، ولأنه روي عنه الكراهة للفتح، وحُكي أيضًا أنه دعا على من فتحه. والله تعالى أعلم.
وإلى جواز الوجهين أشار الحافظ السيوطيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "ألفية الأثر"، حيث قال:
كُلُّ مُسَيَّبٍ فَبِالْفَتْحِ سِوَى ... أَبِي سَعِيدٍ فَلِوَجْهيْنِ حَوَى
وقلت في ترجيح الكسر مذيّلًا لكلامه:
قُلْتُ وَكَسْرُهُ أَحَقُّ إِذْ أَتَى ... أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهِ فَثَبَتَا
وَعَنْ سَعِيدٍ كُرْهُهُ الْفَتْحَ وَرَدْ ... بَلْ قِيلَ قَدْ دَعَا عَلَى مَنِ اعْتَمَدْ
فَابْعُدْ عَنِ الْفَتْحِ تَكُنْ مُجَانِبَا ... دُعَاءَهُ وَنِعْمَ ذَاكَ مَطْلَبَا
стр. 734
[تنبيه آخر]: سعيد بن المسيِّب رحمهُ اللهُ تعالى هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ... مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ الله عُرْوَةُ قَاسِمٌ ... سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
وقال الحافظ العراقيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "ألفيّة الحديث":
وَفِي الْكِبَارِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ ... خَارِجَةُ الْقَاسِمُ ثُمَّ عُرْوَةُ
ثُمَّ سُلَيْمَانُ عُبَيْدُ الله ... سَعِيدُ وَالسَّابِعُ ذُو اشْتِبَاهِ
إِمَّا أَبُو سَلَمَةٍ أَوْ سَالِمُ ... أَوْ فَأَبُو بَكْرٍ خِلَافٌ قَائِمُ
(عَنْ بَدْرِيٍّ مُشَافَهَةً، إِلَّا عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ) هو: الصحابيّ الجليل سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن أُهيب، ويقال: وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهري، أبو إسحاق، أسلم قديما، وهاجر قبل رسول الله ﷺ ، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، روى عن النبي ﷺ ، وعن خولة بنت حكيم، وعنه أولاده: إبراهيم، وعامر، وعمر، ومحمد، ومصعب، وعائشة أم المؤمنين، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم. وهو أحد الستة، أهل الشورى، وكان مجاب الدعوة، مشهورا بذلك، وكان أحد الفرسان من قريش الذين كانوا يحرسون رسول الله ﷺ في مغازيه، وهو الذي كَوَّف الكوفة، وتولى قتال فارس، وفتح الله على يديه القادسية، وكان أميرًا على الكوفة لعمر، ثم عزله، ثم أعاده، ثم عزله، وقال في مرضه: إن وليها سعد فذاك، وإلا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة. ومناقبه كثيرة جدًّا. وقال ابن المسيب عن سعد: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام. وقال إبراهيم بن المنذر: كان قَصِيرًا دَحْدَاحًا (١) غَلِيظا ذا هامةٍ شَثْنَ الأصابع، وكان هو، وعلي، وطلحة، والزبير عذار (٢) يوم واحد.
وذكر غير واحد أنه تُوُفي في قصره بالعقيق، وحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع، واختلف في تاريخ وفاته، فقيل: مات سنة إحدى وخمسين. وقيل سنة (٥) وهو المشهور. وقيل: سنة (٦). وقيل: سنة (٧). وقيل: سنة (٨)، وهو ابن ثلاث وسبعين. وقيل: (٧٤)، وقيل: ابن اثنتين، وقيل: ثلاث وثمانين، وهو آخر العشرة وفاة.
стр. 735
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٥٨) حديثًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض قتادة رحمهُ اللهُ تعالى بهذا الكلام إبطال قول أبي داود الأعمى هذا، وزعمه أنه لقي ثمانية عشر بدريا، فقال قتادة: الحسن البصريّ، وسعيد بن المسيب أكبر من أبي داود الأعمى، وأجلّ، وأقدم سنّا، وأكثر اعتناء بالحديث، وملازمة أهله، والاجتهاد في الأخذ عن الصحابة، ومع هذا كله ما حدثنا واحد منهما عن بدريّ واحد، غير سعد بن أبي وقّاص، فقد روى عنه ابن المسيّب، مشافهة، فكيف يزعم أبو داود الأعمى، أنه لقي ثمانية عشر بدريا، هذا بهتان عظيم (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٧١ - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ رَقَبَةَ، أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيَّ الْمَدَنِيَّ، كَانَ يَضَعُ أَحَادِيثَ كَلَامَ حَقٍّ، وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ يَرْوِيهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عثمان بن أبي شيبة) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خُوَاسْتِي العبسي مولاهم، أبو الحسن الكوفي، صاحب "المسند"، و"التفسير".
رَوَى عن هشيم، وحميد بن عبد الرحمن الرُّؤَاسي، وطلحة بن يحيى الزُّرَقي، وغيرهم. وروى عنه الجماعة، سوى الترمذي، وسوى النسائي، فروى في "اليوم والليلة" عن زكريا بن يحيى السِّجْزي عنه، وفي "مسند علي" عن أبي بكر المروزي عنه، وروى عنه ابنه محمد، وابن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: ابن أبي شيبة ما تقول فيه، أعني أبا بكر، فقال: ما علمت إلا خيرًا، وكأنه أنكر المسألة عنه، قلت لأبي عبد الله: فأخوه عثمان؟ فقال: وأخوه عثمان ما علمت إلا خيرا، وأثنى عليه. وقال فضلك الرازي: سألت ابن معين عن محمد بن حميد الرازي، فقال: ثقة، وسألته عن عثمان بن أبي شيبة، فقال: ثقة، فقلت: من أحب إليك ابن حميد أو عثمان؟ فقال: ثقتين أمينين مأمونين. وقال الحسين ابن حيان عن يحيى: ابنا أبي شيبة: عثمان، وعبد الله ثقتان، صدوقان، ليس فيه شك. وقال أبو حاتم: سمعت رجلا يسأل محمد بن عبد الله بن نمير، عن عثمان، فقال:
стр. 736
سبحان الله، ومثله يُسأل عنه، إنما يُسأل هو عنا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان عثمان أكبر من أبي بكر، إلا أن أبا بكر صنف. قال: وقال أبي: هو صدوق. قال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات في المحرم سنة (٢٣٩). وقال السَّرّاج عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة: وُلد أبي سنة (٥٦). وذكره ابن حبان في "الثقات". وله في "صحيح مسلم" (١١٧)(١).
وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ شهير، وله أوهامٌ، وقيل: كان لا يحفظ القرآن، من العاشرة. انتهى.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفي، قاضي الريّ الثقة، تقدّم في ٤/ ٤٧.
٣ - (رقبَة) بن مَسْقَلة (٢) بن عبد الله العبدي، أبو عبد الله الكوفي.
رَوَى عن أنس فيما قيل، ويزيد بن أبي مريم، وأبي إسحاق، وعطاء، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيمي، وأبو عوانة، وابن عيينة، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ ثقة من الثقات، مأمون. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال العجلي: ثقة، وكان مُفَوَّها يُعَدّ من رجالات العرب، وكان صديقا لسليمان التيمي. وقال الدارقطني: ثقة، إلا أنه كانت فيه دعابة. وكذا قال العجلي. وذكره ابن حبان في "الثقات". وأرخ ابن الأثير وفاته سنة (١٢٩). أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه، فأخرج له في "التفسير". وله في "صحيح مسلم" ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٣٨٠ و ٢٦٦١ و ٢٧٤٣.
وقال في "التقريب": ثقة مأمون، وكان يمزح، من السادسة. انتهى. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
(عَنْ رَقَبَةَ) -بفتح الراء والقاف (أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيَّ الْمَدَنِيَّ) هو عبد الله بن مِسْوَر المدائنيّ، أبو جعفر الذي تقدم في أول كتاب في الضعفاء والواضعين، قال البخاريّ في "تاريخه": هو عبد الله بن مِسْوَر بن عون بن جعفر بن أبي طالب، أبو جعفر القرشيّ الهاشميّ، وذكر كلام رقبة، وهو هذا الكلام الذي هنا، ثم إنه وقع في
стр. 737
الأصول هنا "المدنيّ"، وفي بعضها "المديني" بزيادة ياء، قال النوويّ: ولم أر في شيء منها هنا "المدائني"، ووقع في أول الكتاب "المدائني"، فأما "المديني"، و"المدنيّ"، فنسبة إلى مدينة النبي ﷺ ، والقياس المدني بحذف الياء، ومن أثبتها فهو على الأصل. وروى أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ الإمام الحافظ في "كتاب الأنساب المتفقة في الخط، المتماثلة في النقط والضبط" بإسناده عن الإمام أبي عبد الله البخاري قال: المدينيّ -يعني بالياء- هو الذي أقام بالمدينة، ولم يفارقها، والمدني الذي تَحَوّل عنها، وكان منها. انتهى (١).
(كَانَ يَضَعُ) أي يفتريه، يقال: وضع الحديث يضعه، من باب منع: إذا افتراه، وكذَبَه. وقوله: (أَحَادِيثَ) بالنصب على أنه مفعول لما قبله. وقوله (كَلَامَ حَقٍّ) منصوب على البدليّة من "أحاديث"، وهو مضافٌ، ومضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى الصفة، على قلّة. (وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ يَرْوِيهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أي ينقلها، عازيًا إليه ﷺ ، يقال: رويت الحديث: إذا حملته، ونقلته.
والمعنى أن ذلك الكلام كلام صحيح، وحكمة من الحكم المفيدة، ولكنه كَذَب في نسبته إلى النبيّ ﷺ لأنه ليس من كلامه ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي على ذلك الرجل (أَيُّوبُ) السختيانيّ (وَسَأَلَهُ) أي عن أحواله (ثُمَّ قَالَ لَهُ أَيُّوبُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَزِمْتَ ذَاكَ الرَّجُلَ، قَالَ حَمَّادٌ) مفسّرًا للرجل (سَمَّاهُ -يَعْنِي عَمْرًا) العناية ملحقة من غير حماد، والظاهر أنه عبيد الله، وإنما أتى بها لتوضيح قول حمّاد: سمّاه، أي سمّى أيوب الرجل باسمه، فقال: لزمت عمرًا. والله تعالى أعلم. (قَالَ) ذلك الرجل (نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ) أي نعم لزمته (إِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، والجملة في موضع التعليل؛ أي إنما لزمته لأنه (يَجِيئُنَا بِأَشْيَاءَ غَرَائِبَ) جمع غريبة، وهي الروايات التي لا تستند إلى أصل صحيح (قَالَ) حماد (يَقُولُ لَهُ أَيُّوبُ: إِنَّمَا نَفِرُّ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، وتشديد الراء، من الفرار: أي نهرُب، ونبتعد (أَوْ) للشكّ من الراوي، قال صاحب "التنبيه" ص ٣٦: لا أعرف الشاكّ، ولم يعيّنه النوويّ. انتهى: أي أو قال أيّوب بدل نفر (نَفْرَقُ) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، من الفرق بفتحتين: أي نفزع، ونتحاشى (مِن تِلْكَ الْغَرَائِبِ) أي من رواية الغرائب التي يأتي بها
стр. 738
عمرو بن عبيد مخافة من كونها كذبًا، فنقعَ في الكذب على رسول الله ﷺ ، إن كانت الغرائب من الأحاديث، وإن كانت من الآراء والمذاهب، والفتوى، فَحَذَرًا من الوقوع في البِدَع، أو في مخالفة الجمهور باتباع الغريب الذي لا يُعرف. أفاده القاضي عياض في "شرحه" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن أيوب رحمهُ اللهُ تعالى من التحذير عن الغرائب نُقل عن غيره أيضًا، قال الحافظ ابن رجب رحمهُ اللهُ تعالى في "شرح علل الترمذيّ": وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث، ويَذُمّون الغريب منه في الجملة. ومنه قول ابن المبارك: العلم هو الذي يجيئك من هَهنا ومن هَهنا -يعني المشهور-. أخرجه البيهقيّ. وأخرج أيضًا من طريق الزهريّ، عن عليّ بن حسين، قال: ليس من العلم ما لا يُعرف، إنما العلم ما عُرِف، وتواطأت عليه الألسن. وبإسناده عن مالك قال: شرّ العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس. وروى محمد بن جابر، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يَكرهون غريب الحديث، وغريب الكلام. وعن أبي يوسف قال: من طلب غرائب الحديث كَذَب. وقال أبو نُعيم: كان عندنا رجل يُصلّي كلّ يوم خمسمائة ركعة (٢)، سقط حديثه في الغرائب. وقال عمرو بن خالد: سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى بن يونس: ينبغي للرجل أن يتوقّى رواية غريب الحديث، فإني أعرف رجلًا كان يُصليّ في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث. ثم ذكر كلام أيوب المذكور هنا.
قال: وقال رجل لخالد بن الحارث: أخرج لي حديث الأشعث لعلّي أجد فيه شيئًا غريبًا، فقال: لو كان فيه شيء غريبٌ لمحوته. ونقل عليّ بن عثمان النفيليّ، عن أحمد قال: شرّ الحديث الغرائب التي لا يُعمل بها، ولا يُعتَمد عليها. وقال المرّوذيّ: سمعت أحمد يقول: تركوا الحديث، وأقبلوا على الغرائب، ما أقلَّ الفقه فيهم؟ ! . ونقل محمد بن سهل بن عسكر، عن أحمد قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريبٌ، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدّث، أو ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة، وسفيان. وإذا سمعتهم يقولون: لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح. وقال أحمد بن يحيى: سمعت أحمد غير مرّة
стр. 739
يقول: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامّتها عن الضعفاء. قال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب عليهم كَتْبُ الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من رواية المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مُجتنبًا، والثابت مَصدوفًا عنه مُطّرحًا، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلّهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلّمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدّثين، والأعلام من أسلافنا الماضين.
قال ابن رجب: وهذا الذي ذكره الخطيب حقّ، ونجد كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح، كالكتب الستة، ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزّار، ومعاجم الطبرانيّ، أو أفراد الدارقطنيّ، وهي مجمع الغرائب والمناكير. انتهى كلام ابن رجب رحمهُ اللهُ تعالى (١). وهو بحثٌ نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٧٥ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدٍ - يَعْنِي حَمَّادًا- قَالَ: قِيلَ لِأَيُّوبَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ، رَوَى عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذِ، فَقَالَ: كَذَبَ، أَنَا سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (حجاج بن الشاعر) هو ابن يوسف الثقفيّ البغداديّ الحافظ، تقدّم في ٤/ ٣٨.
٢ - (سليمان بن حرب) الأزديّ الواشحيّ البصريّ، قاضي مكة الحافظ الثقة، تقدّم في ٤/ ٦٥.
٣ - (حماد بن زيد) المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن حمّاد بن زيد رحمهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: قِيلَ لِأَيُّوبَ) السختيانيّ رحمهُ اللهُ تعالى (إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها في الابتداء (رَوَى عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ، أنه
стр. 740
(قَالَ: لَا يُجْلَدُ) بالبناء للمفعول، من الْجَلْد، وهو الضرب بالسوط، يقال: جَلَدتُ الجاني جَلْدًا، من باب ضرب: إذا ضربته بالْمِجْلَد -بكسر الميم- وهو السوط، والواحدة جَلْدة، مثلُ ضَرْب وضَرْبَة. أفاده الفيوميّ (السَّكْرَانُ) بالرفع نائب "يُجْلَد"، و"السكران": خلاف الصاحي، والسُّكْر بضم، فسكون: نقيض الصحو. قاله ابن منظور (١). وقال الفيّوميّ: سَكِر سَكَرًا، من باب تَعِب، وكسر السين في المصدر لغةٌ، فيبقى مثلَ عِنَبٍ، فهو سَكْرانُ والمرأة سَكْرَى، والجمع سُكارى بضم السين، وفتحها لغة، وفي لغة بني أسد يقال في المرأة سكرانة. انتهى (٢). وذكر ابن منظور نقلًا عن أبي عليٍّ في "التذكرة" أن من قال: سكرانة، وجب عليه أن يصرف سكران في النكرة (٣). (مِنَ النَّبِيذِ) أي من شرب النبيذ، وهو بفتح النون، وكسر الموحّدة، فعيل بمعنى مفعول، سُمي بذلك؛ لأنه يُنبذ: أي يُترك حتى يشتدّ. أفاده الفيوميّ. وقال ابن منظور: النبيذ: ما نُبِذ من عصير ونحوه. قال: وإنما سُمّي نبيذًا لأن الذي يتّخذه يأخذ تمرًا، أو زبيبًا، فينبذه في وعاء، أو سِقَاء ويصبّ عليه ماءً، ويتركه حتى يفور، فيصير مسكرًا. والنبذ: الطرح. وقال أيضًا: النبيذ: هو ما يُعمل من الأشربة، من التمر، والزبيب، والعسل، والحنطة، والشعير، وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب: إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا، فصُرِف من مفعول إلى فَعِيل. انتهى (٤).
(فَقَالَ) أي الحسن (كَذَبَ) أي عمرو بن عبيد في نسبته إلى الحسن ما لم يقله، ثم ذكر مستند تكذيبه، فقال: (أَنَا سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذِ) أي إن مذهب الحسن رحمهُ اللهُ تعالى في هذه المسألة خلاف ما حكاه عنه عمرو بن عبيد، وذلك أن مذهبه إيجاب الجلد على من سكر من شرب النبيذ، فتكون حكايته عنه أنه قال: لا يُجلَد السكران من النبيذ كذبًا عليه. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بقول الحسن هذا:
(المسألة الأولى): أن ما ذهب إليه الحسن من جلد السكران من النبيذ هو ما عليه أهل العلم، ولا خلاف بينهم في ذلك، وكذا فيمن شرب الخمر، ولو لم يسكر، وإنما اختلفوا فيما إذا شرب غير الخمر من الأنبذة المسكرة، فقال الجمهور: كلّ مسكر حرام قليله وكثيره، وهو خمر، حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه. قال ابن قُدامة: رُوي تحريم ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وأنس، وعائشة ﵃. وبه قال