سبحان الله، ومثله يُسأل عنه، إنما يُسأل هو عنا. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: كان عثمان أكبر من أبي بكر، إلا أن أبا بكر صنف. قال: وقال أبي: هو صدوق. قال محمد بن عبد الله الحضرمي وغيره: مات في المحرم سنة (٢٣٩). وقال السَّرّاج عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة: وُلد أبي سنة (٥٦). وذكره ابن حبان في "الثقات". وله في "صحيح مسلم" (١١٧)(١).
وقال في "التقريب": ثقة حافظٌ شهير، وله أوهامٌ، وقيل: كان لا يحفظ القرآن، من العاشرة. انتهى.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفي، قاضي الريّ الثقة، تقدّم في ٤/ ٤٧.
٣ - (رقبَة) بن مَسْقَلة (٢) بن عبد الله العبدي، أبو عبد الله الكوفي.
رَوَى عن أنس فيما قيل، ويزيد بن أبي مريم، وأبي إسحاق، وعطاء، وغيرهم. وروى عنه سليمان التيمي، وأبو عوانة، وابن عيينة، وغيرهم.
قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ ثقة من الثقات، مأمون. وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال العجلي: ثقة، وكان مُفَوَّها يُعَدّ من رجالات العرب، وكان صديقا لسليمان التيمي. وقال الدارقطني: ثقة، إلا أنه كانت فيه دعابة. وكذا قال العجلي. وذكره ابن حبان في "الثقات". وأرخ ابن الأثير وفاته سنة (١٢٩). أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه، فأخرج له في "التفسير". وله في "صحيح مسلم" ثلاثة أحاديث فقط برقم ٢٣٨٠ و ٢٦٦١ و ٢٧٤٣.
وقال في "التقريب": ثقة مأمون، وكان يمزح، من السادسة. انتهى. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
(عَنْ رَقَبَةَ) -بفتح الراء والقاف (أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيَّ الْمَدَنِيَّ) هو عبد الله بن مِسْوَر المدائنيّ، أبو جعفر الذي تقدم في أول كتاب في الضعفاء والواضعين، قال البخاريّ في "تاريخه": هو عبد الله بن مِسْوَر بن عون بن جعفر بن أبي طالب، أبو جعفر القرشيّ الهاشميّ، وذكر كلام رقبة، وهو هذا الكلام الذي هنا، ثم إنه وقع في
стр. 737
الأصول هنا "المدنيّ"، وفي بعضها "المديني" بزيادة ياء، قال النوويّ: ولم أر في شيء منها هنا "المدائني"، ووقع في أول الكتاب "المدائني"، فأما "المديني"، و"المدنيّ"، فنسبة إلى مدينة النبي ﷺ ، والقياس المدني بحذف الياء، ومن أثبتها فهو على الأصل. وروى أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسيّ الإمام الحافظ في "كتاب الأنساب المتفقة في الخط، المتماثلة في النقط والضبط" بإسناده عن الإمام أبي عبد الله البخاري قال: المدينيّ -يعني بالياء- هو الذي أقام بالمدينة، ولم يفارقها، والمدني الذي تَحَوّل عنها، وكان منها. انتهى (١).
(كَانَ يَضَعُ) أي يفتريه، يقال: وضع الحديث يضعه، من باب منع: إذا افتراه، وكذَبَه. وقوله: (أَحَادِيثَ) بالنصب على أنه مفعول لما قبله. وقوله (كَلَامَ حَقٍّ) منصوب على البدليّة من "أحاديث"، وهو مضافٌ، ومضاف إليه، من إضافة الموصوف إلى الصفة، على قلّة. (وَلَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ يَرْوِيهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أي ينقلها، عازيًا إليه ﷺ ، يقال: رويت الحديث: إذا حملته، ونقلته.
والمعنى أن ذلك الكلام كلام صحيح، وحكمة من الحكم المفيدة، ولكنه كَذَب في نسبته إلى النبيّ ﷺ لأنه ليس من كلامه ﷺ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(فَسَلَّمَ عَلَيْهِ) أي على ذلك الرجل (أَيُّوبُ) السختيانيّ (وَسَأَلَهُ) أي عن أحواله (ثُمَّ قَالَ لَهُ أَيُّوبُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَزِمْتَ ذَاكَ الرَّجُلَ، قَالَ حَمَّادٌ) مفسّرًا للرجل (سَمَّاهُ -يَعْنِي عَمْرًا) العناية ملحقة من غير حماد، والظاهر أنه عبيد الله، وإنما أتى بها لتوضيح قول حمّاد: سمّاه، أي سمّى أيوب الرجل باسمه، فقال: لزمت عمرًا. والله تعالى أعلم. (قَالَ) ذلك الرجل (نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ) أي نعم لزمته (إِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في الابتداء، والجملة في موضع التعليل؛ أي إنما لزمته لأنه (يَجِيئُنَا بِأَشْيَاءَ غَرَائِبَ) جمع غريبة، وهي الروايات التي لا تستند إلى أصل صحيح (قَالَ) حماد (يَقُولُ لَهُ أَيُّوبُ: إِنَّمَا نَفِرُّ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، وتشديد الراء، من الفرار: أي نهرُب، ونبتعد (أَوْ) للشكّ من الراوي، قال صاحب "التنبيه" ص ٣٦: لا أعرف الشاكّ، ولم يعيّنه النوويّ. انتهى: أي أو قال أيّوب بدل نفر (نَفْرَقُ) بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح ثالثه، من الفرق بفتحتين: أي نفزع، ونتحاشى (مِن تِلْكَ الْغَرَائِبِ) أي من رواية الغرائب التي يأتي بها
стр. 738
عمرو بن عبيد مخافة من كونها كذبًا، فنقعَ في الكذب على رسول الله ﷺ ، إن كانت الغرائب من الأحاديث، وإن كانت من الآراء والمذاهب، والفتوى، فَحَذَرًا من الوقوع في البِدَع، أو في مخالفة الجمهور باتباع الغريب الذي لا يُعرف. أفاده القاضي عياض في "شرحه" (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُقل عن أيوب رحمهُ اللهُ تعالى من التحذير عن الغرائب نُقل عن غيره أيضًا، قال الحافظ ابن رجب رحمهُ اللهُ تعالى في "شرح علل الترمذيّ": وقد كان السلف يمدحون المشهور من الحديث، ويَذُمّون الغريب منه في الجملة. ومنه قول ابن المبارك: العلم هو الذي يجيئك من هَهنا ومن هَهنا -يعني المشهور-. أخرجه البيهقيّ. وأخرج أيضًا من طريق الزهريّ، عن عليّ بن حسين، قال: ليس من العلم ما لا يُعرف، إنما العلم ما عُرِف، وتواطأت عليه الألسن. وبإسناده عن مالك قال: شرّ العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس. وروى محمد بن جابر، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يَكرهون غريب الحديث، وغريب الكلام. وعن أبي يوسف قال: من طلب غرائب الحديث كَذَب. وقال أبو نُعيم: كان عندنا رجل يُصلّي كلّ يوم خمسمائة ركعة (٢)، سقط حديثه في الغرائب. وقال عمرو بن خالد: سمعت زهير بن معاوية يقول لعيسى بن يونس: ينبغي للرجل أن يتوقّى رواية غريب الحديث، فإني أعرف رجلًا كان يُصليّ في اليوم مائتي ركعة، ما أفسده عند الناس إلا رواية غريب الحديث. ثم ذكر كلام أيوب المذكور هنا.
قال: وقال رجل لخالد بن الحارث: أخرج لي حديث الأشعث لعلّي أجد فيه شيئًا غريبًا، فقال: لو كان فيه شيء غريبٌ لمحوته. ونقل عليّ بن عثمان النفيليّ، عن أحمد قال: شرّ الحديث الغرائب التي لا يُعمل بها، ولا يُعتَمد عليها. وقال المرّوذيّ: سمعت أحمد يقول: تركوا الحديث، وأقبلوا على الغرائب، ما أقلَّ الفقه فيهم؟ ! . ونقل محمد بن سهل بن عسكر، عن أحمد قال: إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا الحديث غريبٌ، أو فائدة، فاعلم أنه خطأ، أو دخل حديث في حديث، أو خطأ من المحدّث، أو ليس له إسناد، وإن كان قد روى شعبة، وسفيان. وإذا سمعتهم يقولون: لا شيء، فاعلم أنه حديث صحيح. وقال أحمد بن يحيى: سمعت أحمد غير مرّة
стр. 739
يقول: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير، وعامّتها عن الضعفاء. قال أبو بكر الخطيب: أكثر طالبي الحديث في هذا الزمان يغلب عليهم كَتْبُ الغريب دون المشهور، وسماع المنكر دون المعروف، والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطأ من رواية المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مُجتنبًا، والثابت مَصدوفًا عنه مُطّرحًا، وذلك لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلّهم، ونقصان علمهم بالتمييز، وزهدهم في تعلّمه، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة من المحدّثين، والأعلام من أسلافنا الماضين.
قال ابن رجب: وهذا الذي ذكره الخطيب حقّ، ونجد كثيرًا ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح، كالكتب الستة، ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة، وبمثل مسند البزّار، ومعاجم الطبرانيّ، أو أفراد الدارقطنيّ، وهي مجمع الغرائب والمناكير. انتهى كلام ابن رجب رحمهُ اللهُ تعالى (١). وهو بحثٌ نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٧٥ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَيْدٍ - يَعْنِي حَمَّادًا- قَالَ: قِيلَ لِأَيُّوبَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ، رَوَى عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذِ، فَقَالَ: كَذَبَ، أَنَا سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (حجاج بن الشاعر) هو ابن يوسف الثقفيّ البغداديّ الحافظ، تقدّم في ٤/ ٣٨.
٢ - (سليمان بن حرب) الأزديّ الواشحيّ البصريّ، قاضي مكة الحافظ الثقة، تقدّم في ٤/ ٦٥.
٣ - (حماد بن زيد) المذكور في السند الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن حمّاد بن زيد رحمهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: قِيلَ لِأَيُّوبَ) السختيانيّ رحمهُ اللهُ تعالى (إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ) بكسر همزة "إنّ"؛ لوقوعها في الابتداء (رَوَى عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ، أنه
стр. 740
(قَالَ: لَا يُجْلَدُ) بالبناء للمفعول، من الْجَلْد، وهو الضرب بالسوط، يقال: جَلَدتُ الجاني جَلْدًا، من باب ضرب: إذا ضربته بالْمِجْلَد -بكسر الميم- وهو السوط، والواحدة جَلْدة، مثلُ ضَرْب وضَرْبَة. أفاده الفيوميّ (السَّكْرَانُ) بالرفع نائب "يُجْلَد"، و"السكران": خلاف الصاحي، والسُّكْر بضم، فسكون: نقيض الصحو. قاله ابن منظور (١). وقال الفيّوميّ: سَكِر سَكَرًا، من باب تَعِب، وكسر السين في المصدر لغةٌ، فيبقى مثلَ عِنَبٍ، فهو سَكْرانُ والمرأة سَكْرَى، والجمع سُكارى بضم السين، وفتحها لغة، وفي لغة بني أسد يقال في المرأة سكرانة. انتهى (٢). وذكر ابن منظور نقلًا عن أبي عليٍّ في "التذكرة" أن من قال: سكرانة، وجب عليه أن يصرف سكران في النكرة (٣). (مِنَ النَّبِيذِ) أي من شرب النبيذ، وهو بفتح النون، وكسر الموحّدة، فعيل بمعنى مفعول، سُمي بذلك؛ لأنه يُنبذ: أي يُترك حتى يشتدّ. أفاده الفيوميّ. وقال ابن منظور: النبيذ: ما نُبِذ من عصير ونحوه. قال: وإنما سُمّي نبيذًا لأن الذي يتّخذه يأخذ تمرًا، أو زبيبًا، فينبذه في وعاء، أو سِقَاء ويصبّ عليه ماءً، ويتركه حتى يفور، فيصير مسكرًا. والنبذ: الطرح. وقال أيضًا: النبيذ: هو ما يُعمل من الأشربة، من التمر، والزبيب، والعسل، والحنطة، والشعير، وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب: إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا، فصُرِف من مفعول إلى فَعِيل. انتهى (٤).
(فَقَالَ) أي الحسن (كَذَبَ) أي عمرو بن عبيد في نسبته إلى الحسن ما لم يقله، ثم ذكر مستند تكذيبه، فقال: (أَنَا سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: يُجْلَدُ السَّكْرَانُ مِنَ النَّبِيذِ) أي إن مذهب الحسن رحمهُ اللهُ تعالى في هذه المسألة خلاف ما حكاه عنه عمرو بن عبيد، وذلك أن مذهبه إيجاب الجلد على من سكر من شرب النبيذ، فتكون حكايته عنه أنه قال: لا يُجلَد السكران من النبيذ كذبًا عليه. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بقول الحسن هذا:
(المسألة الأولى): أن ما ذهب إليه الحسن من جلد السكران من النبيذ هو ما عليه أهل العلم، ولا خلاف بينهم في ذلك، وكذا فيمن شرب الخمر، ولو لم يسكر، وإنما اختلفوا فيما إذا شرب غير الخمر من الأنبذة المسكرة، فقال الجمهور: كلّ مسكر حرام قليله وكثيره، وهو خمر، حكمه حكم عصير العنب في تحريمه، ووجوب الحد على شاربه. قال ابن قُدامة: رُوي تحريم ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وأنس، وعائشة ﵃. وبه قال
стр. 741
عطاء، وطاوس، ومجاهد، والقاسم، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة في عصير العنب إذا طُبخ، فذهب ثلثاه، ونقيع التمر والزبيب، إذا طُبخ وإن لم يذهب ثلثاه، ونبيذِ الحنطة، والذرة، والشعير، ونحو ذَلك، نقيعا كان، أو مطبوخا، كل ذلك حلال، إلا ما بلغ السُّكر، فأما عصير العنب إذا اشتد، وقذف زبده، أو طُبخ فذهب أقل من ثلثيه، ونقيع التمر والزبيب، إذا اشتد بغير طبخ، فهذا محرم قليله وكثيره؛ لما روى ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "حُرِّمت الخمرة لعينها، والمسكر من كل شراب".
وحجة الأولين ما رواه ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ : "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام". أخرجه مسلم، وغيره. وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أسكر كثيره، فقليله حرام". حديث صحيح، أخرجه أبو داود، وغيره.
وعن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الْفَرَق فملء الكف منه حرام". حديث صحيح أيضًا، أخرجه أبو داود وغيره. وقال عمر ﵁: "نزل تحريم الخمر، وهي من العنب، والتمر، والعسل، والشعير، والخمرُ: ما خامر العقل". متفق عليه.
والجواب عما احتجّ به الآخرون أن حديثهم غير صحيح، والصحيح من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما -كما قال النسائيّ وغيره-: ما رواه محمد بن عبيد الله أبو عون الثقفيّ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "حُرّمت الخمر قليلها وكثيرها، وما أسكر من كل شراب".
وقال ابن المنذر رحمهُ اللهُ تعالى: جاء أهل الكوفة بأحاديث معلولة، ذكرناها مع عللها. وذكر الأثرم أحاديثهم التي يحتجون بها عن النبي ﷺ ، والصحابة، فضعفها كلها، وبين عللها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقد استوفى بيان علل الأحاديث التي احتجّوا بها الإمام النسائيّ رحمهُ اللهُ تعالى في "سننه"، فراجعه مع ما كتبته في شرحي عليه.
والحاصل أن ما ذهب إليه القائلون بإباحة النبيذ المسكر ما لم يسكر به قول باطلّ، منابذ للأدلّة الصحيحة الكثيرة التي تنصّ على أن كلّ ما أسكر فهو خمر، تشمله أدلّة تحريم الخمر من الكتاب والسنّة.
[فائدة حسنة]: ذكر العلامة اللغويّ أحمد بن محمد الفيّومي رحمهُ اللهُ تعالى في كتابه الممتع "المصباح المنير" فائدة تتعلّق بالحديث المذكور: "ما أسكر كثيره، فقليله
стр. 742
حرام": قال: نُقل عن بعضهم أنه أعاد الضمير على "كثيره"، فيبقى المعنى على قوله: فقليل الكثير حرام، حتى لو شرب قَدَحين من النبيذ مثلًا، ولم يَسْكَر بهما، وكان يَسكَر بالثالث، فالثالث كثير، فقليل الثالث، وهو الكثير حرام، دون الأولين. وهذا كلام منحرف عن اللسان العربيّ؛ لأنه إخبار عن الصلة دون الموصول، وهو ممنوع باتّفاق النحاة، وقد اتّفقوا على إعادة الضمير من الجملة على المبتدإ؛ ليُرْبَطَ به الخبرُ، فيصير المعنى: الذي يُسكِرُ كثيره، فقليل ذلك الذي يُسكر كثيره حرام، وقد صَرَّح به في الحديث، فقال: "كلُّ مُسكِر حرامٌ، وما أسكر منه الفرق، فملء الكفّ منه حرام" (١). ولأن الفاء جواب لِمَا في المبتدإ من معنى الشرط، والتقدير: مهما يكن من شيء يُسكر كثيره، فقليل ذلك الشيء حرام. ونظيره: الذي يقوم غلامه فله درهم، والمعنى: فلذلك الذي يقوم غلامه، ولو أُعيد الضمير على الغلام بقي التقدير: الذي يقوم غلامه، فللغلام درهم، فيكون إخبارًا عن الصلة دون الموصول، فيبقى المبتدأ بلا رابط، فتأمّله. وفيه فساد من جهة المعنى أيضًا؛ لأنه إذا أريد: فقليل الكثير حرام يبقى مفهومه: فقليل القليل غير حرام، فيؤدّي إلى إباحة ما لا يُسكر من الخمر، وهو مخالف للإجماع. انتهى كلام الفيّوميّ رحمهُ اللهُ تعالى، وهو تحقيق نفيسٌ جدّا (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): أنه اختلف أهل العلم في حدّ السُّكْر الذي يجب فيه الجلد:
قال الموفّق أبو محمد بن قُدامة رحمهُ اللهُ تعالى: حد السكر الذي يحصل به فسق شارب النبيذ، ويُختَلَف معه في وقوع طلاقه، ويَمنَع صحة الصلاة منه، هو الذي يجعله يَخْلِط في كلامه، ما لم يكن قبل الشرب، ويُغَيِّره عن حال صحوه، ويَغْلِب على عقله، ولا يميز بين ثوبه وثوب غيره عند اختلاطهما، ولا بين فعله وفعل غيره، ونحوَ هذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور.
وزعم أبو حنيفة أن السكران هو الذي لا يَعْرِف السماء من الأرض، ولا الرجل من المرأة.
وحجة الأولين قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] نزلت في أصحاب رسول الله ﷺ ، حين قَدّموا رجلا منهم في الصلاة، فصلى بهم، وترك في قراءته ما غَيَّرَ المعنى، وقد كانوا قاموا إلى
стр. 743
الصلاة، عالمين بها، وعرفوا إمامهم، وقَدّموه ليؤمهم، وقصد إمامتهم، والقراءة لهم، وقصدوا الائتمام به، وعرفوا أركان الصلاة، فأتوا بها، ودلت الآية على أنه ما لم يعلم ما يقول، فهو سكران. وفي حديث حمزة عَمّ النبي ﷺ حين غَنّته قَيْنَة، وهو سكران [من الوافر]:
أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ ... وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ
وكان عليٌّ أناخ شارفين له بفناء البيت الذي فيه حمزة، فقام إليهما، فبقر بطونهما، واجتبّ أسنمتهما، فذهب علي، فاستعدى عليه رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ ، فإذا حمزة محمرة عيناه، فلامه النبي ﷺ ، فنظر إليه، وإلى زيد بن حارثة، فقال: وهل أنتم إلا عبيد لأبي، فانصرف عنه رسول الله ﷺ ، فقد فَهِمَ ما قالت القينة في غنائها، وعرف الشارفين، وهو في غاية سكره. ولأن المجنون الذاهب بالعقل بالكلية يَعرف السماء من الأرض، والرجل من المرأة، مع ذهاب عقله، ورفع القلم عنه. انتهى كلام ابن قُدامة رحمهُ اللهُ تعالى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن الأرجح في حدّ السكر هو ما ذهب إليه الأولون؛ لوضوح أدلّته.
وحاصله أن يصل إلى أن يَخْلِط في كلامه، ما لم يكن قبل الشرب، ويُغَيِّره عن حال صحوه، ويَغْلِب على عقله، ولا يميز بين ثوبه وثوب غيره عند اختلاطهما، ولا بين فعله وفعل غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في جلد السكران:
قال العلّامة الموفّق رحمهُ اللهُ تعالى: ما خلاصته: يجب الحد على من شرب قليلا من المسكر أو كثيرا، ولا نعلم بينهم خلافا في ذلك، في عصير العنب، غير المطبوخ، واختلفوا في سائرها، فذهب إمامنا -يعني أحمد- إلى التسوية بين عصير العنب وكل مسكر، وهو قول الحسن، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والأوزاعي، ومالك، والشافعي.
وقالت طائفة: لا يُحَدّ إلا أن يُسْكِر، منهم: أبو وائل، والنخعي، وكثير من أهل الكوفة، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: من شربه مُعتقدا تحريمه حُدّ، ومن شربه متأولا فلا حد عليه؛ لأنه مختلف فيه، فأشبه النكاح بلا ولي.
وحجة الأولين ما رواه أبو داود، وغيره عن النبي ﷺ ، أنه قال: "من شرب
стр. 744
الخمر فاجلدوه" (١). وقد ثبت أن كل مسكر خمر، فيتناول الحديث قليله وكثيره، ولأنه شراب فيه شدة مُطْرِبة فوجب الحد بقليله كالخمر، والاختلاف فيه لا يمنع وجوب الحد فيها، بدليل ما لو اعتقد تحريمها، وبهذا فارق النكاح بلا ولي ونحوه من المختلف فيه، وقد حَدّ عمر قُدامة بن مظعون وأصحابه، مع اعتقادهم حل ما شربوه (٢). والفرق بين هذا وبين سائر المختلف فيه من وجهين: أحدهما: أن فعل المختلف فيه هاهنا داعية إلى فعل ما أُجمع على تحريمه، وفعل سائر المختلف فيه يَصرف عن جنسه من المجمع على تحريمه. الثاني: أن السنة عن النبي ﷺ قد استفاضت بتحريم هذا المختلف فيه، فلم يبق فيه لأحد عذر في اعتقاد إباحته، بخلاف غيره من المجتهدات. قال أحمد بن القاسم: سمعت أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- يقول: في تحريم المسكر عشرون وجها عن النبي ﷺ ، في بعضها: "كل مسكر خمر"، وبعضها: "كل مسكر حرام". انتهى كلام ابن قدامة رحمهُ اللهُ تعالى، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٧٦ - (وحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ يَقُولُ: بَلَغَ أَيُّوبَ أَنِّي آتِي عَمْرًا، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ يَوْمًا، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَا تَأْمَنُهُ عَلَى دِينِهِ، كَيْفَ تَأْمَنُهُ عَلَى الْحَدِيثِ؟ ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة، وقد تقدّموا في السند الماضي سوى:
١ - (سلّام بن أبي مطيع) واسمه سعد الخزاعي مولاهم، أبو سعيد البصري، روى عن قتادة، وغالب القطان، وأبي عمران الجوني، وأيوب السختياني، وغيرهم. وروى عنه ابن مهدي، وابن المبارك، ويونس بن محمد، وسليمان بن حرب، وغيرهم. قال عبد الله بن أحمد في "العلل" عن أبيه: ثقة، صاحب سنة، كان ابن مهدي يحدث عنه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الآجري عن أبي داود: سمعت أبا سلمة، سمعت سلام بن أبي مطيع، وكان يقال: هو أعقل أهل البصرة، قال أبو داود: وهو القائل: لأن ألقى الله بصحيفة الحجاج، أحب إلي من أن ألقاه بصحيفة عمرو بن عبيد. وقال أبو داود أيضا: سلام ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن حبان: كان سيّىء الأخذ، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد (٣).
стр. 745
وقال البزار في "مسنده": كان من خيار الناس وعقلائهم. وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة، وسوء الحفظ. وقال ابن عدي: ليس بمستقيم الحديث عن قتادة خاصة، وله أحاديث حسان، غرائب وأفراد، وهو يُعَدّ من خطباء أهل البصرة وعقلائهم، وكان كثير الحج، ومات في طريق مكة، ولم أر أحدا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث، ليست بمحفوظة، وهو مع هذا كله عندي لا بأس به. قال البخاري عن محمد بن محبوب: مات سنة (١٦٤)، وهو مقبل من مكة. وقال الترمذي: مات سنة سبع وستين. وقال خليفة، وابن قانع: مات سنة ثلاث وسبعين ومائة.
وفي "التقريب": ثقة، صاحب حديث، في روايته عن قتادة ضعفٌ، من السابعة. انتهى. أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود في "المسائل"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وله في "صحيح مسلم" حديث واحد برقم (٩٤٧) حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، مرفوعًا: "ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين، يبلغون مائة كلهم يشفعون له، إلا شُفِّعُوا فيه". والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن سليمان بن حرب، رحمهُ اللهُ تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَلَّامَ بْنَ أَبِي مُطِيعٍ) سعد الخزاعيّ (يَقُولُ: بَلَغَ أَيُّوبَ) السختيانيّ (أَنِّي) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في محل المفعول به لبلغ، كما قال في "الخلاصة":
وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
(آتِي عَمْرًا) أي ابن عُبيد (فَأَقْبَلَ) بقطع الهمزة، من الإقبال (عَلَيَّ يَوْمًا) أي يومًا من الأيام، ووقتًا من الأوقات (فَقَالَ) أي أيوب (أَرَأَيْتَ) قال في "اللسان": قد تكرّر في الحديث أرأيتَكَ، وأرأيتَكم، وأرأيتَكما، وهي كلمة تقولها العرب عند الاستخبار، بمعنى أخبرني، وأخبراني، وأخبروني، وتاؤها مفتوحة أبدًا. وقال أيضًا: العرب لها في أرأيت لغتان، ومعنيان: أحدهما أن يسأل الرجل الرجل أرأيت زيدًا بعينيك؟ ، فهذه مهموزة، فإذا أوقعتها على الرجل منه قلت: أرأيتَك على غير هذه الحال، يريد هل رأيت نفسك على غير هذه الحالة، ثم تثنّي، وتجمع، فتقول للرجلين: أرأيتكما، وللقوم: أرأيتكم، وللنسوة: أرأيتكنّ، وللمرأة: أرأيتِكِ بخفض التاء، لا يجوز إلا ذلك. والمعنى الآخر أن تقول: أرأيتك، وأنت تقول: أخبرني، فتَهمزها، وتنصب التاء منها، وتترك الهمزة إن شئتَ، وهو أكثر كلام العرب، وتترك التاء موحّدة، مفتوحةً للواحد، والواحدة، والجمع في مؤنّثه ومذكّره، فتقول للمرأة: أرأيتكِ زيدًا هل خرج؟ ،
стр. 746
وللنسوة: أرأيتكنّ زيدًا، ما فعل؟ . انتهى باختصار (١).
والمعنى هنا: أخبرني (رَجُلًا) أي حال رجل (لَا تَأْمَنُهُ) بفتح الميم، من الأمن: ضدّ الخوف (عَلَى دِينِهِ) أي لكونه معتزليّا قدريّا بَحْتًا، وكان يشتم الصحابة، كما تقدّم الكلام عليه في ترجمته (كَيْفَ تَأْمَنُهُ عَلَى الْحَدِيثِ؟ ) أي لأن من لا دين له لا يبالي بالكذب.
وحاصل ما أشار إليه أيوب رحمهُ اللهُ تعالى في كلامه هذا تحذير سلام عن مجالسة عمرو بن عبيد، وسماع حديثه؛ لعدم صدقه في الحديث، ففيه مجانبة أهل الأهواء، وعدم مجالستهم، والبعد عنهم؛ فرارًا من أن يتعلّق بالقلب من أهوائهم شيء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٧٧ - (وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (سلمة بن شبيب) الْمِسْمعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة الثقة، تقدّم في ٤/ ٥٧.
٢ - (الحميديّ) عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشيّ، أبو بكر المكيّ الحافظ، تقدّم في ٤/ ٥٧.
٣ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحجة الثبت، تقدّمت ترجمته (٢). والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن سفيان بن عيينة، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى) قال في "تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٩٦: أبو موسى عن عمرو بن عُبيد، وعنه ابن عُيينة، كأنه إسرائيل بن موسى. انتهى. وقال في "التقريب": أبو موسى عن عمرو بن عبيد، هو إسرائيل بن موسى المذكور. وقال في الأسماء: إسرائيل بن موسى، أبو موسى البصريّ، نزيل الهند، ثقة من السادسة. انتهى.
(يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ) المعتزليّ المذكور (قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ) بضمّ أوله،
стр. 747
وكسر ثالثه، من الإحداث: أي قبل أن يبتدع مذهبه الخبيث، وهو الاعتزال. وفيه أن عمرًا كان أولًا سنّيا، ثم حدث له الاعتزال، وذلك بعد أن أغواه واصل بن عطاء المعتزليّ، وقد تقدّم في ترجمته عن الخطيب البغداديّ، أنه قال: كان عمرو بن عبيد يسكن البصرة، وجالس الحسن، وحفِظ عنه، واشتهر بصحبته، ثم أزاله واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنّة، فقال بالقدر، ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحسن، وكان له سَمْتٌ، وإظهار زُهد. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٧٨ - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى شُعْبَةَ أَسْأَلُهُ عَنْ أَبِي شَيْبَةَ، قَاضِي وَاسِطٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ لَا تَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا، وَمَزِّقْ كِتَابِي).
رجال هذا الإسناد: اثنان.
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ الحافظ الثقة، تقدّم في ٢/ ٧.
٢ - (أبوه) هو: معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ الحافظ الثقة، تقدّم في ٢/ ٧. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن معاذ بن معاذ العنبريّ، أنه (قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى شُعْبَةَ) بن الحجّاج الإمام الشهير، تقدّمت ترجمته. (أَسْأَلُهُ) جملة في محلّ نصب على الحال (عَنْ أَبِي شَيْبَةَ) هو: إبراهيم بن عثمان بن خُوَاسْتِي العبسي مولاهم الكوفي، قاضي واسط، ابن أخت الحكم ابن عُتيبة، وجدّ أبي بكر، وعثمان، والقاسم، بني محمد بن أبي شيبة، وقد تقدّم بيانهم في ١/ ١.
روى عن خاله الحكم بن عتيبة، وأبي إسحاق السبيعي، والأعمش، وغيرهم. وروى عنه شعبة، وهو أكبر منه، وجرير بن عبد الحميد، وشبابة، وغيرهم. قال أحمد، ويحيى، وأبو داود: ضعيف. وقال يحيى أيضا: ليس بثقة. وقال البخاري: سكتوا عنه. وقال الترمذي: منكر الحديث. وقال النسائي، والدولابي: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، سكتوا عنه، وتركوا حديثه. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال صالح جزرة: ضعيف لا يكتب حديثه، روى عن الحكم أحاديث مناكير. وقال أبو علي النيسابوري: ليس بالقوي. وقال الأحوص الغلابي: وممن روى عنه شعبة من الضعفاء: أبو شيبة. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن المبارك: ارم به. وقال أبو طالب عن أحمد: منكر الحديث، قريب من الحسن بن عُمَارة. وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين قال: قال يزيد بن
стр. 748
هارون: ما قضى على الناس رجل -يعني في زمانه- أعدل في قضاء منه، وكان يزيد على كتابته أيام كان قاضيا. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وهو خير من إبراهيم ابن أبي حَيّة. ونقل ابن عدي عن أبي شيبة، أنه قال: ما سمعت من الحكم إلا حديثًا واحدًا. قال قعنب بن المحرر: مات سنة (١٦٩). أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وله عند المصنّف ذكر هنا في "المقدّمة".
(قَاضِي وَاسِطٍ) أي الذي كان يقضي بين الناس في واسط، فالإضافة بمعنى "في"، وواسط بلد مشهور بالعراق، بناه الحجّاج بن يوسف، وهو مصروف، كذا سُمع من العرب. وقال في "القاموس" و"شرحه": واسطٌ مذكّرٌ مصروفٌ؛ لأن أسماء البلدان الغالب عليها التأنيث، وترك الصرف، إلا مِنًى، والشام، والعراق، وواسطًا، ودابِقًا، وهَجَرًا، فإنها تذكّر، وتُصرف، كما في "الصحاح"، وقد يُمنع إذا أردت بها البقعة والبلدة، وهو بلد بالعراق اختطّه الحجاج بن يوسف الثقفيّ في سنتين، بين الكوفة والبصرة، ولذلك سمّيت واسطًا؛ لأنها متوسّطة بينهما؛ لأن منها إلى كلّ منهما خمسين فرسخًا، خمسين فرسخًا. ويقال له: واسط القَصَب أيضًا. أو هو قصرٌ كان قد بناه أولًا قبل أن يُنشيء البلد، ثم لَمّا بناه سُمّي به. انتهى (١).
[فائدة]: أشار الحريريّ رحمهُ اللهُ تعالى في "ملحة الإعراب" إلى قاعدة أسماء البلدان، فقال:
وَلَيْسَ مَصْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ ... إِلَّا بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ
مِثْلُ حُنَيْنٍ وَمِنًى وَبَدْرِ ... وَوَاسِطٍ وَدَابِقٍ وَحِجْرِ
وقال الخضريّ في حاشيته على "الخلاصة":
[فائدة]: يجوز في أسماء القبائل، والأرضين، والكلم الصرف على تأويلها باللفظ، والمكان، والحيّ، أو الأب، وعدمه على إرادة الكلمة، والبُقعة، والقبيلة، إلا إذا سُمع فيه أحدهما فقط، فلا يُتجاوز، كما سُمع الصرف في كَلْب، وثقيف، ومَعَدّ باعتبار الحيّ، وبدرٍ، وحُنينٍ على المكان، وكمنعه في يهودَ، ومجوسَ عَلَمَين باعتبار القبيلة، ودِمشقَ على البقعة، وإلا إذا تحقّق مانع غير التأنيث المعنويّ، فيُمنع بكلّ حال، كتغلبَ، وباهلةَ، وخَوْلانَ، وبغدادَ. أفاده في "التسهيل"، و"شرحه"، مع زيادة. انتهى (٢).
стр. 749
(فَكَتَبَ) أي شعبة (إِلَيَّ لَا تَكْتُبْ عَنْهُ شَيْئًا) أي لا كثيرًا، ولا قليلًا، وفي "تهذيب التهذيب": قال معاذ بن معاذ العنبري: كتبت إلى شعبة، وهو ببغداد، أسأله عن أبي شيبة القاضي، أروي عنه؟ فكتب إلي لا ترو عنه، فإنه رجل مذموم، وإذا قرأت كتابي، فمزِّقه، وكذَّبه شعبة في قصة. انتهى (١).
وقوله: (وَمَزِّقْ كِتَابِي) أمر من التمزيق، وهو الشقّ، قال الفيّوميّ: مَزَقْتُ الثوبَ مَزْقًا، من باب ضرب: شققتُهُ، ومَزّقتُهُ بالتثقيل، فتمزَق، ومزَقهم الله كُلَّ مُمَزَّق: فرّقهم في كلّ جهة من البلاد، ومزّق مُلكه: أذهب أثره. انتهى (٢).
وإنما أمره شعبة بتمزيق كتابه؛ مخافة من بلوغه إلى أبي شيبة، ووقوفه على ذكره له بما يَكرَه، فيترتّب على ذلك مفسدة، بأن يناله منه أذىً، ففيه الجمع بين المصلحتين: مصلحة النصيحة لمعاذ السائل ببيان ضعف أبي شيبة، وعدم صلاحه للرواية عنه، ومصلحة نفسه بدفع وصول الضرر إليه عنه بتمزيق الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمهُ اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٧٩ - (وحَدَّثَنَا الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ قَالَ: حَدَّثْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ بحَدِيثٍ، عَنْ ثَابِتٍ، فَقَالَ: كَذَبَ، وَحَدَّثْتُ هَمَّامًا عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ بِحَدِيثٍ، فَقَالَ: كَذَبَ).
رجال هذا الإسناد: اثنان:
١ - (الْحُلْوانيّ) الحسن بن عليّ الخلّال نزيل مكة الحافظ الثقة، تقدّم في ٣/ ٢٢.
٢ - (عفّان) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ البصريّ الحافظ الثبت، تقدّم في ٤/ ٤٢. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن الحسن الحلوانيّ رحمهُ اللهُ تعالى، أنه (قال حدثنا عَفَّانَ) بن مسلم (قَالَ: حَدَّثْتُ) بالبناء للفاعل، والتاء ضمير المتكلّم (حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ) بن دينار البصري، أبو سلمة، مولى تميم، ويقال: مولى قريش، وقيل: غير ذلك. روى عن ثابت البناني، وقتادة، وخاله حميد الطويل، وخلق كثير. وروى عنه ابن جريج، والثوري، وشعبة، وهم أكبر منه، وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، وعفّان بن مسلم، وغيرهم. قال أحمد: حماد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر. وقال أيضا في الحمادين: ما منهما إلا ثقة.
стр. 750
وقال حنبل عن أحمد: أسند حماد بن سلمة عن أيوب أحاديث، لا يسندها الناس عنه. وقال أبو طالب عنه: حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثا. وقال في موضع آخر: هو أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديما، يخالف الناس في حديثه. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال الدوري عن ابن معين: من خالف حماد بن سلمة في ثابت، فالقول قول حماد. وقال جعفر الطيالسي عنه: من سمع من حماد بن سلمة الأصناف، ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخا فهو صحيح. وقال ابن المديني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة. وقال الأصمعي عن عبد الرحمن بن مهدي: حماد بن سلمة صحيح السماع، حسن اللُّقيّ، أدرك الناس، لم يُتَّهَم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسن مَلَكَةَ نفسِهِ ولسانه، ولم يطلقه على أحد، فسَلِمَ حتى مات. وقال ابن المبارك: دخلت البصرة، فما رأيت أحدا أشبه بمسالك الأُوَلِ من حماد بن سلمة. وقال أبو عمر الجرمي: ما رأيت فقيها أفصح من عبد الوارث، وكان حماد بن سلمة أفصح منه. وقال عفان: قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، ولكن ما رأيت أشد مواظبة على الخير، وقراءة القرآن، والعمل لله من حماد بن سلمة. وقال ابن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدا، ما قدر أن يزيد في العمل شيئًا. وقال ابن حبان: كان من العباد المجابي الدعوة في الأوقات، ولم يُنصِف من جانب حديثه، واحتج في كتابه بأبي بكر بن عياش، فإن كان تَرْكُهُ إياه لِمَا كان يخطىء، فغيره من أقرانه، مثل الثوري وشعبة، كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثر حتى تغير، فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجودًا، ولم يكن من أقران حماد بن سلمة بالبصرة مثله في الفضل، والدين، والنُّسُك، والعلم، والْكَتْب، والجمع، والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدع.
قال الحافظ: وقد عَرَّض ابن حبان بالبخاري؛ لمجانبته حديث حماد بن سلمة، حيث يقول: لم يُنصف من عَدَل عن الاحتجاج به إلى الاحتجاج بفُلَيح، وعبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار. واعتذر أبو الفضل بن طاهر عن ذلك، لَمَّا ذَكَرَ أن مسلما أخرج أحاديث أقوام، ترك البخاري حديثهم، قال: وكذلك حماد بن سلمة إمام كبير، مدحه الأئمة وأطنبوا، لَمّا تكلم بعض منتحلي المعرفة، أن بعض الْكَذَبة أدخل في حديثه ما ليس منه، لم يخرج عنه البخاري، مُعْتَمِدًا عليه، بل استشهد به في مواضع؛ لِيُبَيِّن أنه ثقة. وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه، كشعبة، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وغيرهم، ومسلم اعتمد عليه؛ لأنه رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا، وشاهد مسلم منهم جماعة، وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته. انتهى. وقال الحاكم: لم يخرج مسلم لحماد
стр. 751
ابن سلمة في الأصول، إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة. وقال البيهقي: هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لَمّا كَبِرَ ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد، وأخرج من حديثه عن ثابت ما سُمِعَ منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا، أخرجها في الشواهد. وأورد له ابن عدي في "الكامل" عدة أحاديث مما ينفرد به متنا أو إسنادا، قال: وحماد من أجلة المسلمين، وهو مفتي البصرة، وقد حدث عنه من هو أكبر منه سنا، وله أحاديث كثيرة، وأصناف كثيرة، ومشائخ، وهو كما قال ابن المديني: من تكلم في حماد بن سلمة، فاتهموه في الدين. وقال الساجي: كان حافظا ثقة مأمونا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وربما حدث بالحديث المنكر. وقال العجلي: ثقة، رجل صالح، حسن الحديث، وقال: إن عنده ألفَ حديث حسن ليس عند غيره. قال سليمان بن حرب وغيره: مات سنة (١٦٧)، زاد ابن حبان: في ذي الحجة.
وقال في "التقريب": ثقة، عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار الثامنة. انتهى.
استشهد به البخاري، وقيل: إنه روى له حديثا واحدا عن أبي الوليد عنه، عن ثابت (١)، وأخرج له الباقون، وله في "صحيح مسلم" (١٠٥) أحاديث.
(عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ) هو: صالح بن بَشِير بن وَادِع بن أبي الأقعس، أبو بِشْرٍ البصري القاصّ المعروف بالْمُرّيّ (٢). روى عن الحسن، وابن سيرين، وقتادة، وهشام ابن حسان، وغيرهم. وعنه سيار بن حاتم، ومسلم بن إبراهيم، وعفان، وغيرهم. قال عباس عن ابن معين: ليس به بأس. وقال المفضل الغلابي وغيره عن ابن معين: ضعيف. وقال محمد بن إسحاق الصغاني وغيره عن ابن معين: ليس بشيء. وقال جعفر الطيالسي عن يحيى: كان قاصّا، وكان كل حديث يحدث به عن ثابت باطلا. وقال عبد الله بن علي بن المديني: ضعفه أبي جدّا. وقال محمد بن عثمان بن أبي ثابت عن علي: ليس بشيء، ضعيف ضعيف. وقال عمرو بن علي: ضعيف الحديث، يحدث بأحاديث مناكير، عن قوم ثقات، وكان رجلا صالحًا، وكان يَهِمُ في الحديث. وقال الجوزجاني: كان قاصّا واهي الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال
стр. 752
الآجري: قلت لأبي داود: يُكتب حديثه؟ فقال: لا. وقال النسائي: ضعيف الحديث، له أحاديث مناكير. وقال مرة: متروك الحديث. وقال صالح بن محمد: كان يَقُصّ، وليس هو شيئا في الحديث، يروي أحاديث مناكير عن ثابت، والجريري، وعن سليمان التيمي أحاديث لا تعرف. وقال ابن عدي: صالح المري من أهل البصرة، وهو رجل قاصّ، حسن الصوت، وعامة أحاديثه منكرات، تنكرها الأئمة عليه، وليس هو بصاحب حديث، وإنما أُتِيَ من قلة معرفته بالأسانيد والمتون، وعندي أنه مع هذا لا يتعمد الكذب، بل يَغلَط شيئًا. وقال أبو إسحاق الحربيّ: إذا أرسل فبالحري أن يصيب، وإذا أسند فاحذروه. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال عفان: كنا عند ابن علية، فذُكر المري، فقال رجل: ليس بثقة، فقال له آخر: مه اغتبت الرجلَ، فقال ابن علية: اسكتوا، فإنما هذا دين. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال عفان: كان شديد الخوف من الله، كثير البكاء. وقال الثوري: لَمّا سَمِع كلامه هذا نذير قوم. وقال ابن حبان: أقدمه المهدي بغداد. وقال ابن حبان أيضًا في "الضعفاء": صالح بن بشر المري، كان من عُبّاد أهل البصرة وقرائهم، وهو الذي يقال له: صالح بن بشير المري الناجي، وكان من أحزن أهل البصرة صوتا، وأرقهم قراءةً، غلب عليه الخير والصلاح، حتى غفل عن الإتقان في الحفظ، وكان يروي الشيء الذي سمعه من ثابت والحسن، ونحو هؤلاء على التوهم، فيجعله عن أنس، فظهر في روايته الموضوعات التي يرويها عن الأثبات، فاستحق الترك عن الاحتجاج، كان يحيى بن معين شديد الحمل عليه، مات سنة (٦)، وقيل: سنة (٧٢). وقال خليفة: مات سنة (١٧٢). وقال البخاري: يقال: مات سنة ست وسبعين ومائة.
وقال في "التقريب": ضعيف، من السابعة. انتهى. أخرج له الترمذيّ أربعة أحاديث برقم ٢١٣٣ و ٢٢٦٦ و ٢٩٤٨ و ٣٤٧٩.
(بِحَدِيثٍ، عَنْ ثَابِتٍ) بن أسلم البناني، أبو محمد البصري. روى عن أنس، وابن الزبير، وابن عمر، وعبد الله بن مغفل، وغيرهم. وروى عنه حميد الطويل، وشعبة، وجرير بن حازم، والحمادان، ومعمر، وعفّان، وغيرهم. قال البخاري عن ابن المديني: له نحو مائتين وخمسين حديثا. وقال أبو طالب عن أحمد: ثابت يَتَثَبَّتُ في الحديث، وكان يقص، وقتادة كان يقص، وكان أذكر. وقال العجلي: ثقة رجل صالح. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس الزهري، ثم ثابت، ثم قتادة. وقال ابن عدي: أروى الناس عنه حماد بن سلمة، وأحاديثه مستقيمة، إذا روى عنه ثقة، وما وقع في حديثه من النكرة، إنما هو من الراوي عنه. وقال حماد بن سلمة: كنت أسمع أن القُصّاص لا يحفظون الحديث، فكنت أقلب على ثابت الأحاديث،
стр. 753
أجعل أنسا لابن أبي ليلى، وأجعل ابن أبي ليلى لأنس، أُشَوِّشها عليه، فيجيء بها على الاستواء. وقال شعبة: كان ثابت يقرأ القرآن في كل يوم وليله، ويصوم الدهر. وقال بكر المزني: ما أدركنا أعبد منه. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من أعبد أهل البصرة. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونا، تُوُفِّي في ولاية خالد القسري. وفي سؤالات أبي جعفر، محمد بن الحسين البغدادي لأحمد بن حنبل: سُئل أبو عبد الله عن ثابت وحميد، أيهما أثبت في أنس؟ فقال: قال يحيى القطان: ثابت اختلط، وحميد أثبت في أنس منه. وفي "الكامل" لابن عدي عن القطان: عَجَبٌ لأيوب يَدَعُ ثابتا البناني، لا يكتب عنه. وقال أبو بكر البرديجي: ثابت عن أنس صحيح من حديث شعبة، والحمادين، وسليمان بن المغيرة، فهؤلاء ثقات، ما لم يكن الحديث مضطربا. وفي "المراسيل" لابن أبي حاتم: ثابت عن أبي هريرة، قال أبو زرعة: مرسل. قال ابن علية: مات ثابت سنة (١٢٧). وقال جعفر بن سليمان: سنة (٢٣)، حكاهما البخاري في "الأوسط". وحَكَى عن ثابت قال: صحبت أنسا أربعين سنة.
وقال في "التقريب": ثقةٌ، عابدٌ، من الرابعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٤٢) حديثًا.
(فَقَالَ) حماد بن سلمة (كَذَبَ) بتخفيف الذال المعجمة المفتوحة، من باب ضرب. قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: قوله: "كَذَبَ" هو من نحو ما قدمناه في قوله: "لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث"، معناه ما قاله مسلم: يَجْرِي الكذبُ على ألسنتهم من غير تعمد، وذلك لأنهم لا يعرفون صناعة هذا الفن، فيخبرون بكل ما سمعوه، وفيه الكذب، فيكونون كاذبين، فإن الكذب الإخبار عن الشيء، على خلاف ما هو، سهوًا كان الإخبار، أو عمدًا، كما قدمناه، وكان صالح هذا رحمه اللهُ تعالى من كبار العباد الزهاد الصالحين، وكان حسن الصوت بالقرآن، وقد مات بعض من سمع قراءته، وكان شديد الخوف من الله تعالى، كثير البكاء، قال عفان بن مسلم: كان صالح إذا أخذ في قِصَصَه كأنه رجل مذعور، يُفْزِعك أمره، من حزنه، وكثرة بكائه، كأنه ثَكْلَى. انتهى كلام النوويّ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة الأمر أن المراد بتكذيب حماد بن سلمة، وهمّام بن يحيى لصالح المرّيّ إنما هو نسبته إلى حكاية الأحاديث المكذوبة، لا أنه يتعمّد الكذب؛ لأنهم أجمعوا على أنه رجل صالح عابد زاهد، فيكون من نوع ما قال
стр. 754
القطّان في كلامه السابق: لم نر الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. والله تعالى أعلم.
قال عفّان (وَحَدَّثْتُ) بالبناء للفاعل أيضًا (هَمَّامًا) هو: ابن يحيى بن دينار الأزدي الْعَوْذي الثقة الحافظ، تقدّم في ٤/ ٦٧ (عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ بِحَدِيثٍ، فَقَالَ) همام (كَذَبَ) أي في نسبة الحديث إلى ثابت. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٨٠ - (وحَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: قَالَ لِي شُعْبَةُ: ائْتِ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ، فَقُلْ لَهُ: لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، فَإِنَّهُ يَكْذِبُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَنِ الْحَكَمِ بِأَشْيَاءَ، لم أَجِدْ لَهَا أَصْلًا، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: بأَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَكَمِ: أَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِم، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، صَلَّى عَلَيْهِمْ، وَدَفَنَهُمْ، قُلْتُ لِلْحَكَمِ: مَا تَقُولُ فِي أَوْلَادِ الزِّنَا؟ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمْ، قُلْتُ: مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُرْوَى؟ قَالَ: يُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ، عَنْ عَلِيٍّ).
رجال هذا الإسناد: اثنان:
١ - (محمود بن غيلان) العدويّ مولاهم، أبو أحمد المروزيّ الحافظ، نزيل بغداد، رَوَى عن وكيع، وابن عيينة، والنضر بن شميل، والفضل بن موسى السيناني، وأبي النضر، وأبي داود الطيالسي، وغيرهم. ورَوَى عنه الجماعة، سوى أبي داود، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والذهلي، وغيرهم. قال الْمَرُّوذِيّ عن أحمد: أعرفه بالحديث، صاحب سنة، قد حُبِس بسبب القرآن. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال عبد الله بن محمود بن سيار، عن محمود بن غيلان: سمع منّي إسحاق ابن راهويه حديثين. وقال السراج: رأيت إسحاق واقفا على رأس محمود بن غيلان، وهو يحدثنا. وقال مسلمة: مروزي ثقة. قال البخاري، والنسائي، وغيرهما: مات في رمضان سنة تسع وثلاثين ومائتين. وقال أبو رجاء، محمد بن حمدويه المروزي: خرج محمود بن غيلان إلى الحج، سنة ست وأربعين، ثم انصرف إلى مرو، وتُوُفّي لعشرين من ذي القعدة، سنة تسع وأربعين ومائتين.
وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة. انتهى.
وله في "صحيح مسلم" ستة أحاديث برقم ١٣٤ و ٧١٦ و ٢٣٥٩ و ٢٤٥٢ و ٢٨١٠ و ٢٩١٥.
стр. 755
٢ - (أبو داود) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ الحافظ، تقدّم في ٤/ ٧. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن أبي داود الطيالسيّ، أنه (قَالَ: قَالَ لِي شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّمت ترجمته (ائْتِ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ) بن عبد الله بن شُجاع الأزدي، ثم العتكيّ، وقيل: الجهضمي، أبو النضر البصري، والد وهب، رَوَى عن أبي الطفيل، وأبي رجاء العطاردي، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، وأيوب، وثابت البناني، وغيرهم. وروى عنه الأعمش، وأيوب شيخاه، وابنه وهب، وابن المبارك، وابن وهب، وغيرهم. قال قُرَاد: قال لي شعبة: عليك بجرير بن حازم، فاسمع منه. وقال محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير: كان شعبة يأتي أبي، فيسأله عن حديث الأعمش، فإذا حدثه قال: هكذا والله سمعته من الأعمش. وقال علي عن ابن مهدي: جرير بن حازم أثبت عندي من قرة بن خالد. وقال أحمد بن سنان عن ابن مهدي: جرير بن حازم اختلط، وكان له أولاد، أصحاب حديث، فلما أحسّوا ذلك منه حجبوه، فلم يسمع أحد منه في حال اختلاطه شيئا. وقال أبو نعيم: تغير قبل موته بسنة. وقال موسى: ما رأيت حمادا يعظم أحدا تعظيمه جرير بن حازم. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة. وقال الدُّوري: سألت يحيى عن جرير بن حازم، وأبي الأشهب؟ ، فقال جرير: أحسن حديثا منه وأسند. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: جرير أمثل من ابن هلال، وكان صاحب كتاب. وقال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه؟ فقال: ليس به بأس، فقلت: إنه يحدث عن قتادة، عن أنس أحاديث مناكير، فقال: ليس بشيء، هو عن قتادة ضعيف. وقال وهب بن جرير: قرأ أبي على أبي عمرو بن العلاء، فقال له: أنت أفصح من مَعَدّ. وقال العجلي: بصري ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق صالح. وقال ابن عدي: وقد حدث عنه أيوب السختياني، والليث بن سعد، وله أحاديث كثيرة عن مشايخه، وهو مستقيم الحديث، صالح فيه، إلا روايته عن قتادة، فإنه يروي عنه أشياء، لا يرويها غيره. وقال ابن حبان في "الثقات": كان يخطىء؛ لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه، وكان شعبة يقول: ما رأيت أحفظ من رجلين: جرير بن حازم، وهشام الدستوائي. وقال الساجي: صدوق، حدّث بأحاديث وَهِمَ فيها، وهي مقلوبة. قال الكلاباذي: حَكَى عنه ابنه أنه قال: مات أنس، وأنا ابن خمس سنين، سنة (٩٠)، ومات جرير سنة (١٧٠).
وقال في "التقريب": ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهام إذا حدّث من حفظه، من السادسة. انتهى.
стр. 756
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٤٦) حديثًا.
(فَقُلْ لَهُ: لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب (عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ) هو الحسن بن عمارة بن الْمُضَرِّب البجلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، كان على قضاء بغداد، في خلافة المنصور، روى عن يزيد بن أبي مريم، وحبيب بن أبي ثابت، والحكم بن عتيبة، وابن أبي مليكة، والزهري، وأبي إسحاق السبيعي، وغيرهم. وروى عنه السفيانان، وعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، وعيسى بن يونس، وجماعة. قال النضر بن شميل عن شعبة: أفادني الحسن بن عمارة سبعين حديثا، عن الحكم، فلم يكن لها أصل. وقال ابن عيينة: كان له فضل، وغيره أحفظ منه. وقال الطيالسي: قال شعبة: ائت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة، فإنه يكذب، قال أبو داود: فقلت لشعبة: ما علامة ذلك؟ قال: روى عن الحكم أشياء، فلم نجد لها أصلا، قلت للحكم: صلى النبي ﷺ على قتلى أحد؟ قال: لا. وقال الحسن: حدثني الحكم عن مقسم، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ صلى عليهم ودفنهم. وقلت للحكم: ما تقول في أولاد الزنا؟ قال: يُعْتَقُون (١). قلت: مَنْ ذَكَره؟ قال: يُروَى عن الحسن البصري، عن علي. وقال الحسن ابن عمارة: حدثني الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي سبعة أحاديث، فسألت الحكم عنها، فقال: ما سمعت منها شيئًا. وقال عيسى بن يونس: الحسن بن عمارة شيخ صالح، قال فيه شعبة، وأعانه عليه سفيان. وقال ابن المبارك: جَرَحَه عندي شعبة وسفيان، فبقولهما تركت حديثه. وقال أيوب بن سويد الرملي: كان شعبة يقول: إن الحكم لم يحدث عن يحيى بن الجزار، إلا ثلاثة أحاديث، والحسن بن عمارة يحدث عنه أحاديث كثيرة، قال: فقلت للحسن بن عمارة في ذلك: فقال: إن الحكم أعطاني حديثه، عن يحيى في كتاب فحفظته. وقال النضر بن شميل: قال الحسن بن عمارة: الناس كلهم مني في حِلّ، ما خلا شعبة. وقال جرير بن عبد الحميد: ما ظننتُ أني أعيش إلى دهر يُحَدَّث فيه عن محمد بن إسحاق، ويُسكَت فيه عن الحسن بن عمارة. وقال أبو بكر المروزي عن أحمد: متروك الحديث. وكذا قال أبو طالب عنه، وزاد: قلت له: كان له هَوىً؟ قال: لا، ولكن كان منكر الحديث، وأحاديثه موضوعة، لا يكتب حديثه. وقال مرة: ليس بشيء. وقال ابن معين: لا يكتب حديثه. وقال مرة: ضعيف. وقال مرة: ليس حديثه بشيء. وقال عبد الله بن المديني عن أبيه: ما أحتاج
стр. 757
إلى شعبة فيه، أمره أَبْيَنُ من ذلك، قيل له: كان يَغلَط؟ فقال: أي شيء كان يَغلَط؟ كان يضع. وقال أبو حاتم، ومسلم، والنسائي، والدارقطني: متروك الحديث. وقال النسائي أيضا: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال الساجي: ضعيف، متروك، أجمع أهل الحديث على ترك حديثه. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال جزرة: لا يكتب حديثه. وقال عمرو بن علي: رجل صالح، صدوق، كثير الوهم والخطأ، متروك الحديث. وقال ابن المبارك عن ابن عيينة: كنت إذا سمعت الحسن بن عمارة يحدث عن الزهري، جعلت إصبعي في أذني. وقال العقيلي: حدثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد: لا بأس ببيع من يزيد، كذلك كانت تُباع الأخماس. قال سفيان: فحدثت به بالكوفة، فبلغ الحسن بن عمارة، فحدث به، وزاد في آخره: على عهد رسول الله ﷺ . وقال العقيلي: حدثني عبد الله بن محمد بن صالح السمرقندي، ثنا يحيى بن حكيم الْمُقَوِّم، قلت لأبي داود الطيالسي: إن محمد بن الحسن، صاحب الرأي حدثنا عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن علي قال: رأيت النبي ﷺ قرن، وطاف طوافين، وسعى سعيين، فقال أبو داود، وجمع يده إلى نحره: مِن هذا كان شعبة يشقُّ بطنه من الحسن بن عمارة. وقال ابن سعد: كان ضعيفا في الحديث. وذكره يعقوب في "باب من يُرغَب عن الرواية عنهم". وقال أبو بكر البزار: لا يَحْتَجُّ أهل العلم بحديثه إذا انفرد. وقال ابن المثنى: ما سمعت يحيى، ولا عبد الرحمن رويا عنه شيئا قط. وقال أبو العرب: قال لي مالك بن عيسى: إن أبا الحسن الكوفي -يعني العجلي- ضعفه، وترك أن يحدث عنه. وقال الحميدي: ذُمِرَ عليه (١). وقال يعقوب بن شيبة: متروك الحديث. وقال ابن حبان: كان بلية الحسن التدليس عن الثقات، ما وَضَع عليهم الضعفاء، كان يسمع من موسى بن مُطَير، وأبي العطوف، وأبان بن أبي عياش، وأضرابهم ثم، يسقط أسماءهم، ويرويها عن مشايخه الثقات، فالتزقت به تلك الموضوعات، وهو صاحب حديث الدعاء الطويل بعد الوتر، وهو جالس. وقال السهيلي: ضعيف بإجماع منهم. وأورد له ابن عدي أحاديث، وقال: ما أقرب قصته إلى ما قال عمرو بن علي، وقد قيل: إن الحسن بن عمارة كان صاحب مال، وإنه حَوّل الحكم إلى منزله، فخصه بما لم يخص غيره، على أن بعض رواياته عن الحكم، وعن غيره غير محفوظة، وهو إلى الضعف أقرب. قال يعقوب بن شيبة وغيره: مات سنة (١٥٣).
стр. 758
وقال في "التقريب": متروكٌ، من السابعة. أخرج الترمذيّ، وابن ماجه، وله ذكر في "صحيح البخاريّ" (١)، وعند المصنّف هنا في المقدّمة فقط.
(فَإِنَّهُ يَكْذِبُ) الفاء للتعليل: أي لأن الحسن يكذب، والرواية عمن يكذب غير جائزة (قَالَ أَبُو دَاوُدَ) الطيالسيّ (قُلْتُ لِشُعْبَةَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ ) أي وكيف عرفتَ أنه يكذب؟ ، وتقدّم في عبارة "التهذيب" بلفظ: "ما علامة ذلك؟ " (فَقَالَ) شعبة (حَدَّثَنَا) أي الحسن (عَنِ الْحَكَمِ) بن عُتيبة أبي محمد الكنديّ الكوفيّ الحافظ الفقيه، تقدّم في ١/ ٢ (بِأَشْيَاءَ، لم أَجِدْ لَهَا أَصْلًا) أي أصلًا تعتمد عليه، وتصحّ به (قَالَ) أبو داود (قُلْتُ لَهُ) أي لشعبة (بِأَيِّ شَيْءٍ؟ ) متعلّق بمقدّر دلّ عليه كلام شعبة المذكور آنفًا: أي بأي حديث حدّثكم الحسن عن الحكم مما لا أصل له؟ (قَالَ) شعبة (قُلْتُ لِلْحَكَمِ: أَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ؟ ) أي على شهداء أحد، وهو بضمتين: جبل بقرب مدينة النبيّ ﷺ من جهة الشام، كانت به الوقعة المشهورة في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّرٌ، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيمنع، وليس بالقويّ. قاله الفيّوميّ (٢). (فَقَالَ) أي الحكم (لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي إنما دُفنوا بدون غسل، ولا صلاة، فقد أخرج البخاريّ وغيره، من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان النبي ﷺ ، يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، في ثوب واحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذا للقرآن؟ "، فإذا أشير له إلى أحدهما، قدمه في اللحد، وقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة"، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يُغَسَّلُوا، ولم يُصَلّ عليهم.
(فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ) بن عُتيبة، والجارّ والمجرور متعلّق بحال مقدّر، كلاحقيه: أي حال كونه راويًا عن الحكم (عَنْ مِقْسَمٍ) -بكسر الميم، وسكون القاف، وفتح السين المهملة- ابن بُجْرة، ويقال: ابن نَجْدة، أبو القاسم، ويقال: أبو العباس، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، ويقال له: مولى ابن عباس للزومه له. روى عن ابن عباس، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وعائشة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأم سلمة، وغيرهم، وخُفَاف بن إيماء بن رَحَضَة، ومعاوية، وعبد الله بن شُرَحبيل بن حسنة، وغيرهم. وروى عنه ميمون بن مِهْران، والحكم بن عتيبة، وغيرهم. قال الميموني عن أحمد: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم حديث الحجامة، وفي
стр. 759
موضع آخر عن أحمد: لم يسمع الحكم من مقسم إلا أربعة أحاديث، وأما غير ذلك، فأخذها من كتاب. وقال مهنأ بن يحيى: قلت لأحمد: مَن أصحاب ابن عباس؟ قال: ستة، فذكرهم، قلت: فمقسم؟ ، قال: دون هؤلاء. وقال أيوب: كان يقرأ في المسجد في مصحف. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به. وقال ابن سعد: أجمعوا على أنه تُوُفّي سنة إحدى ومائة.
وقال في "التقريب": صدوقٌ، وكان يرسل، من الرابعة. انتهى.
أخرج له الجماعة، سوى مسلم، وليس له في البخاريّ إلا حديث واحد.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله تعالى عنهما (إِنَّ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها في أول مقول القول (النَّبِيَّ ﷺ ، صَلَّى عَلَيْهِمْ) أي على قتلى أحد (وَدَفَنَهُمْ) استدلّ بهذا شعبة على أن الحسن بن عمارة كذاب، حيث نسب إلى الحكم خلاف ما ثبت عنه.
[مسألة]: اختلاف أهل العلم في الصلاة على الشهيد:
قال الإمام الترمذي رحمه اللهُ تعالى: وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على الشهيد، فقال بعضهم: لا يُصلّى على الشهيد، وهو قول أهل المدينة، وبه يقول الشافعي، وأحمد. وقال بعضهم: يصلّى على الشهيد، واحتجّوا بحديث النبيّ ﷺ أنه صلّى على حمزة، وهو قول الثوريّ، وأهل الكوفة، وبه يقول إسحاق. انتهى (١).
وقال الحافظ العراقيّ رحمه اللهُ تعالى: قد اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والجمهور إلى أنه لا يُصلّى عليهم. وذهب أبو حنيفة إلى الصلاة عليهم كغيرهم، وبه قال المزنيّ، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلّال، وحكاه ابن بطال عن الثوريّ، والأوزاعيّ، وعكرمة، ومكحول. انتهى (٢).
وقد وردت أحاديث تدلّ لما ذهب إليه الفريقان، قد استوفيت ذكرها في شرح النسائيّ، مع بيان ما لها، وما عليها، فراجعه تستفد.
وخلاصة ما توصّلت إليه هناك ترجيح القول بجواز الصلاة على الشهيد، وعدمه، وذلك لصحّة الأحاديث بالأمرين، فقد جاء في ثبوت الصلاة عليه صريحًا، ما أخرجه النسائيّ من حديث شدّاد بن الهاد ﵁، أن رجلًا من الأعراب جاء إلى النبي ﷺ ، فآمن به ... الحديث، وذكر استشهاده، ثم قال: "ثم كفنه النبيّ ﷺ في جبة النبيّ ﷺ ، ثم
стр. 760
قدّمه، فصلى عليه ... الحديث، وهو حديث صحيح، كما بينته هناك.
ومما يدلّ عليه أيضًا حديث عقبة بن عامر ﵁ أنه ﷺ صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، صلاته على الميت. أخرجه البخاريّ، وغيره. ودعوى كون المراد بالصلاة الدعاء، غير صحيحة، يردّها قوله: "صلاته على الميت".
وجاء في عدم الصلاة عليه حديث جابر ﵁ الذي أخرجه البخاريّ وغيره، وقد سبق ذكره قريبًا.
والحاصل أن المذهب الراجح هو مذهب من أثبت الصلاة عليه، لكن على سبيل الجواز، لا على سبيل الوجوب، كما نقل عن الإمام أحمد رحمه اللهُ تعالى، فإنه قال في رواية المروزيّ عنه: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلّوا عليه أجزأ. وقال ابن حزم رحمه اللهُ تعالى: إن صُلّي على الشهيد فحسن، وإن لم يُصلّ عليه فحسن، واستدلّ بحديثي جابر ابن عبد الله، وعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهما السابقين، وقال: ليس يجوز أن يُترك أحد الأثرين المذكورين للآخر، بل كلاهما حقّ مباح، وليس هذا مكان نسخ؛ لأن استعمالهما معًا ممكن في أحوال مختلفة. انتهى (١). وهو تحقيقٌ نفيس جدّا. والله تعالى أعلم بالصواب.
قال شعبة (قُلْتُ لِلْحَكَمِ) بن عتيبة (مَا تَقُولُ فِي أَوْلَادِ الزِّنَا؟ ) أي في الصلاة عليهم إذا ماتوا (قَالَ) الحكم (يُصَلَّى عَلَيْهِمْ) أي إنهم كسائر المسلمين في مشروعيّة الصلاة. وجواب الحكم هذا ظاهر في أن سؤال شعبة كان عن حكم الصلاة عليهم، وهو مخالف لما سبق نقله عن "تهذيب التهذيب" في ترجمة الحسن بن عمارة، حيث إن الظاهر هناك أن السؤال عن عتقهم، ولفظه: وقلت للحكم: ما تقول في أولاد الزنا؟ قال: يُعتَقون. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصلاة على ولد الزنا مما لا خلاف فيه إلا ما جاء عن قتادة، قال القاضي عياضٌ رحمه اللهُ تعالى: وأما ولد الزنا فليس فيه أثرٌ يُعوّل عليه، وعامّة العلماء على الصلاة عليه كغيره من أولاد المسلمين، إلا قتادة، فقال: لا يُصلّى عليه. انتهى (٢).
وأخرج البخاريّ رحمه اللهُ تعالى في "صحيحه" عن الزهريّ، أنه قال: يُصلّى على كلّ مولود مُتوفّى، وإن كان لِغيّة، من أجل أنه وُلد على فطرة الإسلام، يدّعي أبواه الإسلام، أو أبوه خاصّة، وإن كانت أمه على غير الإسلام، إذا استهلّ صارخًا صُلّي
стр. 761
عليه، ولا يُصلّى على من لا يستهلّ من أجل أنه سقط. انتهى.
وقوله: "لغيّة" بكسر اللام، والمعجمة، وتشديد التحتانيّة: أي من زنا. ومراده أنه يصلى على ولد الزنا، ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه؛ لأنه محكوم بإسلامه تبعًا لأمه. وكذلك من كان أبوه مسلمًا دون أمه. وقال ابن عبد البرّ: لم يقل أحد: إنه لا يُصلّى على ولد الزنا إلا قتادة وحده. واختُلف في الصلاة على الصبيّ، فقال سعيد بن جبير: لا يُصلّى عليه حتى يبلغ. وقيل: حتى يُصلي. وقال الجمهور: يصلّى عليه حتى السقط إذا استهلّ. قاله في "الفتح" (١).
قال شعبة (قُلْتُ: مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُرْوَى؟ ) بكسر ميم "من" الأولى؛ لأنها جارّة، وفتح الثانية؛ لأنها استفهاميّة، والفعل مبنيّ للمفعول، ويتعلّق به الجار المتقدّم عليه وجوبًا؛ لكون المجرور اسم استفهام. والمعنى هذا الذي قلته من أنه يُصلّى على أولاد الزنا من الذي رواه من أهل العلم؟ (قَالَ) الحكم (يُرْوَى) بالبناء للمجهول (عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ) أي إنه من قول الحسن البصريّ، وليس حديثًا مرفوعًا (فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ) بضم العين المهملة، وتخفيف الميم (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ) بن عُتيبة (عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ) الْعُرَنِيّ الكوفي، لقبه زَبّان، وقيل: زَبّان أبوه. رَوَى عن علي، وأُبَيّ بن كعب، وابن عباس، والحسن بن علي، وعائشة، وأم سلمة، وغيرهم. وروى عنه الحكم بن عتيبة، وحبيب بن أبي ثابت، وعمرو بن مرة، وغيرهم. قال الجوزجاني: كان غاليا مُفْرِطا. وقال أبو زرعة، والنسائي، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال محمود بن غيلان، عن شبابة، عن شعبة: لم يسمع يحيى بن الجزار من علي إلا ثلاثة أحاديث، أحدها: "أن النبي ﷺ كان على فُرْضة من فُرَض الخندق ... "، والآخر: وسئل عن يوم الحج الأكبر، ونسي محمود الثالث. وقال ابن سعد: كان يغلو في التشيع، وكان ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: كوفي ثقة، وكان يتشيع. وروى العقيلي عن الحكم بن عتيبة، أنه قال: كان يحيى بن الجزار يغلو في التشيع. وقال حرب: قلت لأحمد: هل سمع من علي؟ قال: لا. وقال ابن أبي خيثمة: لم يسمع من ابن عباس. قال الحافظ: كذا رأيت هذا بخط مغلطاي، وفيه نظر، فإن ذلك إنما وقع في حديث مخصوص، وهو حديثه عن ابن عباس أن النبي ﷺ : "كان يصلي، فذهب جَدْيٌ يَمُرّ بين يديه ... " الحديث. قال ابن أبي خيثمة: رواه عن عفان، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عنه، عن ابن عباس قال: ولم أسمعه منه، وهو في كتاب أبي داود، عن سليمان بن حرب وغيره، عن شعبة، عن عمرو، عن يحيى، عن ابن عباس،
стр. 762
ولم يقل في سياقه: ولم أسمعه منه، ولذلك رواه بن أبي شيبة كما رواه بن أبي خيثمة. أخرج له الجماعة، إلا البخاريّ، وله في "صحيح مسلم" حديثان فقط برقم (٦٢٧) حديث علي ﵁: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس .. "، و (٢٧٩٩) حديث: "أبي بن كعب ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [السجدة: ٢١] الآية.
[تنبيه]: قوله: "ابن الْجَزّار" -بالجيم، والزاي، وبالراء آخره. قال صاحب "المطالع": ليس في "الصحيحين"، و"الموطإ" غيره، ومن سواه خَزّازٌ -يعني بخاء معجمة، وزايين- أو خراز -يعني بخاء معجمة، فراء، فزايّ. انتهى (١).
(عَنْ عَلِيّ) بن أبي طالب ﵁، تقدّم في ١/ ٣. قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: معنى هذا الكلام: أن الحسن بن عمارة كَذَب، فروى هذا الحديث عن الحكم، عن يحيى، عن عليّ ﵁، وإنما هو عن الحسن البصري من قوله، وقد قدمنا أن مثل هذا، وإن كان يحتمل كونه جاء عن الحسن، وعن عليّ -رضي اله عنه-، لكن الحفاظ يَعْرِفون كذب الكذابين بقرائن، وقد يعرفون ذلك بدلائل قطعية، يعرفها أهل هذا الفن، فقولهم مقبول في كل هذا، والحسن بن عمارة متفق على ضعفه وتركه. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ رحمه الله تعالى أنه لا يُقال: إن هذا الحديث يمكن أن يصحّ عن عليّ أيضًا، كما صحّ عن الحسن البصريّ، فإنه إذا وقع في أحاديث الثقات مثل هذا، لا يُضعّف، بل يُحمل على هذا المحمل، لأنا نقول إن تفرّد الحسن بن عمارة لا يتحمّل هذا التأويل؛ لأنه تبيّن للنّقّاد مثل شعبة أنه كذّاب بدلائل وقرائن أثبتت لهم ذلك، فلا يمكن تصحيح حديثه بالتأويل المذكور؛ لأن ذلك لأهل الصدق، والحفظ والإتقان. فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٨١ - (وحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ، وَذَكَرَ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَقَالَ: حَلَفْتُ أَلَّا أَرْوِيَ عَنْهُ شَيْئًا، وَلَا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَحْدُوجٍ، وَقَالَ: لَقِيتُ زِيَادَ ابْنَ مَيْمُونٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ بَكْرٍ الْمُزَنِيِّ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ مُوَرِّقٍ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنِ الْحَسَنِ، وَكَان يَنْسُبُهُمَا إِلَى الْكَذِبِ. قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ، وَذَكَرْتُ عِنْدَهُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، فَنَسَبَهُ إِلَى الْكَذِبِ).
стр. 763
شرح الأثر:
عن الحسن بن عليّ الْحُلْوانيّ الحافظ المتقدّم في ٣/ ٢٢ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ ابْنَ هَارُونَ) الواسطيّ الحافظ المشهور، تقدّم في ٤/ ٤٣. وقوله: (وَذَكَرَ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ) جملة في محلّ نصب على الحال.
و"زياد بن ميمون" هذا: هو الثقفي الفاكهي. روى عن أنس، ويقال له: زياد أبو عمار البصري، وزياد بن أبي عمار، وزياد بن أبي حسان، يدلسونه؛ لئلا يُعْرَف في الحال. قال الليث بن عبدة: سمعت بن معين يقول: زياد بن ميمون ليس يَسْوَى (١) قليلًا، ولا كثيرًا. وقال مرة: ليس بشيء. وقال يزيد بن هارون: كان كذابا. وقال البخاري: تركوه. وقال أبو زرعة: واهي الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو داود: أتيته فقال: أستغفر الله، وضعت هذه الأحاديث. وقال بشر بن عمر الزهراني: سألت زياد بن ميمون، أبا عمار عن حديث لأنس، فقال: احسبوني كنت يهوديا، أو نصرانيا، قد رجعت عما كنت أحدث به عن أنس، لم أسمع من أنس شيئًا (٢).
(فَقَالَ) يزيد (حَلَفْتُ أَلَّا أَرْوِيَ عَنْهُ) أي عن زياد (شَيْئًا، وَلَا) أروي أيضًا (عَنْ خَالِدِ بْنِ مَحْدُوجٍ) -بميم مفتوحة، ثم حاء ساكنة مهملة، ثم دال مضمومة مهملة، ثم واو، ثم جيم- ويقال: ابن مَقْدوح بالقاف بدل الحاء، وبالحاء المهملة بدل الجيم الواسطيّ، روى عن أنس وغيره، رماه يزيد بن هارون بالكذب. وقال أبو حاتم: ليس بشيء، ضعيفٌ جدّا. وقال النسائيّ: متروك. وقال ابن عديّ: يُكنى أبا روح. قال البخاريّ: كان يزيد يرميه بالكذب. حدّث عنه أبو أسامة. وقال ابن حبّان: يقلب الأخبار، لا يُحتجّ به. ثم غفل، فذكره في "الثقات". وقد ذكره البخاريّ، والساجيّ، والعقيليّ، وابن الجارود في الضعفاء. وقال النسائيّ في "الجرح والتعديل": ليس بثقة، ولا يُكتب حديثه. وقال ابن عبد البرّ: هو عندهم منكر الحديث، ضعيفٌ جدّا (٣).
قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: أما قوله: "حلفت أن لا أروى عنهما" ففعله نصيحةً للمسلمين، ومبالغةً في التنفير عنهما؛ لئلا يَغْتَرّ أحدٌ بهما، فيروي عنهما الكذب، فيقعَ في الكذب على رسول الله ﷺ ، وربما راج حديثهما، فاحتُجّ به. وأما حُكْمُهُ بكذب
стр. 764
ميمون، فلكونه حَدّثه بالحديث عن واحد، ثم عن آخر، ثم عن آخر، فهو جار على ما قدمناه من انضمام القرائن، والدلائل على الكذب. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ رحمه اللهُ تعالى أن تكذيب يزيد بن هارون لزياد بن ميمون؛ لكونه حدّثه بحديث واحد مرّة عن بكر المزنيّ، ومرّة عن مُورّق العجليّ، ومرّة عن الحسن البصريّ، ليس لمجرّد الاختلاف، بل لما انضمّ إليه من قرائن، ودلائل تدلّ على كذبه، فلولا تلك القرائن، والدلائل لما جاز له الحكم به؛ لأن مثل هذا لو حصل من الثقات الأثبات، مثل الزهريّ، والأعمش، والثوريّ، ونحوهم لَقُبل عنهم، بل يكون ذلك دليلًا على كثرة شيوخ الراوي، وشدّة عنايته بالطلب، حتى سمع الحديث الواحد عن مشايخ كثرين. والله تعالى أعلم.
(وَقَالَ) يزيد بن هارون، مستشهدًا على تركه الرواية عن زياد بن ميمون (لَقِيتُ) بكسر القاف (زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ) بالنصب على المفعوليّة (فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثٍ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف هذا الحديث. انتهى (٢). (فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنْ بَكْرٍ) بفتح الموحّدة، وسكون الكاف (الْمُزَنِيِّ) بضم الميم، وفتح الزاي: نسبة إلى مزينة بنت كلب بن وَبْرَةَ، قبيلة كبيرة. كما في "اللباب" (٣).
وبكر هذا: هو ابن عبد الله بن عمرو المزني، أبو عبد الله التابعيّ الجليل الفقيه البصري. رَوَى عن أنس بن مالك، وابن عباس، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم. وروى عنه ثابت البناني، وسليمان التيمي، وقتادة، وغالب القطان، وغيرهم. قال ابن المديني: له نحو خمسين حديثا، قال: أدركت ثلاثين من فرسان مزينة، منهم عبد الله بن مغفل، ومعقل بن يسار، وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: ثقة مأمون. وقال ابن حبان في "الثقات": روى عن عبد الله بن عمرو بن هلال المزني، وله صحبة، وكان عابدا فاضلا، وهو والد عبد الله بن بكر. وقال حميد الطويل: كان بكر مجاب الدعوة. وقال ابن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: لم يسمع بكر من المغيرة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: روايته عن أبي ذر مرسلة. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة. وكان بكر يقول: إياك من الكلام ما إن أصبت فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه أَثِمْت، وهو سوء الظن بأخيك. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتا مأمونا حجة، وكان فقيهًا، مات سنة (١٠٨). وقال ابن المديني وغيره: مات سنة (١٠٦)، ورجّح ابن سعد الأوّل، وبالثاني قال البخاري، وابن أبي خيثمة، وأبو نصر الكلاباذي، وغيرهم.
стр. 765
وقال في "التقريب": ثقة ثبتٌ جليلٌ، من الثالثة. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" عشرة أحاديث.
(ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ) أي رجعت إلى زياد (فَحَدَّثَنِي بِهِ) أي بالحديث الذي حدّثه به عن بحكر (عَنْ مُوَرِّقٍ) -بضم الميم، وفتح الواو، وكسر الراء المشدّدة، آخره قاف- وهو مُوَرّق بن مُشَمْرِج -بضم الميم، وفتح الشين المعجمة، وسكون الميم، وكسر الراء، آخره جيم- ويقال: ابن عبد الله العجليّ، أبو معتمر البصري، ويقال: الكوفي. روى عن عمر، وسلمان الفارسي، وأبي ذر، وأبي الدرداء، وابن عباس، وغيرهم. وروى عنه قتادة، وعاصم الأحول، وحميد الطويل، ومجاهد، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وقال العجليّ: بصري تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن سعد: كان ثقة عابدا، قالوا: تُوُفّي في ولاية عمر بن هُبَيرة على العراق. وقال الهيثم بن عدي، والقَرّاب: مات سنة ثلاث. وقال ابن حبان: كان من العباد الْخُشُنِ، مات سنة خمس ومائة. وقال خليفة، وابن قانع: مات سنة ثمان.
وقال في "التقريب": ثقة عابدٌ، من كبار الثالثة. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" أربعة أحاديث برقم ١٨٨٦ و ١٨٨٧ و ٤٤٥٥ و ٤٤٥٦.
(ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَنِي بِهِ عَنِ الْحَسَنِ) أي البصريّ، تقدّمت ترجمته. وقوله: (وَكَانَ يَنْسُبُهُمَا إِلَى الْكَذِبِ) من كلام الحلوانيّ: أي كان يزيد بن هارون ينسب زياد بن ميمون، وخالد بن محدوج إلى الكذب.
(قَالَ الْحُلْوَانِيُّ) هو الحسن بن عليّ، شيخ المصنّف.
[تنبيه]: قوله: "قال" معطوف على "قال" المذكور في قوله السابق: "قال: سمعت يزيد بن هارون" بحذف حرف العطف، وحذف حرف العطف وحده في سعة الكلام جائز على القول الراجح عند النحاة، كما في قول الشاعر [من الخفيف]:
كَيْفَ أَصْبَحْتَ كَيْفَ أَمْسَيْتَ مِمَّا ... يَغْرِسُ الْوُدَّ فِي فُؤَادِ الْكَرِيمِ
أراد كيف أصبحت، وكيف أمسيت. وفي الحديث: "تصدّق رجلٌ من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بُرّه، من صاع تمره". رواه مسلم في "صحيحه". وسُمع من العرب: أكلت خبزًا، لحمًا، تمرًا. أي أكلت خبزًا، ولحمًا، وتمرًا. قال الأشمونيّ: ولا يكون ذلك إلا في الواو، و"أو" انتهى. ومثال "أو" أثر عمر ﵁ في "صحيح
стр. 766
البخاري": "صلّى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء". والله تعالى أعلم (١).
[تنبيه آخر]: نُقل عن الحافظ ابن منده أنه وصف مسلمًا بالتدليس، حيث قال: إنه كان يقول فيما لم يسمعه من مشايخه: "قال لنا فلان"، وهو تدليس، وردّ عليه الحافظ أبو الفضل العراقيّ، كما ذكره الحافظ في "رسالته" في المدلّسين. فتنبّه. والله تعالى أعلم.
(سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري مولاهم التَّنُّوري (٢)، أبو سهل البصري. روى عن أبيه، وعكرمة بن عمار، وحرب بن شداد، وغيرهم. وروى عنه ابنه عبد الوارث، وأحمد، وإسحاق، والحسن بن علي الحلواني، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق، صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة -إن شاء الله-. وقال الحاكم: ثقة مأمون. وقال ابن قانع: ثقة يخطىء. ونقل ابن خلفون: توثيقه عن ابن نمير. وقال علي بن المديني: عبد الصمد ثبت في شعبة. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ست، أو سبع ومائتين. وقال ابنه عبد الوارث وغيره: مات سنة سبع. وقال البلاذري: مات آخر سنة ست، أو أول سنة سبع. وقال في "التقريب": صدوق، ثبتٌ في شعبة، من التاسعة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٦٥) حديثًا.
وقوله: (وَذَكَرْتُ) بالبناء للفاعل، والتاء ضمير المتكلّم، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل "سمعتُ": أي والحال أني قد ذكرتُ (عِنْدَهُ) ظرف لذكرتُ: أي عند عبد الصمد (زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ) بالنصب على المفعولية لذكرت. وقوله: (فَنَسَبَهُ إِلَى الْكَذِبِ) هكذا النسخ، والظاهر أن الفاء زائدة، والجملة في محل نصب على أنه مفعول ثان لسمعت، على القول بأنها من النواسخ، أو على الحال من "عبد الصمد" على قول الجمهور. ويحتمل أن يكون مفعول سمعت أو الحال (٣) محذوفًا، والتقدير: سمعت عبد الصمد يُكذّب زياد بن ميمون، ويكون قوله: "فنسبه إلى الكذب" جملةً مؤكّدةً. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٨٢ - (وحَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ: قَدْ أَكْثَرْتَ عَنْ
стр. 767
عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، فَمَا لَكَ لم تَسْمَعْ مِنْهُ حَدِيثَ الْعَطَّارَةِ، الَّذِي رَوَى لَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ؟ قَالَ لِيَ: اسْكُتْ، فَأَنَا لَقِيتُ زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، فَسَأَلْنَاهُ، فَقُلْنَا لَهُ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَرْوِيهَا عَنْ أَنَسٍ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمَا رَجُلًا يُذْنِبُ، فَيَتُوبُ، أَلَيْسَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ أَنَسٍ مِنْ ذَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، إِنْ كَان لَا يَعْلَمُ النَّاسُ، فَأَنْتُمَا لَا تَعْلَمَانِ، أَنِّي لم أَلْقَ أَنَسًا؟ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: فَبَلَغَنَا بَعْدُ أَنَّهُ يَرْوِي، فَأَتَيْنَاهُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: أَتُوبُ، ثمَّ كَانَ بَعْدُ يُحَدِّثُ، فَتَرَكْنَاهُ).
شرح الأثر:
عن محمود بن غيلان المروزيّ المتقدّم في ٤/ ٧٨، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ) سليمان بن داود الحافظ المتقدّم في ٤/ ٧٠ (قَدْ أَكْثَرْتَ) أي من الرواية، أي رويت أحاديثًا كثيرةً (عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ) هو: عباد بن منصور الناجيّ -بالنون، والجيم- أبو سلمة البصري القاضي، روى عن عكرمة، وعطاء، وأبي رجاء العطاردي، وغيرهم. وروى عنه إسرائيل، وحماد بن سلمة، وأبو داود الطيالسي، وغيرهم. قال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: عباد بن منصور كان قد تغير؟ قال: لا أدري، إلا أنا حين رأيناه نحن كان لا يحفظ، ولم أر يحيى يرضاه. وقال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد: قال جدي: عَبَّادٌ ثقة، لا ينبغي أن يُترَك حديثه لرأي أخطأ فيه -يعني القدر-. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وكان يُرمَى بالقدر. وقال أبو زرعة: لين. وقال أبو حاتم: كان ضعيف الحديث، يكتب حديثه، ونَرَى أنه أخذ هذه الأحاديث عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عن عكرمة. وقال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: قلت لعباد بن منصور: سمعتَ حديثَ: "ما مررت بملأ من الملائكة"، وأن النبي ﷺ كان يكحل ثلاثا -يعني من عكرمة-؟ فقال: حدثهن ابن أبي يحيى، عن داود، عن عكرمة. وقال أبو داود: ولي قضاء البصرة خمس مرات، وليس بذاك، وعنده أحاديث فيها نكارة، وقالوا تغير. وقال الآجري: سألت أبا داود عن عمرو الأغضف، فقال: قاضي الأهواز ثقة، قال لعباد بن منصور: من حدثك أن ابن مسعود رجع عن قوله: "الشقي من شقي في بطن أمه"؟ قال: شيخ لا أدري من هو؟ فقال: عمرو أنا أدري من هو؟ قال: من هو: قال: الشيطان. وقال النسائي: ليس بحجة. وقال في موضع آخر: ليس بالقوي. وقال ابن حبّان: كان قدريا، داعية إلى القدر، وكلُّ ما روى عن عكرمة، سمعه من إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن داود بن الحصين، عنه، فدلّسها عن عكرمة. وقال عباس الدُّوري، عن يحيى بن معين: حديثه ليس بالقوي، ولكنه يكتب. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال مهنأ عن أحمد: كانت أحاديثه منكرة، وكان قدريا، وكان يدلِّس. وقال ابن أبي
стр. 768
شيبة: روى عن أيوب، وعكرمة، وكان يُنسَب إلى القدر، روى أحاديث مناكير. وقال أبو بكر البزار: روى عن عكرمة أحاديث، ولم يسمع منه. وقال العجلي: لا بأس به، يكتب حديثه. وقال مرة: جائز الحديث. وقال ابن سعد: هو ضعيف عندهم، وله أحاديث منكرة. وقال الجوزجاني: كان يُرمَى برأيهم، وكان سيء الحفظ، وتغير أخيرًا. وقال الآجري عن أبي داود: ثنا أحمد بن أبي شريح، ثنا معاذ بن معاذ، ثنا عباد بن منصور، على قدرية فيه. وقال ابن عدي: هو في جملة من يكتب حديثه. وقال رُسْتَه عن يحيى بن سعيد: مات عباد، وهو على بطن امرأته. وقال ابن قانع: مات سنة اثنتين وخمسين ومائة، وفيها أرخه أبو موسى الْعَنَزيّ، وزكرياء الساجي، وابن حبان.
وقال في "التقريب": صدوقٌ، رُمي بالقدر، وكان يدلّس، وتغيّر بآخره، من السادسة. انتهى.
علّق له البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وله ذكر عند المصنّف هنا في "المقدّمة".
(فَمَا لَكَ) "ما" استفهاميّة: أي فأي شيء ثبت لك. وقوله: (لَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ) جملة في محلّ نصب على الحال: أي حال كونك غير سامع من عبّاد بن منصور (حَدِيثَ الْعَطَّارَةِ) بفتح العين المهلة، وتشديد الطاء المهملة: أي المرأة التي تبيع العطر.
قال القاضي عياض رحمه اللهُ تعالى: ذكر مسلم حديث العطّارة، ولم يُفسّره، وهو حديث رواه زياد بن ميمون أبو عمّار، عن أنس، أن امرأة يقال لها: الحولاء عطّارةً، كانت بالمدينة، فدخلت على عائشة، وذكرت خبرها مع زوجها، وأن النبيّ ﷺ ذكر لها في فضل الزوج، وهو حديث طويل، غير صحيح، ذكره ابن وضّاح بكماله في كتاب "القطعان" له، ويقال: إن هذه العطّارة هي الحولاء بنت تُويت المذكورة في غير هذا الحديث. انتهى (١).
وقال في "لسان الميزان": وحديث العطارة أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" من طريق غُنجار، صاحب "تاريخ بخارى"، حدثنا محمد بن نصر بن خلف، ثنا أبو كثير، سيف بن حفص، حدثني علي بن الجنيد، ثنا محمد بن سلام، ثنا أبو سهل المدائني، ثنا الصباح بن سهل، عن زياد بن ميمون، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كانت امرأة بالمدينة، عطارة، يقال لها: الحولاء، فجاءت إلى عائشة ﵂، فقالت: يا أم المؤمنين، نفسي لك الفداء، إني لأُزَيِّن نفسي لزوجي كل ليلة، حتى كأني العروس أُزَفّ إليه، فقالت: إن رسول الله ﷺ قال: "ليس من امرأة ترفع شيئا من بيتها،
стр. 769
أو تضعه في مكان، تُريد بذلك إصلاحا إلا نظر الله إليها ... "، فذكر الحديث بطوله، وفيه: فضل الولادة، والرضاع، والفطام، والمراودة، والمعانقة، والقبلة، والمجامعة، وغير ذلك. انتهى (١).
وقوله: (الَّذِي) صفة لحديث (رَوَى لَنَا) ببناء الفعل للفاعل، ومفعوله محذوف: أي رواه. وقوله: (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْل) بالرفع على الفاعليّة لروى. وهو النضر بن شُميل المازنيّ، أبو الحسن النحويّ الثقة الحافظ البصريّ، نزيل مرو، وقد تقدّم في ٤/ ٣٧.
(قَالَ) أي أبو داود الطيالسيّ (لِيَ: اسْكُتْ) أي عن سؤالك هذا، ثم علّل أمره بالسكوت بقوله (فَأَنَا لَقِيتُ) بكسر القاف، من باب تَعِب (زِيَادَ بْنَ مَيْمُونٍ) بالنصب على المفعوليّة للقيت. وقوله: (وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بالرفع عطفًا على الضمير المرفوع في "لقيت"؛ لوجود الفاصل بالمفعول به، إذ لا يُشترط أن يكون الفصل بالضمير المنفصل، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ ... عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وِبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ ... فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
ويحتمل أن يكون "عبد الرحمن بن مهديّ" منصوبًا على أنه مفعول معه، كما قال في "الخلاصة" أيضًا:
يُنْصَبُ تَالِي الْوَاوِ مَفْعُولًا مَعَهْ ... فِي نَحْوِ سِيرِي وَالطَّرِيقَ مُسْرِعَهْ
بِمَا مِنَ الْفِعْلِ وِشِبْهِهِ سَبَقْ ... ذَا النَّصْبُ لَا بِالْوَاوِ فِي الْقَولِ الأَحَقّ
(فَسَأَلْنَاهُ) وقوله: (فَقُلْنَا لَهُ) تفسير للسؤال، وقوله: (هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَرْوِيهَا عَنْ أَنَسٍ ﵁)، اسم الإشارة مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة السياق عليه: أي أسمعتها منه؟ (فَقَالَ) أي زياد (أَرَأَيْتُمَا) أي أخبراني، وقد تقدّم البحث عن "أرأيت"، وأخواتها قريبًا، فلا تنس (رَجُلًا يُذْنِبُ) بضم أوله من الإذناب (فَيَتُوبُ) أي عن ذنبه (أَلَيْسَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ؟ ) أي أي ليس يقبل الله توبته؟ (قَالَ) أبو داود الطيالسيّ (قُلْنَا) أي قلت أنا وعبد الرحمن بن مهديّ (نَعَمْ) أي يقبل الله تعالى منه توبته (قَالَ) زياد (مَا سَمِعْتُ مِنْ أَنَسٍ) ((مِنْ ذَا) أي مما أرويه عن أنس ﵁ (قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا)، (إِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ النَّاسُ) أي العوامّ الذين ليس لهم عناية بالرواية ورواتها (فَأَنْتُمَا لَا تَعْلَمَانِ) بتقدير همزة الاستفهام: أي أفأنتما لا تعلمان. ويحتمل أن تكون "لا" زائدة، ومعناه: فأنتما تعلمان، والأول أقرب. (أَنِّي) بفتح الهمزة لكونها سدّت مسدّ مفعولي "تعلمان" (لَمْ
стр. 770
أَلْقَ) بفتح الهمزة، والقاف، بينهما لام ساكنة، اللقاء (أَنَسًا) ﵁.
والمعنى أنه لم يلق أنس بن مالك ﵁، فضلًا عن سماع تلك الأحاديث منه، وإنما يرويها عنه كذبًا (قَالَ أَبُو دَاوُدَ) الطيالسيّ (فَبَلَغَنَا بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد أن إعلانه بالتوبة (أَنَّهُ يَرْوِي) أي عن أنس ﵁ (فَأَتَيْنَاهُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) هكذا النسخ: "فأتيناه" بنون الجمع، والظاهر أن "أنا" بدل من الضمير الفاعل، أو عطف بيان له، و"عبد الرحمن" بالرفع عطف عليه. والله تعالى أعلم بالصواب.
(فَقَالَ: أَتُوبُ) أي أرجع إلى الله تعالى من الكذب على أنس ﵁ (ثُمَّ كَانَ بَعْدُ) بالضم أيضًا، كما سبق توجيهه (يُحَدِّثُ) أي عن أنس ﵁ (فَتَرَكْنَاهُ) أي تركنا الإتيان إليه؛ لعدم قبوله النصح، لتماديه على غيّه. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ظاهر صنيع أبي داود الطيالسيّ، وعبد الرحمن بن مهديّ في مراجعة زياد ابن ميمون، واعترافهما بقبول توبته، دليلٌ على أن مذهبهما قبول توبة الكاذب في الحديث النبويّ، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، مع اتفاقهم في قبول توبة الفاسق بغير الكذب فيه، وقد سبق تحقيقه في المسائل المذكورة في شرح حديث: "لا تكذبوا عليّ ... " الحديث، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٨٣ - (حَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ شَبَابَةَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ يُحَدِّثُنَا، فَيَقُولُ: سُوَيْدُ بْنُ عَقَلَةَ، قَالَ شَبَابَةُ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْقُدُّوسِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَنْ يُتَّخَذَ الرَّوْحُ عَرْضًا، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟ قَالَ: يَعْنِي تُتَّخَذُ كَوَّةٌ فِي حَائِطٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ الرَّوْحُ).
رجال هذا الإسناد: اثنان:
١ - (حسن الحلوانيّ) هو ابن عليّ الحافظ نزيل مكة، تقدّم في ٣/ ٢٢.
٢ - (شبابة) بن سَوّار المدائنيّ، تقدّم في ٤/ ٣٨. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن حسن بن عليّ الحلوانيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ شَبَابَةَ) بن سوّار (قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ) بن حبيب الكلاعي الشامي الدمشقي، تقدّمت ترجمته عند ذكر المصنّف الرواة المتّهمين (يُحَدِّثُنَا، فَيَقُولُ: سُوَيْدُ) بصيغة التصغير (ابْنُ عَقَلَةَ) بعين مهملة مفتوحة، وقاف مفتوحة، وهو تصحيف من عبد القدّوس، والصواب سُويد بن غَفَلَة -بغين معجمة، وفاء مفتوحتين-.
стр. 771
وسويد بن غَفَلَة هذا: هو سُويد بن غَفَلة بن عَوْسَجة بن عامر بن وداع بن معاوية ابن الحارث بن مالك بن عوف بن سعد بن عوف بن خُرَيم بن جُعْفِيّ بن سعد العشيرة، أبو أمية الجعفي الكوفي، أدرك الجاهلية، وقد قيل: إنه صلى مع النبي ﷺ ، ولا يصح. وقيل: قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفن رسول الله ﷺ ، وهذا أصح، وشهد فتح اليرموك. وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، وخيثمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وغيرهم. قال ابن معين، والعجلي: ثقة. وقال علي بن المديني: دخلت بيت أحمد بن حنبل، فما شَبّهت بيته إلا بما وُصِف من بيت سويد بن غفلة، من زهده، وتواضعه. وقال علي والد الحسين الجعفي: كان سويد بن غفلة يؤمنا في شهر رمضان في القيام، وقد أَتَى عليه عشرون ومائة سنة. وقال نعيم بن ميسرة، عن رجل، عن سويد بن غفلة قال: أنا لِدَةُ رسول الله ﷺ . وقال أبو نعيم: مات سنة (٨٠). وقال أبو عبيد القاسم بن سلام، وغير واحد: مات سنة إحدى وثمانين. وقال عمرو بن علي وغيره: سنة (٨٢). وقال عاصم بن كليب: بلغ ثلاثين ومائة سنة. قال الحافظ: إن صح أنه لِدَة رسول الله ﷺ ، فقد جاوزها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا لا يصحّ؛ لأن في سنده مجهولًا. والله تعالى أعلم.
وذكره ابن قانع في الصحابة، وروى له حديثا في إسناده ضعف. وقال في "التقريب": مُخَضْرَمٌ، من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دُفن النبيّ ﷺ ، وكان مسلمًا في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة ثمانين، وله مائة وثلاثون سنة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" أربعة أحاديث، برقم ١٠٦٦ حديث عليّ ﵁: "سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان ... " الحديث. و ١٢٧١ حديث عمر بن الخطاب ﵁: "قبّل الحجر، والتزمه ... " الحديث. و ١٧٢٣ حديث أبيّ بن كعب ﵁: "عرِّفها حولًا، قال: فعرّفتها ... " الحديث. و ٢٠٦٩ حديث عمر ﵁ أيضًا: "نهى نبيّ الله (عن لبس الحرير إلا ... " الحديث.
(قَالَ شَبَابَةُ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْقُدُّوسِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَنْ يُتَّخَذَ) بالبناء للمفعول (الرَّوْحُ) بفتح الراء، وسكون الواو (عَرْضًا) بفتح العين المهملة، وسكون الراء، آخره ضاد معجمة، هكذا صحّفه عبد القدّوس، والصواب: "أن يُتّخذ الرّوح غَرَضًا": أي يُتخذ الحيوان الذي فيه الروح هدفًا للرمي (قَالَ) شبابة (فَقِيلَ لَهُ) أي لعبد القدّوس (أَيُّ شَيْءٍ هَذَا؟ ) مبتدأ وخبر، و"أيّ" استفهاميّة: أي ما معنى هذا الكلام؟ (قَالَ) عبد القدّوس (يَعْنِي تُتَّخَذُ كَوَّةٌ) بفتح الكاف على اللغة المشهورة، قال صاحب
стр. 772
"المطالع": وحُكي فيها الضمّ. (فِي حَائِطٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ الرَّوْحُ) بفتح، فسكون: أي النسيم.
قال النوويّ رحمه اللهُ تعالى: المراد بهذا المذكور بيانُ تصحيف عبد القدوس، وغباوته، واختلال ضبطه، وحصول الوهم في إسناده ومتنه، فأما الإسناد، فإنه قال: سُوَيد بن عقلة -بالعين المهملة، والقاف- وهو تصحيف ظاهر، وخطأ بَيِّنٌ، وإنما هو غَفَلة - بالغين المعجمة، والفاء المفتوحتين-. وأما المتن فقال: الرَّوْح -بفتح الراء- وعَرْضا -بالعين المهملة، وإسكان الراء- وهو تصحيف قبيح، وخطأ صريح، وصوابه "الرُّوح" -بضم الراء- و"غَرَضًا" -بالغين المعجمة، والراء المفتوحتين- ومعناه: نَهَى أن نَتَّخِذ الحيوان الذي فيه الروح غرضًا: أي هَدَفًا للرمي، فيرمى إليه بالنشاب وشبهه (١). والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: حديث النهي عن اتخاذ الرُّوح غَرَضًا أخرجه مسلم رحمه اللهُ تعالى في "كتاب الصيد والذبائح" من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "لا تتخذوا شيئا فيه الرُّوح غَرَضًا". وأخرج أيضًا من حديث أنس ﵁ قال: "نهى رسول ﷺ أن تُصْبَرَ البهائم". ومن حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: "إن رسول الله ﷺ ، لَعَنَ مَنِ اتخذ شيئا فيه الرُّوح غرضًا.
ومعنى: "لا تتّخذوا شيئًا فيه الروح غرضًا": أي لا تتّخذوا الحيوان الحيَّ غَرَضًا ترمون إليه كالغرض من الجلود وغيرها. ومعنى: أن تُصْبَرَ البهائم: أي أن تُحبس، وهي حيّةٌ، لتُقتَلَ بالرمي ونحوه.
وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يدلّ على أن هذا النهي للتحريم، حيث قال: "لَعَنَ رسولُ الله ﷺ من اتّخذ الخ"، ؛ لأن اللعن لا يكون إلا على فعل محرّم، ولأنه تعذيب للحيوان، وإتلافٌ لنفسه، وتضييع لماليّته، وتفويتٌ لذكاته، إن كان مُذَكّى، ولمنفعته إن لم يكن مما يُذكّى (٢).
وقال القاضي عياضٌ رحمه اللهُ تعالى: ولم يختلف العلماء في منع أكل المصبورة، وأنها غير ذكيّة. وفائدة الحديث النهي عن قتل الحيوان لغير منفعة، والعبث بقتله. وقال الطبريّ: فيه دليلٌ على منع قتل ما أُحلّ أكله من الحيوان ما وُجد إلى تذكيته سبيل. ثم فيه فساد المال. انتهى (٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 773
قال المصنف رحمه الله تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٨٤ - (قَالَ مُسْلِمٌ: وَسَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عْمَرَ الْقَوَرِيرِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَمَا جَلَسَ مَهْدِيُّ بْنُ هِلَالٍ بِأَيَّامٍ: مَا هَذِهِ الْعَيْنُ الْمَالِحَةُ الَّتِي نَبَعَتْ قِبَلَكُمْ؟ قال: نَعَمْ يَا أَبَاء إِسْمَاعِيلَ)
(قَالَ مسْلِم) أي ابن الحجّاج، صاحب الكتاب رحمه اللهُ تعالى، والظاهر أنه من كلام الراوي عنه، ويحتمل أن يكون من كلامه نفسِهِ (وسَمِعْت عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيَّ) الثقة الثبت البصريّ، نزيل بغداد، المتقدّم في ٤/ ٧٢ (يَقُولُ سَمِعْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ) المتقدّم في ٣/ ٢٤ (يَقُولُ لِرَجُلٍ بَعْدَمَا جَلَسَ مَهْدِيُّ بْنُ هِلَالٍ) أبو عبد الله البصري، روى عن يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، ويونس بن عبيد. وروى عنه ابنه محمد، وحمدان بن عمر، وجماعة. كذّبه يحيى بن سعيد، وابن معين. وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال يحيى بن معين أيضا: صاحب بدعة، يضع الحديث. وساق ابن عدي له أحاديث، وقال عامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال ابن المديني: كان يتهم بالكذب. وقال يحيى بن معين أيضا: ومن المعروفين بالكذب، ووضع الحديث مهدي بن هلال. وقال ابن عدي أيضا: ليس على حديثه ضوء، ولا نور؛ لأنه كان يدعو الناس إلى بدعته. وقال أبو نعيم الأصبهاني: كذبه أحمد بن حنبل. وقال أبو داود في "سؤالات أبي عبيد"، والنسائي في "التمييز": كذاب. وقال العجلي: متروك الحديث، قَدَرِيّ، وليس هو أخا معلى بن هلال. وقال الساجي: كان قدريا من الدعاة. وليس هو من رجال الكتب الستّة (١). والله تعالى أعلم.
(بِأَيَّامٍ) متعلّق بـ"قال" (مَا هَذِهِ) "ما" استفهاميّة مبتدأ، خبره اسم الإشارة، ويجوز العكس (الْعَيْنُ) نعتٌ، أو بدل، أو عطف بيان لاسم الإشارة، كما قيل:
مُعَرَّفٌ بَعْدَ إِشَارَةٍ بـ"أل" ... يُعْرَبُ نَعْتًا أَوْ بَيَانًا أَوْ بَدَلْ
و"العين" تطلق على معان كثيرة، أوصلها في "القاموس" (٢) إلى سبعة وأربعين معنًى، وذكر الشارح أنها تزيد على المائة، والمناسب هنا هو يَنْبُوع الماء، ويُجمع على أعيُن، وعُيُون.
وقوله: (الْمَالِحَةُ) صفة للعين، وهي من أمْلَح الماءُ: ضدّ عَذُب، وهي من النوادر، وكنى بقوله: "العين المالحة" عن ضعف مهديّ هذا، وجرحه، شبَّههُ بماء العين
стр. 774
المالحة، والجامع بينهما عدم النفع، بل حصول الضرر لمن يتناوله، فكما أن الماء المالح لا يحصل به الغرض، من الرِّيّ، وزوال العطش، كذلك حديث مهديّ بن هلال لا يحصل به النفع، بل يكون ضررًا لسامعه؛ لأنه ربما عمل به، وهو غير صالح للعمل به، فيحصل له الضرر في دينه، كما يحصل الضرر في بدن من يشرب المالح من الماء. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أشرت آنفًا إلى أن "المالحة" من النوادر، وذلك لمخالفته قواعد اسم الفاعل؛ لأنه إما أن يكون من مَلُح ككرُم، كما هو لغة أهل العالية، فاسم فاعله مَلِحٌ، بفتح، فكسر، وإما أن يكون من أملح، كما هو لغة أهل الحجاز، فاسم فاعله مُمْلِح، كمُفْلِحٍ.
قال الفيّوميّ رحمه اللهُ تعالى في كتابه النافع "المصباح المنير": مَلُحَ الماء ملوحةً، هذه لغة أهل العالية، والفاعل منها مَلِحٌ -بفتح الميم، وكسر اللام- مثلُ خَشُنَ خُشُونةً، فهو خَشِنٌ، هذا هو الأصل في اسم الفاعل، وبه قرأ طلحة بن مصرّف: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣]، لكن لما كثر استعماله، خُفّف، واقتُصِر في الاستعمال عليه، فقيل: "مِلْحٌ" -بكسر الميم، وسكون اللام-. وأهل الحجاز يقولون: أملح الماء إملاحًا، والفاعل مالحٌ، التي جاءت على غير قياس، نحوُ أبقل الموضع، فهو باقلٌ، وأغضى الليل، فهو غاضٍ. وأنشد ابن فارس [من الرجز]:
صَبَّحْنَ قَوًّا وَالْحِمَامُ وَاقِعٌ ... وَمَاءُ قَوٍّ مَالِحٌ وَنَاقِعٌ
ونقله أيضًا عن ابن الأعرابيّ. وأنشد بعضهم لعمر بن أبي ربيعة [من الطويل]:
وَلَوْ تَفَلَتْ فِي الْبَحْرِ وَالْبَحْرُ مَالِحٌ ... لأَصْبَحَ مَاءُ الْبَحْرِ مِنْ رِيقِهَا عَذْبَا
ونقل الأزهريّ اختلاف الناس في جواز "مالح"، ثم قال: يقال: ماءٌ مالحٌ، ومِلْحٌ أيضًا. وفي نسخة من "التهذيب": قلت: وقال في "المجرّد": ماءٌ مالحٌ، ومِلْحٌ بمعنًى. وقال ابن السّيدِ في "مثلَث اللغة": ماءٌ مِلْحٌ، ولا يقال: مالحٌ في قول أكثر أهل اللغة. وعبارة المتقدّمين فيه: وماءٌ مالح قليلٌ، ويعنون بقلّته كونه لم يجىء على فعله، فلم يَهتد بعض المتأخّرين إلى مَغْزلهم، وحملوا القلّة على الشهرة والثبوت، وليس كذلك، بل هي محمولة على جريانه على فعله، كيف، وقد نُقل أنها لغة حجازيّةٌ، وصرَّح أهل اللغة بأن أهل الحجاز كانوا يختارون من اللغات أفصحها، ومن الألفاظ أعذبها، فيستعملونه، ولهذا سبحانه تعالى نزل القرآن بلغتهم، وكان منهم أفصح العرب -يعني النبيّ ﷺ ، وما ثبت أنه من لغتهم لا يجوز القول بعدم فصاحته. وقد قالوا في
стр. 775
الفعل: مَلَحَ الماء مُلُوحًا، من باب قعد، وقياس هذا مالحٌ، فعلى هذا هو جارٍ على القياس. انتهى كلام الفيّوميّ بزيادة يسيرة من "اللسان" (١).
(الَّتِي نَبَعَتْ) -بفتح الموحّدة، يقال: نَبَع الماء نُبُوعًا، من باب قعد، ونَبَع نَبْعًا، من باب نَفَع لغة: خرج من العين. قاله الفيّوميّ (قِبَلَكُمْ) - بكسر القاف، وفتح الموحّدة، وزانُ عِنَب: أي جهتكم (قَالَ) ذلك الرجل (نَعَمْ يَا أَبَا إِسْمَعِيلَ) كنية حمّاد بن زيد، والمراد أن ذلك الرجل وافق حمّادًا على جرح مهديّ بن هلال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال المصنف رحمه اللهُ تعالى بالسند المتصل إليه أول الكتاب:
٨٥ - (وحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ، قَالَ: مَا بَلَغَني عَنِ الْحَسَنِ حَدِيثٌ، إِلَّا أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَرَأَهُ عَلَيَّ).
رجال هذا الإسناد: اثنان:
١ - (الحسن الحلوانيّ) المذكور قبل سند.
٢ - (عفّان) بن مسلم الصفّار البصريّ الحافظ المتقدّم في ٤/ ٤٢. والله تعالى أعلم.
شرح الأثر:
عن الحسن الحلوانيّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَفَّانَ) بن مسلم (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الحافظ المتقدّم في ١/ ٥ (قَالَ: مَا بَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ) البصريّ، تقدّمت ترجمته (حَدِيثٌ، إِلَّا أَتَيْتُ بِهِ أَبَانَ) يجوز صرفه، وعدمه، والصرف أجود (ابْنَ أَبِي عَيَّاشٍ) واسمه فيروز، أبو إسماعيل، مولى عبد القيس البصري، ويقال: دينار. روى عن أنس فأكثر، وسعيد بن جبير، وخليد بن عبد الله الْعَصَرِيّ، وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق الفزاري، وعمران القطان، ويزيد بن هارون، ومعمر، وغيرهم. قال الفلاس: متروك الحديث، وهو رجل صالح، يكنى أبا إسماعيل، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال البخاري: كان شعبة سيء الرأي فيه. وقال عباد المهلبي: أتيت شعبة أنا وحماد بن زيد فكلمناه في أبان، أن يُمسِك عنه فأمسك، ثم لقيته بعد ذلك. فقال: ما أُراني يسعني السكوت عنه. وقال أحمد بن حنبل: متروك الحديث، ترك الناس حديثه منذ دهر. وقال أيضا: لا يكتب عنه، قيل: كان له هَوىً، قال: كان منكر الحديث، كان وكيع إذا أتى على حديثه