← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148896

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (1 071 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

عرفت أن أدلّته الأخرى التي أوردها كلها مخدوشة، فلا ينفعه هذا الواحد، فتأمّل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بحديث جابر ﵁ هذا: (المسألة الأولى): في تخريجه: أما رواية سفيان بن عيينة، فقد أخرجها (الحميديّ) في "مسنده" (١٢٥٤) و (الشافعيّ) في "الأم" ٢/ ١٧٢ و (ابن أبي شيبة) في "مصنفه" ٨/ ٢٥٦ و (عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٨٧٣٤) والترمذيّ في "جامعه" في "الأطعمة" (١٧٩٣)، و (النسائيّ) في "الكبرى" ٣/ ١٥٩ و (ابن حبان) في "صحيحه" (٥٢٦٨) و (الدارقطنيّ) في "سننه" ٤/ ٢٨٩ و (البيهقيّ) في "المعرفة" ١٤/ ٩٥. وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح، ورواه حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ، عن جابر، ورواية ابن عيينة أصحّ، وسمعت محمدًا -يعني البخاريّ- يقول: سفيان أحفظ من حماد بن زيد. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت أن الأرجح رواية حماد، ولذا أخرجها البخاريّ في "صحيحه"، فنقل الترمذي عنه قوله: سفيان أحفظ من حماد بن زيد لا يستلزم ترجيحه في هذه الرواية، كما يدلّ على ذلك عمله في "صحيحه". فتفطّن. والله تعالى أعلم. وأما رواية حماد بن زيد فأخرجها (البخاريّ) في "صحيحه" في "المغازي" (٤٢١٩) وفي "الذبائح" (٥٥٢٠) و (٥٥٢٤) و (مسلم) في "الصيد" (١٩٤١) و (أبو داود) في "سننه" (٣٧٨٨) و (النسائيّ) في "الصيد" ٧/ ٢٠١ و (الطحاويّ) ٤/ ٢٠٤ و (ابن الجارود) (٨٨٥) و"البيهقيّ" في "الكبرى" ٩/ ٣٢٦ - ٣٢٧ و"البغويّ" في "شرح السنة" (٢٨١٠). والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في أكل لحوم الخيل: ذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أن أكلها مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد الله بن الزبير، وفَضَالة بن عُبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسُوَيد بن غَفَلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشُريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وحماد بن أبي سليمان، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وداود الظاهريّ، وجماهير المحدثين، وغيرهم. وكرهها طائفة منهم: ابن عباس، والحَكَم، ومالك، وأبو حنيفة، قال أبو حنيفة: يأثم بأكله، ولا يُسَمَّى حرامًا.

стр. 947

واحتج هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية [النحل: ٨]، ولم يذكر الأكل، وذَكَرَ الأكل من الأنعام في الآية التي قبلها، وبحديث صالح بن يحيى بن المقدم، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد: "نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الخيل والبغال والحمير، وكلِّ ذي ناب"، رواه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من رواية بقيّة بن الوليد، عن صالح بن يحيى، وقد اتفق العلماء، من أئمة الحديث وغيرهم، على أنه حديث ضعيف، وقال بعضهم: هو منسوخ، رَوَى الدارقطنيّ، والبيهقيّ بإسنادهما عن موسى بن هارون الحمال -بالحاء- الحافظ قال: هذا حديث ضعيف، قال: ولا يعرف صالح بن يحيى، ولا أبوه. وقال البخاريّ: هذا الحديث فيه نظر. وقال البيقهيّ: هذا إسناد مضطرب. وقال الخطابيّ: في إسناده نظر. قال: وصالح بن يحيى، عن أبيه، عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض. وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ. وقال النسائيّ: حديث الإباحة أصح، قال: ويشبه إن كان هذا صحيحًا أن يكون منسوخًا. واحتج الجمهور بأحاديث الإباحة التي ذكرها مسلم وغيره، وهي صحيحة صريحة، وبأحاديث أُخَر صحيحةٍ، جاءت بالإباحة، ولم يثبت في النهي حديث، وأما الآية فأجابوا عنها بأن ذِكْرَ الركوب والزينة لا يدل على أنّ منفعتهما مختصة بذلك، فإنما خُصَّ هذان بالذكر؛ لأنهما معظم المقصود من الخيل، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فذَكَرَ اللحم؛ لأنه أعظم المقصود، وقد أجمع المسلمون على تحريم شحمه، ودمه، وسائر أجزائه، قالوا: ولهذا سكت عن ذكر حَمْل الأثقال على الخيل، مع قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ الآية [النحل: ٧]، ولم يَلزَم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل. قاله النوويّ في "شرحه" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من إباحة أكل لحوم الخيل هو الصواب؛ لوضوح أدلّته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أكل لحوم الحمر الأهليّة: ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم إلى تحريم لحومها للأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك، كحديث عليّ ﵁: "إن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسيّة"، وحديث أبي ثعلبة الخُشَنيّ ﵁: "حرّم

стр. 948

رسول الله ﷺ لحوم الحمر الأهليّة". وحديث ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهليّة". وفي روايات أنه ﷺ وجد القُدُور تَغْلِي، فأمر بإراقتها، وقال: "لا تأكلوا من لحومها شيئًا"، وفي رواية: "نُهينا عن لحوم الحمر الأهلية"، وفي رواية أن النبيّ ﷺ قال: "أهريقوها، واكسروها"، فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها؟ قال: "أو ذاك"، وفي رواية: نادى منادي النبيّ ﷺ : "ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عنها، فانها رجس من عمل الشيطان"، وفي رواية: "ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس، أو نجس"، فأُكفئت القدور بما فيها. وكل هذه الأحاديث في "صحيح مسلم"، وغيره. وقال ابن عباس ﵄: ليست بحرام، وعن مالك ثلاث روايات: أشهرها أنها مكروهة كراهية تنزيه شديدة، والثانية: حرام، والثالثة مباحة. قال النوويّ: والصواب التحريم، كما قاله الجماهير؛ للأحاديث الصريحة. وأما الحديث المذكور في "سنن أبي داود" عن غالب بن أبجر قال: أصابتنا سَنَةٌ، فلم يكن في مالي شيء أُطعم أهلي إلا شيء من حُمُر، وقد كان رسول الله ﷺ حَرَّم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبيّ ﷺ ، فقلت: يا رسول الله أصابتنا السَّنَةُ، فلم يكن في مالي ما أُطعم أهلي إلا سِمَان حُمُر، وإنك حَرَّمتَ لحوم الحمر الأهلية، فقال: "أطعم أهلك من سَمِين حُمُرك، فإنما حرمتها من أجل جَوّال القرية"، يعني بالْجَوّال التي تأكل الْجَلَّة، وهي الْعَذِرة، فهذا الحديث مضطرب، مختلف الإسناد، شديد الاختلاف، ولو صَحَّ لحُمِل على الأكل منها في حال الاضطرار. انتهى كلام النوويّ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من تحريم أكل لحوم الحمر الأهليّة هو الحقّ للأحاديث الصحيحة الكثيرة التي مرّ ذكر بعضها، وليس عند من أباحها دليلٌ صحيح يصلح للاعتماد عليه، وعلى تقدير صحته يُحمل على حالة الاضطرار. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال رحمه الله تعالى: (وَهَذَا النَّحْوُ فِي الرِّوَايَاتِ كَثِيرٌ، يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا كِفَايَةٌ لِذَوِي الْفَهْمِ). (وَهَذَا النَّحْوُ) بالرفع على الابتداء، وخبره "كثير"، وقد ذُكر للنحو في كتب اللغة

стр. 949

عدّة معان، قال في "القاموس": "النحو": الطريق، والجهة، جمعه أنحاء، ونُحُوٌّ، والقصد، يكون ظرفًا، واسمًا، ومنه نحو العربيّة، وجمعه نُحُوّ، كعُتُلّ، ونُحِيّةٌ، كدَلْوٍ ودُلِيّةٍ. انتهى. وزاد الشارع: المثل، والنوع، والمقدار، والقسم، قالوا: هو على ثلاثة أنحاء. انتهى. وقد نظم بعضهم معاني النحو المذكورة، فقال: لِلنَّحْوِ سَبْعُ مَعَانٍ قَدْ أَتَتْ لُغَةً ... جَمَعْتُهَا ضِمْنَ بَيْتٍ مُفْرَدٍ كَمَلَا قَصْدٌ وَمِثْلٌ وَمِقْدَارٌ وَنَاحِيَةٌ ... نَوْعٌ وَبَعْضٌ وَحَرْفٌ فَاحْفَظِ الْمُثُلَا (١) والمناسب هنا من هذه المعاني هو النوع، أي وهذا النوع. والله تعالى أعلم. وقوله: (فِي الرِّوَايَاتِ) متعلّق بـ (كَثِيرٌ) وقوله: (يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ) جملة في محلّ رفع صفة لـ"كثير"، والتعداد بالفتح مصدر عدّه، يقال: عدّ الشيءَ يعُدّ عَدّا، وتَعْدادًا: إذا أحصاه. أفاده في "اللسان" (وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهَا) أي من الروايات (كِفَايَةٌ لِذَوِي الْفَهْمِ) أي لصاحب الفهم الكامل، فأل" للكمال، و"الفهم" أخصّ من العلم، قال في "القاموس": فَهِمَه كفرحِ فَهْمًا، ويُحرَّك، وهي أفصح، وفَهَامة -بالفتح- ويُكسر، وفَهَامِيَةً كعَلانيَةٍ: عَلِمه وعَرَفه بالقلب انتهى. قال الشارح: فيه إشارة إلى الفرق بين الفهم والعلم، فإن العلم مطلق الإدراك، والفهم سُرْعة انتقال النفس من الأمور الخارجيّة إلى غيرها، وقيل: تصوّر المعنى من اللفظ، وقيل: هيئة للنفس يَتحقَّق بها ما يُحسّن. انتهى (٢). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال رحمه الله تعالى: (فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، فِي فَسَادِ الْحَدِيثِ وَتَوْهِينِهِ، إِذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّاوِيَ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا إِمْكَانَ الْإِرْسَالَ فِيهِ، لَزِمَهُ تَرْكُ الِاحْتِجَاجِ فِي قِيَادِ قَوْلِهِ، بِرِوَايَةِ مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ، إِلَّا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ؛ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ عَنِ الْأَئِمَّةِ الّذِينَ نَقَلُوا الْأَخْبَارَ، أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ، يُرْسِلُونَ فِيهَا الْحَدِيثَ إِرْسَالًا، وَلَا يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ، وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ فِيهَا، فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ عَلَى هَيْئَةِ مَا سَمِعُوا، فَيُخْبِرُونَ بالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا، وَبِالصُّعُودِ إِنْ صَعِدُوا، كَمَا شَرَحْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الْأَخْبَارَ، وَيَتَفَقَّدُ صِحَّةَ الْأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا، مِثْلَ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَمَالِكِ بْنِ

стр. 950

أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، فَتَّشُوِا عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ فِي الْأَسَانِيدِ، كَمَا ادَّعَاهُ الَّذِي وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ، إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الْحَدِيثِ، وَشُهِرَ بهِ، فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ، وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ كَيْ تَنْزَاحَ عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلَيسِ، فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَلِّسٍ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ، فَمَا سَمِعْنَا ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّيْنَا وَلَمْ نُسَمِّ مِنَ الْأَئِمَّةِ). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة: بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى بهذا الكلام أنه إذا كان السبب عند هذا المنتحل المخترع في ردّه الحديث المعنعن إذا لم يُعلَم سماع المعنعِنِ للمعَنعَن عنه إمكان الانقطاع في ذلك الحديث لزمه بمقتضى رأيه هذا أن لا يقبل حديثا معنعنًا ولو كان يُعلم سماع المعَنعِن للمعنعن عنه، إلا في نفس الحديث الذي صرّح فيه بالسماع؛ لما سبق لنا من أن أئمة الحديث أحيانًا يَحذفون الواسطة، ويذكرون السند منقطعًا، وأحيانًا يذكرون الواسطة، فيُسندون الخبر على الصفة التي نقلوه بها عن مشايخهم، وذلك حسب توفّر نشاطهم، وعدمه، وما علمنا أحدًا من أئمة السلف الذين يتفقّدون صحة الأسانيد، وضعفها، مثل الأئمة الذين ذكرهم أنهم فتّشوا عن موضع السماع على الإطلاق كما ادّعاه المخترع المذكور، وإنما يفتّشون عنه إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس، فيبحثون عند ذلك عن تصريحه بالسماع؛ لتزول عنهم علة التدليس. هذا خلاصة ما أشار إليه رَحِمَهُ اللهُ تعالى. وناقشه العلّامة ابن رُشيد رحمهما الله تعالى، فقال -بعد أن ساق كلام المصنّف المذكور-: ما نصّه: ثم قلت رحمك الله: وهذا النحو في الروايات كثير يكثر تعداده، وفيما ذكرنا منها كفاية لذوي الفهم ... ثم ساق عبارة المصنّف السابقة برمّتها إلى قوله: "عن أحد ممن سمينا، ولم نسمّ من الأئمة"، ثم قال: انتهى كلامه محتويا على ثلاثة فصول: (الأول): سؤال النقض بإلزام التنصيص على السماع في كلّ حديث حديث، وقد تقصينا الكلام فيه قبلُ، وتقصينا عن عهدته بما أغنى عن الإعادة. (الثاني): الحكم أيضًا على هؤلاء الأئمة الذين نقصوا من الإسناد رجلًا أو أكثر أنهم أرسلوا؛ لأنهم غير مدلسين، وهذا يقتضي أن كثيرًا من الأسانيد المعنعنة مرسلة. (الثالث): أنهم إنما كان تَفَقُّدُ من تَفَقَّد منهم سماعَ رواية الحديث ممن رَوَى عنهم إذا كان الراوي ممن عُرِف بالتدليس.

стр. 951

وهذان الفصلان مشكلان، فإنك قلت: إنهم يرسلون كثيرًا، وأن هذا في الروايات كثير يكثر تعداده (١). وقلت: إن المعنعن يُحمَل على الاتصال حتى يتبين الانفصال (٢)، وذلك ببادىء الرأي متناقض. وقد كنتُ أَرَى قديمًا إبّان كنت مُقَلّدًا لك في دعوى الإجماع في أن "عن" محمولة على الاتصال ممن ثبتت معاصرته لمن رَوَى عنه أَنَّ مَنْ عنعن عمن سمع منه ما لم يَسمع مدلس، وكنتُ أرى أن دليلك على صحة مذهبك إنما ينتهض بهذا، وأُوافق في ذلك الإمام أبا عمرو بن الصلاح، حيث احتج لصحة هذا المذهب بأنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقه الرواية عنه من غير ذكر الواسطة بينه وبينه مدلسا (٣)، وكان ذلك عندي دليلًا راجحًا. وأُضيفُ إلى ذلك ما استدل به أيضا الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر، حيث قال: ومن الدليل على أن "عن" محمولة عند أهل العلم بالحديث على الاتصال حتى يتبين الانقطاع فيها، ما حكاه أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل، أنه سئل عن حديث المغيرة ابن شعبة ﵁: "أن النبيّ ﷺ مَسَحَ أعلى الخف وأسفله"، فقال: هذا الحديث ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي، فقال: عن ابن المبارك أنه قال: عن ثور: حُدِّثتُ عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، وليس فيه المغيرة، قال أحمد: وأما الوليد فزاد: "عن المغيرة"، وجعله ثور عن رجاء، ولم يسمعه ثور من رجاء؛ لأن ابن المبارك قال فيه: عن ثور: حُدِّثتُ عن رجاء، قال أبو عمر بن عبد البر: إلا ترى أن أحمد بن حنبل عاب على الوليد بن مسلم قوله: "عن" في منقطع لِيُدخِله في الاتصال، قال: فهذا بيان أن "عن" ظاهرها الاتصال، حتى يثبت فيها غير ذلك، قال: ومثل هذا عن العلماء كثير. قال ابن رُشيد: وهذا الدليل الذي استدل به أبو عمر بن عبد البر كما تراه في غاية الضعف، فإنه استدلال بمسألة جزئية، والوليد بن مسلم معروف بالتدليس، بل

стр. 952

بالتسوية، وهي شَرُّ أنواع التدليس، فَعَتَبَ أحمدُ على الوليد لِمَا عُرِف منه. وكأن أبا عمرو بن الصلاح إنما انتزع دليله من هذا، ولكن أَتَى به كُلّيّا، فكان أنهض شيئًا. فلما تتبعتُ أيها الإمام كلامك، وتبينت ما ذكرتَ فيه عن الأئمة الماضين، من أنهم يرسلون كثيرًا بلفظ العنعنة، وليسوا مدلسين، انتقض عليَّ ذلك الدليلُ، وضَعُفَ استدلالك أيها الإمام بمجرد العنعنة من المعاصر، فاحتجتُ إلى أن أزيد في ذلك قيدَ اللقاء أو السماع في الجملة، إذ لا أقلّ منه، وأن أَشتَرِط في حد التدليس ما قدمتُهُ من أَنْ يُعنعِن عمن سَمِعَ ما لم يَسْمَع موهمًا أنه سمعه، ولا يَفعَل ذلك حيث يوهم، ولولا ما فَهِمَ العلماء ذلك من قوم جِلَّةٍ ما عَدُّوهم مدلسين، وعَدُّوا مثلهم في الرتبة أو دونهم مرسلين، كما اقتضاه كلامك هنا، على أنك استعملت الإرسال استعمالَ الفقهاء، بمعنى ما ليس بمتصل، والمعروف من عرف المحدثين، هو ما أرسله التابعي عن رسول الله ﷺ مسقطًا ذكر الصحابي. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: استعمال الإمام مسلم ﵀ الإرسال لمطلق الانقطاع هو الذي عليه أئمة الحديث، فمن تتبَّع "سنن أبي داود"، و"سنن النسائي" يجد ذلك بكثرة، بل لا يكادان يستعملان في المنقطع غير لفظ الإرسال، وكذلك كتب المراسيل، كـ"مراسيل أبي داود"، وابن أبي حاتم، وغيرهما، فقول ابن رُشيد: والمعروف الخ محلّ نظر، فتأمّل بإنصاف، وسنعود إلى إتمام هذا البحث في المسائل الآتية آخر شرح المقدّمة، إن شاء الله تعالى. قال ابن رُشيد: وقد وجدت معنى ما قلته بعدما قررته هذا التقرير للإمام أبي عمر ابن عبد البر، قال ﵀: وجملة تلخيص القول في التدليس الذي أجازه من أجازه من العلماء بالحديث، هو أن يُحَدِّث الرجل عن شيخ قد لقيه، وسمع منه بما لم يسمع منه، وسمعه من غيره عنه، فَيُرِي أنه سمعه من شيخه ذلك، وإنما سمعه من غيره، أو من بعض أصحابه عنه، ولا يكون ذلك إلا عن ثقة، فإن دلس عن غير ثقة فهو تدليس مذموم عند جماعة أهل الحديث، وكذلك إن دلّس عمن لم يسمع منه، فقد جاوز حَدّ التدليس الذي رَخّص فيه من رخص من العلماء إلى ما ينكرونه ويذمونه، ولا يحمدونه، وبالله العصمة لا شريك له. انتهى كلامه (١). وقد يَحسُن أن يُظَنَّ بمن فعل ذلك من الأئمة أنهم كانت لهم من مَشْيَخَتِهم إجازة،

стр. 953

فعنعنوا معتمدين عليها، فلما استُفسِروا عن السماع بينوه. والمسألة مع هذا لا تخلو من كدر الإشكال، وقد أصفينا لكم منها ما استطعنا فيما تقدم، ورَوَّقْنَاه لِوُراده. والكلام في التدليس وأنواعه وأحوال فاعليه يستدعي إطالةً لا يحتملها إيجاز هذا المختصر، وهذا القدر هنا كاف إن شاء الله. انتهى كلام ابن رُشيد رَحِمَهُ اللهُ تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ولنعُد إلى استعراض بعض ما نُقل عن أئمة السلف ومن تبعهم من البحث عن محلّ السماع مع عدم ثبوت التدليس خلاف ما ادّعاه المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى على ما وعدنا به سابقًا، فنقول: (اعلم): أن قول المصنّف ﵀: "وما علمنا أحدًا من أئمة السلف فتّشوا عن موضع السماع في الأسانيد إلخ" فيه نظر لا يخفى؛ لأنه قد ثبت عنهم التفتيش الذي نفاه: فممن ثبت ذلك عنه شعبة بن الحجاج الإمام العلم المشهور ﵀، فقد نُقل عنه قوله: "فلان عن فلان مثله لا يُجزِي". وقوله: "كلّ حديث ليس فيه "حدثنا"، و"أخبرنا"، فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير، ليس له خطام". وقوله: "كلّ حديث ليس فيه "حدثنا"، و"أنبأنا" فهو خَلّ، أو بَقْل". وقال شعبة أيضًا: قد أدرك رُفيع أبو العالية (١) عليّ بن أبي طالب، ولم يسمع منه شيئا. وقال: أدرك ربعيّ (٢) عليّا، وحدّث عنه، ولم يقل سمع. وقال: لم يسمع أبو عبد الرَّحمن السُّلَميّ (٣) من عثمان، ولا من ابن مسعود، ولكن سمع من عليّ ﵁. وأنكر شعبة سماع مجاهد (٤) من عائشة ﵂. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الغرض من هذه النقول إثبات تفقّد شعبة لسماع المتعاصرين بعضهم من بعض، وإن لم يكونوا مدلّسين، خلاف ما قاله مسلم، وإلا فهذه الأسانيد قد أثبتَ السماعَ فيها غيره، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" حديث أبي العالية عن عليّ ﵁، وقد وقع تصريح ربعيّ عن عليّ ﵁ في "الصحيحين"، وأخرج البخاريّ حديث أبي عبد الرَّحمن السلميّ، عن عثمان ﵁. ووقع تصريح مجاهد بسماعه من عائشة ﵂ في "صحيح البخاريّ". والحاصل أن شعبة هو ممن فتّش عن سماع الرواة المتعاصرين بعضهم من بعض،

стр. 954

قال صالح جزرة: أول من تكلّم في الرجال شعبة، ثم تبعه القطان، ثم أحمد ويحيى (١). وذكر أبو داود الطيالسيّ أنه رأى رجلًا يقول لشعبة: قل: حدّثني، أو أخبرني، فقال شعبة: فقدتُك وعدِمتك، وهل جاء بهذا أحدٌ قبلي (٢). ومنهم: يحيى بن سعيد القطّان ﵀، فقد نُقل عنه قوله لما سئل: سمع زرارة (٣) ابن عباس؟ قال: ليس فيها شيء سمعت. وقال في عبد الرَّحمن بن زبيبة (٤): أظنه أدرك عبد الله بن عمرو، ولم يقل: سمعت بن عمرو، ولا رأيت. وقال: أبو سعيد الكوفي لم يقل: سمعت زيد بن أرقم، ونُقل عنه غير ذلك. ومنهم: الشافعيّ ﵀، فقال: وكان قول الرجل: سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا، وقوله: حدّثني فلان عن فلان سواءً عندهم لا يُحدّث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، فمن عرفناه بهذه الطريق قبلنا منه: حدّثني فلان عن فلان (٥). وقد فسّر أبو بكر الصيرفيّ في "شرح الرسالة" كلام الشافعيّ هذا بأنه يُشترَط ثبوت السماع لقبول العنعنة، وأنه إذا علم السماع فهو على السماع حتى يُعلَم التدليس، وإذا لم يُعلَم سمع أو لم يسمع وُقف، فإذا صحّ السماع فهو عليه حتى يعلم غيره. انتهى (٦). ومنهم: الإمام يحيى بن معين ﵀، فقد سئل: يصح لسعيد بن المسيّب (٧) سماع من عبد الرَّحمن بن أبي ليلى؟ فقال: لا. وسئل: سمع طاوس (٨) من عائشة ﵂ شيئًا؟ قال: لا أراه. وقال أيضًا: عطاء بن أبي رباح لم يسمع من ابن عمر شيئًا، ولكنه قد رآه، ولا يصح له سماع. وسئل: الزهري سمع من ابن عمر؟ قال: لا، قال: فرآه رؤية؟ قال: يشبه، ونُقل عنه غير هذا. ومنهم: الإمام أحمد بن حنبل ﵀، فقد قال في يحيى بن أبي كثير: قد رأى أنسًا، فلا أدري سمع منه أم لا؟ . وقال: ابن جريج لم يسمع من طاوس ولا حرفًا، ويقول: رأيت طاوسًا. وقال: أبان بن عثمان (٩) لم يسمع من أبيه، من أين سمع منه؟ . وقال أيضًا: عطاء بن أبي رباح قد رأى ابن عمر، ولم يسمع منه. ونُقل عنه كثير من هذا القبيل.

стр. 955

ومنهم: الإمام عليّ بن المدينيّ، فقال: قيس بن أبي حازم سمع من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وسعد بن أبي وقّاص، فقيل له: هؤلاء كلهم سمع منهم قيس ابن أبي حازم سماعًا؟ قال: نعم سمغ منهم سماعًا، ولولا ذلك لم نعدّ له سماعًا (١). ومنهم: الحافظ عمرو بن عليّ الفلّاس، فقد قال في شأن ميمون بن أبي شبيب (٢): كان يُحدّث عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت، ولم أُخبر أن أحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبيّ ﷺ . وسئل عن القاسم ابن عبد الرحمن (٣) لقي أحدًا من الصحابة؟ قال: لا. ونُقل عنه غير هذا. ومنهم: الإمام الناقد أبو زرعة الرازيّ ﵀، فقد قال في أبي أمامة بن سهل (٤): "لم يسمع من عمر"، هذا مع أن أبا أمامة رأى النبيّ ﷺ . وقال: "عمرو بن شُرحبيل (٥) عن عمر مرسل"، هذا وعمرو أدرك الجاهليّة، وقد أثبت البخاريّ سماعه من عمر (٦). وقال أيضًا: "عكرمة (٧) عن عليّ مرسل". ولا شك في معاصرة عكرمة لعليّ ﵁. ومنهم: محمد بن عوف الطائيّ الحمصيّ، أحد الأئمة، سئل هل سمع شُريح بن عُبيد (٨) من أبي الدرداء؟ فقال: لا، فقيل له: فسمع من أحد من أصحاب النبيّ ﷺ ؟ فقال: ما أظنّ ذلك، وذلك أنه لا يقول في شيء: سمعت، وهو ثقة. ومنهم: أبو حاتم الرازيّ، فقد قال: الزهريّ لا يصحّ سماعه من ابن عمر، رآه ولم يسمع منه، ورأى عبد الله بن جعفر، ولم يسمع منه. وقال أيضًا في رواية ابن سيرين (٩) عن أبي الدرداء: قد أدركه، ولا أظنّه سمع منه، ذاك بالشام، وهذا بالبصرة. وسأله ابنه هل أبو وائل (١٠) سمع من أبي الدرداء؟ قال: أدركه، ولا يحكي سماع شيء، أبو الدرداء كان بالشام، وأبو وائل كان بالكوفة، قال: كان يدلّس؟ قال: لا، هو كما يقول أحمد بن حنبل -يعني يرسل، ولا يدلّس-. ومنهم: أبو بكر البزّار، قال: لا نعلم سمع محمود بن لبيد (١١) من عثمان، وإن كان قديمًا. وقال أيضًا: روى مكحول عن جماعة من الصحابة: عن عبادة، وأم

стр. 956

الدرداء، وحذيفة، وأبي هريرة، ولم يسمع منهم، وإنما أرسل عنهم، ولم يقل في حديث عنهم: حدّثنا. ومنهم: الدارقطنيّ، قال: لا يثبت سماع سعيد من أبي الدرداء؛ لأنهما لم يلتقيا. وقال أيضًا: محمد بن جبير (١) لا يثبت سماعه من عثمان، فيكون حديثه هذا مرسلًا. وقال أيضًا: هذه كلها مراسيل، ابن بريدة (٢) لم يسمع من عائشة ﵂. انتهى. وهذا نصّ في كون الدارقطنيّ يشترط للاتصال ثبوت السماع، وإن أمكن اللقاء، فإن عبد الله بن بريدة وُلد سنة (١٥) فقد أدرك من حياة عائشة ﵂ أكثر من أربعين عامًا، وهو ليس ممن يدلّس. وقال أيضًا: قبيصة (٣) لم يسمع من عمرو بن العاص. هذا مع أنه ممن وُلد في حياة النبيّ ﷺ ولم يوصف بالتدليس، ومات عمرو بعد الأربعين، وقيل: بعد الخمسين. ومنهم: البيهقيّ، فقد قال: عليّ بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود. هذا، مع أنه وُلد سنة (١٥) وكان موت ابن مسعود ﵁ سنة (٣٢). وقال أيضًا في حديث رواه ابن بريدة عن عائشة ﵂: هذا مرسل، ابن بُريدة لم يسمع من عائشة ﵂. انتهى. وقد سبق الكلام في هذا. وقال أيضًا: لن يثبت سماع عبد الله بن شدّاد من أسماء، وقد قيل فيه عن أسماء مرسل. هذا مع أن عبد الله ممن قيل: ولد في عهده ﷺ ، وأسماء بنت عميس خالته، وقد ماتت بعد عليّ ﵁، فاحتمال سماعه منها قويّ جدًّا. وقال أيضًا في حديث: هو منقطع بين عمرو بن دينار وأبي هريرة. هذا مع أن عمرًا وُلد سنة (٤٦) فسماعه من أبي هريرة ﵁ ممكن (٤). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه النصوص من هؤلاء الأئمة ﵏ جليّةٌ واضحة الدلالة على أنهم يبحثون للحكم باتصال عنعنة المعاصر عن ثبوت السماع. والحاصل أنهم قد ثبت عنهم التفتيش عن محل السماع مطلقًا، سواء كان الراوي

стр. 957

مدلِّسًا، أم غير مدلّس، ولم يكتفوا بالمعاصرة، واحتمال اللقاء، كما ادّعاه المصنّف هنا. قال الحافظ ابن رجب ﵀: وما قاله ابن المدينيّ، والبخاريّ هو مقتضى كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفّاظ، بل كلامهم يدلّ على اشتراط ثبوت السماع كما تقدّم عن الشافعيّ ﵀، فإنهم قالوا في جماعة من الأعيان ثبتت لهم الرؤية لبعض الصحابة، وقالوا مع ذلك: لم يثبت لهم السماع منهم، فرواياتهم عنهم مرسلة، منهم الأعمش، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، وابن عون (١)، وقرّة بن خالد (٢)، رأوا أنسًا، ولم يسمعوا منه، فرواياتهم عنه مرسلة. كذا قاله أبو حاتم، وقال أبو زرعة أيضًا في يحيى بن أبي كثير، ولم يجعلوا روايته عنه متّصلةً بمجرد الرؤية، والرؤية أبلغ من إمكان اللُّقِيّ (٣). وقال أيضًا: فإذا كان هذا قول هؤلاء الأئمة الأعلام، وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث، وعلله، وصحيحه، وسقيمه، ومع موافقة البخاريّ وغيره، فكيف يصحّ لمسلم ﵀ دعوى الإجماع على خلاف قولهم، بل اتّفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا يقتضي حكاية إجماع الحفّاظ المعتدّ بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يُعرف عن أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم (٤). وقال أيضًا: وقد ذكرنا من قبلُ أن كلام الشافعيّ إنما يدلّ على مثل هذا القول، لا على خلافه، وكذلك حكاية ابن عبد البرّ عن العلماء، فلا يبعد حينئذ أن يقال: "هذا قول الأئمة من المحدّثين والفقهاء". انتهى كلام ابن رجب (٥). وبالجملة فما ذهب إليه الإمام مسلم ﵀ هنا من أن هؤلاء الأئمة لم يفتّشوا عن محلّ السماع إلا إذا كان الراوي اشتهر بالتدليس مذهب لا يؤيّده الواقع؛ إذ قد سبق فيما أسلفناه من كلامهم أنهم لا يفرّقون بين المدلس وغيره في البحث عن ثبوت السماع، بل لا بدّ عندهم حتى تُحْمَل العنعنة على الاتصال من ثبوت السماع بين الْمُعَنْعِن والْمُعَنْعَن عنه مطلقًا. فما ذهب إليه الجمهور من أن عنعنة المعاصر لا تحمل على الاتصال إلا إذا ثبت، لقاؤه له، وسماعه منه، ولو قليلًا هو الحقّ والصواب، فتأمّله بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالاعتساف، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 958

إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (فَإِذَا كَانَتِ الْعِلَّةُ) أي السبب (عِنْدَ مَنْ وَصَفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ) بالبناء على الضم؛ لقطعه عن الإضافة ونيّة معناها (فِي فَسَادِ الْحَدِيث) متعلّق بـ "العلّة" (وَتَوْهِينِهِ) أي تضعيفه (إِذَا لَمْ يُعْلَمْ) يحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والضمير يعود على "من" في قوله: "عند من وصفنا"، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل قوله (أَنَّ الرَّاوِيَ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موضع المفرد، حيث سدّت مسدّ مفعولي "يعلم"، كما قال في "الخلاصة": وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ ... مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ (قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ شَيْئًا) أي ولو قليلا، فالتنكير للتقليل، وقوله (إِمْكَانَ الْإِرْسَالِ فِيهِ) بالنصب على الخبريّة لـ "كانت"، وهذا هو الذي في النسخ التي بين يديّ، كنسخة شرح القاضي عياض، وشرح النووي، والأبيّ، وغيرها، وأشار في هامش بعض النسخ إلى أنه وقع بلفظ "لمكان الإرسال" بزيادة اللام، قال السنديّ ﵀: الظاهر أن قوله: "لمكان الإرسال" هو خبر "كانت"، فالوجه حذف اللام، ويقال: "إمكانَ الإرسال"، وأما مع اللام فوجهه أن يقال: إن قوله: "لإمكان الإرسال" مذكور على أنه من كلام المستدلّ، أي فإذا كانت العلّة هو ذكره بقوله: "لإمكان الإرسال". انتهى. وكتب بعضهم بعد ذكر كلام السنديّ المذكور: ما نصّه: ثم اعلم أن النسخ هَهنا مختلفة، ففي النسخة الهنديّة التي بأيدينا "لمكان الإرسال"، وفي النسخة المصريّة بدله: "مكانَ الإرسال"، وكتب في هامش النسخة الهنديّة قوله: "لمكان" كذا في النسخ، ولعله "إمكان الإرسال" كما سبق مثل هذه العبارة في السطر الحادي عشر من الصفحة السابقة، فيكون خبر "فإذا كانت" كما هو فيما قبله، ويجوز أن يكون الخبر "عند من": أي إذا كانت العلّة المذكورة معتبرةً عند من، فحينئذ "لمكان" صحيح، فيكون متعلّقًا بمعتبرة. انتهى. وقد عرفت أن في النسخ المصريّة بلفظ "إمكان"، قلت: وهل يمكن أن يكون هذا اللفظ "لمكان الإرسال" بفتح اللام على أن اللام للتأكيد، وليست بحرف جرّ، فليُسأل؟ . انتهى ما كتبه بعضهم (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن ما في معظم النسخ بلفظ "إمكان الإرسال" هو الصواب، وأما النسخ التي فيها اللام فالظاهر أنها غلطٌ، فلا حاجة إلى هذه التكلّفات التي ذكروها في توجيه هذه النسخة، ومما يؤيّد هذا أن هذه العبارة

стр. 959

تقدّمت للمصنّف قبل نحو ثلاثين سطرًا، ونصّها: "فإن كانت العلّة في تضعيفك الخبر، وتركك الاحتجاج به إمكان الإرسال فيه لزمك أن لا تُثبت إسنادًا معنعنًا إلخ، فهذا مما يقوّي ما قلته فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب. (لَزِمَهُ تَرْكُ الِاحْتِجَاجِ، فِي قِيَادِ قَوْلِهِ) بقاف مكسورة، ثم مثنّاة من تحتُ، آخره دال مهملة: أي فيما يقود إليه، ويقتضيه (بِرِوَايَةِ مَنْ يُعْلَمُ) متعلّق بـ "الاحتجاج" (أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ، إِلَّا فِي نَفْسِ الْخَبَرِ) "في" بمعنى الباء، وهو استثناء من قوله: "برواية من الخ"، يعني أنه لا يحتجّ برواية من سمع من شيخه، إلا بالخبر (الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ السَّمَاعِ) أي تصريح الراوي بسماع ذلك الخبر من شيخه (لِمَا بَيَّنَّا) بكسر اللام هي للتعليل، و"ما" موصولة، والجارّ والمجرور متعلّق بـ "لزم" من قوله: "لزمه ترك الاحتجاج إلخ"، أو متعلّق بمقدّر خبر لمحذوف: أي وذلك كائن لما بيّنّا. وقوله (مِنْ قَبْلُ) بالبناء على الضمّ، كما مرّ نظيره قريبًا (عَنِ الْأَئِمَّةِ) متعلّق بـ "بيّنّا"، أو بحال مقدّرٍ: أي منقولًا عن الأئمة (الَّذِينَ نَقَلُوِا الْأَخْبَارَ، أَنَّهُمْ) بفتح الهمزة؛ لوقوعها موقع المفرد، حيث وقعت مفعولًا لـ "بيّنّا" (كَانَتْ لَهُمْ تَارَاتٌ) بالرفع اسم "كان" مؤخّرًا، وخبرها "لهم"، و"التارات" جمع"تَارَةٍ"، قال في "اللسان": "التارة": الحين والمرّة، ألفها واو، جمعها تارات، وتِيَرٌ، قال الشاعر: يَقُومُ تَارَاتٍ وَيَمْشِي تِيَرَا وقال العجاج: ضَرْبًا إِذَا مَا مِرْجَلُ الْمَوْتِ أَفَرْ ... بِالْغَلْيِ أَحْمَوْهُ وَأَحْنَوْهُ التِّيَرْ قال ابن الأعرابيّ: تأرة مهموز، فلما كثُر استعمالهم لها تركوا همزها. انتهى (١). وقال في "المصباح": "التار": المرّة، وأصلها الهمز، لكنه خُفّف لكثرة الاستعمال، وربّما هُمزت على الأصل، وجُمعت بالهمز، فقيل: تَأْرة وتِئَارٌ، وتِئَرٌ، قال ابن السّرّاج: وكأنه مقصور من تِئَار، وأما المخفّف فالجمع تَارَاتٌ. انتهى (٢). والمعنى هنا أن لهم أوقاتًا (يُرْسِلُونَ فِيهَا) أي في تلك التارات (الْحَدِيثَ إِرْسَالًا) أي يطلقونه إطلاقًا، يعني أنهم لا يقيّدونه بذكر من سمعوا منه، فقول (وَلَا يَذْكُرُونَ مَنْ سَمِعُوهُ مِنْهُ) مؤكّد لقوله: "يرسلون إلخ" (وَتَارَاتٌ يَنْشَطُونَ) بفتح أوله، مضارع نَشِط، يقال: نَشِط في عمله يَنْشَطُ، من باب تَعِبَ نَشَاطًا: إذا خفّ، وأسرع. قاله الفيّوميّ (فِيهَا) أي في تلك التارات (فَيُسْنِدُونَ الْخَبَرَ) أي يضيفونه إلى من سمعوا منه، يقال:

стр. 960

أسندت الحديث إلى قائله بالألف: رفعته إليه بذكر ناقله. قاله الفيّوميّ (١) (عَلَى هَيْئَةِ مَا سَمِعُوا) أي على الوجه الذي سمعوه من راويه، قال الفيّوميّ: "الهيئة": الحالة الظاهرة، يقال: هاء يَهُوء، ويَهِيء هَيْئةً حسنَةً: إذا صار إليها. انتهى (٢). والمعنى: أنهم يؤدّون الخبر على الصفة التي تحمّلوه عليها عاليًا، أو نازلًا، فقوله (فَيُخْبِرُونَ بِالنُّزُولِ فِيهِ إِنْ نَزَلُوا، وَبِالصُّعُودِ إِنْ صَعِدُوا) بيان لمعنى قوله: "على هيئة ما سمعوا". قال القاضي عياضٌ ﵀: قوله: "فيُخبرون بالنزول الخ" يريد بذلك في الروايات، والنزول فيها هي الرواية عن الأقران، وطبقة المحدّث ومن دونه، أو بسند يوجد أعلى منه وأقلّ رجالًا، والصعود الرواية بالسند العالي، والقرب فيه من رسول الله ﷺ بقلّة عدد رجاله، أو من إمام مشهور حدّث به. هذا هو طريق أهل الصنعة ومذهبهم، وهو غاية جهدهم وحرصهم، وبمقدار علوّ حديث الواحد منهم تكثُر الرحلة إليه، والأخذ عنه، مع أن له في طريق التحقيق والنظر وجهًا، وهو أن أخبار الآحاد وروايات الأفراد لا توجب -كما قدّمنا علمًا- (٣) ولا يُقطع على مُغيّب صدقها؛ لجواز الغفلات والأوهام، والكذب على آحاد الرواة، لكن لمعرفتهم بالصدق ظاهرًا، وشهرتهم بالعدالة والستر غلب على الظنّ صحّة حديثهم، وصدق خبرهم، فكلّفنا العمل به، وقامت الحجة بذلك بظاهر الأوامر الشرعيّة، ومعلوم إجماع سلف هذه الأمة، ومغيب أمر ذلك كله لله تعالى، وتجويز الوهم والغلط غير مستحيل في كلّ راو ممن سُمّي في سند الخبر، فإذا كثروا وطال السند كثُرت مظانّ التجويز، وكلّما قلّ العدد قلت، حتى إن من سمع الحديث من التابعيّ المشهور، عن الصحابيّ، عن النبيّ ﷺ كان أقوى طمأنينةً بصحّة حديثه، ثم من سمعه من الصحابيّ كان أعلى درجةً في قوّة الطمأنينة، وإن كان الوهم والنسيان جائزًا على البشر، حتى إذا سمعه من النبيّ ﷺ ارتفعت أسباب التجويز، وانسدّت أبواب احتمالات الوهم، وغير ذلك؛ للقطع أنه ﷺ لا يجوز عليه شيء من ذلك في باب التبليغ والخبر، وأن جميع ما يُخبِر به حقّ وصدق. انتهى كلام القاضي عياض ﵀ (٤). (كَمَا شَرَحْنَا) أي أوضحنا (ذَلِكَ عَنْهُمْ) أي فيما سبق من كلامه (وَمَا عَلِمْنَا أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ) الإضافة فيه بمعنى "من"، و"السلف" -بفتحتين- لغةً: كلّ من تقدّمك

стр. 961

من آبائك، وقَرَابتك، جمعه أَسلافٌ. أفاده في "القاموس". واصطلاحًا هم أهل القرون المفضّلة التي نصّ عليها النبيّ ﷺ فيما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"، وغيرهما من حديث عمران بن حصين ﵄، عن النبيّ ﷺ قال: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال عمران: فما أدري قال النبيّ ﷺ بعد قوله: مرتين أو ثلاثًا، ثم يكون بعدهم قوم، يَشهَدون ولا يُستَشهَدون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويَنذرون ولا يَفُون، ويظهر فيهم السمن". وقد قال الإمام الذهبيّ ﵀ في مقدّمة كتابه "ميزان الاعتدال": ما نصّه: "فالحدّ الفاصل بين المتقدّم والمتأخّر هو رأس ثلاثمائة سنة". انتهى (١). وهو موافق لمعنى الحديث المذكور. (مِمَّنْ يَسْتَعْمِلُ الْأَخْبَارَ) أي يعمل بها، فالسين والتاء زائدتان، ويحتمل أن تكونا للطلب، والمعنى: ممن يريد العمل، بعد تأكّده من ثبوتها، ويؤيّد هذا قوله (وَيَتَفَقَّدُ) أي يطلب (صِحَّةَ الْأَسَانِيدِ وَسَقَمَهَا) بفتحتين، أو بفتح، فسكون، يقال: سَقِم سَقَمًا، من باب تَعِب: إذا طال مرضه، وسَقُم سُقْمًا، من باب قَرُبَ، فهو سقيم، وجمعه سِقام مثلُ كريم وكرام. قاله الفيّوميّ (٢). والمراد به هنا ضعف الأسانيد، بدليل مقابلته بالصحّة. (مِثْلُ) يحتمل النصب على أنه مفعول لفعل مقدَّر: أي أعني، ويحتمل الرفع على أنه خبر لمحذوف: أي هم مثلُ (أَيُّوبَ) بن أبي تميمة، واسمه كيسان (السَّخْتِيَانِيِّ) بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة: نسبة إلى عمل السختيان، وبيعه، وهو جلود الضأن (٣) (وَابْنِ عَوْنٍ) هو عبد الله بن عون بن أرطبان (وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة (وَشُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ) الإمام الحجة المشهور (وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ) وكلهم تقدَّمت تراجمهم (وَمَنْ بَعْدَهُمْ) "من" بفتح الميم موصولة: أي الذين أتوا بعد هؤلاء الأئمة (مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ) كأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعليّ بن المديني، وغيرهم (فَتَّشُوا) قال المجد في "القاموس": الْفَتْشُ كالضّرْب، والتفتيش: طلبٌ في بحث. انتهى (٤). وقال الفيّوميّ: فَتَشْتُ الشيءَ فَتْشًا، من باب ضرب: تصفّحته، وفَتَشْتُ عنه: سألتُ، واستقصيتُ في الطلب، وفَتَّشْتُ الثوبَ بالتشديد هو الفاشي في الاستعمال. انتهى (٥).

стр. 962

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تشديد التاء هو الموجود في النسخ مضبوطًا ضبط قلم، وظاهر عبارة "القاموس"، و"المصباح" جواز الوجهين: التخفيف، والتشديد، ولكن التشديد هو المناسب لسياق كلام المصنّف ﵀ هنا. والله تعالى أعلم. (عَنْ مَوْضِعِ السَّمَاعِ) متعلّق بـ "فتشوا" (فِي الْأَسَانِيدِ) متعلّق بصفة لـ "موضع"، أو بحال منه (كَمَا ادَّعَاهُ الَّذِي وَصْفْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ) بالبناء على الضمّ لما أسلفناه قريبًا (وَإِنَّمَا كَانَ تَفَقُّدُ مَنْ تَفَقَّدَ مِنْهُمْ سَمَاعَ رُوَاةِ الْحَدِيثِ) بنصب "سماع" على أنه مفعول "تفقّد" (مِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ) هكذا النسخ، والظاهر أن الأولى "ممن رووا عنهم"؛ لأن الضمير يعود على "رُواة الحديث"؛ إذ قوله: "ممن روى" متعلّق بـ "سماع"، اللهم إلا إن جعلنا الضمير في "عنهم" لهؤلاء الأئمة، و"عن" بمعنى اللام، أي ممن نقل لهم الحديث (إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِمَّنْ عُرِفَ بِالتَّدْلِيسِ فِي الْحَدِيثِ) "التدليس" مصدر دَلّس، يقال: دلّس البائع تدليسًا: إذا كَتَم عيبَ السِّلْعَة من المشتري وأخفاه. قاله الخطّابيّ وجماعة، ويقال أيضًا: دَلَسَ دَلْسًا، من باب ضرب، والتشديد أشهر في الاستعمال. قاله الفيّوميّ. وقال القاضي عياض: التدليس لقبٌ وضعه أئمة الفتوى، وأئمة هذه الصنعة على من أبهم بعض رواياته لمعان مختلفة، وأغراض متباينة، وقد كان هذا من عصر التابعين إلى هلمّ جرّا، وذُكر عن جماعة من جلّة الأئمة، ولم يُضرّ ذلك حديثهم لصحّة أغراضهم وسلامتها، وأضرّ ذلك بغيرهم. وهو على أمثلة، فمنه أن سفيان بن عيينة على جلالته من كبار أصحاب الزهريّ، وسمع منه كثيرًا، وأخذ عن أصحابه كثيرًا مما لم يسمعه عن الزهريّ، فربّما حدّث، فقال: الزهريّ، أو قال: قال الزهريّ عن فلان، وقد عُرف بالتدليس، فسُئل، فمرّةً يقول: سمعته منه، ومرّة يقول: حدّثني به عنه فلان، أو فلان عن فلان عنه، ومن لا يدلّس مثل مالك وشعبة لا يقول مثل هذا، بل يُبيّن من حدّثه عنه، أو يقول: بلغني، قال شعبة: لأن أزني أحبّ إليّ من أن أُدلّس، ولكن أمثال أولئك الجلّة ممن استسهل التدليس إذا سئلوا أحالوا على الثقات، فحُمل حديثهم، وقام تدليسهم مقام المرسل، وحجة بعضهم أن يكونوا قد سمعوه من جماعة من الثقات عن هذا الرجل، فاستغنوا بذكره عن ذكر أحدهم، أو ذكر جميعهم، لتحققهم صحّة الحديث عنه، كما يُفعل في المراسيل. ومنهم من أراد أن لا ينزل حديثه، وأن يعلو بذكر الشيخ دون من دونه؛ لصحّة

стр. 963

روايته عنه غير هذا، وتحققه أن الثقات حدّثت به عنه. وطبقة أخرى جاؤوا إلى رجال مشاهير ثقات أئمة سمعوا حديثهم، وجرت بينهم مباعدة حملتهم على إبهامهم، وأن لا يصرّحوا بأسمائهم المشهورة، ولم تحملهم ديانتهم على ترك الحديث عنهم، كما صنع البخاريّ في حديثه عن محمد بن يحيى الذهليّ، لِمَا جرى بينه وبينه، فمرّةً تجده يقول: حدّثنا محمد لا يزيد، وثانيةً يقول: ثنا محمد بن خالد، ينسبُهُ إلى الجدّ الأعلى، ومرّةً يقول: ثنا محمد بن عبد الله ينسبه إلى جدّه الأدنى. وطبقةٌ أخرى رووا الحديث عن ضعيف، أو مجهول عن الشيخ، فسكتوا عنه، واقتصروا على ذكر الشيخ، إذ عُرف سماعهم منه لغير هذا الحديث. وطبقة أخرى رووا عن ضعفاء لهم أسماء، أو كنى مشهورة عُرِفوا بها، فلو صرّحوا بأسمائهم المشهورة، أو كناهم المعلومة لم يُشتغَل بحديثهم، فأتوا بالاسم الخامل مكان الكنية المشهورة، أو بالكنية المجهولة عوضَ الاسم المعلوم؛ ليُبهِموا الأمر، ولئلا يُعرَف ذلك الراوي وضعفه، فيُزهدهم في حديثهم. وطبقة أخرى رووا عن ضعيف له كنية ٌيُشاركه فيها رجل مقبول الحديث، وقد حدّث عنهما جميعًا، فيُطلق الحديث بالكنية لِيُدخِل الإشكال، ويقع على السامع اللبس، ويظُنّ أنه ذلك القويّ. وهذه الطرق كلّها غير الأولين رديئة، قد أضرّت بأصحابها، وسبّبت الوقوف في كثير من أحاديثهم إلا ما صرّح به الثقات منهم بالسماع عن الثقات، ونَصّوا عليه وبيّنوه، ولهذا ما وقفوا فيما دلّسه الأعمش لروايته عن الضعفاء، وفيما دلّسه بقيّة بن الوليد؛ لخلطه الأسماء والكنى، ولم يَسْتَرِبُوا فيما دلّسه ابن عُيينة والثوريّ، وضُرباؤهما ممن لا يروي إلا عن ثقة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ذكره الثوريّ فيمن لا يروي إلا عن ثقة، غير صحيح، فإنه مشهور بالرواية عن الضعفاء، مثل الكلبيّ وغيره، وأما ابن عيينة، وإن روى عن غير ثقة، إلا أنه اشتهر أنه لا يدلّس إلا عن ثقة، حتى ادّعى ابن حبّان أنه لا يوجد ذلك لغيره، فتبصّر. والله تعالى أعلم. قال: واختَلَف أئمة الحديث في قبول حديث من عُرف بالتدليس إذا لم ينُصّ على سماعه، فجمهورهم على قبول حديث من عُرف منهم أنه لا يروي إلا عن ثقة، كما قالوا في حديث من عُلم أنه لا يُرسل إلا عن ثقة، وعلى ترك حديث المسامحين في

стр. 964

الأخذ، وترك الحجة به حتى يَنُصّ على سماعه، وقد ذكر أبو عبد الله الحاكم الاختلاف في ذلك (١) كما قدّمناه. انتهى كلام القاضي ﵀ (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سنعود -إن شاء الله تعالى- إلى تمام البحث في التدليس في المسائل الآتية آخر هذا الشرح. (وَشُهِرَ بِهِ) ببناء الفعل، وفيه أن المعتبر في التدليس أن يشتهر به الراوي، لا مجرَّد ثبوت التدليس عليه، وفيه خلاف سيأتي تحقيقه في المسائل آخر الشرح، إن شاء الله تعالى. (فَحِينَئِذٍ يَبْحَثُونَ عَنْ سَمَاعِهِ فِي رِوَايَتِهِ) أي سماع ما رواه من شيخه الذي رواه عنه (وَيَتَفَقَّدُونَ ذَلِكَ مِنْهُ) أي من الراوي المدلّس (كَيْ تَنْزَاحَ) أي تزول، وهو انفعال من الزّوْح، يقال: زاح الشيءُ عن موضعه يزُوح زَوْحًا، من باب قال، ويَزِيح زَيْحًا من باب سار: تنحّى، وقد يُستعمل متعدّيًا بنفسه، فيقال: زُحتُهُ، والأكثر أن يتعدّى بالهمزة، فيقالُ: أزحته إزاحةً. قاله الفيّوميّ (٣) (عَنْهُمْ عِلَّةُ التَّدْلِيسِ) الإضافة بيانيّة: أي علّة هي التدليس (فَمَنِ ابْتَغَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُدَلِّسٍ) "من" شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، والفعل مبنيّ للفاعل، وهذا هو الذي وقع في نسخ المتن، ووقع في شرح النوويّ: "فما ابتغي إلخ" قال النووي: هكذا وقع في أكثر الأصول "فما ابتغي" بضم التاء، وكسر الغين على ما لم يُسمّ فاعله، وفي بعضها "ابتغى" بفتح التاء والغين، وفي بعض الأصول المحقّقة: "فمن ابتغى"، ولكلّ واحد وجه. انتهى كلام النوويّ (٤). وجواب "من"، أو خبرها محذوف دلّ عليه قوله: "فما سمعنا ذلك الخ"، والتقدير: فقد خالف الأئمة: أي فمن طلب بيان ثبوت السماع من غير راوٍ مدلس، فقد خالف منهج المحدثين في ذلك، وعلى نسخة النوويِّ تكون "ما" نافية، والفعل مبنيّ للمفعول: أي فلم يُطلَب ذلك من غير مدلّس الخ، وقوله: "فما سمعنا ذلك إلخ" مؤكّد لقوله: "فما ابتُغي إلخ، وأما بناء "ابتغى" للفاعل على نسخة النوويّ "فما ابتَغَى" فيحتمل توجيهه على تقدير فاعل: أي فما ابتغى أحدٌ ذلك، وحذف الفاعل يجوز عند الكسائيّ، وجَعَل منه قوله ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب ... " الحديث، متفق عليه، أي لا يشرب الشارب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ الآية [القيامة: ٢٦]، أي الروح عند قوله: الفطن. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه التوجيهات هي التي ظهرت لي، وأما ما كتبه

стр. 965

صاحب "الحلّ المفهم" ففيه من التكلّف والتعسّف ما لا يخفى على الفطن (١)، والله الهادي إلى سواء السبيل. (عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ) أي وهو المخترع الذي قال: لا أحتجّ بالمعنعن حتى أتبيّن ثبوت السماع؛ لإمكان الإرسال، وقوله (فَمَا سَمِعْنَا) الخ جملة تعليلية للجواب المقدّر كما سبق آنفًا: أي فقد خالف الأئمة؛ لأننا ما سمعنا (ذَلِكَ) أي البحث عن موضع السماع (عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ سَمَّيْنَا وَلَمْ نُسَمِّ مِنَ الْأَئِمَّةِ) يعني أنهم لم يسلكوا هذا المسلك الذي زعمه هذا المخترع في تفتيش الأسانيد إلا حيث يوجد في الرواة من عُرِفَ بالتدليس، فعند ذلك يبحثون عن سماع ذلك المدلّس حتى تزول عنهم تلك العلّة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا معنى كلامه، وقد عرفت ما فيه فيما مضى، فلا تنس نصيبك والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ، وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ، قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ، وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثًا يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُمَا ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا، وَلَا حَفِظْنَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ شَافَهَ حُذَيْفَةَ وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُّ، وَلَا وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى، وَلَا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا أَنَّهُ طَعَنَ فِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا عَبْدُ اللهِ بْن يَزِيدَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ بِضَعْفٍ فِيهِمَا، بَلْ هُمَا وَمَا أَشْبَهَهُمَا عِنْدَ مَنْ لَاقَيْنَا مَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ مِنْ صِحَاحِ الْأَسَانِيدِ وَقَوِيِّهَا، يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَ مَا نُقِلَ بِهَا، وَالِاحْتِجَاجَ بِمَا أَتَتْ مِنْ سُنَنٍ وَآثَارٍ، وَهِيَ فِي زَعْمِ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ وَاهِيَةٌ مُهْمَلَةٌ، حَتَّى يُصِيبَ سَمَاعَ الرَّاوِي عَمَّنْ رَوَى.

стр. 966

وَلَوْ ذَهَبْنَا نُعَدِّدُ الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِمَّنْ يَهِنُ بِزَعْمِ هَذَا الْقَائِلِ وَنُحْصِيهَا، لَعَجَزْنَا عَنْ تَقَصِّي ذِكْرِهَا وَإِحْصَائِهَا كُلِّهَا، وَلكِنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نَنْصِبَ مِنْهَا عَدَدًا يَكُونُ سِمَةً لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة: بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى بهذا أن من الأمثلة على ما تقدّم من أن الأئمة يكتفون بمجرّد المعاصرة بين المعنعنين، وإن لم يثبت سماع بعضهم من بعض: روايةَ عبد الله بن يزيد الخطميّ -وهو من صغار الصحابة، حيث رأى النبيّ ﷺ عن كلّ من حذيفة بن اليمان، وعقبة بن عمرو أبي مسعود الأنصاريّ البدريّ ﵁ حديثًا مرفوعًا إلى النبيِّ ﷺ بالعنعنة دون ذكر السماع، ولم يثبت لدينا أنه شافه أحدًا منهما بحديث قط، ولا وجدنا رؤيته لهما، ولم نسمع من أحد من أهل العلم بالأخبار ممن تقدّمنا، ولا ممن عاصرناه أنه طعن في حديثي عبد الله بن يزيد المذكورين بضعفهما بسبب العنعنة، بل هما وأمثالهما عند أهل الحديث من صحاح الأسانيد وقويّها يرون العمل والاحتجاج بما روي بها، وهي في زعم المنتحل المذكور ضعيفة لإمكان الإرسال فيها، إلا إذا اتّضح سماع المعَنْعِن عمن عنعن عنه، ولو ذهبنا نحصي الأحاديث التي صححها أهل العلم مع ورودها بالعنعنة، وهي ضعيفة عند المنتحل؛ لِمَا ذُكر لعجزنا عن إحصائها، ولكن أحببنا أن نذكر منها عددًا يكون علامةً لما سكتنا عنه، ثم شرع في ذكر الأمثلة، فقال: وهذا أبو عثمان النهديّ إلخ. هذا خلاصة كلامه رَحِمَهُ اللهُ تعالى. وناقشه العلامة ابن رشيد رَحِمَهُ اللهُ تعالى في الدليل الذي ذكره آنفًا، فقال: [الدليل الثالث]: من أدلة مسلم، وهو أخصّ من الأول، وكأنه من تتمة الثاني؛ إذ عرضه في مَعْرِض التمثيل، تحريرُه أن قبول أحاديث الصحابة بعضهم عن بعض مجمع عليه، دون طلب، ولا بحث عن لقاء أو سماع، بل من مجرد المعاصرة، وأبدى من ذلك مثالًا أشار فيه إلى حديثين، ادَّعَى الإجماع على قبولهما، وذلك قوله: "فمن ذلك أن عبد الله بن يزيد الأنصاري، وقد رأى النبيّ ﷺ ، قد رَوَى عن حذيفة، وعن أبي مسعود الأنصاري، عن كل واحد منهما حديثًا إلخ. فأقول: الحديثان اللذان أشرتَ إليهما، أما حديث عبد الله بن يزيد، عن حذيفة، فقد خرّجتَهُ في "باب الفتن" من كتابك، وهو قول حذيفة ﵁: "أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة"، وليس فيه ذكر سماع، ولا نعلم الآن من ذَكَرَ فيه سماعًا. وأما حديثه عن أبي مسعود، وهو حديث: "نفقة الرجل على أهله صدقة"،

стр. 967

فخرّجته أيضًا في كتابك في "باب النفقة على الأهل صدقة" في "كتاب الزكاة" معنعنًا، وليس فيه ذكر سماع، وخرّجه البخاري، وفيه عنده ذكر السماع منصوصًا مثبتًا ما أنكرت في ذكره في "المغازي" في الباب الذي يلي، "شهودُ الملائكة بدرًا"، فقال: حدثنا مسلم، قال: حدثنا شعبة، عن عديّ، عن عبد الله بن يزيد، سمع أبا مسعود البدريّ، عن النبيّ ﷺ قال: "نفقة الرجل على أهله صدقة"، وأخرجه أيضًا في "الإيمان"، وفي "النفقات"، وليس فيه ذكر سماع. ففي هذا الحديث كما ترى إثبات ما غاب عن مسلم ﵀، من سماع عبد الله بن يزيد من أبي مسعود البدري، ولنا عن هذا الدليل جوابان، أحدهما عام، والثاني خاصّ: أما العام فما ادّعيتَ من الإجماع صحيحٌ، لكن لا يتناول محلَّ النزاع، فنحن نقول بموجبه، ولا يلزمنا -بحمد الله- محذور، فإنك أتيت بمثال فيه رواية صاحب عن صاحب، وهو عبد الله بن يزيد الأنصاري، عن حذيفة وأبي مسعود، وهو معدود عندك في "كتاب الطبقات" من تأليفك في الكوفيين من الصحابة ﵃ حيث قلت: وعبد الله بن يزيد الأنصاري، أدرك النبيّ ﷺ ، ولم يحفظ منه شيئًا، وكذلك ذكره البخاري، وقال فيه: قيل: إنه رأى النبيّ ﷺ ، وذكره أبو عمر بن عبد البر، وقال: إنه شَهِدَ الحديبية، وهو ابن سبع عشرة سنة. قلت (١): ومن كان في هذا السن زمن الحديبية، فكيف يُنكر سماعه من النبيّ ﷺ . قال الحافظ أبو عبد الله، محمد بن يحيى بن الحذاء ﵀: وذُكِر أن عبد الله ابن يزيد شَهِد بيعة الرضوان وما بعدها، وفتحَ العراق، وهو رسول القوم يوم جِسْر أبي عبيد، يُعَدُّ في أهل الكوفة، قال ابن الحذاء: وكانت لأبيه صحبة، شَهِدَ أحدًا، وهلك قبل فتح مكة. انتهى ما حضرنا في عبد الله بن يزيد. فلنرجع إلى ما كُنّا بسبيله من قوله: "إنه لم يحفظ عن النبيِّ ﷺ فنقول: الصحابة ﵃ عدول بأجمعهم، بإجماع أهل السنة على ذلك، فلو قَدّرنا إرسال بعضهم عن بعض لم يضرنا ذلك شيئًا، ولم يكن قادحًا، ولا يدخل هنا قولك: "إن المرسل من الروايات في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة"؛ لما قلناه من الاتفاق على عدالة الجميع. ولذلك قَبِلَ الجمهور مراسيل الصحابة عن النبي ﷺ ، كابن عباس وغيره من

стр. 968

صغار الصحابة، مِمّن هو أصغر سنًّا منه، وبيقين نعلم أن ابن عباس لم يسمع من النبيّ ﷺ كلَّ ما رواه، مما قال فيه قال رسول الله ﷺ ، أو عن رسول الله ﷺ ، وقد بَيّن ذلك أبو عُمَارة البراء بن عازب الكوفي ﵁، قال الحسن بن عبد الرَّحمن بن خَلاد الرامهرمزيّ، نا عبد الوهاب بن رواحة العدوي، نا أبو كريب، نا إسحاق بن منصور، عن إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: ليس كلنا كان يسمع حديث رسول الله ﷺ ، كانت لنا ضَيْعَةٌ وأشغال، ولكن الناس لم يكونوا يكذبون يومئذ، فيحدث الشاهد الغائب. وقد قدمنا نحوا من ذلك عن أنس بن مالك (١). قال أبو جعفر محمد بن الحسين البغداديّ: وسمعت محمد بن نصر يقول: سألت أبا عبد الله، كم روى ابن عباس عن النبيّ ﷺ سماعًا؟ ، قال: عشرة أحاديث. وقال يحيى بن سعيد القطان تسعة أحاديث. فانظر مقدار ما سمع مما رَوَى عنه، فهو من أصحاب الألوف، رُوي له ألف حديث وستمائة حديث وستون حديثا (٢)، فيما قال أبو محمد بن حزم. وقال البرقيُّ: الذي حُفِظ عنه من الحديث نحو من أربعمائة حديث -يعني البرقي والله أعلم- ما صَحّ، على أن البرقي ليس في الحفظ من رجال ابن حزم، وقد خُرِّج له في "الصحيحين" مائة حديث وأربعة وثلاثون، اتّفقا منها على خمسة، وسبعين وانفرد البخاري بمائة وعشرة، ومسلم بتسعة وأربعين، فيما ذكر أبو الفرج بن الجوزي ﵀. وقال الإمام الحافظ الأوحد، أبو حاتم محمد بن حبان البُسْتِيّ ﵀: وإنما قَبِلنا أخبار أصحاب رسول الله ﷺ ما رووها عن النبيّ ﷺ ، وإن لم يُبَيِّنوا السماع في كلّ ما رووا، وبيقين يُعلَم أن أحدهم ربما سمع الخبر عن صحابي آخر، ورواه عن النبيّ ﷺ من غير ذكر ذلك الذي سمعه منه؛ لأنهم ﵃ أئمة سادة قادة عدول، نّزه الله جل وعلا أقدار أصحاب رسول الله ﷺ عن أن يَلْزَقَ بهم الوهن، وفي قوله ﷺ : "ألا ليبلغ

стр. 969

الشاهد منكم الغائب" أعظم الدليل على أن الصحابة كلهم عدول، ليس فيهم مجروح ولا ضعيف، إذ لو كان فيهم أحدٌ غير عدل لاستُثْنِي في قوله ﷺ ، وقال: ألا ليبلغ فلان وفلان منكم الغائب، فلما أجملهم في الذكر بالأمر بالتبليغ مَنْ بَعْدَهم دَلّ ذلك على أنهم كلهم عدول، وكفى بمن عدّله رسول الله ﷺ شَرَفًا. انتهى ما أوردناه من كلام أبي حاتم البستيّ (١). واستدلاله بهذا من الحديث صحيح حسن، والإجماع شاهد على ذلك، وما أحسن ما قاله الإمام أبو عمرو بن الصلاح في تحرير هذا المعنى من: أن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، من لابس الفتن منسم وغيرهم، فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعتَدّ بهم في الإجماع؛ إحسانًا للظن بهم، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، وكأن الله أتاح الإجماع على ذلك؛ لكونهم نَقَلَة الشريعة (٢). وهذا الذي قاله الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀، قد سبقه إلى تحريره إمام الحرمين، أبو المعالي، عبد الملك بن عبد الله الجويني، وإنما جَمَع أطراف كلامه وما راق من ألفاظه الحُرّة الْجَزْلَة. فإن اعترضت أيضًا أيها الإمام بإمكان احتمال الإرسال عن تابعي، إذ يحتمل أن يكون الصحابي رواه عن تابعي، عن صحابي، عن رسول الله ﷺ ، ولكن أرسله. قلنا: نادر بعيد فلا عبرة به، وغاية ما قَدَرَ عليه الحفاظ المعتنون أن يُبرزوا من ذلك أمثلة نَزْرَةً، تَجْري مَجْرى الْمُلَح في المذاكرات والنوادر في النوادي. (الجواب الثاني): وهو خاص أن نقول: قد اطلعنا -والحمد لله- أيها الإمام على صحة السماع لعبد الله بن يزيد، من أبي مسعود، وأحضَرَنَا منه ما غاب عنك الإمام الكبير أبو عبد الله البخاري ﵀، في "جامعه الصحيح" حسبما ذكرناه قبلُ من حديثه الذي ذكره في "المغازي" منصوصا فيه على السماع بما أغنى عن إعادته. فمن حكم بصحته، وقَبِلَه، وأدخله في كتابه اطّلع على صحة السماع فيه، وعَلِم منه ما لم تعلم، هذا إن قَدّرنا منه مراعاة هذا الاحتمال النادر، من رواية الصاحب عن التابع، وما أبعد مراعاته، فلا نعلم قال به مَنْ يُعتَمد من أئمة الحديث. وأما حديث عبد الله، عن حذيفة فقد خَرّجته أنت أيها الإمام جريًا على شرطك، ولم يُخَرِّجه هو؛ إما لعلة اطّلع عليها بسعة علمه لم تَطّلِع أنت عليها، أو يكون تركه للاختصار.

стр. 970

فقد روى الخليليّ في "الإرشاد" بسنده عن إبراهيم بن مَعْقِل قال: سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتاب "الجامع" إلا ما صح، وقد تركت من الصحاح -قال: يعني خوفا من التطويل. فالناس -يرحمك الله- تبع لهذا الإمام الكبير المتفق عليه بلا مدافعة، وإنما اقتداؤك به، واقتباسك من أنواره، وأنت وارث علمه، وحائز الْخَصْل بعده، وأما الناس بَعْدَكما فتبع لكما. وإن خَرّج هذا الحديث الذي خَرّجت أنت، أو أمثاله مَنْ يَلتزم الصحيح مثلك، قلنا: لم يُراع هذا الاحتمال، أو عَلِم السماع أو اللقاء فيه. والله أعلم. انتهى كلام ابن رُشيدر رَحِمَهُ اللهُ تعالى باختصار (١). قال الجامع عفا الله تعالى: حاصل ما تعقّب به ابن رُشيد كلام المصنّف رحمهما الله تعالى أنه أتى احتجاجًا على خصمه بما لا يكون حجة، وذلك أنه مثّل بعنعنة صحابيّ عن صحابي، وهذا مما لا نزاع فيه، فإن الصحابة كلهم عدولٌ بإجماع من يُعتَدّ بإجماعه، فلو قُدّر إرسال بعضهم عن بعض لم يضرّ ذلك، ولا يكون قادحًا؛ إذ مراسيلهم مقبولة عند جمهور أهل العلم؛ لما ذكرناه، وعلى فرض احتمال كون الصحابيّ يرويه عن تابعيّ، عن صحابي، فلا يضرّ أيضًا؛ لندور ذلك، والحكم إنما يُبنى على الغالب، هذا من حيث العموم، وأما من حيث الخصوصُ، فإن المثال الذي ذكره، وهو كونه لم يطّلع على ثبوت سماع عبد الله بن يزيد من أبي مسعود، غير صحيح، فقد ثبت سماعه عند البخاريّ في "صحيحه". والحاصل أنه لا يتمّ للمصنّف احتجاجه على خصمه بالمثال الذي ذكره؛ لما سبق آنفًا، فتأمله بإنصاف. والله تعالى أعلم. إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (فَمِنْ ذَلِكَ) أي فمن أمثلة ما رواه بعض المتعاصرين من بعض، دون ثبوت لقاء وسماع (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ) هو: عبد الله بن يزيد بن زيد بن حُصين بن عمرو بن الحارث بن خَطْمة، واسمه عبد الله بن جُشَم بن مالك الأوسي الأنصاريّ، أبو موسى الْخَطْمي، شَهِد الحديبية، وهو صغير، وشهد الْجَمَل وصفِّين مع علي، وكان أميرًا على الكوفة، روى عن النبيِّ ﷺ ، وعن أبي أيوب، وأبي مسعود، وقيس بن سعد ابن عبادة، وحذيفة، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وغيرهم، وعن كتاب عمر بن الخطاب.

стр. 971

ورَوَى عنه ابنه موسى، وابن ابنته عدي بن ثابت الأنصاري، ومحارب بن دِثَار، والشعبي، وأبو إسحاق السبيعي، ومحمد بن كعب القُرَظي، ومحمد بن سيرين، وأبو جعفر الفراء، وغيرهم. قال الآجريّ: قلت لأبي داود: عبد الله بن يزيد له صحبة؟ قال: يقولون: له رؤية، سمعت ابن معين يقول هذا. قال أبو داود: وسمعت مصعبا الزبيري يقول: ليست له صحبة. وقال أبو حاتم: روى عن النبيّ ﷺ ، وكان صغيرا في عهده، فإن صحت روايته فذاك (١). وقال ابن حبان في "كتاب الصحابة": كان أميرا على الكوفة أيام ابن الزبير، وكان الشعبي كاتبه. وقال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: لعبد الله بن يزيد صحبة صحيحة؟ فقال: أما صحيحة فلا، ثم قال: شيء يرويه أبو بكر بن عياش، عن أبي حَصِين، عن أبي بردة، عن عبد الله بن يزيد، قال: سمعت النبيّ ﷺ قال: وما أرى ذاك بشيء. وقال ابن الْبَرْقِيّ: ذكر عبد الله بن عبد الحكم، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن عدي بن ثابت، أن عبد الله بن يزيد كان أميرًا على الكوفة زمنَ ابن الزبير، وذَكَرَ أنه شَهِد بيعةَ الرضوان وما بعدها، وهو رسول القوم يوم جِسْر أبي عبيد. وقال الْبَرْقَانيّ: قلت للدارقطني: موسى بن عبد الله بن يزيد الأنصاري، فقال: ثقة، وأبوه وجّدُّه صحابيان. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" ثمانية أحاديث. وقوله: (وَقَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ) جملة أتى بها لبيان أنه قديم يمكنه لقاءُ حُذيفة، والسماع منه؛ لأنه إذا ثبت له رؤية النبيّ ﷺ ، فبالأحرى أن يثبت له لقاء حذيفة، والسماع منه؛ لتأخره بعد النبيّ ﷺ ، حيث كان موته في أول خلافة عليّ ﵁ ستة (٣٦) (قَدْ رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، ويقال: حِسْل بن جابر العبسي، حَلِيف بني عبد الأشهل، هَرَب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان؛ لأنه حالف اليمانية، وأم حذيفة من بني عبد الأشهل، وأسلم هو وأبوه، وأرادا حضور بدر فأخذهما المشركون، فاستحلفوهما، فحلفا لهم أن لا يشهدا، فقال لهما النبيّ ﷺ : "نَفِي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم"، وشَهِد أحدًا، فقُتل اليمان بها. رَوَى حذيفة عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وروى عنه جابرُ بن عبد الله، وجندب بن عبد الله البجلي، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو الطُّفَيل، وغيرُهم من الصحابة،

стр. 972

وحصين بن جندب أبو ظبيان، ورِبْعيّ بن حِرَاش وزر بن حبيش، وزيد بن وهب، وأبو وائل، وصِلَة بن زُفَر، وجماعة. قال العجلي: استعمله عمر على المدائن، ومات بعد قتل عثمان بأربعين يومًا، سكن الكوفة، وكان صاحب سر رسول الله ﷺ ، ومناقبه كثيرة مشهورة. وقال علي بن زيد بن جُدْعان، عن ابن المسيب، عن حذيفة: "خَيَّرني رسول الله ﷺ بين الهجرة والنصرة، فاخترت النصرة". وقال عبد الله بن يزيد الخطمي عن حذيفة: "لقد حدثني رسول الله ﷺ بما كان وما يكون حتى تقوم الساعة". رواه مسلم. وفي "الصحيحين" أن أبا الدرداء قال لعلقمة: أليس فيكم صاحب السرّ الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة. وفيهما عن عمر أنه سأل حذيفة عن الفتنة. وكانت له فتوحات سنة (٢٢) في الدِّيْنَوَر، وماسَبَذَان وهَمَذَان، والرَّيّ، وغيرها. وقال ابن نمير وغيره: مات ﵁ سنة (٣٦). أخرجٍ له الجماعة، وله من الأحاديث أكثر من مائة حديث، اتفق الشيخان على (١٢) حديثًا، وانفرد البخاريّ بثمانية، ومسلم بـ (١٧) حديثًا (١). [تنبيه]: الحديث الذي رواه عبد الله بن يزيد الأنصاريّ عن حذيفة رضي الله تعالى عنهما أخرجه مسلم في "كتاب الفتن، وأشراط الساعة" من "صحيحه"، فقال: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة ح وحدثني أبو بكر ابن نافع، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن حذيفة، أنه قال: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته، إلا أني لم أساله ما يُخرج أهل المدينة من المدينة. قال الشيخ المعلّميّ رَحِمَهُ اللهَ تعالى: أما حديث حذيفة ﵁ فقد أخرج مسلم معناه مطوّلًا من طريق أبي إدريس عن حذيفة، ومن طريق أبي وائل عن حذيفة، ثم ذكره، فهو متابعة، والحديث مشهور عن حذيفة، فإن صحّ قول مسلم في عدم العلم بلقاء عبد الله بن يزيد لحذيفة، فالجواب أنه لما لم يكن له عنه إلا حديث واحد، والحديث مشهور من غير طريقه عن حذيفة، لم يَحتج أهل العلم إلى الكلام فيه، بل رووا الحديث على أنه متابعة، فهو مقبول في مثل ذلك، وإن كان محكومًا عليه بالانقطاع. انتهى كلام المعلّمي (٢). (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) هو: عقبة بن عمرو بن ثعلبة ابن أسيرة بن عطية بن خُدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري البدري، مشهور بكنيته، اتفقوا على

стр. 973

أنه شهد العقبة، واختلفوا في شهوده بدرًا، فقال الأكثر: نزلها فنسب إليها، وجزم البخاري بأنه شهدها، واستدل بأحاديث أخرجها في "صحيحه"، في بعضها التصريح بأنه شهدها، منها حديث عروة بن الزبير عن بَشِير بن أبي مسعود قال: أَخَّر المغيرة العصر، فدخل عليه أبو مسعود، عقبة بن عمرو جَدُّ زيد بن حسن، وكان شهد بدرًا. وقال أبو عتبة بن سلام، ومسلم في "الكنى": شهد بدرًا. وقال ابن الْبَرْقي: لم يذكره ابن إسحاق فيهم، وورد في عدة أحاديث أنه شهدها. وقال الطبراني: أهل الكوفة يقولون: شهدها، ولم يذكره أهل المدينة فيهم. وقال ابن سعد عن الواقدي: ليس بين أصحابنا اختلاف في أنه لم يشهدها. وقيل: إنه نزل ماء ببدر، فنسب إليه، وشهد أحدًا وما بعدها، ونزل الكوفة، وكان من أصحاب عليّ، واستُخلف مرّة على الكوفة. قال خليفة: مات قبل سنة أربعين. وقال المدائني: مات سنة أربعين. والصحيح أنه مات بعدها، فقد ثبت أنه أدرك إمارة المغيرة على الكوفة، وذلك بعد سنة أربعين قطعًا. قيل: مات بالكوفة، وقيل: مات بالمدينة (١). أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٣٠) حديثًا (٢). [تنبيه]: الحديث الذي رواه. عبد الله بن يزيد، عن أبي مسعود الأنصاريّ رضي الله تعالى عنهما أخرجه البخاريّ، ومسلم في "صحيحيهما"، فأخرجه البخاريّ في "الإيمان"، فقال: حدثنا حجاج بن مِنْهال، قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني عدي بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد، عن أبي مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها، فهو له صدقة"، وأخرجه أيضًا في "المغازي" برقم (٤٠٠٦)، وفي "النفقة" برقم (٥٣٥١). وأخرجه مسلم في "الزكاة"، فقال: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن عدي -وهو ابن ثابت- عن عبد الله بن يزيد، عن أبي مسعود البدري، عن النبي ﷺ قال: "إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها، كانت له صدقة". قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ادّعاه مسلم رَحِمَهُ اللهُ تعالى من عدم سماع عبد الله بن يزيد ﵁ لهذا الحديث عن أبي مسعود ﵁ غير صحيح؛ لأنه وقع التصريح

стр. 974

بالسماع عند البخاريّ في "المغازي" في الباب الذي يلي "شهود الملائكة بدرًا" من "صحيحه" ٥/ ١٠٧، فقال: نا مسلم، قال: نا شعبة، عن عديّ، عن عبد الله بن يزيد، سمع أبا مسعود البدريّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "نفقة الرجل على أهله صدقة". فقد ثبت تصريح عبد الله بن يزيد بسماعه من أبي مسعود رضي الله تعالى عنهما، خلاف ما ادّعاه مسلم هنا. والله تعالى أعلم. وقوله: (وَعَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هكذا هو في الأصول: "وعن" بالواو، والوجه حذفها، فإنها تُغيّر المعنى. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وجه ما قاله النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أنه يلزم على إثبات الواو أن عبد الله بن يزيد روى حديثًا عن حذيفة وأبي مسعود جميعًا، وعن كلّ واحد منهما بانفراده، ولكن الواقع ليس كذلك؛ لأن روايته إنما هو عن كلّ واحد منهما بانفراده، كما سبق آنفًا. لكن عندي في هذا نظر؛ إذ لا مانع أن يكون روى عنهما جميعًا، وإن لم نعرف عين ما رواه كذلك؛ لأن مسلمًا إمام مطّلع، لا يدافَع، فيحتمل أنه اطّلع على روايته عنهما جميعًا، فليُتأمّل. والله تعالى أعلم. وقوله: (حَدِيثًا) مفعول "روى". وجملة (يُسْنِدُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) في محل نصب صفة "حديثًا" (وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ) أي رواية عبد الله بن يزيد ﵁ (عَنْهُمَا) أي عن حُذيفة، وأبي مسعود رضي الله تعالى عنهما (ذِكْرُ السَّمَاعِ مِنْهُمَا) برفع "ذكر" على أنه اسم "ليس" (وَلَا حَفِظْنَا) بكسر الفاء، من باب علم (فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ) ﵁ (شَافَهَ) أي كلّم بلا واسطة، يقال: شافهه: إذا أدنى شفته من شفته، فكلّمه. قاله في "اللسان" (حُذَيْفَةَ وَأَبَا مَسْعُودٍ بِحَدِيثٍ قَطُّ، وَلَا وَجَدْنَا ذِكْرَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمَا فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا) هذا بالنسبة لحذيفة ﵁ صحيح، وأما بالنسبة لأبي مسعود ﵁ فغير صحيح؛ لأنه ثبت في "صحيح البخاري" تصريحه بسماعه منه، كما سبق آنفًا. فتنبّه. والله تعالى أعلم. (وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ مَضَى) أي قبل زمن مسلم (وَلَا مِمَّنْ أَدْرَكْنَا) أي ممن عاصرهم (أَنَّهُ طَعَنَ فِي هَذيْنِ الْخَبَرَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ) ﵃ (بِضَعْفٍ) متعلّق بـ "طعن" (فِيهِمَا) متعلّق بصفة لضعف (بَلْ هُمَا) مبتدأ خبره قوله: "من صحاح الأسانيد" (وَمَا أَشْبَهَهُمَا عِنْدَ مَنْ لَاقَيْنَا) بفتح القاف، مفاعلة من اللقاء، يقال: لقيه من باب تعب لُقِيّا بضم، فكسر، ولُقًى الضم مع القصر، ولِقاءً بالكسر، مع المد والقصر: إذا استقبله، وصادفه. أفاده الفيّوميّ. والظرف

стр. 975

متعلّق بحال مقدَّر (مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ) بيان لمن لاقينا (بِالْحَدِيثِ) متعلّق بالعلم (مِنْ صِحَاحِ الْأَسَانِيدِ) بكسر الصاد المهملة: جمع صحيح، والجارّ والمجرور متعلّق بخبر المبتدإ (وَقَوِيِّهَا) بالجر عطفًا على "صحاح" عطف توكيد (يَرَوْنَ اسْتِعْمَالَ مَا نُقِلَ بِهَا) أي العمل بالحديث الذي روي بهذه الأسانيد، ومرجع الضمير قوله: "بل هما، وما أشبههما". وعطف قوله: (وَالِاحْتِجَاجَ) من عطف الخاصّ على العامّ؛ لأن الاستعمال يعم الاحتجاج وغيره (بِمَا أَتَتْ) "ما" موصولة أي بالمرويّات التي جاءت بهذه الأسانيد. وقوله (مِنْ سُنَنٍ وَآثَارٍ) بيان لما، وعطف "آثار" على"سنن" من عطف المغاير، إن قلنا إن الآثار تخصّ الموقوفات، أو من عطف المرادف، إن قلنا تعم المرفوعات أيضًا، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في أوائل هذا الشرح (وَهِيَ) أي هذان الإسنادان، وما أشبههما (فِي زَعْمِ) بتثليث الزاي، والفتح لغة الحجاز، والضم لغة بني أسد، والكسر لغة بعض بني قيس، وقد تقدّم أن أكثر ما يُطلق عليه الزعم فيما كان باطلًا، أو فيه ارتياب (مَنْ حَكَيْنَا) بفتح الكاف، من باب ضرب (قَوْلَهُ مِنْ قَبْلُ) بالبناء على الضم، كما سبق توجيهه غير مرّة، والمراد بمن حكى قوله هو المخترع المذكور (وَاهِيَةٌ) أي ضعيفة، قال النوويّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: لو قال: ضعيفة، بدل "واهية" لكان أحسن، فإن هذا القائل لا يدّعي أنَّها واهيةٌ شديدة الضعف، متناهية فيه، كما هو معنى "واهية"، بل يقتصر على أنها ضعيفة، لا تقوم بها الحجة. انتهى (١). (مُهْمَلَةٌ) أي غير مستعملة، لا في باب العمل، ولا في باب الاحتجاج (حَتَّى يُصِيبَ) بضم أوله، من الإصابة، والضمير يعود لقوله: "من حكينا الخ" (سَمَاعَ الرَّاوِي) بنصب على المفعولية لما قبله (عَمَّنْ رَوَى) أي عنه، فحُذف العائد لكونه مجرورًا بما جرّ به الموصول، كما في قوله : ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ الآية [المؤمنون: ٣٣]، وإلى هذا أشار ابن مالك رَحِمَهُ اللهُ تعالى في "الخلاصة" حيث قال: كَذَا الَّذِي جُرَّ بِمَا الْمَوْصُولَ جَرّ ... كَمُرَّ بِالَّذِي مَرَرْتُ فَهْوَ بَرّ (وَلَوْ ذَهَبْنَا) أي قصدنا، يقال: ذهب مذهب فلان: إذا قصد قصده، وطريقته. قاله الفيّوميّ. و"لو" هذه شرطيّة، وفسّرها سيبويه بأنّها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، وفسّرها غيره بأنها حرف امتناع لوجود، وهذا هو المشهور، والأول هو الأصحّ، كما هو مقرّر في محلّه (نُعَدِّدُ) بضم أوله من التعديد، وهو الإحصاء: أي نُحصي (الْأَخْبَارَ الصِّحَاحَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) بنصب "الأخبار" على المفعوليِّة: أي الأخبار التي

стр. 976

يرى أهل العلم صحتها (مِمَّنْ يَهِنُ) أي يَضْعُفُ، وهو بفتح أولّه، وكسر ثانيه، مضارع وَهَن، كوعد يعد، وأصله يَوْهِنُ، حذفت الواو؛ استثقالًا؛ لوقوعها بين الياء والكسرة، ويتعدّى ويلزم على لغة، والأجود أن يتعدّى بالهمزة، فيقال: أوهنه. ووَهِنَ يَهِن بالكسر فيهما لغة، وبها قرأ بعضهم قوله : ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٤٦]. أفاده الفيّوميّ (بِزَعْمِ هَذَا الْقَائِلِ) متعلّق بما قبله (وَنُحْصِيهَا) بضم أوله، من الإحصاء رباعيّا. وقوله: (لَعَجَزْنَا) جواب "لو"، واقتران جوابها باللام إذا كان مثبتًا هو الغالب، ويجوز حذفها، فتقول: لو قام زيد قام عمرو (عَنْ تَقَصِّي ذِكْرِهَا) أي المبالغة فيه، يقال: تقصّى الأمر، واستقصاه: إذا بلغ غايته. أفاده المرتضى في "شرح القاموس". وعطف قوله (وَإِحْصَائِهَا) على ما قبله من باب التوكيد (كُلِّهَا) بالجرّ تأكيد للضمير المجرور (وَلَكِنَّا أَحْبَبْنَا أَنْ نَنْصِبَ) أي نجعل علامةً، يقال: نصبتُ الحجر: إذا رفعته علامةً (مِنْهَا عَدَدًا) أي معدودًا من الأخبار الصحاح (يَكُونُ سِمَةً) بكسر السين المهملة، وفتح الميم: أي علامة، وأصله وسم، فحذفت الواو، وعُوّض عنها الهاء في الآخر، واجتُلبت همزة الوصل توصّلًا للنطق بالساكن (لِمَا سَكَتْنَا عَنْهُ مِنْهَا) الضمير الأول عائد إلى الموصول، والثاني للأخبار الصحاح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ثم شرع يذكر تلك الأخبار الصحاح التي أراد أن ينصب عددًا منها علامة على غيرها، فقال: (وَهَذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ، وَهُمَا مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَصَحِبَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِنَ الْبَدْرِيِّينَ هَلُمَّ جَرًّا، وَنَقَلَا عَنْهُمُ الْأَخْبَارَ، حَتَّى نَزَلَا إِلَى مِثْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَوِيهِمَا، قَدْ أَسْنَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا، وَلَمْ نَسْمَعْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيًّا، أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيْئًا). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة: بيّن رَحِمَهُ اللهُ تعالى ما أراده من إلزام خصمه -حسب زعمه- بما ضربه من المثال، حيث ذكر أن أبا عثمان النهدّي، وأبا رافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهليّة، وصحبا أصحاب النبيّ ﷺ من البدريين، فمن بعدهم، ورويا عنهم، إلى أن نزلا إلى من تأخر من الصحابة ﵃ لتأخر إسلامه، كأبي هريرة ﵁ أو لصغر سنه كابن عمر ﵄، وأمثالهما، قد رويا عن أبيّ بن كعب ﵁، عن النبيّ ﷺ حديثًا بالعنعنة، وقد صححه أهل العلم بالحديث، مع أنه لم يثبت لدينا سماعهما، ولا رؤيتهما لأبيّ بن كعبّ ﵁. هذا خلاصة معنى كلامه رَحِمَهُ اللهُ تعالى، وستأتي مناقشته في ذلك -إن شاء الله تعالى.

стр. 977

إيضاح الشرح التفصيليّ: (وَهَذَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ) -بفتح النون، وسكون الهاء- هو: عبد الرَّحمن بن مهديّ بن ملّ بتثليث الميم، وتشديد اللام، مخضرم ثقة ثبتٌ عابد، مشهور بكنيته، مات سنة (٩٥) وقيل: بعدها، وعاش (١٣٠) سنة، وقيل: أكثر. وقد تقدّمت ترجمته في ٢/ ٩. (وَأَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ) هو: نفيع الصائغ، أبو رافع المدني، نزيل البصرة، مولى ابنة عمر بن الخطاب، وقيل: مولى بنت العجماء، أدرك الجاهلية، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وحفصة بنت عمر، ﵃. وروى عنه ابنه عبد الرَّحمن، والحسن البصري، وحميد بن هلال، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، وقال: خرج من المدينة قديما، وكان ثقة. وقال العجلي: بصري تابعي ثقة، من كبار التابعين. وقال أبو حاتم: ليس به بأس. وقال حماد بن سلمة عن ثابت: لَمّا أُعتق أبو رافع بكى، وقال: كان لي أجران، فذهب أحدهما. وصحح الدارقطني أن اسمه قتيبة، وقال: وهو ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن عبد البر في الصحابة: لا أقف على نسبه، وهو مشهور من علماء التابعين، أدرك الجاهلية. وروى إبراهيم الحربي في "غريبه" من طريق أبي رافع، قال: كان عمر يمازحني، حتى يقول: أكذب الناس الصائغ، يقول: اليوم، وغدا. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٧) حديثًا. (وَهُمَا) أي أبو عثمان، وأبو رافع (مِمّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ) قال النوويّ في "شرحه": معناه: كانا رجلين قبل بعثة رسول الله ﷺ ، والجاهليّة ما قبل بعثة رسول الله ﷺ ، سُمُّوا بذلك لكثرة جهالاتهم. انتهى (١). وقال ابن منظور رَحِمَهُ اللهُ تعالى: الجاهليّة، هي زمن الفترة التي كانت قبل بعثة النبيّ ﷺ . ويقال: كان ذلك في الجاهليّة الجهلاء، وهو توكيد للأول، يُشتقّ له من اسمه ما يؤكّد به، كما يقال: وَتِدٌ واتِدٌ، وهَمَجٌ هامجٌ، وليلةٌ ليلاءُ، ويومٌ أيوم. قاله في "اللسان" (٢). وفي حديث أبي ذرّ ﵁ في "صحيح البخاريّ" قال له النبيّ ﷺ : "إنك امرؤ فيك جاهليّة". قال ابن الأثير رَحِمَهُ اللهُ تعالى: هي الحال التي كانت العرب عليها قبل الإسلام،

стр. 978

من الجهل بالله سبحانه، ورسوله ﷺ ، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكبر، والتكبّر، وغير ذلك. انتهى (١). (وَصَحِبَا) بكسر الحاء المهملة، من باب علم صُحْبَة بالضمّ (أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ) أي الصحابة الذين شهدوا وقعة بدر الكبرى. وقد تقدّم البحث عنها عند قول المصنّف: "ما حدّثنا الحسن عن بدريّ مشافهة الخ "، فلا تنس. (هَلُمَّ جَرًّا) أي استمرّت هذه الصحبة استمرارًا إلى أن وصلت إلى الطبقة المتأخرة من الصحابة، كأبي هريرة، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم. [تنبيه]: قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ليس هذا موضع استعمال "هَلُمَّ جرّا"؛ لأنها إنما تُستعمل فيما اتّصل إلى زمان المتكلّم بها، وإنما أراد مسلم، فمن بعدهم من الصحابة. انتهى (٢). وقوله: "جرّا" منوّنٌ، قال صاحب "المطالع": قال ابن الأنباريّ: معنى "هلُمّ جرّا" سيروا، وتمهّلوا في سيركم، وتثبّتوا، وهو من الجرّ، وهو ترك النَّعَم في سيرها، فيُستعمل فيما دُووم عليه من الأعمال. قال ابن الأنباريّ: فانتصب "جرّا" على المصدر: أي جُرّوا جرّا، أو على الحال، أو على التمييز. انتهى (٣). وكتب العلامة ابن عابدين رَحِمَهُ اللهُ تعالى في رسالته في إعراب الكلمات الغريبة بحثًا نفيسًا في هذه الجملة، فقال: ما حاصله: قولهم: "هَلُمّ جَرًّا". "هَلُمّ" بمعنى تعال، وهو مركّبٌ من ها التنبيه، ومن لُمَّ: أي ضُمّ نفسك إلينا، واستُعمل استعمال البسيط، يستوي فيه الواحد والجمع، والتذكير والتأنيث، عند الحجازيين، كذا في "القاموس"، وسبقه إلى ذكره صاحب "الصحاح"، وتبعه الصغانيّ، فقالا: تقول: كان ذلك عام كذا، وهَلُمَّ جرّا إلى اليوم. انتهى. ولا يخفى عدم جريان ما قاله في "القاموس" في مثل هذا. وتوقّف الجمال بن هشام في كون هذا التركيب عربيًّا محضًا، وساق وجوه توقّفه في رسالة له، وأجاب عن ذكره في "الصحاح"، ونحوه، وذَكَر ما للعلماء في إعرابه، ومعناه، وما يَرِد عليه، ثم قال: فلنذكُر ما ظهر لنا في توجيه هذا اللفظ بتقدير كونه عربيّا، فنقول: "هَلُمَّ" هذه هي القاصرة التي بمعنى "ائت"، و"تعالَ"، إلا أن فيها تجوّزين: [أحدهما]: أنه ليس المراد بالإتيان هنا المجيء الحسيّ، بل الاستمرار على

стр. 979

الشيء، والمداومة عليه، كما تقول: امشِ على هذا الأمر، وسِرْ على هذا المنوال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ الآية [ص: ٦]، المراد بالانطلاق ليس الذهاب الحسيّ، بل انطلاق الألسنة بالكلام، ولهذا أعربوا "أن" تفسيريّةً، وهي إنما تأتي بعد جملة فيها معنى القول، كقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ الآية [المؤمنون: ٢٧]، والمراد بالمشي ليس المشي على الأقدام، بل الاستمرار، والدوام: أي دُوموا على عبادة أصنامكم، واحبسوا أنفسكم على ذلك. [الثاني]: أنه ليس المراد الطلب حقيقة، وإنما المراد الخبر، وعُبّر عنه بصيغة الطلب، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، و ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]. و"جرّا" مصدر جرّه يجُرّه: إذا سحَبه، ولكن ليس المراد الجرّ الحسيّ، بل المراد التعميم، كما استُعمل السحب بهذا المعنى، ألا ترى أنه يقال: هذا الحكم منسحبٌ على كذا: أي شاملٌ له، فإذا قيل: كان ذلك عام كذا، وهَلُمّ جرّا، فكأنه قيل: واستمرّ ذلك في بقيّة الأعوام استمرارًا، أو استمرّ مُستمِرّا على الحال المؤكِّدة، وذلك ماش في جميع الصور. وهذا هو الذي يفهمه الناس من هذا الكلام، وبهذا التأويل ارتفع إشكال العطف، فإن هلمّ حينئذ خبر، وإشكال إفراد الضمير، إذ فاعل هلُمّ مفرد أبدًا، كما تقول: واستمرّ ذلك، أو واستمرّ ما ذكرته. انتهى. ما ذكره ابن عابدين في رسالته "الفوائد العجيبة" (١). (وَنَقَلَا) أي كلّ من أبي عثمان، وأبي رافع (عَنْهُمُ) أي عن أصحاب رسول الله ﷺ (الْأَخْبَارَ) بفتح الهمزة جمع خبر (حَتَّى نَزَلَا إِلَى مِثْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَذَوِيهِمَا) أي وأصحابهما، فـ "ذوي" جمع "ذي" التي بمعنى صاحب. قال النوويّ في "شرحه": فيه إضافة "ذي" إلى غير الأجناس، والمعروف عند أهل العربيّة أنها لا تُستعمل إلا مضافة إلى الأجناس، كذي مال، وقد جاء في الحديث وغيره من كلام العرب إضافة أحرف منها إلى المفردات، كما في الحديث: "وتَصِلُ ذا رحمك"، وكقولهم: ذو يَزَن، وذو نُواس، وأشباهها، قالوا: هذا كلّه مقدَّر فيه الانفصال، فتقدير ذي رحمك الذي له معك رحم. انتهى (٢).

стр. 980

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ذكر الجوهريّ في "الصحاح": ما نصّه: أما "ذو" الذي بمعنى "صاحب"، فلا يكون إلا مضافًا، فإن وصفت به نكرةً أضفته إلى نكرة، وإن وصفت به معرفةً أضفته إلى الألف واللام، ولا يجوز أن تُضيفه إلى مضمر، ولا إلى زيد، وما أشبهه. انتهى (١). لكن ذكر ابن برّيّ جواز إضافة "ذي" إلى مضمر، وعلم، فقال: إذا خرجت "ذو" عن أن تكون وُصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس لم يمتنع أن تدخل على الأعلام، والمضمرات، كقولهم ذو الْخَلَصَة، والْخَلَصَةُ اسم علمٍ لصنم، و"ذو" كناية عن بيته، ومثله قولهم: ذو رُعَين، وذُو جَدَنٍ، وذو يَزَنَ، وهذه كلها أعلام، وكذلك دخلت على المضمرات أيضًا، قال كعب بن زُهير [من الوافر]: صَبَحْنَا الْخَزْرَجِيَّةَ مُرْهَفَاتٍ ... أَبَارَ ذَوِي أَرُومَتِهَا ذَوُوهَا وقال الأحوص [من الطويل]: وَلَكِنْ رَجَوْنَا مِنْكَ مِثْلَ الَّذِي بِهِ ... صُرِفْنَا قَدِيمًا مِنْ ذَوِيكَ الأَوَائِلِ وقال آخر [من مجزوّ الرمل]: إِنَّمَا يَصْطَنِعُ الْمَعْـ ... ـرُوفَ فِي النَّاسِ ذَوُوهُ ذكره ابن منظور في "اللسان" (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فعلى كلام ابن برّي أن استعمال المصنّف لذوي مضافة إلى الضمير صحيح، وهو الذي لا يتّجه عندي غيره؛ لثبوت استعماله في كلام العرب. والله تعالى أعلم. (قَدْ أَسْنَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية ابن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري، أبي المنذر، وأبي الطُّفَيل، سيد القراء، كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرا، والمشاهد كلها، قال له النبيّ ﷺ : "لِيَهْنِك العلم أبا المنذر"، وقال له: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك"، وكان عمر يسميه سيد المسلمين، ويقول: اقرأ يا أبيّ، ويروي ذلك عن النبيّ ﷺ أيضًا. وأخرج الأئمة أحاديثه في صحاحهم، وعَدَّه مسروق في الستة من أصحاب الفتيا. قال الواقدي: وهو أول من كتب للنبي ﷺ ، وأول من كتب في آخر الكتاب: وكتب فلان ابن فلان. وكان رَبْعَةً، أبيض اللحية، لا يغير شيبه. وممن روى عنه من الصحابة عمر، وكان يسأله عن

стр. 981

النوازل، ويتحاكم إليه في المعضلات، وأبو أيوب، وعبادة بن الصامت، وسهل بن سعد، وأبو موسى، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس، وسليمان بن صُرَد، وغيرهم. قال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين يقول: مات أبي بن كعب سنة عشرين، أو تسع عشرة. وقال الواقدي: ورأيت آل أُبَيّ وأصحابنا يقولون: مات سنة اثنتين وعشرين، فقال عمر: اليوم مات سيد المسلمين. قال: وقد سمعت من يقول: مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، وهو أثبت الأقاويل. وقال ابن عبد البر: الأكثر على أنه مات في خلافة عمر. وصحح أبو نعيم أنه مات في خلافة عثمان سنة ثلاثين، واحتج له بأن زِرَّ بن حُبَيش لقيه في خلافة عثمان. وروى البخاري في "تاريخه" عن عبد الرَّحمن بن أبزى قال: قلت لأبي لما وقع الناس في أمر عثمان ... فذكر قصة. وروى البغوي عن الحسن، في قصة له أنه مات قبل قتل عثمان بجمعة .. وقال ابن حبان: مات سنة ثنتين وعشرين في خلافة عمر. وقد قيل: إنه بقي إلى خلافة عثمان. وثبت عن أبي سعيد الخدري أن رجلا من المسلمين قال: يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا فيها؟ قال: "كفارات"، فقال أبي بن كعب: يا رسول الله وإن قلت؟ قال: "وإن شوكةً فما فوقها"، فدعا أبي ألا يفارقه الوَعْكُ حتى يموت، وألا يَشْغَله عن حج، ولا عمرة، ولا جهاد، ولا صلاة مكتوبة في جماعة، قال: فما مس إنسان جسده إلا وجد حَرّه حتى مات. رواه أحمد، وأبو يعلى، وابن أبي الدنيا، وصححه ابن حبان، ورواه الطبراني، من حديث أبي بن كعب بمعناه، وإسناده حسن. قاله في "الإصابة" (١). أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (٢٠) حديثًا (٢). (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا) أي روى كلّ واحد منهما حديثًا واحدًا. [تنبيه]: أما حديث أبي عثمان عن أُبَيّ ﵁ فهو ما أخرجه مسلم في "المساجد، ومواضع الصلاة"، ونصّه: حدثنا محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّمِيّ، حدثنا عَبّاد بن عباد، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن أُبَيّ بن كعب، قال: كان رجل من الأنصار، بيته أقصى بيت في المدينة، فكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله ﷺ ، قال: فتوجعنا له، فقلت له: يا فلان لو أنك اشتريت حمارا، يقيك من الرَّمْضَاء، ويَقِيك من هَوَامّ الأرض، قال: أَمَا والله ما أحب أن بيتي مُطنَّبٌ ببيت محمد ﷺ ، قال: فحملت به حملًا، حتى أتيت نبي الله ﷺ ،

стр. 982

فأخبرته، قال: فدعاه، فقال له مثل ذلك، وذكر له أنه يرجو في أثره الأجر، فقال له النبيّ ﷺ : "إن لك ما احتسبت" (١). وأما حديث أبي رافع، عن أبيّ ﵁، فهو ما أخرجه أحمد في "مسنده"، فقال: حدثنا عبد الرَّحمن بن مهدي، وحسن بن موسى، وعفان، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، وقال عفان: أخبرنا ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ ... وحدثنا عبد الله، حدثنا هُدْبة بن خالد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبَيّ بن كعب: "أن رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فسافر سنة، فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل، اعتكف عشرين يومًا". وأخرجه أبو داود في "سننه" في "كتاب الصوم" رقم (٢١٠٧)، وابن ماجه في "كتاب الصيام" برقم (١٧٦٠)، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٤٣٩. قال الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى: أقول: لم يُخرجه مسلم ﵀ في "الصحيح"، وذلك يدلّ على توقّف له فيه؛ لأنه ليس هناك طريقٌ أخرى صحيحة يُوردها، ويَجعَل هذه متابعةً لها، والحديث في حكم وسنّة، وقد أنصف بذلك. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما قاله المعلّميّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى أن احتجاج المصنّف بحديث أبي عثمان، وأبي رافع على إلزام خصمه غير صحيح. أما بالنسبة لحديث أبي عثمان عن أُبيّ ﵁ فلثبوت تصريحه بسماعه منه، كما سبق آنفًا. وأما بالنسبة لحديث أبي رافع عن أبيّ ﵁، فلأنه ليس مما تلقّاه الأئمة بالقبول، وصححوه، بل حتى عند مسلم نفسه؛ لأن إعراضه عنه مع أنه حديث يحتوي على حكم وسنة لم يورد بدله في "صحيحه" دليلٌ على توقّفه في صحته. فتبصّر بإنصاف، ولا تتهوّر بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب. (وَلَمْ نَسْمَعْ فِي رِوَايَةٍ بِعَيْنِهَا أَنَّهُمَا عَايَنَا أُبَيًّا، أَوْ سَمِعَا مِنْهُ شَيْئًا) يعني أنه لم يثبت صريحًا أنهما أخذاه سماعًا من أُبَيّ ﵁، مع أن أهل الحديث صححوه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما بالنسبة لأبي رافع، فمقبول، وأما بالنسبة لأبي عثمان، ففيه نظر؛ لأنه ثبت في "مسند أحمد" تصريحه بأن أبيا ﵁ حدَّثه به، ودونك نصّه: [٢٠٦٦] حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أُبَيّ، قال: كان ابن عم

стр. 983

لي، شاسع الدار، فقلت: لو أنك اتخذت حمارا، أو شيئًا، فقال: ما يسرني أن بيتي مُطَنّبٌ ببيت محمد ﷺ قال: فما سمعت عنه كلمة، أكره إلي منها، قال: فإذا هو يذكر الخطا إلى المسجد، فسأل النبيَّ ﷺ فقال: "إن له بكل خطوة درجة". حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان، حدثني أُبَيّ بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : "أما إن لك ما احتسبت". فثبت بهذا أن ما ادّعاه مسلم من عدم معاينة أبي عثمان لأبيّ ﵁، وعدم سماعه غير صحيح. فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَأَسْنَدَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا، وَأَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرَيْنِ). إيضاح المعنى الإجماليّ لهذه الفقرة: ذكر رَحِمَهُ اللهُ تعالى أيضًا مثالًا آخر لما ادّعاه من إلزامه خصمه، حيث ذكر أن أبا عمرو الشيبانيّ، وهو من كبار التابعين، ممن أدرك زمن الجاهليّة، وكان في عهده ﷺ رجلًا بالغًا، وأبو معمر عبد الله بن سخبرة قد روى كلّ منهما عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدري المتقدّم قريبًا، عن النبيّ ﷺ حديثين، أي ولم يثبت لدينا لقاؤهما له، وسماعهما منه، مع أن هذين الحديثين صحيحان عن أهل الحديث. هذا حاصل ما أشار إليه، وسيأتي ما فيه في الشرح التفصيليّ، إن شاء الله تعالى. إيضاح الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة: (وَأَسْنَدَ) أي روى حديثًا مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ (أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ) هو: سعد بن إياس، أبو عمرو الشيباني الكوفي، روى عن ابن مسعود، وعلي، وحذيفة، وأبي مسعود البدري، وجَبَلَة بن حارثة، وزيد بن أرقم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، والحارث بن شُبَيل، والوليد بن العيزار، والأعمش، ومنصور، وعيسى بن عبد الرَّحمن السلمي، وغيرهم. قال إسماعيل بن أبي خالد عنه: تكامل شبابي يوم القادسية، فكنت ابن أربعين سنة، وكانت وقعة القادسية سنة (١٦). وقال أيضًا: بُعِث النبيّ ﷺ ، وأنا أرعى إبلا لأهلي بكاظمة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، ووثقه العجلي أيضًا. وقال هبة الله بن الحسن الطبري: مجمع على ثقته. وقال إسماعيل بن أبي خالد: عاش عشرين ومائة سنة. فتكون وفاته سنة (٩٦).

стр. 984

وأرخه ابن عبد البر في "الاستيعاب" سنة (٩٥). وسماه ابن حبان في "الثقات" سعيدا، وقال: حَجّ في الجاهلية، وليست له صحبة، وروى عن عمر، وغيره، وعنه الناس، حضر القادسية، وهو ابن أربعين سنة، ومات بعد أن تم له عشرون ومائة سنة، وكانت القادسية سنة (٢١)، قال: فكأنه مات سنة (١٠١). وقال أبو نعيم في "الصحابة": سعد ابن إياس، ويقال: سعيد. وذكر الصَّرِيفيني أنه مات سنة (٩٨). وقال في "التقريب": ثقة مخضرمٌ، من الثانية، مات سنة خمس، أو ستّ وتسعين، وهو ابن عشرين ومائة سنة. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" سبعة أحاديث بالمكررات. وقوله: (وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ) تقدَّم تفسيرها قريبًا. (وَكَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلًا) أي كبيرًا، وقد سبق آنفًا في ترجمته أنه قال: بُعث النبيّ ﷺ ، وأنا أرعى إبلًا لأهلي بكاظِمَةَ، وهي اسم موضع على سِيف البحر من البصرة، على مرحلتين. قاله في "اللسان" (١). وغرض المصنّف بهذا إثبات إمكان لقاء أبي عمرو الشيبانيّ وسماعه من أبي مسعود ﵁ حيث كان رجلًا كبيرًا في أيام الجاهليّة، وأبو مسعود ﵁ متأخّر بعد النبيّ ﷺ ؛ لأنه مات بعد الأربعين، وقيل: قبلها. (وَأَبُو مَعْمَرٍ، عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ) -بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الباء الموحدة- الأزدي الكوفي، من أزد شنوءة، رَوَى عن عمر، وعلي، والمقداد، وابن مسعود، وخباب بن الأرت، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود الأنصاري، وأرسل عن أبي بكر الصديق. وروى عنه عمارة بن عمير، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وتميم بن سلمة، ويزيد بن شريك التيمي. قال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن سعد: تُوُفي في ولاية عبيد الله بن زياد، وهو ثقة، وله أحاديث. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال في "التقريب": ثقة، من الثانية، مات في إمارة عبيد الله بن زياد. انتهى. أخرج له الجماعة، وله في "صحيح مسلم" (١٢) حديثًا. (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو البدريِّ ﵁ المتقدّم قريبًا (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَبَرَيْنِ) يعني أن كلّا من أبي عمرو الشيباني، وأبي معمر روى، عن أبي مسعود ﵁ حديثين مرفوعين إلى النبيّ ﷺ . [تنبيه]: أما حديثا أبي عمرو الشيبانيّ، [فأحدهما]: هو ما أخرجه مسلم في "صحيحه"، فقال:

стр. 985

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وابن أبي عمر، واللفظ لأبي كريب، قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل إلى النبيّ ﷺ ، فقال: إني أُبدع بي، فاحملني، فقال: "ما عندي"، فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله، فقال رسول الله ﷺ : "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" (١). [والثاني]: هو ما أخرجه مسلم أيضًا في "كتاب الجهاد"، فقال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة، كلها مخطومة" (٢). وقد روى أبو عمرو عن أبي مسعود ﵁ أيضًا حديثًا ثالثًا، أخرجه ابن ماجه في "سننه"، فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "المستشار مؤتمن" (٣). قال الشيخ المعلّمي رَحِمَهُ اللهُ تعالى معلّقًا على ما اقتضاه كلام المصنّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى من الانقطاع: ما نصّه: وكلها في فضائل الأعمال، وشواهد الأول من السنن الثابتة معروفة، كقوله ﷺ : "من سنّ سنة حسنةً، فله أجرها، وأجر من عمل بها". رواه مسلم. وقوله: "من دعا إلى هُدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه". ودليل الثاني: قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٦١]. وللثالث شواهدُ من حديث جابر، وابن عباس، وأبي هريرة ﵃، ومعناه ثابت في العقول أن الإنسان لا يستشير على الحقيقة إلا من يأتمنه، فمن استشارك، فقد ائتمنك. انتهى كلام المعلّمي (٤).
следующие страницы →