فطريقة الرسل؛ هي: «الإجمال في النفي، والتفصيل في الإثبات»، وهذا أمر أغلبي، وليس بمطرد، فمعنى ذلك: أن الإثبات قد يأتي مجملاً، كما أن النفي قد يأتي مفصلاً.
ثم بعد هذا ساق الشيخ رحمه الله تعالى شواهد النفي المجمل، وشواهد الإثبات المفصل، وبدأ بشواهد النفي المجمل.
قوله: (وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾) الشاهد: قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، ومثلها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: (﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾)، وقد اشتملت هذه الآيات على: نفي «الكفو»، و «النِّد»، و «السَّمِي»، و «المِثل»، وهي معانٍ متقاربة، فكلها تُفسَّر ب: «الشبيه»، و «النظير» (١)، وما أشبه ذلك، فنفي «الكفو»، و «النِّد»، و «السَّمِي»، و «المِثل»؛ نفي مجمل.
ووجه الإجمال في هذه الآيات: أن نفي «الكفو»، و «النِّد»، و «السَّمِي»، و «المِثل» جاء مطلقاً غير مقيد بشيء، فتضمنت نفي «الند» عن الله في كل شيء، ونفي جميع النقائص الثابتة للمخلوق.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ كلها أخبارٌ، ومعنى قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾: لا سمي له.
стр. 107
وقوله تعالى: (﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً﴾) هذا طلب، واستشهد بهذه الآية في باب الصفات؛ لأن النهي فيها يتضمن النفي، نفي أن يكون لله ند، فالمعنى: لا تجعلوا لله أنداداً؛ لأنه ليس له ند، وهذا هو المقصود، كذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾ هذا ذم من الله تعالى للذين جعلوا لله أنداداً يحبونهم كمحبتهم لله، وهذا نوع من الخبر المراد به الطلب (١)؛ لأنَّ الذمَّ فيه نهيٌ، ولكن هو في نفس الأمر يتضمن نفي الند عن الله، فإن الله إنما ذم هؤلاء على ذلك؛ لأنه تعالى لا ند له (٢).
وقوله: (﴿كَحُبِّ اللّهِ﴾) حب: مصدر أضيف إلى لفظ الجلالة، وهو مفعول، فكيف يقدر الفاعل؟
قيل: «كحبهم لله»، وهذا يتضمن التسوية، فأشركوا في التسوية في المحبة، والمراد: يحبون أوثانهم وأندادهم كما يحبون الله.
وقيل: «كحب المؤمنين لله»، فيكون حبهم لأندادهم أكثر من حبهم لله تعالى (٣).
وقد رجح شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - الأولَ (٤)، لأن الواقع منهم التسوية، كما في قوله تعالى عن الكفار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِين (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين (٩٨)﴾ [الشعراء].
стр. 108
وقوله: (﴿أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾) قيل: «أشد من حب المشركين لله».
وقيل: «أشد من حب المشركين لأندادهم»، أي: أن المؤمنين يحبون الله أشد من حب المشركين لأندادهم، وهذا أنسب (١).
فالآيات كلها تدل على نفي الند عن الله، لكن منها ما يدل على ذلك نصاً؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، أو لزوماً؛ كنهيه سبحانه عن أن يُتخذ من دونه أنداد.
* * *
стр. 109
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُون (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (١٠١)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الفرقان].
قوله تعالى: (﴿وَجَعَلُوا﴾) أي: اعتقدوا وافتروا.
وقوله: (﴿الْجِنَّ﴾) يحتمل أن يكون بدلاً من ﴿شُرَكَاء﴾، ويكون المفعول الثاني هو الجار والمجرور (١).
ويحتمل أن يكون منصوباً بنزع الخافض، أي: جعلوا لله شركاء من الجن.
أو يكون ﴿شُرَكَاء﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا، و ﴿الْجِنَّ﴾ مفعول أول مؤخر، والمعنى: وجعلوا لله الجنَّ شركاءَ (٢).
ولعل التقديرَ الأولَ أظهرُ.
стр. 110
وقوله: (﴿وَخَلَقَهُمْ﴾) هذه جملة معترضة، أي: والحال أن الله تعالى خلقهم (٢)، ومع ذلك أشركوا به.
وقوله تعالى: (﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾) أي: اخترعوا وافتروا.
وقوله سبحانه: (﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾) فيه تنزيه الله تعالى عن اتخاذ البنين والبنات، وفيه رد على المشركين الذين قالوا: «الملائكة بنات الله»، والنصارى الذين قالوا: «المسيح ابن الله».
وقوله تعالى: (﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُون (١٠٠)﴾) هذا هو الشاهد من الآية على النفي المجمل؛ فإن قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نفي؛ لأن «التسبيح» فيه معنى النفي، كما أن «الحمد» فيه إثبات، كما تقدم (١)، وهذا عام في تنزيهه تعالى عن كل ما يصفه به الجاهلون المفترون، والمشركون من: الولد، أو الصاحبة، أو الشريك، أو غير ذلك من النقائص والعيوب، فالنفي في هذه الآية مستفاد من قوله: ﴿ ﴾، وهو نفي مجمل؛ لأنه عام، فكل آية فيها هذا الأسلوب؛ فهي من قبيل النفي المجمل.
وقوله تعالى: (﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾) أي: مبتدي خلقهما على غير مثال سابق.
وقوله سبحانه: (﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (١٠١)﴾) أي: الكل خلقه، وليس شيء من الموجودات ابناً له، بل الكل عبيده، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون (٢٦)﴾ [الأنبياء].
стр. 111
وقوله تعالى: (﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾)، الشاهد في هذه الآية؛ قوله سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (١)، والبركة؛ هي: «كثرة الخير ونماؤه وزيادته»، والله هو الذي بيده الخير، والبركة كلها بيده، وهو الذي يبارك فيمن شاء، كما قال تعالى عن عيسى ﵊: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، ويبارك سبحانه فيما شاء مِنَ البقاعِ، ومِنَ العباد، فهو الذي يبارك، والعبدُ مبارَكٌ.
والله تعالى يوصف بأنه تبارك، يعني: كثر خيره وكثرت بركته، وهو ذو البركة التي لا حد لها.
ويفسَّر ﴿﴿تَبَارَكَ﴾ ب: «تعالى وتقدس»، وهذا من معاني «تبارك»، ف ﴿﴿تَبَارَكَ﴾ يتضمن إثبات الخير والبركة له ، وأنه ذو البركة التي لا نهاية لها، ويتضمن تنزيهه تعالى عن النقائص والعيوب، ولهذا قال المفسرون: «﴿﴿تَبَارَكَ﴾ - يعني -: تعالى، وتقدس» (٢)؛ وبهذا الاعتبار تكون الجملة دالة على نفي مجمل.
وهذه الصيغة لا تستعمل إلا في حقه (٣)، فلا يضاف ﴿﴿تَبَارَكَ﴾ إلا إلى الله تعالى، أو إلى اسم من أسمائه تعالى، كما
стр. 112
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٧٨)﴾ [الرحمن]، وقال: ﴿تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين (٥٤)﴾ [الأعراف].
أما المخلوق فلا يقال فيه: «تبارك»؛ بل يقال: «بارك الله فيه»، و «هذا شيء مبارَك»، ويُدعا له بالبركة فيقال: «بارك الله فيه»، ولا يقال: «هذا شيء تبارك»، ولا يقال: «تبارك فلان»، ولا «تباركت علينا يا فلان»، كما يجري على ألسنة العامة، فإن «تبارك» يدل على أن البركة ذاتية، وليس ذلك إلا لله وحده، فإن الله تعالى هو الذي بركته ذاتية، أما المخلوق؛ فإن بركته هبة وعطية من الله لعبده، فلهذا «تبارك» لا يضاف إلا إلى الله، أو إلى اسم من أسمائه، ولا يضاف إلى المخلوق، لا إلى عاقل ولا إلى غير عاقل.
* * *
стр. 113
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُون (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُون (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُون (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِين (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُون (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون (١٥٩) إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِين (١٦٠)﴾، إلى قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٨٢)﴾ [الصافات] فسبح نفسه عما يصفه المفترون المشركون، وسلَّم على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك، وحمد نفسه؛ إذ هو سبحانه المستحق للحمد؛ بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات.
قوله سبحانه: (﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾) أي: اسألهم سؤالَ توبيخٍ.
وقوله تعالى: (﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُون (١٤٩)﴾) هذا توبيخ لمن زعم أن الملائكة بنات الله، مع أنهم كانوا يكرهون البنات لأنفسهم كما قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُون (٥٧)﴾ [النحل].
قوله تعالى: (﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُون (١٥٠)﴾) «أم» تسمى المنقطعة، وتُفسر ب «بل، والهمزة» (١)، أي: بل أخلقنا الملائكة
стр. 114
إناثاً وهم شاهدون، والمعنى: هل حضروا خلْق الملائكة، فيرون أنهم إناث وبنات؟!
قوله تعالى: (﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون (١٥٢)﴾) هذا تكذيب لهم مؤكد ب «إنَّ»، و «اللام».
قوله تعالى: (﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين (١٥٣)﴾) هذا استفهامُ توبيخ - أيضاً -.
قوله تعالى: (﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُون (١٥٥)﴾) الآيات. أنكر الله تعالى عليهم هذه الفِرْية، وهذه المقولة الباطلة بشتى أنواع الإنكار، وبيَّن أن مقالتهم تلك لا سند لها من عقل ولا شرع.
وهذه الآيات فيها نفي الولد عن الله تعالى، وفيها تغليظ الإنكار على من زعم ذلك بأساليب عدة.
قوله تعالى: (﴿وَجَعَلُوا﴾) أي: وجعَلَ المشركون.
قوله: (﴿بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾) قيل: المراد بالجِنَّة: الملائكة، والنسب الذي جعلوه بينه وبينهم؛ هو: نسب البُنوَّة والأُبوَّة، وهو قولهم: «الملائكة بنات الله».
والقول الثاني: أن المراد بالجِنَّة: الجن المخلوقون من نار، والنسب الذي جعلوه بين الله وبين الجن؛ هو: أنهم جعلوهم شركاء لله، كما قال تعالى في الآية السابقة: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾.
стр. 115
أو قول بعض العرب: «إن الله تعالى أَصْهَر إلى سَرَوَات الجن»، يعني: له صاحبة من الجن، فهو نسبُ مصاهرةٍ، وليس النسب المعروف (١).
وهذا القول - أعني القول بأن المراد الجن، وأن المراد بالنسب أحد الأمرين أو كلاهما -؛ هو الصواب؛ لأن الِجنَّة لم يأت إطلاقها على الملائكة في القرآن أبداً، والجِنَّة في القرآن يراد بها الجن، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاس (٦)﴾ [الناس]، وكما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين (١١٩)﴾ [هود]، والمراد بالجِنَّة: الجن؛ فوجب أن المراد هنا الجن، كما في سائر المواضع، ولو كان المراد بالجِنَّة: الملائكة؛ لكان ذكر هذا المعنى تكراراً مع ما ذكر من قبل في الآيات المتقدمة.
قوله تعالى: (﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُون (١٥٨)﴾) أي: لمحضرون للحساب ومحضرون في العذاب.
قوله تعالى: (﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون (١٥٩)﴾) هذا هو الشاهد من هذه الآيات، وهو النفي المجمل، فالمعنى: تنزيهاً لله عن كل ما يصفه به المشركون.
وقوله: (﴿إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِين (١٦٠)﴾) كالرسل وأتباعهم - صلوات الله وسلامه عليهم -.
стр. 116
قوله تعالى: (﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون (١٨٠)﴾) نزَّه الله تعالى نفسه في هذه الآية عما يصفه به المشركون والمفترون، وفي هذا ذم لهم فيما وصفوا به رب العالمين، فقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون (١٨٠)﴾ نفي مجمل، فكلمة: ﴿سُبْحَانَ﴾ دالة على التنزيه، ونفي النقائص عن الرب تعالى، وقوله: ﴿عَمَّا﴾ يدل على الإجمال والعموم.
وقوله تعالى: (﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٨٢)﴾) فيه دلالة على إثبات جميع المحامد له تعالى، فهذا الحمد إذاً؛ يتضمن إثباتاً مجملاً، كما تقدم بيانه في خُطبة الحاجة (١).
ثم قال الشيخ: (وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك، وحمد نفسه؛ إذ هو سبحانه المستحق للحمد بما له من الأسماء والصفات، وبديع المخلوقات).
فائدة:
النفي تارة يكون بأداة من أدوات النفي؛ مثل: «لم»، و «لا النافية»، و «الاستفهام الإنكاري»، وتارة يكون النفي معلوماً من مدلول الكلمة؛ ك «سبحان»؛ فإن معناها تنزيهاً لله عن كذا وكذا.
* * *
وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين (١١)﴾ [فصلت].
وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء] وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون (٧٤)﴾ [القصص]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٨٢)﴾ [يس].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٢٤)﴾ [الحشر].
إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته؛ فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل؛ ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلى الله عليهم وسلم أجمعين.
стр. 119
هذه الآيات التي ساقها المصنف - رحمه الله تعالى - فيها إثبات الكثير من أسماء الله تعالى الحسنى ومن صفاته العلى على وجه التفصيل؛ لأن فيها تنصيصاً على الأسماء، وتعييناً لها، وتخصيصاً لها بالذكر.
وكلُّ اسم من أسماء الله متضمنٌ لصفة، ففيها إثبات ما دلت عليه من الأسماء مع ما تضمنته من الصفات، فهو الحكيم والحكمة صفته، والسميع والسمع صفته، والبصير والبصر صفته، والغفور والمغفرة صفته، والرحيم والرحمة من صفاته، وهكذا.
ومن هذه الشواهد قوله تعالى: (﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾) الآيةَ، وفيها إثبات اسم الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، والعليم، والبصير لله تعالى، وفيها إثبات صفة الخلق والاستواء والعلم والمعية والبصر.
ومن الشواهد أيضاً قوله سبحانه: (﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾).
وقد مضى (١) أن القاعدة في منهج الرسل «الإثبات المفصل لصفات الله تعالى، والنفي المجمل»، وهذه قاعدة أغلبية، وإلا فقد يأتي إثباتٌ مجملٌ، ونفيٌ مفصلٌ.
стр. 120
فمن النفي المفصل؛ قوله تعالى: (﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾)، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف]، وقوله: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢]، وقوله: (﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣)﴾) ونحو ذلك.
وأما النفي المجمل؛ فكقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥]، وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقوله: (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾)، وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠]، ونحو ذلك.
وقد ذكر المؤلف هنا جملة من الآيات التي فيها ذكر بعض أسماء الله وصفاته على وجه التفصيل والتعيين، وكلُّ اسم من أسماء الله تعالى متضمنٌ لصفة من صفاته.
ومن شواهد الإثبات المجمل؛ قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٢)﴾ [الفاتحة]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ﴾ [النحل: ٦٠]، قال المفسرون: أي: «ولله الصفة العليا» (١).
* * *
стр. 121
طريقة الحائدين عن سبيل الرسل في وصف الله تعالى
وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار، والمشركين، والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئة، والمتفلسفة، والجهمية، والقرامطة الباطنية، ونحوهم؛ فإنهم على ضد ذلك، فإنهم يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجودٍ في الأذهان يمتنعُ تحققه في الأعيان، فقولهم؛ يستلزم غاية التعطيل، وغاية التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات، والمعدومات، والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلاً يستلزم نفي الذات.
بعد أن بين المؤلف ﵀ طريقة الرسل في صفات الله تعالى، وهي الطريقة القويمة الحكيمة، الموافقة للعقول والفطر السليمة، شرع في بيان طرق أهل الضلال الحائدين المائلين عن طريقة الرسل، فذكر الكفار، والمشركين، وأهل الكتاب.
وأهلُ الكتاب منهم المؤمن الموحد الذي اتبع رسوله، ومنهم الكافر.
стр. 122
والصابئة منهم المؤمنون الحنفاء، ومنهم الكفار المشركون، ومن هؤلاء قوم إبراهيم، وهم طوائف (١).
والمتفلسفة؛ هم: أهل الفلسفة الذين احترفوا الفلسفة اليونانية، وكأن الشيخ يقصد بهم: المنتسبين للإسلام منهم، وقد يراد بهم: المنتسبين للإسلام، وغير المنتسبين له.
والفلاسفة أنواع؛ منهم: الفلاسفة الدهريون، وهؤلاء لا كلام معهم هنا، وإنما الكلام مع الفلاسفة الإلهيين الذين يقرون بالخالق في الجملة، وهم أنواع:
منهم مَنْ يقر بصفات الله تعالى في الجملة، ومنهم من ينكر الصفات.
وزعيم ملاحدة الفلاسفة اليونانيين مَنْ يسمونه: «المعلم الأول»؛ وهو: «أرسطو» (٢)؛ فهو زعيم الشرك والتعطيل والإلحاد، وقد تبعه بعض من ينسب إلى الإسلام ك «ابن سينا» (٣) الذي يُعَظَّم مِنْ قِبَل بعض الجهلة، أو الزنادقة المنتسبين للإسلام.
стр. 123
قوله: (والقرامطة الباطنية) الباطنيةُ صفةٌ موضِّحة؛ لأنَّ كلَّ قرمطيٍّ باطنيٌّ، وإن كانت الباطنية أعم، فيدخل فيها كل من جعل للنصوص ظاهراً وباطناً، فيدخل فيهم: الإسماعيلية، والنُّصيرية، والدروز، والاتحادية من ملاحدة الصوفية.
وقد تطلق القرامطة ويراد بها: الباطنية بمعناها العام؛ لأن القرامطة هم سلف الباطنية وأصلهم.
وأكثر ما تطلق الباطنية على الرافضة، وكما قال بعض العلماء: «يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض» (١).
فهُم في الحقيقة كفارٌ أعداءٌ لله ورسله والمؤمنين، وإن كانوا يتسترون ويُظهرون حب آل البيت.
والقرامطة؛ هم: الطائفة التي ظهرت في «الأحساء» آخر القرن الثالث، فعاثوا في الأرض فساداً بقيادة «أبي طاهر الجَنَّابي» (٢) الذي قَتَل الحجيج، وقلع الحجرَ الأسود.
стр. 124
وسموا «قرامطة» نسبة إلى أحد زعمائهم؛ وهو: «حمدان قِرْمِط» (١)، واسم «القرامطة» قد يطلق على «الباطنية» عموماً، وقد يراد به طائفة من طوائفهم، مثل: اسم «الجهمية» نسبة إلى «الجهم بن صفوان»، وقد يطلق هذا اللقب على بدعة «التعطيل» خاصة، فيقال: فلان جهمي، أو فيه تجهم، أي: تعطيل للصفات، وإن كان الجهم جمع عدة بدع؛ كالجبر في القدر، والإرجاء في الإيمان.
وقد ذكر الشيخ هنا أن هؤلاء الزائغين عن طريقة المرسلين من المتفلسفة، والجهمية، والباطنية، ونحوهم على ضد منهج الرسل، ذلك أنهم يصفون الله تعالى بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحصيل.
الصفاتُ السلبيةُ؛ هي: صفات النفي.
ووصف الله تعالى بالصفات السلبية، أي: وصف الله تعالى بالنفي غير ممتنع، ولكنْ عَيْبُ هؤلاء في هذا الباب يَظهر في مخالفتهم لطريقة الرسل من وجوه:
١ - التفصيل في النفي.
٢ - عدم إثبات شيء من الصفات الثبوتية.
стр. 125
٣ - أن ما يصفون الله تعالى به من الصفات السلبية لا يتضمن إثباتاً عندهم.
قوله: (ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً) الوجود المطلق: ضد الوجود المعين، مثل: لفظ الإنسان المطلق، والإنسان المعين؛ فقولك - مثلاً -: «الإنسان حيوان ناطق»، أو: «كائن حي»، فهذا هو الإنسان بمعناه المطلق، وهو تفسيرٌ لحقيقة الإنسان بالمعنى العام، ولا تقصد بذلك إنساناً معيناً.
أما إذا قلت: «فلان إنسان»، أو: «هذا الإنسان»؛ فإنك تقصد بلفظ «الإنسان» شيئاً معيناً.
فالإنسان بالمعنى المطلق لا يوجد في الخارج - أي: خارج الذهن -، وإنما يوجد في الخارجِ الإنسانُ المعين.
وكذلك الوجود، فقولك: «وجودِي»، أو «وجودك»؛ فهذا وجود معين.
وقولك: «الوجود»؛ فهذا المعنى: وجود مطلق مشترك بين سائر الموجودات.
وإثباتهم لله وجوداً مطلقاً لا حقيقة له عند التحقيق، لأن الوجود المطلق لا يوجد إلا في الأذهان، ولا يمكن أن يوجد في الأعيان وفي الخارج، لأنه لا يوجد في الخارج والأعيان إلا الوجود المعين في الأفراد.
стр. 126
وما يوجد في الذهن قد يكون موجوداً في الخارج، وقد يكون ممكن الوجود في الخارج، وقد يكون ممتنع الوجود في الخارج.
ومن أنواع الوجود الذهني الذي يمتنع تحققه في الخارج: «الوجود المطلق».
وهؤلاء الذين لا يصفون الله تعالى إلا بالصفات السلبية المحضة على وجه التفصيل؛ يستلزم قولهم غاية التعطيل، وغاية التمثيل.
أما استلزامه غاية التعطيل؛ فلأنه يَؤُول إلى إنكار وجود الله تعالى؛ حيث عطلوا الله تعالى عن أسمائه وصفاته تعطيلاً يستلزم نفي الذات؛ لأنه يمتنع وجود ذات مجردة عن الصفات، ولهذا قال الشيخ: (ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلاً يستلزم نفي الذات).
وأما استلزامه غاية التمثيل؛ فلأنهم مثَّلوه بالممتنعات، والمعدومات، والجمادات.
فإذا قالوا: «إنه لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر»؛ ففي هذا تشبيه له بالجمادات، وإذا قالوا: «إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يرى»؛ ففي هذا تشبيه له بالمعدومات، وإذا قالوا: «إنه ليس بحي، ولا ميت، ولا موجود، ولا معدوم»؛ ففي هذا تشبيه له بالممتنعات.
* * *
стр. 127
مذهب غلاة المعطلة
فغاليتهم يسلبون عنه النقيضين، فيقولون: «لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل»، لأنهم - بزعمهم - إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بَدائِهِ العقول، وحرفوا ما أنزل الله تعالى من الكتاب، وما جاء به الرسول ﷺ ، ووقعوا في شرٍّ مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات؛ إذ سلب النقيضين؛ كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات.
وقد علم بالاضطرار أن الوجود لا بُدَّ له مِنْ مُوجِد، واجب بذاته، غني عما سواه، قديم أزلي، لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم. فوصفوه بما يمتنع وجوده، فضلاً عن الوجوب، أو الوجود، أو القِدَم.
بعد أن ذكر الشيخ مذهب المعطلة على جهة الإجمال؛ وهو: «أنهم لا يصفون الله تعالى إلا بالصفات السلبية على جهة التفصيل،
стр. 128
ولا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً» فهذا قدر مشترك بينهم، ولكنهم طوائف، فهم ليسوا على درجة واحدة، ففيهم غلاة، وفيهم دون ذلك.
بعد ذلك شرع الشيخ في ذكر تفصيل مذاهب المعطلة:
فمذهب غلاة المعطلة أنهم يصفون الله تعالى بسلب النقيضين.
والنقيضان في اصطلاح المناطقة: «هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان معاً» (١)؛ ك «الوجود، والعدم»، و «الحركة، والسكون في الشيء الواحد والوقت الواحد».
فهؤلاء الغلاة يقولون عن الله تعالى: (إنه لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل)، وهلم جرًّا (٢).
فالتعطيل: سلب الصفات الثبوتية عن الرب تعالى، أما هؤلاء فغلوا حتى سلبوا عنه النقيضين، أي: الصفة ونقيضها. وهذا المذهب يصدق على الباطنية القرامطة.
وشبهتهم في ذلك - حسب زعمهم - (أنهم إذا وصفوه بالإثبات؛ شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي؛ شبهوه بالمعدومات)، فسلبوا عنه النقيضين فراراً من تشبيهه بالموجودات والمعدومات!.
وقد رد عليهم الشيخ وبين فساد مذهبهم، فذكر أن هذا القول - أي: سلب النقيضين - ممتنع في بداهة العقول، أي: أن فساده وامتناعه أمرٌ بدهي مدرك، لا تحتاج معرفته إلى نظر وطول فكر.
стр. 129
ثم بيَّن أنهم فروا من تشبيهه بالموجودات والمعدومات؛ فوقعوا في شرٍّ من ذلك، ألا وهو: التشبيه بالممتنعاتِ، فالموجودُ أكملُ من المعدومِ، والمعدومُ الممكنُ أكملُ من المعدومِ الممتنعِ؛ إذ المعدوم قد يكون ممكناً، وقد يكون ممتنعاً، فكلُّ ممتنعٍ معدومٌ، وليس كلُّ معدومٍ ممتنعاً، فسلبُ النقيضين؛ كجمع النقيضين، كلاهما ممتنع.
وقد جرَّهم هذا المذهب الباطل الذي خالفوا فيه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ إلى تحريف نصوص الوحيين.
والمقصود بالتحريف هنا: التحريف المعنوي.
وتحريف الباطنية للنصوص الشرعية شرُّ أنواع التحريف، فإنه ليس عليه أي دليل؛ بل هو صرف للنص الشرعي عن ظاهره دون أي دليل ولا قرينة، فهو مِنْ باب اللعب بمعاني الألفاظ الشرعية، كتحريفهم معنى قول الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَان (١٩)﴾ [الرحمن]، قالوا: «علي وفاطمة» (١)، وفي قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب (١)﴾ (٢)، قالوا: «أبو بكر وعمر»، وهكذا تحريفهم لمعاني الشرائع (٣).
стр. 130
وأيضاً فإن من أدلة فساد قولهم هذا أي: - سلب النقيضين وتشبيه الله تعالى بالممتنعات - أنهم ناقضوا فيه ما علم بالاضطرار من أن الوجود - أي هذا الكون - لا بدَّ له مِنْ مُوجِد واجب بذاته، والواجب؛ هو: الذي لا يجوز عليه الحدوث، ولا العدم.
وقوله: (غني عمَّا سواه) أي: لا يفتقر إلى غيره، وهذا من لوازم وجوبِ وجوده.
وقوله: (قديم) هذه صفة موضِّحة؛ لأنه لو لم يكن قديماً لم يكن واجباً، فالقِدمُ من لوازم وجوب وجوده.
وقد شاع عند أهل الكلام إطلاق «القديم» عَلَماً على الله تعالى، والصواب: أن «القديم» ليس من أسماء الله الحسنى (١)، وإن كان يجوز الإخبار عنه تعالى بذلك؛ لأن «القديم»؛ هو: المتقدم على غيره، والله متقدم على كل شيء، فلا بداية لوجوده.
والقِدم نوعان:
* قِدم نسبي؛ كتقدم الأب على ابنه.
* وقِدم مطلق، وهو: التقدم على كل شيء، وهذا خاص بالله تعالى، ويدل على ذلك اسمه «الأول»، كما فسر ذلك رسول الله ﷺ بقوله: «أنت الأول؛ فليس قبلك شيء» (٢) فهذا المعنى حقٌ.
стр. 131
قوله: (أزلي) هذه كلمة مؤكِدة لما قبلها، فهي تأكيد لكلمة «قديم»، ف «أزلي» نسبة إلى «الأَزَل»؛ وهو مقابل ل «الأبد»، ف «الأزلي»: ما لا بداية له، و «الأبدي»: ما لا نهاية له (١).
والفرق بين القديم، والأزلي: أن القديم: «ما لا بداية لوجوده»، والأزلي: «ما لا بداية له مطلقاً، وجودياً كان أو عدمياً». فهو أعم من القديم (٢).
قوله: (لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم) هذا تأكيد لما سبق، وهو وصف لواجب الوجود.
قوله: (فوصفوه بما يمتنع وجوده) وهو سلب النقيضين، فهؤلاء وصفوا الله تعالى بما يجعله ممتنعاً، فضلاً عن أن يكون موجوداً، أو واجبَ الوجودِ، أو قديماً.
стр. 132
مذهب الفلاسفة الإلهيين
وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم، فوصفوه بالسُّلُوب، والإضافات، دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق.
بعد أن ذكر الشيخ الطائفة الأولى من الزائغين عن منهج المرسلين في مسألة الصفات؛ وهم: الباطنية الذين يصفون الله بسلب النقيضين؛ ذكر الطائفة الثانية ممن قاربوهم في ضلالهم، وإن كانوا أخف منهم؛ وهم طائفة من الفلاسفة الإلهيين؛ لأن من الفلاسفة:
* من يثبت لله تعالى الصفات في الجملة.
* ومنهم المعطلة، وفي مقدمتهم: «معلمهم الأول»، و «الثاني الفارابي» (١)، و «ابن سينا»، فهؤلاء وصفوا الله تعالى «بالسُّلُوب» أي: بالصفات، أي: صفات النفي.
стр. 133
و «الإضافات»؛ هي: الصفات الإضافية، والإضافة؛ هي: النسبة، والشيء الإضافي؛ هو: الشيء النسبي، فهو ليس أمراً وجودياً؛ بل أمر اعتباري معنوي.
فالصفة الإضافية؛ هي: المعنى الذي لا يعقل إلا بوجود مقابل له، ومثال ذلك: «القَبْلِيَّة»، و «البَعْدِيَّة»، و «الأُبوة»، و «البُنوة».
فالقبلية - مثلاً - ليست صفة ذاتية للشيء؛ بل صفة باعتبار ما بعده، وكذا الأبوة، فهي صفة باعتبار ابنه، وإن كان هذا الأبُ ابناً باعتبار أبيه، فهو اكتسب الصفة بالنسبة لغيره، وليست صفة ملازمة له؛ ك «يَدِه»، و «طوله»، و «لونه».
ويلاحظ أن هذه الصفات الإضافية لا وجود لها حقيقة، وإنما وجودها عقلي معنوي.
ومن الأمثلة التي تذكر لذلك تسمية الفلاسفة لله تعالى «العلة الأولى»، وهذا مثل تسمية المتكلمين لله تعالى ب «القديم».
فكون الشيء علة يقتضي معلولاً، فالعِلِّية صفة إضافية باعتبار وجود معلول، فهي صفة إضافية نسبية لا وجود لها حقيقة، بخلاف صفة «الخَلق»، واسم «الخالق» فالله تعالى هو الخالق اسماً وَوصفاً، ولو لم يُوجد خلق، فهو لم يكتسب هذه الصفة من شيء خارج عنه
стр. 134
وهو الخلق - كما تكتسب العِلةُ وصفَ العِلِّية باعتبار وجودِ المعلول، وكما يكتسب الأبُ وصفَ الأبوةِ بوجود ابن له.
ومن أسباب منع إطلاق لفظ «العلة الأولى» على الرب تعالى - والتي يقصد بها الفلاسفة: «العِلة التامة التي يستلزم وجودها وجود المعلول» - أنه يلزم من هذا اللفظ: أن وجود الرب يستلزم وجود المخلوقات، وهذا باطل؛ لأن وجود الله تعالى لا يلزم منه وجود مخلوقاته، ولهذا نَجِد الفلاسفة الذين أطلقوا هذا اللفظ والوصف على الله تعالى؛ قالوا بقدم العالم لهذا السبب.
فالفلاسفة لا يصفون الله تعالى بصفات الإثبات؛ بل بالسلوب، والإضافات، ويجعلونه؛ هو (الوجود المطلق بشرط الإطلاق) (١) أي: وجود لا يقيد بأي صفة؛ بل يقيد بالإطلاق، أي: بأن يقال: هو «الوجود المطلق»، وهو ما يقابل «الوجود المعين»، كما لو قلت: «الإنسان»، فهذا مطلق لا بشرط الإطلاق، أي: غير مقيد.
وإذا قلت: «الإنسان المطلق»، فهذا مطلق بشرط الإطلاق، أي: مقيد بالإطلاق، ولا يمكن وجوده في الخارج، بخلاف ما لو قلت: «إنسان» دون تقييده بالإطلاق، فإنه يوجد في الخارج معيناً، ويمكن أن تقيده أيضاً ببعض الصفات، كما لو قلت: «إنسان كبير»، أو «أسود»، ونحو ذلك.
стр. 135
وقد عُلم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا «العِلْمَ» عين «العَالِمِ»، مكابرة للقضايا البديهيات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، فلم يميزوا بين «العلم»، و «القدرة»، و «المشيئة» جحداً للعلوم الضروريات.
أي: علم بالعقل الصريح، أي: السليم الذي لا يعتريه شك ولا شبهة: أن هذا - أي: الوجود المطلق - لا يوجد إلا في الذهن، دون ما خرج عنه من الموجودات.
ومن مقولات الفلاسفة: «أن الصفة هي الموصوف»، و «أن كل صفة هي الصفة الأخرى»، فلا فرق بين معنى صفة وأخرى، ف «العِلم»؛ هو «القدرة»، و «القدرة»؛ هي «الإرادة»، و «الإرادة»؛ هي «الحياة»، ونحو ذلك.
ويجعلون (العِلم) هو (العالِم)، فيكابرون القضايا البديهيات، ويجحدون العلوم الضروريات.
* * *
стр. 136
مذهب المعتزلة ومن اتبعهم
وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام، من المعتزلة، ومَنِ اتَّبعهم، فأثبتوا لله الأسماء دون ما تضمنته من الصفات، فمنهم من جعل «العليم»، و «القدير»، و «السميع»، و «البصير»؛ كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: «عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر»، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات.
والكلامُ على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول؛ مذكورٌ في غير هذه الكلمات.
أي: قاربَ الفلاسفةَ طائفةٌ من أهل الكلام من المعتزلة، ومَنِ اتَّبعهم، وإن كانوا ليسوا كالفلاسفة في الضلال، فهم أثبتوا لله تعالى الأسماء دون ما تضمنته من الصفات.
وأهل الكلام؛ هم: «الذين يعتمدون على نظريات فلسفية، واستدلالات عقلية في باب الاعتقاد».
وسموا ب (أهل الكلام)؛ إما لكثرة كلامهم وجدلهم، أو لأن أعظم قضية وقع فيها الخلاف بين الأمة؛ هي: مسألة «كلام الله تعالى».
стр. 137
وعلم الكلام؛ هو: «تلك العلوم، والنظريات، والشبهات، والجدليات، في أبواب الاعتقاد».
وقد صار في عرف بعض المتأخرين عَلَماً على عِلم «التوحيد»، والصواب أنه لا ينبغي تسمية علم «أصول الدين» بعلم «الكلام»؛ لأن الكلامَ مذمومٌ، والعقيدة المستمدة من كلام الله ورسوله وقضاياها وأدلتها؛ ليست من الكلام المذموم.
وأشهر طوائف المتكلمين: المعتزلة الذين كان لهم صولة وجولة في عهد المأمون، لما أحاطوا به، وأثروا فيه، وألَّبُوه على كل من يخالفهم في الرأي، لا سيما أهل السنة والجماعة.
ويَدخل فيمن تبع المعتزلةَ: الرافضةُ، والزيديةُ، فإنهم اعتنقوا كثيراً من أصول المعتزلة في باب «الأسماء والصفات»، وفي «حكم أهل الكبائر في الآخرة» (١).
والقاسم المشترك بين المعتزلة في باب «الأسماء والصفات» أنهم يثبتون «الأسماء» وينفون «الصفات»، ثم يختلفون في التعبير، فمنهم مَنْ يقول: «إن أسماء الله تعالى؛ كالأَعْلَام المحضة المترادفة».
والعَلَمُ المحض؛ هو: «اللفظ الذي لا يدل إلا على العلمية، ولا يدل على الوصفية في شيء»؛ كمن سمي: «حافظاً»، و «صالحاً»، و «محمداً»، ولم يكن مُتَّصفاً بمعاني هذه الأسماء.
فجردوا أسماء الله تعالى عمَّا تضمنته من المعاني.
стр. 138
ومنهم مَنْ يقول: (عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر).
والفرق بين هؤلاء ومَن قبلهم: أن هؤلاء لم يطلقوا اسم الله تعالى إلا مقروناً بالتصريح بنفي ما تضمنه من الصفة، أما الأولون فليسوا كذلك، وإن كان الجميعُ متفقينَ على نفي الصفة، وإنما الخلاف بينهم في التعبير فقط.
وأشار الشيخ إلى فساد مقالة هؤلاء، ومناقضتها لصريح المعقول، المطابق لصحيح المنقول، ومِن أدلة هذا التناقض وعلاماته: التسوية في الحكم بين المختلفات، أو التفريق بين المتماثلات؛ كنفيهم للصفات مع إثباتهم للأسماء، مع أن الجميع قد جاءت به نصوص الكتاب والسنة، وكلها مضافة إلى الله تعالى، فيلزمهم إما أن يثبتوا الجميع، أو ينفوا الجميع (١)، وسيأتي مزيد كلام في ذلك (٢).
стр. 139
منشأ ضلال هذه الطوائف
وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء؛ فيقعون في نظيره، وفي شرٍّ منه، مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات، ولو أمعنوا النظر؛ لسووا بين المتماثلات، وفرقوا بين المختلفات، كما تقتضيه المعقولات، ولكانوا من الذين أوتوا العلم، الذين يرون أن ما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه، ويهدي إلى صراط العزيز الحميد، ولكنهم من أهل المجهولاتِ المشبَّهة بالمعقولات، يُسَفْسِطُون في العقليات، ويُقَرْمِطُون في السمعيات.
بعد أن عرض الشيخ مذاهب المعطلة باختلاف طوائفهم، بيَّن أنهم يفرون من شيء؛ فيقعون في نظيره، وفي شرٍّ منه (١).
فالغلاة فروا من تشبيهه بالموجودات والمعدومات؛ فلزمهم التشبيه بالممتنعات، وهذا أقبح من التشبيه بالموجود، أو المعدوم الممكن، وإن كان الجميع باطلاً.
стр. 140
وهكذا الفلاسفة ينفون عن الله الصفات بشبهة أن إثباتها يلزم منه التركيب.
وكلُّ من نفى شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ فراراً من شيء؛ فلا بد أن يقع في نظيره، أو في شرٍّ مما فرَّ منه، ولو أن هؤلاء جميعهم أمعنوا النظر؛ لسووا بين المتماثلات، وفرقوا بين المختلفات، كما هو مقتضى العقول السليمة المتجردة عن الأهواء المضلة، والتعصب.
كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار (٢٨)﴾ [ص].
ومن أدلة مناقضة مذهب الفلاسفة للمعقول: تسويتهم بين المختلفات، كما سووا بين الصفات، وجعلوا هذه الصفة هي الصفة الأخرى، كما سبق (١).
ومن أدلة مناقضة مذهب المعتزلة للمعقول: تفريقهم بين المتماثلات، كما فرقوا في الإثبات بين أسماء الله وصفاته، فأثبتوا الأسماء ونفوا الصفات، كما سبق (٢).
فلو أن هؤلاء كانوا من أصحاب النظر الصحيح، والعقل الصريح؛ لما وقعوا في هذا التناقض، وَلَكَانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أن ما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد.
стр. 141
ولكن هؤلاء الضُّلَّال المعطلة ليسوا من أهل العقل ولا النقل؛ بل هم من أهل القضايا المجهولات التي يظنونها ويزعمونها قضايا عقلية، كما إذا قالوا: «إن الوجود المطلق موجود في الخارج»، أو: «إن العِلم هو العالِمِ».
ومعنى قوله: (يسفسطون في العقليات) أي: يقفون من العقليات موقف أهل «السفسطة» منها؛ وهو: المكابرة والإنكار (١).
ومعنى قوله: (يقرمطون في السمعيات) أي: يفعلون في السمعيات فعل القرامطة، وهو اللعب بمعانيها وصرفها عن ظاهرها إلى معانٍ أخرى لا يحتملها اللفظ، ولا يدل عليها السياق (٢).
* * *
стр. 142
ذكر الدليل العقلي على وجود الواجب، وبيان ما بين الواجب والممكن من قدر مشترك
وذلك أنه قد عُلم بضرورة العقل أنه لا بُدَّ من موجود، قديم، غني عمَّا سواه؛ إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات؛ ك «الحيوان»، و «المعدن»، و «النباتِ»، والحادثُ ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد عُلم بالاضطرار أن المحدَثَ لا بُدَّ له مِنْ محدِثٍ، والممكنَ لا بدَّ له من واجبٍ، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون (٣٥)﴾ [الطور]، فإذا لم يكونوا خُلقوا من غير خالق، ولا هم الخالقون لأنفسهم؛ تعين أن لهم خالقاً خلقهم.
وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدَث ممكن، يقبل الوجود والعدم؛ فمعلوم أن هذا موجود، وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى «الوجود» أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا؛ بل وجود هذا يخصُّه ووجود هذا يخصُّه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند «الإضافة»، و «التقييد»، و «التخصيص»، ولا في غيره.
فلا يقول عاقلٌ إذا قيل: «إن العرش شيء موجود»، و «إن البعوض شيء موجود» إن هذا مثل هذا؛ لاتفاقهما في مسمى «الشيء»، و «الوجود»؛ لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما
стр. 143
يشتركان فيه؛ بل الذهن يأخذ معنى مشتركاً كلياً هو مسمى الاسم المطلق.
وإذا قيل: «هذا موجود وهذا موجود»، فوجود كل منهما يخصُّه لا يَشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقةٌ في كلٍّ منهما.
يريد الشيخ أن يبين أن إثبات الصفات لله تعالى لا يلزم منه تمثيله بخلقه، كما أن الله تعالى موجود والمخلوق موجود، ولا يلزم من ذلك تماثلهما في صفة «الوجود»، فمَهَّد لذلك بذكر الدليل على إثبات موجود واجب، وموجود ممكن، فقال: (وذلك أنه قد عُلم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عمَّا سواه … ) إلخ.
فقرر الشيخ أن من المعلوم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه، ودليل ذلك ما نشاهده من حدوث المحدثات - أي: المخلوقات - ك (الحيوان)، و (المعدن)، و (النبات)؛ لأن المحدَث ممكن الوجود، فليس بواجب؛ لأن عدمَه قبل وجوده؛ ينفي وجوبه، لأن الواجبَ لا يَعدَم.
وليس بممتنع؛ لأن الممتنع لا يمكن أن يوجد؛ فوجوده ينفي امتناعه.
فالأشياء في حكم العقل ثلاثة: واجب، وممكن، وممتنع.
فالواجب: ما لا يقبل الحدوث، ولا العدم.
стр. 144
والممكن: ما يقبل الوجود، والعدم.
والممتنع: ما لا يقبل الوجود.
فهذه المحدثات لا بُدَّ لها من موجِد محدِث لها، كما هو موجَب العقل والفطرة، ودليل ذلك ما ذكره تعالى من الدليل العقلي في قوله: (﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون (٣٥)﴾) أي: أخُلقوا من غير خالق؟! أم هم الخالقون لأنفسهم؟!
فالمخلوق لا يخلو: إما أن يكون خلقَ نفسَه، أو: وُجد من غير خالق، أو: أن يكون له خالقٌ خلقه. وهذا هو الحق، والأولان باطلان ممتنعان.
والمحدِثُ الخالق الذي تنتهي إليه المحدثات؛ يمتنع أن يكون محدَثاً مخلوقاً؛ بل يجب أن يكون واجباً؛ قطعاً للتسلسل، فإن التسلسل في الفاعِلين والمفعولين؛ ممتنع.
ومعنى التسلسل في الفاعِلين والمفعولين: «أنه ما من فاعلٍ إلا وله فاعلٌ إلى ما لا نهاية»، وهذا باطل؛ لأن ذلك يستلزم ألَّا يوجد شيء، والوجود ثابت بالحس (١).
فطريق العلم بالواجب؛ هو: «العقل»، بدلالة الآيات الكونية.
وطريق العلم بجنس المحدَث؛ هو: «الحس».
стр. 145
وقوله: (وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن … ) إلخ، تقدم الدليل الضروري العقلي على وجود الواجب القديم، وأن الموجود المحدَث معلوم بالحس؛ فإذا كان من المعلوم بالاضطرار أن في الوجود ما هو واجب، وما هو ممكن، وكلٌّ منهما يصدق عليه أنه موجود، ف «الله» تعالى موجود، و «الإنسان» موجود، وسائر المخلوقات موجودة؛ فالخالق والمخلوق يتفقان في مسمى «الوجود»، أو «الموجود»، عند الإطلاق والتجريد عن «الإضافة»، و «التخصيص»، و «التقييد».
فإذا قيل: «موجود»، فهذا الاسم يصدق على كلِّ ذي وجود؛ ف «الموجود» ضد «المعدوم»، فيدخل فيه كل موجود، سواء كان واجباً، أو ممكناً، ولكن لا يلزم من اتفاقهما عند «الإطلاق»، و «التجريد» تماثلهما عند «الإضافة»، و «التخصيص»، و «التقييد»؛ بل وجود «الواجب» مختص به، ووجود «الممكن» مختص به، فالوجود المطلق معنى مشترك في مدلوله، ومسماه، ومعناه لا يختص به الخالق ولا المخلوق.
وإذا قيل: «الوجود الواجب»؛ فيختص بالموجود الواجب، أما إذا قيل: «الوجود الممكن»؛ فيختص بالموجود الممكن.
فعند (الإضافة)، و (التخصيص)، و (التقييد)؛ لا يقع الاشتراك؛ بل يأخذ كلٌّ ما يخصه.