← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأما «الشرع»؛ فهو الأوامر والنواهي، وهو دين الله تعالى الذي جعله لعباده يسيرون عليه، فالكلام فيه من باب «الطلب»، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين (٤٣)﴾ [البقرة]، وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] الآية، وقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، وقد يأتي الكلام بصورة «الخبر»؛ ومعناه: «الأمر»، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقال: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] الآية. * * *

стр. 72

وإذا كان كذلك؛ فلا بُدَّ للعبدِ أنْ يثبتَ لله ما يجبُ إثباتُه له من صفاتِ الكمالِ، وينفي عنه ما يجبُ نفيه عنه مما يضاد هذه الحال. ولا بُدَّ له في أحكامه مِنْ أنْ يثبتَ خلقه وأمره، فيؤمن بخلقه المتضمن كمالَ قدرتِه، وعمومَ مشيئته، ويثبت أمرَه المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدَره إيماناً خالياً من الزلل. قوله: (وإذا كان كذلك) أي: إذا كان الأمر أن الكلام في «التوحيد، والصفات» من باب «الخبر»، والكلام في «الشرع، والقدر» من باب «الطلب»؛ (فلا بد للعبد … ) إلخ. الفرق الثاني بين الأصلينِ المتقدمينِ في قوله: (فلا بد للعبد أن يثبت لله ما يجب - إلى قوله - خالياً من الزلل)؛ وهو: الفرق بينهما مِنْ جهةِ ما يجبُ على العبد فيهما. فالواجب على العبد في توحيد الصفات: أن يثبت لله ما يجب إثباته من صفات الكمال، وينفي ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال. ويجب على العبد في الشرع والقدر: أن يثبت أحكام الله الكونية والشرعية؛ فيثبت خَلق اللهِ وأمرَه، ولهذا قال الشيخ: (ولا بد له في أحكامه .. ).

стр. 73

وأحكام الله تعالى نوعان: أحكام شرعية، وأحكام كونية، وهذا التقسيم من جنس تقسيم الإرادة، والأمر، والقضاء، والكتابة، والإذْن، والجَعْل، والكلمات، والبعث، والإرسال، والتحريم: إلى شرعي، وكوني (١). ومن شواهد الحكم الكوني؛ قوله : ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين (١٠٩)﴾ [يونس]، وقوله تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون (٦٧)﴾ [يوسف]، وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]. ومن شواهد الحكم الشرعي؛ قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد (١)﴾ [المائدة]، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون (٤٠)﴾ [يوسف]. قوله: (ولا بدَّ له في أحكامه من أن يثبت: خلقه، وأمره) إثباتُ الخلق يتضمنُ الإيمانَ بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه تعالى على كل شيء قدير، وهذا معنى قول الشيخ: (فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته، وعموم مشيئته)؛ فالشيخ رحمه الله تعالى عبَّر عن الأصل الثاني ب «الأحكام». قوله: (ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل) أي: والمتضمن بيان ما يسخطه، فإن الله تعالى بيَّن لنبيه ﷺ ما يحبه ويرضاه من الأقوال والأعمال، وبيَّن ما يسخطه

стр. 74

ويبغضه من الأقوال والأعمال، ففيه شيء من الاكتفاء بالمذكور عن غيره لدلالته عليه. قوله: (ويؤمن بشرعه وقدره؛ إيماناً خالياً من الزلل) أي: مَنْ أثبتَ الخلْقَ كلَّه لله، وقال: «إنَّ اللهَ خالقُ كلِّ شيء»، ويَدخلُ في هذا أفعال العباد، وآمن مع ذلك بشرع الله تعالى، وأنه أمر عباده ونهاهم؛ فقد حقق الإيمان بالشرع، والقدر. * * *

стр. 75

وهذا يتضمنُ التوحيدَ في عبادته وحده لا شريك له، وهو التوحيدُ في القصد والإرادة والعملِ، والأولُ يتضمنُ التوحيدَ في العلم والقول، كما دلت على ذلك سورةُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾، ودلت على الآخَر سورةُ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾، وهما سورتا الإخلاص، وبهما كان يقرأ ﷺ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر، وركعتي الطواف، وغير ذلك. وقوله: (وهذا يتضمن التوحيد في عبادته .. ) إلخ، هذا هو الفرق الثالث بين الأصلين؛ وهو: الفرق بينهما مِنْ حيث تضمنُهما لنوعي التوحيد. قوله: (وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له، وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل) أي: أن الإيمان بالشرع والقدر يتضمن: «التوحيد في العبادةِ»، والتوحيدُ في العبادة له اسم آخر؛ وهو: «التوحيد في القصد والإرادة والعمل»، ويعبر عن هذا النوع: ب «التوحيد الطلبي»؛ لأنَّ نصوصَه طلبيةٌ. قوله: (والأول يتضمن التوحيد في العلم، والقول) أي: الأصل الأول، وهو: «التوحيد والصفات»؛ يتضمن التوحيد في العلم، والقول، ويعبر

стр. 76

عن هذا النوع: ب «التوحيد في المعرفة والإثبات»، أو: «التوحيد العلمي الخبري»؛ لأنَّ نصوصَه أخبارٌ. وهذا الكلامُ يتضمنُ تقسيمَ التوحيدِ إلى هذين القسمَيْنِ (١)، والمشهور أن التوحيد ثلاثة أقسام: «توحيد الربوبية»، و «توحيد الإلهية»، و «توحيد الأسماء والصفات» (٢). ولا مشاحة بين التقسيمين، ولا منافاة بينهما؛ بل هما طريقتان مآلهما إلى شيء واحد، فإفراد الله تعالى في العبادة وفي القصد والإرادة والعمل؛ هو: «توحيد الإلهية»، وإفراد الله تعالى في الأمور الاعتقادية العلمية القولية؛ هو: «توحيد الربوبية»، و «توحيد الأسماء والصفات». وهذه الأقسام مترابطة، فالتوحيد في العلم والقول؛ يستلزم التوحيد في العبادةِ، والتوحيدُ في العبادة يتضمن التوحيد في العلم والقول. فالربُّ المالك لكل شيء، الخالقُ لكل شيء، القادرُ على كل شيء، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، الموصوفُ بصفات الكمال؛ هو المستحقُ للعبادة؛ فهذا معنى الاستلزام. والإله المستحق للعبادة؛ هو: النافعُ، الضار، المعطي، المانع، الفعَّال لما يريد، وهذا معنى تضمن «توحيد العبادة» ل «توحيد الربوبية»، و «توحيد الأسماء والصفات».

стр. 77

وبعضُ أهل الأهواء والأغراض يستنكرون هذا التقسيم، ويقولون: «إنه بدعة»!، وهذا مغالطة؛ فإنه إذا كان هذا التقسيمُ بدعةً؛ فكلُّ ما جاء به العلماء من تقسيمات لمسائل العلمِ، وتبويبٍ، وبيانِ أسماءٍ للأحكام؛ كلُّه بدعة! وهذه الأحكام كانت معلومة في عهد النبي ﷺ في الحقيقة، ولكن الأسماء والمصطلحات ليست موجودة، فأنواعُ التوحيد موجودةٌ كلُّها في القرآن وفي السنة، لكن هذا الاصطلاح؛ وهو: أن التوحيد ينقسم إلى كذا وكذا، والتعبير عنه بهذه العبارات؛ هذا هو الجديد، وهذا من طبيعة نشأة العلوم، وتصنيف المسائل، وتقسيم المعاني، فمن يقول: «إنه بدعة»؛ فهو مُبطلٌ مغالطٌ. حتى الذين يقولون مثل هذا الكلام عندهم تقسيم للتوحيد؛ كالأشاعرة عندهم أن التوحيد ينقسم إلى: «توحيد في الذات»، و «توحيد في الصفات»، و «توحيد الأفعال»، والصوفية عندهم، «توحيد العامة»، و «توحيد الخاصة»، و «توحيد خاصة الخاصة» (١). والتوحيد في الأصل؛ هو: «جعل الشيء واحداً» (٢)، وهو في حق الله تعالى: «اعتقاد أنه واحد لا شريك له في أفعاله؛ كالخلق، والرَّزق، والتدبير، والإحياء، والإماتة»، وإفراده بهذا المعنى؛ هو معنى: «توحيد الربوبية».

стр. 78

ولا بُدَّ - أيضاً - من اعتقاد تفرده بمالَه من الأسماء والصفات، فلا شريك له ولا شبيه؛ وهذا هو: «توحيد الأسماء والصفات». كما أنه لا بُدَّ من الإيمان بتفرده باستحقاق الإلهية، وتخصيصه مع ذلك بالعبادة، وذلك بعبادته وحده لا شريك له، وهذا هو: «توحيد الإلهية»، أو: «توحيد العبادة»، فلا بدَّ من توحيده تعالى في ربوبيته، وإلهيته، وأسمائه وصفاته. والمشركون الذين واجهتهم الرسل - عليهم الصلاة والسلام - بالدعوة كانوا مشركين في «العبادة»، أو «الإلهية»، أما في «الربوبية»؛ فلم يكونوا مشركين، ومن أجل ذلك قال العلماء: «إن التوحيد الذي فيه الخصومة بين الرسل والكفار من أُمَمِهم؛ هو: توحيد العبادة» (١)؛ ولهذا كلُّ رسول كان يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]؛ لأنهم كانوا مقرين بربوبية الله تعالى في الجملة، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]. ولهذا احتج الله عليهم فيما أنكروه بما أقروا به، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (٢١)﴾ الآية [البقرة]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُون (٣١)﴾ [يونس].

стр. 79

فبمراعاة هذا التقسيم للتوحيد؛ نُفرِّق بين من ينكر الكلَّ، مثل: الملاحدة الجاحدين للخالق، فهؤلاء ينكرون التوحيد كلَّه، لأن مَنْ أنكر وجود الخالق؛ لم يبق معه شيء من الإيمان. أما المشركون - وهم غالب الأمم -؛ فعندهم شيء من الإيمان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُون (١٠٦)﴾ [يوسف]، فعندهم إيمانٌ، ولكنه إيمان لا يكفي للدخول في الإسلام، ولا يكفي للنجاة من العذاب، فشرط ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله. ومعنى «الإله» - كما تقدم (١) -: «المعبود». والإله الحق؛ هو الله تعالى، فلا معبود بحق إلا الله تعالى، وكل معبود سواه؛ فهو باطل، فالتوحيد لا يتحقق إلا بشهادة أن لا إله إلا الله، ولهذا كانت هذه الشهادة؛ هي: أصل دين الرسل من أولهم إلى آخرهم. هذا ما يتعلق بتقسيم التوحيد بمناسبة قول الشيخ ﵀: (وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده) إلخ. قوله: (كما دلت على ذلك سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾) أي: دلت على التوحيد في العلم والقولِ؛ سورةُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾. قوله: (ودلت على الآخَر سورةُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾) أي: ودلت على التوحيد في العبادة، والتوحيد في القصد والإرادة والعمل؛ سورةُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾.

стр. 80

فسورةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ دلت على التوحيد في العلم والقولِ نصاً، وسورة ُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ دلت على توحيد العبادةِ نصاً. وقوله : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُون (١)﴾ إلى آخر السورة، هذا خطاب لجميع الكفار بإعلان البراءة منهم، ومن عبادتهم، ومن معبوداتهم، وإعلان أن العبادة لله وحده لا شريك له، وهذا هو «توحيد العبادة». وأما سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾؛ ففيها الإخبار بأن الله تعالى؛ هو: الأحد، الصمد، فاسمه «الأحد»؛ يدل على أنه واحد لا شريك له، ولا شبيه له في ذاته، وفي صفاته، وأسمائه، وأفعاله. واسمه «الصمد» فُسِّر بأنه: «الذي لا يأكل ولا يشرب»؛ لأنه الغني، وفُسِّر بأنه: «السيدُ الكاملُ في سؤدده، وفي غناه، وفي حكمته، وفي علمه»، وأنه: «الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها» (١). وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ فيه رد على اليهود، والنصارى، والمشركين الذين نسبوا إليه الولد. وقوله: ﴿وَلَمْ يُولَد (٣)﴾ لأنه الأوَّل الذي ليس قبله شيء، فلا بداية لوجوده، أما المولود؛ فيكون موجوداً بعد العدم. وفي هذا النفي تأكيدٌ لأحديته، وصمديته. وقوله سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ أي: لم يكن أحدٌ مِثلاً له سبحانه، فهي تشبه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].

стр. 81

قوله: (وهما سورتا الإخلاص) لأنهما مشتملتان على التوحيد الخالص فهما مُخْلَصَتان لأصل الدين بكلِّ معانيه. قوله: (وبهما كان يقرأ ﷺ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر (١)، وركعتي الطواف (٢)، وغير ذلك) كالوتر (٣)، وفي سنة المغرب (٤)، وفي ذلك افتتاح لِلَّيل والنهار، واختتام لِلَّيل والنهار بالتوحيد بتلاوة هاتين السورتين (٥). وبهذا تنتهي المقدمة، وقد اشتملت على: سبب التأليف، وذكر الموضوع الذي فيه الكلام والبحث، وعلى الأسباب المقتضية لتحقيق هذين الأصلين، وعلى الفروق بين الأصلين: من حيث نوع الكلام، ومن جهة ما يجب على العبد فيه، ومن حيث تضمنُها لنوعي التوحيد. وبعد هذه المقدمة يأتي الشروع في الكلام على الأصل الأول، والله الموفق. * * *

стр. 82

الأصل الجامع في باب الصفات، وطريقة السلف فيه فأمَّا الأول؛ وهو: «التوحيد في الصفات»؛ فالأصل في هذا الباب: أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسُلُه نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه. قوله: (فالأصل في هذا الباب .. ) أي: الحكم الواجب في مسائل هذا الباب. قوله: (أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسُلُه نفياً وإثباتاً، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه) هذه القاعدة في هذا الباب، وهذا هو تحقيق الإيمان بالله، وبكتابه، ورسله، فمِن الإيمان بالله، وكتبه، ورسله: الإيمانُ بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، فهذا داخل في مثل قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨].

стр. 83

ولهذا قال الإمام أحمد: «لا يُوصف الله إلا بما وصفَ به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يُتَجاوز القرآن والحديث» (١)، وقال نعيم بن حماد: «مَنْ شبه الله بخلقه؛ فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه؛ فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيهاً» (٢). فمن جحد ما وصف الله به نفسه؛ فقد كفر؛ لأنه مكذبٌ لما أخبر الله به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله، ومن شبَّه الله بخلقه؛ فقد كفر؛ لأنه مخالف لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]. ومن وصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه؛ فإنه قائلٌ على الله تعالى بلا علم، وممَّا حرمه الله تعالى على عباده: القول عليه من غير علم، وممَّا يأمر به الشيطان: القول على الله بغير علم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لَا تَعْلَمُون (١٦٩)﴾ [البقرة]، وهذا معنى قولنا: «إنَّ أسماءَ الله تعالى وصفاته توقيفيةٌ»،

стр. 84

يعني: يوقف فيها مع النصوص، فما دلت النصوص على ثبوته؛ أثبتناه، وما دلت على نفيه؛ نفيناه، وما سكتت عنه؛ سكتنا عنه؛ فلا نثبته، ولا ننفيه، فمن أثبت شيئاً أو نفاه بغير دليل؛ فهو قائلٌ على الله بغير علم، فالأمور ثلاثة: ١ - ما دلت النصوص على إثباته؛ وجب إثباته. ٢ - وما دلت على نفيه؛ وجب نفيه. ٣ - وما لم تدل على إثباته أو نفيه؛ وجب الإمساك عنه، فممَّا يجب إثباته له تعالى: الحياة، والسمع، والبصر، والاستواء على العرش، والمحبة، والغضب؛ ومن أسمائه: الصمد، الحي، القيوم، العلي، كما سيأتي (١). ومن الأمور التي يجب نفيها عنه؛ ما نفاه عن نفسه من: النوم، والسِّنة، والأَوْد (٢)، واللغوب، والنسيان، والصاحبة، والولد، وغيرها. وكذلك مما يجب نفيه عنه فيما يُثْبتُ له: مماثلة المخلوقات، فنثبتُ له ما أثبته لنفسه مع نفي مماثلته لخلقه. وأما ما لم تدل النصوص على إثباته ولا على نفيه؛ فنُمسِك عنه نفياً وإثباتاً، مثل: الأُذُنِ، فالسمعُ ثابتٌ له تعالى بالسمع، والعقل، أما الأذن؛ فيجب الإمساك عنها نفياً وإثباتاً.

стр. 85

وكذلك أصابع القدمين، فيثبت لله سبحانه صفة القدمين، ويمسك عن أصابعهما نفياً وإثباتاً، وأما الأصابع التي جاءت بها النصوص؛ فهي أصابع اليد، كما في حديث: «إن الله يمسك السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع ثم يقول: أنا الملك» (١). ويبين ذلك: دلالة الكتاب والسنة على أن الله تعالى يأخذ السموات والأرض بيديه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقال النبي ﷺ : «يأخذ الله سمواته وأراضيه بيديه، فيقول: أنا الله، أنا الملك» (٢). * * *

стр. 86

وقد عُلِم أنَّ طريقةَ سلفِ الأمةِ وأئمتِها: إثباتُ ما أثبته من الصفات من غير تكييف، ولا تمثيل، ومن غير تحريف، ولا تعطيل، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه - مع ما أثبته من الصفات - من غير إلحاد، لا في أسمائه، ولا في آياته، فإن الله ذمَّ الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٨٠)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤٠)﴾ [فصلت]. فطريقتهم تتضمنُ إثباتَ الأسماء والصفات، مع نفي مماثلة المخلوقات: إثباتاً بلا تشبيه، وتنزيهاً بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]، ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه، والتمثيل، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ رد للإلحاد، والتعطيل. طريقة سلف الأمة وأئمتها هي ما تقدم تقريره في الأصل الواجب في هذا الباب (١)؛ وهي: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونفي ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله ﷺ من غير

стр. 87

إلحاد في أسمائه، ولا في آياته، فطريقتهم؛ هي: الصراط المستقيم، وهي: الحق الذي دل عليه السمع، والعقل. فإن العقل والفطرة كليهما يقتضي أن الله تعالى مستحقٌ لكلِّ كمال، ومستحق لتنزيهه عن كلِّ نقص، فإذا كان المخلوق يوصف بالكمالات؛ فالله سبحانه أحق بالكمال، ف (كلُّ كمال يوصف به المخلوق لا نقص فيه؛ فالخالق أولى به، وكلُّ نقص ينزه عنه المخلوق؛ فالخالق أولى بالتنزيه عنه)؛ فهو تعالى أحقُّ بكلِّ كمالٍ، وأحقُّ بالتنزيه عن كلِّ نقص. وقد دل السمع على ذلك، فقد جاء بإثبات الأسماء الحسنى، والصفات العلى لله تعالى إجمالاً وتفصيلاً، وجاء بتنزيهه تعالى عن النقائص والعيوب، وعن مماثلة المخلوقات. إذاً؛ فطريقةُ سلف الأمة مستمدةٌ من الكتاب والسنة، فهم يعتمدون في هذا الباب على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وما جاء في الكتاب والسنة؛ هو موجَب العقل والفطرة؛ فالعقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح، ولا يعارضه. وطريقةُ سلفِ الأمة وأئمتِها طريقةٌ مثلى، ووسط بين مذاهب الناس، فإن الناس اضطربوا في «باب الأسماء والصفات»، وصاروا فرقاً متناقضة متفرقة، وأهل السنة والجماعة هم الوسط بين أهل الإفراط والتفريط، والغلو والتقصير (١). فأهلُ التعطيل أفرطوا في التنزيه، وفرَّطوا في الإثبات؛ وهم: الجهمية، ومَن تبعهم.

стр. 88

وأهل التشبيه أفرطوا في الإثبات، وفرَّطوا في التنزيه، فلم ينزهوا الله تعالى عن مماثلة المخلوقات. وأهل السنة والجماعة توسطوا، فلا إفراط ولا تفريط، ولذلك أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ ؛ إثباتاً بلا تشبيه، فخالفوا المعطلة والمشبهة، حيث أثبتوا إثباتاً بلا تشبيه، ونزهوا الله عن جميع النقائص والعيوب، فخالفوا الطائفتين. وبرئ مذهب أهل السنة والجماعة من البدع التي وقع فيها غيرهم في كلام الله تعالى، وفي كلام رسوله ﷺ ، وفي أسماء الله وصفاته، فلا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا إلحاد، فهذه خمسةُ معانٍ باطلةٌ ومنكرةٌ. أما أهل الضلال؛ فهم بين: معطلٍ، وممثلٍ، ومحرِّفٍ، ومفوِّضٍ، والكل ملحد في أسماء الله، وفي آياته. قوله: (سلف الأمة وأئمتها) أصل السلف: «مَنْ يتقدم غيره» (١)، ولا سيما من تقدم قومه أو جنسه؛ فإنه يكون سلفاً لهم، فسلفُ الكفار: مَنْ تقدم منهم، وسلفُ الأخيار: مَنْ تقدم منهم؛ فسلفُ هذه الأمةِ: صدرُها. وأصدقُ من تنطبق عليه هذه الكلمة: الصحابة، فإنهم سلفُ هذه الأمة الوسطُ الخِيارُ. والسلفُ والخلفُ من الأمور النسبية، فكلُّ من تقدم غيره وجنسه؛ يكون سلفاً، فالصحابة سلف الأمة على الإطلاق، ولكن التابعون

стр. 89

وتابعوهم؛ هم سلف لمن جاء بعدهم، فالسَّلفيُّ حينئذٍ؛ هو: المقتفي للسلف الصالح، والمهتدي بهديهم. وهذه الأمة لها أئمة وعامة؛ فالأئمة؛ هم: العلماء العاملون، وقد اجتمعت أوصاف الإمامة في الخلفاء الراشدين ﵃؛ فإنهم أئمة في العلم، وفي العمل، وفي الولاية. ولكن المراد هنا: الأئمة في العلم والدين، وعطفُ الأئمةِ على السلف؛ مِنْ عطف الخاص على العام. قوله: (من غير تكييف) التكييفُ مأخوذ من الكيفية؛ وهي: «هيئة الشيء التي هو عليها»، ويستفهم عن الحال ب «كيف» (١)، فالتكييف: تحديد كُنْهِ الصفة، أو السؤال عنها ب «كيف»؛ لأن السائل عنها ب «كيف» يريدُ تحديدَها وبيانَ كُنهِها، فصفاتُ الله سبحانه لا يجوز تكييفها والتعرض لكيفيتها، ولا السؤال عن ذلك. والتكييفُ هو الذي نصَّ العلماء على نفيه ونفي العلم بالكيفية، وقالوا في نصوص الصفات: «تُمَرُّ كما جاءت بلا كيف» (٢)، أي: دون السؤال عن كيفيتها، ودون تكييف لها. وقال الأئمة في الاستواء ونحوه: «الاستواء معلوم - أو: غير مجهول - والكيف مجهول» (٣).

стр. 90

فالكيفية لا يجوز للعبد التعرض لها، ولكن صفات الله تعالى لها كيفية لا نعلمها، فأهل السنة لا ينفون الكيفية، ولكن ينفون التكييف، فهم ينفون العلم بالكيفية، فلا يعلم كيف هو إلا هو، ولا يعلم كيفية صفاته إلا هو. قوله: (ولا تمثيل) التمثيل: مأخوذ من «المِثل»، وهو: «النظير» (١)، فالتمثيل؛ هو: «الحكم على الشيء بأنه مِثلٌ لشيء آخر»، والمراد بالتمثيل هنا: «تمثيل الخالق بالمخلوق، أو: تمثيل المخلوق بالخالق». والتشبيهُ الذي قامت الأدلة على نفيه وإبطاله؛ هو: «وصف الخالق بخصائص المخلوق، أو: وصف المخلوق بخصائص الخالق». وهذا المقام اضطرب فيه الناس، ونشأ عنه ما نشأ من التعطيل (٢)، فإن المعطلة قالوا: «إنَّ إثباتَ الصفات لله تعالى تشبيهٌ»، فأوجب لهم هذا أن ينفوا الصفات؛ لأنهم قالوا: «إن المخلوقات توصف بهذه الصفات، فلو أثبتنا لله الصفات؛ للزم من ذلك التمثيل»؛ فنفوها، هذه هي شبهتهم. ولكن التشبيه الذي ورد نفيه وإبطاله في النصوص؛ هو: وصف الله بخصائص المخلوق، أو: العكس، ف «العِلمُ» ليس من خصائص الخالق، فإن المخلوق يوصف ب «العلم» أيضاً، وهكذا «السمع»، «والبصر»، ونحوها، فمطلقُ «العلم»، و «السمع»، و «البصر» - مَثلاً - معانٍ مشتركةٌ في اللفظ والمعنى.

стр. 91

فاللهُ تعالى يوصف ب «العلم» حقيقة، لكن «العلم» المختص به ، والمخلوقُ يوصف ب «العلم» حقيقة، لكن المناسب له، فوصف المخلوق حينئذٍ ب «العلم»؛ ليس فيه تشبيهُ المخلوق بالخالق، ووصف الخالق ب «العلم» - مَثلاً - ليس فيه تشبيه الخالق بالمخلوق. ف «العلمُ» المحدَث المحدود؛ هو من خصائص المخلوقِ، والعلمُ الأزلي، المحيط بكل شيء، الذي لا تبلغ العقول كنهه ولا مداه؛ هو من خصائص الخالق. فمن قال: «إن المخلوق يعلم الغيب»؛ فقد شبَّه المخلوقَ بالخالقِ، فالقدريةُ الغلاةُ وقعوا في ضرب من التشبيه في قولهم: «إنه تعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها»؛ وهو: تشبيه الخالق بالمخلوق. وقول اليهود: «يد الله مغلولة» (١) من تشبيه الخالق بالمخلوق؛ لأنهم وصفوا الله بخصائص المخلوق، فاليهودُ بهذا القول مشبهةٌ، وكذا قولهم: «إن الله لما خلق السموات والأرض استراح» (٢)، فيه تشبيه للخالق بالمخلوق. وأما قول النصارى: «إنَّ عيسى ابنُ الله» (٣)، ففيه تشبيه الخالق بالمخلوق من وجه، وذلك بنسبة الولد إليه، وفيه - أيضاً - تشبيه

стр. 92

المخلوق بالخالق حيث ألَّهُوا المسيح، فالنصارى وقعوا بهذا في نوعَي التشبيه. والمشركون الذين عبدوا مع الله تعالى سِواه؛ وقعوا في تشبيه المخلوق بالخالق، فهذا هو التمثيل الذي يجب نفيه، وبرئ منه مذهب أهل السنة والجماعة. والتكييف والتمثيل بينهما تلازم، فكلُّ مَنْ كيَّف صفاتِ الله تعالى؛ فقد شبه الله بخلقه. وتمثيل الخالق بالمخلوق يستلزم التكييف، وتمثيل المخلوق بالخالق قد يتضمن التكييف. قوله: (ومن غير تحريف) التحريف: مأخوذ من الحَرْف، بمعنى: الطرف (١)، ففيه تغييرٌ ومَيلٌ، وهو في الاصطلاح: «تغيير كلام الله، أو كلام رسوله عن وجهه لفظاً أو معنى»، وهذا التغيير فيه جنوح عن الصواب والحق، فكان فيه انحراف عن الوسطية والعدل، فالتحريف والانحراف بينهما تقارب من حيث اللفظ، ومن حيث المعنى. والتحريف يكون للألفاظ، ويكون للمعاني، والأغلب إطلاقه على تغييرِ المعنى. وتغييرُ اللفظ يكون بالزيادة والنقص. ومن أمثلة التحريف اللفظي ما يروى عن بعض الجهمية أنه طلب من أحد القُرَّاء أن يقرأ قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء] بنصب لفظ الجلالة -؛ لأنه حينئذ لا يكون في الآية دلالة على تكَلُّمِ الله

стр. 93

تعالى، وإنما فيها أن موسى كلَّم الله تعالى، وكونُ العبدِ يكلمُ ربَّه؛ لا ينكره أحد، فكلُّ عبد يدعو ربه ، كما قال ﷺ : «إن أحدكم إذا قام في صلاته؛ فإنه يناجي ربه» (١)، وخاصية موسى ﵊ أن الله كلَّمه، وهذا إنما يتحقق على القراءة الصحيحة: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾، - فقال له المسؤول: هب أنه أمكنك ذلك، فكيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! (٢). وهذا لأنه يمتنع في اللغة العربية أن يكون الضمير في قوله: ﴿وَكَلَّمَهُ﴾ في محل رفع (٣)، ويتعين أن يكون مفعولاً به، و «ربُّ» هو الفاعل. وأما التحريف المعنوي فهو: «صرف اللفظ عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى غيره بغير حجة توجب ذلك»، كما قال المعطلة: «يدُ الله: قدرتُه»، «الاستواء؛ هو: الاستيلاء»، «المحبة؛ هي: إرادة الإنعام»، و «الغضب؛ هو: إرادة الانتقام». قوله: (ولا تعطيل) التعطيل: مأخوذ من العَطَل بمعنى الخُلُو (٤)، والمراد به هنا: تعطيل الرب تعالى عن صفات كماله، وذلك بنفي

стр. 94

أسمائه وصفاته سبحانه، فالمعطل يُخْلِي الرب عن صفاته، أو عن أسمائه، وصفاته عند غلاتهم. والتحريف يستلزم التعطيل، وأما التعطيل فلا يستلزم التحريف؛ لأن التعطيل قد يكون بغير التحريف، فقد يكون بالتفويض؛ فإن المعطلة يقفون من النصوص: * إما موقف التحريف. * وإما أن يفوضوا، فمن ينفي - مَثلاً - حقيقة الاستواء على العرش؛ وهو: العلو والارتفاع، يقول: «معنى قولِه تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: استولى»، فيكون حينئذٍ معطلاً محرفاً؛ معطلاً للصفة عن الله، ومحرفاً للنص. وقد يقول من ينفي حقيقة الاستواء: «الله أعلم بمراده بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾»، ويقول: «هذا ليس فيه دلالة على إثبات الاستواء على العرش؛ لأنه من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله تعالى»؛ فيكون هذا معطلاً مفوضاً. وبهذا يُعلم أن تحريف النصوص يستلزم التعطيل، وأما التعطيل فلا يستلزم التحريف؛ لأن المعطل قد يلجأ إلى التفويض لا إلى التحريف. قوله: (من غير إلحاد) الإلحاد في اللغة: المَيْل، ومن هذا سمي الشَّق في جانب القبر: لحداً؛ لميله عن وسط القبر، فكلُّ مَيلٍ هو إلحادٌ لغةً (١)، وأما في الاصطلاح فهو: «الميل عن الحق إلى الباطل، علماً أو عملاً».

стр. 95

وأكثر ما يطلق اسم «الإلحاد» في كلام العلماء على الإلحاد الاعتقادي، وقد يخصونه بِشَرِّ أنواع الإلحاد؛ وهو: إنكار وجود الرب ، فيُسمى الدهرية: ملاحدة؛ لأنهم منكرون للخالق، والنبوات، والمعاد، فهم شرُّ الملاحدة، ولكن جنس الإلحاد لا يختص بهم، فاسم الإلحاد في الشرع يشمل أموراً كثيرة، كما سيأتي في الكلام على الإلحاد في أسماء الله تعالى، وفي آياته سبحانه. والشرك الذي هو عبادة غير الله مع الله من شرِّ الإلحاد، وهو إلحادٌ في عبادة الله بصرف محضِ حقه إلى غيره. والإلحادُ أعم هذه المعاني أعني: التكييفَ، والتمثيلَ، والتحريفَ، والتعطيلَ؛ فالتحريفُ، والتعطيلُ، والتكييفُ، والتمثيلُ؛ كلُّها إلحادٌ. فالتحريفُ إلحادٌ في آيات الله، والتعطيلُ إلحادٌ في أسماء الله تعالى وفي صفاته، والتكييفُ إلحادٌ - أيضاً - في أسماء الله وصفاته، والتمثيلُ كذلك؛ فإن من شبَّه الله تعالى بخلقه؛ فقد ألحد في أسماء الله وصفاته. والتعطيلُ والتشبيه معنيانِ متباينان، فالمشبهة غلوا في الإثبات، والمعطلة غلوا في النفي، والتعطيلُ والتمثيل بينهما تلازم من وجه، فالتشبيهُ يستلزم التعطيلَ، والتعطيلُ يستلزم التشبيهَ، فكلُّ مشبِّهٍ معطلٌ من وجه، وكلُّ معطلٍ مشبِّهٌ من وجه، وذلك أن من أثبت لله تعالى صفات تماثل صفات المخلوقين؛ فهو مشبِّه، وهو - أيضاً - معطل؛ لأنه لم يثبت لله ما يستحقه من الصفات؛ بل وصف الله بصفات لا تليق به ؛ فصار بهذا الاعتبار معطلاً، وإن كان أصلَ مذهبِه التشبيهُ.

стр. 96

والمعطلُ الذي نفى عن الله الأسماء والصفات، أو نفى الصفات؛ هو مشبِّه لله بالجماداتِ، والمعدوماتِ، والممتنعاتِ، ففرَّ من تشبيه الله بالموجودات، ووقع في تشبيهه بالجمادات، فوقع في تشبيهٍ أقبح، فكان بذلك معطلاً مشبهاً، وإن كان أصلَ مذهبِه التعطيلُ، فبان بهذا: أنَّ التمثيلَ يستلزمُ جنسَ التعطيلِ، والتعطيلُ يستلزم جنس التشبيهِ، والإلحادُ يعُم الجميع. قوله: (فإن الله ذم الذين يلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]) الإلحاد في أسمائه؛ هو: المَيل بها عن الحق والصراط المستقيم، وذلك يشمل أنواعاً من الإلحاد (١)، فالإلحاد في أسمائه تعالى يكون: * بنفيها، كما هي طريقة الجهمية. * ويكون بنفي معانيها، كما هي طريقة المعتزلة. * ويكون بتسمية المخلوق بها، مثل: تسمية المخلوق: «بعالم الغيب» و «ملك الملوك»، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «إنَّ أَخْنَعَ اسمٍ عند الله: رجلٌ تسمَّى: ملِك الأملاك، لا مالِك إلا الله» (٢). * ويكون بتسميته تعالى بما لم يسمِ به نفسه؛ كتسمية النصارى له: «أباً»، وتسمية الفلاسفة له: «علة الوجود»، وتسميته ب «واجب الوجود»،

стр. 97

وإن كان يصح الإخبار به عن الله تعالى، فيقال: «اللهُ واجبُ الوجود»، ولكن ليس من أسمائه ذلك. * ويكون الإلحاد في أسماء الله بالاشتقاق من أسمائه، كما فعل المشركون، فاشتقوا من أسمائه تعالى لأسماء آلهتهم؛ ك «اللات» من الإله، و «العُزى» من العزيز (١). ومن الإلحاد في أسمائه ما ذكر الله عن المشركين في قوله سبحانه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠]. قوله: (وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٤٠]) هذا تهديد بالإخبار باطلاع الله تعالى، فاللهُ كثيراً ما يذكر العلم في تهديده للكافرين، والمنحرفين، والمتعدين لحدوده. قوله تعالى: «﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠]» هذا تهديد للملحدين في آياته بالإلقاء في النار. وآيات الله تعالى نوعان: آيات كونية، وآيات شرعية. ومن شواهد الآيات الكونية؛ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم: ٢٣]، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٢٤]، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِير (٢٩)﴾ [الشورى]، وشواهدها كثيرة. ومن شواهد الآيات الشرعية؛ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾

стр. 98

[الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ١] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ [لقمان: ٧]، وقوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيم (٢)﴾ [لقمان]، ونحوها كثير. والآيات الكونية؛ هي: المخلوقات، والآيات الشرعية؛ هي: كلمات الله تعالى المنزلة. والإلحاد في آيات الله تعالى الشرعية يكون: * بالتكذيب بها. * وجحدها. * ويكون بتحريفها عن مواضعها. * ويكون بالزعم بأنه ليس لها معنى مفهوم، كما هو مذهب التفويض. * ويكون بالاستهزاء بها، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ

стр. 99

جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء]، والاستهزاء بآيات الله إنما ينشأ عن الكفر بها، كما قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَاد (٤)﴾ [غافر]، هذا من جملة الإلحاد في آيات الله الشرعية. أما الإلحاد في آيات الله تعالى الكونية؛ فإنه يكون: * بجحد خالقها سبحانه. * وبجحد دلالتها على الخالق. * وبنفي حكمته تعالى في خلقها، كأن يقول قائل: «إن هذا الشيء مخلوق لا لحكمة»، أو يقول: «هذا حادث بغير مشيئة الله»، كما تقوله القدرية في أفعال العباد. هذا ما يتعلق بالإلحاد في أسماء الرب سبحانه، وآياته. وأهل السنة والجماعة يثبتون لله أسماءَه وصفاتِه، ولا يلحدون في أسمائه ولا في آياته. ويلاحظ بعد هذا أن مذهب أهل السنة والجماعة يتميز عن المذاهب الضالة بأمور: أولاً: أنه وسط بين مذاهب الضلال، فأهل السنة وسط في «باب الأسماء والصفات»، وطريقتهم هي المثلى؛ فإنها وسط بين التعطيل، والتمثيل. ثانياً: أن مذهب أهل السنة والجماعة وطريقتهم في «باب الأسماء والصفات»، وغيره مستمدة من الكتاب والسنة، ومطابقة للعقل

стр. 100

الصحيح، بينما المذاهب المنحرفة مستمدة من الأهواء والخيالات التي لا أصل لها في عقل ولا سمع، فهي مخالفة لموجَب العقل وموجَب النقل، وإن زعم الزاعمون أنها موجَب العقل. ثالثاً: خلو مذهب أهل السنة والجماعة من المعاني الباطلة التي وقع فيها مَنْ خالفهم، كالتحريف، والتعطيل، والتكييف، والتمثيل. رابعاً: وهو مستفاد مما تقدم: أن مذهب أهل السنة والجماعة يتضمن ثلاثة أصول يقوم عليها: الأول: إثبات صفات الكمال لله ، كما أثبتها لنفسه، وأثبتها له رسوله ﷺ . الثاني: تنزيهه تعالى عن مماثلة المخلوقات، وعن كل نقص. الثالث: نفي العلم بالكيفية. وهذه الأصول مستفادة من النصوص، وقد تضمنتها الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]، فهذه الآية دلت على الحق، وردِّ الباطل في «باب الأسماء والصفات»، فدلت على أنه تعالى موصوف بصفات الكمال، مُنزَّه عن مماثلة المخلوقات، وأنه تعالى ليس كمثله شيء، وهذا يتضمن نفي العلم بالكيفية، فإن نفي التشبيه يستلزم نفي التكييف، ونفي العلم بالكيفية؛، لأن ما لا نظير له؛ لا يمكن العلم بكيفيته؛ لأن الشيء لا تعلم كيفيته؛ إلا: بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره.

стр. 101

واللهُ تعالى لا نظير له، والعبادُ لم يشاهدوه؛ فلا سبيل لهم إلى العلم بكيفيته سبحانه. فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتكييف، ففيه الرد على أهل التشبيه، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ رد للإلحاد والتعطيل؛ فإن فيها إثبات اسمين من أسمائه تعالى، وهما: «السميع»، و «البصير»، وفيها إثبات صفتين من صفاته، وهما: «السمع»، و «البصر». فهذه أبرز خصائص مذهب أهل السنة والجماعة. قوله: (ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد للتشبيه والتمثيل) قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ نصٌّ في نفي تشبيه المخلوق بالخالق؛ لأن تقدير الآية: «ليس شيءٌ مثلَه تعالى»، ونفيُ هذا التشبيهِ؛ يستلزم نفيَ التشبيهِ الآخَر؛ وهو: تشبيه الخالق بالمخلوق، فإنه سبحانه إذا لم يكن له كفوٌ من خلقه؛ لزم أنه ليس مثلَ أحدٍ مِنْ خلقه، لأنه سبحانه لو كان مثلَ أحد مِنْ خلقه؛ كان هذا المخلوق مثلَه تعالى. ومن الآيات الدالة على نفي التمثيل عن الله قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله سبحانه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، وغيرها كثير. ويلاحظ أن هذه الآيات كلها دالة على نفي مماثلة شيء من المخلوقات للخالق سبحانه، ولا نجِدُ آية فيها التنصيص، أو التصريح بنفي مماثلة الخالق تعالى لخلقه، وذلك - والله أعلم - لأن الغالب على

стр. 102

الخلق تشبيه المخلوق بالخالق، فإن المشركين كلَّهم - كما تقدم (١) - واقعون في تشبيه المخلوق بالخالق. فقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ونحوها من الآيات؛ فيها رد على أهل التشبيه، وفيها - وهو المقصود الأول - إبطال الشرك؛ لأن الشرك يتضمن تشبيه المخلوق بالخالق، ولا يوجد في الأمم من يقول: «إنَّ اللهَ مثلُ خلقه من كل وجه» (٢)، وقد يصِف بعضُهم اللهَ بشيء من صفات المخلوق، كما قالت اليهود: «إن الله فقير»، «يد الله مغلولة» (٣)، فالآيات جاءت بإبطال الشرك الواقع، والتمثيل الغالب على الأمم، والله أعلم. تنبيه: «الكاف» في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ للتشبيه، والأصل أنها بمعنى: «مثل»، ويلاحظ في هذه الآية أن «الكاف»، و «مثل» اجتمعتا، فاختلف النحويون والمفسرون؛ فمنهم من قال: «الكاف صِلَةٌ زِيْدَتْ لتأكيدِ مضمونِ الكلام، والمعنى إذاً: ليس مثلَه شيءٌ»، وهذا سهلٌ، وواضحٌ، ولا إشكال فيه. ومنهم من قال: «إن كلمة «مِثل» هي الصلة، والتقدير: ليس كهو شيءٌ»، وهذا يؤول إلى المعنى الأول؛ لأن «الكاف» بمعنى «مثل»،

стр. 103

ولكن الأول أولى من هذا؛ لأن الزيادة في الحروف معهودة في اللغة، أما وقوع الاسم زائداً؛ فهذا لا يكاد يوجد في اللغة. ومنهم من قال: «لا مانع من أن يكون المعنى: ليس مثلَ مثلِه شيءٌ، ويكون هذا من قبيل الوصف بطريق الكناية كما تقول العرب: «مثلك لا يفعل كذا»، أو «لا يعطي الزهيد» في المدح، و «مثلك لا يلاقي الشجعان» في الذم بالجبن، و «مثلك لا يعطي الجزل»، في الذم بالبخل، وليس المقصودُ مدحَ المثل ولا ذمه، وإنما المقصود مدح أو ذم المخاطب بطريق الكناية». والأقوال الثلاثة مذكورة في بعض كتب التفسير (١)، والأمر في هذا سهل، فإن المقصود من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾؛ هو: نفي أن يكون لله مِثلٌ مِنْ خلقه، وهذا لا خلاف فيه، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 104

منهج الرسل في الإثبات والنفي في صفات الله تعالى والله بعث رسلَه بإثباتٍ مفصلٍ، ونفيٍ مجملٍ، فأثبتوا له الصفاتِ على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم] قال أهل اللغة: «﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: نظيراً يستحق مِثلَ اسمه، ويقال: مسامياً يساميه» (١). وهذا معنى ما يروى عن ابن عباس: «هل تعلم له مِثلاً، أو شبيهاً» (٢). وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ [الإخلاص]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ [البقرة] وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. هذا فيه بيان طريقة الرسل عليهم الصلاة والسلام في وصف الله تعالى في الإثبات وفي النفي، وقد تقدم (٣) أن الحق؛ هو: «وصفه تعالى

стр. 105

بما وصف به نفسه، ووصفته رسله إثباتاً ونفياً، بإثبات ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله، ونفي ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله»؛ وهنا بيان لنوع هذا الإثبات، وهذا النفي الذي جاءت به الرسل. قوله: (والله بعث رسله بإثبات مفصل) (١) إلخ، أي: بإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال على وجه التفصيل، وبنفي ما لا يصلح له سبحانه على وجه الإجمال، فالمدح يكون بإثبات الكمالات، وبنفي المعايب والنقائص. والطريقة المثلى في المدح: أن تُذكر المحامد مفصلة، وتُنفى المعايب مجملة، فطريقة الرسل في الإثبات والنفي؛ هي الموافقة للعقل، والذوق السليم، والأدب الرفيع. والمراد ب «الإجمال»؛ هو: التعميم والإطلاق، و «التفصيل»؛ هو: التعيين والتخصيص، ويتضح هذا بالأمثلة، فتقول في النفي المجمل: «فلانٌ متنزهٌ عن الرذائل»، وتقول في النفي المفصل: «فلان ليس بجبان»، «ليس بفاحش»، «ليس بلعَّان». وتقول في الإثبات المجمل: «فلانٌ ذو أخلاقٍ جميلةٍ»، و «ذو صفات حميدة»، وتقول في الإثبات المفصل: «فلان كريم، وشجاع، وصبور، وحليم، وحافظ، ومِقدام»، وما أشبه ذلك.

стр. 106

فطريقة الرسل؛ هي: «الإجمال في النفي، والتفصيل في الإثبات»، وهذا أمر أغلبي، وليس بمطرد، فمعنى ذلك: أن الإثبات قد يأتي مجملاً، كما أن النفي قد يأتي مفصلاً. ثم بعد هذا ساق الشيخ رحمه الله تعالى شواهد النفي المجمل، وشواهد الإثبات المفصل، وبدأ بشواهد النفي المجمل. قوله: (وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾) الشاهد: قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، ومثلها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: (﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾)، وقد اشتملت هذه الآيات على: نفي «الكفو»، و «النِّد»، و «السَّمِي»، و «المِثل»، وهي معانٍ متقاربة، فكلها تُفسَّر ب: «الشبيه»، و «النظير» (١)، وما أشبه ذلك، فنفي «الكفو»، و «النِّد»، و «السَّمِي»، و «المِثل»؛ نفي مجمل. ووجه الإجمال في هذه الآيات: أن نفي «الكفو»، و «النِّد»، و «السَّمِي»، و «المِثل» جاء مطلقاً غير مقيد بشيء، فتضمنت نفي «الند» عن الله في كل شيء، ونفي جميع النقائص الثابتة للمخلوق. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ كلها أخبارٌ، ومعنى قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾: لا سمي له.

стр. 107

وقوله تعالى: (﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً﴾) هذا طلب، واستشهد بهذه الآية في باب الصفات؛ لأن النهي فيها يتضمن النفي، نفي أن يكون لله ند، فالمعنى: لا تجعلوا لله أنداداً؛ لأنه ليس له ند، وهذا هو المقصود، كذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾ هذا ذم من الله تعالى للذين جعلوا لله أنداداً يحبونهم كمحبتهم لله، وهذا نوع من الخبر المراد به الطلب (١)؛ لأنَّ الذمَّ فيه نهيٌ، ولكن هو في نفس الأمر يتضمن نفي الند عن الله، فإن الله إنما ذم هؤلاء على ذلك؛ لأنه تعالى لا ند له (٢). وقوله: (﴿كَحُبِّ اللّهِ﴾) حب: مصدر أضيف إلى لفظ الجلالة، وهو مفعول، فكيف يقدر الفاعل؟ قيل: «كحبهم لله»، وهذا يتضمن التسوية، فأشركوا في التسوية في المحبة، والمراد: يحبون أوثانهم وأندادهم كما يحبون الله. وقيل: «كحب المؤمنين لله»، فيكون حبهم لأندادهم أكثر من حبهم لله تعالى (٣). وقد رجح شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - الأولَ (٤)، لأن الواقع منهم التسوية، كما في قوله تعالى عن الكفار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِين (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين (٩٨)﴾ [الشعراء].

стр. 108

وقوله: (﴿أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾) قيل: «أشد من حب المشركين لله». وقيل: «أشد من حب المشركين لأندادهم»، أي: أن المؤمنين يحبون الله أشد من حب المشركين لأندادهم، وهذا أنسب (١). فالآيات كلها تدل على نفي الند عن الله، لكن منها ما يدل على ذلك نصاً؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾، أو لزوماً؛ كنهيه سبحانه عن أن يُتخذ من دونه أنداد. * * *

стр. 109

وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُون (١٠٠) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (١٠١)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الفرقان]. قوله تعالى: (﴿وَجَعَلُوا﴾) أي: اعتقدوا وافتروا. وقوله: (﴿الْجِنَّ﴾) يحتمل أن يكون بدلاً من ﴿شُرَكَاء﴾، ويكون المفعول الثاني هو الجار والمجرور (١). ويحتمل أن يكون منصوباً بنزع الخافض، أي: جعلوا لله شركاء من الجن. أو يكون ﴿شُرَكَاء﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا، و ﴿الْجِنَّ﴾ مفعول أول مؤخر، والمعنى: وجعلوا لله الجنَّ شركاءَ (٢). ولعل التقديرَ الأولَ أظهرُ.

стр. 110

وقوله: (﴿وَخَلَقَهُمْ﴾) هذه جملة معترضة، أي: والحال أن الله تعالى خلقهم (٢)، ومع ذلك أشركوا به. وقوله تعالى: (﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾) أي: اخترعوا وافتروا. وقوله سبحانه: (﴿بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾) فيه تنزيه الله تعالى عن اتخاذ البنين والبنات، وفيه رد على المشركين الذين قالوا: «الملائكة بنات الله»، والنصارى الذين قالوا: «المسيح ابن الله». وقوله تعالى: (﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُون (١٠٠)﴾) هذا هو الشاهد من الآية على النفي المجمل؛ فإن قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نفي؛ لأن «التسبيح» فيه معنى النفي، كما أن «الحمد» فيه إثبات، كما تقدم (١)، وهذا عام في تنزيهه تعالى عن كل ما يصفه به الجاهلون المفترون، والمشركون من: الولد، أو الصاحبة، أو الشريك، أو غير ذلك من النقائص والعيوب، فالنفي في هذه الآية مستفاد من قوله: ﴿ ﴾، وهو نفي مجمل؛ لأنه عام، فكل آية فيها هذا الأسلوب؛ فهي من قبيل النفي المجمل. وقوله تعالى: (﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾) أي: مبتدي خلقهما على غير مثال سابق. وقوله سبحانه: (﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (١٠١)﴾) أي: الكل خلقه، وليس شيء من الموجودات ابناً له، بل الكل عبيده، كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون (٢٦)﴾ [الأنبياء].
следующие страницы →