← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولكن هؤلاء الضُّلَّال المعطلة ليسوا من أهل العقل ولا النقل؛ بل هم من أهل القضايا المجهولات التي يظنونها ويزعمونها قضايا عقلية، كما إذا قالوا: «إن الوجود المطلق موجود في الخارج»، أو: «إن العِلم هو العالِمِ». ومعنى قوله: (يسفسطون في العقليات) أي: يقفون من العقليات موقف أهل «السفسطة» منها؛ وهو: المكابرة والإنكار (١). ومعنى قوله: (يقرمطون في السمعيات) أي: يفعلون في السمعيات فعل القرامطة، وهو اللعب بمعانيها وصرفها عن ظاهرها إلى معانٍ أخرى لا يحتملها اللفظ، ولا يدل عليها السياق (٢). * * *

стр. 142

ذكر الدليل العقلي على وجود الواجب، وبيان ما بين الواجب والممكن من قدر مشترك وذلك أنه قد عُلم بضرورة العقل أنه لا بُدَّ من موجود، قديم، غني عمَّا سواه؛ إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات؛ ك «الحيوان»، و «المعدن»، و «النباتِ»، والحادثُ ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد عُلم بالاضطرار أن المحدَثَ لا بُدَّ له مِنْ محدِثٍ، والممكنَ لا بدَّ له من واجبٍ، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون (٣٥)﴾ [الطور]، فإذا لم يكونوا خُلقوا من غير خالق، ولا هم الخالقون لأنفسهم؛ تعين أن لهم خالقاً خلقهم. وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدَث ممكن، يقبل الوجود والعدم؛ فمعلوم أن هذا موجود، وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى «الوجود» أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا؛ بل وجود هذا يخصُّه ووجود هذا يخصُّه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند «الإضافة»، و «التقييد»، و «التخصيص»، ولا في غيره. فلا يقول عاقلٌ إذا قيل: «إن العرش شيء موجود»، و «إن البعوض شيء موجود» إن هذا مثل هذا؛ لاتفاقهما في مسمى «الشيء»، و «الوجود»؛ لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما

стр. 143

يشتركان فيه؛ بل الذهن يأخذ معنى مشتركاً كلياً هو مسمى الاسم المطلق. وإذا قيل: «هذا موجود وهذا موجود»، فوجود كل منهما يخصُّه لا يَشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقةٌ في كلٍّ منهما. يريد الشيخ أن يبين أن إثبات الصفات لله تعالى لا يلزم منه تمثيله بخلقه، كما أن الله تعالى موجود والمخلوق موجود، ولا يلزم من ذلك تماثلهما في صفة «الوجود»، فمَهَّد لذلك بذكر الدليل على إثبات موجود واجب، وموجود ممكن، فقال: (وذلك أنه قد عُلم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عمَّا سواه … ) إلخ. فقرر الشيخ أن من المعلوم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه، ودليل ذلك ما نشاهده من حدوث المحدثات - أي: المخلوقات - ك (الحيوان)، و (المعدن)، و (النبات)؛ لأن المحدَث ممكن الوجود، فليس بواجب؛ لأن عدمَه قبل وجوده؛ ينفي وجوبه، لأن الواجبَ لا يَعدَم. وليس بممتنع؛ لأن الممتنع لا يمكن أن يوجد؛ فوجوده ينفي امتناعه. فالأشياء في حكم العقل ثلاثة: واجب، وممكن، وممتنع. فالواجب: ما لا يقبل الحدوث، ولا العدم.

стр. 144

والممكن: ما يقبل الوجود، والعدم. والممتنع: ما لا يقبل الوجود. فهذه المحدثات لا بُدَّ لها من موجِد محدِث لها، كما هو موجَب العقل والفطرة، ودليل ذلك ما ذكره تعالى من الدليل العقلي في قوله: (﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون (٣٥)﴾) أي: أخُلقوا من غير خالق؟! أم هم الخالقون لأنفسهم؟! فالمخلوق لا يخلو: إما أن يكون خلقَ نفسَه، أو: وُجد من غير خالق، أو: أن يكون له خالقٌ خلقه. وهذا هو الحق، والأولان باطلان ممتنعان. والمحدِثُ الخالق الذي تنتهي إليه المحدثات؛ يمتنع أن يكون محدَثاً مخلوقاً؛ بل يجب أن يكون واجباً؛ قطعاً للتسلسل، فإن التسلسل في الفاعِلين والمفعولين؛ ممتنع. ومعنى التسلسل في الفاعِلين والمفعولين: «أنه ما من فاعلٍ إلا وله فاعلٌ إلى ما لا نهاية»، وهذا باطل؛ لأن ذلك يستلزم ألَّا يوجد شيء، والوجود ثابت بالحس (١). فطريق العلم بالواجب؛ هو: «العقل»، بدلالة الآيات الكونية. وطريق العلم بجنس المحدَث؛ هو: «الحس».

стр. 145

وقوله: (وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن … ) إلخ، تقدم الدليل الضروري العقلي على وجود الواجب القديم، وأن الموجود المحدَث معلوم بالحس؛ فإذا كان من المعلوم بالاضطرار أن في الوجود ما هو واجب، وما هو ممكن، وكلٌّ منهما يصدق عليه أنه موجود، ف «الله» تعالى موجود، و «الإنسان» موجود، وسائر المخلوقات موجودة؛ فالخالق والمخلوق يتفقان في مسمى «الوجود»، أو «الموجود»، عند الإطلاق والتجريد عن «الإضافة»، و «التخصيص»، و «التقييد». فإذا قيل: «موجود»، فهذا الاسم يصدق على كلِّ ذي وجود؛ ف «الموجود» ضد «المعدوم»، فيدخل فيه كل موجود، سواء كان واجباً، أو ممكناً، ولكن لا يلزم من اتفاقهما عند «الإطلاق»، و «التجريد» تماثلهما عند «الإضافة»، و «التخصيص»، و «التقييد»؛ بل وجود «الواجب» مختص به، ووجود «الممكن» مختص به، فالوجود المطلق معنى مشترك في مدلوله، ومسماه، ومعناه لا يختص به الخالق ولا المخلوق. وإذا قيل: «الوجود الواجب»؛ فيختص بالموجود الواجب، أما إذا قيل: «الوجود الممكن»؛ فيختص بالموجود الممكن. فعند (الإضافة)، و (التخصيص)، و (التقييد)؛ لا يقع الاشتراك؛ بل يأخذ كلٌّ ما يخصه.

стр. 146

و (الإضافة)، و (التخصيص)، و (التقييد): تنويع في التعبير؛ لأن (الإضافة) تتضمن «تقييداً»، و (التقييد) فيه «تخصيص». وبهذا يعلم أنه لا يلزم من الاشتراك بالاسم العام تماثل المسميين المتغايرين في خصائصهما. ويضرب الشيخ لذلك مثلاً بوجود «العرش» و «البعوضة»، ف «العرش» موجود، و «البعوضة» موجودة، ولا يلزم من وصف كل منهما بالوجود، أن يكونا متماثلين، بل لكلٍّ منهما وجود يخصه ويناسبه، وإن كانا متفقين في مسمى الاسم المطلق والمعنى العام المشترك للفظِ الوجود الذي لا وجود له في الخارج، وإنما يوجد في الذهن. فالاشتراك بين «العرش» و «البعوضة» إنما هو في مسمى الوجود العام الكلي المشترك، الذي لا يوجد إلا في الذهن. أما في الخارج فلا اشتراك بينهما، فليس في الخارج شيء اشتركا فيه. ف «للعرش» وجود يخصه، و «للبعوضة» وجود يخصها، واسم الوجود حقيقة في كلٍّ منهما، كما هو حقيقة في كلِّ موجود. وإذا لم يلزم من اتفاقِ «العرش»، و «البعوضة» في مسمى (الشيء) و (الوجود) عند «الإطلاق» تماثلُ مسماهما - أي: تماثل مسمى «الشيء»، و «الوجود» في «البعوضة»، و «العرش» - عند (الإضافة)، و (التخصيص)، و (التقييد)، وهذا بينَ مخلوقٍ ومخلوق؛ فمن باب أولى ألَّا يلزم ذلك بين الخالق والمخلوق.

стр. 147

فلفظ «وجود»، أو «موجود» باعتبار «الإطلاق»، و «التقييد» لها ثلاث حالات، ويختلف المدلول باختلاف هذه الأحوال: فمدلوله عند «الإطلاق»؛ هو: المعنى المشترك بين الخالق والمخلوق، وعند الإضافة إلى الخالق ما يختص به الخالق من الوجود، وعند الإضافة إلى المخلوق ما يختص به المخلوق من الوجود. وهكذا القول في سائر ما ورد من الأسماء مضافاً إلى الله، ومضافاً إلى بعض العباد (١). * * *

стр. 148

ثبوت القدر المشترك في جميع ما ورد من الأسماء حال الإطلاق، وبيان أن ذلك لا يستلزم التماثل بين أسماء الله وأسماء العباد ولهذا سمَّى اللهُ نفْسَه بأسماءٍ، وسمَّى صفاتِه بأسماءٍ، فكانت تلك الأسماءُ مختصةً به إذا أضيفت إليه لا يَشركه فيها غيره، وسمَّى بعضَ مخلوقاتِه بأسماءٍ مختصة بهم، مضافة إليهم، توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن «الإضافة»، و «التخصيص»، ولم يلزمْ مِنْ اتفاقِ الاسمين، وتماثلِ (١) مسماهما، واتحادِه عند «الإطلاق»، والتجريد عن «الإضافة»، و «التخصيص»: اتفاقُهما (٢)، ولا تماثلُ المسمى عند «الإضافة»، و «التخصيص»، فضلاً عن أنْ يتحد مسماهما عند «الإضافة»، و «التخصيص». بعد أن قرر الشيخ قاعدة اختلاف مدلول اللفظ ب (الإطلاق)، و (التقييد)، وأنه لا يلزم من اتفاق المسميين في اسم عند (الإطلاق) تماثلهما في معناه عند (التقييد)، كما وضح ذلك في لفظة (موجود): أراد

стр. 149

أن يبين حال الاتفاق، وحال الاختلاف في أسماء الخالق والمخلوقِ، فاللفظ الذي يطلق على الخالق والمخلوقِ له ثلاث حالات يختلف معناه باختلافها: ١ - حال الإطلاق، ومدلوله: معنى كلي مشترك. ٢ - حال الإضافة إلى الخالق، ومدلوله: ما يختص بالرب تعالى. ٣ - حال الإضافة إلى المخلوق، ومدلوله: ما يختص بالمخلوق. فأسماء الله تعالى المضافة إليه مختصة به، وأسماء العباد المضافة إليهم مختصة بهم. وأسماء العباد توافق أسماء الله تعالى إذا قطعت عن (الإضافة)، و (التخصيص) - يعني - عند (الإطلاق)، والتجريد عن (الإضافة)، و (التخصيص). ولا يلزم من اتفاقِ الاسمين، أي: اسم الخالق والمخلوق عند (الإطلاق) والتجريد عن (الإضافة) و (التخصيص) و (التقييد): تماثلُ مسماهما، فضلاً عن اتحاد مسماهما عند (الإضافة) و (التخصيص). * * *

стр. 150

فقد سمَّى الله نفسه «حياً»، فقال: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وسمَّى بعض عباده «حياً»، فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم: ١٩]، وليس هذا «الحيُّ» مثلَ هذا «الحيِّ»؛ لأن قوله: ﴿الْحَيُّ﴾ اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به. وإنما يتفقان إذا أُطلِقا وجُرِّدا عن «التخصيص»، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم مِنَ المطلق قدراً مشتركاً بين المسميين، وعند «الاختصاص» يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق. ولا بُدَّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دلَّ عليه الاسم ب «المواطأة» و «الاتفاق»، وما دل عليه ب «الإضافة» و «الاختصاص»، المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه . لفظ (الحي) نجده في أسماء الله تعالى، كما نجده في أسماء المخلوقين، فالله تعالى يسمى ب (الحي)، كما أن المخلوق كذلك، ولكن ليس (الحي) الذي هو الله، أو اسم الله ك (الحي) الذي هو المخلوق.

стр. 151

وأما إذا قطع لفظ (الحي) عن (الإضافة) إلى الخالق أو المخلوق؛ فإنه يدل على معنى لفظ الحيِّ الكليِّ المشتركِ الذي هو مسمى الاسم المطلق، والذي لا وجود له إلا في الذهن، فليس في الخارج شيء اسمه (الحي) مشترك بين الخالق والمخلوق، ولكن العقل يفهم قدراً مشتركاً للفظ (الحي)، وهذا المعنى المشترك ثابت في حق الخالق كما هو ثابت في حق المخلوق، ولا بدَّ من هذا حتى تُفهم الألفاظ. فإذا قلنا: (الحي) - مطلقاً دون إضافة إلى الخالق أو المخلوق - فإن مدلول هذه الكلمة: وجود حياة، أي: ضد الموت. أما إذا أضيف إلى الله تعالى؛ كما في قوله سبحانه: (﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾)؛ فإنا نفهم من لفظ (الحي) أنه تعالى ذو حياة، التي هي ضد الموت، وهذا مدلول اللفظ العام، كما أنا نفهم - أيضاً - أنه ذو حياة كاملة، لا يعتريها موت ولا نقص، فهي حياة واجبة، لا يعتريها الحدوث ولا العدم، ولا يعلم العباد كُنهها، وهذا مدلول اللفظ الخاص، أي: المضاف إلى الله تعالى. كذلك إذا أضيف اسم (الحي) إلى المخلوق، كما في قوله تعالى: (﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾)؛ فإنا نفهم من اللفظ: الحياة التي هي ضد الموت، وهذا مدلول اللفظ العام ل (الحي)، كما أنا نفهم منه - أيضاً - أنها حياة حادثة بعدَ أن لم تكن، وأنها قابلة للفناء، ومعرضة للعلل والآفات، وهي حياة موهوبة من الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [الجاثية: ٢٦]، وهذا مدلول اللفظ الخاص المضاف إلى المخلوق.

стр. 152

وقول المؤلف في أسماء الله تعالى إنها: (يفهم منها ما دل عليه الاسم ب «المواطأة» و «الاتفاق») أي: مدلول الاسم العام المشترك. وقوله: (وما دل عليه ب «الإضافة» و «الاختصاص» … ) أي: ويفهم منه عند إضافته إلى الله تعالى المعنى الخاص بالرب سبحانه، الذي لا يشاركه فيه المخلوق، فلو فَسرت ما أضيف إلى الله تعالى بالمعنى العام الكلي المشترك فقط دون ما هو من خصائص الله تعالى؛ لم تكن أعطيتَه حقَّه من البيان لمعناه؛ لأن المعنى الكلي المشترك ليس من خصائص الرب سبحانه؛ بل هو مشترك بين الخالق والمخلوق، فعند «الإضافة» لا بدَّ أن يقيد بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والعكس كذلك. * * *

стр. 153

وكذلك سمَّى اللهُ نفسَه «عليماً» «حليماً»، وسمَّى بعضَ عبادِه «عليماً»، فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيم (٢٨)﴾ [الذاريات] يعني: «إسحاق»، وسمَّى آخر «حليماً» فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيم (١٠١)﴾ [الصافات] يعني: «إسماعيل»، وليس «العليم» ك «العليم»، ولا «الحليم» ك «الحليم». وسمَّى نفسَه «سميعاً» «بصيراً»، فقال: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء]، وسمَّى بعضَ عبادِه «سميعاً» «بصيراً»، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان]، وليس «السميع» ك «السميع»، ولا «البصير» ك «البصير». وسمَّى نفسَه ب «الرؤوف» «الرحيم» فقال: ﴿إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيم (١٤٣)﴾ [البقرة]، وسمَّى بعضَ عبادِه ب «الرؤوف» «الرحيم»، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾ [التوبة]، وليس «الرؤوف» ك «الرؤوف»، ولا «الرحيم» ك «الرحيم». وسمَّى نفسَه ب «الملك»، فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وسمَّى بعضَ عبادِه ب «الملك»، فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف]، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠] وليس «الملك» ك «الملك».

стр. 154

وسمَّى نفسَه ب «المؤمن»، فقال: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وسمَّى بعضَ عبادِه ب «المؤمن»، فقال:﴾ ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُون (١٨)﴾ [السجدة]، وليس «المؤمن» ك «المؤمن». وسمَّى نفسَه ب «العزيز»، فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وسمَّى بعضَ عبادِه ب «العزيز»، فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١]، وليس «العزيز» ك «العزيز». وسمَّى نفسَه «الجبار» «المتكبر»، وسمَّى بعضَ خلقِه ب «الجبار» «المتكبر»، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّار (٣٥)﴾ [غافر]، وليس «الجبار» ك «الجبار»، ولا «المتكبر» ك «المتكبر». ونظائر هذا متعددة. أي: أن لفظة (عليم) أو اسم (عليم) عند «الإطلاق» يدل على مطلق العلم، أي ذو علم، وإن شئت قلت: «ذو علم كثير»، لأن الكثرة والقلة من الأمور النسبية، فهذا المعنى الكلي المشترك يصدق في حق الخالق والمخلوق. لكن (العليم) اسم الله تعالى يدل على ما يختص بالرب تعالى، وهو العلم الكامل الشامل المحيط بكل شيء، ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.

стр. 155

وإذا قيل: «عليم» اسم للمخلوق، فهو ما يختص به المخلوق من العلم الموهوب المحدود الذي يعتريه الخطأ والنسيان. وهكذا في اسم (السميع)، فله معنى عام أي: ذو سمع، والسمع: ضد الصمم؛ وهو: إدراك الأصوات، وهذا المعنى الكلي المشترك لا يختص به الرب تعالى، أما إذا قيل: «إن الله سميع»، فهذا كما يدل على المعنى العام المطلق يدل على المعنى الخاص بالله تعالى، وهو أنه يسمع جميع الأصوات، ليس بمحدود ولا موهوب، بل لم يزل سبحانه سميعاً سمعاً لا يعلم العباد كُنهه. وهكذا يقال في بقية الأسماء التي ذكرها المؤلف، فيفهم من الاسم عند «الإطلاق» معنى كلي مشترك بين الخالق والمخلوق، ويفهم منه عند «الإضافة»، و «التخصيص»، و «التقييد» معنى خاص يليق بالخالق لا يَشركه فيه المخلوق، كما يفهم منه معنى خاص يليق بالمخلوق عند تسميته به. * * *

стр. 156

ثبوت القدر المشترك في صفات الخالق والمخلوق حال الإطلاق وأنه لا يستلزم التماثل وكذلك سمَّى صفاتِه بأسماء، وسمَّى صفاتِ عبادِه بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين (٥٨)﴾ [الذاريات]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]. وسمَّى صفةَ المخلوق «علماً»، و «قوة»، فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا (٨٥)﴾ [الإسراء]، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم (٧٦)﴾ [يوسف]، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِير (٥٤)﴾ [الروم]، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، وقال: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] أي: «بقوة»، وقال: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ﴾ [ص: ١٧] أي: «ذا القوة» وليس «العلم» ك «العلم»، ولا «القوة» ك «القوة». وكذلك وَصَفَ نفسَه ب «المشيئة»، ووَصَفَ عبده ب «المشيئة»، فقال: ﴿لِمَنْ شَاء مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم (٢٨) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين (٢٩)﴾ [التكوير]، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ [الإنسان].

стр. 157

وكذلك وَصَفَ نفسه ب «الإرادة»، ووَصَفَ عبده ب «الإرادة»، فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (٦٧)﴾ [الأنفال]. ووَصَفَ نفسه ب «المحبة»، ووَصَفَ عبده ب «المحبة»، فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ووَصَفَ نفسه ب «الرضا»، ووَصَفَ عبده ب «الرضا»، فقال: ﴿رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩]. ومعلومٌ أنَّ مشيئةَ الله ليستْ مثلَ مشيئةِ العبدِ، ولا إرادته مثل إرادته، ولا محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه. وكذلك وصف نفسه بأنه يَمْقُتُ الكفار، ووصفهم ب «المقت»، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُون (١٠)﴾ [غافر] وليس «المقتُ» مثلَ «المقتِ». وهكذا وصَف نفسه ب «المكر» و «الكيد»، كما وصَف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦)﴾ [الطارق] وليس «المكر» ك «المكر»، ولا «الكيد» ك «الكيد». ووَصَفَ نفسه ب «العمل»، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُون (٧١)﴾ [يس]، ووصف عبده ب «العمل»، فقال: ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٧)﴾ [السجدة] وليس «العملُ» ك «العملِ».

стр. 158

بعد أن ذكر المؤلف ﵀ أمثلة على أسماء لله تعالى توافق أسماء بعض مخلوقاته، وبيَّن أوجه الاتفاق والافتراق بينها، ذكر هنا أمثلة لصفات الله تعالى، فقد سمى الله صفاته بأسماء، ك (العلم) و (القوة)، فهذه أسماء صفاته، وأما أسماؤه فمثل «العليم» و «القوي». وهذه الأسماء التي سمى بها صفاته، سمى بها صفات بعض خلقه، فاسم صفة العبد توافق اسم صفة الرب تعالى في المعنى عند «الإطلاق»، أي: في المعنى العام الكلي المشترك، أما عند «الإضافة» إلى الرب؛ فيكون لها المعنى المختص بالرب تعالى، وعند «الإضافة» إلى المخلوق يكون لها المعنى المختص بالمخلوق، كما سبق في مسألة أسماء الله تعالى. ف (العلم) - مثلاً - اسم لصفة المخلوق، وهو موافق ل (العلم) الذي هو اسم لصفة الخالق إذا قطع عن «الإضافة». ف (العلم) إذا أطلق ولم يقيد ب «الإضافة» إلى الخالق أو المخلوق؛ يكون له معنى عام كلي؛ وهو: «ضد الجهل»، أو؛ هو: «إدراك الأشياء على ما هي عليه»، وهذا المعنى مشترك بين علم الخالق، وعلم المخلوق. أما إذا أضيف (العلم) إلى الله تعالى؛ كما في قوله: (﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾)؛ فيكون له معنى مختص بالرب تعالى في: كيفيتهِ، ومَداهُ ومتَعَلَّقِهِ، فعلم الله تعالى محيط بكل شيء، يعلم ما كان،

стр. 159

وما يكون، وما لا يكون، يعلم الأشياء علماً تاماً مفصلاً، يعلم ما في صدور العباد، يعلم ما يخفون وما يعلنون، وعلمه تعالى واجب ذاتي، فهو لم يزل ولا يزال «عليماً»، موصوفاً ب (العلم) لم يحدث له (العلم)، وعلمُه لم يسبقه جهل، ولا يعتريه نسيان، كل هذا من معاني (العلم) المختص بالرب تعالى. وأما إذا أضيف (العلم) إلى المخلوق؛ كما في قوله تعالى: (﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا (٨٥)﴾)؛ فيكون له معنى مختص بالعبد، فهو علم محدود، وموهوب، علم يسبقه جهل، ويعتريه نسيان. وعلى هذا النسق يكون الكلام في بقية أسماء الصفات التي ذكر المؤلف ﵀ شواهدها؛ فللصفة معنى عام كلي مشترك عند «الإطلاق» يصدق على صفة الله تعالى، وعلى صفة المخلوق، وللصفة معنى خاص عند إضافتها إلى الله تعالى لا يَشركه فيها المخلوق، وللصفة معنى خاص عند إضافتها إلى المخلوق تليق بعجزه وقصوره. تنبيهات: ١ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ تفسير «الأَيْدِ» هنا ب «القوة» ليس من باب «التأويل»، فليس لفظ «الأَيْدِ» جمعاً للفظ «يَد»؛ بل هو لفظ مفرد، وهو مصدر على وزن «فَعْل» من: آدَ، يَئِيدُ، أَيْدَاً، أي: قوة (١). أما لفظ «أيدي» فهو على وزن «أَفْعِل».

стр. 160

فهذه الآية المذكورة دليل على صفة «القوة»، وليست دليلاً على صفة «اليد». ٢ - من الفروق بين مشيئة الله تعالى، ومشيئة العبد، أن مشيئة الله تعالى صفة له؛ وهي: نافذة، أما مشيئة العبد؛ فهي: مخلوقة ومقيدة، فقد يشاء العبدُ ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء. وكلُّ شيء بمشيئة الله تعالى. ٣ - بين صفة (الرضا) و (المحبة) تقارب وتلازم، ولكن لا يلزم من التلازم وَحْدَهُ اتحاد المعنى، ولا يصح تفسير أحدهما بالآخر، ف (الرضا): ضد السخط، و (المحبة): ضد البغض والكراهة. ٤ - الله تعالى يوصف ب (المكر) و (الكيد)، وبينهما تقارب في المعنى، لكن ينبغي أن يقيد، فيقال: «يمكر بمن يستحق المكر»، وكذا (الكيد). ووصف الله تعالى بهما على الحقيقة، فلا يصح ما يقوله بعض المفسرين: «إن المكر والكيد ينسب إلى الله تعالى على سبيل المشاكلة اللفظية، والمجانسة» (١)، أي: على سبيل المجاز. ومطلق (المكر) ليس بممدوح ولا مذموم، ومكرُ المخلوق قد يكون ممدوحاً؛ إذا كان بمَن يستحق، وقد يكون مذموماً؛ إذا لم يكن كذلك، كما إذا كان على وجه الظلم والعدوان.

стр. 161

و (المكرُ) من الله تعالى كلُّه محمودٌ؛ لأنه كلَّه عدلٌ بمن يستحقه، وليس مكر الله؛ كمكر المخلوق. فمِن مَكْرِ الله تعالى بالكفار في الدنيا: استدراجهم؛ كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَّالٍ وَبَنِين (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَّ يَشْعُرُون (٥٦)﴾ [المؤمنون]، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِين (١٧٨)﴾ [آل عمران]، ومِن مكره تعالى بالمنافقين في الآخرة أن يكونوا مع المؤمنين في بعض مواقف القيامة، ثم تنطفئ عنهم الأنوار، كما قال تعالى عنهم: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]، ومِن مكره تعالى بالمنافقين في الدنيا قبول علانيتهم. فهذا كله يدل على أن (المكر) من الله تعالى حقيقة، وليس على سبيل المشاكلة اللفظية (١). * * *

стр. 162

ووصف نفسه ب «المناداة» و «المناجاة»، في قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [القصص: ٦٢]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢]، ووصف عباده ب «المناداة» و «المناجاة»، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون (٤)﴾ [الحجرات]، وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ [المجادلة: ١٢]، وقال: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: ٩]، وليس «المناداة» ك «المناداة»، ولا «المناجاة» ك «المناجاة». ووصف نفسه ب «التكليم» في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَنْ كَلَّمَ اللّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ووصف عبده ب «التكليم» في مثل قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِين (٥٤)﴾ [يوسف]، وليس «التكليم» ك «التكليم». ووصف نفسه ب «التنبئة»، ووصف بعض الخلق ب «التنبئة»، فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِير (٣)﴾ [التحريم]، وليس «الإنباء» ك «الإنباء». ووصف نفسه ب «التعليم»، ووصف عبده ب «التعليم»، فقال: ﴿الرَّحْمَن (١) عَلَّمَ الْقُرْآن (٢) خَلَقَ الإِنسَان (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَان (٤)﴾ [الرحمن]، وقال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ﴾ [المائدة: ٤]، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ

стр. 163

عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وليس «التعليم» كـ «التعليم». وهكذا وصف نفسه ب «الغضب» في قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ [الفتح: ٦]، ووصف عبده ب «الغضب» في قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠]، وليس «الغضب» ك «الغضب». ووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر ذلك في سبع آيات من كتابه أنه ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١)، ووصف بعض خلقه ب «الاستواء» على غيره، في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وليس «الاستواء» ك «الاستواء». ووصف نفسه ب «بسط اليدين»، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤] ووصف بعض خلقه ب «بسط اليد» في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، وليس «اليد» ك «اليد»، ولا «البسط» ك «البسط». وإذا كان المراد ب «البسط»: «الإعطاء والجود»؛ فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم.

стр. 164

ونظائر هذا كثيرة. فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته لخلقه، فمن قال: «ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى»؛ كان معطلاً، جاحداً، ممثلاً لله بالمعدومات والجمادات. ومن قال: «له علم كعلمي، أو قوة كقوتي، أو حُبٌّ كحبي، أو رضاً كرضاي، أو يدان كيديَّ، أو استواء كاستوائي»؛ كان مشبهاً، ممثلاً لله بالحيوانات؛ بل لا بُدَّ من إثباتٍ بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل. ويتبين هذا بأصلين شريفين، وبمثلين مضروبين - ولله المثل الأعلى - وبخاتمة جامعة. ذكر المؤلف جملة من النصوص التي ذكر الله تعالى فيها بعض صفاته ومنها: (المناداة)، و (المناجاة)، و (التكليم)، و (الإنباء)، و (التعليم)، و (الغضب)، و (الاستواء) و (بسط اليدين)؛ ووصف بعض خلقه بهذه الصفات نفسها، وكل صفة من هذه الصفات لها معنى عام كلي عند «الإطلاق» يشترك فيه الخالق والمخلوق، ولها معنى خاص عند «الإضافة» و «التخصيص»؛ فإذا أضيفت إلى الرب تعالى؛ صار لها معنى خاص بالرب تعالى لا يَشركه فيه المخلوق، وإذا أضيفت

стр. 165

إلى المخلوق كان لها معنى خاص بالمخلوق يليق به، لا يماثل صفة الخالق . وصفة الله تعالى لا نعلم كنهها وحقيقتها. والمناداة؛ هي: «الخطاب بصوت مرتفع» (١)، والمناجاة: «بصوت خفي» (٢)؛ وَوَصْفُ الله تعالى ب (المناداة)، و (المناجاة)، و (التكليم)؛ دليل على أن كلامه بصوت؛ خلافاً لقول الأشاعرة: «إن كلام الله معنى نفسي، وإن ما سمعه موسى، وكذلك القرآن ما هو إلا عبارة عن كلام الله». والغضب: «ضد الرضا» (٣)، وهو مستلزم لكراهة المغضوب عليه، وهو بهذا المعنى عام مشترك، ثم إذا أضيف إلى الخالق سبحانه؛ صار له معنى يخصه، وإذا أضيف إلى المخلوق صار له معنى يخصه. ومن الصفات التي جاءت مضافة إلى الله ومضافة إلى بعض العباد: الاستواء على الشيء، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] وقال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾، والقول في هذا اللفظ كما سبق (٤) له ثلاث حالات: حال الإطلاق، وحال الإضافة إلى الخالق، وحال الإضافة إلى المخلوق.

стр. 166

فعند «الإطلاق»؛ معناه: «مطلق العلو والاستقرار» (١). وعند إضافته إلى الخالق؛ معناه: «العلو والارتفاع على العرش مع كمال غناه عنه». وعند الإضافة للمخلوق؛ معناه: «العلو والارتفاع المختص بالمخلوق»، وهو ما يتضمن افتقار المستوي إلى ما هو عليه، فليس «الاستواء» ك «الاستواء»، وإن اتحد معناهما عند الإطلاق. فالواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه، ونفي مماثلته لخلقه. فمن جحد ما وصف الله به نفسه؛ كان معطلاً بجحده ونفيه لصفات الله تعالى، وكان أيضاً ممثِّلاً لله تعالى بالمعدومات والجمادات؛، لأن ذلك من مستلزمات التعطيل. ومن شبَّه صفات الله تعالى بصفات خلقه،؛ كان ممثِّلاً لله تعالى بخلقه. والواجب أن يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه من الصفات بلا تمثيل، وأن ينزه عن صفات النقص بلا تعطيل. ثم ذكر المؤلف ﵀ أن ما سبق يتبين ويتضح بأصلين شريفين، وبمثلين مضروبين، وبخاتمة جامعة. أما الأصلان اللذان أشار إليهما المؤلف هنا، فهما غير الأصلين اللذينِ سبق ذكرهما، وهما: «التوحيد»، و «الشرع، والقدر».

стр. 167

فالمراد بالأصلين هنا؛ هما: الأصلانِ اللذانِ يمكن أن يحتج بهما على نفاة الصفات؛ وهما: ١ - أن القول في بعض الصفات؛ كالقول في بعض. ٢ - أن القول في الصفات؛ كالقول في الذات. وأما المثلانِ والقياسان اللذانِ ذكرهما المؤلف؛ فهما: ١ - مقارنة موجودات الآخرة بموجودات الدنيا. ٢ - الروح. * * *

стр. 168

القول في بعض الصفات كالقول في بعض والرد على الأشاعرة فصل فأما الأصلان: فأحدهما: أن يقال: «القول في بعض الصفات كالقول في بعض». فإن كان المخاطب ممن يقرُّ ب «أن الله حيٌّ بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة»، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه، وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازاً، ويفسره؛ إما ب: «الإرادة»، وإما ب «بعض المخلوقات من: النعم، والعقوبات». قيل له: «لا فرق بين ما نفيته، وبين ما أثبته؛ بل القول في أحدهما كالقول في الآخر»، فإن قلتَ: «إن إرادته مثل: إرادة المخلوقين»، فكذلك محبته، ورضاه، وغضبه، وهذا هو التمثيل. وإن قلت: «إن له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به»، قيل لك: «وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضاً، وغضبٌ يليق به، وللمخلوق رضاً وغضب يليق به». وإن قال: «إن الغضب: غليان دم القلب لطلب الانتقام».

стр. 169

قيل له: «والإرادة: ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرة»، فإن قلت: «هذه إرادة المخلوق». قيل لك: «وهذا غضب المخلوق». وكذلك يُلزم بالقول في كلامه، وسمعه، وبصره، وعلمه، وقدرته، إن نفى عنه الغضبَ، والمحبة، والرضا، ونحو ذلك ممَّا (١) هو من خصائص المخلوقين، فهذا مُنتفٍ عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات. وإن قال: «إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين؛ فيجب نفيه عنه». قيل له: «وهكذا السمع، والبصر، والكلام، والعلم، والقدرة». فهذا المفرِّقُ بين بعض الصفات وبعض، يقال له فيما نفاه؛ كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته، فإذا قال المعتزلي: «ليس له إرادة ولا كلام قائم به، لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات»، فإنه يُبيِّنُ للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها «القديم»، ولا تكون كصفات المحدثات. فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من: المحبة، والرضا، ونحو ذلك.

стр. 170

بدأ الشيخ بالكلام عن الأصل الأول؛ وهو أن: (القول في بعض الصفات كالقول في بعض). وهذا الأصلُ الذي ذكره الشيخُ صحيحٌ معقول؛ ومعناه: أن حكم الصفات واحد، فما يجب في بعضها من إثبات، أو نفي، أو لزوم تمثيل؛ يجب في بعضها الآخر، وذلك أنها متماثلة من حيث إنَّ الموصوف بها واحد، ومصدرها واحد، والواجب التسوية بين المتماثلات. وفي هذا الأصلِ يَرُدُّ الشيخ ﵀ على أهل التعطيل باختلاف فِرَقهم من: أشاعرة، ومعتزلة، وجهمية، وفلاسفة، وكلِّ من نفى شيئاً من الصفات بحجة استلزام إثباتها للتمثيل. ومحور الرد بهذا الأصل بيان ما في هذه المذاهب من التناقض، وأول وأولى من يُرد عليه بهذا الأصل: الأشاعرة، وبمعناه على بقية الطوائف. وقد بدأ الشيخ بالرد على المشهور من مذهب الأشاعرة؛ وهو: إثبات سبع صفات، وتأويل، أو تفويض الباقي. فهم يثبتون الحياةَ، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادةَ، حقيقةً وينازعون في بقية الصفات كالمحبةِ، والرضا، والغضبِ، والكراهة، ويجعلونها من قَبيل المجاز.

стр. 171

ويفسرونها؛ إما ب (الإرادة)، أي: بإرادة الإنعام بالنسبة للمحبة والرضا، وإرادة الانتقام بالنسبة للغضب والكراهة، وإما أنْ يفسروها ببعض المخلوقات من النعم، والعقوبات؛ فيقولون في المحبة - مثلاً -: «إنها النعم»، وفي الغضب: «إنه العقوبات». فيقال لمن يفرق بين الصفات؛ فيثبت بعضاً، وينفي بعضاً: «لا فرق بين ما أثبت وما نفيت، فإن كان ما نفيته يستلزم التشبيه عندك؛ فعليك أن تنفي ما أثبته لاستلزامه التشبيه كذلك؛ لأن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فالموصوف بها واحد، ومصدر تلقيها واحد». وإن قال: «إن ما أثبته لا يستلزم التشبيه»، فعليه أن يثبت البقية كذلك، وإلا وقع في التناقض. فيلزم هذا المفرِّق واحد من ثلاثة ليخرج من تناقضه: ١ - إما أن يثبت الجميع على وجه التمثيل، وهذا باطل ينكره الجميع. ٢ - وإما أن يثبت الجميع على وجه يليق بالله تعالى - يعني - بدون تمثيل، وهذا هو المطلوب. ٣ - وإما أن ينفي الجميع، فيلحق بالمعتزلة، وسيأتي الكلام معهم. فإنْ فَسَّر ما ينفيه من صفات الله تعالى بمعاني صفات المخلوقين، كقوله في الغضب - مثلاً -: (إنه غليان دم القلب لطلب الانتقام).

стр. 172

قيل له: «وكذلك يمكن أن تفسر معاني ما تثبته من صفات الله تعالى بمعاني صفات المخلوقين؛ كأن يقال في الإرادة إنها: ميل النفس إلى جلب منفعة، أو دفع مضرة». فإن قال: «الإرادة بهذا المعنى إرادة المخلوق»، قيل له: «والغضب بالمعنى الذي فسرته غضب المخلوق». فلا يلزم من نفي معنى الصفة المختصِ بالعبد؛ نفيُ المعنى الحق اللائق بالله تعالى، فعليك كما أثبت إرادة تليق بالله ليست كإرادة المخلوق - وهكذا في بقية الصفات التي تثبتها - عليك؛ أن تثبت لله غضباً يليق به تعالى ليس كغضب المخلوق، وهكذا في سائر الصفات التي تنفيها؛ بحجة استلزامها للتشبيه. وبياناً لتناقض هذا المفرِّق - وهو الأشعري - فإنه يحتج عليه بكلامه مع خصمه المعتزلي الذي ينفي الصفات التي يثبتها هو، فإذا قال المعتزلي للأشعري: (ليس لله تعالى إرادة، ولا كلام قائم به؛ لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات). فإن هذا الأشعري الذي يثبت الكلام والإرادة لله تعالى يرد على المعتزلي بقوله: (إن هذه الصفات يتصف بها «القديم»، ولا تكون كصفات المحدثات).

стр. 173

(فهكذا يقول له - أهل السُّنَّة - المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك)، أي: «إنه يتصف بها الرب، ولا تكون كصفات المخلوقات» (١). * * *

стр. 174

شبهة الأشاعرة في إثبات الصفات السبع دون غيرها فإن قال: «تلك الصفات أثبتها بالعقل؛ لأن الفعلَ الحادثَ دلَّ على القدرةِ، والتخصيصُ دلَّ على الإرادة، والإحكام دلَّ على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع، والبصر، والكلام، أو ضدِّ ذلك». قال له سائر أهل الإثبات: «لك جوابان»: أحدهما: أن يقال: «عدمُ الدليلِ المعينِ لا يستلزمُ عدمَ المدلولِ المعينِ، فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك، فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل، كما على المثبتِ. والسمعُ قد دلَّ عليه، ولم يعارضْ ذلك معارضٌ عقليٌّ ولا سمعي، فيجب إثباتُ ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم». أي: فإن قال هذا المفرِّق: «إن ما أثبته من الصفات السبع دل العقل على إثباته، وبيان ذلك: (أن الفعل الحادث دل على القدرة)» أي: فهذه المخلوقات دالَّةٌ على قدرة الخالق.

стр. 175

و (التخصيص دلَّ على الإرادة) أي: تخصيص بعض المخلوقات بأشياء دون بعض؛ دليل على الإرادة. و (الإحكام دلَّ على العلم) فإحكام الصَّنعة وإتقانها؛ دليل على العِلم، وهذا العالَم في غاية الإتقان والسنن الثابتة المنتظمة. وهذه الصفات الثلاث: القدرة، والإرادة، والعلم؛ لا تكون إلا ل: الحَيِّ، فهي: دالة على الحياة، و (الحَيُّ: لا يخلو عن: السمع، والبصر، والكلام، أو ضد ذلك) من: الصمم، والعمى، والخرس؛ وهذا الضد باطلٌ، وممتنعٌ في حق الله تعالى؛ فوجب وصفه بالسمع، والبصر، والكلام. وأهل السنة والجماعة لا ينازعون الأشاعرة في إثبات الصفات السبع، ولا في طريقة إثباتها بالعقل؛ لأنه استدلالٌ صحيح، فهي ثابتة بالعقل، كما أنها ثابتة بالشرع، وإنما ينازعونهم في بقية الصفات التي نفوها. فيقال لهذا الذي أثبتَ سبعَ صفاتٍ لدلالة العقل عليها دون بقية صفات الله تعالى التي يرى أن العقل لا يدل عليها: لك عن هذا جوابان (١): الجواب الأول: جواب على فرض التسليم، فيقال: افرض أن العقل دل على الصفات السبع، ولم يدل على بقية الصفات، فلو سلَّمنا

стр. 176

جدلاً بذلك: فإن عدمَ الدليل المعين لا يستلزمُ عدمَ المدلول المعين، لإمكان أن يثبت بدليل آخر، فعدمُ الدليل العقلي على ما نفيت من الصفات؛ لا يدل على نفي تلك الصفات، فليس لك أن تنفي ما لم يدل عقلك عليه، فإن من المقرر: أن النافي عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل، فمجرد عدم دلالة العقل على إثبات صفة؛ لا يكفي دليلاً على نفيها؛ بل لا بد من دليل على نفيها. والمطالبة بالدليل تكون في الأشياء الخارجة عن أصلها: إثباتاً أو نفياً، أما ما كان الأصل فيه الإثبات أو النفي؛ فالبناء على الأصل هو الدليل. وهناك قاعدة أصولية؛ وهي: «عدم العلم ليس علماً بالعدم» (١). ثم يقال لهذا النافي لما عدا الصفات السبع بحجة عدم دلالة العقل عليها: (إن السمع - أي: الشرع - قد دل على إثبات ما نفيته، ولم يعارِض هذا الدليل السمعي معارِضٌ عقلي ولا سمعي؛ فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاومِ). فالدلالة ليست منحصرة في العقل؛ بل هناك أدلة أخرى، فما لم يثبت بالدليل العقلي؛ يمكن إثباته بالدليل السمعي.

стр. 177

ونظير ذلك: أن ما لم يثبت بالقرآن يمكن أن يكون ثابتاً بالسنة، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها (١)، فليس لأحد أن ينفي هذا الحكم لعدم دلالة القرآن عليه. * * *

стр. 178

الثاني: أن يقال: «يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات»، فيقال: «نفعُ العباد بالإحسان إليهم؛ يدلُّ على الرحمة؛ كدلالة التخصيص على المشيئةِ، وإكرامُ الطائعين؛ يدلُّ على محبتِهم، وعقابُ الكفَّار؛ يدلّ على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهدِ والخبرِ من: إكرام أوليائه، وعقاب أعدائه». والغاياتُ المحمودة في مفعولاته ومأموراته - وهي: ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة -؛ تدلُّ على حكمته البالغة؛ كما يدلُّ التخصيص على المشيئة وأَوْلى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته مِنَ النعم والحكم؛ أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة. هذا هو الجواب الثاني في الرد على من ينفي ما سِوى الصفات السبع بحجة عدم دلالة العقل عليها؛ وهو: جواب بالمعارضة، وعدم التسليم. فيقال له: «يمكن إثبات ما نفيتَه، أو بعضَ ما نفيته بنظير ما أثبتَّ به الصفات السبع من العقليات»، فمثلاً: (نفع العباد بالإحسان إليهم؛ يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرامُ الطائعين؛ يدل

стр. 179

على محبتهم، وعقابُ الكفار؛ يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهدِ) - أي: بالمشاهدة - (والخَبرِ من: إكرام أوليائه، وعقاب أعدائه)؛ كنصرِ موسى ﵇، وإهلاكِ فرعونَ وجنودِه». و (الغاياتُ المحمودةُ): أي: العواقب الحميدة، والثمرات والنتائج الطيبة التي تترتَّب على (مفعولاته) - أي: مخلوقاته - (ومأموراته) - أي: شرائعه -: (تدل على حكمته البالغة (١)، كما يدل التخصيص على المشيئة، وأَوْلَى). أي: أنَّ دلالةَ العواقبِ الحميدة على الحكمة؛ أَوْلى من دلالة التخصيص على المشيئة؛ لقوة العلة الغائية، أي: أن العلة الغائية؛ أقوى تأثيراً في حصول الفعل من العلة الفاعلية؛ لأن العلة الفاعلية؛ لا تستلزم وجود الفعل، أما العلة الغائية؛ فهي تستلزم وجود الفعل مع العلة الفاعلية في الجملة. والعلة الغائية؛ هي: «الحكمة»، وهي: «ما يفعل الشيء لأجله»، وتَدخل عليها «لام التعليل»، ويقابلها: العلة الفاعلية؛ وهي: «التي يكون بها الشيء»، وتدخل عليها «باء السببية». فإذا كتبت فائدة علمية، ف: يدك، وقلمك، والقرطاس؛ هذه علة فاعلية، أي: يكون بها الشيء. ونفس الفائدة العلمية؛ علة غائية، أي: لأجلها حصلت الكتابة.

стр. 180

وما جاء في القرآن من الكلام عمَّا في المخلوقات من النعم والحكم؛ أعظم وأكثر مما فيه من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة (١). كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢] تضمنت ذكر العلة الغائية، في قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ﴾، والفاعلية في قوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾. * * *
следующие страницы →