جدلاً بذلك: فإن عدمَ الدليل المعين لا يستلزمُ عدمَ المدلول المعين، لإمكان أن يثبت بدليل آخر، فعدمُ الدليل العقلي على ما نفيت من الصفات؛ لا يدل على نفي تلك الصفات، فليس لك أن تنفي ما لم يدل عقلك عليه، فإن من المقرر: أن النافي عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل، فمجرد عدم دلالة العقل على إثبات صفة؛ لا يكفي دليلاً على نفيها؛ بل لا بد من دليل على نفيها.
والمطالبة بالدليل تكون في الأشياء الخارجة عن أصلها: إثباتاً أو نفياً، أما ما كان الأصل فيه الإثبات أو النفي؛ فالبناء على الأصل هو الدليل.
وهناك قاعدة أصولية؛ وهي: «عدم العلم ليس علماً بالعدم» (١).
ثم يقال لهذا النافي لما عدا الصفات السبع بحجة عدم دلالة العقل عليها: (إن السمع - أي: الشرع - قد دل على إثبات ما نفيته، ولم يعارِض هذا الدليل السمعي معارِضٌ عقلي ولا سمعي؛ فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاومِ).
فالدلالة ليست منحصرة في العقل؛ بل هناك أدلة أخرى، فما لم يثبت بالدليل العقلي؛ يمكن إثباته بالدليل السمعي.
стр. 177
ونظير ذلك: أن ما لم يثبت بالقرآن يمكن أن يكون ثابتاً بالسنة، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها (١)، فليس لأحد أن ينفي هذا الحكم لعدم دلالة القرآن عليه.
* * *
стр. 178
الثاني: أن يقال: «يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات»، فيقال: «نفعُ العباد بالإحسان إليهم؛ يدلُّ على الرحمة؛ كدلالة التخصيص على المشيئةِ، وإكرامُ الطائعين؛ يدلُّ على محبتِهم، وعقابُ الكفَّار؛ يدلّ على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهدِ والخبرِ من: إكرام أوليائه، وعقاب أعدائه».
والغاياتُ المحمودة في مفعولاته ومأموراته - وهي: ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة -؛ تدلُّ على حكمته البالغة؛ كما يدلُّ التخصيص على المشيئة وأَوْلى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته مِنَ النعم والحكم؛ أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة.
هذا هو الجواب الثاني في الرد على من ينفي ما سِوى الصفات السبع بحجة عدم دلالة العقل عليها؛ وهو: جواب بالمعارضة، وعدم التسليم.
فيقال له: «يمكن إثبات ما نفيتَه، أو بعضَ ما نفيته بنظير ما أثبتَّ به الصفات السبع من العقليات»، فمثلاً: (نفع العباد بالإحسان إليهم؛ يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة، وإكرامُ الطائعين؛ يدل
стр. 179
على محبتهم، وعقابُ الكفار؛ يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهدِ) - أي: بالمشاهدة - (والخَبرِ من: إكرام أوليائه، وعقاب أعدائه)؛ كنصرِ موسى ﵇، وإهلاكِ فرعونَ وجنودِه».
و (الغاياتُ المحمودةُ): أي: العواقب الحميدة، والثمرات والنتائج الطيبة التي تترتَّب على (مفعولاته) - أي: مخلوقاته - (ومأموراته) - أي: شرائعه -: (تدل على حكمته البالغة (١)، كما يدل التخصيص على المشيئة، وأَوْلَى).
أي: أنَّ دلالةَ العواقبِ الحميدة على الحكمة؛ أَوْلى من دلالة التخصيص على المشيئة؛ لقوة العلة الغائية، أي: أن العلة الغائية؛ أقوى تأثيراً في حصول الفعل من العلة الفاعلية؛ لأن العلة الفاعلية؛ لا تستلزم وجود الفعل، أما العلة الغائية؛ فهي تستلزم وجود الفعل مع العلة الفاعلية في الجملة.
والعلة الغائية؛ هي: «الحكمة»، وهي: «ما يفعل الشيء لأجله»، وتَدخل عليها «لام التعليل»، ويقابلها:
العلة الفاعلية؛ وهي: «التي يكون بها الشيء»، وتدخل عليها «باء السببية».
فإذا كتبت فائدة علمية، ف: يدك، وقلمك، والقرطاس؛ هذه علة فاعلية، أي: يكون بها الشيء.
ونفس الفائدة العلمية؛ علة غائية، أي: لأجلها حصلت الكتابة.
стр. 180
وما جاء في القرآن من الكلام عمَّا في المخلوقات من النعم والحكم؛ أعظم وأكثر مما فيه من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة (١).
كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل: ١٢] تضمنت ذكر العلة الغائية، في قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ﴾، والفاعلية في قوله: ﴿بِأَمْرِهِ﴾.
* * *
стр. 181
الرد بالأصل الأول على المعتزلة
وإن كان المخاطَبُ ممَّن ينكرُ الصفات، ويقرُّ بالأسماء؛ كالمعتزلي، الذي يقول: «إنه حي، عليم، قدير»، وينكر أن يتصف بالحياة، والعلم، والقدرة.
قيل له: «لا فرق بين إثبات الأسماء، وإثبات الصفات»، فإنك إن قلت: «إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي: تشبيهاً وتجسيماً؛ لأنا لا نجدُ في الشاهد متصفاً بالصفات إلا ما هو جسم».
قيل لك: «ولا نجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه حي، عليم، قدير؛ إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم؛ فانفِ الأسماء؛ بل وكل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم».
فكل ما يحتج به من نفى الصفات؛ يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جواباً لذلك؛ كان جواباً لمثبتي الصفات.
стр. 182
الخطاب هنا مع المعتزلي الذي ينكر الصفات، ويُقِرُّ بالأسماء فيثبت لله - مثلاً - اسم الحي، والعليم، والقدير، وينكر أن يتصف بالحياة، والعلم، والقدرة.
فهذا يرد عليه في ضوء الأصل المتقدم، فيقال: «القول في الصفات كالقول في الأسماء»، فلا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات، فإن كان إثبات الأسماء لا محذور فيه؛ فكذلك الصفات، وإن كان إثبات الصفات فيه محذور؛ فكذلك الأسماء، فيلزمه أحد ثلاثة أمور ليخرج من تناقضه:
١ - أن ينفي الجميعَ - الأسماء، والصفات -، فيخرج عن مذهبه إلى مذهب الجهمية.
٢ - أو يثبت الجميعَ؛ وإن لزم عليه محذور التمثيل.
٣ - أو يثبت الجميعَ على الوجه اللائق بالله تعالى؛ وهذا هو المطلوب.
فإن قال هذا المعتزلي - الذي يثبت الأسماء وينكر الصفات -: (إنَّ إثبات الصفات؛ كالحياة، والعلم، والقدرة؛ يقتضي تشبيهاً وتجسيماً، لأنا لا نجد في الشاهد متصفاً بالصفات إلا ما هو جسم).
قيل له: (وكذلك لا نجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه: حيٌ، عليم، قدير إلا ما هو جسم)، فإن كنت نَفيتَ الصفات لأنك لا تجد في الشاهد
стр. 183
متصفاً بالصفات إلا الجسم، فيلزمك نفي الأسماء، بل ونفي كل شيء؛ لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم.
وقول المؤلف: (فكل ما يحتج به من نَفى الصفات) يعني: المعتزلي (يحتج به نافي الأسماء الحسنى) يعني: الجهمي (فما كان جواباً لذلك) يعني: المعتزلي على الجهمي (كان جواباً لمثبتي الصفات) يعني: على المعتزلي.
فالحجة التي نفى بها المعتزلي الصفات يحتج بها الجهمي على نفي الأسماء، وما يَرُدُّ به المعتزلي على الجهمي لنفيه الأسماء، يرد به أهل السنة والجماعة على المعتزلي لنفيه الصفات (١).
* * *
стр. 184
الرد في ضوء الأصل الأول على شبهة الجهمية والباطنية
وإن كان المخاطَب من الغلاةِ، نفاةِ الأسماء والصفات، وقال: «لا أقول هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير؛ بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجازٌ، لأن إثبات ذلك؛ يستلزم التشبيه بالموجود، الحي، العليم، القدير.
قيل له: «وكذلك إذا قلت: «ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير»، كان ذلك تشبيهاً بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات».
الخطاب هنا مع صنف من الغلاة، وهم الذين ينفون الأسماء والصفات، (١) وهؤلاء غلاةٌ بالنسبة للمعتزلة، وكلُّ الغلاة ينفون الأسماء والصفات وهذا الوصف يصدق على الجهمية، والفلاسفة؛ بل وحتى الباطنية، وإن كان الباطنيةُ عندهم غُلوٌّ أعظمُ من ذلك.
ومن نفى أسماء الله وصفاته - فقال: (إن الله تعالى ليس بحي، ولا عليم، ولا قدير)، وليس بموجود، وليس له حياة، ولا علم، ولا قدرة،
стр. 185
وهكذا بقية الأسماء والصفات» -؛ شُبْهَتُه في ذلك: أنَّ إثباتها يستلزم تشبيه الله بالموجود، الحي، العليم، القدير، فيَحمل ما جاء في القرآن من أسماء الله وصفاته على أنها أسماء لمخلوقاته، أو أنها مجاز.
وهذه الشبهة عنها جوابان:
الأول: على فرض التسليم بأن إثبات هذه الأسماء والصفات يستلزم التشبيه بالموجودات، فيقال: «ونفي الأسماء والصفات يستلزم التشبيه بالمعدومات، وهو أقبح من التشبيه بالموجودات».
الثاني: سيذكره الشيخ فيما بعد (١)، ومضمونه: الجواب بالمنع؛ وهو: أنه لا يلزم مِنْ اتفاقِ المسميين في بعض الأسماء والصفات عند الإطلاقِ؛ التشبيهُ الذي نفته الأدلةُ العقلية والنقلية. فالاتفاقُ في القدر المشترك والمعنى الكلي عند الإطلاقِ؛ لم تنفه الأدلة، ولا يستلزم التشبيه، وإنما المنفي ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق أو المخلوق.
* * *
стр. 186
فإن قال: «أنا أنفي النفي والإثبات».
قيل له: «فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات؛ فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجوداً معدوماً، أو لا موجوداً ولا معدوماً، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل».
أي: أن هذا النافي للأسماء والصفات لما أُلزِم بالتشبيه بالمعدومات؛ انتقل من وصف الله بالنفي فقط؛ إلى الوصف بالنفي ونفي النفي! - يعني - ينتقل من نفي الصفات الثبوتية إلى نفي النقيضين؛ فيقول: «لا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل، ولا حي ولا ميت»!، فانتقل عن أنْ يكون جهمياً غالياً إلى أن يكون باطنياً.
والجواب عن هذا الذي ينفي النقيضين: أنه يلزم منه التشبيه بالممتنعات؛ فإن سلب النقيضين؛ كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعاتِ، والممتنعُ أبعد عن الكمال من المعدوم الممكن (١).
* * *
стр. 187
فإن قلت: «إنما يمتنع نفي النقيضين عمَّا يكون قابلاً لهما، وهذان يتقابلان تقابل العَدَمِ والمَلَكَةِ، لا تقابل السَّلْبِ والإيجاب، فإنَّ الجِدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت؛ إذ ليس بقابل لهما».
قيل لك: «أولاً: هذا لا يصح في الوجود والعَدَم، فإنهما متقابلان تقابل السَّلب والإيجاب، باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما؛ ثبوت الآخر.
وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل؛ فهذا اصطلاحٌ اصْطَلَحَتْ عليه المتفلسفةُ المشَّاؤون، و «الاصطلاحاتُ اللفظية؛ ليست دليلاً على نفي الحقائق العقلية»، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُون (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون (٢١)﴾ [النحل] فسمى الجماد ميتاً، وهذا مشهورٌ في لغة العرب، وغيرهم».
هذا اعتذارٌ ممن ينفي النقيضين عن إلزامه تشبيه الله تعالى بالممتنعات، حيث قال: «إن هذا الإلزام يلزم مَنْ ينفي النقيضين عن القابل لهما، أمَّا ما ليس قابلاً لهما؛ فيجوز نفيهما عنه، فالجدار - مثلاً -
لما كان غيرَ قابلٍ للحياة والموت، والعمى والبصر، ونحو ذلك؛ صح نفي هذين المتقابلين عنه، فيقال: «ليس بحي ولا ميت، ولا أعمى ولا
стр. 188
بصير، ونحو ذلك»، والله تعالى غيرُ قابلٍ للاتصاف بالصفة ولا ضدها؛ فيصح نفيهما عنه».
وقبل ذكرِ الرد عليه؛ نُبيَّن بعض المصطلحات الواردة في كلام المؤلف:
فالنقيضان؛ هما: «المتقابلانِ اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان معاً في شيء واحد» (١)؛ مثل: السَّلب والإيجاب، والوجود والعدم.
والضدان؛ هما: «الأمرانِ الوجوديان اللذان لا يجتمعان، وقد يرتفعان» (٢)؛ كالسَّواد والبياض، فإنه يمتنع أن تكون نقطةٌ سوداءُ وبيضاءُ في وقت واحد؛ لكن يمكن أن تكون حمراء.
والعَدَمُ والمَلَكَةُ؛ هما: «الأمرانِ المتقابلان اللذان، أحدهما وجودي والآخر عدمي؛ وهو عدمُ ذلك الوجودي عمَّا من شأنه أن يقبله» (٣)؛ كالحياة والموت بالنسبة للإنسان؛ فيمتنع نفيهما عنه.
فهذا النافي للصفة وضدها؛ كالحياة والموت، والبصر والعمى، لما قيل له: «إنه يلزم من ذلك نفي النقيضين، وهو ممتنع».
قال: «إن هذا الإلزام إنما يلزم في النقيضين، وهذه المتقابلات من قبيل العدم والملكة؛ لا من قبيل السلب والإيجاب، والمتقابلانِ تقابل العدم والملكة؛ يجوز نفيهما عمَّا ليس قابلاً لهما».
стр. 189
ويُرد على من نفى النقيضين عن الله - بنفيه الصفة وضدها - بحجةِ أنَّ اللهَ غيرُ قابل للاتصاف بذلك؛ بجوابين (١):
الجواب الأول: المنع، والجواب بالمنع من ناحيتين:
١ - لو سلمنا صحةَ نفي النقيضين عن الله تعالى على أنهما يتقابلان تقابل العدم والملكة في الصفات؛ فإنه لا يصح في الوجود والعدم؛ لأنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، لا تقابل العدم والملكة باتفاق العقلاء؛ فإنه يلزم من رفع أحدهما؛ ثبوت الآخر في أي شيء.
٢ - (أن ما ذكرته مِنْ أنَّ الحياة والموت، والعلم والجهل)؛ يصحُ نفيهما عما ليس قابلاً لهما: (اصطلاح اصطلح عليه الفلاسفة المشَّاؤون) أتباع أرسطو - وسموا بذلك لأنهم يتعلمون فلسفتهم حال مشيهم (٢) - فهو اصطلاحٌ فلسفي، وليس حكماً عقلياً ولا شرعياً، والاصطلاحاتُ اللفظية لا تدل على نفي الحقائق العقلية، ولا تغير منها شيئاً.
فدعوى أنه يجوز نفي هذه المتقابلات عمَّا ليس قابلاً لها؛ كما مثلوا في نفي الحياة والموت عن الجدار، هذا اصطلاح فلسفي،
стр. 190
أما عند العقلاء، وفي لغات العالم؛ فالجدار ميت، والحجر ميت، والعصا ميتة.
ودعوى أنَّ الجدارَ غيرُ قابل للحياة، وكذا العصا غير مسلَّم، فالعصا قبِلتْ الحياة؛ كما في عصا موسى ﵇ (١)، والطين قابل للحياة، كما سيأتي في «القاعدة الأولى» (٢).
واستَشهد الشيخُ هنا بقول الله تعالى عن أصنام المشركين: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُون (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون (٢١)﴾.
فسمى الجمادَ ميتاً، وهذا معروف في لغة العرب، وغيرهم.
* * *
стр. 191
وقيل لك: ثانياً: «فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت، والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات؛ أنقصُ ممَّا يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر؛ أكملُ مِنَ الجماد الذي لا يقبل واحداً منهما، فأنت فررتَ من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك».
وأيضاً: «فما لا يقبل الوجود والعدم؛ أعظمُ امتناعاً مِنَ القابل للوجود والعدم؛ بل ومن اجتماع الوجود والعدم، ونفيهما جميعاً، فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم؛ كان أعظمَ امتناعاً مما نفيت عنه الوجود والعدم.
وإذا كان هذا ممتنعاً في صرائح العقول؛ فذلك أعظم امتناعاً، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم؛ هو أعظم الممتنعات. وهذا غاية التناقض والفساد».
هذا هو الجواب الثاني من الرد، وهو على فرض التسليم، والرد بهذا من وجهين:
١ - بالنسبة لهذه المتقابلات إذا سلمنا أنه يجوز نفيها عمَّا ليس قابلاً لها، فما لا يقبل الاتصاف بواحد من هذه المتقابلات؛ أعظمُ نقصاً من
стр. 192
القابل لها، فالأعمى الذي يقبل الاتصافَ بالبصر؛ أكملُ من الجدار الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما - على حد زعمهم -، فلو قالوا: «إن الله يقبل الاتصاف بالحياة والموت؛ لكان أهون من قولهم: «إنه لا يقبل الاتصاف بهما» - حسب اصطلاحهم -؛ لأن ما لا يقبل؛ كالجدار؛ أعظمُ نقصاً من القابل لهما.
فهذا فرَّ من تشبيه الله تعالى بالأحياء القابلة للكمال، فوصفه بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك.
٢ - وبالنسبة للوجود والعدم: لو سلمنا جواز نفيهما عمَّا ليس بقابل لهما؛ فيقال: «إذا كان من المعلومِ بصرائحِ العقولِ امتناعُ وصفِ الشي بأنه موجودٌ معدوم، أو نفي الوجود والعدم عنه، وإذا كان ذلك ممتنعاً عقلاً؛ فإنَّ جَعْلَ الشيءِ غيرَ قابلٍ للاتصاف بالوجود والعدم؛ أعظمُ امتناعاً».
فهذا الذي نفى الصفةَ وضدَها عن الله، ومنعَ قبولَ اتصافِ الله تعالى بالوجود والعدم؛ جعَلَ وجودَ الربِ الواجبِ الذي لا يقبلُ العدمَ: أعظمَ الممتنعاتِ، وهذا غايةُ التناقض والفساد.
* * *
стр. 193
وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين: الوجود والعدم - ورفعُهما؛ كجمعِهما -، ومنهم من يقول: «لا أثبت واحداً منهما»، وامتناعُه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر؛ لا يمنعُ تحققَ واحدٍ منهما في نفس الأمر، وإنما هو: كجهلِ الجاهل، وسكوتِ الساكت، الذي لا يُعبِّر عن الحقائق.
وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم؛ أعظمَ امتناعاً مما يُقَدَّر قبوله لهما - مع نفيهما عنه - فما يُقَدَّر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم؛ أقرب إلى المعدوم والممتنع ممَّا يُقَدَّر قابلاً لهما مع نفيهما عنه.
وحينئذٍ؛ فنفيهما مع كونه قابلاً لهما؛ أقرب إلى الوجود والممكن، وما جاز لواجبِ الوجود قابلاً؛ وجب له؛ لعدمِ توقفِ صفاته على غيره، فإذا جاز القبول؛ وجب، وإذا جاز وجود المقبول؛ وجب، وقد بسط هذا في موضع آخر، وبُيِّنَ وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
يشير الشيخ هنا إلى مَنْ قال: «أنا أنفي النفي والإثبات»، فمنهم من يصرح بنفي النقيضين فيقول: «لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل»، ومنهم من يقول: (أنا لا أثبت واحداً منهما)، أي:
стр. 194
لا أقول: «موجود ولا معدوم، ولا لا موجود ولا لا معدوم»، فامتناعه عن إثبات أحدهما؛ لا يغير من الواقع شيئاً، ولا يمنعُ تحقق واحد منهما في نفس الأمر؛ بل هو مثل: سكوت الساكت، وجهل الجاهل (١).
وقول المؤلف: (وما جاز لواجب الوجود قابلاً؛ وجب له؛ لعدمِ توقفِ صفاته على غيره .. ).
أي: إذا جاز أن يكون الله تعالى قابلاً للشيء؛ وجب أن يكون قابلاً له؛ لعدم توقف صفاته على غيره، فالممكن الذي يقبل الوجود؛ لا يجب له الوجود؛ لأن وجوده متوقفٌ على غيره، أما الله تعالى فلا يتوقف اتصافه بصفات الكمال على غيره، فما جاز لواجب الوجود قبوله؛ صار واجباً، أي بمعنى: وجب أن يكون قابلاً (٢).
فصفة العلم والسمع والبصر والحياة وغيرها من الصفات الذاتية؛ واجبة لله تعالى.
وأما الصفات الفعلية؛ فتوصف بالجواز لا الوجوب.
* * *
стр. 195
وقيل له - أيضاً: «اتفاقُ المسَمَّيَيْنِ في بعض الأسماء والصفات؛ ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلةُ السمعيات والعقليات، وإنما نفَتْ ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، ممَّا يختص ب: وجوبه، أو جوازه، أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق، ولا يشركه مخلوق في شيء من خصائصه ».
يردُّ الشيخ هنا على الجهمي الذي سبق ذكرُ شبهته في نفي الأسماء والصفات؛ وهي: «شبهة استلزام الإثبات للتشبيه»، وذكر الشيخ هناك (١) أحد الجوابين عن هذه الشبهة؛ وهو: جوابٌ بالتسليم.
وهنا يذكر الجواب الثاني،؛ وهو: جواب بالمنع؛ وهو أن يقال:
«إنَّ اتفاقَ المسَمَّيَيْنِ عند الإطلاق في الأسماء والصفات؛ ليس هو التمثيل الذي نفته الأدلةُ العقلية والشرعية، فليس في إثبات القدر المشترك - الذي هو المعنى العام الكلي للصفة - تمثيلٌ، وإنما التمثيل المنفي: ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق ، أو المخلوق، ممَّا يختص ب: وجوبه، أو جوازه، أو امتناعه».
فأما ما يختص الرب بوجوبه؛ فالصفات الذاتية؛ كالحياة، والقدرة.
стр. 196
وأما ما يختص بجوازه؛ فالصفات الفعلية؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء يوم القيامة.
وأما ما يختص بامتناعه؛ فالنقائص، وهذه هي أحكام العقل الثلاثة.
وممَّا يختص المخلوق بوجوبه؛ الحدوث، والافتقار.
وممَّا يختص المخلوق بجوازه عليه؛ فكالحياة، وبعض صفات الكمال، والنقص.
وممَّا يختص المخلوق بامتناعه؛ فكل ما يختص به الرب تعالى من صفات الكمال.
* * *
стр. 197
وأما ما نفيته؛ فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك: تشبيهاً، وتجسيماً؛ تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مُسَمٍّ بهذا الاسم؛ يجب نفيه.
ولو ساغ هذا؛ لكان كل مُبطلٍ يسمي الحق بأسماء يُنَفِّرُ عنها بعض الناس، ليُكَذِّب الناسُ بالحق المعلوم بالسمع والعقل.
وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغي والضلالة.
أي: يقال لهذا الجهمي الذي ينفي أسماء الله وصفاته: «إنَّ ما نفيته ثابت بالأدلة الشرعية والعقلية، وتسميتك إثبات ذلك: تشبيهاً وتجسيماً؛ تمويه وتلبيس على الجهال، الذين تؤثر فيهم العناوين والأسماء المخالفة للحقائق؛ فيظنون أن كل معنى سماه مسَمٍّ بهذا الاسم الذي هو التشبيه؛ يجب نفيه».
فالجاهلُ يتأثرُ بتسميةِ المعطلِ إثباتَ الصفات لله تعالى: (تشبيهاً وتجسيماً)، فتؤثر هذه التسمية في دينه وعقله، ويبادر إلى التكذيب بالحق المعلوم بالسمع والعقل، ويخرج إلى التعطيل المستلزم للكفر والجهالة، والغي والضلالة.
стр. 198
أما أهلُ العلم والبصيرة؛ فلا تؤثر فيهم هذه التسميات الكاذبة، والاصطلاحات الحادثة؛ فإن الاصطلاحات اللفظية الحادثة؛ لا تغير ولا تنفي الحقائق العقلية والشرعية الثابتة.
فمن نفى التشبيه عن الله تعالى ممَّن لم يُعرف باتباعه لمنهج أهل السنة والجماعة؛ فإنا نستفصل عن مراده بالتشبيه الذي نفاه؛ فإن قصد بذلك نفي صفات الله تعالى الثابتة له بحجة استلزام إثباتها للتشبيه؛ فيُرَدُّ عليه نفيه، فليس في إثبات الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به؛ تشبيهٌ، وإنْ قصد بنفي التشبيهِ ما هو من خصائص المخلوق؛ فنعم.
* * *
стр. 199
الرد في ضوء الأصل الأول على شبهة التركيب عند الفلاسفة
وإن قال نفاة الصفات: «إثبات العلم، والقدرة، والإرادة؛ يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع».
قيل: «وإذا قلتم: «هو موجود، واجب، وعَقْلٌ وعاقِلٌ ومعقولٌ، وعَاشِقٌ ومعشوقٌ، ولذيذٌ وملتذ ولذة». أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟ فهذه معانٍ متعددة متغايرة في العقل، وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه، وتسمونه توحيداً».
فإن قالوا: «هذا توحيد في الحقيقة، وليس هذا تركيباً ممتنعاً».
قيل لهم: «واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة، وليس هو تركيباً ممتنعاً».
يذكر المؤلفُ ﵀ هنا شبهةً أخرى لنفاة الصفات؛ وهي: شبهة معروفة عن الفلاسفة، وقد أخذها عنهم بعض المتكلمين، حيث زعموا: «أن إثبات صفات متعددة، متغايرة المعنى؛ كالعلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر؛ يلزم منه التركيب»، أي: يلزم منه أنْ تكونَ
стр. 200
ذاتُ الله تعالى وتقدس مركبةً، فيجب نفي الصفات، لاستلزامها هذا المعنى الممتنع الباطل.
والمركب؛ هو: «المكون من شيئين» مثلاً، وهو: «المنقسم»، وله معانٍ في اللغة (١)، والاصطلاح، وهو في اصطلاح الفلاسفة: «ما يتميز فيه وجه عن وجه»، يعني: ما يتميز بعضه عن بعض، فيكون متميزاً، له جوانب، ومعانٍ.
وهم يَغْلُون في توحيد الله، فيقولون: «إنه واحد من جميع الوجوه»، ومن هنا نفوا الصفات؛ لأنها تتضمن إثبات معانٍ للذات الواحدة.
ويجيب الشيخ عن هذه الشبهة المعروفة ب «شبهة التركيب» عند الفلاسفة، بأنَّا لو سلمنا جدلاً بأنَّ إثبات الصفات تركيبٌ؛ فأنتم أيها الفلاسفة تقولون: (بأنَّ الله تعالى: موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة). وهذه معانٍ متعددة ومتغايرة، وهو تركيب عندكم، ومع ذلك تثبتونه لله تعالى وتسمونه «توحيداً»، فإن كان إثبات هذه المعاني عندكم توحيداً، فإثبات الصفات لله تعالى توحيد، وإن كان إثبات الصفات لله تعالى يعد عندكم من التركيب الممتنع، لإفادتها معانٍ متعددة؛ فكذلك ما أطلقتموه على الله تعالى يعدُّ تركيباً ممتنعاً، يعني: أنا نقول لكم فيما نفيتم كما تقولونه فيما أثبتم، ونقول لكم فيما أثبتم ما تقولونه فيما نفيتم.
وإطلاق الفلاسفة على الله تعالى بأنه (عَقْلٌ) لا يجوز لما يلي:
стр. 201
١ - أنه لفظ مبتدع لم يرد به الشرع.
٢ - أنه مأخوذ من العِقال، وسمي العقل عَقلاً؛ لأنه يعقل صاحبه عن الوقوع فيما لا يحسن، ويمنعه عنه (١)، وهذا المعنى لا يليق بالله تعالى؛ لأنه يشعر بنقص يناسب المخلوق؛ بل الله تعالى عالم، وعليم، وعلام الغيوب .
وأما القول بأنه (معقول) فهذه اللفظة؛ تتضمن نسبة العقل إلى الإنسان، فهو يعقل صفات الله تعالى، أي: يعلمها ويفهم معناها بعقله، فالمسألة هنا أسهل.
وكذلك إطلاق لفظ (عشق)، و (عاشق)، و (معشوق)؛ لا يجوز في حق الله تعالى لما يلي:
١ - أنه لم يرد في الشرع؛ بل هو لفظ مبتدع.
٢ - أنه يتضمن معنى لا يناسب في حق الرب تعالى (٢)، بل لا يقال فيه تعالى ولا يطلق عليه؛ إلا ما ورد في الكتاب والسنة؛ من أنه تعالى: يحبُ أولياءه ويحبونه.
بقي سؤال هنا؛ وهو: هل يجوز إطلاق لفظ «التركيب» على الله تعالى نفياً أو إثباتاً؟
والجواب: أن يقال: «إن لفظ «التركيب» كغيره من الألفاظ المحدثة، والمحتملة، مثل: «التجسيم»، و «التشبيه»، فقد يتضمن نفيها؛ نفي
стр. 202
المعنى الحق، وقد يتضمن إثباتها؛ إثبات المعنى الباطل، ولذا وجب الاستفصال والتفصيل، فلا تنفى مطلقاً، ولا يثبت معناها مطلقاً».
وقد فصَّل شيخ الإسلام هذا المعنى في بعض كتبه ك «المنهاج» وغيره (١)، وبيَّن أن المركب يحتمل معانٍ؛ منها:
١ - ما كان متفرقاً، ثم اجتمع.
٢ - ما يقبل الانقسام والتفرق.
٣ - ما تقوم به العديد من الصفات، كما عند الفلاسفة.
فالأول والثاني باطلان ممتنعان على الله تعالى؛ لأنه سبحانه: أحدٌ، صمد، لم يلد ولم يولد، ولا تجزُّؤ في ذاته.
وأما الثالث؛ فهو باطل من جهة اللغة، فليس في لغة العرب تسمية الواحد الموصوف بالصفات مركباً.
وأما من جهة المعنى؛ فهو ثابت لله تعالى، وإن سماه الفلاسفة تركيباً، فالاصطلاحات اللفظية؛ ليست دليلاً على نفي الحقائق العقلية.
* * *
стр. 203
وذلك أنه من المعلوم في صريح المعقول أنه ليس معنى كون الشيء عالماً؛ هو معنى كونه قادراً، ولا نفس ذاته؛ هو نفس كونه عالماً قادراً، فمن جوَّز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف؛ فهو من أعظم الناس سَفسطة، ثم إنه متناقض؛ فإنه إن جَوَّز ذلك؛ جاز أن يكون وجودُ هذا هو وجود هذا، فيكون الوجودُ واحداً بالعَين لا بالنوع.
وحينئذٍ، فإذا كان وجود الممكن؛ هو وجود الواجب، كان وجودُ كلِّ مخلوقٍ - يعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه -؛ هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي، الذي لا يقبل العدم.
وإذا قُدِّر هذا، كان الوجود الواجب موصوفاً بكلِّ تشبيه وتجسيم، وكلِّ نقص، وكلِّ عيب، كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود، الذين طَرَدُوا هذا الأصل الفاسد، وحينئذٍ؛ فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير.
يؤكد الشيخ ما سبق في رده على الفلاسفة في شبهة «التركيب»، فيبين أنه من المعلوم بصريح المعقول أنه ليس معنى كون الشيء عالماً؛ هو معنى كونه قادراً، وهذا فيه رد على الفلاسفة في قولهم: «إن العلم هو القدرة، والقدرة هي الإرادة، والإرادة هي الحياة»، فيجعلون
стр. 204
الصفة هي الصفة الأخرى، وهكذا بقية الصفات، فكل صفة معناها هو معنى الصفة الأخرى.
كما أنه من المعلوم أن نفس ذاته ليس هو معنى كونه عالماً قادراً، وهذا يرجع إلى إبطال قولهم: إن الصفة هي الموصوف.
(فمن جوَّز أن تكون الصفة هي الصفة الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف؛ فهو من أعظم الناس سَفسطة)، أي: مناقضة للعقول، ثم إن من قال بهذا القول؛ فإنه متناقض، ووجه تناقضه: أنه إذا جوَّز الوَحْدة بين هذه المعاني المتعددة المختلفة: لزمه (أنْ يجوِّز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا)، أي: وجود هذا الممكن، هو وجود ذاك الممكن، فوجود هذا الإنسان هو وجود ذلك الإنسان الآخر، والثالث، والرابع وهلمَّ جرَّا من بقية الموجودات من حيوانات، وجمادات، ومن جميع المعاني المتعددة.
فإذا جعل العلمَ هو القدرة، والسمع هو البصر وهكذا، وجعل العلمَ هو العالم، فَطَرْدُ ذلك: أن يكون وجود الموجودات واحداً، فالوجود عنده واحد بالعين لا بالنوع.
والواحد بالعين؛ هو: الذي لا يقبل الشركة، أي: الذي يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه.
والواحد بالنوع؛ هو: المشترك، أي: الذي لا يمنع تصوره وقوع الشركة فيه.
стр. 205
فهؤلاء جعلوا الوجود الواحد بالنوع واحداً بالعين، فصار وجود الممكن؛ هو وجود الواجب، أي: صار وجودُ المخلوقِ، الذي يعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه؛ هو: نفس وجود الرب الواجب الغني عن كل ما سواه، الذي لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم.
وإذا كان الواقع كما يقوله هؤلاء الفلاسفة؛ لزم أن يكون الوجودُ الواجب - أي: وجود الرب تعالى - موصوفاً بكلِّ تشبيه وتجسيم، وكلِّ نقص وعيب، طالما أنه لا فرق بين وجود الواجب، والممكن. أي: الخالق، والمخلوق.
وهذا اللازم يصرح به أهل (وَحْدة الوجود الذين طَرَدُوا هذا الأصل الفاسد). أي: عمَّموه، وأطلقوه، والتزموا به.
وقد تبين مما سبق: أن أقوال نفاة الصفات باطلة على كلِّ تقدير، أي: سواء أجيب عنها بفرض التسليم، أو بالمنع، كما سبق في الرد على الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، والفلاسفة والباطنية.
* * *
стр. 206
لزوم التناقض لكلِّ مَنْ نفى شيئاً مما أخبر به الرسول ﷺ
وهذا باب مُطَّرِدٌ، فإن كلَّ واحد من النفاة لما أخبر به الرسول ﷺ من الصفات، لا ينفي شيئاً - فراراً مما هو محذور -؛ إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فرَّ منه، فلا بُدَّ له في آخر الأمر من أن يثبت: موجوداً، واجباً، قديماً، متصفاً بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلاً لخلقه.
فيقال له: «وهكذا القول في جميع الصفات». وكلُّ ما نثبته من الأسماء والصفات؛ فلا بُدَّ أن يدل على قدر مشترك تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب، ولكن نعلم أنَّ ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه؛ أعظمُ مما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.
يختم الشيخ هذا الأصل بالإشارة إلى تناقض المخالفين النفاة الذين ينفون ما أخبر به الرسول ﷺ من صفات الله تعالى سواء نفياً عاماً أم نفياً لبعضها.
стр. 207
فكل من نفى شيئاً مما جاء في كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ من صفات الله تعالى، فراراً من محذور مُتوهم لديه؛ فلا بد أن يثبت ما يلزمه فيه نظير ما فر منه (١).
ولابد لهذا النافي أن يثبت: (موجوداً، واجباً، قديماً، متصفاً بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلاً لخلقه)، وإلا خرج إلى التعطيل والجحد المحض لوجود الرب تعالى.
وإذا أَثبت «موجوداً متصفاً بصفات تميزه عن غيره» ليس كسائر الموجودات، قيل له: (وهكذا القول في جميع الصفات)، فنثبتها على وجه يليق بالله تعالى، ليس مماثلا فيها لشيء من خلقه».
وبعد إثبات الأسماء والصفات؛ فلا بُدَّ أن يُعلم بأنها تَدل ويُفهم من معانيها: (قَدْرٌ مشترك تتواطأ) - أي: تتفق - (فيه المسمَّيات).
مثال ذلك: إذا قلنا: «اللهُ موجودٌ»؛ فإنه يدل على قدر مشترك يدل على مطلق الوجود، وهو مسمى الاسم المطلق: «وجود، أو: موجود»، فنفهم من قولنا: «اللهُ موجودٌ»: المعنى العام الكلي المشترك للفظ: «الوجود»، كما نفهم منها: ما يدل عليه التخصيص والإضافة إلى الرب تعالى؛ مثل: كونِ وجودِه: واجباً، قديماً، ونحو ذلك.
ولا بدَّ من هذا القدر المشترك الذي تتفق فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب، فإذا قرأنا قوله تعالى: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فنفهم من قوله: ﴿الْحَيُّ﴾ قَدْراً مشتركاً، ومعنى عاماً، هو: مسمى الاسم المطلق للفظ: ﴿الْحَيُّ﴾، وهو: كونه ذو حياةٍ، والحياةُ ضد الموت.
стр. 208
ولا بد من وجود هذا القدر المشترك حتى يفهم الخطاب، ولو لم يكن هذا المعنى مفهوماً؛ لم نعلم معاني أسماء الله وصفاته، ولم نميز بينها، وَلَكَان اللهُ تعالى خاطبنا بما لا نعقل ولا نفهم.
ومع ذلك، يجب أن نعلم أنَّ ما اختصَّ الله تعالى به عن خلقه من معاني صفاته من: حياة، وسمع، وبصر، وقدرة، وغير ذلك؛ فوقَ، وأعظمُ مما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، لأنَّ كُنْهَ صفات الله تعالى وحقائقها؛ لا ندركها، ولا يمكن أن نحيط بها، أو نتخيلها.
* * *
стр. 209
القول في الصفات كالقول في الذات
وهذا يتبين بالأصل الثاني وهو أن يقال: «القول في الصفات كالقول في الذات»، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات.
فإذا قال السائل: «كيف استوى على العرش»؟
قيل له - كما قال ربيعةُ ومالكٌ وغيرهما -: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة»، لأنه سؤال عمَّا لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.
وكذلك إذا قال: «كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا»؟
قيل له: «كيف هو»؟ فإذا قال: «أنا لا أعلم كيفيته».
قيل له: «ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة؛ يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له. فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه، وبصره، وتكليمه، ونزوله، واستوائه، وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟!
وإذا كنت تقر بأن له ذاتاً حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء؛ فسمعه، وبصره، وكلامه، ونزوله، واستواؤه؛ ثابتٌ في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي
стр. 210
لا يشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم، وكلامهم ونزولهم واستواؤهم».
هذا هو الأصل الثاني من الأصلين اللَّذَيْنِ سبق أن نوَّه عنهما المؤلف بقوله: «وهذا يتبيَّن بأصلين شريفين» (١).
فالأصل الأول سبق الكلام فيه؛ وهو: (أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض) (٢)، وقد رد به المؤلف على: الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، والفلاسفة، والباطنية.
وأما الأصل الثاني؛ فهو الذي ذكره المؤلف هنا بقوله: (القول في الصفات كالقول في الذات)، يعني: أن حكم الذات والصفات واحدٌ، فما يقال في أحدهما من إثبات أو نفي يقال في الآخر، وما يوصف به أحدهما من تنزيه أو تمثيل يصدق على الآخر، فالقول فيهما واحد.
وجميع الطوائف يُقرون بأن لله تعالى ذاتاً وحقيقة ثابتة في نفس الأمر، ولا تشبه سائر الذوات، فيقال لهم: «فكذلك هذه الذات موصوفة بصفات لا تشبه صفات المخلوقين، فالله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله».
стр. 211
وهذا الأصلُ يمكن أن يردَّ به على جميع الطوائف، لكن أخص مَنْ يردُّ به عليه من الطوائف: الجهمية، كما يمكن أن يرد به على أهل التكييف، الذين يذكرون لصفات الله كيفية، أو يسألون عن كيفيتها.
ولفظ: (الذات) لم يرد في النصوص الشرعية إطلاقه على الله تعالى إلا فيما يضاف إليه من شرائعه، كما في شعرِ خُبيبٍ ﵁ لما أرادوا قتله قال:
فلستُ أُبالي حينَ أُقْتَلُ مسلماً … على أيِّ جنبٍ كان لله مَصرعي
وذلك في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشأ … يُبارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ (١)
يقول أهل اللغة (٢): إن «ذات» مؤنث لفظ «ذو» بمعنى: صاحب.
стр. 212
ولم تأت في اللغة بمعنى: «الحقيقة». فيقال: جاء محمد نفسه، ولا يقال: ذاته، وقيل: بل ورد، وإن كان قليلاً (١)، كما في الأثر: «تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذات الله» (٢).
(فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش)؟
فإنه يجاب بما جاء عن بعض السلف كالإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن، والإمام مالك، وغيرهما (٣) من الجواب المحكم والذي جاء فيه:
(الاستواء معلوم): يعني: معلوم معناه في اللغة؛ وهو: علا، وارتفع.
стр. 213
(والكيف مجهول): أي: كيفية الصفة مجهولة لنا، فالواجب إمرارها كما جاءت دون سؤال عن كيفيتها.
(والإيمان به واجب): أي: الإيمان بالاستواء واجب؛ لأنه داخل في الإيمان بالله، وكتبه، ورسله، وهو مِنْ مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، لأن من مقتضاها: تصديقه فيما أخبرَ، واستواءُ الرب تعالى على العرش؛ هو مما أخبرنا الله به في كتابه، وبلغه الرسول ﷺ .
(والسؤال عن الكيفية بدعة)؛ فلم يكن من منهج السلف السؤال عن كيفية صفات الرب تعالى؛ لأنه سؤال عمَّا لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.
فالسؤال عمَّا استأثر الله بعلمه بدعة، ثم إنه طَلَبُ شيءٍ لا سبيل إليه، وليس هذا من شأن العاقل.
وهذا الجواب المأثور عن بعض السلف في السؤال عن كيفية الاستواء؛ يمكن أن يُقال في السؤال عن كيفيةِ أيِّ صفة من صفات الله تعالى.
ثم ذكر المؤلف جواباً آخر لمن سأل عن الكيفية، فإذا قال: (كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)؟
(قيل له: كيف هو؟) أي: يسأل عن كيفية ذات الرب تعالى.
(فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته).
стр. 214
(قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذِ العلمُ بكيفية الصفة؛ يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له)، فإذا انتفى اللازم؛ انتفى الملزوم (١)، فإذا انتفى العلم بكيفية الموصوف؛ انتفى العلم بكيفية الصفة بطريق الأولى.
فكيف تُطالِب بالعلم بكيفية الصفات، وأنت لا تعلم كيفية الذات؟
(فإذا كنت تُقر بأن لله تعالى ذاتاً حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء من خلقه)؛ فكذلك سائر صفاته ، فإنه يجب إثباتها ونفي مماثلتها لصفات الخلق، ونفي العلم بكيفيتها (٢).
* * *
стр. 215
تناقض المفوضة والمؤولة
وهذا الكلامُ لازمٌ لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات؛ فإنَّ من أثبت شيئاً ونفى شيئاً بالعقل؛ إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة، نظير ما يلزمه فيما أثبته، وطولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا: لم يجد بينهما فرقاً.
ولهذا لا يُوجد لنفاةِ بعضِ الصفاتِ دونَ بعضٍ - الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ - قانونٌ مستقيم، فإذا قيل لهم: «لِمَ تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد»؟ لم يكن لهم جواب صحيح. فهذا تناقضهم في النفي.
أي: إلزام من أثبت شيئاً ونفى شيئاً بأن يثبت الكل دون تفريق بين المتماثلات، أو ينفي الكل، وإلا وقع في التناقض، كما ألزمنا من أثبت لله تعالى ذاتاً لا تشبه الذوات؛ بأن يثبت لله تعالى - أيضاً - صفات لا تشبه الصفات، ولا تُعلم كيفيتها.