← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهذا الأصلُ يمكن أن يردَّ به على جميع الطوائف، لكن أخص مَنْ يردُّ به عليه من الطوائف: الجهمية، كما يمكن أن يرد به على أهل التكييف، الذين يذكرون لصفات الله كيفية، أو يسألون عن كيفيتها. ولفظ: (الذات) لم يرد في النصوص الشرعية إطلاقه على الله تعالى إلا فيما يضاف إليه من شرائعه، كما في شعرِ خُبيبٍ ﵁ لما أرادوا قتله قال: فلستُ أُبالي حينَ أُقْتَلُ مسلماً … على أيِّ جنبٍ كان لله مَصرعي وذلك في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشأ … يُبارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ (١) يقول أهل اللغة (٢): إن «ذات» مؤنث لفظ «ذو» بمعنى: صاحب.

стр. 212

ولم تأت في اللغة بمعنى: «الحقيقة». فيقال: جاء محمد نفسه، ولا يقال: ذاته، وقيل: بل ورد، وإن كان قليلاً (١)، كما في الأثر: «تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذات الله» (٢). (فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش)؟ فإنه يجاب بما جاء عن بعض السلف كالإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن، والإمام مالك، وغيرهما (٣) من الجواب المحكم والذي جاء فيه: (الاستواء معلوم): يعني: معلوم معناه في اللغة؛ وهو: علا، وارتفع.

стр. 213

(والكيف مجهول): أي: كيفية الصفة مجهولة لنا، فالواجب إمرارها كما جاءت دون سؤال عن كيفيتها. (والإيمان به واجب): أي: الإيمان بالاستواء واجب؛ لأنه داخل في الإيمان بالله، وكتبه، ورسله، وهو مِنْ مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، لأن من مقتضاها: تصديقه فيما أخبرَ، واستواءُ الرب تعالى على العرش؛ هو مما أخبرنا الله به في كتابه، وبلغه الرسول ﷺ . (والسؤال عن الكيفية بدعة)؛ فلم يكن من منهج السلف السؤال عن كيفية صفات الرب تعالى؛ لأنه سؤال عمَّا لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه. فالسؤال عمَّا استأثر الله بعلمه بدعة، ثم إنه طَلَبُ شيءٍ لا سبيل إليه، وليس هذا من شأن العاقل. وهذا الجواب المأثور عن بعض السلف في السؤال عن كيفية الاستواء؛ يمكن أن يُقال في السؤال عن كيفيةِ أيِّ صفة من صفات الله تعالى. ثم ذكر المؤلف جواباً آخر لمن سأل عن الكيفية، فإذا قال: (كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا)؟ (قيل له: كيف هو؟) أي: يسأل عن كيفية ذات الرب تعالى. (فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته).

стр. 214

(قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذِ العلمُ بكيفية الصفة؛ يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له)، فإذا انتفى اللازم؛ انتفى الملزوم (١)، فإذا انتفى العلم بكيفية الموصوف؛ انتفى العلم بكيفية الصفة بطريق الأولى. فكيف تُطالِب بالعلم بكيفية الصفات، وأنت لا تعلم كيفية الذات؟ (فإذا كنت تُقر بأن لله تعالى ذاتاً حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء من خلقه)؛ فكذلك سائر صفاته ، فإنه يجب إثباتها ونفي مماثلتها لصفات الخلق، ونفي العلم بكيفيتها (٢). * * *

стр. 215

تناقض المفوضة والمؤولة وهذا الكلامُ لازمٌ لهم في العقليات، وفي تأويل السمعيات؛ فإنَّ من أثبت شيئاً ونفى شيئاً بالعقل؛ إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة، نظير ما يلزمه فيما أثبته، وطولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا: لم يجد بينهما فرقاً. ولهذا لا يُوجد لنفاةِ بعضِ الصفاتِ دونَ بعضٍ - الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ - قانونٌ مستقيم، فإذا قيل لهم: «لِمَ تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد»؟ لم يكن لهم جواب صحيح. فهذا تناقضهم في النفي. أي: إلزام من أثبت شيئاً ونفى شيئاً بأن يثبت الكل دون تفريق بين المتماثلات، أو ينفي الكل، وإلا وقع في التناقض، كما ألزمنا من أثبت لله تعالى ذاتاً لا تشبه الذوات؛ بأن يثبت لله تعالى - أيضاً - صفات لا تشبه الصفات، ولا تُعلم كيفيتها.

стр. 216

فهذا الاحتجاجُ والإلزام بالتسوية بين المتماثلات، وترك التناقض: لازمٌ حتى في العقليات، وفي تأويل السمعيات. فإن من نفى شيئاً، أو أثبت شيئاً من صفات الله تعالى بالعقل، فإنه يُلزم فيما نفاه من الصفات الثابتة لله تعالى في الكتاب والسنة؛ بنظير ما أثبته، والعكس كذلك، وإلا وقع في التناقض، كما سبق أن «القول في بعض الصفات كالقول في بعض» (١). كما سبق - أيضاً - الجواب عمَّن زعم أن العقل يدل على إثبات بعض الصفات دون بعض (٢). ولو طُولب هذا المفرق بين الصفات بين المحذور في هذا، والمحذور في هذا؛ لم يجد فرقاً صحيحاً؛ بل هو متناقض، وحجته داحضة، وإذا كان الأمر كذلك؛ وجب إثبات كل ما جاء به الدليلُ الصحيح السالمُ عن المعارض من صفات الله تعالى. ولهذا لا يُوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض قانونٌ وقاعدة مطردة مستقيمة؛ بل هم متناقضون - كما سبق - فيثبتون بعض الصفات على ظاهرها، وينفون بقية الصفات، ويمنعون إجراءها على ظاهرها؛ فهم مفرقون بين الصفاتِ، ونصوصِ الصفات دون قانونٍ مستقيم، وليس لهم جوابٌ صحيح عن هذا التناقض الظاهر في التفريق بين المتماثلات.

стр. 217

ثم إن هؤلاء المتناقضين لهم تجاه نصوص الصفات التي ينفونها أحد طريقين: إما التفويض، وإما التأويل. فأما التفويض؛ فهو عندهم: «إجراء النصوص على ظاهرها من غير فهم لمعناها»، فليس لها معنى مفهوم عندهم، وربما قالوا: «لها تأويل لا يعلمه إلا الله». وأما التأويل؛ فهو: «صرف اللفظ عن معناه الظاهر لدليل». وسيأتي حديث مطوَّل عنه في «القاعدة الخامسة» (١). فأهل التأويل والتفويض يتفقون على نفي الصفة، وتعطيلِ النص عن معناه الحقيقي الدال على وصف الرب تعالى بما يليق به. ويختلفون في تخريج النص وموقفهم منه، فأهل التفويض يقولون: «ليس له معنى مفهوم». وأهل التأويل يقولون: «له معنى مفهوم»، ثم يُفسِّرونه: ب «الإرادة»، أو «ببعض المفعولات»، كما تقدم (٢). * * *

стр. 218

وكذلك تناقضهم في الإثبات، فإنَّ مَنْ تأوَّل النصوص على معنى مِنَ المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النصَّ عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر؛ لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه. فإذا قال قائل: «تأويل محبته، ورضاه، وغضبه، وسخطه؛ هو: إرادته للثواب، والعقاب»؛ كان ما يلزمه في الإرادة؛ نظير ما يلزمه في: الحب، والمقت، والرضا، والسخط. ولو فَسَّر ذلك بمفعولاته - وهو: ما يخلقه من الثواب، والعقاب -؛ فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فرَّ منه، فإن الفعل المعقول؛ لا بُدَّ أن يقوم أولاً بالفاعلِ، والثوابُ والعقاب المفعول إنما يكون على فعلِ ما يحبُّه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه؛ المثيبُ المعاقبُ. فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد؛ مثَّلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك؛ فكذلك سائر الصفات. التناقض في الإثبات متلازم مع التناقض في النفي، ففي كلا الحالتين يثبت نظير ما ينفي، وينفي نظير ما يثبت. فهذا المتأول الذي ينفي: «المعنى الظاهر»، الذي هو الاحتمال الراجح، ويثبت المعنى المرجوح؛ متناقض.

стр. 219

ووجه تناقضه: أنه لا فرق بين المعنى المصروف إليه، والمعنى المصروف عنه الذي ينفيه، فإنه يلزمه في المعنى المصروف إليه الذي يثبته؛ نظير ما يلزمه في المعنى المصروف عنه الذي ينفيه. فإن كان يلزم في المعنى المصروف عنه محذور؛ فإنه لازم - أيضاً - في المعنى المصروف إليه، وإن كان لا يلزم في المعنى المصروف إليه محذور؛ فكذلك لا يلزم في المعنى المصروف عنه محذور، فالكلام فيهما واحد، فهذا المتأول لم يستفد شيئاً من هذا التأويل. وذكر الشيخ لذلك مثالاً؛ وهو: «صفة المحبة»، فظاهرها محبة حقيقية تليق بالله تعالى، ولكن المتأول صرفها إلى معنى «الإرادة»، لظنه أن إثبات صفة المحبة؛ يلزم منه التشبيه! فيقال له: «يلزمك في الإرادة نظير ما يلزم عندك ممَّا فررت منه في صفة المحبة». وكذلك إذا فسر الصفة بمفعولات اللهِ تعالى - أي: بما يخلقه الله من الثواب والعقاب - كما إذا فسَّر المحبة؛ بالثواب المفعول - أي: المخلوق -؛ كالجَّنَة، أو الغضب بالعقاب المفعول؛ كالنَّار، فإنه يلزمه فيما فسر به الصفة؛ نظير ما توهم وفر منه من المحذور اللازم على إثبات الصفة على حقيقتها - حسب زعمه -. وبيان ذلك: أن الفعل لا بدَّ أن يقوم بالفاعل، فالكلامُ لا بد أن يقوم بمتكلم، والقدرة لا بد أن تقوم بقادر، وهكذا. فالمفعولات لا بد أن تكون بفعل، والفعل لا بد أن يقوم بفاعل.

стр. 220

فهذه المخلوقات المفعولات التي فسروا بها الصفات لا بد أن تكون موجودة بفعل قام بالفاعل. وأيضاً؛ فالثواب والعقاب المفعول؛ إنما يكون على فعلِ ما يحبُه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيبُ المعاقبُ، أي: أن ما أثبتوه من الثواب والعقاب؛ مستلزمٌ لما نفوه من المحبة والرضا، والغضب والسخط. ثم يقال لهم: «إن فعل الرب الذي حصلت به تلك المفعولات من الثواب والعقاب، إما أن يجعلوه مثلَ فعلِ العبد؛ فهذا تمثيلٌ، وإما أن يثبتوه على خلاف ذلك - أي: على وجه يليق بالله تعالى -؛ فيقال لهم: «فكذلك سائر صفاته تعالى». * * *

стр. 221

ضرب المثل بموجودات الآخرة، وموجودات الدنيا فصل وأمَّا المثلانِ المضروبانِ: فإنَّ اللهَ أخبرنا عمَّا في الجنة من المخلوقات، من أصناف: المطاعم، والمشارب، والملابس، والمناكح، والمساكن؛ فأخبرنا أنَّ فيها: لبناً، وعسلاً، وخمراً، وماء، ولحماً، وفاكهة، وحريراً، وذهبا، ً وفضة، وحوراً، وقصوراً. وقد قال ابن عباس ﵄: «ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء»، فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى؛ فالخالقُ أعظمُ مباينة للمخلوقات مِنْ مباينةِ المخلوقِ للمخلوق، ومباينتُه لمخلوقاته؛ أعظمُ من مباينةِ موجودِ الآخرةِ لموجودِ الدنيا؛ إذ المخلوقُ أقربُ إلى المخلوقِ الموافقِ له في الاسم مِنَ الخالق إلى المخلوق. وهذا بيِّنٌ واضحٌ.

стр. 222

بعد أنْ ذكرَ الشيخُ الأصلينِ اللَّذَيْنِ يُرَدُّ بهما على نفاةِ الصفات، شَرَعَ في ذِكْرِ المثلينِ المضروبينِ في ذلك. فالمثل الأول: ما أخبر الله تعالى به عمَّا في الجنة من المخلوقات ممَّا أعدَّ لأوليائه من أصناف النعيم؛ من: (المطاعم، والمشارب، والملابس، والمساكن)، وغير ذلك، فأخبرنا أن فيها: (لبناً، وعسلاً، وخمراً، وماء، ولحماً)، وغير ذلك، وقد قال ابن عباس ﵄: «ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء» (١)، فموجوداتُ الآخرةِ موافقةٌ لموجوداتِ الدنيا في الاسم، وفي مسمى الاسم المطلق؛ وهو: «المعنى العام الكلي المشترك»، ولكنها مع ذلك ليست مماثلة لها؛ (بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى). وإذا كان هذا التباين موجوداً بين المخلوقات، وفي صفاتها المتفقة في الأسماء، وفي المعنى الكلي المشترك؛ (فالخالقُ أعظمُ مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوقِ، ومباينتُه لمخلوقاته أعظمُ من مباينةِ موجودِ الآخرةِ لموجودِ الدنيا؛ لأن المخلوقَ أقربُ إلى المخلوق - الموافق له في الاسم - من الخالق إلى المخلوق) (٢).

стр. 223

فإثباتُ القدرِ المشترك الذي به تفهم الألفاظ؛ لا يلزم منه التماثل في الخصائص. فبينَ ماءِ الدنيا وماء الآخرة قدرٌ مشترك؛ وهو: «المعنى العام الكلي للفظ الماء»، وكذلك بين لبن الدنيا ولبن الآخرة قدرٌ مشترك، وبين خمر الدنيا وخمر الآخرة قدرٌ مشترك، وهكذا بقية الأمور التي أخبر عنها الرب تعالى، ولكل من موجودات الدنيا وموجودات الآخرة خصائص لا يشركه فيها الآخر. فنحنُ نعلم وندرك: أن اللبن شراب يشرب، وهكذا الخمر، والماء، وبينها فروقٌ، وندرك أن هذه الثلاثة من أنواع الشراب، وليست شيئاً يلبس أو يسكن، فنحن نُفرِّق بين معناها ومعنى: المساكن، والملابس، والمطاعم، والحور العين التي في الجنة. فلا بُدَّ مِنْ إثباتِ القدر المشترك بين الأشياء المتفقة في أسمائها، وهذا القدرُ المشترك؛ هو: المعنى العام، وهو: مسمى الاسم عند الإطلاق، الذي به يفهم معنى اللفظ المطلق والغائب، ثم عند إضافته وتقييده؛ ينضاف إليه معنى آخر يخصه غير المعنى العام المشترك، ولا بد من هذا القدر المشترك حتى تفهم الألفاظ ويمكن التخاطب بها. وليس هذا المعنى العام والقدر المشترك؛ هو التشبيه الذي نفته الأدلةُ النقليةُ، والعقليةُ. فالاتفاق في الأسماء، وثبوت القدر المشترك؛ لا يستلزم التماثل في الخصائص.

стр. 224

وهذا المثل المضروب هنا قريب مما ذكره المؤلف سابقاً في مسألة «وجود البعوضة والعرش» (١). * * *

стр. 225

فِرقُ الناس فيما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر ولهذا افترقَ الناسُ في هذا المقام ثلاث فرقٍ: فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر اللهُ به عن نفسه، وعن اليومِ الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وأنَّ مباينةَ اللهِ لخلقِهِ أعظمُ. والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيراً مما أخبر به من الصفات، مثل: طوائف من أهل الكلام: المعتزلة، ومَن وافقهم. والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا؛ كالقرامطة الباطنية، والفلاسفة أتباع المشَّائين، ونحوهم من الملاحدة، الذين ينكرون حقائقَ ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر. ثُمَّ إنَّ كثيراً منهم: يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب؛ فيجعلون الشرائع المأمور بها، والمحظورات المنهي عنها؛ لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأولون الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت. فيقولون: «إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وإن صيام شهر رمضان كتمان أسرارهم، وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم»!، ونحو ذلك من التأويلات، التي يعلم بالاضطرار أنها كذبٌ وافتراء

стр. 226

على الرسل صلوات الله عليهم، وتحريفٌ لكلام الله ورسوله عن مواضعه، وإلحادٌ في آيات الله. وقد يقولون: «إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة»، فإذا صار الرجلُ مِنْ عارفيهم، ومحققيهم، وموحديهم؛ رفعوا عنه الواجبات، وأباحوا له المحظورات. وقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك مَنْ يدخل في بعض هذه المذاهب. وهؤلاءِ الباطنيةُ الملاحدةُ؛ أجمع المسلمونَ على أنَّهم أكفرُ من اليهود والنصارى. يذكر الشيخُ هنا فِرَق الناس فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر: فأهل السنة والجماعة؛ (وهم السلف الصالح والأئمة وأتباعهم: آمنوا بكل ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر)، آمنوا بما جاء في الكتاب والسنة من ذلك كله، مع علمهم وإيمانهم بمباينة موجودات الآخرة لموجودات الدنيا، وأنَّ مباينةَ الله تعالى لخلقه أعظمُ من مباينة هذه المخلوقات بعضها بعضاً. فمذهبُ أهل السنة والجماعة متفقٌ ومنتظم ومنسجم مع العقل والنصوص الشرعية، لا اضطراب فيه، ولا تناقض.

стр. 227

والفرقةُ الثانية: طوائف من أهل الكلام؛ وهم: الذين أثبتوا ما أخبر الله به من الثواب والعقاب في الآخرة في الجملة، ونفوا كثيراً مما أخبر الله به عن نفسه، ويدخل في هؤلاء: المعتزلة، والجهمية، والأشاعرة، فهؤلاء كلهم فرَّقوا بين ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، فأثبتوا بعضاً ونفوا بعضاً، فوقعوا في التناقض؛ حيث فرقوا بين ما جاءت النصوص الشرعية بإثباته. وإن كان بين هؤلاء اختلاف في إثبات بعض أمور الآخرة، فالمعتزلة: تنكر الشفاعة لأهل الكبائر، وتوجب لهم الخلود في النار، ومنهم من ينازع في الحوض، والميزان (١)، بخلافِ الأشاعرةِ. والجهميةُ تقول بفناء الجنة والنار (٢)، بخلاف المعتزلة، والأشاعرة. والفرقة الثالثة: القرامطة الباطنية، والفلاسفة، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، فينفون أسماء الله وصفاته، كما ينفون حقائق اليوم الآخر، وربما لبَّسوا فقالوا: «البعث روحاني»، وجعلوا ما يكون في الدار الآخرة من النعيم والعذاب من باب التخييل الذي لا حقيقة له. وكثير من هؤلاء يجعلون الشرائع من هذا الباب، فيجعلون لما أمر الله به وما نهى عنه تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون

стр. 228

منها؛ كما يتأولون الصلوات الخمس بمعرفة أسرارهم، وصيام رمضان بكتمان أسرارهم، وحج البيت الحرام بالسفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يعلم بالاضطرار أنها كذبٌ وافتراء على الله ورسله، وتحريف للكلم عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله وشرائعه (١). فهذه المعاني التي يفسِّرون بها شرائع الله لا تمتُّ إلى المعنى الحقيقي بصلةٍ؛ لا لغة، ولا شرعاً، وليس عليها أي دليل لا صحيح ولا فاسد؛ بل هي من باب التحريف والإلحاد الظاهر. وقد يقولون بأن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا صار الرجل من كبرائهم ومحققيهم؛ أسقطوا عنه التكاليف، فرفعوا عنه الواجبات، وأباحوا له المحظورات، لأن هذه التكاليف إنما تلزم العامة - حسب زعمهم - وهذا يقولونه مصانعة، وإلا فليس في الحقيقة لديهم شرائع يؤمنون بها. وقد يوجد في بعض المنتسبين للتصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب الباطنية ويتبعها، كالقول بأن للشرع معنى باطناً غير الظاهر، أو أن بعض الناس يصل إلى درجة تسقط عنه التكاليف.

стр. 229

ويستفاد من هذا أن الباطنية نوعان (١): * باطنية الرافضة؛ وهم: الذين يتظاهرون بالتشيع لآل البيت. * وباطنية الصوفية. فيشتركون في القول بأنَّ للنصوص معانيَ باطنةً، تخالف ما يفهمه المسلمون منها، وكل منهم يؤول النصوص بحسب ما يتفق مع الشعار الذي يتخذه. فباطنية الصوفية يتظاهرون بالسلوك والعبادة، وباطنية الرافضة يتظاهرون بحب آل البيت. والذين ينطبق عليهم وصف أصحاب السلوك الذين ذكرهم الشيخ؛ هم: أصحاب وحدة الوجود، القائلين بأن وجود الرب؛ عين وجود كل موجود. وهؤلاء الباطنية الملاحدة؛ أجمع المسلمون على أنهم أكفرُ من اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى يؤمنون بالله وتَمَيُّزِه عن خلقه، كما يؤمنون باليوم الآخر في الجملة، ويقرون بالجنة والنار والشرائع في الجملة. أما هؤلاء الباطنية؛ فحقيقة مذهبهم: الكفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر.

стр. 230

وما يحتجُ به أهلُ الإيمان والإثبات على هؤلاء الملاحدة؛ يحتجُ به كلُّ من كان من أهل الإيمان والإثبات على مَنْ يَشرك هؤلاء في بعض إلحادهم، فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دلَّ على ذلك الآيات البينات؛ كان ذلك هو الحق الذي يوافق المنقول والمعقول، ويهدمُ أساسَ الإلحادِ والضلالات. يذكرُ الشيخُ هنا موازنة بين الباطنيةِ، وأهلِ الكلام. فأهلُ الكلام شاركوا الباطنيةَ، والفلاسفةَ في نفي ما نفوا من الصفات على اختلاف طوائفهم، كما شاركوا أهل السنة في الإيمان باليوم الآخر. فكلُّ ما يُرد به على الباطنية في إلحادهم وتحريفهم؛ يُرد به على من شاركهم في بعض إلحادهم وتحريفهم، فإذا قيل للباطنية: «إن تحريفكم لنصوص الشرع باطلٌ ومخالف للمعقول والمنقول واللغة»، يقال لمن حرَّف معاني نصوص الصفات أو بعضها: «إن تحريفكم لها ونفيكم لحقيقة معناها مخالفٌ للمعقول والمنقول واللغة»، وهكذا. ولهذا تسلَّط عليهم الفلاسفة، واحتجوا عليهم بتأويلهم لنصوص الصفات على ما تأولوه من نصوص المعاد والشرائع.

стр. 231

فمن أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات كما دلت على ذلك الأدلة العقلية والنقلية؛ كان ذلك هو الحق الموافق للنقل والعقل، الهادم لأساس الإلحاد والضلال. * * *

стр. 232

ما يجوز وما لا يجوز من ضرب الأمثال في باب العلم بالله واللهُ لا تُضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإنَّ اللهَ لا مِثل له، بل له المَثَلُ الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس «تمثيل»، ولا في قياس «شمول» تستوي أفراده. ولكن يستعمل في حقه «المثل الأعلى»؛ وهو: أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال؛ فالخالق أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من نقص؛ فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق مُنزَّهاً عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم؛ فالخالق أَولى أن يُنزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم. وبعد أن ذكر الشيخُ المثلَ المضروب بأسماء نعيم الجنة وموافقتها لبعض الأسماء المشاهدة في الدنيا، وذكر مواقف الناس من ذلك، ختم الحديث عن ذلك بالتأكيد والتذكير بأن الله تعالى (لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه)، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ

стр. 233

إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٧٤)﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]. فأما ضرب الأمثال التي تتضمن تعظيمه، وتُبين أنه تعالى أَولى بالكمال، وأَولى بالتنزيه عن النقص من خلقه؛ فهذا واردٌ في القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِنْ شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء﴾ [الروم: ٢٨]. فهذا من قياس الأولى، ومضمونه: أنه إذا كان المملوك منكم لا يكون شريكاً لمالكه، ولا يرضى المالكُ أن يكونَ المملوكُ شريكاً له ومساوياً له؛ فاللهُ تعالى أَولى ألَّا يكون أحد من خلقه وعبيده شريكاً له. (فلا يجوز أن يشترك الخالقُ والمخلوق في قياس «تمثيل»)، يستوي فيه الفرع والأصل، (ولا في قياس «شمول» تستوي أفراده) (١). فقياس الشمول: مصطلح منطقي معروف؛ وهو: «الدليل المكون من مقدمتين، فأكثر» (٢)، والمقدمة؛ هي: «القضيةُ التي تُكَوِّن جزءَ الدليل».

стр. 234

وقياس التمثيل؛ هو: القياس المعروف عند الأصوليين؛ وهو: «إلحاقُ فَرْعٍ بأصل في حُكم؛ لِعلةٍ جامعةٍ بينهما» (١)؛ وحقيقة القياسَين واحدة، إلا أنهما مختلفان في الأسلوب والصيغة (٢). وتقريب هذا بالمثال التالي: فمثال القياس الفقهي - «قياس التمثيل» -: إلحاق النبيذ بالخمر في التحريم؛ لجامع الإسكار. فالنبيذ: فَرْعٌ، والخمر: أصل، والحكم: التحريم، والعلة: الإسكار. وهذا القياس يُمكن أن يصاغ بصيغة «قياس الشمول»؛ فيقال: النبيذ: مسكر، وكل مسكر حرام؛ فالنبيذ: حرام (٣). فلا يجوز استعمال قياس التمثيل، ولا الشمول في حق الله تعالى، فلوازم صفات المخلوق؛ لا تلزم في صفات الله تعالى. وأهل البدع يستعملون قياس الشمول في حق الرب تعالى، ومن ذلك قولهم: «الصفات لا تقوم إلا بجسم، وكل جسم مركب، فلو كان لله تعالى صفات؛ لكان جسماً، ثُم لكان مركباً؛ فيلزم من ذلك: التركيب، والتشبيه»، فينفون عن الله تعالى الصفات بناء على أنه يلزم في حق الخالق ما يلزم في حق المخلوق.

стр. 235

فلا يجوز أن يُستعمل في حق الرب تعالى هذا القياس، وإنما يستعمل في حقه: قياس الأولى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ﴾ [النحل: ٦٠]. و (المثل الأعلى)؛ هو: «الوصف الأكمل»، فله المثل الأعلى في الواقع، وفي قلوب المؤمنين. و (المثل الأعلى)؛ يتضمن قياس الأَولى؛ وهو: «أنَّ كلَّ كمالٍ ثبت للمخلوق لا نقص فيه؛ فالخالقُ أَولى به». فمثلاً: نقول: «العلمُ صفة كمال، والمخلوقُ يتصف بالعلم؛ فالخالقُ أَولى بالاتصاف بصفة الكمال هذه من المخلوق، لئلا يكون المخلوقُ أكملَ من الخالق». وتقييدُ الكمال بكونه (لا نقص فيه) احترازٌ من بعض الكمالات التي يوصف بها المخلوق وهي كمال في حقه، ولكنها تتضمن نقصاً، فالإنسانُ الذي يولد له؛ أكملُ من العقيم، والإنسانُ الذي يأكل الطعام؛ أكملُ من المريض الذي لا يأكل. ولكن هذا الكمال يستلزم نقصاً في المخلوق، فالولدُ يستلزم التجزؤ في الإنسان؛ لأن الولد جزء من الوالد، كما أنه يستلزم النظير، فالولدُ نظيرُ والده، ويستلزم الحاجة من وجه؛ كحاجته إليه في معونته مثلاً، كما أنَّ الأكل يستلزم الحاجة إلى الطعام. وكذلك كل ما تنزه عنه المخلوق من صفات النقص؛ فالخالقُ أولى بأن ينزه عنه.

стр. 236

فإذا كان المخلوقُ منزهاً عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم - كما سبق في ذكر المثل بموجودات الآخرة مع موجودات الدنيا (١) - فالخالقُ أولى ألَّا يماثل خلقه، وإنْ حصلت موافقة في الاسم، المتضمنة للاشتراك في المعنى العام الكلي المشترك، الذي هو مسمى الاسم عند الإطلاق. * * *

стр. 237

ضرب المثل بالروح، ومذاهب الناس فيها وهكذا القول في المثل الثاني؛ وهو: الروح التي فينا، فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوصُ أنها تَعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسَلُّ منه كما تسل الشعرة من العجين. والناس مضطربون فيها: فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءاً من البدن، أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: «إنها النَفَس أو الريح التي تتردد في البدن»، وقول بعضهم: «إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن». ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: «لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عَرَض»!. وقد يقولون: «إنها لا تُدرِك الأمورَ المعينةَ، والحقائقَ الموجودةَ في الخارج، وإنما تُدرِك الأمور الكلية المطلقة»!. وقد يقولون: «إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة»!.

стр. 238

وربما قالوا: «ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها»، مع تفسيرهم للجسم بما يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها، ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تُلْحِقها بالمعدوم والممتنع. يذكر الشيخ هنا المثل الثاني المضروب في الرد على نفاة الصفات فيمثل بالروح التي فينا، والتي جعلها الله قواماً لأبداننا، فالإنسانُ مُكَوَّنٌ مِنْ روح وبدن، ولا قيمة للبدن بلا روح. أما الروحُ؛ فهي: كائنٌ، موجود، قائم بنفسه، فلا تفتقر في وجودها إلى البدن، بدليل أنها تنفصل من البدن ويكون لها شأن بعد فراقها البدن. (وهذه الروح جاء وصفها بصفات ثبوتية وسلبية، فقد أخبرت النصوص أنها تَعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسل منه كما تسل الشعرة من العجين). فهذه الروح التي فينا رغم قربها واتصالها بنا، فالناس مختلفون فيها ومضطربون في شأنها اضطراباً عظيماً يصل إلى التناقض (١)، ويلخص الشيخ مواقفهم في ثلاثة اتجاهات:

стр. 239

الأول: طوائف من أهل الكلام: جعلوا الروح من جنس الأجسام المشاهدة، وعبَّروا عن ذلك بعبارات مختلفة؛ منها: ١ - البدن. ٢ - جزء من البدن. ٣ - صفة من صفات البدن، أي: عَرَض. ٤ - النَفَس. أي: ما يحصل بعملية التنفس من تردد الهواء في البدن. ٥ - المزاج. أي: مجموع الطبائع في ذات الإنسان. وكلُّ هذه العبارات التي ذكرها أهل الكلام في الروح؛ باطلةٌ، لا تعبر عن حقيقتها، وهي مخالفة لما جاء في النصوص من صفاتها، فالروحُ ليستْ هي البدن، وليست جزءاً منه؛ كالكبد والطِّحال، وليست صفة من صفاته؛ كالطول، والبياض، وليست هي النَفَس الداخل إلى البدن والخارج منه، وليست هي المزاج؛ بل هي شيء آخر، جاء وصفه في النصوص الشرعية، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وكما يأتي شيء من ذلك إن شاء الله. الثاني: قول طوائف من الفلاسفة، وهو قول مناقضٌ لقول أهل الكلام، فقد وصفوا الروح بضد ما توصف به الأجسام المشاهدة، فوصفوها بما يصفون به واجب الوجود من الصفات السلبية؛ بل بسلب النقيضين، مما لا يتصف به إلا المعدوم والممتنع.

стр. 240

فيقولون في الروح؛ إنها: (لا داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عَرَض)!. وقد يقولون: (إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة)!، ونحو ذلك من العبارات التي نجدُ أنَّ بعضها مقاربٌ لبعضٍ في المعنى، وأكثرُها دالةٌ على سلب النقيضين، مما لا يوصف به إلا المعدوم، الممتنع. وقد يقولون: إن الروح «لا تدرِك الأمور المعينةَ والحقائقَ الموجودة في الخارج» - أي: أنها لا تدرك شيئاً من الموجودات المشاهدة -، «وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة». أي: المعاني الكلية التي لا توجد إلا في الذهن؛ كالمعنى المفهوم من كلمة: «إنسان»، أو «حيوان»، أو «وجود»، ونحو ذلك من المعاني الكلية المشتركة. ويلاحظ أن هذا القول؛ هو في المعنى: نَفْسُ قولهم: «إن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات»!، وهذا المعنى باطل؛ فإن الروح حقيقة قائمة بنفسها، ولها إدراك. وبهذا يتبين أن حقيقة مذهب الفلاسفة؛ إنكار الروح، وإن زعموا أنهم يُقِرون بها؛ لأنهم وصفوها بما يمتنع وجوده. الثالث: من الأقوال في الروح: القول الحق؛ وهو: «أن الروح حقيقة موجودة قائمة بنفسها، موصوفة بصفات»، مثل: أنها تذهب وتجيء، وتصعد وتهبط، وتُقبض وتُرسل، وتُنَعَّم وتُعَذَّب، وهي:

стр. 241

عالمة، وقادِرة، وسميعة، وبصيرة، وغير ذلك مما جاء من صفاتها في النصوص، وهي مع ذلك مغايرة في حقيقتها للأجسام المشهودة (١). * * *

стр. 242

وإذا قيل لهم: «إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل». قالوا: «بل هذا ممكن، بدليل أن الكليات موجودة وهي غير مشار إليها». وقد غفلوا عن كونِ الكلياتِ لا توجدُ كليةً إلا في الأذهان لا في الأعيان، فيعتمدون فيما يقولونه في المبدإ والمعاد على مثل هذا الخيال، الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال. يعني: إذا قيل لهؤلاء الفلاسفة: «إن وصفكم الروح بهذه الصفات ممتنع، فليس هناك موجود موصوف بسلب النقيضين». قالوا: «إن هذا ليس بممتنع بدليل أن الكليات موجودة وهي غير مشار إليها». والرد عليهم أنَّ الكلياتِ - أي: المعاني الكلية - لا توجدُ كليةً إلا في الذهن، ولا يمكن أنْ توجد في الخارج؛ إلا ممثلة في: الأجزاء، والأفراد، والأعيان. وهؤلاء الفلاسفة إنما يعتمدون فيما يقولونه في المبدإ والمعاد على مثل هذه الخيالات والأقوال المتناقضة التي لا يخفى فسادها على غالب الجهال؛ فضلاً عن العقلاء، والعلماء.

стр. 243

واضطرابُ النفاة والمثبتة في الروح كثيرٌ، وسبب ذلك أن الروح - التي تُسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة - ليست هي من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها؛ بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس. فصار هؤلاء لا يُعرِّفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة، وكِلا القولين خطأ. يبيِّن الشيخ هنا سبب كثرة اضطراب الناس في الروح من المثبتين والنفاة، ويدخل في المثبتين: أهل الكلام، وأما النفاة؛ فهم: الفلاسفة الذين يسمون الروح بالنفس الناطقة. فيَذكرُ أنَّ سبب ذلك الاضطراب: (أن الروح ليست من جنس البدن، ولا من جنس العناصر) - يعني الأصول التي تتكون منها الأشياء -، ولا من جنس (المولدات) الناشئة عن العناصر؛ (بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس)، ولذلك اضطرب فيها المنحرفون عن منهج الرسل.

стр. 244

فمنهم من لا يُعرِّفها إلا بالسلوب؛ وهم: الفلاسفة، ومنهم مَنْ يجعلها (من جنس الأجسام المشاهدة)؛ كما هو مذهب طوائف من أهل الكلام. وكلا القولين خطأٌ، أي: قول من يجعل الروح من جنس الأجسام المشاهدة، وقول من لا يصفها إلا بالسلوب المستلزمة لامتناع وجودها. * * *

стр. 245

هل الروح جسم؟ وإطلاق القول عليها بأنها جسم، أو ليست بجسم، يحتاج إلى تفصيل، فإن لفظ «الجسم» للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي. فإن أهل اللغة يقولون: «الجسم؛ هو: الجسد والبدن». وبهذا الاعتبار؛ فالروح ليست جسماً، ولهذا يقولون: «الروح، والجسم»، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وأمَّا أهلُ الكلام؛ فمنهم من يقول: «الجسم؛ هو: الموجود»، ومنهم من يقول: «هو القائم بنفسه»، ومنهم من يقول: «هو المركب من الجواهر المنفردة»، ومنهم من يقول: «هو المركب من المادة والصورة». وكل هؤلاء يقولون: «إنه مشارٌ إليه إشارة حسية». ومنهم من يقول: «ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا، بل هو ما يشار إليه، ويقال: إنه هنا أو هناك».

стр. 246

فعلى هذا؛ إذا كانت الروح مما يشار إليه ويتبعه بصر الميت، كما قال النبي ﷺ : «إن الروح إذا خرج تبعه البصر» (١)، وأنها تقبض ويعرج بها إلى السماء؛ كانت الروح جسماً بهذا الاصطلاح. يذكر الشيخُ هنا مسألة: هل الروح جسم أو ليست بجسم؟ ويبين أن إطلاق القول بأنها جسم أو ليست بجسم: لا يصح؛ لأن الجسم له معنى في اللغة، كما أن له معاني اصطلاحية متعددة غير معناه اللغوي، ولهذا تعيَّن الاستفصال عن معناه المراد إثباته للروح؛ حتى يعلم مدى صحته، أو فساده. فالجسم في اللغة؛ هو: (الجسد والبدن)، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾)، وقال تعالى: (﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾)، وبهذا الاعتبار، وهذا المعنى لا يصح إطلاق الجسم على الروح؛ بل بينهما فرقٌ، ولهذا يقال: (الروح، والجسم). وأما الجسم في اصطلاح أهل الكلام فله عدة معانٍ؛ منها: ١ - الموجود. ٢ - القائم بنفسه. ٣ - ما يقبل الإشارة إليه (٢).

стр. 247

وهذه المعاني الثلاثة؛ تصدق على الروح، ويصح إطلاقها عليها. ٤ - المركَّب من الجواهر المنفردة، والجواهر المفردة؛ هي: «الأجزاء الصغيرة»، والجوهرُ الفرد - عندهم -؛ هو: «الجزء الذي لا يتجزأ»، وهذا القول باطل، ولا يصح إطلاقه على الروح لما يلي: أ - لعدم التسليم بقضية «الجوهر الفرد»، الذي يفسرونه بأنه الجزء الذي لا يتجزأ؛ فإن الجسم إذا قسمته أقساماً؛ فإنه لا يزال في هذه القسمة حتى ينعدم، أو يستحيل إلى شيء آخر، فلا يبقى فيه شيء مما يسمونه الجوهر الفرد (١). ب - أنه على فرض التسليم بصحة القول في الجوهر الفرد، وتركيب الأجسام منها؛ فإنه لا يصح إطلاقه على الروحِ، وعالَمِ الغيبِ؛ مثل: الملائكةِ، والجنِ. ٥ - المركب مِنْ المادة والصورة، أو الهَيُوْلَى والصورة، والهَيُوْلَى؛ هي: «مادة الشيء، وأصله الذي يركب منه» (٢)، وهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الروح، فاللهُ أعلم بحالها، وهي من عِلم الغيب، ولا يجوز التكلم به إلا بدليل.

стр. 248

تنبيهات: الأول: عرَّف ابنُ القيم الروح؛ بأنها: «جسمٌ مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، والدهن في الزيتون، والنار في الفحم» (١). هذا التعريف يَرِد عليه أمورٌ؛ منها: ١ - قوله؛ إنها: «جسم»، هذا يَرد عليه ما تقدم من أن: إطلاق الجسم على الروح يحتاج إلى تفصيل؛ لتعدد معانيه. ٢ - قوله: «نوراني علوي»: هذا يصدق على روح المؤمن، أما الروح الخبيثة؛ فهي مظلمة سافلة. ٣ - قوله: «خفيف»، هذا من التكلم في الغيب. الثاني: لقائل أن يقول: لماذا الخوض في معاني الروح، وأقوالِ أهل البدع فيها، والله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]؟ والجواب عن هذا من وجهين: الأول: أن الروح في الآية اختلف في المراد بها على أقوال (٢): فقيل المراد بها: «جبريل». وقيل: «ملك آخر عظيم». وقيل؛ بل المراد بها: «الوحي». وقيل المراد بها: «الروح التي تقوم عليها الحياة؛

стр. 249

وهي: الروح التي فينا». فالآية محتملة، و «إذا وقع الاحتمال؛ بطل الاستدلال» (١). وإذا كان الراجح في معنى الروح في الآية أنها التي بها الحياة؛ فليس في الآية نهي عن إجابة من سأل عنها، ومعنى قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من جملة ما أمر الله به، أي: الأمر الكوني، وكلُّ مخلوق؛ فهو كائن بأمر الله الكوني. الثاني: أن للكلام في الروح فائدتين: - إحداهما: معرفةُ الحق من الباطل في هذه المسألة، والرد على الأقوال الفاسدة فيها. - الثانية: معرفة ما جاء في النصوص عن الروح من صفات، فنعلم أن الروح محدثةٌ، وليست قديمة؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فكلُّ ما سوى الله مخلوق. وإذا قيل: «هل الروح تموت»؟ فيقال: «إن أريد بالموت: مفارقة البدن؛ فنعم بهذا الاعتبار، وإن أريد بالموت: عدمها من هذا الوجود، وذهاب حياتها بعد فراقها البدن؛ فالروح لا تموت بهذا المعنى».

стр. 250

ونجد في النصوص: أن الروح تُقبض وتُرسل؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]. كما نجد في النصوص: أن الروح تَهبط وتَصعد، وتُنَعَّم وتعذب، وغير ذلك من الصفات الواردة في النصوص الشرعية للروح. * * *
следующие страницы →