← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فعلى هذا؛ إذا كانت الروح مما يشار إليه ويتبعه بصر الميت، كما قال النبي ﷺ : «إن الروح إذا خرج تبعه البصر» (١)، وأنها تقبض ويعرج بها إلى السماء؛ كانت الروح جسماً بهذا الاصطلاح. يذكر الشيخُ هنا مسألة: هل الروح جسم أو ليست بجسم؟ ويبين أن إطلاق القول بأنها جسم أو ليست بجسم: لا يصح؛ لأن الجسم له معنى في اللغة، كما أن له معاني اصطلاحية متعددة غير معناه اللغوي، ولهذا تعيَّن الاستفصال عن معناه المراد إثباته للروح؛ حتى يعلم مدى صحته، أو فساده. فالجسم في اللغة؛ هو: (الجسد والبدن)، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾)، وقال تعالى: (﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾)، وبهذا الاعتبار، وهذا المعنى لا يصح إطلاق الجسم على الروح؛ بل بينهما فرقٌ، ولهذا يقال: (الروح، والجسم). وأما الجسم في اصطلاح أهل الكلام فله عدة معانٍ؛ منها: ١ - الموجود. ٢ - القائم بنفسه. ٣ - ما يقبل الإشارة إليه (٢).

стр. 247

وهذه المعاني الثلاثة؛ تصدق على الروح، ويصح إطلاقها عليها. ٤ - المركَّب من الجواهر المنفردة، والجواهر المفردة؛ هي: «الأجزاء الصغيرة»، والجوهرُ الفرد - عندهم -؛ هو: «الجزء الذي لا يتجزأ»، وهذا القول باطل، ولا يصح إطلاقه على الروح لما يلي: أ - لعدم التسليم بقضية «الجوهر الفرد»، الذي يفسرونه بأنه الجزء الذي لا يتجزأ؛ فإن الجسم إذا قسمته أقساماً؛ فإنه لا يزال في هذه القسمة حتى ينعدم، أو يستحيل إلى شيء آخر، فلا يبقى فيه شيء مما يسمونه الجوهر الفرد (١). ب - أنه على فرض التسليم بصحة القول في الجوهر الفرد، وتركيب الأجسام منها؛ فإنه لا يصح إطلاقه على الروحِ، وعالَمِ الغيبِ؛ مثل: الملائكةِ، والجنِ. ٥ - المركب مِنْ المادة والصورة، أو الهَيُوْلَى والصورة، والهَيُوْلَى؛ هي: «مادة الشيء، وأصله الذي يركب منه» (٢)، وهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الروح، فاللهُ أعلم بحالها، وهي من عِلم الغيب، ولا يجوز التكلم به إلا بدليل.

стр. 248

تنبيهات: الأول: عرَّف ابنُ القيم الروح؛ بأنها: «جسمٌ مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف، ينفذ في جوهر الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في الورد، والدهن في الزيتون، والنار في الفحم» (١). هذا التعريف يَرِد عليه أمورٌ؛ منها: ١ - قوله؛ إنها: «جسم»، هذا يَرد عليه ما تقدم من أن: إطلاق الجسم على الروح يحتاج إلى تفصيل؛ لتعدد معانيه. ٢ - قوله: «نوراني علوي»: هذا يصدق على روح المؤمن، أما الروح الخبيثة؛ فهي مظلمة سافلة. ٣ - قوله: «خفيف»، هذا من التكلم في الغيب. الثاني: لقائل أن يقول: لماذا الخوض في معاني الروح، وأقوالِ أهل البدع فيها، والله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]؟ والجواب عن هذا من وجهين: الأول: أن الروح في الآية اختلف في المراد بها على أقوال (٢): فقيل المراد بها: «جبريل». وقيل: «ملك آخر عظيم». وقيل؛ بل المراد بها: «الوحي». وقيل المراد بها: «الروح التي تقوم عليها الحياة؛

стр. 249

وهي: الروح التي فينا». فالآية محتملة، و «إذا وقع الاحتمال؛ بطل الاستدلال» (١). وإذا كان الراجح في معنى الروح في الآية أنها التي بها الحياة؛ فليس في الآية نهي عن إجابة من سأل عنها، ومعنى قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من جملة ما أمر الله به، أي: الأمر الكوني، وكلُّ مخلوق؛ فهو كائن بأمر الله الكوني. الثاني: أن للكلام في الروح فائدتين: - إحداهما: معرفةُ الحق من الباطل في هذه المسألة، والرد على الأقوال الفاسدة فيها. - الثانية: معرفة ما جاء في النصوص عن الروح من صفات، فنعلم أن الروح محدثةٌ، وليست قديمة؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فكلُّ ما سوى الله مخلوق. وإذا قيل: «هل الروح تموت»؟ فيقال: «إن أريد بالموت: مفارقة البدن؛ فنعم بهذا الاعتبار، وإن أريد بالموت: عدمها من هذا الوجود، وذهاب حياتها بعد فراقها البدن؛ فالروح لا تموت بهذا المعنى».

стр. 250

ونجد في النصوص: أن الروح تُقبض وتُرسل؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]. كما نجد في النصوص: أن الروح تَهبط وتَصعد، وتُنَعَّم وتعذب، وغير ذلك من الصفات الواردة في النصوص الشرعية للروح. * * *

стр. 251

إيضاح ضرب المثل بالروح والمقصود: أنَّ الروحَ إذا كانت موجودة، حية، عالمة قادرة، سميعة، بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفاتِ، والعقولُ قاصرةٌ عن تكييفها وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيراً، والشيءُ إنما تدرك حقيقته؛ إما بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره. فإذا كانتِ الروحُ متصفةً بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات؛ فالخالق أَولى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته. وأهلُ العقولِ؛ هم أعجزُ عن أنْ يَحُدُّوه أو يكيفوه منهم عن أنْ يحدوا الروح أو يكيفوها. فإذا كان مَنْ نفى صفات الروح؛ جاحداً معطلاً لها، ومن مثَّلها بما يشاهده من المخلوقات؛ جاهلاً ممثلاً لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات؛ فالخالق أَولى أن يكون مَنْ نفى صفاته جاحداً معطلاً، ومَن قاسه بخلقه جاهلاً به ممثِّلاً، وهو سبحانه ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق لما له من الأسماء والصفات.

стр. 252

بعد أن عرضَ الشيخُ أقوالَ الناس في الروح واضطرابهم فيها، وذكر سبب اضطرابهم، وحُكْمَ إطلاق اسم «الجسم» على الروح نفياً أو إثباتاً، بعد هذا الاستطراد الذي لا بد منه: يَصل إلى المقصود الذي به إيضاح وجه الاستشهاد بالمثل الثاني؛ الذي هو: الروح. وبيان ذلك: أن الروح الموصوفة بأنها موجودة، وحية، وعالمة، وقادرة، وسميعة، وبصيرة، وتصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات، إذا كانتِ العقولُ قاصرةً وعاجزة عن تكييفها وتحديديها، والسبب في ذلك: عدم مشاهدتها، أو مشاهدة نظير لها، والشيء إنما تدرك حقيقته؛ إما بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره. وإذا كانت تلك الروح الموصوفة بتلك الصفات مباينة لما هو مشاهد من الأجسام المخلوقة، وليست مماثلة لها، والعقولُ عاجزة عن تكييفها وإدراك حقيقتها؛ فالخالق أَولى بمباينته لمخلوقاته - مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته -؛ من مباينة الروح لما سواها من المخلوقات. (وأهلُ العقول أعجزُ عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها)، وهذا من باب قياس الأولى. وهذا المثل يمكن أن يُردَّ به على أهل التكييف، وأهل التعطيل؛ فيرد به على أهل التكييف القائلين بتماثل صفات الخالق والمخلوق؛ لتوافقها في الاسم.

стр. 253

ويُرد به على أهل التعطيل النافين لصفات الله تعالى بحجة أن إثبات صفات الله تعالى الموافقة في الاسم لصفات خلقه؛ يلزم منه التمثيل. فيردُّ على الجميع بأن هذه الروح الموصوفة بما توصف به الأجسام المشاهدة من الوجود، والقبض، والإرسال، والصعود، والنعيم، والعذاب وغير ذلك، هذه الروح موصوفة بهذه الصفات حقيقة، وهي مباينة لما سواها من المخلوقات، ولا يلزم من وصفها بما توصف به الأجسام المشاهدة؛ أن تكون مماثلة لها. وإذا كانت هذه المباينة حاصلة بين المخلوق الموصوف والمخلوق؛ فالخالقُ أعظمُ مباينة لخلقه بما يستحقه من الصفات من مباينة المخلوق للمخلوق. وإذا كانتِ العقولُ عاجزةً عن إدراك حقيقة هذه الروح وتكييفها؛ فهي أعجز عن دَرْكِ حقيقة الباري تعالى، وتكييفه. (وإذا كان مَنْ نفى صفاتِ الروحِ جاحداً معطلاً لها)؛ وهم: الفلاسفة، (ومَن مثَّلها بما يشاهده مِنَ المخلوقات جاهلاً ممثِّلاً لها بغير شكلها)؛ وهم: أهل الكلام، (وهي مع ذلك: ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات)؛ فلا يُغيِّر غلط الغالطين فيها من الحقيقة شيئاً. (فالخالقُ ؛ أَوْلَى أن يكون مَنْ نفى صفاتِه جاحداً معطلاً، ومَن قاسه بخلقه جاهلاً به ممثِلاً، وهو سبحانه ثابتٌ بحقيقة الإثبات،

стр. 254

مستحقٌ لما له من الأسماء والصفات)، فلا يُغيِّر مذهب أهل التعطيل، ولا مذهب أهل التمثيل ممَّا يجب لله تعالى من الإثبات والتنزيه شيئاً. * * *

стр. 255

الله موصوف بالنفي والإثبات فصل وأمَّا الخاتمةُ الجامعةُ؛ ففيها قواعد نافعة: القاعدة الأولى أنَّ اللهَ سبحانه موصوف بالإثبات والنفي. فالإثبات؛ كإخباره أنه: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]، و: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١)﴾ [الملك: ١]، وأنه: ﴿سَمِيعٌ بَصِير (٦١)﴾ [الحج: ٦١]، ونحو ذلك، والنفي كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. تقدم ذِكر الأصلينِ والمثلينِ، وهذه هي الخاتمة الجامعة، التي وعد بها الشيخ، وهي تشتمل على سبع قواعد، وهذه القواعد أطول مما سبق. وهذه القاعدة: شرعية، وعقلية. فهي شرعية لدلالة النصوص عليها، كما في سورة الإخلاص، ففيها إثبات، ونفي؛ فالإثبات في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)

стр. 256

اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾، والنفي في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فهذا نفي، وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى] إثبات. فتجد في النص الواحد والآية الواحدة: نفياً وإثباتاً، وكما في آية الكرسي ففيها إثبات، ونفي. وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه] نفي، وهكذا. فمنهج الرسل في صفات الله تعالى مشتمل على النفي، والإثبات؛ النفي المجمل لصفات النقص والعيب، والإثبات المفصل لصفات الكمال (١). وهذه القاعدةُ عقلية؛ لأن المدح والكمال؛ إنما يكون بإثبات المحامد ونفي النقائص، وفي هذا رد على المعطلة، الذين لا يصفون الله إلا بالسلوب، دون إثبات لصفات الكمال. كما أن في هذا رداً على اليهود، وعلى الذين يصفون الله بصفات النقص، وفيها رد على الممثلة الذين يصفون الله بمثل صفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقول المؤلف: (إن الله سبحانه موصوف بالإثبات) أي: إثبات صفات الكمال. وقوله: (والنفي) أي: نفي النقائص والعيوب.

стр. 257

وينبغي أنْ يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ إلا إذا تضمن إثباتاً، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأنَّ النفيَ المحضَ عدمٌ محضٌ، والعدمُ المحضُ ليس بشيء، وما ليس بشيء؛ هو كما قيل: ليس بشيء، فضلاً عن أن يكون مدحاً أو كمالاً. ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع؛ لا يوصف بمدح ولا كمال. النفي لا يكون مدحاً؛ إلا إذا تضمن إثباتَ كمالٍ. فالنفيُ نوعانِ: نفيٌ محضٌ، ونفيٌ غيرُ محضٍ. فالنفيُ المحض ليس بمدح؛ لأنه عدمٌ محض، والعدمُ المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء؛ فليس بشيء، فضلاً عن أن يكون مدحاً أو كمالاً. وأما النفيُ غير المحض؛ فهو المتضمن لإثبات الكمال. ووجه ضلال المعطلة، الذين يصفون الله بالنفي المحض أو بالسلوب: أنهم اقتصروا على وصف الله تعالى بصفات السلب فقط، ولم يثبتوا له صفات الكمال، ومعلوم أن السلب المحض ليس بشيء؛ (ولهذا يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال).

стр. 258

النفي الذي يدخل في صفات الله تعالى فلهذا كان عامةُ ما وصف الله به نفسه من النفي متضمناً لإثبات مدح؛ كقوله: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]. فنفي السِّنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم. وكذلك قوله: ﴿يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: لا يَكْرِثُهُ ولا يُثْقِلُه، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر؛ إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ: ٣] فإن نفي العزوب مستلزم لعلمه بكلِّ ذرة في السموات والأرض. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوب (٣٨)﴾ [ق] فإنَّ نفيَ مسِّ اللغوبِ - الذي هو: التعب والإعياء -؛ دلَّ على كمال القدرة، ونهاية القوة، بخلاف المخلوق الذي يلحقه مِنَ النصب والكلال ما يلحقه.

стр. 259

يجبُ أنْ يُعلم أنَّ كلَّ ما وصف الله به نفسه من النفي؛ متضمنٌ لإثبات كمال ضده، وليس في شيء ممَّا وصف الله به نفسه نفي محض. ومِن ذلك قوله تعالى في آية الكرسي: (﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾)، فنفى عن نفسه: السِّنةَ والنَّومَ، والسِّنةُ: بداية النَّومِ، والنَّومُ معروف، وهو أخو الموت؛ لكنه دونه. ونفي السنة والنوم؛ يتضمن كمال الحياة والقيومية، فحياته لا يعتريها نقص، وقيوميته كذلك. فالله تعالى نزه نفسه عن السنة، والنوم، والموت، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وفي ذلك تأكيد لكمال حياته. والله تعالى قائم بنفسه، وعلى كل نفس بما كسبت، فلا قيام للوجود إلا به، وهو لا يغفل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِين (١٧)﴾ [المؤمنون: ١٧]. وهو سبحانه (﴿لَا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي: لا يَكْرِثُهُ) حفظ العالَم العلوي والعالَم السفلي، فلا يلحقه بسببه مشقة ولا ثقل. وهذا يدل على كمال قوته، وأنها لا يعتريها ضعف ولا مشقة، كما يعتري قوة المخلوق.

стр. 260

وكذلك النفي في قوله تعالى: (﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٣)﴾) يتضمن كمال علمه بكل شيء. وقوله تعالى: (﴿لَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ (٣٨)﴾) هذه الآية نزلت لما قال اليهود: «إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، واستراح بعد ذلك» (١)، أي: أنه لحقه التعب والإعياء؛ فاستراح، فرد الله تعالى عليهم ذلك بقوله: (﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ (٣٨﴾). وكلمة: (﴿لُّغُوبٍ﴾) نكرةٌ واقعة في سياق النفي المتصل ب «مِنْ» مما يؤكد أنه سبحانه لم يلحقه أي لغوب. واللغوبُ نقصٌ في الجهد، ونفي اللغوب عن الله مطلقاً؛ يدل على كمال قدرته، ونهاية قوته، وكيف يلحقه لغوبٌ، وهو الذي إذا أراد شيئاً؛ فإنما يقول له كن فيكون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٤٠)﴾ [النحل]، ولو شاء الله تعالى لخلق السموات والأرض وما بينهما في لحظة، ولكن له حِكمة في ذلك (٢)، خلقها في ستة أيام: قيل: «إنها كأيامنا»، وقيل: «إنها أيام طويلة، أي: كل يوم ألف سنة» (٣).

стр. 261

وهما قولان للمفسرين، والأقرب لظاهر القرآن أنها كأيامنا: الأحد،

стр. 262

والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة. فنفيُ اللغوب متضمن لإثبات كمال القدرة ونهاية القوة، بخلاف قدرة المخلوق؛ فإنها محدودة، ويعتريها ضعف، وإعياء، ومَلَل، وحاجة إلى الراحة، وهكذا في جميع أنواع النفي عن الله تعالى، فهو متضمن لإثبات كمال الضد، وانظر - مثلاً - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] فنفي الظلم عن الله تعالى؛ يدل على كمال العدل، ولو لم يتضمن ذلك لم يكن مدحاً. وقد قال الشاعر (١) يذم قَبيلةً: قُبَيِّلَةٌ لا يغدرون بذمةٍ … ولا يظلمون الناسَ حبةَ خردلِ فتَرْكُهم للظلم مِنْ ضعفهم وعجزهم، وليس لعدلهم. واللهُ نزَّه نفسه عن الظلم، وهو قادر عليه، لكنه لا يفعله لكمال عدله، وليس لعجزه، ولا لكونه ممتنعاً لذاته.

стр. 263

وكذلك قوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، إنما نفى الإدراكَ؛ الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء، ولم ينفِ مجرد الرؤية؛ لأنَّ المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى؛ مدحٌ، إذ لو كان كذلك؛ لكان المعدوم ممدوحاً!. وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علماً؛ فكذلك إذا رُئي لا يحاط به رؤية. فكان في نفي الإدراك مِنْ إثبات عظمته ما يكون مدحاً وصفةَ كمال، وكان ذلك دليلاً على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليلٌ على إثباتِ الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها. دلت الآية على نفي إدراك الأبصار لله تعالى. وقد اختلف المفسرون في الآية على قولين (١): القول الأول: أن نفي الإدراك؛ يعني: نفي الرؤية بالأبصار. وهذا يحمل على أحد أمرين (٢):

стр. 264

١ - نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في الدنيا. ٢ - نفي رؤية الكفار لله تعالى بأبصارهم في الآخرة. وعلى هذا لا متعلَّق للمعتزلة بهذا التفسير، ولا يصح تفسيرهم للآية بأنها نفيٌ لرؤية الله تعالى بالأبصار مطلقاً. القول الثاني: - وهو قول أكثر أهل العلم، وهو الصحيح - أن الإدراك في اللغة العربية أخص من مطلق الرؤية، فقد تقول: رأيت، ولكن لا تقول: أدركت؛ لأن الإدراك يتضمن الإحاطةَ، فاللهُ تعالى يُرى ولكنه لا يدرَك، أي: لا يحاط به لكمال عظمته، كما أنه يُعلم ولا يحاط به علماً، وهذا هو المدح. أما القول بأنه لا يرى مطلقاً؛ فلا مدح فيه؛ لأن المعدوم لا يرى كذلك. وبهذا يُعلم أنَّ الآيةَ أدلُّ على إثبات الرؤية منها على نفيها، لكنها رؤية من غير إحاطة، فكانت الآية حجة على نفاة الرؤية مع غيرها من النصوص (١). * * *

стр. 265

وإذا تأملتَ ذلك: وجدتَ كلَّ نفي لا يستلزم ثبوتاً؛ هو ممَّا لم يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهاً محموداً؛ بل ولا موجوداً. وكذلك مَنْ شاركهم في بعض ذلك؛ كالذين قالوا: «إنه لا يتكلم، أو لا يرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستوِ على العرش»، ويقولون: «ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له»؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي صفة مستلزمة صفة ثبوت، ولهذا قال محمودُ بن سُبُكْتِكِيْن لمن ادعى ذلك في الخالق: «ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تثبته، وبين المعدوم؟». الذين لا يصفون الله تعالى إلا بالسُّلوب، أي: بالصفات السلبية؛ وهم: الفلاسفة والباطنية؛ لم يثبتوا إلهاً محموداً، أي: يستحق الحمد والثناء؛ لأن السلوب المحضة لا مدح فيها؛ لأنه ليس في السلب المجرد إثباتُ شيءٍ من صفات الكمال؛ بل لم يثبتوا موجوداً؛ لأن سلب جميع الصفات: يستلزم نفي الذات.

стр. 266

وهذا الكلام ينطبق على المعتزلة؛ لأنهم هم الذين يقولون: «إن الله تعالى لا يُرى، ولا يتكلم» … إلخ، ومثل ذلك: يوصف به الجماد، أو الناقص. وقد استشهد الشيخ بقول الملك العادل محمود بن سُبُكْتِكِيْن (١) للمعطل: (ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تثبته، وبين المعدوم؟) (٢)، وهذا إلزام مفحم لكل من ادعى في الخالق أنه: «لا يُرى، ولا يتكلم، وليس فوق العرش»؛ لأن السَّلبَ المحضَ وصفٌ للمعدوم، وليس فيه إثبات لموجود. * * *

стр. 267

ما يلزم المعطلة الذين لا يصفون الله إلا بالسلوب من التنقص لله وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل؛ ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال؛ بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفاتُ منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجماد والناقص. فمن قال: «لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم»، فهو بمنزلة من قال: «لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له». الصفاتُ السلبية منها ما لا يُوصف به إلا الجماد والناقص، والناقصُ؛ كالإنسانِ العاجز، كنفي الكلام، والسمع، والبصر. ومنها ما لا يوصف به إلا المعدوم؛ مثل قولهم: «لا داخل العالم ولا خارجه»، وهذا القول ينطبق على المعتزلة، والأشاعرة. ويقصد الشيخ بذلك الموازنة بينهم وبين الباطنية، فمن قال من المعتزلة والأشاعرة: «إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه»؛

стр. 268

بمنزلة من قال: «إنه ليس بقديم ولا محدث، ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره»، وهم: الباطنية. * * *

стр. 269

ومَن قال: «إنه ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا متكلم»؛ لزمه أن يكون ميتاً، أصمَّ، أعمى، أبكمَ. هذا القائل إما أن يريد نفي الأسماء والصفات، أو نفي المعاني. وهذا الكلام يصدق على الفلاسفة والجهمية الذين لا يصفون الله بالصفات الثبوتية، ولا يصدق على الباطنية؛ لأنهم ينفون النقيضين. فمن قال: «إن الله تعالى ليس بحي ولا سميع ولا بصير»؛ لزمه أن يقول: «إن الله تعالى ميتٌ، وأصمُّ، وأعمى»، وهذا وصف بالنقائص؛ فيكون باطلاً، وفي هذا رد على أصل منهجهم. أما ما سبق من أن نفي الصفات يستلزم التشبيه بالمعدوم؛ فهو رد على شبهتهم في زعمهم أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه. * * *

стр. 270

اعتذار المعطلة عن إلزامهم وصف الله بالعمى .. ، والجواب عنه بأربعة أوجه فإن قال: «العمى عَدَمُ البصرِ عمَّا من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر؛ كالحائط، لا يقال له: أعمى ولا بصير». هذا اعتذار من الجهمية نفاة الأسماء والصفات لما قيل لهم: «إن نفيكم صفات الكمال عن الله تعالى؛ يلزم منه اتصافه بضدها من صفات النقص». قالوا: «إن هذا يلزم لو كان النفي عمَّا من شأنه أن يقبل الاتصاف بهذه الصفات وضدها؛ كالبصر والعمى، والسمع والصمم؛ بالنسبة للإنسان، أما إذا نُفيت عمَّا لا يقبل الاتصاف بها؛ فلا يلزم من نفيها اتصافه بضدها أو نقيضها؛ لأنه لا يلزم من نفي ذلك؛ اتصافه بالصمم والعمى، كما لا يلزم من نفي الحياة عنه اتصافه بالموت». فتضمن قولهم ذلك: أن الله تعالى لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال، فلا يلزم من نفيها عنه؛ اتصافه بضدها من النقائص؛ لأنه - بزعمهم - غير قابل لذلك كله. والشيخ هنا يرد على الجهمية نفاة الأسماء والصفات.

стр. 271

ويجيب عن اعتذار الجهمية هنا بأربعة أجوبة. الجواب الأول، والثاني ب: المنع، والمعارضة. والجواب الثالث، والرابع: على فرض التسليم. * * *

стр. 272

قيل له: «هذا اصطلاحٌ اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة، والسمع، والبصر، والكلام؛ يمكن وصفه بالموت، والعمى، والخرس، والعجمة». وأيضاً: «فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإنَّ الله قادرٌ على جعل الجماد حياً؛ كما جعل عصا موسى حية، ابتلعت الحبال والعصي». هذان جوابان من الأجوبة الأربعة، وهما مبنيان على المنع. فالجواب الأول: يقال: إن القول بأن ما لا يقبل الاتصاف بالحياة - مثلاً - لا يوصف بالموت كالجدار؛ إن هذا اصطلاح اصطلحتموه. والاصطلاحاتُ اللفظية؛ لا تنفي الحقائق العقلية؛ فليس في المعقول أنَّ ما لا يوصف بالحياة، والسمع، والبصر؛ يمتنع وصفه بالموت، والصمم، والعمى. الجواب الثاني: أن يقال لهم: لا نسلم بأن شيئاً من الموجودات لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات؛ بل كل موجود يقبلُ الاتصاف بهذه الصفات ونقائضها،

стр. 273

فالجدار لا نقول: «إنه لا يقبل الاتصاف بالحياة والسمع والبصر»؛ لأن كلمة «لا يقبل» تعني: المستحيل - أي الممتنع لذاته - واللهُ تعالى قادر على أن يجعل الجماد حياً. وقدرةُ الرب نافذة وشاملة، (كما جعل عصا موسى) - وهي جماد -: (حية ابتلعت الحبال والعصي)؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُون (١١٧)﴾ [الأعراف]؛ فصارت ثعباناً بمجرد إلقائها، كما قال تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِين (١٠٧)﴾ [الأعراف]، وكذلك الطين الجماد الذي يعمله عيسى ﵇ يكون طيراً حياً بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ [المائدة: ١١٠]. * * *

стр. 274

وأيضاً: «فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظمُ نقصاً ممن يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى، ولا الكلام ولا الخرس؛ أعظم نقصاً من الحي الأعمى الأخرس». فإذا قيل: «إن الباري لا يمكن اتصافه بذلك»، كان في ذلك من وصفه بالنقص؛ أعظم مما إذا وصف بالخرس، والعمى، والصمم، ونحو ذلك، مع أنه إذا جُعل غير قابل لهما؛ كان تشبيهاً له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما، وهذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات، فكيف يُنكِر من قال ذلك على غيره ما يزعم أنه تشبيه بالحي؟! بعد أن ذكر الشيخ جوابين بالمنع: ذكر الجوابينِ الآخرَينِ المبنيين على فرض التسليم، وهما: الثالث والرابع. فالجواب الثالث: أن يقال: ما لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات؛ أعظمُ نقصاً من القابل لها مع اتصافه بنقائضها؛ فالجدار الذي لا يقبل الاتصاف بشيء من هذه الصفات - على حد زعمهم -؛ أعظم نقصاً من القابل لها مع اتصافه بنقائضها؛ كالإنسان: الأعمى، والأخرس، والأصم.

стр. 275

فالجدارُ أعظمُ نقصاً من هذا الإنسان الناقص، لأن الجدار - على زعمهم - لا يقبل الاتصاف بالكمال، فالاتصاف بصفات الكمال من الأمور المستحيلة بالنسبة للجدار، لكن الإنسان، الأصم، الأعمى، الأخرس؛ يقبل الاتصاف بصفات الكمال، وما يَقبل الكمالَ أكملُ مما لا يقبل. ثم على قولهم: «إن الله تعالى لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال»؛ فيه تشبيه لله تعالى بالجمادات - على زعمهم بأن الجماد لا يقبل الاتصاف بمثل: الكلام، والسمع، والبصر -. فكيف يُنْكِر مَنْ قال هذا على غيره - ممن يثبت لله صفات الكمال - زاعماً أنها تشبيه بالحي؟! فالتشبيهُ بالأحياء - لو فُرض -؛ خيرٌ من التشبيه بالجمادات. * * *

стр. 276

وأيضاً؛ فنفسُ نفي هذه الصفات نقصٌ، كما أن إثباتها كمالٌ، فالحياةُ من حيث هي، هي - مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها - صفةُ كمال. وكذلك العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والفعل، ونحو ذلك. وما كان صفة كمال؛ فهو ؛ أحق بأن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به؛ لكان المخلوقُ أكملَ منه. الجواب الرابع: على فرض أن العمى عدمُ البصر عمَّا مِنْ شأنه أن يقبل البصر، وأن عدم الحياة في الجدار لا يسمى موتاً؛ فإن نفي صفات الكمال نقصٌ، كما أن إثباتها كمال. فنفي الحياة نقص؛ وإن لم يسمَّ في حق الجدار موتاً، ونفي السمع في حق الجدار نقص؛ وإن لم يسمَّ صمماً. فالحياة من حيث هي، هي صفة كمال، بغض النظر عن الموصوف بها، سواء كان الرب أو الإنسان، وكذا باقي صفات الكمال. ونفيها نقص؛ لأن مجرد نفي الكمال نقص.

стр. 277

فإذا كانت الصفة من حيث هي، هي صفة كمال والمخلوق متصف بها، والخالق غير متصف بها؛ لزم من ذلك أن يكون المخلوقُ أكملَ من الخالق، وهذا ظاهرُ الفساد؛ لأن المخلوق لا يكون أفضل من الخالق (١). * * *

стр. 278

موازنة بين مَنْ يصفه تعالى بسلب النقيضين ومن يصفه بالنفي فقط واعلم أن الجهمية المحضة - كالقرامطة ومَن ضاهاهم -؛ ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين، حتى يقولوا: «ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي». ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنعٌ في بدائه العقول، كالجمع بين النقيضين. وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: «ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير». وهؤلاء أعظمُ كفراً من أولئك من وجه، وأولئك أعظمُ كفراً من هؤلاء من وجه. فإذا قيل لهؤلاء: «هذا يستلزم وصفه بنقيض ذلك كالموت، والصمم، والبكم». قالوا: «إنما يلزم ذلك لو كان قابلاً لذلك». وهذا الاعتذار يزيد قولهم فساداً.

стр. 279

يوازن الشيخ هنا بين نوعين من النفاة. فالطائفة الأولى: الجهمية المحضة - وهم غلاة الغلاة - الذين ليس عندهم شائبة إثبات، وهم الذين يصفون الله تعالى بسلب النقيضين، فيقولون: (ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي)، فيصفون الله بالنفي، ونفي النفي. وقولهم: (ليس بموجود ولا ليس بموجود)؛ يساوي قولهم: «لا موجود ولا معدوم»؛ لأن جملة ليس بموجود، بمعنى: معدوم، ووصفهم لله تعالى بذلك ممتنعٌ في بداهة العقول، كالجمع بين النقيضين، وسلب النقيضين، وهؤلاء هم: الباطنية. والطائفةُ الثانية: الذين يصفون الله تعالى بالنفي فقط، فيقولون: (ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير)، وضلالُ هؤلاء يظهر من وجهين: أحدهما: أن سلب صفات الكمال عن الله تعالى؛ يلزم منه اتصافه بضدها من النقائص. الثاني: زعمهم في الرد على هذا الإلزام أن الله تعالى غيرُ قابل للاتصاف بهذه الصفات، ولا ضدها. وقول الشيخ: (وهؤلاء أعظم كفراً من أولئك من وجه، وأولئك أعظم كفراً من هؤلاء من وجه) يريد بإشارة القريب: الذين يصفون الله بالنفي فقط، وهم: الجهمية.

стр. 280

وبإشارة البعيد: الباطنية، الذين يصفون الله بسلب النقيضين، وأنَّ كلاً من الطائفتين أكفر من الأخرى من وجه؛ فالجهمية أكفر من الباطنية من جهة أنهم لم يصرحوا بنفي النقائص، والباطنية أكفر من الجهمية من جهة أنهم وصفوه بسلب النقيضين، وهو ممتنع. وقول الشيخ: (وهذا الاعتذار يزيد قولهم فساداً) تفصيله ما تقدم في الجواب الثالث والرابع. * * *

стр. 281

وكذلك من ضاهى هؤلاء؛ وهم الذين يقولون: «ليس بداخل العالم ولا خارجه»؛ إذا قيل لهم: «هذا ممتنع في ضرورة العقل»، كما إذا قيل: «ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه، ولا قائم بغيره». قالوا: «هذا إنما يكون إذا كان قابلاً لذلك، والقبول إنما يكون مِنَ المتحيز، فإذا انتفى التحيز؛ انتفى قبول هذين النقيضين». يقصد الشيخ أن بعض مَنْ نفى العلو مِنْ الأشاعرة قد ضاهى بحجته الجهمية، وذلك بالاحتجاج على عدم امتناع ما ذهبوا إليه بقولهم: «إنه لا داخل العالم ولا خارجه» بعدم القبول. فإذا قيل لهم: قولكم: «لا داخل العالم ولا خارجه» ممتنع. قالوا: «إن هذا ليس بممتنع؛ لأنه تعالى ليس بقابل؛ فإن نفي هذين النقيضين إنما يمتنع في القابل لهما، والقبول إنما يكون من المتحيز، والله تعالى ليس بمتحيز؛ فلا يكون قابلاً لهما، فلا يمتنع نفيهما عنه». ويحتمل أن الشيخ يريد (بهؤلاء) طائفة الباطنية، وأن الذين قالوا: «إنه لا داخل العالم، ولا خارجه» قد ضاهوهم بسلب النقيضين. والأول أقرب.

стр. 282

فيقال لهم: عِلْمُ الخلقِ بامتناع الخلو من هذين النقيضين؛ هو: علم مطلق، لا يستثنى منه موجود. والتحيزُ المذكور؛ إن أريد به كونُ الأحياز الموجودة تحيطُ به؛ فهذا هو الداخل في العالم، وإن أريد به أنه منحازٌ عن المخلوقات - أي: مباينٌ لها، متميزٌ عنها -؛ فهذا هو الخروج. فالمتحيز يراد به تارة: ما هو داخل العالم، وتارة: ما هو خارج العالم، فإذا قيل: «ليس بمتحيز»، كان معناه: ليس بداخل العالم ولا خارجه. فهم غيَّروا العبارة؛ ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر، وهو المعنى الذي عُلِم فساده بضرورة العقل. كما فعل أولئك في قولهم: «ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل». رد الشيخ على اعتذارهم السابق بوصف الله تعالى بسلب النقيضين بأنه غير قابل؛ فلا يكون ممتنعاً؛ بجوابين: الأول: أن من المعلوم عند العقلاء، عِلماً عاماً لا يستثنى منه شيء: امتناعُ الخلو عن النقيضين، ومن ذلك: كون الموجود لا داخل العالم ولا خارجه، فتقسيمهم الموجودات إلى نوعين: موجودٍ غيرِ متحيز

стр. 283

لا يتمنع خلوه عن هذين النقيضين، وموجودٍ متحيزٍ يمتنع خلوه عن هذين النقيضين؛ تقسيم باطل. الثاني: أن المتحيز؛ إما أن يراد به ما تحيط به الأحياز، والأمكنة، والظروف الوجودية، وهذا هو الداخل في العالم. وإما أن يراد به المنحاز عن العالم، وهذا هو الخارج عنه. فإذا قالوا: (إنه ليس بمتحيز)، والتحيز يطلق على المعنيين السابقين؛ صار معناه: أنه لا داخل العالم ولا خارجه، فاحتجوا على الدعوى بالدعوى، فأصل دعواهم: أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، فلما قيل لهم: «إن هذا سلب للنقيضين، وهو ممتنع». قالوا: «إنما يكون ممتنعاً لو كان قابلاً، والله تعالى ليس بقابل؛ لأنه غير متحيز؛ فلا يكون ممتنعاً»، فاحتجوا على دعواهم بأنه لا داخل العالم ولا خارجه: بدعواهم بأنه غير متحيز، ومعنى: «غير متحيز» ليس بداخل العالم ولا خارجه، فالعبارتان معناهما واحد، وإنما غيروا العبارة إيهاماً لمن لا يفهم حقيقة قولهم بأن معنى: (ليس بمتحيز): «لا داخل العالم ولا خارجه». فكأنهم قالوا: «إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، وليس هذا بممتنع؛ لأنه لا داخل العالم ولا خارجه»! وقوله: (وهو المعنى الذي عُلِم فساده بضرورة العقل). يريد أن قولهم: (ليس بمتحيز) هو نفس المعنى الفاسد الذي علم فساده بضرورة العقل، وهو قولهم: (لا داخل العالم ولا خارجه)، كما

стр. 284

فعل أولئك الباطنية في قولهم: (إنه ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل) فكل ذلك من قبيل سلب النقيضين. وبهذا انتهى الكلام عن هذه القاعدة التي أصلها: أن الله تعالى موصوف بالإثبات والنفي، وأن ذلك موجَب العقل والسمع، وأن الله موصوف بإثبات الكمالات ونفي النقص، وأن النفي الذي يوصف به هو النفي المتضمن لإثبات الكمال، فما لا يتضمن إثبات كمال من النفي؛ فإنه نقص. * * *

стр. 285

الواجب فيما يوصف الله به مما جاء في الكتاب والسنة، وما تنازع الناس فيه من الألفاظ المحدثة القاعدة الثانية أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه، أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة؛ وجب على كل مؤمن: الإيمان به، وإن لم يُفهم معناه. وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصاً في الكتاب والسنة، متفقاً عليه بين سلف الأمة. يبين الشيخ هنا حكم ما يُذكر من الألفاظ في صفات الله تعالى، فما ورد منها في الكتاب والسنة؛ وجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه، أو لم نعرف معناه. وقوله: (وإن لم يُفهم معناه) ليس المقصودُ أنَّ شيئاً مما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى لا يُفهم معناه، ولكن المقصود: أن الناس يتفاوتون في أفهامهم، فبعض الناس قد لا يفهم معنى بعض
следующие страницы →