← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وكذلك من ضاهى هؤلاء؛ وهم الذين يقولون: «ليس بداخل العالم ولا خارجه»؛ إذا قيل لهم: «هذا ممتنع في ضرورة العقل»، كما إذا قيل: «ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه، ولا قائم بغيره». قالوا: «هذا إنما يكون إذا كان قابلاً لذلك، والقبول إنما يكون مِنَ المتحيز، فإذا انتفى التحيز؛ انتفى قبول هذين النقيضين». يقصد الشيخ أن بعض مَنْ نفى العلو مِنْ الأشاعرة قد ضاهى بحجته الجهمية، وذلك بالاحتجاج على عدم امتناع ما ذهبوا إليه بقولهم: «إنه لا داخل العالم ولا خارجه» بعدم القبول. فإذا قيل لهم: قولكم: «لا داخل العالم ولا خارجه» ممتنع. قالوا: «إن هذا ليس بممتنع؛ لأنه تعالى ليس بقابل؛ فإن نفي هذين النقيضين إنما يمتنع في القابل لهما، والقبول إنما يكون من المتحيز، والله تعالى ليس بمتحيز؛ فلا يكون قابلاً لهما، فلا يمتنع نفيهما عنه». ويحتمل أن الشيخ يريد (بهؤلاء) طائفة الباطنية، وأن الذين قالوا: «إنه لا داخل العالم، ولا خارجه» قد ضاهوهم بسلب النقيضين. والأول أقرب.

стр. 282

فيقال لهم: عِلْمُ الخلقِ بامتناع الخلو من هذين النقيضين؛ هو: علم مطلق، لا يستثنى منه موجود. والتحيزُ المذكور؛ إن أريد به كونُ الأحياز الموجودة تحيطُ به؛ فهذا هو الداخل في العالم، وإن أريد به أنه منحازٌ عن المخلوقات - أي: مباينٌ لها، متميزٌ عنها -؛ فهذا هو الخروج. فالمتحيز يراد به تارة: ما هو داخل العالم، وتارة: ما هو خارج العالم، فإذا قيل: «ليس بمتحيز»، كان معناه: ليس بداخل العالم ولا خارجه. فهم غيَّروا العبارة؛ ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر، وهو المعنى الذي عُلِم فساده بضرورة العقل. كما فعل أولئك في قولهم: «ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل». رد الشيخ على اعتذارهم السابق بوصف الله تعالى بسلب النقيضين بأنه غير قابل؛ فلا يكون ممتنعاً؛ بجوابين: الأول: أن من المعلوم عند العقلاء، عِلماً عاماً لا يستثنى منه شيء: امتناعُ الخلو عن النقيضين، ومن ذلك: كون الموجود لا داخل العالم ولا خارجه، فتقسيمهم الموجودات إلى نوعين: موجودٍ غيرِ متحيز

стр. 283

لا يتمنع خلوه عن هذين النقيضين، وموجودٍ متحيزٍ يمتنع خلوه عن هذين النقيضين؛ تقسيم باطل. الثاني: أن المتحيز؛ إما أن يراد به ما تحيط به الأحياز، والأمكنة، والظروف الوجودية، وهذا هو الداخل في العالم. وإما أن يراد به المنحاز عن العالم، وهذا هو الخارج عنه. فإذا قالوا: (إنه ليس بمتحيز)، والتحيز يطلق على المعنيين السابقين؛ صار معناه: أنه لا داخل العالم ولا خارجه، فاحتجوا على الدعوى بالدعوى، فأصل دعواهم: أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، فلما قيل لهم: «إن هذا سلب للنقيضين، وهو ممتنع». قالوا: «إنما يكون ممتنعاً لو كان قابلاً، والله تعالى ليس بقابل؛ لأنه غير متحيز؛ فلا يكون ممتنعاً»، فاحتجوا على دعواهم بأنه لا داخل العالم ولا خارجه: بدعواهم بأنه غير متحيز، ومعنى: «غير متحيز» ليس بداخل العالم ولا خارجه، فالعبارتان معناهما واحد، وإنما غيروا العبارة إيهاماً لمن لا يفهم حقيقة قولهم بأن معنى: (ليس بمتحيز): «لا داخل العالم ولا خارجه». فكأنهم قالوا: «إنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، وليس هذا بممتنع؛ لأنه لا داخل العالم ولا خارجه»! وقوله: (وهو المعنى الذي عُلِم فساده بضرورة العقل). يريد أن قولهم: (ليس بمتحيز) هو نفس المعنى الفاسد الذي علم فساده بضرورة العقل، وهو قولهم: (لا داخل العالم ولا خارجه)، كما

стр. 284

فعل أولئك الباطنية في قولهم: (إنه ليس بحي ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل) فكل ذلك من قبيل سلب النقيضين. وبهذا انتهى الكلام عن هذه القاعدة التي أصلها: أن الله تعالى موصوف بالإثبات والنفي، وأن ذلك موجَب العقل والسمع، وأن الله موصوف بإثبات الكمالات ونفي النقص، وأن النفي الذي يوصف به هو النفي المتضمن لإثبات الكمال، فما لا يتضمن إثبات كمال من النفي؛ فإنه نقص. * * *

стр. 285

الواجب فيما يوصف الله به مما جاء في الكتاب والسنة، وما تنازع الناس فيه من الألفاظ المحدثة القاعدة الثانية أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه، أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة؛ وجب على كل مؤمن: الإيمان به، وإن لم يُفهم معناه. وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصاً في الكتاب والسنة، متفقاً عليه بين سلف الأمة. يبين الشيخ هنا حكم ما يُذكر من الألفاظ في صفات الله تعالى، فما ورد منها في الكتاب والسنة؛ وجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه، أو لم نعرف معناه. وقوله: (وإن لم يُفهم معناه) ليس المقصودُ أنَّ شيئاً مما ورد في الكتاب والسنة من صفات الله تعالى لا يُفهم معناه، ولكن المقصود: أن الناس يتفاوتون في أفهامهم، فبعض الناس قد لا يفهم معنى بعض

стр. 286

الصفات، فيجب عليه أن يؤمن بما أخبر الله به في كتابه، وبما أخبر به رسوله ﷺ من صفات الله تعالى وإن لم يَفهم معناه، كما لو سمع قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]، وجب عليه أن يؤمن أن الله تعالى استوى على العرش، وإن لم يفهم معناه، ثم بعد الإيمان يأتي السؤال عن معنى الاستواء. وقول الشيخ: (وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها) هذا التعبير يشعر بأن بعض الصفات ثابتة بالإجماع، ولكن الشيخ احترز عن هذا الفهم فقال: (مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصاً في الكتاب والسُّنَّة) فجميع صفات الرب تعالى ثابتة في الكتاب والسنة، أو أحدهما. * * *

стр. 287

وما تنازع فيه المتأخرون، نفياً وإثباتاً، فليس على أحد؛ بل ولا له: أن يوافق أحداً على إثبات لفظ أو نفيه؛ حتى يعرف مراده، فإن أراد حقاً؛ قُبل، وإن أراد باطلاً؛ رُدَّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل؛ لم يقبل مطلقاً، ولم يرد جميع معناه؛ بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، كما تنازع الناس في: «الجهة»، و «التحيز»، وغير ذلك. يذكر الشيخ هنا حكم الألفاظ المحدثة في صفات الله تعالى، وهو مما تنازع فيه المتأخرون. فما كان كذلك؛ فإنه لا يجوز قبوله، بل يجب التوقف فيه، والاستفصال عن مُراد المتكلم به، (فإن أراد حقاً؛ قُبل، وإن أراد باطلاً؛ رُدَّ)، وإن أراد حقاً وباطلاً؛ فُسِّر وفُصِّل: فيقبل ما أراد من الحق، ويرد ما أراد من الباطل (١). ثم يقال بعد ذلك لمن أراد بهذه الألفاظ معنى صحيحاً: ما أردته حق، ولكن التعبير عنه بهذه الألفاظ؛ خطأ، لأنها لم ترد في الكتاب ولا في السنة، ولأنها ألفاظ مجملة تحتمل حقاً وباطلاً، وذكر الشيخ مثالين لتوضيح هذه القاعدة، وهما لفظا: (الجهة)، و (التحيز).

стр. 288

فلفظ «الجهة» قد يراد به شيء موجود غير الله؛ فيكون مخلوقاً، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش، أو نفس السموات. وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم. ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ «الجهة» ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه، ونحو ذلك. وقد عُلِم أنه ما ثَمَّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالقُ مباين للمخلوق، ، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. لفظ (الجهة) لفظ مجمل محدث، وقد أوضح الشيخ ما فيه من الإجمال؛ فقد يراد بالجهة شيء مخلوق، أي: شيء موجود غير الله، (وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله)، أي: قد يراد به ما ليس بموجود من المخلوقات، بمعنى: أن لفظ (الجهة) قد يراد به: أمر وجودي، وقد يراد به: أمر عدمي. فقد يطلق لفظ (الجهة) على العرش، أو السموات، وهي: موجودة مخلوقة.

стр. 289

وقد يطلق لفظ (الجهة) على ما فوق العالم وما وراء المخلوقات من العدم. ولهذا كان هذا اللفظُ مجملاً محتملاً، كما أنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة نفيه ولا إثباته، كما جاء إثبات لفظ: (العلو، والاستواء، والفوقية، والعروج إليه ونحو ذلك). ومن المعلوم بالضرورة أنَّ (ما ثَمَّ في الوجود إلا الخالق والمخلوق)، فالموجود قسمان: واجب، وممكن، أو قديم، ومحدث. و (الخالقُ مباينٌ للمخلوق)، أي: ليس حالاً فيه، فالله تعالى (ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته)؛ بل هو بائن مِنْ خَلْقِه، فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء، . * * *

стр. 290

فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلاً في المخلوقات؛ أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم، بائن من المخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: «إن الله في جهة»: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول؛ فهو حق، وإن أردت الثاني؛ فهو باطل. على ضوء ما سبق من معنى (الجهة) وما يراد بها، يُستفصل ممن نفاها وممن أثبتها، فيقال للنافي: أتريد بالجهة شيئاً موجوداً مخلوقاً؟ أم تريد بها ما وراء العالم؟ فإن أردتَ بها الأول؛ فنفيك صحيح؛ لأن الله تعالى ليس داخلَ المخلوقات، وإن أردت الثاني؛ فنفيك باطل؛ (لأن الله تعالى فوق العالم، بائنٌ من المخلوقات). ويقال لمن أثبت أن الله تعالى في جهة: أتريد بذلك أن الله تعالى فوق العالم؟، أم تريد بالجهة شيئاً موجوداً؛ فيكون الله تعالى داخلاً في المخلوقات؟ فإن أردت الأول؛ فحق، وإن أردت الثاني؛ فباطل (١).

стр. 291

وكذلك لفظ «المتحيز»؛ إن أراد به أن الله تَحُوزُه المخلوقات، فاللهُ أعظمُ وأكبر؛ بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: «يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟». وفي حديث آخر: «وإنه ليدحوها (١) كما يدحو الصبيان بالكُرة»، وفي حديث ابن عباس: «ما السموات السبع، والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن؛ إلا كخردلة في يد أحدكم». وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات - أي: مباين لها، منفصل عنها، ليس حالاً فيها -؛ فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: «فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه». اللفظ الثاني من الألفاظ المحدثة المجملة التي ذكرها الشيخ: لفظ (المتحيز)، فهو لم يأت في صفات الله تعالى لا نفياً ولا إثباتاً، فالواجب الاستفصال عن معناه؛ فإن أريد به معنى حق؛ قبل المعنى الحق، ورددنا اللفظ المحدث المحتمل.

стр. 292

وإن أريد به معنى باطل؛ رد المعنى الباطل واللفظ المحدث؛ فلفظ (المتحيز) قد يراد به أن الله تعالى تحوزه المخلوقات - أي: تحيط به -؛ فهذا باطل؛ لأن الله تعالى أكبرُ وأعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، فهو الكبير المتعال، وهو العلي العظيم، ومن دلائل عظمته أنه تعالى (وسع كرسيه السموات والأرض). والذي عليه أكثر أهل السنة أن: «الكرسي: موضع القدمين» كما جاء عن ابن عباس (١) وأبي موسى (٢) ﵃. ومن دلائل عظمته أنه تعالى (يقبض الأرض، ويطوي السموات بيمينه)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وكذلك الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية: («يقبض الله الأرض، ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟») (٣). وجاء هذا المعنى في عدد من الأحاديث عن جماعة من الصحابة (٤).

стр. 293

ومن شواهد هذا المقام: الحديث الذي يُروى أنه تعالى: «يأخذ السموات، والأرضين السبع، فيجعلها في كفَّيه، ثم يقول بهما كما يقول الغلام بالكرة» (١)، وهذا التصويرُ تقريبٌ لكمالِ تصرفه تعالى في هذه العوالم على كثرتها وعِظَمِها، فهي صغيرة وضئيلة في جانب عظمته . ومما استشهد به في هذا المقام الأثر الذي جاء عن ابن عباس ﵄: (ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن؛ إلا كخردلة في يد أحدكم) (٢). فهو العظيم الذي لا أعظم منه، وهو الكبير المتعالي، فيمتنع مع هذه العظمة التي لا تحيط بها عقول العباد: أن يحويه شيء من مخلوقاته، فهو أعظم وأكبر من أن تحيط به مخلوقاته؛ فضلاً عن أن يحيط به شيء منها. وإن أريد بالمتحيز المنحاز عن العالم المباين للمخلوقات؛ فهو كما قال أئمة السلف: (فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه) (٣)،

стр. 294

ومعنى: (بائن من خلقه) أنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته. فالمتحيز؛ إما أن يُراد به: ما تحيط به الأحياز؛ وهو: الدخول في العالم والمخلوقات. وإما أن يُراد به: المنحاز الخارج عن العالم. فإن أريد المعنى الأول؛ فهو باطل في حق الله تعالى؛ لأنه تعالى خارج العالم، وليس حالاً في مخلوقاته. وإن أريد به المعنى الثاني؛ فهو حق، لكن التعبير بهذا اللفظ: خطأ، لما سبق من أنه محدث ومحتمل. وإن أريد به المعنيان جميعاً؛ فهو باطل (١)، وهو كقول من قال: «إن الله تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه»، وقد سبق بيان ذلك في آخر «القاعدة الأولى» (٢). ومثل لفظ (الجهة) و (التحيز) باقي الألفاظ المحدثة المجملة المحتملة ك «الجسم»، و «التركيب»، ونحو ذلك. * * *

стр. 295

ظاهر نصوص الصفات، وهل هو مراد، أو غير مراد؟ القاعدة الثالثة إذا قال القائل: «ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس بمراد». فإنه يقال: لفظ «الظاهر» فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم؛ فلا ريب أن هذا غير مراد. ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهراً، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلاً، واللهُ أعلمُ وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال. هذه القاعدة مناسبة للتي قبلها، فإن مضمون القاعدة السابقة: بيان حكم ما يجب فيه التفصيل، ومقصود هذه القاعدة: بيان ما يجب في لفظ (الظاهر)، أي: ظاهر نصوص الصفات؛ فلفظ (الظاهر) فيه إجمال

стр. 296

واشتراك، فهو لفظ مشترك يدل على أكثر من معنى، فلا بدَّ فيه من الاستفصال والتفصيل في الحكم (١). وظاهر الكلام؛ هو: «المعنى الذي يتبادر ويسبق إلى ذهن ذي الفهم السليم المستقيم، العارف بلغة الخطاب». فظاهرُ نصوص صفات الله تعالى عند السلف الصالح؛ هو ما يليق بالله تعالى من الصفات. أما الجاهلُ بالله تعالى، أو ذو الفهم الفاسد؛ فإن ظاهرَ نصوص الصفات عنده؛ التمثيلُ، فيتبادر إلى ذهنه من ألفاظ النصوص؛ مماثلة صفات الله تعالى لصفات خلقه. ولما كان لفظ ظاهر نصوص الصفات له أكثر من معنى بحسب مذاهب الناس في نصوص الصفات، وصار فيه إجمال واشتراك؛ وجب الاستفصال والتفصيل فيه على ما يلي: ١ - فمَن قال: إن الظاهر من نصوص الصفات مراد، وأراد بالظاهر: إثبات الصفات على ما يليق بالله تعالى ويختص به؛ فقوله حقٌ، وهو مصيب في اللفظ والمعنى، وهذا سبيل أهل السنة. ٢ - ومَن قال: إن ظاهرها مراد، وزعم أن ظاهرها مماثلة صفات الله تعالى بصفات خلقه - وهذا مذهب المشبهة -؛ فقوله باطل من جهة اللفظ والمعنى.

стр. 297

فليس التمثيل ظاهرها، وليس التمثيل بمراد، فالله تعالى ليس كمثله شيء سبحانه. ٣ - ومَن قال: إن ظاهرها ليس بمراد، وظاهرها عنده إثبات الصفات لله تعالى، وإثبات الصفات عنده تشبيه، فظاهرها عنده التشبيه، وهذا الظاهر ليس بمراد؛ فهذا مبطل في زعمه أن ظاهرها التشبيه، ومبطل في نفيه للصفات بناء على هذا الاعتقاد والتوهم. وإن كان مصيباً من وجه؛ وهو: ما قصد إليه من نفي التمثيل، لكنه مبطل حيث نفى المعنى الحق لصفات الله تعالى. ٤ - ومن قال: إن الظاهر ليس بمراد؛ لأن ظاهرها التمثيل، وهذا ليس بمراد؛ بل المراد إثبات صفات تليق بالله تعالى، فهذا يمكن أن يكون مصيباً في المعنى، ومخطئاً في اللفظ حيث زعم أن ظاهرها التمثيل. وهذا إنما يليق بالجاهل السني، يعني: السني في معتقده، لكنه جاهلٌ قاصرُ الفهمِ والتصورِ، يتبادر إلى فهمه المعنى الباطل، ولكنه لا يثبته وإنما يثبت المعنى اللائق بالله تعالى. وهذا الجاهل، وأولئك المعطلة؛ كلهم تضمن كلامهم أنَّ ظاهرَ كلامِ اللهِ كفرٌ وضلال؛ لأن ظواهر نصوص صفات الله تعالى - على فهمهم وزعمهم - التمثيل بصفات خلقه، وهو كفر وضلال. وهذا الكلام منهم يتضمن الطعن في حكمة الله تعالى وحسن بيانه، مع أن الله تعالى وصف كتابه بأنه أحسن الحديث كما قال : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣].

стр. 298

وهل مِنْ الحكمة أن يخاطب الله تعالى عباده بما يُفهم منه خلاف مراده؟ وهل يكون هذا إلا مِنْ: * عاجز عن البيان. * أو جاهل بما يتكلم به. * أو مُلَبِّس مُعَمٍّ غاشٍّ لا يريد إيضاح مراده. وكلُّ هذا ممَّا يجب تنزيه الله تعالى عنه، وتنزيه رسوله ﷺ عنه؛ وهو: * أعلم الناس بالله. * وأقدر الناس على البيان. * وأنصحهم للخلق (١). ولهذا قال الشيخ هنا: (السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهراً، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلاً، واللهُ أعلمُ وأحكم مِنْ أنْ يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال). * * *

стр. 299

الذين يجعلون ظاهر النصوص معنى باطلاً غلطوا من وجهين والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك. وتارة يَرُدُّون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل. أي: الذين يجعلون ظاهر نصوص الصفات المعنى الفاسد يغلطون من وجهين؛ أي: مِنْ أحد وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد حقيقة؛ هو ظاهر اللفظ، فيجعلون لفظ النص محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر الفاسد - في زعمهم -. وتارة يَرُدُّون المعنى الحق لاعتقادهم أنه معنى فاسد وليس كذلك. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]. الأول يزعم: أنَّ ظاهرَ النصِ وصفُه تعالى باستواء مثل استواء المخلوق على ظهور الفلك والأنعام، مع اعتقاده بأن هذا ليس مراداً؛

стр. 300

بل المراد وصفه تعالى باستواء يخصه، وهذه حال الجاهل الذي سبق ذكره. فغلطُه حيث جعل المعنى الفاسد هو ظاهر النص، فقولُه بنفي تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه؛ صحيحٌ، وقوله: «إن هذا الظاهر ليس بمراد»؛ صحيح، لكن زعمه أن هذا المعنى الفاسد؛ هو ظاهر النص؛ غلطٌ. والثاني يقول: «إن ظاهر هذه الآية، وصفه تعالى بالاستواء على العرش، والاستواء على الشيء إنما هو من صفات المخلوق وخصائصه»، فلا يجوز عنده أن يقال: «إن اللهَ تعالى مستوٍ على العرش»، بمعنى: أنه فوق العرش. فيقول: «ليس هذا الظاهر بمراد»؛ بل المراد ب «استوى» على العرش: استولى على العرش، أو أقبل على خلق العرش، ونحو ذلك. فهذا اعتقد أن ظاهر النص - الذي هو المعنى الحق -: معنى فاسد؛ فنفاه بناء على هذا الاعتقاد، وهذا معنى قول الشيخ: (يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل). فكل من الأول والثاني جعل ظاهر النص معنى فاسداً، لكن الأول غلط من جهة أنه جعل المعنى الفاسد حقيقة؛ هو ظاهر اللفظ - النص - حتى يكون النص محتاجاً إلى تأويل، وليس كما ظن.

стр. 301

والثاني رد المعنى الحق، الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقاده أنه معنى باطل، فهو غالط في اعتقاده أنه معنى باطل، وفي نفيه هذا المعنى الحق، بناء على اعتقاده وتصوره الفاسد. فظهر بهذا: أن الأول مخطئ من جهة اللفظ، أي: الحكم على لفظ النص، ومصيب من جهة المعنى، وهو: نفيه للمعنى الفاسد. والثاني: مخطئ من جهة اللفظ والمعنى، مصيب فيما قصد إليه من نفي ما اعتقد أنه باطل، وهذا هو المعطل للصفات. * * *

стр. 302

فالأول: كما قالوا في قوله: «عبدي جعتُ فلم تطعمني» الحديثَ، وفي الأثر الآخر: «الحجرُ الأسود يمينُ الله في الأرض، فمَن صافحه وقبَّله فكأنما صافحَ اللهَ وقبَّل يمينه»، وقوله: «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن». فقالوا: «قد عُلم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق». ذكر الشيخ هذه الأمثلة لمن يغلط؛ فيجعل المعنى الفاسد هو ظاهر اللفظ، فيكون محتاجاً إلى تأويل حسب ظنه وزعمه. والواقع أن المعنى الفاسد ليس هو ظاهر اللفظ، لأنه جاء في النص ما يفسر ويوضح المعنى المراد. ففي الحديث الأول: وهو قوله تعالى في الحديث القدسي: («عبدي جعت فلم تطعمني») (١) الحديثَ، ليس ظاهره أن الله تعالى يجوع، ويمرض؛ لأنه جاء في الحديث ما يوضح المعنى، ويبيِّن أن المراد: جوع العبد ومرضه.

стр. 303

فمن جعل المعنى الفاسدَ ظاهرَ اللفظِ ونفاه؛ فهو مصيبٌ من جهة المعنى، حيث نفى المعنى الفاسد عن الله تعالى، ولكنه غلط من جهة اللفظ، حيث جعل هذا المعنى الفاسد هو ظاهر لفظ الحديث. المثال الثاني: ما ورد في الأثر الذي يروى مرفوعاً (١)، وموقوفاً (٢) - ولم يثبت مرفوعاً -: («الحجرُ الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله؛ فكأنما صافح الله، وقبَّل يمينه») فبعض الغالطين يظن أن ظاهر الأثر أن الحجر الأسود؛ هو صفة الله ويده اليمين، وهذا الظاهر ليس بمراد، فهذا الشخص غلط في زعمه بأن ظاهر الأثر هو المعنى الفاسد،

стр. 304

وإلا كان قد أصاب في نفي هذا الظاهر المتوهم الفاسد، لأن في الأثر ما يدفع هذا المعنى الفاسد كما سيبينه الشيخ بعد قليل. المثال الثالث: حديث («قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء») (١) قالوا: قد علم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق، فزعموا أن ظاهر الحديث يدل على أن أصابع الرب تعالى داخلة في أجوافنا، متصلة بقلوبنا، ولذا قالوا بأن الظاهر غير مراد. فيقال: إن هذا النافي قد أحسن في نفيه لهذا المعنى الفاسد، وفي نفيه لأن يكون هذا المعنى الفاسد مراداً، ولكنه غلط في زعمه وظنه بأن هذا المعنى الفاسد هو ظاهر الحديث. ومنشأ غلطه: اعتقاده بأن «البينية» تقتضي الاتصال والملاصقة، وليس الأمر كذلك؛ ف «البينية» في اللغة العربية لا يلزم منها اتصال ولا التصاق، بل قد تقتضي ذلك وقد لا تقتضيه، كما في لفظ «المعية» فهي تقتضي مطلق المصاحبة، وقد يكون معها امتزاج وقد لا يكون. * * *

стр. 305

فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة؛ لعلمتم أنها لا تدل إلا على حق. أما الحديث الواحد: فقوله: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله؛ فكأنما صافح الله وقبل يمينه»؛ صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه؛ لأنه قال: «يمين الله في الأرض»، وقال: «فمَن قبَّله وصافحه،؛ فكأنما صافح الله وقبل يمينه»، ومعلوم أن المشبَّهَ غير المشبهِ به، ففي نصِّ الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحاً لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفراً، وأنه محتاج إلى التأويل؟! مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس. وأما الحديث الآخر؛ فهو في الصحيح مفسراً: «يقول الله: عبدي جعتُ؛ فلم تطعمني. فيقول: رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي. عبدي مرضتُ فلم تعدني. فيقول: رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض، فلو عدته لوجدتني عنده». وهذا صريح في أن الله لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبدُه وجاع عبده، فجعلَ جوعه جوعه، ومرضه مرضه،

стр. 306

مفسراً ذلك بأنك «لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده». فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل. بدأ الشيخ ببيان المعنى الصحيح للأمثلة الثلاثة، والرد على زَعْمِ مَنْ زَعَمَ أن ظاهر هذه النصوص هو المعنى الفاسد، وأن هذا الظاهر ليس بمراد؛ فقال: (أما الحديث الواحد) يعني: الأول، وبدأ بذكر أثر ابن عباس، وبيِّن معناه الصحيح، ونبه إلى أن المعتمد أن هذا الأثر إنما يعرف عن ابن عباس، وأنه ليس بمرفوع. ثم ذكر حديث أبي هريرة، وبيِّن بذكر بقية الحديث أنه ليس فيه ما يوجب التوهم الفاسد؛ لأن الحديث جاء مفسراً ومبيناً؛ إذ قال: «مرض عبدي فلان .. وجاع عبدي فلان» إلى آخره، فجعل: (جوعه جوعه، ومرضه مرضه)، الضمير في الأول فجعل (جوعه) للعبد، وفي الثاني (جوعه) للرب، وهكذا في قوله: (ومرضه مرضه)، وفسَّره بقوله: (لو أطعمته لوجدت ذلك عندي)، فمن أطعم الجائع؛ وجدَ جزاءه عند ربه. وقوله: («لو عدته لوجدتني عنده») أي: لو عدت المريض لله؛ لوجدتني عنده. وهذه عندية تتضمن: القرب والمعية الخاصة، فمن عاد المريض؛ فاز بهذا القرب وهذه المعية.

стр. 307

وقوله: («مرض عبدي فلان») الأظهر أن العبودية هنا هي العبودية الخاصة. وبفهم الحديث؛ لا يبقى فيه لفظ يحتاج إلى تأويل. فائدة: كلُّ قربٍ خاصٍ يتضمنُ المعيةَ الخاصةَ، ولا عكس. * * *

стр. 308

وأما قوله: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن»؛ فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصلٌ بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه. ولا في قول القائل: «هذا بين يَدَيَّ» ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، لم يقتض أن يكون مماساً للسماء والأرض. ونظائر هذا كثيرة. وكذلك في هذا المثال الثالث: مَنْ ظنَّ أنَّ ظاهره أنَّ أصابع الرب متصلة بالقلوب، وأنها داخلة في أجواف العباد؛ فيوجب تأويل هذا الحديث؛ لأن ظاهره ليس بمراد: فهذا غالطٌ من جهة اللفظ؛ حيث زعم وتوهم أن ظاهر الحديث: أن أصابع الرب في قلوب وأجواف العباد، وإن كان مصيباً في نفي هذا المعنى الباطل الذي توهمه. ونقول: إن ما توهمه من ظاهر الحديث؛ غير صحيح، فالحديث لا يدل على ذلك؛ لأن لفظة (بَيْنَ) لا تقتضي اتصالاً ولا ملاصقة، كما إذا قال القائل: (هذا بين يَدَيَّ)، ومعلوم إذا قيل: (السحاب بين السماء والأرض)؛ لا يقتضي ذلك اتصاله بالسماء، ولا بالأرض.

стр. 309

من الغلط جعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله، وإيضاح ذلك في آيتي «يس»، و «ص» ومما يشبه هذا القول أن يُجعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله، كما قيل في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس: ٧١]. فهذا ليس مثل هذا؛ لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي، فصار شبيهاً بقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وهناك أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ ثم قال: ﴿بِيَدَيَّ﴾. وأيضاً؛ فإنه هناك ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وهنا أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع؛ فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]. وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦] في المفرد. فالله يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد: مظهراً أو مضمراً، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح]، وأمثال ذلك.

стр. 310

ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط؛ لأن صيغة الجمع؛ تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية؛ فتدل على العدد المحصور، وهو مقدسٌ عن ذلك. فلو قال: «ما منعك أن تسجد لما خَلَقَتْ يدِيْ»؛ كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، ولو قال: «خَلَقْتُ بيدِيْ» بصيغة الإفراد، لكان مفارقاً له، فكيف إذا قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ بصيغة التثنية؟ هذا، مع دلالة الأحاديث المستفيضة؛ بل المتواترة، وإجماع سلف الأمة على مثل ما دل عليه القرآن، كما هو مبسوط في موضعه، مثل قوله: «المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا»، وأمثال ذلك. أي: ومما يشبه جَعل المعنى الفاسد هو ظاهر اللفظ؛ جعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله. وجعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله؛ يؤدي بصاحبه إلى مخالفة دلالة اللفظ في اللغة وعدم معرفة المراد، كمن يسوي بين معنى قولك:

стр. 311

«محمداً أكرمتُ»، وقولك: «أكرمتُ محمداً»؛ فإن الجملة الأولى تفيد: الحصر؛ لتقديم المفعول، دون الثانية (١). وقد ذكر الشيخ لذلك مَثلاً؛ وهو اعتقاد بعض الناس أن قوله تعالى: (﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾) مثل قوله تعالى: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾)، فصاحب هذا الظن يعتقد أن الله تعالى خلق آدم كما خلق الأنعام، وأن المراد بالآيتين: التعبير باليدين عن الفاعل، وليس المراد إثبات صفة اليدين، ولا خلق آدم باليدين. فهم جعلوا آية «ص»؛ وهي قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الصريحة في إثبات صفة اليدين لله تعالى؛ جعلوها نظير آية «يس»؛ وهي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، وليس الأمر كذلك؛ بل هذا غلط من جهة اللفظ، والمعنى. وقد ذكر الشيخ الفروق بين الآيتين، كما يأتي في كلامه إن شاء الله. لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي؛ فصار شبيهاً بقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وهناك أضاف الفعل إليه؛ فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ ثم قال: ﴿بِيَدَيَّ﴾.

стр. 312

وأيضاً؛ فإنه هناك ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وهنا أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. وهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، في المفرد. فالله يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد: مظهراً، أو مضمراً، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾، وأمثال ذلك، ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط؛ لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية؛ فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس عن ذلك؛ فلو قال: «ما منعك أن تسجد لما خلقَتْ يدِيْ»؛ كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، و ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾، ولو قال: (خَلَقْتُ بيدِيْ) بصيغة الإفراد، لكان مفارقاً له، فكيف إذا قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ بصيغة التثنية؟ هذا مع دلالة الأحاديث المستفيضة؛ بل المتواترة، وإجماع سلف الأمة على مثل ما دل عليه القرآن، كما هو مبسوط في موضعه، مثل قوله ﷺ : «المقسطون عند الله على منابرَ مِنْ نورٍ، عن يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين -، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا» (١)، وأمثال ذلك. قوله: (لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي .. ) إلخ.

стр. 313

ذكر الشيخ هنا فروقاً من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى بين آية (ص) وآية (يس)، وهي كما يلي: الأول: أنه في آية (ص) أسند الفعل إلى نفسه؛ حيث قال: (﴿خَلَقْتُ﴾)، وفي آية (يس) أسند الفعل إلى الأيدي؛ فقال: (﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾)، وهذا فرق لفظي. الثاني: في آية (ص) ذكر الله تعالى نفسه بصيغة الإفراد، وفي آية (يس) ذكر الله تعالى نفسه بصيغة الجمع الدالة على التعظيم. الثالث: في آية (ص) ذكر اليدين بصيغة التثنية، وفي آية (يس) ذكرها بصيغة الجمع. الرابع: أنه في آية (ص) أسند الفعل إلى نفسه، وعداه إلى اليدين بالباء، أما في آية (يس) فإنه أسند الفعل إلى الأيدي، وحينئذٍ؛ فلا مجال للتعدية بالحرف. فهذه أربعة فروق لفظية، وهي فروق لها أثر في الدلالة والمعنى. وقد ذكر الشيخ بناء على ذلك بعض المقارنات؛ وهي: ١ - أن آية (ص) تشبه آية المائدة، وهي قوله تعالى: (﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾) من حيث ذكر اليدين بلفظ التثنية. ٢ - وأن آية (يس) تشبه عدداً من الآيات، فهي شبيهة بقوله تعالى: (﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾) من حيث إسناد الفعل إلى الأيدي.

стр. 314

وهي شبيهة بقوله تعالى: (﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾) وذلك من جهة ذكر المثنى بلفظ الجمع، فالمثنى في اللغة العربية إذا أضيف إلى مثنى أو جمع فإنه يجمع، ومن شواهده قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. فكذلك هنا لما ذكر الله تعالى نفسه بصيغة الجمع الدالة على التعظيم، وأضاف الصفة المثناة إليه، ذكرها بصيغة الجمع، كما في قوله: (﴿أَيْدِينَا﴾)، وقوله: (﴿بِأَعْيُنِنَا﴾). كما أن آية (يس) تشبه آية الملك، وهي قوله: (﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾)، وآية آل عمران، وهي قوله: (﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾) من جهة ذكر لفظ اليد بصيغة المفردِ، والمفردُ المضاف يعمُّ كلَّ ما يدخل تحت مسماه (١). وقد دلت النصوص أن لله تعالى يدين تليقان به سبحانه، لا تماثل أيدي المخلوقين، كما هو الشأن في سائر صفاته، وهذه الآيات وإن كانت تدل على إثبات صفة اليد لله تعالى؛ إلا أن الآيات الواردة في إثبات هذه الصفة بعضها أصرح من بعض في الدلالة على ذلك والبعد عن شبهة المجاز. فأصرح آية في ذلك، وأبعد آية عن شبهة المجاز: آية (ص)؛ وهي قوله تعالى: (﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾)، ثم آية المائدة؛ وهي قوله: (﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾) وإن كانت آية جمع اليدين مما يُستدل به عند أهل السنة والجماعة على إثبات هذه الصفة.

стр. 315

وهناك فرق بين الآيتين في المعنى؛ وهو: أن آية (ص) تدل على خلق آدم باليدين، وفيه فضيلة لآدم، وخصوصية، وتشريف. أما آية (يس)؛ فلا تدل على أن الله تعالى خلق الأنعام بيديه، ولو كانت تدل على ذلك؛ لم يكن لآدم خصوصية على سائر المخلوقات؛ فهذا الأسلوب في اللغة العربية لا يدل على خصوص فعل اليدين، بل يعبر بهذا عن مطلق الفعل سواء كان باليد أو بغيرها، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، فيدخل في ذلك كل ما كسبه الإنسان سواء كان بيديه أم بغيرها من سائر جوارحه. ومن أساليب اللغة العربية إسناد الفعل لليدين؛ وإن لم يكن الفعل حصل باليدين، لأنهما أداة الفعل في الغالب، فيقال: «هذا بما كسبت يداك»، وإن كان شيئاً قاله بلسانه. فهذا فرق بين الآيتين، فاللهُ تعالى خلق آدم بيديه، وخصه بذلك تكريماً، وتشريفاً. وخلق سائر الأنعام بمشيئته وقدرته، وكلماته الكونية؛ فبطل بهذا قول من قال: «إن آية (ص) مثل آية (يس)» بما سبق بيانه من الفروق: اللفظية، والمعنوية (١). وكما دل القرآن على إثبات اليدين؛ فقد دلت السنة المتواترة على ذلك، وأجمع السلف على إثبات صفة اليدين لله تعالى.

стр. 316

ومن أدلة السنة على ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في صحيح مسلم، وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : «المقسطون عند الله على منابرَ مِنْ نورٍ عن يمين الرحمن، - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا». وقوله: «عن يمين الرحمن» أي يلون يده اليمين؛ بدليل قوله: «وكلتا يديه يمين»، ومعنى «يمين»: أي: ذات يُمنٍ، وخير، وبركة. وفي ذلك احتراز لدفع توهم النقص في اليد الأخرى، ولله تعالى يدان، ونطق القرآن بإثبات اليمين، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وورد في بعض الألفاظ تسمية اليد الأخرى بالشمال، كما في صحيح مسلم (١)، وفي بعض الألفاظ قال: «اليد الأخرى» (٢). فإحدى يدي الرب تعالى تسمى: «اليمين»، وله يد أخرى، وإن كان وصف اليمين شاملاً لكلتا يديه ، ولو كانت كلتا يديه تسمى بذلك؛ لم يكن لتخصيص المقسطين بأنهم عن يمين الرحمن معنى، ولصح أن يقال: إنه تعالى: يقبض الأرض بيمينه، وهو خلاف ظاهر القرآن، وظاهر السنة. * * *

стр. 317

تناقض من يفرق بين نصوص الصفات فيما ظاهره مراد وما ليس بمراد وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع؛ فإن الله تعالى لما أخبر أنه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٩)﴾ [البقرة]، وأنه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١)﴾ [الملك]، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد؛ كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا. وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة؛ لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي؛ هو: حي، عليم، قدير. فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: إنه على ظاهره؛ لم يقتض ذلك أن يكون ظاهرُه استواءً كاستواء المخلوق، ولا حباً كحبه، ولا رضا كرضاه.

стр. 318

هذا رجوع للكلام على أصل القاعدة بعد استطراد، والمراد بالقائل هنا: القائل: «إن ظاهر نصوص الصفات مراد، أو غير مراد». والمراد بالنصوص المتنازع في معناها: ما عدا الصفات السبع؛ كنصوص صفات: الفرح، والرضا، والمحبة، والاستواء. والنصوص المتفق على معناها؛ هي: نصوص الصفات السبع؛ كالعلم، والقدرة، والحياة. والكلام هنا مع الأشاعرة. وقوله: (والظاهر هو المراد في الجميع … ) إلخ. هذا الكلام معترض لبيان مذهب أهل السنة والجماعة؛ وهو: أن الظاهر مراد في الجميع أي: في النصوص المتفق على معناها، والمتنازع في معناها، فظاهرها مراد، وهي على حقيقتها. وليس معنى ذلك: أن صفات الله تعالى مثل صفات المخلوق؛ بل لله تعالى من هذه الصفات كلها ما يناسبه، ويختص به، ويليق به سبحانه، لا يَشركه ولا يشبهه في ذلك أحد من خلقه. * * *

стр. 319

فإنْ كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين؛ لزمه ألَّا يكون شيء من ظاهر ذلك مراداً، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به؛ لم يكن له نفي هذا الظاهر ونفي أن يكون مراداً؛ إلا بدليل يدل على النفي. وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحداً. المراد بالمستمع هنا هو المخاطب الذي يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، فلا يخلو: * إمَّا أن يريد بالظاهر ما يماثل صفات المخلوقين. * أو: ما يليق بالله تعالى، ويختص به. فإن كان يعتقد أن ظاهر الجميع - أي: النصوص المتنازع في معناها، والنصوص المتفق على معناها -؛ هو: التمثيل؛ فيجب عليه أن ينفي هذا الظاهر الذي يظنه. وإن كان يعتقد أن ظاهر الجميع هو ما يليق بالله تعالى ويختص به؛ فليس له نفي شيء من ظاهر هذه النصوص إلا بدليل يدل على النفي.

стр. 320

وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا؛ إلا ما هو من جنس ما ينفي به المعطلة سائر الصفات، كشبهة «التشبيه»، وشبهة «التركيب»، وشبهة «التجسيم»، تلك الشبه التي يتذرع بها الفلاسفة، والجهمية، ونحوهم لنفي سائر الصفات دون تفريق بين الصفات. فإذا احتج بهذه الشبهات المفرِّق بين الصفات على ما ينفيه منها؛ لزمه نفي الجميع. * * *
следующие страницы →