ومن أدلة السنة على ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في صحيح مسلم، وغيره قال: قال رسول الله ﷺ : «المقسطون عند الله على منابرَ مِنْ نورٍ عن يمين الرحمن، - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا».
وقوله: «عن يمين الرحمن» أي يلون يده اليمين؛ بدليل قوله: «وكلتا يديه يمين»، ومعنى «يمين»: أي: ذات يُمنٍ، وخير، وبركة. وفي ذلك احتراز لدفع توهم النقص في اليد الأخرى، ولله تعالى يدان، ونطق القرآن بإثبات اليمين، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
وورد في بعض الألفاظ تسمية اليد الأخرى بالشمال، كما في صحيح مسلم (١)، وفي بعض الألفاظ قال: «اليد الأخرى» (٢).
فإحدى يدي الرب تعالى تسمى: «اليمين»، وله يد أخرى، وإن كان وصف اليمين شاملاً لكلتا يديه ، ولو كانت كلتا يديه تسمى بذلك؛ لم يكن لتخصيص المقسطين بأنهم عن يمين الرحمن معنى، ولصح أن يقال: إنه تعالى: يقبض الأرض بيمينه، وهو خلاف ظاهر القرآن، وظاهر السنة.
* * *
стр. 317
تناقض من يفرق بين نصوص الصفات فيما ظاهره مراد وما ليس بمراد
وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع؛ فإن الله تعالى لما أخبر أنه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٩)﴾ [البقرة]، وأنه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١)﴾ [الملك]، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد؛ كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا.
وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة؛ لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي؛ هو: حي، عليم، قدير.
فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (١١٩)﴾ [المائدة: ١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: إنه على ظاهره؛ لم يقتض ذلك أن يكون ظاهرُه استواءً كاستواء المخلوق، ولا حباً كحبه، ولا رضا كرضاه.
стр. 318
هذا رجوع للكلام على أصل القاعدة بعد استطراد، والمراد بالقائل هنا: القائل: «إن ظاهر نصوص الصفات مراد، أو غير مراد».
والمراد بالنصوص المتنازع في معناها: ما عدا الصفات السبع؛ كنصوص صفات: الفرح، والرضا، والمحبة، والاستواء.
والنصوص المتفق على معناها؛ هي: نصوص الصفات السبع؛ كالعلم، والقدرة، والحياة. والكلام هنا مع الأشاعرة.
وقوله: (والظاهر هو المراد في الجميع … ) إلخ.
هذا الكلام معترض لبيان مذهب أهل السنة والجماعة؛ وهو: أن الظاهر مراد في الجميع أي: في النصوص المتفق على معناها، والمتنازع في معناها، فظاهرها مراد، وهي على حقيقتها.
وليس معنى ذلك: أن صفات الله تعالى مثل صفات المخلوق؛ بل لله تعالى من هذه الصفات كلها ما يناسبه، ويختص به، ويليق به سبحانه، لا يَشركه ولا يشبهه في ذلك أحد من خلقه.
* * *
стр. 319
فإنْ كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين؛ لزمه ألَّا يكون شيء من ظاهر ذلك مراداً، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به؛ لم يكن له نفي هذا الظاهر ونفي أن يكون مراداً؛ إلا بدليل يدل على النفي.
وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحداً.
المراد بالمستمع هنا هو المخاطب الذي يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، فلا يخلو:
* إمَّا أن يريد بالظاهر ما يماثل صفات المخلوقين.
* أو: ما يليق بالله تعالى، ويختص به.
فإن كان يعتقد أن ظاهر الجميع - أي: النصوص المتنازع في معناها، والنصوص المتفق على معناها -؛ هو: التمثيل؛ فيجب عليه أن ينفي هذا الظاهر الذي يظنه.
وإن كان يعتقد أن ظاهر الجميع هو ما يليق بالله تعالى ويختص به؛ فليس له نفي شيء من ظاهر هذه النصوص إلا بدليل يدل على النفي.
стр. 320
وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا؛ إلا ما هو من جنس ما ينفي به المعطلة سائر الصفات، كشبهة «التشبيه»، وشبهة «التركيب»، وشبهة «التجسيم»، تلك الشبه التي يتذرع بها الفلاسفة، والجهمية، ونحوهم لنفي سائر الصفات دون تفريق بين الصفات.
فإذا احتج بهذه الشبهات المفرِّق بين الصفات على ما ينفيه منها؛ لزمه نفي الجميع.
* * *
стр. 321
الصفة تناسب الموصوف الخالق أو المخلوق
وبيان هذا، أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا؛ كالوجه واليد؛ ومنها ما هي: معانٍ وأعراض، وهي قائمة بنا؛ كالسمع، والبصر، والكلام، والعلم، والقدرة.
ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه: حي، عليم، قدير، لم يقل المسلمون: «إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا»؛ فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه؛ لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا؛ بل صفة الموصوف تناسبه.
فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين؛ فصفاته كذاته ليست مثل صفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه، كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوبُ كالمنسوبِ، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه؛ كما قال النبي ﷺ : «ترون ربكم كما ترون الشمسَ، والقمرَ» فشبَّه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي.
стр. 322
أي: وبيان ما تقدم من أن ظاهر جميع نصوص الصفات مراد؛ وأن الظاهر هو ما يليق بالله تعالى ويختص به، كما هو قول أهل السنة والجماعة، مما يبين هذا: (أن صفاتنا منها ما هي أعيان) أي: متعينة متشخصة، و (أجسام)، والجسم؛ هو: «الشيء الكثيف»؛ كالبدن.
(وهي أبعاض لنا) أي: بعض منا، تقول: يد الإنسان بعضه، ووجهه بعضه، أو بعض منه.
ومن صفاتنا (ما هي معانٍ وأعراض) أي: معنوية لا تقوم بنفسها؛ كالعلم، والقدرة.
ولم يقل المسلمون لما أخبر الله تعالى عن نفسه بأنه ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٢٩)﴾ [البقرة]، وأنه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (١)﴾ [الملك]: (إن ظاهر هذا غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا)، بل قالوا: «إن ظاهر ذلك مراد؛ لأن مفهومه في حقه ليس كمفهومه في حقنا».
فصفاته لا يقال لها: «أعراض»، لأن العرض؛ هو: «الذي يعرض ويزول»، ولا يقال لها: «أبعاض»؛ لأن ذلك يشعر بالتجزؤ.
ومن نزه الله تعالى عن الأعراض والأبعاض من نفاة الصفات؛ فلا بد من مواجهته بالاستفصال؛ كما تقدم في حكم الألفاظ المجملة في «القاعدة الثانية» (١).
стр. 323
وكذلك لما أخبر الله أنه خلق آدم بيديه؛ لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد؛ لأن مفهوم ذلك في حقه، كمفهومه في حقنا؛ وهو: «التمثيل»، فلما كان هذا الظن وهذا المفهوم منتفياً؛ لم يقل المسلمون: «إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد»؛ بل قالوا: «إن ظاهره مراد»؛ لأن ظاهرها هو ما يليق بالله تعالى من الوصف الذي يناسبه، فكما أن للمخلوق صفة تناسبه، فلله تعالى صفة تناسبه.
وإذا كانت ذات الله تعالى ليست مثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين، و «الكلام في الصفات كالكلام في الذات».
وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فالله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
وقوله: (وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه) المنسوب؛ هو: الصفة، والمنسوب إليه؛ هو: الموصوف، أي: ليست الصفة المنسوبة إلى الله؛ كالصفة المنسوبة إلى المخلوق، (ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه) أي: وليس الخالق الذي تنسب إليه صفاته؛ كالمخلوق الذي تنسب إليه صفاته.
واستشهد الشيخ هنا بحديث الرؤية، وقد ذكره بمعناه، وقد جاء بألفاظ كثيرة، ومنها قوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم؛ كما ترون هذا القمر» (١) الحديثَ.
стр. 324
فالرؤية والرائي في الموضعين في الحديث متعلقة بالمخلوق، ولذا شبه (الرؤية بالرؤيةِ)، فرؤيةُ المؤمنين لربهم تشبه رؤيتهم للشمس صحواً، والقمر ليلة البدر من حيث:
أولاً: الجلاء، والوضوح، وعدم الخفاء.
ثانياً: أنها رؤية من العلو، وفيه رد على الأشاعرة القائلين بأنه: «يرى لا في جهة».
ثالثاً: الرؤية من غير إحاطة.
وأما المرئي، فالمذكور «أولاً» هو الله تعالى، والمذكور «ثانياً» هو القمر، ولا يُقصد في الحديث تشبيه المرئي بالمرئي؛ لأن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولهذا قال الشيخ تعليقاً على هذا الحديث: (فشبه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي).
* * *
стр. 325
المحاذير المترتبة على توهم التشبيه في صفات الله أو بعضها
وهذا يتبين ب:
القاعدة الرابعة
وهي أن كثيراً من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها؛ أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:
أحدها: كونه مَثَّلَ ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنَّ أن مدلول النصوص هو التمثيل.
الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطَّله؛ بقيت النصوص معطلة عمَّا دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ، الذي ظنه بالله ورسوله - حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل -؛ قد عطَّل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه.
الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم؛ فيكون معطلاً لما يستحقه الرب تعالى.
стр. 326
الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات المَوات والجمادات، أو صفات المعدومات.
فيكون قد عطَّل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عمَّا دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله، وفي كلام الله بين التعطيل، والتمثيل؛ فيكون ملحداً في أسمائه وآياته.
تقدم في القاعدة السابقة: أن ظاهر نصوص الصفات مرادٌ، وهو ما يليق بالله تعالى ويختص به من صفات الكمال.
وأن الزعم بأن الظاهر غير مراد؛ باطل، فإنْ جَعَلَ الظاهر هو التمثيل؛ فهو مبطل من حيث ظن أن ذلك هو ظاهر النصوص، وإن أثبت الصفات على ما يليق بالله تعالى، أو جعل الظاهر الذي هو ما يليق بالله من إثبات الصفات تمثيلاً؛ فهو مبطل من حيث نفى الظاهر اللائق بالله تعالى.
وهذا يتبين ب «القاعدة الرابعة» التي سيتكلم عليها المؤلف هنا، ومدارها عمَّا يترتب عليه توهم التشبيه في صفات الله تعالى؛ وهي: (أن كثيراً من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها؛ أنها تماثل صفات المخلوقين).
стр. 327
هذا التنويع الذي ذكره المؤلف راجع إلى تنوع الناس في توهم التمثيل، فمنهم من يتوهم ذلك في كل الصفات؛ كالجهمية والمعتزلة، ومنهم من يتوهم ذلك في كثير منها، أو أكثرها؛ كالأشاعرة ونحوهم، ثم إن هذا المتوهم يريد أن ينفي تلك الصفات التي فَهِم منها التمثيل، فيقع في أربعة أنواع من المحاذير؛ وهي أنواع من الإلحاد في أسماء الله، وآياته:
أحدها: ظنَّه واعتقاده أن ظاهرَ نصوصِ الصفاتِ مُمَاثَلَةُ صفاتِ الله لخلقه، فجعل مدلول كلام الله: الكفر، والضلال.
الثاني: أنه لما اعتقد أن ظاهر النصوص التمثيل، ونفى الصفات من أجل ذلك؛ عطَّل النصوص عمَّا دلت عليه من الحق الذي أراده الله ورسوله منها.
وهذان المحذوران يتعلقان بالنصوص الشرعية، فقد جمع فيهما بين: التعطيل، والتمثيل.
الثالث: أنه ينفي عن الله تعالى صفات كماله بغير علم؛ فيعطل الرب عمَّا يجب له من صفات الكمال.
الرابع: أن تعطيله ذلك يؤول به إلى وصف الله تعالى بنقيض صفاته، فيصفه بصفات: الجمادات، والناقصات، أو المعدومات، والممتنعات.
وهذان المحذوران يتعلقان بصفات الرب تعالى.
стр. 328
وهذه الأربعة كلها محذورة، وتنافي تعظيم الله تعالى، وتعظيم كلامه، وكل واحد من هذه الأربعة كافٍ في بيان فساد مذهب المعطلة.
ثم إن الشيخ بعد أنْ فصَّل هذه المحاذير؛ ذكرها مجملة مبيناً أنها من الإلحاد في أسماء الله تعالى، وآياته، وذلك في قوله: (فيكون قد عطَّل صفات الكمال .. ) إلخ، فقوله: (فيكون قد عطَّل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات) فيه ذكر للثالث، والرابع، وقوله: (وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات) فيه ذكر الثاني، ثم الأول.
وقوله: (فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل) فيه إجمال لتلك المحاذير بعد إجمال.
(فيكون ملحداً في أسمائه وآياته)، وقد ذم الله تعالى الملحدين في أسمائه وآياته، قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٨٠)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤٠)﴾ [فصلت].
* * *
стр. 329
إبطال توهم التشبيه في وصفه تعالى بالاستواء على العرش
مثال ذلك أن النصوص كلَّها دلتْ على وصف الإله بالعلو والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش؛ فأما علوه ومبيانته للمخلوقات؛ فيعلم بالعقل الموافق للسمع، وأما الاستواء على العرش؛ فطريق العلم به هو السمع، وليس في الكتاب والسنة وصفٌ له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينه ولا مداخله.
أي: مثال ما وقع فيه توهم تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه: أن النصوص الشرعية قد تظافرت وتنوعت بوصف الله تعالى بالعلو على المخلوقات، والاستواء على العرش، وهناك فروق بين الاستواء على العرش والعلو (١)؛ وهي:
١ - أن العلو ثابت بالعقل والسمع، وأما الاستواء؛ فطريق العلم به هو السمع.
٢ - أن العلو صفة ذاتية، وأما الاستواء فصفة فعلية.
стр. 330
٣ - أن العلو عام على جميع المخلوقات، أي: أن الله تعالى عالٍ على جميع الخلق، وأما الاستواء؛ فهو خاص بالعرش.
ولم يأتِ في الكتاب ولا في السنة وصف الله تعالى بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، كما يقوله بعض نفاة العلو من المعطلة؛ لأن هذا قولٌ باطل ممتنع.
* * *
стр. 331
فيظن المتوهم أنه إذا وُصف بالاستواء على العرش؛ كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُون (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِين (١٣)﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٣]، فيتخيل أنه إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فلو انخرقت السفينة؛ لسقط المستوي عليها، ولو عثرت الدابة؛ لخرَّ المستوي عليها.
فقياس هذا: أنه لو عدم العرش؛ لسقط الرب ﵎، ثم يريد - بزعمه - أن ينفي هذا فيقول: «ليس استواؤه بقعود ولا استقرار».
أي: يظن هذا المتوهم أن الله تعالى إذا وُصف بالاستواء على العرش؛ لزم أنه يكون استواؤه كاستواء المخلوق على الفلك والأنعام.
ومعلوم أن استواء المخلوق على غيره يكون محمولاً ومعتمداً على ما تحته من سفينة أو سيارة أو غير ذلك، فلو غرقت السفينة أو عثرت الدابة؛ لخرَّ مَنْ فوقها؛ لأنه تَبَعٌ لها.
فهذا المتوهم ظن أنه يلزم من استواء الله تعالى على العرش ما يلزم من استواء المخلوق على المخلوق، فيريد أن ينفي هذا المعنى الباطل الذي فهمه، فينفي تبعاً لذلك ما دل عليه النص من المعنى الحق، فيقول هذا المتوهم في تفسير الاستواء: (ليس استواؤه بقعود
стр. 332
ولا استقرار)، فإن كان مؤولاً؛ قال: «إنه الاستيلاء»، وإن كان مفوضاً؛ قال: «الله أعلم بمراده به».
وقد فسَّر السلف «الاستواء» ب: «العلو»، و «الارتفاع»، و «الاستقرار»، و «الصعود» (١).
أما لفظ القعود؛ فلم يذكر في الآثار المروية في تفسير الاستواء، وأما لفظ الجلوس؛ فقد ورد في بعض الآثار نسبة الجلوس إلى الله تعالى (٢)، وأنه يجلس على كرسيه كيف شاء سبحانه، وربما أطلق بعض الأئمة هذا اللفظ أيضاً، وهو بمعنى القعود؛ بل قد ورد القعود - أيضاً - في بعض الآثار، وسياق كلام الشيخ يشعر بأن الاستواء يتضمن القعود، لكن الأَوْلى التوقف في إطلاق هذا اللفظ إلا أن يثبت (٣).
стр. 333
ولا يعلم أن مُسمَّى القعود والاستقرار؛ يقال فيه ما يقال في مسمى الاستواء!، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك؛ فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستوياً ولا مستقراً ولا قاعداً، وإن لم يدخل في مسمى ذلك إلا ما يدخل في مسمى الاستواء؛ فإثبات أحدهما ونفي الآخر؛ تحكُّمٌ.
وقد عُلم أن بين مسمى الاستواء والاستقرار والقعود فروقاً معروفة، ولكن المقصود هنا أن يعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره.
وكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك.
أي: يقال لهذا الغالط المتوهم في القعود والاستقرار ما يقال في الاستواء، فإن كانت الحاجة داخلة في مفهوم الاستواء - الذي يثبته - والقعود والاستقرار؛ فالله تعالى بهذا المعنى والاعتبار؛ ليس مستوياً ولا مستقراً ولا قاعداً؛ لأنه تعالى منزه عن الحاجة بغناه عمَّا سواه.
وإن كانت الحاجة غير داخلة، وأنه لا يدخل في مسمى القعود والاستقرار (إلا ما يدخل في مسمى الاستواء، فإثبات أحدهما ونفي الآخر؛ تحكم).
стр. 334
فالمنفي هو الحاجة والافتقار، فهذا هو المعنى الذي يجب تنزيه الله تعالى عنه، فمدار النفي هو النقص، فما كان نقصاً؛ وجب تنزيه الله تعالى عنه، ولا يُنفى الكمال بناء على توهم النقص، فالله تعالى مستوٍ على العرش استواء يليق بجلاله، ليس فيه حاجة ولا افتقار؛ لأنه تعالى الغني عمَّا سواه، وكل شيء محتاج إليه تعالى.
فهذا المتوهمُ جَعَل الحاجةَ لازمةً لمطلق الاستواء، ومثَّل لذلك بسقوط المستوي على السفينة، وخرور الراكب على الدابة، وهذا غلط؛ فإن المعنى العام الكلي المشترك للاستواء؛ لا يستلزم الحاجة، وإنما يستلزمُ الحاجةَ استواءُ المخلوق.
أما استواء الرب تعالى على العرش؛ فهو استواء بلا حاجة ولا افتقار (١).
وهناك فروق بين الاستواء، والاستقرار، والقعود:
فالاستواء فُسِّر ب: الارتفاع، والاستقرار، والصعود، والعلو.
والاستقرار فيه معنى الثبات، وهو خلاف الاضطراب.
والقعود؛ هو خلاف القيام.
فالقعود على الشيء، والاستقرار على الشيء، والاستواء على الشيء، فقد يكون قعوداً بلا استقرار، والعكس كذلك.
وأما الاستواء؛ فإنه يتضمن الاستقرار، فكلُّ استواءٍ استقرارٌ، وليس كلُّ استقرارٍ استواءً.
стр. 335
وليس في اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليها سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق، ثم استوى، كما ذكر أنه قدَّر، فهدى، وأنه بنى السماء بأيدٍ، وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى، وأمثال ذلك.
فلم يذكر استواء مطلقاً يصلح للمخلوق، ولا عاماً يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواء أضافه إلى نفسه الكريمة.
فلو قُدِّر - على وجه الفرض الممتنع - أنه هو مثل خلقه - تعالى الله عن ذلك - لكان استواؤه مثل استواء خلقه.
أما إذا كان هو ليس مماثلاً لخلقه، بل قد عُلم أنه الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، وهو لم يذكر إلا استواء يخصه، لم يذكر استواء يتناول غيره ولا يصلح له، كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه إلا ما يختص به؛ فكيف يجوز أن يتوهم أنه إذا كان مستوياً على العرش كان محتاجاً إليه، وأنه لو سقط العرش لخر مَنْ عليه؟! سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.
هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك، أو توهمه، أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله، أو جوَّز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق؟!؛ بل لو قُدِّر أن جاهلاً فهم مثل هذا، أو توهمه لبُين له
стр. 336
أن هذا لا يجوز، وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلاً، كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب نفسه.
فلما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] فهل يتوهم متوهم أنَّ بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج، الذي يحتاج إلى زُبُلٍ (١)، ومجارفَ، وأعوانٍ، وضَرْبِ لَبِنٍ (٢)، وجَبْلِ طين (٣)؟!
ثم قد عُلم أن الله خلق العالم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عاليه مفتقراً إلى سافله، فالهواء فوق الأرض، وليس مفتقراً إلى أن تحمله الأرض، والسحاب - أيضاً - فوق الأرض، وليس مفتقراً إلى أن تحمله، والسموات فوق الأرض، وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها.
فالعلي الأعلى ربُّ كلِّ شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه، كيف يجب أن يكون محتاجاً إلى خلقه، أو عرشه؟! أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار، وهو ليس بمستلزم في المخلوقات؟!
وقد عُلم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره؛ فالخالقُ سبحانه أحقُّ به وأَولى.
стр. 337
يبين الشيخ ﵀: أنه لا أساس لهذا التوهم في دلالة ألفاظ نصوص الاستواء، وذلك لوجوه:
١ - أن الله تعالى ذكر استواءً أضافه إلى نفسه؛ كما أضاف إليه سائر الصفات؛ كعلمه، وسمعه، وبصره، وبنائه للسماء، فالقول في الاستواء؛ كالقول في هذه الصفات.
٢ - من المعلوم أنه تعالى ليس مثل خلقه، فصفاته كذلك، فإن «القول في الصفات كالقول في الذات»، فلو كان الله تعالى مثل خلقه؛ لكانت صفاته مثل صفاتهم.
٣ - من المعلوم أنه تعالى غني عن كل ما سواه، وذلك يتضمن غناه عن العرش، وإن كان مستوياً عليه؛ بل هو الممسك للعرش وما دون العرش.
٤ - أن علو الشيء على غيره لا يستلزم حاجته إلى ما دونه، وذلك ثابت في المخلوقات، فالسحاب فوق الأرض، والسموات بعضها فوق بعض، وليس شيء من ذلك مفتقراً إلى ما تحته، فالله تعالى أولى ألَّا يلزم من علوه على خلقه واستوائه على عرشه حاجة أو افتقار، ومن المعلوم أن ما ثبت للمخلوق من الغنى؛ فالله أولى به.
وقد بيَّن الشيخ أن هذا المعنى الباطل؛ لا يجوز توهمه في ألفاظ النصوص، ولا اعتقاد أنه ظاهرها، فضلاً عن أن يجوِّز ذلك المعنى
стр. 338
الباطل على الله تعالى، وذلك في قوله: ف (هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك، أو توهمه، أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله، أو جوَّز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق؟!).
* * *
стр. 339
معنى أن الله في السماء
وكذلك قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُور (١٦)﴾ [الملك] مَنْ توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات، فهو جاهل ضال بالاتفاق، وإن كنا إذا قلنا: «إن الشمس والقمر في السماء» يقتضي ذلك؛ فإن حرف «في» متعلق بما قبله وما بعده، فهو بحسب المضاف، والمضاف إليه.
ولهذا يُفرَّق بين كونِ الشيء في المكان، وكون الجسم في الحيِّز، وكون العرض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق، فإنَّ لكلِّ نوعٍ من هذه الأنواعِ خاصيةً يتميزُ بها عن غيره، وإن كان حرفُ «في» مستعملاً في ذلك كله.
(في) مِنْ حروف الجر، ولها معانٍ (١)، والأصل فيها «الظرفية»، ولكن هذه الظرفية تختلف بحسب ما قبلها وما بعدها، ولهذا قال الشيخ: إنه (يُفرَّق بين كون الشيء في المكان، وكون الجسم في
стр. 340
الحيز، وكون العرض في الجسم … ) أي: أن (في) في كلِّ هذه التراكيب للظرفية، ولكن لكل تركيب خاصية يتميز بها عن الآخر.
فالشيء في المكان، يعني: أنه قد يتسع لغيره.
والجسم في الحيِّز؛ والحيز: ما شغله الجسم من الفراغ، وعلى هذا؛ فالحيز لا يسع غير الجسم المتحيز فيه.
والعرض في الجسم، يعني: أنه قائم به.
والوجه في المرآة، أي: صورته.
وهكذا صار لكل تركيب معنى يخصه، وأفادت (في) في كل تركيب معنى خاصاً.
وقول الشيخ: (وإن كنا إذا قلنا: إن الشمس والقمر في السماء يقتضي ذلك) أي: يقتضي أنهما في داخل السماء، وهذا يدل على أن الشيخ يذهب إلى ذلك (١)، وهذا مشهور عند المفسرين (٢).
والنصوص ليست صريحة في هذا؛ لأن لفظ (السماء) يحتمل السماء المبنية، والسماء بمعنى العلو، فالإخبار عن الشمس والقمر بأنهما في السماء ليس نصاً بأنهما داخل السماء.
стр. 341
ومن أجل هذا الاحتمال لم يقطعِ المحققون (١) بكذب ما ادَّعاه بعض الكفار مِنْ الوصول إلى القمر، ولم يُكَفِّروا مَنْ صدَّقهم، وقد دلت القرائن بعد ذلك على كذبهم.
* * *
стр. 342
فلو قال قائل: «العرش في السماء أم في الأرض»؟ لقيل: «في السماء»، ولو قيل: «الجنة في السماء أم في الأرض»؟ لقيل: «الجنة في السماء»، ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السموات؛ بل ولا الجنة.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس، فإنها أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن» (١).
فهذه الجنة، سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك، مع أن الجنة في السماء، والسماء يراد به العلو، سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء﴾ [الحج: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان].
من المعلوم أن العرش في السماء وليس في الأرض، وكذا الجنة.
وإذا قيل: «إن العرش في السماء»، أو «الجنة في السماء»؛ لم يلزم أن يكون العرش ولا الجنة داخل السموات.
стр. 343
فقد ثبت أن العرش سقف الجنة، وهذه الجنة فوق الأفلاك، أي: فوق السموات؛ لأن السموات مستديرة (١).
فالسماء يراد بها العلو سواء كان فوق الأفلاك - أي: السموات - أم تحتها، كما في الآيتين اللتين ذكرهما المؤلف، فالسماء في الآية الأولى: «سقف الدار»، وفي الثانية: «السحاب».
وإذا كان الإخبار عن المخلوق بأنه في السماء؛ لا يلزم منه أن يكون داخلَ السمواتِ ولا شيءٍ آخر؛ فالخالق تعالى أَوْلى ألَّا يلزم في حقه ذلك؛ إذ هو العلي الأعلى .
* * *
стр. 344
ولما كان قد استقرَّ في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء؛ كان المفهوم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]: أنه في السماء، وأنه في العلو، وأنه فوق كل شيء.
وكذلك الجارية لما قال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء (١)، إنما أرادت العلو، مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة، وحلوله فيها.
وإذا قيل: «العلو»، فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به؛ إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله، كما لو قيل: «إن العرش في السماء»، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق.
لما بيَّن الشيخ أنَّ المراد بالسماء: العلو، وأنه مِنَ المستقر في نفوس الناس أن الله تعالى هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء؛ ذكر أنهم يفهمون من وصف الله تعالى بأنه في السماء أن معناه: أنه في العلو، وأنه فوق كل شيء، دون أن يكون في شيء موجود يحيط به، أو يحصره، أو يحويه؛ فإن العلو يتناول ما فوق المخلوقات.
стр. 345
وإذا كان المخلوق يمكن أن يوصف بأنه في العلو، دون أن يكون في شيء وجودي يحويه ويحيط به؛ كما في العرش؛ فالخالق أَوْلى وأحرى بألَّا يستلزم وصفه بأنه في السماء أن يكون في شيء وجودي، يحيط به، ويحصره، فلكلِّ مقامٍ مقالٌ.
فإذا قلنا: «الطير في السماء»، فإنا نعني به: العلو النسبي.
وإذا قلنا: «الملائكة في السماء»، فإنا نعني به: السموات المبنية؛ فإنهم عُمَّارها.
وإذا قلنا: «الجنة في السماء»، كان هذا محتملاً أن تكون داخل السموات، أو فوقها، وأما الفردوس التي سقفها عرش الرحمن، وهي أعلى الجنة، فإنها فوق السموات، وهي في العلو، وهكذا العرش.
فكل ما كان في العلو فهو في السماء، وما فوق المخلوقات جميعاً؛ فهو في العلو، العلو المطلق.
فالعلو نوعان: علو نسبي، وعلو مطلق.
فالعلو النسبي يكون في حق المخلوقات، فبعضها فوق بعض، فوصف المخلوق بالعلو؛ هو بالنسبة لما دونه.
أما العلو المطلق على كل شيء؛ فهو في حق الباري ، فله العلو المطلق: ذاتاً، وقدراً، وقهراً.
стр. 346
وإذا قُدِّر أن السماء المراد بها الأفلاك؛ كان المراد أنه عليها، كما قال: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]، ويقال: «فلان في الجبل»، و «في السطح»، وإن كان على أعلى شيء فيه.
هذا تمام الكلام على قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦].
ما معنى أن الله في السماء؟ الأصل في معنى «في» أنها للظرفية، ومعنى السماء: العلو، فمعنى أن الله في السماء، أي: في العلو.
وإذا قُدِّر أن المراد بالسماء في قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ يعني: الأفلاك، أي: السموات السبع الطباق المبنية؛ فيتعين أن تكون «في» بمعنى: «على»، ولذلك شواهد في لغة العرب، وكما في الآيتين والمثالين اللذين ذكرهما المؤلف فإن «في» بمعنى «على».
وقول الشيخ: (وإن قُدِّر أن السماء المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها) يريد لفظ (السماء) الذي في الآية، ويريد بالأفلاك: السموات السبع.
стр. 347
وقد جعل هذا التفسير احتمالاً مما يدل على أن الراجح عنده: أن معنى (السماء) في الآية العلو، و «في» للظرفية (١).
ولا منافاة بين التفسيرين.
* * *
стр. 348
علم العباد بما أُخبِروا به من وجه دون وجه
القاعدة الخامسة
أنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه، فإن الله تعالى قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب (٢٩)﴾ [ص]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد]، فأمر بتدبر الكتاب كله.
وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَاب (٧)﴾ [آل عمران].
معنى هذه القاعدة: أن ما أخبرنا الله به ورسوله ﷺ من الأسماء والصفات، أو أمر المعاد؛ معلوم لنا من وجه لا مطلقاً، فلو كان معلوماً لنا مطلقاً كُنَّا محيطين بما أخبرنا به، والله تعالى يقول:
стр. 349
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه]، ولو كنا لا نعلمه مطلقاً؛ كانت هذه الأخبار ألفاظاً لاحظَّ لنا منها؛ إلا مجرد التلاوة، من غير أن يكون للعقل والفهم حظ.
فهذه الأخبار إذاً؛ معلومة لنا من وجه دون وجه، فإذا قرأناها فهمناها؛ لكن فهماً محدوداً، فنفهمها من جانب، ولا نحيط بها علماً.
أما الوجه الذي نعلمه؛ فهو: ما تدل عليه هذه النصوص حسب دلالة اللسان العربي، لأننا خوطبنا بلسان عربي مبين، والرسول ﵊ عربي، فكل من يحسن اللسان العربي له حظ من فهم هذه النصوص.
فنفهم هذه النصوص من جهة ما تدل عليه من المعنى بحسب دلالة اللغة، ولا بد - أيضاً - من مراعاة السياق الذي وردت فيه، ودلالة النصوص المفسِّرة، فإن كلام الله تعالى يُفَسِّر بعضه بعضاً، والسنة تفسر القرآن، هذا هو الوجه الذي نعلمه.
أما الوجه الذي لا نعلمه؛ فهو الحقائق والكيفيات لتلك الأمور المخبَرِ عنها، فلا نعلم حقائقها، ولا كيفياتها بل هي غيب، فيكون هذا الخبرُ معلوماً لنا من جهة معناه، وغيرَ معلومٍ لنا من حيث حقيقتُه وكيفيته.
فقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] فيه خبرٌ عن الله بأن يديه تعالى مبسوطتان، وهذا يدل على أن له تعالى يدين، ومن شأن يديه البسط، والبسط تقدم أنه يحتمل معنيين (١):
стр. 350
أحدهما: البسط ضد القبض، فالله تعالى يبسط يديه كما يشاء، ويقبضهما كما يشاء.
والآخر: أن المراد بالبسط كثرة العطاء والجود (١).
وكلٌّ من المعنيين حق، لكن المعنى الثاني أنسب للسياق، لأن المراد الرد على اليهود الذين وصفوا الله بالبخل، وعبَّروا عن ذلك بقولهم: ﴿يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، ويوضحه قوله بعدها: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾؛ فنفهم من هذه الآية أنه تعالى له يدان، وأنهما مبسوطتان، وأنه تعالى ينفق كيف يشاء، وأن يديه ليست كيدي أحد من الخلق.
وهذا يرجع إلى ما علم بالشرع والعقل؛ مِنْ أنه تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وليس المراد باليدين القوة أو النعمة، فإن هذا وإن كان له أصل في اللغة إلا أنه يأباه السياق، ويأباه - أيضاً - ذكر اليدين بلفظ التثنية؛ كما تقدم في المقارنة بين آية «ص» وآية «يس» (٢).
فهذا هو الجانب الذي نعلمه، وهو موجَب اللغة، والسياق، والنصوص الأخرى المفسِّرة، ولكن لا نعلم كنه يديه وكيفيتهما، ولا يصح لنا أن نتخيل كيفية يدي الرب تعالى على نحو أيدي أحد من العباد؛ لأنه تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته.
стр. 351
فمن قال: «كيف يدي الرب»؟ قلنا له: «كيف الرب»؟ فإذا قال: «لا يَعلم كيف هو إلا هو». قلنا: «وكذلك يداه لا يعلم كيفيتهما إلا هو »، ف «القول في الصفات كالقول في الذات» من حيث الثبوت، ونفي التشبيه، ونفي العلم بالكيفية.
إذاً؛ فقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ معلوم لنا من وجه دون وجه، وهكذا سائرُ نصوصِ الصفاتِ القولُ فيها واحد، وكذا نصوصُ المعاد القول فيها كالقول في نصوص الصفات، كما في المثل الأول المتقدم (١).
فإذا قرأنا قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّان (٦٨)﴾ [الرحمن]، وقوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَان (٥٠)﴾ [الرحمن]، ونحوها؛ فهذه النصوص معلومة لنا من وجه، فنفهم من هذه الآيات أن الله تعالى أعد لعباده أصناف النعيم: من مشارب، وملابس ومساكن، وزوجات، كما قال تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِين (٢٠)﴾ [الطور] فيفهم من هذه الآية: أن نساء الجنة حور عين، والحُور: جمع حوراء، والعِين: جمع عَيناء، والحَوَرُ؛ هو: «شدة سواد العين، مع شدة بياضها، مع بياض البدن» (٢)، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣)، والعَيَنُ؛ هو: سعة العين (٤)، فضيق العين وصغرها؛ مذموم في الصفات (٥).
стр. 352
فهذا كله مفهوم لنا بدلالة اللغة، ودلالة السياق، ولكن لا نعلم كُنه هذه المطاعم، والمشارب، والملابس، ولا نتصور ولا نتخيل حقيقة وكنه تلك الزوجات؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال تعالى في الحديث القدسي المتفق على صحته: «أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١)، فنعلم أن ما أخبر الله به ورسوله ممَّا أعد الله لأوليائه في الجنة؛ أنه وإنْ كان موافقاً لما نعرفه في الدنيا؛ فإنه ليس مثل ما في الدنيا، كما قال ابن عباس ﵄: «ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء» (٢).
إذاً نصوص الوعد معلومة لنا من وجه دون وجه.
وهذه القاعدة يقصد بها الرد على أهل التفويض الذين يقولون: إن هذه النصوص - أي: نصوص الصفات - من المتشابه؛ فلا يفهم منها شيء، ولا تدل على معنى يدركه السامع، والمخاطَب، والتالي، فهي ألفاظٌ تقرأ فقط، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والدليل على هذه القاعدة مركب من مجموع دليلين فأكثر؛ فأما الدليل على الوجه الأول من القاعدة؛ فآيات التدبر، كما قال الله تعالى: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾) وقال: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾)، وقال: (﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾).
стр. 353
فالله تعالى ذم الكافرين والمنافقين على إعراضهم عن تدبر القرآن، وفي هذا أمر للمؤمنين بتدبر القرآنِ، وتدبرُ القرآن؛ هو: تعقل معانيه والنظر في دلالاته، وإنما يُدرك معنى الكلام في أخرياته؛ فلا يفهم معناه إلا بعد استكماله، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي: أَغَفَلوا فلا يتدبرون القرآن؟! (١).
وإذا جاء حرف العطف بعد الهمزة؛ فالراجح أن العطف على محذوف، ويقدَّر بنحو ما ذكر (٢).
وقوله تعالى: (﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب (٢٩)﴾) فيه بيان أن الله تعالى أنزل كتابه ليتفكر الناس في آياته، ويعقلوا معانيها، لأن التدبر هو الطريق إلى فهم المراد من الكلام، ولكن لا بدَّ أن يكون هذا التدبر مبنياً على أصول الفهم، فلا بد أن يكون لدى المتدبر:
* إلمامٌ باللغة العربية.
* وبالأدلة الشرعية.
стр. 354
* وبالمأثور من التفسير، عن الرسول ﷺ ، وعن الصحابة، والتابعين.
قوله تعالى: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾) تدل هذه الآية على الحض على تدبر القرآنِ كلِّه لا بعضه، فعلم بهذا أنَّ القرآن كلَّه يمكن فهمه، لأن ما لا يمكن فهمه؛ لا يؤمر بتدبره، لأنه لا معنى ولا فائدة لتدبره، فلو سمعت كلاماً أعجمياً وأنت لا تعرف هذه اللغة؛ فإنه ليس بإمكانك أن تتدبره لتفهم شيئاً، فالكلام الذي يتدبر هو الذي يمكن فهمه، وما لا يمكن فهمه؛ فلا يؤمر بتدبره، بل لا يمكن تدبره.
فلما أمر الله تعالى بتدبر القرآن كله علم أن القرآن كله يمكن فهمه؛ ليكون حجة على صدق الرسول ﷺ ، وللتعبد بتلاوته، والتعبد بتدبره، ثم بالإيمان بمعانيه، والعمل بأوامره ونواهيه (١).
إذاً؛ فنصوص التدبر تدل على أنا نعلم ما أخبرنا به من نصوص الصفات ونصوص المعاد من وجه، وهو الشِّق الأول من القاعدة.
وهناك أدلة أخرى من هذا الجنس تدل على هذا، كقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وقوله تعالى ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وما أشبهها، وهذا ليس خاصاً ببعض القرآن؛ فكل القرآن بيان للناس، وهدى لهم، وما لا يفهم منه شيء لا يكون بياناً ولا هدى.
стр. 355
ففي النصوص المتقدمة دليل على الشِّق الأول من القاعدة؛ وهو: «أنا نعلم ما أخبرنا به من وجه»، وفيها رد على أهل التفويض الذين يقولون: «إن من نصوص القرآن ما لا يفهمه أحد»، كما سيأتي في الكلام على المتشابه.
والدليل على الشِّق الثاني من القاعدة، أي: الدليل على أن من مدلول هذه الأخبار ما لا يعلمه العباد آية آل عمران؛ وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَاب (٧)﴾، والضمير في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ يعود إلى الآيات المتشابهات، فلا يعلم تأويل المتشابه إلا الله تعالى.
فبين هذه الآية والآيات المتقدمة في التدبر تعارض في الظاهر؛ لأن آيات التدبر تدل على أن القرآن كله يمكن فهمه، وهذه الآية يظهر منها: أن من آيات القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله سبحانه، وهذا تعارض في الظاهر.
والجمع بينها هو القاعدة؛ وهو أن نقول: إن الآيات المتشابهات ليست ألفاظاً مجردة لا يفهم منها شيء، وليست معلومة من كل وجه؛ بل هي معلومة من وجه دون وجه، ويتضح هذا بمعرفة معنى التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو الحقيقة المخبَر عنها في النصوص، كما سيأتي في الكلام على معاني التأويل.