فمن قال: «كيف يدي الرب»؟ قلنا له: «كيف الرب»؟ فإذا قال: «لا يَعلم كيف هو إلا هو». قلنا: «وكذلك يداه لا يعلم كيفيتهما إلا هو »، ف «القول في الصفات كالقول في الذات» من حيث الثبوت، ونفي التشبيه، ونفي العلم بالكيفية.
إذاً؛ فقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ معلوم لنا من وجه دون وجه، وهكذا سائرُ نصوصِ الصفاتِ القولُ فيها واحد، وكذا نصوصُ المعاد القول فيها كالقول في نصوص الصفات، كما في المثل الأول المتقدم (١).
فإذا قرأنا قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّان (٦٨)﴾ [الرحمن]، وقوله: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَان (٥٠)﴾ [الرحمن]، ونحوها؛ فهذه النصوص معلومة لنا من وجه، فنفهم من هذه الآيات أن الله تعالى أعد لعباده أصناف النعيم: من مشارب، وملابس ومساكن، وزوجات، كما قال تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِين (٢٠)﴾ [الطور] فيفهم من هذه الآية: أن نساء الجنة حور عين، والحُور: جمع حوراء، والعِين: جمع عَيناء، والحَوَرُ؛ هو: «شدة سواد العين، مع شدة بياضها، مع بياض البدن» (٢)، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣)، والعَيَنُ؛ هو: سعة العين (٤)، فضيق العين وصغرها؛ مذموم في الصفات (٥).
стр. 352
فهذا كله مفهوم لنا بدلالة اللغة، ودلالة السياق، ولكن لا نعلم كُنه هذه المطاعم، والمشارب، والملابس، ولا نتصور ولا نتخيل حقيقة وكنه تلك الزوجات؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال تعالى في الحديث القدسي المتفق على صحته: «أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١)، فنعلم أن ما أخبر الله به ورسوله ممَّا أعد الله لأوليائه في الجنة؛ أنه وإنْ كان موافقاً لما نعرفه في الدنيا؛ فإنه ليس مثل ما في الدنيا، كما قال ابن عباس ﵄: «ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء» (٢).
إذاً نصوص الوعد معلومة لنا من وجه دون وجه.
وهذه القاعدة يقصد بها الرد على أهل التفويض الذين يقولون: إن هذه النصوص - أي: نصوص الصفات - من المتشابه؛ فلا يفهم منها شيء، ولا تدل على معنى يدركه السامع، والمخاطَب، والتالي، فهي ألفاظٌ تقرأ فقط، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والدليل على هذه القاعدة مركب من مجموع دليلين فأكثر؛ فأما الدليل على الوجه الأول من القاعدة؛ فآيات التدبر، كما قال الله تعالى: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾) وقال: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾)، وقال: (﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾).
стр. 353
فالله تعالى ذم الكافرين والمنافقين على إعراضهم عن تدبر القرآن، وفي هذا أمر للمؤمنين بتدبر القرآنِ، وتدبرُ القرآن؛ هو: تعقل معانيه والنظر في دلالاته، وإنما يُدرك معنى الكلام في أخرياته؛ فلا يفهم معناه إلا بعد استكماله، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي: أَغَفَلوا فلا يتدبرون القرآن؟! (١).
وإذا جاء حرف العطف بعد الهمزة؛ فالراجح أن العطف على محذوف، ويقدَّر بنحو ما ذكر (٢).
وقوله تعالى: (﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب (٢٩)﴾) فيه بيان أن الله تعالى أنزل كتابه ليتفكر الناس في آياته، ويعقلوا معانيها، لأن التدبر هو الطريق إلى فهم المراد من الكلام، ولكن لا بدَّ أن يكون هذا التدبر مبنياً على أصول الفهم، فلا بد أن يكون لدى المتدبر:
* إلمامٌ باللغة العربية.
* وبالأدلة الشرعية.
стр. 354
* وبالمأثور من التفسير، عن الرسول ﷺ ، وعن الصحابة، والتابعين.
قوله تعالى: (﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾) تدل هذه الآية على الحض على تدبر القرآنِ كلِّه لا بعضه، فعلم بهذا أنَّ القرآن كلَّه يمكن فهمه، لأن ما لا يمكن فهمه؛ لا يؤمر بتدبره، لأنه لا معنى ولا فائدة لتدبره، فلو سمعت كلاماً أعجمياً وأنت لا تعرف هذه اللغة؛ فإنه ليس بإمكانك أن تتدبره لتفهم شيئاً، فالكلام الذي يتدبر هو الذي يمكن فهمه، وما لا يمكن فهمه؛ فلا يؤمر بتدبره، بل لا يمكن تدبره.
فلما أمر الله تعالى بتدبر القرآن كله علم أن القرآن كله يمكن فهمه؛ ليكون حجة على صدق الرسول ﷺ ، وللتعبد بتلاوته، والتعبد بتدبره، ثم بالإيمان بمعانيه، والعمل بأوامره ونواهيه (١).
إذاً؛ فنصوص التدبر تدل على أنا نعلم ما أخبرنا به من نصوص الصفات ونصوص المعاد من وجه، وهو الشِّق الأول من القاعدة.
وهناك أدلة أخرى من هذا الجنس تدل على هذا، كقوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٨] وقوله تعالى ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وما أشبهها، وهذا ليس خاصاً ببعض القرآن؛ فكل القرآن بيان للناس، وهدى لهم، وما لا يفهم منه شيء لا يكون بياناً ولا هدى.
стр. 355
ففي النصوص المتقدمة دليل على الشِّق الأول من القاعدة؛ وهو: «أنا نعلم ما أخبرنا به من وجه»، وفيها رد على أهل التفويض الذين يقولون: «إن من نصوص القرآن ما لا يفهمه أحد»، كما سيأتي في الكلام على المتشابه.
والدليل على الشِّق الثاني من القاعدة، أي: الدليل على أن من مدلول هذه الأخبار ما لا يعلمه العباد آية آل عمران؛ وهي قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَاب (٧)﴾، والضمير في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ يعود إلى الآيات المتشابهات، فلا يعلم تأويل المتشابه إلا الله تعالى.
فبين هذه الآية والآيات المتقدمة في التدبر تعارض في الظاهر؛ لأن آيات التدبر تدل على أن القرآن كله يمكن فهمه، وهذه الآية يظهر منها: أن من آيات القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله سبحانه، وهذا تعارض في الظاهر.
والجمع بينها هو القاعدة؛ وهو أن نقول: إن الآيات المتشابهات ليست ألفاظاً مجردة لا يفهم منها شيء، وليست معلومة من كل وجه؛ بل هي معلومة من وجه دون وجه، ويتضح هذا بمعرفة معنى التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو الحقيقة المخبَر عنها في النصوص، كما سيأتي في الكلام على معاني التأويل.
стр. 356
فالآيات المتشابهات معلومة لنا من وجه دون وجه، فالوجه الذي نعلمه هو الذي نصل إليه بالتدبر، والوجه الذي لا نعلمه هو الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وأخبرنا بذلك في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، إذاً؛ فهذه القاعدة يستدل لها بمجموع النصوص: نصوص التدبر وما أشبهها، وآية آل عمران.
وهي مستنبطة من هذه النصوص، وهي أيضاً تتضمن الجمع بين هذه النصوص، فبمراعاة مضمون القاعدة؛ يحصل الجمع.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قد دلت الآية على أن القرآن نوعان: آيات محكمات، وآيات متشابهات، والآياتُ المحكمات هنَّ الأصل الذي يُرَدُّ إليه غيره، فالآيات المتشابهات ترد إلى الآيات المحكمات.
وقد اختُلِف في المراد بالمحكمات والمتشابهات (١)، فقيل: المحكم؛ هو: «البيِّن الذي لا يشتبه معناه، ولا يخفى على أكثر الناس»، والمتشابه؛ هو: «الذي يخفى معناه على بعض الناس».
وقريب من هذا قول من يقول: المحكم؛ هو: «ما لا يحتمل إلا معنى واحداً»، والمتشابه؛ هو: «ما يحتمل أكثر من معنى».
وقيل: المحكم؛ هو: «الناسخ»، والمتشابه؛ هو: «المنسوخ».
وقيل: إن المحكم؛ هو: «ما يجب الإيمان به والعمل»، أي: يقتضي عملاً؛ كنصوص الأوامر والنواهي، والحلال والحرام، والمتشابه: «ما
стр. 357
يجب الإيمان به ولا يقتضي عملاً»؛ كالنصوص الخبرية التي تتضمن أموراً علمية عقدية، كما تضمنته سورة الإخلاص.
وسيأتي لهذا مزيد بحث عند الكلام على المحكم والمتشابه بنوعيه العام والخاص في ثنايا هذه «القاعدة» (١)؛ فإن القرآن قد وُصف بأنه كله محكم، وبأنه كله متشابه، وأن بعضه محكم وبعضه متشابه، كما في هذه الآية، آية آل عمران، ولهذا كان الإحكام نوعين، والمتشابه نوعين، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾ أي: يعرضون عن المحكم الواضح البيِّن، ويتبعون المتشابه الذي فيه خفاء واشتباه؛ طلباً للصد عن سبيل الله، وتضليل الناس عن الحق، وطلباً لتأويله الذي لا سبيل إلى معرفته؛ وهو ما استأثر بعلمه سبحانه، أو طلباً لتفسيره على ما يوافق أهواءهم، أو طلباً لتفسيره بغير علمٍ، وتفسيرُه لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم على القراءة الأخرى.
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ الآية فيها قراءتان؛ فالجمهور من الأمة سلفاً وخلفاً على الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، وذهب بعض السلف إلى أن الوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فعلى الأول الراسخون في العلم لا يعلمون
стр. 358
تأويل المتشابه، وتكون جملة: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ مستأنفة ف «الراسخون» مبتدأ، وجملة «يقولون» خبر المبتدأ.
وعلى القراءة الثانية - كما هو رأي مجاهدٍ ومَن معهُ - يكون الراسخون في العلم يعلمون تأويله، وجملة «يقولون» مستأنفة، وإذا وصَلْتَ تكون الجملة الفعلية حالاً، أي: الراسخون في العلم يعلمون تأويله قائلين: آمنا به، وتكون في محل نصب (١).
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ هذا من كمال علمهم، فالعلم الصحيح يثمر الإيمان.
فهذه هي «القاعدة»، وهذا هو دليلها، ثم يأتي الكلام على ما يتعلق بمعاني التأويل.
* * *
стр. 359
تعدد معاني التأويل، والمراد به في آية آل عمران
وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، وهذا هو المأثور عن أُبَيِّ بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم، ورُوي عن ابن عباس أنه قال: «التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب».
وقد رُوي عن مجاهدٍ وطائفةٍ: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عن تفسيرها».
الاستدلال بالآية على «القاعدة» لا يتم إلا على مذهب الجمهور في الوقف في هذه الآية، لأن الآية على هذه القراءة تدل على: أنَّ مِنْ تأويل المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وهذا هو المروي عن أئمة القُرَّاء من الصحابة؛ كابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب
стр. 360
رضي الله تعالى عنهم (١)، ثم ذكر الشيخ أثر ابن عباس المشهور، وقد رواه ابن جرير، وغيره (٢).
وهذا الأثر يدل على مضمون «القاعدة» - أيضاً -؛ فإنه يدل على أن هذه النصوص ليست معلومة للناس من كل وجه؛ بل مِنْ مدلولاتها ما لا يعلمه إلا الله، فالأوجه الثلاثة الأولى في هذا الأثر: مِنْ علم العباد.
فأما الذي (تعرفه العرب من كلامها)؛ فكالمعاني اللغوية، فإن القرآن نزل بلسان عربي، فيعلم العرب معاني هذه الألفاظ؛ لأنها جاءت بلغتهم، ولهذا كان المشركون يستمعون للقرآن، ويدهشون إذا سمعوه، ويتواصون بعدم استماعه، حذراً من التأثر به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون (٢٦)﴾ [فصلت] فالمعاني اللغوية تعرفها العرب من كلامها، مثل معنى: السماء، والأرض، والشمس، والقمر، والسرر، والأرائك، والنمارق، ونحوها.
وأما التفسير الذي (لا يعذر أحد بجهله)؛ فهو المعاني الشرعية التي يتعلق بها التكليف كالإيمان، والكفر، والصلاة، والزكاة، والصيام الشرعي، فلا يكفي معرفة المعاني اللغوية؛ بل لا بدَّ من معرفة المعاني الشرعية لها، فالصيام مثلاً؛ هو: «الإمساك» في اللغة (٣)، لكن في الشرع؛ هو: «الإمساك عن المفطرات - التي أهمها ثلاثة: الأكل، والشرب،
стр. 361
والجماع - بنِيَّةٍ مِنْ طلوع الفجر إلى غروب الشمس» (١)، كذلك الزكاة، والصلاة، وغيرها.
وقول ابن عباس: (لا يعذر أحد بجهله) لعل المراد: أنه لا يعذر أحد بعدم تعلمه وتحصيله، فلا بدَّ من معرفة المكلف للمعاني الشرعية، لكن لو وقع جهل ببعض هذه الأحكام لا عن تقصير وإعراض ولا تفريط؛ فإنه يعذر.
والتفسير الذي (يعلمه العلماء) هو تفاصيل الأحكام، ودقائق الاستنباط، وتفاصيل الحِكم في الجملة، فهذا من شأن العلماء.
وأما التفسير الذي (لا يعلمه إلا الله)؛ فهو ما استأثر الله تعالى به من حقائق ما أخبر به، وتفاصيل حِكَمه تعالى في شرعه، فالحِكَمُ في شرعه وقدره؛ لا يعلمها على التفصيل إلا الله سبحانه.
إذاً؛ هذا الأثر من الشواهد التي يستشهد بها للقاعدة، فقول ابن عباس هذا؛ يطابق ما دلت عليه الآيات المتقدمة من آيات التدبر ونحوها، وآية آل عمران.
قوله: (وقد روي عن مجاهدٍ، وطائفةٍ: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله) (٢).
أي: تأويل المتشابه، وإذا كان الراسخون في العلم يعلمون المتشابه؛ فيكون الوقف في الآية على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، هذا
стр. 362
هو مقتضى قول مجاهد، ويدل على هذا - أيضاً -؛ قوله: (عرضت المصحف - المصحف مثلث الميم (١)، أي: القرآن الكريم، فالمصحف اسم لما كُتب فيه جميع القرآن - على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية، وأسأله عن تفسيرها) (٢) فيه دلالة على أن القرآن كلَّه يمكن فهمه، ويمكن السؤال عن معناه، ولو كان في القرآن ما لا يمكن فهم معناه لما صح السؤال عنه كله، ومعنى كلام مجاهد أنه يسأل ابن عباس عمَّا يخفى معناه مِنْ المعاني الدقيقة، والمعاني الشرعية التي يختص بعلمها الراسخون في العلم؛ كابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
إذاً؛ فهذان قولان في الآية، من حيث القراءة، ومن حيث التفسير، فالجمهور على أن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ ومقتضى ذلك: أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه، والقول الثاني: أن الوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ومضمون هذا: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه.
وهذان القولان بينهما تقابل بالسلب والإيجاب، والسلبُ والإيجاب نقيضان، فبينهما تعارض في الظاهر، ولكن في الحقيقة أنه لا تعارض بينهما، وهذا ما يريد الشيخ أن يقرره بقوله:
стр. 363
ولا منافاة بين القولين عند التحقيق؛ فإن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملاً في ثلاثة معانٍ:
أحدها: - وهو اصطلاح كثيرٍ مِنْ المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله -: أن التأويل؛ هو: «صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به»؛ وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويلِ نصوص الصفات وتَرْكِ تأويلها، وهل هذا محمود أو مذموم؟، وحق أو باطل؟
أي: قول جمهور الأمة سلفاً وخلفاً؛ وهو: أن الوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، ومقتضى هذا: أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه، وقول مجاهد ومَن معه مِنْ أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، فيكون الوقف على قوله سبحانه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وسبق أن ظاهرهما التعارض؛ لأنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، فلا بدَّ من الجمع بينهما، فمجاهد كما سيأتي إمام المفسرين؛ فلا يليق أن يقال: «إنه خالف الجمهور، وأتى بقول يناقض قول سائر المفسرين».
стр. 364
وإذا أمكن الجمع بين القولين؛ لم يكن هناك تناقض ولا اختلاف في الحقيقة، وغاية الأمر أن يكون من اختلاف التنوع لا من اختلاف التضادِ، وغالبُ الخلاف بين المفسرين من قبيل اختلاف التنوع.
ثم قال الشيخ مبيناً ما يحصل به الجمع بين القولين: (فإن لفظ التأويل قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملاً في ثلاثة معانٍ) (١)، والتعارضُ بين هذين القولين؛ يصح لو كان التأويل ليس له إلا معنى واحد، فإنه يمتنع حينئذٍ الجمع ولكن التأويل له معانٍ.
فيمكن الجمع بين قولِ الجمهور، وقولِ مجاهد ومَن معه: بحمل كلٍّ من القولين على معنى من معاني التأويل، فالذي يقول: «إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه»، يريد بالتأويل معنى غير المعنى الذي يريده مَنْ يقول: «إن الراسخين في العلم يعلمون تأويله»؛ وحينئذٍ يزول التعارض.
والتوفيقُ بين القولين يحصل بمراعاة المعنى الثاني والثالث من معاني التأويل، لكن الشيخ ذكر المعاني الثلاثة.
قوله: (وهو اصطلاحُ كثيرٍ … ) أي: أن هذا اصطلاحٌ محضٌ ليس من اللغة في شيء.
стр. 365
قوله: (أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به) أي: تفسير اللفظ بالمعنى البعيد، وترك المعنى القريب.
فإذا قالوا: «هذا النص مؤول»، فالمراد: أنه مصروف عن ظاهره إلى خلاف ظاهره، ولهذا يقول الأصوليون: إن الأدلة منها ما هو «نص» لا يحتمل إلا معنى واحداً، وهذا لا يتأتى فيه التأويل، ومنها: ما يحتمل أكثر من معنى، ومن هذه المعاني ما هو قريب، ومنها ما هو بعيد، فحمله على المعنى القريب؛ هو: «الظاهر»، وهذا هو الواجب؛ إلا إذا كان هناك دليل يوجب حمله على المعنى الآخر البعيد؛ فيكون: «مؤولاً» (١).
قوله: (وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويلِ نصوص الصفات وتَرْكِ تأويلها، وهل ذلك محمود أومذموم؟ أو حق أو باطل؟) أي: أن الناس خاضوا في هذا، فمِن الناس من يقول: «يجب تأويل نصوص الصفات»، وهم أهل التأويل مِنَ المعطلة، ويقابل أهل التأويل من المعطلةِ: أهلُ التفويض، فكل من أهل التأويل وأهل التفويض؛ ينفون الصفات عن الله سبحانه، لكنهم يختلفون في الموقف من نصوص الصفات.
وهذا التأويل؛ كتأويل «الاستواء» ب «الاستيلاء»، و «اليد» ب «النعمة، أو القدرة»، و «الوجه» ب «الذات أو بالثواب»، وتأويل «النزول» ب «نزول الرحمة، أو نزول ملَك مِنَ الملائكة»، وتأويل قوله تعالى: ﴿وَجَاء
стр. 366
رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] ب «مجيء أمره»، وظاهر هذا النص - مثلاً -: أنه هو تعالى يجيء. والاحتمال المرجوح: مجيء أمره، وهم يقولون: «إن هذا التأويل لدليل»، وهي في الحقيقة شبهات داحضة مردودة، وقد بنوا عليها مذهبهم الباطل.
هذا هو التأويل بالمعنى الأول، ولكن ما حكم هذا التأويل؟
نقول: إن كان الدليل الذي بُني عليه هذا التأويل صحيحاً؛ فالتأويل صحيح؛ لأنه عمل بالدليل الصحيح، وإن كان الدليل لا يصح؛ كان التأويل الذي بني عليه باطلاً.
وأما تأويل نصوص الصفات بمعنى صرفها عن ظاهرها إلى خلاف هذا الظاهر، فإنه باطل بدون تفصيل، لأنه ليس هناك دليل، فأهل التأويل من المعطلة ليس عندهم دليل يجب المصير إليه، ما هي إلا شبهات وحجج داحضة؛ كقولهم: «معنى ﴿وَجَاء رَبُّكَ﴾ أي: أمره؛ لأن المجيء يتضمن انتقالاً، والانتقال ممتنع على الرب تعالى»، أو قولهم: «إن المجيء فعل حادث، والله منزه عن الحوادث».
ومن المعلوم أنه لا دليل على نفي الحوادث عن الله تعالى، فهذا لفظ مبتدع، وهو لفظ محتمل أيضاً، فالمقصود أنه ليس عندهم دليل صحيح لهذا التأويل، فوجب إجراء كلام الله تعالى على ظاهره.
هذا هو المعنى الأول من معاني التأويل، والشيخ ذكره لاستكمال معاني التأويل، وإلا فهذا المعنى - كما تقدم - محض اصطلاح لأهل الفقهِ وأصولِه وأهلِ الكلام، لم يأت في القرآن، ولا أصل له في اللغة العربية.
стр. 367
والثاني: أن التأويل بمعنى: التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن، كما يقول ابن جرير، وأمثاله مِنْ المصنِّفين في التفسير: «واختلف علماء التأويل».
ومجاهدٌ إمام المفسرين، قال الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد؛ فحسبك به» (١).
وعلى تفسيره يعتمد: الشافعيُّ، وأحمدُ بن حنبل، والبخاريُّ، وغيرهم.
فإذا ذَكرَ أنه يعلم تأويل المتشابه؛ فالمراد به: معرفة تفسيره.
هذا أحد معنيي التأويل الواردين في النصوص، والمأثورين عن السلف، وهو مراد كثير من المفسرين من لفظ «التأويل»، وهو الذي عناه مجاهدٌ بقوله: «إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه».
وقول الشيخ: (ومجاهد إمام المفسرين … ) (٢) إلخ، بيان لمنزلة مجاهد في التفسير، ممَّا يوجبُ اعتبارَ قولِه ذلك، فيتعين أنه أراد
стр. 368
بالتأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم: (التفسير)؛ فلا يكون قوله معارضاً لقول الجمهور، كما تقدم.
* * *
стр. 369
الثالث: - من معاني التأويل -؛ هو: «الحقيقة التي يؤول إليها الكلام»، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣].
فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد؛ هو ما أخبر الله تعالى به فيه، ممَّا يكون من: القيامة، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، ونحو ذلك، كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته، وقال: ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠]؛ فجعل عَيْنَ ما وُجِد في الخارج؛ هو تأويل الرؤيا.
هذا هو المعنى الثاني من معنيي (التأويل) الواردين في النصوص، والمأثورين عن السلف؛ وهو: (التأويل) بمعنى: (الحقيقة التي يؤول إليها الكلام)؛ وهي: عين المخبَرِ به الموجود في الخارج، ومِن شواهده: آيتا الأعراف، ويوسف.
قوله تعالى: (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾) استفهام إنكاري بمعنى: «النفي» أي: لا ينتظر هؤلاء الكفار المكذبون إلا تأويل ما أخبروا به مِنْ أمر البعث، والجزاء، والوعيد الشديد.
قوله تعالى: (﴿إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾) أي: تأويل ما جاء في الكتاب من الأخبار عن البعث الذي يكذب به الكفار، والعقاب الذي توعد الله به
стр. 370
المكذبين، فإن هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون (٥٢)﴾ [الأعراف].
فالتأويل هنا بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء.
قوله: (فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه مما يكون من القيامة) إلخ، أي: نفس الواقع في المعاد؛ هو هذا التأويل، فتأويل ما توعد الله تعالى به الكفار - مثلاً - هو نفس ما يكون من العقاب من دخولهم النار.
ومن الشواهد - أيضاً - على هذا المعنى: (قوله تعالى في قصة يوسف ﵊ لما دخل عليه أبواه وإخوته) الأحدَ عشرَ، ورفع أبويه على العرش، وسجدوا له: (﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾) أي: هذه هي حقيقتها وتفسيرها الواقعي.
قوله: (فجعلَ عَيْنَ ما وُجِد في الخارج هو تأويل الرؤيا) أي: ما وجد في الخارج؛ وهو: السجود؛ هو تأويل الرؤيا التي رآها يوسف في أول أمره، فبدأتِ القصة بذكر الرؤيا، وانتهتْ بتفسيرها التفسير الواقعي الخارجي.
فالرؤيا لها تفسير يكون بالكلام، وتفسير يكون في الواقع، وقد اشتملتْ قصة يوسف ﵊ على نماذج من الرؤى: رؤيا يوسف، ورؤيا الفتيين، ورؤيا الملك.
стр. 371
فرؤيا الملك فسَّرها يوسف ﵊، كما قال الله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُون (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُون (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُون (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُون (٤٩)﴾ [يوسف].
فهذا الكلام تفسير للرؤيا، ثم لما جاءت السنين الخصبة، وبعدها السبع الشداد؛ كانت هذه السنين تأويلاً؛ بمعنى الحقيقة.
فصار للرؤيا تأويل بمعنى التفسير، وتأويل بمعنى الحقيقة، فيأتي الرائي؛ فيقص على المعَبِّر، فيفسِّرها بحسب ما أوتي، فهذا تأويل بمعنى التفسير، ولكن إذا وقع مقتضاها ومضمونها في الخارج، أو بالفعل؛ فذلك تأويلها بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
فيعقوب ﵇ لما قص عليه يوسف ﵇ الرؤيا؛ فهِم منها أن يوسف سيكون له شأن، لكن لا ندري هل يعقوب ﵇ فهِم أن الشمسَ، والقمر، والأحدَ عشرَ كوكباً هي أبوا يوسف وإخوته؟ الله أعلم، وليس هذا ببعيد على يعقوبَ، وهو نبي من أنبياء الله تعالى، وفيها - أيضاً - قرائن تدل على هذا؛ كالشمس، والقمر، والكواكب الأحدَ عشرَ.
فيوسف ﵇ يذكر هذه الحال، ويقول: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أي: صار لها واقعاً وحقيقة.
стр. 372
والرؤيا التي لا يكون لها واقع؛ أضغاث أحلام، ومِن حديث النفس، ولكن الرؤيا الصادقة؛ هي التي يكون لها واقع، و «كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَقِ الصبح» (١)، أي: جاءت مطابقة لما رأى في المنام.
والمقصود أن هذا هو المعنى الثالث، وسيعيد الشيخ ﵀ ويوضح هذين المعنيين مزيد إيضاح في الفقرة التالية.
فائدة:
سجودُ يعقوبَ ﵊ وأبنائه ليوسف ﵊؛ كان جائزاً في شريعتهم، أمَّا في شريعة الإسلام الخاتمة التي جاء بها محمد ﷺ فإنه لا يجوز، كما قال النبي ﷺ : «لو كنت آمراً أحداً أنْ يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» لما أراد معاذ ﵁ أن يسجد له، وأنكر عليه ذلك (٢)، وقال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون (٣٧)﴾ [فصلت].
стр. 373
وهذا السجود الذي كان مِنْ أبوي يوسف وإخوته؛ ليس هو من العبادة، بل هو سجود تحية وتكريم، كما سجد الملائكة لآدم بأمر الله تعالى عبادةً لله تعالى، وتكريماً لآدم ﵇، وبهذا أظهر اللهُ كرامة آدم وفَضْلَه، ولهذا يقول الناس يوم القيامة إذا طلبوا منه الشفاعة: «أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك» (١).
* * *
стр. 374
فالتأويل الثاني؛ هو: تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يُفسَّر به اللفظ حتى يفهم معناه، أو تعرف علته، أو دليله، وهذا التأويل الثالث؛ هو عين ما هو موجود في الخارج، ومنه قول عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، يتأول القرآن». تعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]، وقول سفيان بن عيينة: «السنة؛ هي تأول الأمر، والنهي».
فإنَّ نفس الفعل المأمور به؛ هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبَرِ عنه؛ هو: تأويل الخبر، والكلام: خبر، وأمر.
هذا كلُّه توضيح للمعنيين الثاني والثالث من معاني التأويل، وهما: التأويل بمعنى التفسير، والتأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام.
فقول الشيخ: (الثاني؛ هو: تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يفسَّر به اللفظ حتى يفهم معناه) إلخ، معناه: أن التأويل بمعنى التفسير؛ هو نفس الكلام الذي يعبر به المفسِّر عن معنى الآية - مثلا -، ويبين به ما تدل عليه مِنَ الحُكم وعلته، وهذا يختلف باختلاف المفسرين في تعبيرهم عن معنى الآية.
стр. 375
وأما التأويل بمعنى الحقيقة؛ فقد ذكره الشيخ بقوله: (وهذا التأويل الثالث؛ هو عين ما هو موجود في الخارج) فظهر بذلك الفرق بين معنيي التأويل.
فقوله: (فإن نفس الفعل المأمور به؛ هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبَرِ عنه؛ هو: تأويل الخبر، والكلام: خبرٌ، وأمرٌ) أي: أن التأويل الثالث؛ هو: الحقيقة الموجودة في الخارج، والكلام قسمان: خبر، وإنشاء.
فتأويل الأمر؛ هو نفس فعل المأمور به، وتأويل النهي هو ترك المنهي عنه، وتأويل الخبر؛ هو نفس المخبَرِ عنه الموجود في الخارج.
فقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ له تأويل بمعنى التفسير، وتأويل بمعنى الحقيقة، فتأويله بمعنى التفسير؛ هو ما يعبر عنه المفسرون، كقولهم: هذا أمر مِنْ الله تعالى لعباده المؤمنين بإقام الصلاة؛ وهو: أداؤها بواجباتها، وسننها، وشروطها؛ كما بيَّن النبي ﷺ ، وبهذا تحصل إقامة الصلاة، ونحو هذا الكلام، فكلام المفسرين؛ هو من هذا التأويل.
وأما تأويله بمعنى الحقيقة؛ فهو أداء المسلم للصلاة، كما صلَّى النبي ﷺ ، فهو - أي: المسلم - يتأول القرآن، كما قالت عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، يتأول القرآن) (١).
стр. 376
فتسبيحه ﷺ واستغفاره هذا في الركوع والسجود؛ هو التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وقولها ﵂: «يتأول القرآن» أي: يعمل بهذا القرآن، ويحقق حقيقة الأمر الذي أُمر به؛ بهذا التسبيح، وهذا الاستغفار.
وتأويل قوله تعالى: (﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾) بمعنى التفسير، مثل أن يقول المفسر: هذا أمر من الله سبحانه لنبيه ﷺ بتسبيحه وتنزيهه عن كلِّ ما لا يليق به، وحمده سبحانه، والثناء عليه بما هو أهله، وأمرٌ من الله لنبيه بالاستغفار، والتوجه إليه بطلب المغفرة.
وعائشة ﵂ أخبرت عن التأويل بمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الشيء، وهكذا تأويل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] بمعنى الحقيقة؛ هو نفس ما يكون يوم القيامة من جمع الناس الأولين والآخرين ببعثهم من قبورهم، وحشرهم.
ومن شواهد التأويل بمعنى الحقيقة ما ذكره الشيخ عن سفيان بن عيينة: (السنة؛ هي تأويل الأمر والنهي) (١) أي: الطريقة المستقيمة والمثلى؛ هي فعل المأمور به، وترك المنهي عنه، وهذا هو تأويل الأمر والنهي، وبهذا يكون الشيخ قد ذكر للمعنى الثالث من معاني التأويل شواهد من القرآن كما في الآيتين، وشواهد من المأثور من كلام السلف؛ كقول عائشة ﵂، وقول سفيان بن عيينة ﵀، والله أعلم.
стр. 377
ولهذا يقول أبو عبيد، وغيره: «الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة» (١). كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصمَّاء؛ لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أُمِر به؛ ونفس ما نُهي عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ ، كما يعلمُ أتباعُ أبقراطَ (٢)، وسيبويهِ ونحوهما من مقاصدهم ما لا يُعلم بمجرد اللغة.
ولكن تأويل الأمر والنهي؛ لا بُدَّ من معرفته، بخلاف تأويل الخبر.
معنى كلام أبي عبيد القاسم بن سلَّام (٣) ﵀: أن علماء الشرع أعلم
стр. 378
بتأويل كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ من أهل اللغة (١)، كما تقدم من قول ابن عباس: «تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء» (٢)، فالفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة.
ولهذا تُفسَّر الألفاظ الشرعية «لغة»، ثم تفسر «شرعاً»، فيقال - مثلاً -: الصلاة لغة: «الدعاء» (٣)، وفي الشرع: «كذا وكذا»، وهكذا الصيام، والزكاة، والحج، ونحوها.
قوله: (لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أمر به، ونفس ما نهي عنه؛ لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ أي: لأنهم يعلمون من المقاصد الشرعية ما لا يُعلم بمجرد اللغة.
قوله: (كما ذكروا ذلك في اشتمال الصماء) ثبت عن النبي ﷺ أنه «نهى عن اشتمال الصماء» (٤)، وهي: لبسة معروفة، فأهل اللغة، قالوا: إن اشتمال الصماء أن يلف الإنسان على نفسه ثوباً،
стр. 379
ويجعل يديه مِنْ داخل بحيث لا يكون له منفذ، أخذاً من الصمم؛ وهو: انسداد الأذن، والشيء الأصم: الذي لا منفذ فيه (١).
ففهم أهل اللغة من اشتمال الصماء هذا، وأما الفقهاء؛ فعندهم: أن اشتمال الصماء؛ هي: أن يلتحف الإنسان بالثوب الواحد ليس عليه غيره، ويجعل طرفيه على عاتقه، فإذا أراد أن يخرج يده أدى هذا إلى انكشاف العورة، ولو انفلت الطرف الذي على الكتف كذلك، وأما إذا كان إزار مع الثوب؛ فالصحيح أنه لا بأس؛ كحال المضطبع في الإحرام (٢).
فالفقهاء فسَّروا اشتمال الصماء بنحو هذا التفسير، وقالوا: السر في هذا النهي أنها مظنة لانكشاف العورة، فالفقهاء؛ إذاً؛ أعلم؛ لأن المقصود الأول من اللباس؛ هو: ستر العورة، والمقصود الثاني: الزينة، قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وما نهي عنه من هذه اللبسات؛ لأنها مظنة انكشاف العورة، فكل لبسة تُعَرِّض العورة للانكشاف؛ فإنه ينهى عنها، وكل لبسة تكون أستر؛ فهي أكمل وأفضل؛ لأنها تحقق المقصود الشرعي.
والتأويل في كلام أبي عبيد - رحمه الله تعالى - الذي يظهر أنه صالح لأنْ يكون بمعنى «التفسير»، ولأن يكون بمعنى «الحقيقة»،
стр. 380
فالفقهاء أعلم بتأويل كلام الرسول ﷺ ، ومن كان أعلم بمقصوده؛ كان أعلم بتطبيق ذلك والعمل به، وأقدر عليه، والله أعلم.
قوله: (ولكن الأمر والنهي لابد من معرفته بخلاف تأويل الخبر).
هذا هو الفرق بين تأويل الأمر وتأويل الخبر؛ وهو: أن تأويل الأمر لا بدَّ من معرفته، لأنه مقصود من المكلف أن يقوم به، بخلاف تأويل الخبر، فإنه ليس بلازم أن نعلم حقيقة الخبر، وتأويله في الخارج على ما هو عليه؛ بل الغالب في الأخبار أن تكون غير معلومة، كما سيأتي في نصوص الأسماء والصفات، ونصوص المعاد.
* * *
стр. 381
تأويل نصوص الصفات والمعاد
إذا عُرف ذلك؛ فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدسة الغنية بما لها من حقائق الأسماء والصفات؛ هو: حقيقة نفسه المقدسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد؛ هو: نفس ما يكون من الوعد والوعيد.
ولهذا ما يجيء في الحديث؛ نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه، لأن ما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر؛ فيه ألفاظ متشابهة، تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة: لحماً، ولبناً، وعسلاً، وماءً، وخمراً، ونحو ذلك، وهذا يشبه ما في الدنيا لفظاً ومعنى، ولكن ليس هو مثله، ولا حقيقته كحقيقته.
فأسماء الله تعالى وصفاته أَوْلى - وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه - أن لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته.
أي: إذا عرف ما تقدم من معاني التأويل وخصوصاً المعنى الثالث، وهو: «الحقيقة»، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه وعن صفاته؛ هو:
стр. 382
نفسه المقدسة وما قام به من الصفات، وهذا باعتبار المعنى الثالث من معاني التأويل؛ وهو: «الحقيقة».
فقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]؛ هو نفسه تعالى وما قام به من الاستواء على العرش، وتأويل قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء]؛ هو نفسه المقدسة وما قام به من السمع والبصر، وهكذا القول في سائر نصوص الصفات؛ كقوله ﷺ : «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا» (١) الحديثَ.
وهذا النوع من التأويل؛ هو الذي لا يعلمه إلا الله تعالى كما سبق (٢) وكما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
وهكذا تأويل نصوص الوعد والوعيد، ونصوص البعث وما يكون يوم القيامة؛ هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد يوم القيامة في الخارج، فتأويل قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَاب (٢٣)﴾ [الرعد]، وقوله سبحانه: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِين (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَة (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِين (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُون (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَّعِين (١٨)﴾ [الواقعة] الآيات، تأويلها؛ هو نفس الموجود وما يكون من ذلك، فمن هذه الأمور ما يكون موجوداً الآن؛ كالجنة، ولكن دخول المؤمنين الجنة بحيث يجلسون على تلك السرر، ويتكؤون عليها، ويطوف عليهم الولدان؛ يكون يوم القيامة.
стр. 383
وهكذا تأويل نصوص الوعيد؛ هو ما يكون من الوعيد، كما تقدم (١) في قوله تعالى في تهديد الكفار: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: ما ينتظر هؤلاء الكفار إلا تأويل ما تُوعِدوا به، وما وُعِدوا به في الكتاب المفصل، فإذا قامت القيامة، وانشقت السماء، وانتثرت الكواكب، وفُجِّرت البحار، وبعثرت القبور؛ فكل هذا الواقع؛ هو: تأويل ما أخبر الله سبحانه به من: أمر البعث، والنشور، والحشر، والجزاء، والثواب، والعقاب، باعتبار المعنى الثالث من معاني التأويل المتقدمة.
وأما تأويلها بمعنى «التفسير»؛ فهو حاصل الآن، وهو معلوم لنا، كما سيأتي، وقد تقدم (٢)؛ وهو: نفس الكلام الذي نعبر به عن معاني هذه النصوص.
قوله: (ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه) أي: السنة مثل القرآن الكريم، ففيها محكم ومتشابه، كما أن القرآن منه آيات محكمات، وأخر متشابهات، ونفس ما قيل في المراد بالمحكم والمتشابه من القرآن؛ هو ينطبق على المحكم والمتشابه من السنة، وليس في القرآن أو السنة متشابه بمعنى ما لا يفهمه أحد، فإن هذا قول أهل التجهيل - أهل التفويض - لكن من تأويل المتشابه ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
стр. 384
قوله: (نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه) هذا هو الواجب في المحكم والمتشابه، وقد تقدم (١) أن من الأقوال في المحكم والمتشابه: أن المحكم؛ هو الناسخ، والمتشابه؛ هو المنسوخ، فالواجبُ في الناسخِ: الإيمانُ به، والعمل به، والواجبُ في المنسوخِ: الإيمانُ به، ولا يعمل به؛ لأنه قد نُسخ، فذُكر في كل من الأمرين ما هو أخص به، فالمحكم؛ أخص بالعمل، والمتشابه؛ أخص بالإيمان، وإلا فالإيمان يجب في الكل: في المحكم والمتشابه من القرآن، والسنة.
قوله: (لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا؛ كما أخبر أن في الجنة … ) إلخ، وهذا قد تقدم في «المَثَل الأول» (٢).
قوله: (وهذا يشبه ما في الدنيا لفظاً ومعنى) التشابه في اللفظ واضحٌ، وأما التشابه في المعنى من بعض الوجوه؛ فهو القدر المشترك، فإذا قرأ العربي النصوص التي فيها ذكر: الماء، والعسل، والخمر، واللبن في الجنة؛ يعرف أن هذه أشربةٌ، وليست أموراً أخرى؛ بل هي أسماء لمسميات معقولة مفهومة، وإذا قرأ النصوص التي فيها ذكر: الذهب، والحرير عرف أن هذه أنواع من اللباس، وهكذا.
وقد تقدم في المثل الأول - أيضاً - التأكيد على أن بين موجودات الدنيا، وموجودات الآخرة: قدر مشترك معنوي (٣)، وأن المشابهة ليست
стр. 385
في اللفظ فقط، كما قد يتوهم بعض الناس، ولكن مع الفارق، كما تقدم أن موجودات الآخرة توافق ما في الدنيا، وليست مثلها؛ بل هي مباينة لها مخالفة لها.
فيمكن حينئذٍ أن نقول: إن هذه النصوص التي أخبر الله بها عمَّا في الآخرة متشابهة، بمعنى: أن هذه النصوص يخفى معناها على بعض الناس ويشتبه، أو: أنها تدل على أمور علمية اعتقادية لا عملية، والمحظور أن يقال: إن هذه النصوص من المتشابه، بمعنى: ما لا يفهمه أحد على طريقة أهل التجهيل.
إذاً؛ فمشابهة موجودات الآخرة لموجودات الدنيا في اللفظ والمعنى؛ لا يستلزم أن تكون هذه الأمور التي أخبر الله عنها مثل ما في الدنيا، ولا حقيقتها كحقيقتها، وهكذا ما أ خبر الله به عن نفسه.
قوله: (فأسماء الله تعالى وصفاته أَوْلى وإنْ كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه) أي: من بعض الوجوه (أنْ لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق ولا حقيقته كحقيقته) المعنى: أنه إذا كانت موجودات الآخرة مع ما بينها وبين ما في الدنيا من اتفاق ووجه شبه في اللفظ والمعنى؛ لا تكون مماثلة لها بل هي مباينة؛ فأسماء الله وصفاته أَولى أن لا تكون مماثلة لأسماء العباد وصفاتهم، من أجل ما بينها من اتفاق ووجه شبه.
إذاً؛ فيصح أن يقال: إن نصوص الصفات متشابهة على هذا النحو، أي يشتبه معناها على بعض الناس الجهال، أو بعض الناس الذين
стр. 386
تَسرَّبت إلى عقولهم الاعتقادات البدعية، فلم يفهموا من نصوص الصفات إلا التشبيه، وهذا ضلال مبين، ولكن أهل العلم والبصيرة يعلمون أن ما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات؛ ليس مثل أسماء العباد وصفاتهم، وإن كان بينها قدر مشترك، واتفاق من بعض الوجوه. والله أعلم.
* * *
стр. 387
الطريق إلى فهم الإخبار عن الأمور الغائبة
والإخبارُ عن الغائب لا يُفهم إن لم يُعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميِّز، وأنَّ ما أخبر الله به مِنَ الغيب؛ أعظم ممَّا يعلم في الشاهد.
وفي الغائب: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١).
فنحن إذا أخبرَنا اللهُ بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار؛ علمنا معنى ذلك، وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب، وفسَّرنا ذلك.
وأمَّا نفسُ الحقيقةِ المخبَرِ عنها - مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة -؛ فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.
قد يرد سؤال على ما تقدم: لماذا أخبرنا الله تعالى عن هذه الأمور الغيبية العظيمة المباينة لما في الدنيا بهذه الأسماء التي لها معنى في
стр. 388
الشاهد مما كان سبباً بالنسبة لبعض الناس أن يتوهموا التشبيه؟ أجاب الشيخ على هذا السؤال:
بقوله: (والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميِّز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد) (١) أي: لا بدَّ للمخاطَب المخبَرِ عن ذلك الغيب من أمرين:
الأول: أن يعرف المعنى الذي في الشاهد.
فإذا كان لا يعرف المعنى الذي في الشاهد؛ فلا يمكن أنْ يعرفَ المخبَرَ عنه في الغائب.
الثاني: أن يعرف دلالة اللفظ على ذلك المعنى.
فقد يعرف المعنى ولكنه لا يعلم دلالة اللفظ عليه. مثال ذلك: إنسان لا يعرف التفاح ولا الموز، فإذا قلتَ له: «اشتريتُ تفاحاً أو موزاً»، فإنه لا يفهم هذا الخطاب، وإذا أريته التفاح والموز، وأخبرته بأنها نوع من المأكولات؛ عَرَف هذا الخطاب، وقَبْلَ ذلك لم يفهم ما قلتَ له؛ لأنه لا يعرف هذا المعنى؛ فضلاً عن أن يعرف دلالة هذا اللفظ عليه.
وقد يعرف هذا الإنسانُ هذا التفاحَ والموز، ولكن لا يعرفه بهذا الاسم، كما لو كان أعجمياً لا يعرف التفاح والموز إلا بلغته الأعجمية،
стр. 389
فهذا يعرف هذا المعنى ولكنه لا يعرف دلالة هذا اللفظ عليه، فإذا لم تمكن الترجمة؛ فإنك تحضر التفاح والموز عنده وتشير إليه، وهو يعرفه مِنْ قبل، لكنه استفاد منك دلالة اللفظ على هذا المعنى عندك.
إذاً؛ الإخبار عن الغائب لا بد فيه من هذين الأمرين.
قوله: (في الشاهد) أي: في الحاضر عند العباد في الدنيا، وهذا الكلام قد تقدمت الإشارة إليه في آخر الأصل الأول في قول الشيخ: «وكلُّ ما نثبته من الأسماء والصفات؛ فلا بد أن يدل على قدر مشترك تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب» (١).
قوله: (فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب … ) إلخ، أي: أنَّ هذه النصوصَ معلومةٌ لنا من وجه دون وجه، كما في مطلع هذه «القاعدة» (٢)، فنفهم معنى قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ﴾ [محمد: ١٥] الآية، ومعنى سائر النصوص المشتملة على ذكر؛ ما أعد الله لأوليائه من أصناف النعيم، فنفهم منها ما يمكن لنا إدراكه، أما حقائقها على ما هي عليه؛ فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فنحن لا نتصور كُنه ذلك الماء واللبن، ولا كُنه ما فيها من المتعة واللذة.
فيجب مع فهمنا لتلك المعاني أن نفهم أن هذه المعاني ليست مثل ما في الدنيا، ولا حقيقتها كحقيقتها.
стр. 390
فهذه النصوص إذاً؛ لها تأويلان: تأويل نعلمه، وتأويل لا نعلمه، وكذلك نصوص الأسماء والصفات كما تقدم (١)، فلها تأويل نعلمه، وهو معانيها المفهومة بموجب اللغة والسياق، ولها تأويل لا نعلمه وهو حقائقها على ما هي عليه في الخارج.
قوله: (مثل التي لم تكن بعد) (٢) كأن الشيخ يشير إلى بعض أشراط الساعة - مثلاً -، فهذه قد تظهر للناس ويشاهدونها في الدنيا، مثل: ما أخبر به من طلوع الشمس من مغربها (٣)، وخروج الدابة (٤)، والمسيح الدجال وما يكون على يده (٥).
* * *