تَسرَّبت إلى عقولهم الاعتقادات البدعية، فلم يفهموا من نصوص الصفات إلا التشبيه، وهذا ضلال مبين، ولكن أهل العلم والبصيرة يعلمون أن ما أخبر الله به عن نفسه من الأسماء والصفات؛ ليس مثل أسماء العباد وصفاتهم، وإن كان بينها قدر مشترك، واتفاق من بعض الوجوه. والله أعلم.
* * *
стр. 387
الطريق إلى فهم الإخبار عن الأمور الغائبة
والإخبارُ عن الغائب لا يُفهم إن لم يُعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميِّز، وأنَّ ما أخبر الله به مِنَ الغيب؛ أعظم ممَّا يعلم في الشاهد.
وفي الغائب: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (١).
فنحن إذا أخبرَنا اللهُ بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار؛ علمنا معنى ذلك، وفهمنا ما أريد منا فهمه بذلك الخطاب، وفسَّرنا ذلك.
وأمَّا نفسُ الحقيقةِ المخبَرِ عنها - مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة -؛ فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.
قد يرد سؤال على ما تقدم: لماذا أخبرنا الله تعالى عن هذه الأمور الغيبية العظيمة المباينة لما في الدنيا بهذه الأسماء التي لها معنى في
стр. 388
الشاهد مما كان سبباً بالنسبة لبعض الناس أن يتوهموا التشبيه؟ أجاب الشيخ على هذا السؤال:
بقوله: (والإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميِّز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد) (١) أي: لا بدَّ للمخاطَب المخبَرِ عن ذلك الغيب من أمرين:
الأول: أن يعرف المعنى الذي في الشاهد.
فإذا كان لا يعرف المعنى الذي في الشاهد؛ فلا يمكن أنْ يعرفَ المخبَرَ عنه في الغائب.
الثاني: أن يعرف دلالة اللفظ على ذلك المعنى.
فقد يعرف المعنى ولكنه لا يعلم دلالة اللفظ عليه. مثال ذلك: إنسان لا يعرف التفاح ولا الموز، فإذا قلتَ له: «اشتريتُ تفاحاً أو موزاً»، فإنه لا يفهم هذا الخطاب، وإذا أريته التفاح والموز، وأخبرته بأنها نوع من المأكولات؛ عَرَف هذا الخطاب، وقَبْلَ ذلك لم يفهم ما قلتَ له؛ لأنه لا يعرف هذا المعنى؛ فضلاً عن أن يعرف دلالة هذا اللفظ عليه.
وقد يعرف هذا الإنسانُ هذا التفاحَ والموز، ولكن لا يعرفه بهذا الاسم، كما لو كان أعجمياً لا يعرف التفاح والموز إلا بلغته الأعجمية،
стр. 389
فهذا يعرف هذا المعنى ولكنه لا يعرف دلالة هذا اللفظ عليه، فإذا لم تمكن الترجمة؛ فإنك تحضر التفاح والموز عنده وتشير إليه، وهو يعرفه مِنْ قبل، لكنه استفاد منك دلالة اللفظ على هذا المعنى عندك.
إذاً؛ الإخبار عن الغائب لا بد فيه من هذين الأمرين.
قوله: (في الشاهد) أي: في الحاضر عند العباد في الدنيا، وهذا الكلام قد تقدمت الإشارة إليه في آخر الأصل الأول في قول الشيخ: «وكلُّ ما نثبته من الأسماء والصفات؛ فلا بد أن يدل على قدر مشترك تتواطأ فيه المسميات، ولولا ذلك لما فهم الخطاب» (١).
قوله: (فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب … ) إلخ، أي: أنَّ هذه النصوصَ معلومةٌ لنا من وجه دون وجه، كما في مطلع هذه «القاعدة» (٢)، فنفهم معنى قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ﴾ [محمد: ١٥] الآية، ومعنى سائر النصوص المشتملة على ذكر؛ ما أعد الله لأوليائه من أصناف النعيم، فنفهم منها ما يمكن لنا إدراكه، أما حقائقها على ما هي عليه؛ فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، فنحن لا نتصور كُنه ذلك الماء واللبن، ولا كُنه ما فيها من المتعة واللذة.
فيجب مع فهمنا لتلك المعاني أن نفهم أن هذه المعاني ليست مثل ما في الدنيا، ولا حقيقتها كحقيقتها.
стр. 390
فهذه النصوص إذاً؛ لها تأويلان: تأويل نعلمه، وتأويل لا نعلمه، وكذلك نصوص الأسماء والصفات كما تقدم (١)، فلها تأويل نعلمه، وهو معانيها المفهومة بموجب اللغة والسياق، ولها تأويل لا نعلمه وهو حقائقها على ما هي عليه في الخارج.
قوله: (مثل التي لم تكن بعد) (٢) كأن الشيخ يشير إلى بعض أشراط الساعة - مثلاً -، فهذه قد تظهر للناس ويشاهدونها في الدنيا، مثل: ما أخبر به من طلوع الشمس من مغربها (٣)، وخروج الدابة (٤)، والمسيح الدجال وما يكون على يده (٥).
* * *
стр. 391
شواهد القاعدة من المأثور
ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]؟ قالوا: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة»، وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان»، فبيَّن أن الاستواء معلومٌ، وأن كيفية ذلك مجهولةٌ.
ومثل هذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو.
وقد قال النبي ﷺ : «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، وهذا في صحيح مسلم، وغيره، وقال في الحديث الآخر: «اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك». وهذا الحديث في المسند، وصحيح أبي حاتم.
стр. 392
وقد أخبر فيه أن لله مِنْ الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني هذه الأسماء التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره.
الشاهد من هذين الأثرين (١) قوله: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول) أي: أن معنى الاستواء معلوم لنا؛ لأن الله تعالى خاطبنا بلسان عربي مبين، ومعناه - كما تقدم (٢) -: الاستقرار، والارتفاع، والعلو، ونحو ذلك.
وأما الكيف فهو مجهول؛ وهو: التأويل الذي لا نعلمه، فصار قول الأئمة هنا؛ كمالك وربيعة رحمهما الله تعالى شاهداً للقاعدة: «أنا نعلم ما أخبرنا به من وجه دون وجه»، فالاستواء معلوم لنا من وجه دون وجه، فقوله تعالى: (﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾) له تأويل نعلمه؛ وهو: «التفسير»، وتأويل لا نعلمه؛ وهو: «كيفية هذا الاستواء وحقيقته»، لأن الاستواء صفة فعلية من صفات الله تعالى، و «القول في الصفات كالقول في الذات»، فكما أنه لا يعلم كيف هو إلا هو، فلا يَعلم كيفيةَ استوائه إلا هو تعالى.
стр. 393
وقوله: (والإيمان به واجب)؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وكل ما أخبر الله به عن نفسه يجب الإيمان به؛ لأنه تصديق لخبر الله تعالى، وخبر رسوله ﷺ .
قوله: (ومن الله البيان) أي: أن الله تعالى قد بيَّن لعباده، وعرَّفهم بنفسه، ووصف نفسه لعباده، فنعرف ربنا بأنه استوى على العرش، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا، وأنه يجيء يوم القيامة.
قوله: (وعلينا الإيمان) أي: ويجب علينا الإيمان بذلك.
قوله: (ومثل هذا يوجد كثيراً في كلام السلف والأئمة ينفون علمَ العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو)، يشبه هذا قولهم ﵏ في نصوص الصفات «أمروها كما جاءت بلا كيف» (١) يعني: أثبتوا ما دلت عليه النصوص بلا بحث عن الكيفية، ولا تكييف لتلك الصفات، لا بالقول، ولا بالاعتقاد، والتفكير، فالله «لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام» (٢).
قوله: (وقد قال النبي ﷺ : «لا أحصي ثناء عليك … ») الحديثَ، جاء هذا الحديثُ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قاله في سجوده (٣)، وجاء عن علي ﵁ أن النبي ﷺ كان يقوله في الوتر (٤).
стр. 394
وقوله: («لا أحصي») أي: لا أبلغ ولا أقدر على ما تستحق من الثناء؛ لأن الرسول ﷺ لا يعلم كلَّ ما لله تعالى من المحامد، ولا يدرك مدى وكمال صفاته على ما هي عليه، فلله مِنَ المحامد وصفات الكمال؛ ما لا يعلمه أحدٌ حتى الرسول ﷺ ، ولهذا إذا جاء ﷺ يوم القيامة ليشفع؛ يسجد، ويفتح الله عليه من محامده، وحسن الثناء عليه، شيئاً لم يفتحه على أحد قبله (١).
فهذا الحديث يدل على أننا لا ندرك حقائق صفات الله تعالى وكمالها، كما أننا لا نعلم كلَّ ما لله من الأسماء ومن الصفات، فله أسماء وصفات لم يطلعنا عليها، أما الصفات التي أخبرنا بها؛ فنحن نعلمها، ولكننا - أيضاً - لا ندرك كمالها، وكنهها، وحقائقها.
ومن الدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد، وابن حبان، وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما قال عبدٌ قط إذا أصابه هم أوحزن … » الحديثَ، وفي آخره: («أسألك بكلِّ اسم هو لك … ») الحديثَ (٢)، والشاهد من هذا: قوله: («أو استأثرت به في علم الغيب عندك») فهذا نصٌ في أن لله تعالى أسماء اختص بعلمها وطوى علمها عن العباد، وهذا الحديث يدل على أن لله تعالى أسماء كثيرة، وكل اسم متضمن لصفة كمال، وفي هذا الحديث توسل بأسماء الله تعالى.
стр. 395
والتوسل الجائز أنواع:
أولها: التوسل بأسمائه تعالى وصفاته، فقولك: «يا الله»، «يا رحمن»، «يا رب»، هو توسل بأسماء الله، وهذا التوسل قد يكون بصيغة الدعاء، وقد يكون بالباء؛ كقولك: «أسألك باسمك العظيم الذي إذا سئلت به أعطيت، وإذا دعيت به أجبت»، «أسألك بأنك الله لا إله إلا أنت»، وهكذا.
قوله: («سميت به نفسك») هذا هو شأن كلِّ أسماء الله تعالى، فهو الذي سمى بها نفسه، ولا يجوز لأحد من العباد أن يخترع له اسماً.
قوله: («أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك») عطفُ هذا على ما قبله من عطف الخاص على العام، وما أنزله تعالى فيما شاء من كتبه داخل فيما علَّمه، فما يعلمه بعض عباده قد يكون في شيء مِنْ كتبه، وقد لا يكون، فقوله ﷺ : «أو علمته أحداً من خلقك» أعمُّ من قوله: «أو أنزلته في كتابك» فكل ما أنزله في كتابه؛ فإنه قد علمه بعض عباده.
ولكن قد يعلم بعض عباده مِنْ أسمائه ما لم يكن في كتابه، ومثال هذا أنه جاء في السنة من أسماء الله تعالى ما لم يأتِ في القرآن الكريم، مثل: «الشَّافي» (١)، و «الحَكَم» (٢)، ولكن أكثر الأسماء التي علمنا الله تعالى هي في القرآن.
стр. 396
وفي هذا الحديث أن أسماء الله تعالى لا تنحصر في تسعة وتسعين، كما قد يتوهم ذلك بعض الناس من قوله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة» (١)، فالتحقيق أن هذا الحديث لا يدل على حصر الأسماء في هذا العدد (٢)، لكن فيه الإخبار عن بعض أسماء الله تعالى، وأن من أسماء الله تسعة وتسعين من شأنها، ومن فضلها أن من أحصاها دخل الجنة.
وهذا الأسلوب لا يدل على الحصر، كما إذا قيل: «إن لله اسماً إذا دُعي به أجاب»؛ فإنه لا يدل على أنه ليس له إلا هذا الاسم، فالله تعالى له أسماء كثيرة سمى بها نفسه، فمنها ما أنزله فيما شاء من كتبه، ومنها ما علمه بعض عباده، ومنها ما اختص به واستأثر به في علم الغيب عنده، ولا تنحصر الأسماء التي في كتبه، أو أنزلها في القرآن، أو علمها لمن شاء؛ في تسعة وتسعين، والحديث لا يدل على الحصر.
وخبر «إنَّ» في الحديث؛ هو قوله ﷺ : «مَنْ أحصاها دخل الجنة»، وعلى هذا يكون قوله: «لله» - الجار والمجرور - حالاً من هذه الأسماء.
стр. 397
ويحتمل أن يكون خبر «إنَّ» هو قوله: «لله»، فيكون خبراً مقدماً (١).
وعندي: أن الأول أظهر. والله أعلم.
وإحصاء هذه الأسماء على مراتب (٢)؛ فإنه يكون ب:
* معرفةِ ألفاظها.
* وعَدِّها.
* ويكون بفهمِ معانيها.
* ومِن إحصائها أيضاً: القيام بمقتضاها.
وليس المقصود هو الإحصاء العددي فقط، ولكنه نوع إحصاء، فلا شك أن معرفة كون أسماء الله: «كذا وكذا»، من العلم النافع.
стр. 398
أسماء الله مترادفة من وجه، متباينة من وجه، ونظائرها في ذلك
والله أخبرنا أنه: «عليم»، «قدير»، «سميع»، «بصير»، «غفور»، «رحيم»، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته؛ فنحن نفهم معنى ذلك، ونميِّزُ بيْنَ: العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلَّها اتفقتْ في دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات.
وكذلك أسماء النبي ﷺ ؛ مثل: «محمد»، و «أحمد»، و «الماحي»، و «الحاشر»، و «العاقب».
وكذلك أسماء القرآن؛ مثل: «القرآن»، و «الفرقان»، و «الهدى»، و «النور»، و «التنزيل»، و «الشفاء»، وغير ذلك، ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها؛ هل هي من قبيل المترادفة؛ لاتحاد الذات، أو من قبيل المتباينة؛ لتعدد الصفات، كما إذا قيل: «السيف»، و «الصارم»، و «المهند»؛ وقصد بالصارم معنى: الصَّرْم، وفي المهند: النسبة إلى الهند؟ والتحقيق أنها مترادفة في الذات، متباينة في الصفات.
стр. 399
يبين الشيخ بناء على ما سبق من أن نصوص الأسماء والصفات معلومة لنا من وجه، أن أسماء الله التي أخبرنا بها مفهومة لنا، فنفهم أنها أسماء لله تعالى دالة على صفاته، فلذلك نفرق بينها لاختلاف ما تدل عليه من الصفات ونعلم أنها جميعاً دالة على ذات الرب سبحانه.
فلهذا قال الشيخ: (فهي متفقة متواطئة من حيث الذات … ) إلخ، أي: هي متحدة في دلالتها على ذات الرب، فهي أعلام على ذات الرب دالة على صفاته، لا كما تقول المعتزلة: «إنها أعلامٌ محضة لا تدل على معانٍ»؛ بل أسماء الله تعالى تدل على ذات الرب تعالى، وتدل على معانٍ وصفات قائمة بالرب.
إذاً؛ فلا نقول: «إن أسماء الله مترادفة، ولا متباينة مطلقاً؛ بل: إنها مترادفة في دلالتها على ذات الرب، ومتباينة في دلالتها على الصفات»، وهذا مبني على أنَّ «كلَّ اسمٍ متضمنٌ لصفة»، فلهذا نعلم أنها جميعاً أسماء لله، ونفرِّق بين معانيها، فنفرِّق بين معنى المغفرة والرحمة، ومعنى السمع والبصر، والعزة والحكمة والقوة، وما أشبه ذلك.
ولهذا نقول: إن السميع هو البصير من حيث المسمى، فهما اسمان لمسمى واحد، ولكن السميع غير البصير من حيث المعنى والصفة، فالسميع يدل على صفة السمع، والبصير يدل على صفة البصر، وهكذا القول في سائر الأسماء.
стр. 400
قوله: (وكذلك) أي: ونظير أسماء الله تعالى من حيث الاتفاق من وجه والاختلاف من وجه.
قوله: (مثل: محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب») النبي ﷺ له أسماء كثيرة، وقد أخبر عن بعضها بقوله ﷺ : «أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب» والعاقب الذي ليس بعده نبي (١).
فهذه الأسماء كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الرسول ﷺ ، ولكن كل اسم له معنى، فهي متحدة من وجه، ومختلفة من وجه.
وهذه الأسماء أشار النبي ﷺ إلى معانيها: أمَّا «محمد»، وهو أشهر أسمائه، فهو عَلَمٌ، وصفةٌ في حقه ﷺ (٢)، فهو علم عليه ﷺ ، وله معنى هذا الاسم؛ وهو: كثرةُ حَمْدِ الغير له، فهو محمد يحمده الناس، والله تعالى يثني عليه، ف «محمَّدٌ» اسمُ مفعولٍ مشتقٌ من حُمِّدَ يُحَمَّد؛ فهو محمَّد.
وأمَّا اسمه «أحمد»؛ فهو أفعلُ تفضيلٍ يدلُ على كثرةِ حمدِهِ لربِّه تعالى، أو: كثرةِ حَمْدِ الغير له، فهو أحمدُ مِنْ غيرِه أي: أكثر حمداً لربه تعالى مِنْ غيره، أو: أكثر نصيباً من حَمْدِ الغير، أي: هو أحقُّ بالحمدِ مِنْ سائرِ الناس، فالاسمانِ متقاربان.
стр. 401
أمَّا «الحاشر»، و «العاقب»؛ فقد أشار النبي ﷺ إلى معناها بقوله: «الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي»، وهذا هو الحشر يوم القيامة، والرسول ﷺ يقول: «بُعِثتُ أنا والساعةَ؛ كهاتين» قال: «وضمَّ السبابةَ، والوسطى» (١)، فالحاشرُ؛ هو النبي الخاتَم الذي ليس بعده إلا الساعة، وحشر الناس.
و «الماحي»؛ هو: الذي محا الله به الكفر، وليس المراد بمحو الكفر هنا إزالة جميع الكفر عن وجه الأرض،؛ بل المراد: أن الله تعالى محا به من الكفر ما لم يمحُ بدعوة نبي سواه، وهذا يظهر بكثرة الأتباع.
وأمَّا «العاقب»؛ فهو: الذي يأتي بعد غيره، والرسول ﷺ جاء بعد الأنبياء، فهو المقفي والعاقب لجميع النبيين؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] أي: قد مضت من قبله جميع الرسل، فلا نبي بعده، وهو خاتَم النبيين، وأما ما جاء في ذكر المسيح: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [المائدة: ٧٥]؛ فلا يفهم على الإطلاق؛ بل بعده رسولٌ لم يأتِ، كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، فمعنى الآية حينئذٍ: ما المسيحُ ابنُ مريمَ إلا رسولٌ قد خلت مِنْ قبله أكثرُ ومعظمُ الرسلِ، لا جميع الرسل، والله أعلم.
стр. 402
قوله: (وكذلك أسماء القرآن) أي: ومن قبيل الأسماء التي تتحد من وجه؛ وهو: المسمى، وتختلف من وجه؛ وهو: المعنى؛ أسماء القرآن العظيم.
والقرآن؛ هو: «كلام الله تعالى، المنزل على محمد ﷺ ، المحفوظ في الصدور، المكتوب في المصاحف، الموجود بين دفتي المصحف، المبدوء بالفاتحة، المختوم بسورة الناس».
قوله: (مثل: «القرآن»، و «الفرقان»، و «الهدى»، و «النور»، و «التنزيل»، و «الشفاء»، وغير ذلك) فهذه الأسماءُ كلُّها لمسمى واحد؛ وهو: هذا الكتاب، ولكلِّ اسم من هذه الأسماء معنى من المعاني، فهو كتاب؛ لأنه مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي في أيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بأيدي المؤمنين.
وهو «القرآن» من القَرْء بمعنى الجمع؛ لأنه مجموعٌ ومؤلف مِنْ حروفٍ، وكلمات، وسور، وآيات، أو: مِنْ القَرْء بمعنى الإظهار؛ لأنه كلام مُظْهَر بالتلاوة، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه (١٨)﴾ [القيامة].
وهو «الفرقان»؛ لأنه فارِقٌ بين الحق والباطل، وبين أولياء الله وأعداء الله، وبين النافع والضار، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان].
وهو «الهدى» كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال فيه أيضاً: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] أي: يَدلُّ ويبيِّنُ الطريقةَ
стр. 403
المثلى، ويهدي إلى الصراط المستقيم، فهو هدى لجميع الناس، ولكن لا ينتفع به إلا المؤمنون؛ كما قال تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين (٢)﴾ [البقرة]، وقال في الآية الأخرى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين (٢)﴾ [النمل].
فهذه أسماءٌ لمسمى واحد؛ وهو: كلام الله المنزل على محمد ﷺ ، المكتوب في المصاحف، وكل اسم يدل على صفة ثابتة للقرآن الكريم.
ونظير هذا في اللغة العربية؛ أسماء السيف؛ وهو: «الآلة الحادة المعروفة»، فهو يسمى عند العرب: («الصارم»، و «الحسام»، و «المهند»)، و «البتار» (١)، فهذه أسماء لشيء واحد، وكل اسم منها يدل على معنى.
ولكن لا تكون هذه الأسماء متباينة في الصفات إلا إذا قُصدت معانيها، وإذا لم تقصد معانيها؛ فإنها تكون أعلاماً فقط، فإذا قيل في السيف المصنوع في غير الهند: «المهند»؛ فإن هذا الاسم يكون علماً فقط، وإذا قيل: «خذ الصارم»، ولم يلاحظ معنى: «الصَّرم، والقطع»؛ فإنه حينئذٍ يكون علماً، فقط، ولكن إذا قيل: «خذ الصارم»، يعني: السيف القاطع، ولوحظ معنى: «الصرم والقطع»؛ فإن هذا الاسم يكون علماً، وصفة.
وكذا إذا قيل: «خذ المهند»، وهو مصنوع في الهند فِعلاً؛ فإنه يكون حينئذٍ علماً، وصفة، ولهذا قال الشيخ رحمه الله تعالى: (كما إذا قيل: «السيف»، و «الصارم»، و «المهند»)، وقصد بالصارم معنى: (الصرم)، وفي
стр. 404
(المهند) النسبة إلى الهند؛ أي: أنه لا بدَّ أن تكون هذه المعاني مقصودة، وإلا كانتْ هذه الأسماءُ مجردَ أعلامٍ.
إذاً؛ فنظير أسماء الله تعالى من حيث إنها متفقةٌ في الذات، ومختلفة في الصفات؛ أسماء القرآن العظيم، وأسماء النبي ﷺ ، وأسماء السيف. والله أعلم.
قوله: (ومثل هذه الأسماء) أي: الأسماء التي تكون متحدة من وجه؛ وهو: المسمى، ومختلفة من وجه؛ وهو: المعنى والصفة.
قوله: (والتحقيق أنها مترادفة في الذات، متباينة في الصفات)، ولهذا لا يصح أن تقول: (إن أسماءه مترادفة)، ولا أن تقول: (إنها متباينة)، فلا بدَّ من التقييد، فهي مترادفة من حيث دلالتها على الذات، ومتباينة من حيث دلالتها على الصفات.
وهذا كلُّه على طريقة أهل السنة والجماعة، وأمَّا على طريقة المعتزلة؛ فإنها مترادفة؛ لأنهم يجعلون أسماءه أعلاماً محضة لا تدل إلا على الذات، فلا فرق عندهم بين: (السميع)، و (البصير)، و (العليم)، و (الحكيم)؛ لأنها لمسمى واحد، ولا فرق بينها من جهة المعنى؛ لأنها عندهم لا تدل على معانٍ أصلاً. والله أعلم.
* * *
стр. 405
مفهوم الإحكام والتشابه الذي يعمُّ القرآن
وممَّا يوضح هذا أن الله وصفَ القرآن كلَّه بأنه محكمٌ، وبأنه متشابه، وفي موضع آخر: جَعَلَ منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، فينبغي أن يُعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه.
قال تعالى: ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]؛ فأخبر أنه أَحْكَم آياتِه كلَّها، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ فأخبر أنه كلَّه متشابهٌ.
والحُكم؛ هو: الفصل بين الشيئين، والحاكِم: يفصل بين الخصمين، والحِكْمة: فَصْلٌ بين المشتبهات؛ علماً، وعملاً، إذا مُيِّز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وذلك يتضمنُ فعلَ النافع، وترك الضار.
فيقال: «حَكمْت السفيهَ وأحكمته؛ إذا أخذت على يده»، و «حَكَمْت الدابة وأحكمتها؛ إذا جعلت لها حَكَمَة؛ وهو: ما أحاط بالحنك من اللجام»، وإحكام الشيء؛ إتقانه، فإحكام الكلام؛ إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره.
والقرآن كلُّه محكمٌ بمعنى الإتقان، فقد سماه الله حكيماً بقوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيم (١)﴾ [يونس]؛ ف «الحكيم»
стр. 406
بمعنى: «الحاكم»، كما جعله يقص بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُون (٧٦)﴾ [النمل].
وجعله مُفتياً في قوله: ﴿قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٧] أي: ما يتلى عليكم؛ يفتيكم فيهن، وجعله هادياً، ومبشراً في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الإسراء: ٩].
قوله: (وممَّا يوضح هذا أن الله وَصَفَ القرآن) قد يكون اسمُ الإشارةِ إشارةً للقريب، وهو ما ذُكر من أنَّ أسماءَ الله تعالى متحدةٌ من وجه، ومختلفة من وجه.
ويحتمل أنه أراد الإشارة إلى ما في مطلع «القاعدة» (١) من الكلام في تأويل المتشابه، وأن منه ما يعلمه الراسخون في العلم، ومنه ما لا يعلمه إلا الله تعالى.
قوله: (أنَّ الله وصف القرآن كلَّه بأنه محكمٌ، وبأنه متشابهٌ) أي: ووصف بأنه كلَّه متشابه، والدليل على الإحكام العام؛ هو آية هود: ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، والدليل على التشابه العام؛ آية الزمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾.
стр. 407
وأما الدليل على الإحكام الخاص والتشابه الخاص؛ فآية آل عمران المتقدمة في مطلع القاعدة؛ وهي قوله سبحانه: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].
قوله: (فينبغي أن يُعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه) هذا لأنه لا يجوز أن يكون المعنى واحداً، لأنه لو كان المعنى واحداً؛ لصار فيه تناقض، ولهذا يقال: إنَّ بيْنَ دليلِ الإحكام العام والتشابه العام، ودليل الإحكام الخاص والتشابه الخاص؛ تعارضٌ في الظاهر.
ووجه هذا التعارض: أن بعض هذه الأدلة تدل على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه، وبعضها يدل على أن القرآن كلَّه محكم وكلَّه متشابه؛ فتعارضت هذه الأدلة في الظاهر من حيث العموم والخصوص.
والطريق لدفع هذا التعارض؛ هو معرفة المراد بالإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه.
قوله: (والحكم هو الفصل بين الشيئين … ) فتصاريف مادة «حَكَمَ» ترجع إلى معنى: «المنع»، ف «حَكَمَ» بمعنى: «مَنَعَ» في أصل اللغة (١)، وذكر الشيخ ﵀ شواهد لهذا المعنى بقول العرب: (حكمت السفيه وأحكمته؛ إذا أخذت على يده)، و (حكمت الدابة، وأحكمتها إذا جعلت لها حَكَمَة؛ وهو: ما أحاط بالحنك من اللجام)؛ وهو ما يوضع على فم
стр. 408
الحيوان؛ فيربط به العنان والخطام، الذي يمنع الدابة من الاسترسال في الجري بغير إرادة صاحبها.
ومِن معنى الإحكام: الفَصْل، والفصلُ فيه منعٌ، فالحكم؛ هو: الفصل بين المشتبهات؛ علماً، وعملاً، والحاكم: يفصل بين المتنازعين في الخصومات.
فهذا المعنى؛ وهو: الفصل يرجع إلى المنع، وهو المنع مِنَ الالتباس في الأمور المشتبهات، ويمنع الخصوم من تعدي بعضهم على بعض بأخذ الحقوق، فهذه المادة تتضمن الفصل.
قوله: (والقرآن كلُّه محكم بمعنى الإتقان) أي: أن آيات القرآن كلها متقنة، وإتقانها من جهة اللفظ، ومن جهة المعنى، وإتقانه من جهة المعنى بالتمييز بين الصدق والكذب في الأخبار، والرشد من الغي في التشريعات، فأخباره صادقة، وأحكامه عادلة، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥] صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام.
ومن شواهد الحكم بمعنى الفصل؛ قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيم (٢)﴾ [يس] أي: بمعنى الحاكم؛ فالقرآن يوصف بأنه يحكم، ويقص، ويفتي، ويهدي، ويبشر، كما في الآيات التي ذكرها الشيخ؛ فتدل الآيات على جواز إسناد هذه الأفعال ونحوها إلى القرآن.
* * *
стр. 409
وأمَّا التشابهُ الذي يعمه؛ فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء]، وهو الاختلاف المذكور في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِف (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِك (٩)﴾ [الذاريات].
فالتشابه هنا؛ هو: تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضاً، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر؛ بل يأمر به، أو بنظيره، أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء؛ لم يأمر به في موضع آخر؛ بل ينهى عنه، أو عن نظيره، أو عن لوازمه، إذا لم يكن هناك نسخٌ.
وكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك؛ بل يخبر بثبوته، أو بثبوت ملزوماته، وإذا أخبر بنفي شيء؛ لم يثبته؛ بل ينفيه، أو ينفي لوازمه، بخلاف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضاً، فيثبت الشيء تارة، وينفيه أخرى، أو يأمر به، وينهى عنه في وقت واحد، أو يفرِّق بين المتماثليْنِ؛ فيمدح أحدهما، ويذم الآخر، فالأقوال المختلفة هنا؛ هي المتضادة، والمتشابهة؛ هي المتوافقة.
وهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ، فإذا كانتِ المعاني يوافقُ بعضها بعضاً، ويعضدُ بعضها بعضاً، ويناسبُ بعضها بعضها، ويشهدُ بعضها لبعض، ويقتضي بعضها بعضاً؛ كان الكلام متشابهاً، بخلاف الكلام المتناقض الذي يضادُّ بعضه بعضاً.
стр. 410
وهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام؛ بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن؛ يصدق بعضه بعضاً، لا يناقض بعضه بعضاً.
قوله: (وأما التشابه الذي يعمه) أي: التشابه الذي يوصف به جميع القرآن.
قوله: (فهو ضد الاختلاف المنفي عنه): أي أن الله تعالى وصف كتابه بالتشابه؛ وهو: التناسب، ونزَّهه عن الاختلاف الذي هو التناقض، كما في قوله تعالى: (﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾) ومِنَ الاختلاف المذموم؛ أقوالُ الكفار المختلفة، كما قال تعالى: (﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِف (٨)﴾) أي: في كلام متناقض ينقض بعضه بعضاً، فهذا يقول عن محمد: «إنه كاهن»، وهذا يقول: «إنه مجنون»، والآخر يقول: «إنه ساحر».
ثم بيَّن الشيخ معنى التشابه الذي يوصف به كل القرآن، وذلك في قوله: (فالتشابه هنا؛ هو: تماثل الكلام وتناسبه بحيث يصدق بعضه بعضاً).
قوله: (بل يأمر به) أي: مرة ثانية، ويكون في هذا توكيد.
قوله: (أو بنظيره) أي: أو يأمر بنظيره، وهذا - أيضاً - يؤكد الأمر الأول، وهذا الذي تقتضيه الفطر والعقول؛ وهو: التسوية بين المتماثلات.
стр. 411
قوله: (أو بملزوماته) أي: أو يأمر بما يستلزم هذا المعنى، فإن ثبوت الملزوم؛ يقتضي ثبوت اللازم.
قوله: (إذا لم يكن هناك نسخٌ) فالنسخُ ليس من التناقض في شيء؛ لأنه «تشريع لحكم في وقت، ثم رفعه في وقت آخر» (١)، أما التناقض؛ فهو: «الأمر بالشيء، ثم النهي عنه في وقت واحد» بحيث يكون مأموراً به منهياً عنه؛ فهذا لا يجوز.
وكتاب الله تعالى جار على هذا الأمر، فهو تعالى يأمر بالصلاة في مواضع كثيرة، ويثني على المقيمين للصلاة، ويأمر بأحكام الصلاة وأوقاتها، وهذا كلُّه من الكلام المتشابه، وهكذا يأمر بالإنفاق عموماً، ويأمر بالزكاة خصوصاً، ويأمر بالإحسان عموماً، وهذا أيضاً من التشابه.
وهو أيضاً ينهى عن الشرك كلِّه، عن عبادة الملائكة، وعن عبادة الأنبياء، وعن عبادة الأصنام، وعن عبادة الجن، وينهى عن الشرك عموماً، كما قال: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، وهذا مِنَ التشابه أيضاً.
قوله: (أو ينفي لوازمه) الملزوم؛ هو: «الذي لا ينفك عن غيره»، واللازم؛ هو: «الذي لا ينفك عنه غيره»، وقد يكون الشيئانِ متلازميْنِ، أي: أن كلاً منهما مستلزم للآخر، وقد تكون الملازمة من طرف واحد، فالنهار وطلوع الشمس - مثلاً - متلازمان؛ إذا اعتبرنا النهار يبدأ من
стр. 412
طلوع الشمس، فيلزم من النهار؛ طلوع الشمس، ويلزم من طلوع الشمس؛ النهار.
ومثال الملازمة الشرعية: أن صحة الصلاة؛ مستلزمة للطهارة، فلا يمكن أن تصح الصلاة والطهارة مفقودة، وهكذا وجود المشروط يستلزم وجود الشرط؛ لا العكس، ولهذا يُعَرَّف الشرط بأنه: «ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود، ولا عدم لذاته» (١)، فإذا وُجد المشروط؛ وجد الشرط، فاللازم؛ هو: الشرط، والملزوم؛ هو: المشروط (٢).
فتبين بهذا: أن العلاقة بين الإحكام العام، والتشابه العام؛ هي: التلازم، فكونُ القرآنِ كلِّه متشابهاً؛ يقتضي أنه محكمٌ، وكونه متقناً؛ يقتضي أنه متشابهٌ، فالإحكام العام، والتشابه العام إذاً؛ متلازمان.
* * *
стр. 413
الإحكام والتشابه الذي يخص بعض القرآن
بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضدُّ التشابهِ الخاصِ، فالتشابهُ الخاصُ؛ هو: «مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر»، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو، أو هو مثله، وليس كذلك، والإحكام؛ هو: «الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر».
وهذا التشابه إنما يكون لقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما.
ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما؛ فيكون مشتبهاً عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا تمييز معه؛ قد يكون من الأمور النسبية الإضافية، بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض، ومثل هذا يَعرِف منه أهلُ العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وُعِدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا؛ فظن أنه مثله، فعَلِمَ العلماءُ أنه ليس هو مثله، وإن كان مشبهاً له من بعض الوجوه.
стр. 414
قوله: (بخلاف الإحكام الخاص) أي: الذي يخص بعض القرآن، وبهذا يكون الإحكام الخاص، والتشابه الخاص؛ ضدين، وقد تقدم في مطلع «القاعدة»: الكلام على الإحكام الخاص، والتشابه الخاص من حيث الدليلُ؛ وهو آية آل عمران (١)، وتقدم - أيضاً - ذِكرُ جملةٍ من أقوال المفسرين في المراد بالمحكم، والمتشابه (٢).
فمنها: أن «المحكم»؛ هو: «الناسخ»، و «المتشابه»؛ هو: «المنسوخ»، ومنها: أن «المحكم»؛ هو: «الواضح البين الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً»، و «المتشابه»؛ هو: «ما يخفى معناه على بعض الناس»، أو: «ما يحتمل أكثر مِنْ معنى».
والتضادُّ بين الناسخ والمنسوخ، وبين الواضح والخفي، وبين ما لا يحتمل وما يحتمل؛ ظاهرٌ.
فلا تكون الآيةُ الواحدة محكمةً ومتشابهةً في نفس الوقت بالمعنى الخاص؛ بل قد تكون محكمة ومتشابهة بالمعنى العام.
ثم ذكر الشيخ هنا ضابطَ التشابه الخاص، والإحكام الخاص بقوله: (فالتشابه الخاص؛ هو: مشابهة الشيء لغيره من وجه، مع مخالفته له من وجه آخر)، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو، أو هو مثله، وليس كذلك، والإحكام؛ هو: (الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر).
стр. 415
وهذا التعريف من الشيخ لا ينافي ما سبق ذكره من أقوال المفسرين في آية آل عمران: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]؛ فإن الشيخ هنا ذكر المعنى الذي يرجع إليه معنى التشابه الخاص، ومعنى الإحكام الخاص، وهو الأصل، وهذا المعنى لا يختص بالآيات - كما سيأتي إن شاء الله تعالى -، بل يجري في الآيات المتشابهات، والأحاديث المتشابهة، كما يجري في المعاني والألفاظ المتشابهة، وفي الذوات المتشابهة، وغيرها.
فنطبق تعريف الشيخ للإحكام والتشابه الخاص على بعض ما قيل في معناهما:
ممَّا قيل: إن «المحكم»؛ هو: «الناسخ»، و «المتشابه»؛ هو: «المنسوخ»، فهذا التعريف ينطبق عليه تعريف الشيخ المتقدم، فإن الآية المنسوخة تشبه الآية غير المنسوخة من حيث إنها آية، ومن حيث إنها تدل على حكم، والأصل أن هذا الحكمَ قائمٌ وباقٍ، ولكن الآية المنسوخة تخالف غير المنسوخة من جهة أن حكمها قد رُفِع.
وبسبب هذا التشابه؛ يحصل اشتباه عند بعض الناس، فإنَّ مَنْ لم يبلغه الناسخُ يغلطُ؛ فيعمل بالدليل المنسوخ؛ لأنه لم يعلم الدليل المحكم الذي يزيل الاشتباه، ولهذا كان الواجب في المحكم والمتشابه - كما تقدم (١) -؛ هو: الإيمان بالمتشابه، والعمل بالمحكم، ورد المتشابه إلى المحكم الذي يزيل الاشتباه.
стр. 416
وهكذا القول بأن (المحكم)؛ هو: (المبين)، و (المتشابه)؛ هو: (المجمل)؛ لأنه بسبب ما فيه من الإجمال يشتبه؛ لأنه يحتمل أكثر من معنى؛ فيشبه غيره من وجه، مع مخالفته له من وجه آخر.
وقد تقدم (١): أن نصوص الصفات، ونصوص المعاد؛ يمكن أن تكون من المتشابه لا بمعنى التشابه عند أهل التفويض، الذين يقولون: «إن نصوص الصفات متشابهة بمعنى أنه لا يعلم معناها إلا الله تعالى»، ولكنها متشابهة بمعنى «أنه يشتبه معناها ويخفى على بعض الناس».
كما مثَّل الشيخ ﵀ في هذا الموضع بقوله: (كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وُعِدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا؛ فظن أنه مثله) أي: مثل ما في الدنيا (فعَلِمَ العلماء أنه ليس هو مثله) أي: مثل ما في الدنيا (وإن كان مشبهاً له من بعض الوجوه).
ففرقٌ بين قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا (٤٨)﴾ [الفرقان]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِين (٦٦)﴾ [النحل]، وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، فهذا ماءٌ غيرُ آسنٍ، ولبنٌ، وخمر، وعسل، وذاك ماءٌ، ولبن، وخمر، وعسل، ولكن مع الفارق، فهذه آيات وردت في مشارب الدنيا، وتلك آيات وردت في مشارب الآخرة.
стр. 417
قوله: (وهذا التشابه) أي: التشابه الخاص.
قوله: (إنما يكون لقدر مشترك بين الشيئين، مع وجود الفاصل بينهما) أي: أنَّ كلَّ موجوديْنِ بينهما اشتباه وافتراق، وقد تكثر وجوه الاشتباه وتقل وجوه الافتراق، وقد يكون العكس.
قوله: (ثم مِنَ الناس) هذا هو الحاصل بسبب التشابه الخاص (مَنْ لا يهتدي للفصل بينهما؛ فيكون مشتبهاً عليه) أي: من الناس مَنْ يدرك القدر المشترك، ولا يدرك القدر المميِّز، فمَن عَرفَ المنسوخَ، ولم يعرفِ الناسخَ؛ يقع في الغلط، وهكذا مَنْ عرفَ المجملَ، ولم يعرفِ المبيَّن، ومن عرفَ المطلقَ، ولم يعرفِ المقيَّدَ، ومن عرفَ العامَّ، ولم يعرفِ الخاصَّ.
قوله: (فالتشابه الذي لا تمييز معه؛ قد يكون من الأمور النسبية الإضافية) الشيء النسبي؛ هو: غير العام، أي: الذي يثبت للبعض دون البعض. وأما الشيء العام، أو الثابت على كلِّ حال؛ فهذا يقال له: «اشتباه حقيقي»، فاللفظ الذي لا يفهمه أحد؛ اشتباه عام، وأما الذي يخفى معناه على بعض الناس؛ فإن الاشتباه فيه نسبي.
وقد عرَّف الشيخ الاشتباه النسبي بقوله: (بحيث يشتبه على بعض الناس، دون بعض).
إذاً؛ التشابه الذي في بعض نصوص القرآن مِنَ الاشتباه النسبيِّ، فنصوصُ الوعد والوعيد، ونصوصُ الصفات يشتبه معناها على بعض
стр. 418
الناس، ولهذا غلط الغالطون؛ فظنوا أنها تدل على التشبيه، وأنه تعالى لو قامت به الصفات؛ لزم من ذلك مشابهته لخلقه!
أمَّا أهلُ العلمِ؛ فإنهم يدركون أنَّ أسماءَ الله تعالى وصفاتِه - وإنْ كان بينها وبين أسماءِ العباد وصفاتِهم اتفاقٌ من بعض الوجوه - لا تماثل صفات الخلق، وأن ما اختص الله به من ذلك؛ فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال.
قوله: (ومثل هذا يعرفُ منه أهلُ العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه) أي: أن أهلَ العلم يعرفون ويدركون الفَرْقَ والفصل؛ فيزول عنهم الاشتباه، فيعرفون الناسخَ مِنَ المنسوخِ، والمطلق من المقيد، والعام من الخاص، ويردون المتشابه إلى المحكم الذي يزيل الاشتباه.
* * *
стр. 419
منشأ الشُّبه، وعامة ضلال بني آدم
ومن هذا الباب الشُّبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق بالباطل، حتى يشتبه على بعض الناس، ومَن أوتي العلمَ بالفصل بين هذا وهذا؛ لم يشتبه عليه الحق بالباطل.
والقياسُ الفاسد إنما هو من باب الشبهات؛ لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه، فمن عرف الفصل بين الشيئين؛ اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد.
وما مِنْ شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه مِنْ وجه وافتراق مِنْ وجه، ولهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابهِ.
والقياسُ الفاسد: لا ينضبط، كما قال الإمام أحمد ﵀: «أكثر ما يخطئ الناس مِنْ جهة التأويل، والقياس»، فالتأويل في الأدلة السمعية، والقياس في الأدلة العقلية، وهو كما قال.
والتأويلُ الخطأ؛ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة، والقياس الخطأ؛ إنما يكون في المعاني المتشابهة.
стр. 420
قوله: (ومن هذا الباب) البابُ يطلق ويراد به: النوع، والقسم، والمراد هنا: «ومِن نوع التشابه الخاص».
قوله: (الشُّبه) جمع شبهة؛ وهي: ما يشتبه فيها الحق والباطل من الألفاظ أو المعاني، مِنَ الأدلة السمعية، أو الأدلة العقلية، فهذه الشبه هي من قبيل التشابه الخاص الذي سبق تعريفه قريباً.
قوله: (التي يضل بها بعض الناس) أي: الذين لا يهتدون إلى ما يزيل الاشتباه ويكشفه.
وهذه الشبه تجري في الأمور الشرعية، وفي الأمور العادية.
قوله: (وما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه، وافتراق من وجه) هذه قاعدة عقلية عامة، كما يدل عليه قوله: (ما من شيئين) نكرةٌ في سياق النفي، ودخلت عليه «مِنْ» الزائدة.
ويكون ذلك في: الألفاظ، والذوات، والصفات، والأدلة، وغيرها، حتى إنَّ الأضداد؛ كالسواد، والبياض تجري فيها هذه القاعدة، فيتفقان من وجه، ويختلفان من وجه؛ فإنَّ كلاً من السواد والبياض؛ لونٌ، وعرضٌ، وموجود، ويفترقان فيما بينهما من الضدية في الألوان.
وهكذا النبي الصادق والمتنبئ الكذاب، بينهما اتفاق في: أنَّ كلاً منهما بشرٌ، وكلاً منهما يدعي النبوة، لكن مع الفارق، فهذا يقيم الله له
стр. 421
من أدلة الصدق ما يضطر العقل لتصديقه، وهذا يظهر الله على يده ما يفضحه، ويضطر العقل إلى تكذيبه.
قوله: (والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات)؛ فالقياس الفاسد من الشبهات التي يشتبه فيها الحق بالباطل، فيقع من لا بصيرة له في الخلط بسبب هذا القياس الفاسد، فمنشأ ضلال المعطلة؛ هو: قياس الخالق على المخلوق، ومنشأ شرك المشركين - الذين اتخذوا مع الله تعالى آلهة أخرى زاعمين أنهم يقربونهم إلى الله زلفى -؛ هو: القياس الفاسد: قياس الخالق على المخلوق، وهذا أفسد القياس.
وهكذا القياس الفاسد في الأحكام الفقهية، فمن القياس الفاسد؛ القياس الذي يعارِض النصَّ ويخالفه، وهو قياس «فاسد الاعتبار» (١).
وقد عرَّف الشيخ ﵀ القياس الفاسد بقوله: (لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه)؛ فالقياس الصحيح؛ هو: تشبيه الشيء لغيره فيما يشبهه فيه، أمَّا قياس الشيء على غيره فيما لا يشبهه؛ فهذا قياس فاسد، ولهذا يقال: «هذا قياس مع الفارِق»؛ كقياس المبطلين الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ فجعلوا الربا مثل البيع، أي: أنه حلال، ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فليس الربا مثل البيع، فقياسه عليه من القياس الفاسد.
قوله: (والقياس الفاسد لا ينضبط) أي: ليس له حدود، فيجري في مجالات كثيرة، فإذا كان قد وقع قياس الخالق على المخلوق، وقياس
стр. 422
النبي على المتنبئ، أو المتنبئ الكذاب على النبي؛ فكذلك ما دونه من باب أَوْلى.
قوله: (كما قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطئ الناس) (١) أي: في أحكامهم، وفي تصوراتهم، وأقوالهم.
قوله: (من جهة التأويل … ) إلخ، فالتأويلُ الخطأ الذي هو: «صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى المعنى المرجوح» يكون في الأدلة السمعية؛ لأنها ألفاظ؛ كصَرْفِ العامِّ إلى الخاصِّ، وصرف المحتمل إلى المعنى البعيد؛ فيحصل الخلط.
والقياس يكون في الأدلة العقلية؛ لأنه يتعلق بالمعاني.
ومنشأ الخطأ في كل من التأويل، والقياس؛ هو: التشابه.
* * *
стр. 423
وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات، حتى آلَ الأمر بمَن يدعي التحقيق، والتوحيد، والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كلِّ موجود، فظنوا أنه هو؛ فجعلوا وجود المخلوقات: عَيْنَ وجود الخالق! مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحداً به، أو حالاً فيه؛ من الخالق مع المخلوق.
فمن اشتبه عليهم وجود الخالق بوجود المخلوقات - حتى ظنوا وجودها وجوده -؛ فهم أعظمُ الناس ضلالاً من جهة الاشتباه، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، فرأوا الوجود واحداً، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع.
قوله: (وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام) أي: بسبب التشابه، ثم قال الشيخ مصوراً مدى ما وقع من الضلال بسبب التشابه: (حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق، والتوحيد، والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كلِّ موجود، فظنوا أنه هو؛ فجعلوا وجود المخلوقات: عَيْنَ وجود الخالق!).
وهؤلاء هم الاتحادية، أو أصحاب وحدة الوجود، فالله عندهم؛ هو هذا الوجود، أو هذا الوجود هو الله! وزعموا أنَّ إدراك هذه الحقيقة؛ هو تحقيق التوحيد، وأن من وصل إلى هذا؛ صار من العارفين!.
стр. 424
وهؤلاء الاتحادية قائلون بالاتحاد العام؛ لأن القائلين بالاتحاد أو القائلين بالحلول؛ منهم:
* مَنْ يقول بالحلول العام.
* ومَن يقول بالاتحاد العام.
* ومِنهم مَنْ يقول بالاتحاد الخاص.
* أو الحلول الخاص (١).
فأما القائلون بالاتحاد العام؛ فهم أصحاب وحدة الوجود، الذين يقولون: «إن الله هو هذه الموجودات»، فالوجود هذا شيء واحد، وأما تكثُّره؛ فهو بحسب المظاهر، والحقيقة واحدة.
والقائلون بالحلول العام؛ هم: قدماء الجهمية، يقولون: «إن الله حال في كلِّ مكان» - تعالى الله عن قولهم - وهؤلاء هم الذين رد عليهم الإمام أحمد ﵀، ونقض شبهاتهم التي تعلقوا بها من القرآن، وبين ما يتضمنه قولهم من الفساد في العقل مع مناقضته للسمع (٢)؛ فإن قولهم يتضمن: أن الله موجود في الحشوش، وبطون الحيوان، وكل مكان مستقذر! تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
والفرقُ بين الحلول والاتحاد؛ ظاهرٌ؛ فالقول بالحلول يتضمن تميز الوجودين، وإثباتهما، لكن أحدهما حلَّ في الآخر، مثل: الروح،
стр. 425
والبدن، فكل منهما له وجود، لكن الروح حالَّة في البدن، ولها حقيقة متميزة، كما تقدم في المثل الثاني (١).
وأما القائلون بالاتحاد فليس عندهم وجودان؛ بل الوجود عندهم واحد.
وبهذا يتبين: أن مذهبهم أقبح، وهم أكفر.
أما الاتحاد الخاص؛ فكقول بعض النصارى: «اتحد اللاهوت في الناسوت، فصارا شيئاً واحداً».
وأما الحلول الخاص؛ فكقول بعض النصارى: «حل اللاهوت في الناسوت»، وكقول غلاة الرافضة: «إن الإله حلَّ في علي وسائر الأئمة».
والله تعالى مباينٌ لخلقه، ومبابينته لخلقه؛ أعظم من مباينة أيِّ مخلوق لمخلوق، وهو عالٍ فوقَ جميعِ مخلوقاته، ومعنى كونه بائناً من خلقه: أنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته.
وقد صَوَّر الشيخ هذا المعنى بقوله: (مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء … ) أي: من الخالق مع المخلوق، و «المماثلة» هي: «المشاركة في بعض الخصائص»، والمخلوقات يكون بينها مباينة كما تقدم في المثل الأول: أن موجودات الآخرة مباينة لموجودات الدنيا، فليست مثلها (٢)، وتقدم أيضاً: أن مباينة الله لخلقه؛ أعظم من مباينة موجودات الآخرة لموجودات الدنيا (١).