من أدلة الصدق ما يضطر العقل لتصديقه، وهذا يظهر الله على يده ما يفضحه، ويضطر العقل إلى تكذيبه.
قوله: (والقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات)؛ فالقياس الفاسد من الشبهات التي يشتبه فيها الحق بالباطل، فيقع من لا بصيرة له في الخلط بسبب هذا القياس الفاسد، فمنشأ ضلال المعطلة؛ هو: قياس الخالق على المخلوق، ومنشأ شرك المشركين - الذين اتخذوا مع الله تعالى آلهة أخرى زاعمين أنهم يقربونهم إلى الله زلفى -؛ هو: القياس الفاسد: قياس الخالق على المخلوق، وهذا أفسد القياس.
وهكذا القياس الفاسد في الأحكام الفقهية، فمن القياس الفاسد؛ القياس الذي يعارِض النصَّ ويخالفه، وهو قياس «فاسد الاعتبار» (١).
وقد عرَّف الشيخ ﵀ القياس الفاسد بقوله: (لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه)؛ فالقياس الصحيح؛ هو: تشبيه الشيء لغيره فيما يشبهه فيه، أمَّا قياس الشيء على غيره فيما لا يشبهه؛ فهذا قياس فاسد، ولهذا يقال: «هذا قياس مع الفارِق»؛ كقياس المبطلين الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ فجعلوا الربا مثل البيع، أي: أنه حلال، ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فليس الربا مثل البيع، فقياسه عليه من القياس الفاسد.
قوله: (والقياس الفاسد لا ينضبط) أي: ليس له حدود، فيجري في مجالات كثيرة، فإذا كان قد وقع قياس الخالق على المخلوق، وقياس
стр. 422
النبي على المتنبئ، أو المتنبئ الكذاب على النبي؛ فكذلك ما دونه من باب أَوْلى.
قوله: (كما قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطئ الناس) (١) أي: في أحكامهم، وفي تصوراتهم، وأقوالهم.
قوله: (من جهة التأويل … ) إلخ، فالتأويلُ الخطأ الذي هو: «صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى المعنى المرجوح» يكون في الأدلة السمعية؛ لأنها ألفاظ؛ كصَرْفِ العامِّ إلى الخاصِّ، وصرف المحتمل إلى المعنى البعيد؛ فيحصل الخلط.
والقياس يكون في الأدلة العقلية؛ لأنه يتعلق بالمعاني.
ومنشأ الخطأ في كل من التأويل، والقياس؛ هو: التشابه.
* * *
стр. 423
وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات، حتى آلَ الأمر بمَن يدعي التحقيق، والتوحيد، والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كلِّ موجود، فظنوا أنه هو؛ فجعلوا وجود المخلوقات: عَيْنَ وجود الخالق! مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحداً به، أو حالاً فيه؛ من الخالق مع المخلوق.
فمن اشتبه عليهم وجود الخالق بوجود المخلوقات - حتى ظنوا وجودها وجوده -؛ فهم أعظمُ الناس ضلالاً من جهة الاشتباه، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، فرأوا الوجود واحداً، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع.
قوله: (وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام) أي: بسبب التشابه، ثم قال الشيخ مصوراً مدى ما وقع من الضلال بسبب التشابه: (حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق، والتوحيد، والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كلِّ موجود، فظنوا أنه هو؛ فجعلوا وجود المخلوقات: عَيْنَ وجود الخالق!).
وهؤلاء هم الاتحادية، أو أصحاب وحدة الوجود، فالله عندهم؛ هو هذا الوجود، أو هذا الوجود هو الله! وزعموا أنَّ إدراك هذه الحقيقة؛ هو تحقيق التوحيد، وأن من وصل إلى هذا؛ صار من العارفين!.
стр. 424
وهؤلاء الاتحادية قائلون بالاتحاد العام؛ لأن القائلين بالاتحاد أو القائلين بالحلول؛ منهم:
* مَنْ يقول بالحلول العام.
* ومَن يقول بالاتحاد العام.
* ومِنهم مَنْ يقول بالاتحاد الخاص.
* أو الحلول الخاص (١).
فأما القائلون بالاتحاد العام؛ فهم أصحاب وحدة الوجود، الذين يقولون: «إن الله هو هذه الموجودات»، فالوجود هذا شيء واحد، وأما تكثُّره؛ فهو بحسب المظاهر، والحقيقة واحدة.
والقائلون بالحلول العام؛ هم: قدماء الجهمية، يقولون: «إن الله حال في كلِّ مكان» - تعالى الله عن قولهم - وهؤلاء هم الذين رد عليهم الإمام أحمد ﵀، ونقض شبهاتهم التي تعلقوا بها من القرآن، وبين ما يتضمنه قولهم من الفساد في العقل مع مناقضته للسمع (٢)؛ فإن قولهم يتضمن: أن الله موجود في الحشوش، وبطون الحيوان، وكل مكان مستقذر! تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً.
والفرقُ بين الحلول والاتحاد؛ ظاهرٌ؛ فالقول بالحلول يتضمن تميز الوجودين، وإثباتهما، لكن أحدهما حلَّ في الآخر، مثل: الروح،
стр. 425
والبدن، فكل منهما له وجود، لكن الروح حالَّة في البدن، ولها حقيقة متميزة، كما تقدم في المثل الثاني (١).
وأما القائلون بالاتحاد فليس عندهم وجودان؛ بل الوجود عندهم واحد.
وبهذا يتبين: أن مذهبهم أقبح، وهم أكفر.
أما الاتحاد الخاص؛ فكقول بعض النصارى: «اتحد اللاهوت في الناسوت، فصارا شيئاً واحداً».
وأما الحلول الخاص؛ فكقول بعض النصارى: «حل اللاهوت في الناسوت»، وكقول غلاة الرافضة: «إن الإله حلَّ في علي وسائر الأئمة».
والله تعالى مباينٌ لخلقه، ومبابينته لخلقه؛ أعظم من مباينة أيِّ مخلوق لمخلوق، وهو عالٍ فوقَ جميعِ مخلوقاته، ومعنى كونه بائناً من خلقه: أنه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته.
وقد صَوَّر الشيخ هذا المعنى بقوله: (مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء … ) أي: من الخالق مع المخلوق، و «المماثلة» هي: «المشاركة في بعض الخصائص»، والمخلوقات يكون بينها مباينة كما تقدم في المثل الأول: أن موجودات الآخرة مباينة لموجودات الدنيا، فليست مثلها (٢)، وتقدم أيضاً: أن مباينة الله لخلقه؛ أعظم من مباينة موجودات الآخرة لموجودات الدنيا (١).
стр. 426
فلا شيء أبعد عن مماثلة شيء آخر؛ من الخالق مع المخلوق.
قوله: (أو أن يكون إياه) أي: لا شيء أبعد عن أن يكون هو الشيء الآخر؛ من الخالق مع المخلوق، وهذه النسبة؛ هي: الوَحدة، فإذا قلت: «هذا هو ذاك»؛ صار شيئاً واحداً.
قوله: (أو متحداً به) أي: لا شيء أبعد عن أن يكون متحداً بشيء آخر؛ من الخالق مع المخلوق.
والاتحاد؛ هو: «امتزاج الحقيقتين حتى تكون حقيقة واحدة»، ولا يكون هناك تميز لإحدى الحقيقتين عن الأخرى.
قوله: (أو حالاً فيه) أي: لا شيء أبعد عن أن يكون حالاً في شيء آخر؛ من الخالق مع المخلوق، وفي الحلول تكون الحقيقتان متميزتين، كما تقدم.
فاللهُ تعالى أبعدُ عن مماثلة خلقه، أو أن يكون نفس الخلق، أو أن يتحد بالخلق، أو أن يحلَّ فيه؛ من أي شيء إلى شيء آخر، ومع عِظم التباين بين الخالق والمخلوق؛ وقع الاشتباه على بعض الناس حتى ظن هؤلاء الملاحدة الجهلة وجود المخلوقات: عين وجود الخالق!.
وحُكمُ هؤلاء كما قال الشيخ: (فهم أعظم الناس ضلالاً من جهة الاشتباه)، وقد تقدم (١) أيضاً: أنهم هم الملاحدة الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى.
стр. 427
قوله: (وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى الوجود) هذا هو منشأ الاشتباه المتقدم.
قوله: (فرأوا الوجود واحداً، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع) أي: أنهم جعلوا الوجود المشترك؛ واحداً بالعين لا واحداً بالنوع، والصواب المقطوع به: أن الوجود المشترك؛ واحد بالنوع.
والفرق بينهما: أن الواحد بالعين؛ هو ما لا يُتصور فيه الاشتراك، والواحد بالنوع؛ هو ما يتصور فيه الاشتراك، ف «الوجودُ المطلق» مشتركٌ، لكن «وجودك أنت» لا يتصور فيه الاشتراك، فالوجود المطلق واحد بالنوع، وهو اسم مطلق، ومعناه؛ معنى كلي لا يختص بموجود دون موجود، ومِن هذا القبيل: «الإنسان»، و «هذا الإنسان»، فالأول اسم عام، ومعناه: عامٌّ كلي، والثاني: خاصٌّ لا يتصور فيه الاشتراك.
والمقصود مما تقدم: التمثيل للضلال الذي منشأه الاشتباه.
* * *
стр. 428
وآخرون توهموا أنه إذا قيل: «الموجودات تشترك في مسمى الوجود»، لزم التشبيه، والتركيب، فقالوا: «لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي»، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء، مع اختلاف أصنافهم مِنْ أن الوجود ينقسم إلى: قديم، ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات.
وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود؛ لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجودٌ مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان: كليات مطلقة؛ مثل: وجود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك؛ فخالفوا الحس، والعقل، والشرع، وجعلوا ما في الأذهان ثابتاً في الأعيان، وهذا كله من أنواع الاشتباه.
قوله: (وآخرون توهموا … ) هذا مثال آخر لمن ضلَّ بسبب التشابه بين الموجودات في مطلق الوجود، وهؤلاء هم الذين تقدم ذكر مذهبهم (١)؛ وهم: المعطلة نفاة الصفات الذين ينفون الصفات زاعمين أن إثباتها يستلزم التشبيه؛، وهم: الجهمية، والمعتزلة، وكذلك الفلاسفة؛ الذين ينفون الصفات بحجة أن إثباتها يستلزم التركيب، فلهم هاتان الشبهتان: شبهة التشبيه، وشبهة التركيب.
стр. 429
قوله: (لزم التشبيه، والتركيب) أي: تشبيه الخالق بالمخلوق، والتركيب في ذاته تعالى؛ في زعم الفلاسفة الذين يقولون: «إن هذه معانٍ متعددةٌ متغايرة، وهي تركيبٌ، واللهُ منزهٌ عن التركيب»، وهذا لا يعنينا هنا، وإنما الذي يعنينا أن الطائفة؛ هم: الجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة؛ فهم الذين يشملهم قول الشيخ: (وآخرون).
قوله: (فقالوا: لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي) أي: أن إطلاق لفظ الوجود على الخالق والمخلوق من قبيل المشترك اللفظي، وهم قالوا هذا؛ ليتخلصوا مما توهموه من التشبيه، والتركيب.
والمشترك اللفظي؛ هو: «ما اتحد لفظه، وتعدد معناه» (١)، مثل: «المشتري» للنجم، وللمبتاع، و «العين» للعين الباصِرة، وللعين الجارية، وللذهب، ومثل: «سهيل» للنجم، ولإنسان اسمه سهيل، فالاشتراك بين هذه الأسماء؛ إنما هو في اللفظ فقط، وأما معانيها؛ فمختلفة.
والحق أن كلمة «موجود» تطلق على كل موجود، فالاشتراك بين الموجودات في هذه الكلمة في لفظها ومعناها؛ ولا بد؛ لأن الوجودَ ضدُّ العدم.
وهذا المعنى ثابت لكل موجودٍ، فكلُ موجود؛ فهو غير معدوم؛ فالاشتراك حينئذٍ: اشتراك معنوي.
стр. 430
والمشترك المعنوي يُسمى: «المتواطئ»؛ وهو: «ما اتحد لفظه، ومعناه» (١) سواء تفاوت المعنى، أو لم يتفاوت (٢)؛ كلفظ «إنسان» يطلق على: محمد، وعمر، وبكر، وهكذا.
إذاً؛ فقول هؤلاء بالاشتراك اللفظي؛ قول باطل.
والدليل على أن «الوجود» «متواطئ»، وليس ب «مشترك لفظي» ذكره الشيخ بقوله: (فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء، مع اختلاف أصنافهم مِنْ أن الوجود ينقسم إلى: قديم، ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات) أي: أن الوجود ينقسم إلى: قديم، ومحدث، وينقسم - أيضاً - إلى: واجب، وممكن، وإلى: محسوس مشاهد، وغائب غير مشاهد، ونحو ذلك (٣).
والانقسام يدل على أن بين القسمين وَحدةٌ؛ كالحَبِّ - مثلاً -؛ فإنه ينقسم إلى: قوت، وما ليس بقوت، والإنسان ينقسم إلى: ذكر، وأنثى، وينقسم إلى: أسود، وأبيض، وينقسم إلى: مؤمن، وكافر، هذا هو الدليل على أن «الوجود» «متواطئ» (٤). والله أعلم.
стр. 431
قوله: (وطائفة ظنت … ) إلخ، هذا مثالٌ ثالث لمن ضل بسبب الاشتباه الذي يكون بين الأشياء، والطائفة هذه طائفةٌ من الفلاسفة.
قوله: (ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في الوجود؛ لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه) أي: أنهم جعلوا ما في الأذهان ثابتاً في الأعيان، وسبق بيان: «أن المعاني الكلية المشتركة لا توجد إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات في الخارج» (١)، وهؤلاء لم يَقْصروا هذا على الوجود المشترك؛ بل زعموا أن في الخارج - أيضاً - كليات مطلقة؛ ك (وجود مطلق)، و (حيوان مطلق)، وهكذا.
وقد سبق ذكر هذا المعنى في «مبحث الروح» في «المثل الثاني» (٢)، وأن الذين لا يصفون الروح إلا بالسلوب يقولون: «إنها لا تدرك المعاني المعينة، وإنما تدرك الأمور الكلية»؛ لأن عندهم أن المعاني الكلية موجودة في الخارج.
فهذا نوع من الضلال بسبب الاشتباه.
فالمقولة الباطلة هنا: اعتقاد أن في الخارج موجوداً مطلقاً، وكليات مطلقة، ومنشأ هذا الغلط؛ هو: أن الموجودات تشترك في مطلق الوجود، والحيوانات تشترك في مطلق الحيوانية، والأجسام تشترك في مطلق الجسمية، والناس يشتركون في مطلق الإنسانية.
стр. 432
وهذه المقولة باطلةٌ؛ فليس في الخارج وجود مطلق، فكل ما في الخارج؛ فهو مُعَيَّنٌ جزئي ليس بمشترك، وكلُّ شيءٍ مستقلٌ بوجوده عن غيره (١).
إذاً؛ فالاشتراك بين الموجودات، أو الحيوانات، أو بين الأجسام، أو بين أفراد الناس؛ إنما هو في أمر ذهني، لا في أمر موجود في الخارج.
قوله: (فخالفوا الحس، والعقل، والشرع) أي: أن قولَهم هذا مخالفٌ للحس؛ فإنه معلومٌ بالحسِ: أنَّ ما في الخارج؛ إنما هو جزئي، فليس هناك شيء مشترك يُرى أو يلمس، وإنما الذي يدرك بالحس؛ هو: أمور معينة.
وخالف أيضاً: العقلَ؛ فإن من المعلوم بداهة: أن المعنى الكلي لا يكون إلا في الذهن، وقد تقدم ذكر هذا المعنى عن الفلاسفة، وأنهم قالوا عن الله: «إنه الوجود المطلق بشرط الإطلاق» (٢)، وقد علم بصريح العقل: أن هذا لا يوجد إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات.
وخالف قولُهم هذا أيضاً: الشرعَ؛ فإن الشرع قد جاء بأحكام، وإن كانت قد جاءت بصيغ عامة؛ فإن هذه النصوص العامة إنما تتعلق بالأعيان والأفراد، فهي عامة ولكن واقعها إنما ينطبق على الأفراد.
стр. 433
فخالف هؤلاء: الحس، والعقل، والشرع؛ فإنها تقتضي عدم وجود الكليات في الخارج.
قوله: (وهذا كله من أنواع الاشتباه) أي: أن غلط الاتحادية حيث زعموا أن وجود الموجودات؛ عين وجود الرب، وذلك بسبب اشتراك الموجودات في الوجود.
وغلط الجهمية، والمعتزلة، والفلاسفة - أيضاً - حيث قالوا: «إن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي»، حذراً ممَّا توهموه من التشبيه، والتركيب.
وغلط مَنْ غلط من الفلاسفة حيث زعموا أن الموجودات إذا كانت تشترك في الوجود؛ ففي الخارج موجود مطلق، وهكذا الشأن في سائر المعاني الكلية، فهي موجودة في الخارج، عندهم، وهذا كله من الضلال بسبب الاشتباه.
* * *
стр. 434
ما يعصم من الضلال بالمتشابه من الكلام
ومن هداه الله سبحانه فرَّق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعَلِم ما بينها مِنَ الجمع والفَرْق، والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يَضِّلون بالمتشابه من الكلام؛ لأنهم يجمعون بينه وبين المحكمِ الفارقِ الذي يبيِّن ما بينهما من الفَصْل والافتراق.
وهذا كما أنَّ لفظ «إنا»، و «نحن»، وغيرهما مِنْ صيغ الجمع يتكلم بها الواحد الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم، الذي له صفات تقوم كلُّ صفةٍ مقامَ واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له.
فإذا تمسك النصراني بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]، ونحوه على تعدد الآلهة؛ كان المحكم؛ كقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]، ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحداً؛ يزيل ما هناك مِنَ الاشتباه، وكان ما ذكره من صيغ الجمع؛ مبيناً لما يستحقه مِنْ العظمة والأسماء والصفات، وطاعة المخلوقات من الملائكة، وغيرهم.
وأما حقيقة ما دلَّ عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله؛ فلا يعلمه إلا هو: ﴿وَمَا
стр. 435
يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، وهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.
بخلاف الملِك مِنَ البشر إذا قال: «قد أمرنا لك بعطاء»؛ فقد عُلم أنه هو، وأعوانه - مثل: كاتبِه، وحاجبه، وخادمه، ونحو ذلك - أمروا به، وقد يُعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته، وإراداته، ونحو ذلك.
والله لا يَعلمُ عبادُه الحقائقَ التي أخبر عنها من صفاته، وصفات اليوم الآخر، ولا يعلمون حقائقَ ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة.
أي: أن مَنْ أنعم الله عليه بالهدى؛ فرَّق بين الأمور وإن اشتبهت مِنْ بعض الوجوه؛ لأنه يدرك ما بينها من الفَرْق والجمع، خلاف مَنْ تقدم ذكرهم، من فرق الضلال من: الاتحادية، والجهمية، والفلاسفة.
قوله: (وهؤلاء لا يَضِلون بالمتشابه من الكلام … ) أي: وهؤلاء المهديون لا يضلون بالمتشابه من الكلام، وهذا هو المقصود؛ لأنَّ موضوعَ الكلامِ: الآياتُ المتشابهات؛ وهي: من الكلام المتشابه.
قوله: (لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم) أي: يجمعون بين المحكم والمتشابه؛ فيردون المتشابه إلى المحكم، وهذا هو منشأ الهداية، ففي القرآن متشابهٌ، وفي السنة أحاديثُ متشابهةٌ، وفي كلام الناس متشابه، فإذا
стр. 436
ورد عن إمام من الأئمة - مثلاً - عبارة تُوهم كذا، أو تدل على كذا؛ فالواجبُ ردُّ هذا الكلام المشكل إلى أصوله، وإلى ما عُرف به، وكلامه الواضح، وأما المغرضون، والجاهلون؛ فإنهم يَضلون بالمتشابه من الكلام.
ثم مثَّل الشيخ ﵀ للكلام المتشابه من القرآن؛ لأن أصل الحديث هو الآيات المتشابهات، كما في آية آل عمران: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [٧]، وقد تقدم (١) أن من معاني المتشابه: أنه اللفظ المحتمل، والمحكم؛ هو: البين الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً؛ فهذا منه.
والله تعالى يذكر نفسه كثيراً بصيغة الجمع؛ كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح] وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١] وقال: ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون (٩٧)﴾ [الحجر] وغيرها من الآيات.
فهذه الصيغة في اللغة العربية تحتملُ أكثرَ مِنْ معنى، وقد بينها الشيخ بقوله: (يتكلم بها الواحد الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم الذي له صفات تقوم كلُّ صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له) أي: يتكلم بها الواحد الذي له من أسباب العظمة: مِنْ الصفات، أو من العبيد، والجنود؛ ما يجعله يعبر عن نفسه بهذه الصيغة، وله صفات كل صفة تقوم مقام واحد.
فإذا كان هناك شخص: محدث، فقيه، شاعر، كاتب، فإنْ عُدَّ الفرسان؛ فهو معهم، وإن عُدَّ المحدثون؛ فهو معهم، وإن عُدَّ الفقهاء؛
стр. 437
فهو معهم، وإن عُدَّ الشعراء؛ فهو معهم، فكل صفة ألحقته بتلك الطائفة، فالإنسان يكون بالصفة المتعددة بمثابة الجماعة، وهذا يبين كيف جاءت اللغة بإطلاق هذا اللفظ على الواحد الذي له من أسباب العظمة ما له من المعاني القائمة به، أو من الأتباع والعبيد، لا شركاء له.
فصيغةُ «إنا»، و «نحن»، وغيرهما؛ محتملةٌ، وقد جاءت هذه الصيغة في القرآن الكريم؛ كما تقدم، وجاءت في مواضع يخبر الله بها عن بعض العباد ممَّن له مِنْ أسباب العظمة ما له؛ كقوله تعالى عن سليمان: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ [النمل: ٢٧]، وكما في قصة يوسف مع الملك ﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا﴾ [يوسف: ٥٤] إذاً؛ فهذه الصيغة من المتشابه.
قوله: (فإذا تمسك النصراني بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾، ونحوه على تعدد الآلهة … ) أي: أن النصرانيَّ يقول بتعدد الآلهة؛ فإنه يقول بالتثليث، ويحتج على هذا بمثل هذه الصيغة المحتملة في حد ذاتها.
قوله: (كان المحكم كقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]، ونحو ذلك ممَّا لا يحتمل إلا معنى واحداً يزيل ما هناك من الاشتباه) أي: أن المحكم الذي يزيل هذا الاشتباه ويبطل هذا الاستدلال: النصوصُ المصرِّحة بالوحدانية لله تعالى في: ألوهيته، وربوبيته، مثل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ [الإخلاص]، ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]، ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّار (١٦)﴾ [الرعد]؛ فهذا هو المحكم.
стр. 438
وقد تقدم في «القاعدة الثالثة» (١): أن الله تعالى يذكر نفسه تارة بصيغة الإفراد، كما في آية «ص»، وفي غيرها من المواضع، ويذكر نفسه بصيغة الجمع، وكل من الصيغتين تدل على معنى حق، فصيغة الإفراد تدل على الوحدانية لله تعالى فهو الواحد الأحد المتفرد في ألوهيته وربوبيته فلا شريك له ولا شبيه، وصيغة الجمع تدل على أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وكثرة جنوده وعبيده.
فكلٌّ مِنْ الصيغتين لها دلالة ثابتة للرب تعالى، فصيغة الإفراد تدل على ما هو ثابت له من التفرد، فهو الإله الذي لا شبيه له، والرب الذي لا شريك له، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا شبيه له، في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله، وصيغة الجمع تدل على عظمته، وهذا يتضمن الدلالة على أسمائه الحسنى وصفاته العلى وعلى ما له من العبيد والجنود، الذين لا يعلم عددهم ولا يحصيهم إلا الله : ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾.
فالآيات التي هي نص في التوحيد؛ تبطل استدلال النصراني الباطل، فيجب رد المتشابه إلى المحكم الذي يبين المراد به ويزيل الاشتباه والباطل الذي يتعلق به المبطل (٢).
стр. 439
قوله: (وأما حقيقة ما دل عليه ذلك … ) تقدم أن صيغة الجمع في حق الله تعالى من نوع المتشابه، وهذا الاشتباه نسبي - أي: لبعض الناس - فأما من هداه الله تعالى؛ فإنه يجمع بينها وبين المحكم؛ فيعرف المراد من هذا، وهذا.
وهذه الصيغة من نصوص الصفات؛ لأنها إخبار من الله عن نفسه، فلها تأويل نعلمه، وتأويل لا نعلمه.
والتأويل الذي نعلمه؛ هو التأويل بمعنى: التفسير، والذي لا نعلمه؛ هو: ما تدل عليه هذه النصوص من حقائق أسماء الله تعالى في الواقع، وكثرة الجنود.
ونحن نعلم أن لله سبحانه جنوداً كثيرين، وعبيداً كثيرين، لكن لا نعلم مداهم، ولا نحصيهم، ولا نعلم قُوَّتهم؛ فالملائكة - مثلاً -: نعلم أنهم: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون (٢٧) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون (٢٧)﴾ [الأنبياء]، ونعلم أنهم كثيرون، ولكن لا نتصور، ولا ندرك مدى هذه الكثرة، ولا مدى طاعتهم وخضوعهم وعبوديتهم لله تعالى، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه.
ثم وازن الشيخ ﵀ بين ورود هذه الصيغة في حق الله، كما في الآيات المتقدمة، وصدورها عن بعض الخلق، - وبينها بلا شك فرقٌ - بقوله: (بخلاف الملِك مِنْ البشر إذا قال: «قد أمرنا لك بعطاء»؛ فقد عُلم أنه هو، وأعوانه - مثل: كاتبِه، وحاجبِه، وخادمه، ونحو ذلك - أمروا به)
стр. 440
أي: وإن كان ابتداء الأمر مِنْ قِبل الملِك؛ فإن الكاتب، والحاجب، والخادم، ونحوهم؛ له تأثير في هذا الأمر، ومشاركة فيه.
حتى إن الشفاعة عند المخلوق تتضمن نوع شَرِكة للشافع مع المشفوع عنده، وأما الشافع عند الله تعالى؛ فلا مُلك له؛ بل الشفاعة كلها لله تعالى، فلا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، ولكن الشافع عند المَلِك من البشر له مشاركة؛ لأن المشفوع عنده؛ يمكن أن يشفِّع أو يستجيب لهذا الأمر المطلوب؛ وإن كان كارهاً؛ لأنه يرجو هذا الشافع، أويخافه.
ففرق بين ورود هذه الصيغة في حق الله سبحانه، وورودها في حق المخلوق.
قوله: (ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة) فكل هذا لا يعلمه العباد، وإن علموا أصل المعنى؛ وهو: أن هذا الفعل صادر عن قدرته ومشيئته، ولكن لا نتصور كُنْهَ وحقيقة قدرته تعالى وحكمته، ونحن نعلم شيئاً من الحكمة في حدود ما بيَّنه سبحانه، وما هدانا إليه، ولكن لا نسبة لما عَلِمنا إلى ما لا نعلم من ذلك.
* * *
стр. 441
التشابه في الألفاظ المتواطئة والمشتركة
وبهذا يتبين: أن التشابه يكون في الألفاظ «المتواطئة»، كما يكون في الألفاظ «المشتركة» التي ليست بمتواطئة، وإنْ زال الاشتباه بما يميِّز أحد المعنيين من إضافة، أو تعريف، كما إذا قيل: «﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاء﴾ [محمد: ١٥]» فهنا قد خص هذا الماء بالجنة؛ فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا، لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء؛ غير معلوم لنا؛ وهو - مع ما أعد الله لعباده الصالحين مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر - مِنَ التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.
وكذلك مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته؛ لا يعلمها إلا هو.
ولهذا كان الأئمة؛ كالإمام أحمد، وغيره؛ ينكرون على الجهمية وأمثالهم - مِنَ الذين يحرفون الكلم عن مواضعه -؛ تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال الإمام أحمد في كتابه الذي صنفه في «الرد على الزنادقة والجهمية، فيما شكَّت فيه من متشابه القرآن، وتأولته على غير تأويله».
وإنما ذمهم لكونهم تأوَّلوه على غير تأويله، وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وإن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم
стр. 442
تأولوه على غير تأويله، ولم ينفِ مطلق التأويل، كما تقدم مِنْ أنَّ لفظ التأويل يراد به: «التفسير المبين لمراد الله تعالى به»، فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد بالتأويل: «الحقيقة التي استأثر الله بعلمها»، فذاك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع.
قوله: (وبهذا يتبين أن التشابه) أي: التشابه في الكلام.
قوله: (يكون في الألفاظ المتواطئة)؛ وهي: «ما اتحد لفظه ومعناه» كالإنسان، والرجل، والجسم، والحيوان، ونحو ذلك من الأسماء العامة.
وأما الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة؛ فهي المشترك اللفظي؛ وهو: «ما اتحد لفظه، وتعدد معناه» مثل: «العين»: للباصرة والجارية، وغيرها، و «المشتري»: للنجم والمبتاع، و «سهيل»: للنجم ولمن اسمه سهيل (١).
وفي القرآن مثل: ﴿عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] فقد فسِّر ب: «أقبل»، وب «أدبر» (٢)، و «القُرْء» فسر ب: «الطُّهْر»، و «الحيض» (٣).
стр. 443
قوله: (وإن زال الاشتباه بما يميِّز أحد المعنيين من إضافة وتعريف) فلفظ: «المشتري» مشترك لفظي، ولا يعرف المراد منه إلا بالإضافة، أو التعريف، فإذا قال شخص: «ذهبتُ إلى السوق، فلقيتُ المشتري»، أو: «نظرتُ إلى السماء، فرأيت المشتري»؛ فإنه حينئذٍ يزول الاشتباه؛ لوجود القرينة.
وكذلك اللفظ المتواطئ يحصل فيه الاشتباه، فلفظ: «الماء» يطلق على أنواع المياه: المالح، والعذب، وغيره، ويطلق على: الماء الذي في الجنة، والذي في الدنيا.
وكذلك اللبن، والخمر، والعسل، والفاكهة، واللحم، كلها أسماء لها مسميات في الدنيا، ومسميات في الآخرة، فهذه ألفاظ متواطئة؛ لأنها اشتركت في اللفظ والمعنى الكلي العام؛ وهو القدر المشترك.
وقد تقدم (١) أنه بسبب وجود هذا القدر المشترك؛ اشتبه على بعض الناس المقصود بهذه الأنواع - أنواع النعيم -؛ فالجاهل قد يظن أنها مثل ما يعرفه في الدنيا، فهذا غلط سببه الاشتباه، الذي منشأه التواطؤ.
وقوله: (من إضافة، أو تعريف) ب «أل»؛ وهي: تكون للعهد الذهني، أو للعهد الذكري (٢)، فهي تزيل الاشتباه عند مَنْ قد عهد هذا المعنى، وسبق الكلام معه فيه، كما لو قلت: «يجب التمسك بالكتاب»، والمراد: «القرآن الكريم»، مع أن كلمة «الكتاب» في اللغة تطلق على
стр. 444
كل مكتوب، فحصل التمييز بالتعريف، وإذا قلت: «يجب التمسك بكتابِ الله»؛ حصل التمييز بالإضافة.
قوله: (كما إذا قيل: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاء﴾ [محمد: ١٥] فهنا قد خص هذا الماء بالجنة) فكلمة «ماء» لفظ متواطئ، ولكنه غير مطلق؛ بل مضاف إلى الجنة بالإسناد؛ لقوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾، فعلم بهذه الإضافة أن هذا الماءَ ليس كمائنا في الدنيا، وهكذا اللبن، والعسل، والخمر، وإن اتفقت في الاسم، والمعنى العام الكلي.
قوله: (لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا، وهو - مع ما أعد الله لعباده الصالحين، ممَّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر - مِنْ التأويل الذي لا يعلمه إلا الله) وهذا قد سبق غير مَرة (١) أن نصوص الوعد لها تأويل نعلمه، ولها تأويل لا نعلمه، فتفسيرها معلوم لنا، فنعلم أن هذه من أصناف النعيم، وأنها: أشربة، وأخرى مأكولات، وأخرى مساكن، ونعرف أنها أمور عظيمة معرفة إجمالية، ولكن لا نتصور حقائقها، فلا يعلم حقائقها إلا الله تعالى، وسيعلم المؤمنون حقائقها حين يرونها، ويباشرونها إذا دخلوا الجنة.
قوله: (وكذلك مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته؛ لا يعلمها إلا هو) وهذا هو المقصود؛ وهو: أن نتوصل إلى القول في أسماء الله تعالى وصفاته، فأسماؤه وصفاتُه مدلولها ومعناها؛
стр. 445
معلوم لنا من وجه؛ وهو: المعنى المستفاد من دلالة اللغة، والسياق، والنصوص المبينة.
فلفظُ: «السميع»، و «البصير»، ونحوها من حيثُ هي متواطئةٌ، ف «السميع» يطلق على كل ذي سمع، و «البصير» يطلق على كل ذي بصر، وهكذا، فإذا أضيفت إلى الله دلت على ما يختص به تعالى كما سبق (١)، وإذا أضيفت إلى المخلوق دلت على ما يختص بالمخلوق.
ومدلولُ أسمائه تعالى وصفاته الذي هو حقيقة لذات الرب وصفاته؛ ذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا هو، فنصوص الأسماء والصفات لها تأويل نعلمه، فنعرف معنى: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء]، ومعنى: ﴿وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٨٤)﴾ [البقرة]، ومعنى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾ [الفتح]، ونفرق بينها، أما الحقيقة التي دلت عليها هذه الأسماء؛ فذلك من التأويل الذي لا نعلمه.
ويتبين مما سبق من أول «القاعدة»: أن التأويل منه المحمود، ومنهم المذموم، ومنه ما يعلمه العباد، ومنه ما لا يعلمه العباد.
قوله: (ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد، وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم - من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه -؛ تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله) أي: ولما كان التأويل منه المحمود، ومنه المذموم؛ لم يذم الأئمة؛ كالإمام أحمد، وغيره التأويل
стр. 446
مطلقاً، وإنما ذموا تأويل القرآن، أو السنة - أي: تفسيرهما - على غير وجههما؛ وهو: التحريف.
قوله: (وإنما ذمهم لكونهم تأوَّلوه على غير تأويله، وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه … ) فثبت أن التأويل يختلف معناه - كما تقدم في مطلع «القاعدة» (١) - ويختلف حكمه، ويختلف علم العباد به، فمنه ما يعلمه العباد ومنه ما لا يعلمه إلا الله، ومنه ما يُحمد ومنه ما يُذَم، والمحمود منه؛ هو: تأويل كلام الله حسب ما تدل عليه أصول الفهم والدلالات، وهذا هو الواجب؛ فإن الله أنزل القرآن لِيُتَدَبر، والمذموم؛ هو: تأويله على غير تأويله.
قوله: (وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع) أي: قد بسطنا الكلام على معاني التأويل، وما يحمد وما يذم، وما يعلم وما لا يعلم، في غير هذا الموضع، ومن ذلك ما تقدم في أول «القاعدة» (٢)، والشيخ يعرض لهذا في مواضع كثيرة في كتبه المطولة (٣)؛ لأنه يتعلق بالقضية الكبيرة التي قامت فيها الخصومة؛ وهي «قضية الأسماء والصفات»، فإن الخصومة فيها قائمة بين أهل السنة والمعطلة؛ من أهل: التأويل، والتفويض.
* * *
стр. 447
أثر الجهل بمعاني التأويل، وعدم التمييز بينها
ومن لم يعرف هذا اضطربت أقواله، مثل: طائفة يقولون: «إن التأويل باطل، وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره»؛ ويحتجون بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل.
وهذا تناقض منهم؛ لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلاً لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقاً.
وجهة الغلط: أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه؛ هو: الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو، وأما التأويل المذموم والباطل؛ فهو: تأويل أهل التحريف والبدع، الذين يتأولونه على غير تأويله، ويدَّعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك.
ويدَّعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحذور اللازم فيما أثبتوه بالعقل، ويصرفونه إلى معانٍ هي نظير المعاني التي نفوها عنه! فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه، فإن كان الثابت حقاً ممكناً؛ كان المنفي مثله، وإن كان المنفي باطلاً ممتنعاً؛ كان الثابت مثله.
стр. 448
قوله: (ومن لم يعرف هذا) أي: ومن لم يعرف تعدد معاني التأويل، واختلاف حكمه.
قوله: (اضطربت أقواله) أي: وقع في التناقض.
قوله: (مثل طائفة يقولون … ) هذه طائفة المفوضة وإن لم يسمها الشيخ، فقد نعتها بمذهبها وطريقتها، والمقصود بالمفوضة هنا: مفوضة نصوص الصفات، فإنه قد تسلك طوائف أخرى مسلك التفويض في غير نصوص الصفات، وهؤلاء ليسوا المعنيين هنا.
وهذا الكلام يربط آخر «القاعدة» بأولها؛ فإننا في مطلع «القاعدة» عرفنا أن المقصود بهذه «القاعدة» الرد على أهل التفويضِ (١)، والآياتُ الدالة على تدبرِ القرآنِ كلِّه فيها رَدٌّ عليهم.
ومذهب أهل التفويض في صفات الله تعالى؛ هو: التعطيل في الجملة سواء كان كلياً، أو جزئياً.
وقد سماهم الشيخ بما يصوِّر فساد مذهبهم، حيث سماهم: «أهل التجهيل»؛ لأن مضمون قولهم: تجهيل الصحابة رضوان الله عليهم؛ بل تجهيل الرسول ﷺ بمعاني كلام الله، ومعاني ما يتكلم به ﷺ .
قوله: (مثل طائفة يقولون: إن التأويل باطل، وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره) أي: أنهم ينفون التأويل مطلقاً، وينكرون على أهل التأويل،
стр. 449
ويلتقون معهم في نفي الصفات، فهم يختلفون معهم في موقفهم من النصوص، ويتفقون معهم في نفي الصفات.
قوله: (وهذا تناقض منهم) أي: استدلال المفوضة بهذه الآية على نفي التأويل مطلقاً تناقض منهم، والتناقض يكون بالتفريق بين المتماثلات، وبإثبات الشيء ونفيه في آن واحد.
ثم بين الشيخ هذا التناقض بقوله: (لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلاً لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقاً) أي: أن الآية أثبتت تأويلاً لا يعلمه إلا الله، وهم ينفونه مطلقاً، وهذا هو الوجه الأول من وجهي فساد استدلالهم بالآية.
والوجه الثاني؛ هو: أن التأويل الذي أرادوه؛ هو التأويل في اصطلاحهم؛ وهو: «صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح»، وهذا التأويل قالوا: «لا يعلمه إلا الله».
وتفسيرُ التأويل الذي لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى باطلٌ؛ لأنه تفسير لكلام الله بمعنى اصطلاحي، ولا يجوز تفسير القرآن بالمعاني الاصطلاحية التي اصطلح عليها الناس، بل يجب تفسيره إما بالمعاني اللغوية؛ لأنه نزل بلسان عربي مبين، أو بالمعاني الشرعية التي بينها الله ورسوله ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون (٤٤)﴾ [النحل].
فالتأويل في القرآن إما أن يراد به الحقيقة، وهذا هو الغالب، وإما أن يراد به التفسير.
стр. 450
قوله: (وأما التأويل المذموم والباطل؛ فهو تأويل أهل التحريف والبدع … ) هذا كلام معترض، وقد تقدم في آخر «الأصل الثاني» (١)، مثال ذلك؛ وهو: قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] و ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين (٤)﴾ [التوبة]، فظاهرها إثبات المحبة لله تعالى، وهم يقولون: «المحبة ميل الشيء إلى ما يلائمه، وهذا المعنى لا يليق به سبحانه؛ لأنه تشبيه؛ ففي ظاهر هذه النصوص محذور»!
فيصرفون معنى النص إلى معانٍ أخرى؛ كأنْ يقولوا: المعنى: «يريد الإنعام والإحسان إليهم»، فهم فَرُّوا من إثبات حقيقة «المحبة»، وصرفوا اللفظ إلى «الإرادة»، فنقول: إنه يلزم في «الإرادة» نظير ما يلزم في المعنى المصروف عنه؛ وهو «المحبة»؛ فإن كان المنفيُّ؛ وهو «المحبة» باطلاً ممتنعاً؛ فالمثبت؛ وهو «الإرادة» مثله، وإن كان المثبت؛ وهو «الإرادة» حقاً ممكناً؛ كان المنفي؛ وهو «المحبة» مثله، فلا فرق بين المعنى المصروف عنه، والمعنى المصروف إليه؛ فإثبات أحدهما، ونفي الآخر؛ تحكمٌ، وتناقض، وتفريق بين المتماثلات.
قوله: (بغير دليل يوجب ذلك) من هنا صار هذا التأويل باطلاً، وصار تحريفاً، وقد يكون لدليل لكنه لا يُوْجِبُ، أي: غير دالٍّ على المطلوب.
وهذا كله بيان لتناقض أهل التأويل.
* * *
стр. 451
وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقاً، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٧] قد يظنون أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يُفهم منه شيء.
وهذا مع أنه باطل؛ فهو متناقض؛ لأنا إذا لم نفهم منه شيئاً؛ لم يجز أن نقول: «له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه»، لإمكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا - فإنه لا ظاهر له على قولهم -؛ فلا تكون دلالتُه على ذلك المعنى؛ دلالةً على خلاف الظاهر؛ فلا يكون تأويلاً.
ولا يجوز نفي دلالته على معانٍ لا نعرفها على هذا التقدير، فإن تلك المعاني التي دلت عليها قد لا نكون عارفين بها، ولأنا إذا لم نفهم اللفظ، ومدلوله المراد؛ فلأن لا نعرف المعاني التي لم يَدُل عليها اللفظ أَوْلى؛ لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به، فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني، ولا يفهم منه معنى أصلاً؛ لم يكن مشعراً بما أريد به؛ فلأن لا يكون مشعراً بما لم يرد به أَوْلى.
فلا يجوز أن يقال: «إن هذا اللفظ متأول»، بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فضلاً عن أن يقال: «إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله»، اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما
стр. 452
يخالف الظاهر المختص بالمخلوقين، فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا؛ فلا بدَّ أن يكون له تأويل يخالف ظاهره.
لكن إذا قال هؤلاء: «إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر»، أو: «إنها تُجرى على المعاني الظاهرة منها»؛ كانوا متناقضين.
وإنْ أرادوا بالظاهر هنا معنى، وهنا معنى في سياق واحد من غير بيانٍ؛ كان تلبيساً، وإنْ أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ - أي: تُجرى على مجرد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه -؛ كان إبطالهم للتأويل، أو إثباته؛ تناقضاً، لأن من أثبت تأويلاً، أو نفاه؛ فقد فهم منه معنى من المعاني. وبهذا التقسيم يتبيَّنُ تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات، ومثبتيها في هذا الباب.
قوله: (وهؤلاء) هذا عود إلى أهل التفويض، ولهذا قلتُ: «إن الكلام على تناقض أهل التأويل معترض» (١).
قوله: (قد يظنون)، (قد) هنا للتحقيق، وليست للتقليل (٢).
стр. 453
قوله: (أنا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد) أي: له معنى، ولكن لا يفهمه أحد.
قوله: (أو بما لا معنى له) أي: بألفاظ ليس لها معنى، وإنما أُنزلت للتعبد بتلاوتها.
قوله: (أو بما لا يُفهم منه شيء) أي: أن اللفظ وإن كان له معنى؛ ولكن لا يَفهم منه أحد شيئاً.
قوله: (وهذا مع أنه باطل؛ فهو متناقض) أي: أن هذا الظن وإن كان باطلاً في ذاته شرعاً؛ فهو باطل عقلاً، ووجه بطلانه شرعاً: النصوص الكثيرة الدالة على أن لآيات القرآن معنى مفهوماً.
والدليل على هذا ما تقدم في مطلع «القاعدة» من الأمر بالتدبر (١)، فالله أمر بتدبر القرآن وذم المعرضين عن تدبره، فهذا يدل على أن جميع آيات القرآن لها معانٍ يمكن فهمها والوصول إليها بالتدبر، فما لا يفهم منه شيء وما لا يفهمه أحد؛ ليس لتدبره فائدة.
وأيضاً: وَصْفُ القرآن الكريم بأنه ﴿هُدًى﴾ في آيات [البقرة: ٢ و ٩٧ و ١٨٥]، وأنه ﴿شِفَاءٌ﴾ [يونس: ٥٧]، و (نور) [النساء: ١٧٤]، وأنه ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ كلها تدل على أن آيات القرآن لها معانٍ يمكن الوصول إليها، وتحصل بها الهداية، فما لا يُفهم منه شيء؛ لا يكون هدىً ولا شفاءً لما في الصدور، ولا يكون أحسن الحديث.
стр. 454
وأيضاً فهذا الظن يتضمن الطعن في حكمة الله تعالى، وفي حسن بيانه، والطعن في كلامه، ففيه تنقص لرب العالمين أن يخاطب عباده بما لا يُفهم منه شيء، أو بما لا معنى له، فالحكيم يُنزَّه عن أن يتكلم بما لا يفهمه أحد؛ لأنه إما أن يكون عاجزاً عن البيان، أو يكون مريداً للإلغاز والتلبيس.
ومع هذا كله؛ فهو متناقض، وقد بيَّنه بقوله: (لأنا إذا لم نفهم منه … ) هذا الكلام إلى آخر «القاعدة» كله: لبيان تناقض أهل التفويض فيما ظنوه، وقبل أن نبيِّنَ هذا التناقض يجب أن نفهم أن كلامهم - حسب ما تقدم قريباً -: قد تضمن:
* نفي التأويل مطلقاً.
* وتضمن: إثبات التأويل، وذلك في استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ﴾، وعُلِم - أيضاً - أن التأويل في اصطلاحهم؛ هو: «صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح»، أو: «صرف اللفظ عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى غيره»، فالتأويل الذي يوافق الظاهر؛ ليس تأويلاً عندهم، والتأويل الذي يخالف الظاهر؛ تأويلٌ عندهم.
* وتضمن كلامهم - أيضاً -: أن النصوص لا يفهمها أحد، فتضمن كلامهم هذه الجوانب.
* وتضمن - أيضاً -: إجراء النصوص على ظاهرها.
стр. 455
وإذا نظرنا إلى مجموع هذه الأمور؛ يتجلى التناقض، فما لا يفهم منه شيء؛ لا ظاهر له، فكيف يقولون: «يجب إجراء النصوص على ظاهرها»؟!، وما لا يفهم منه شيء معلوم أنه لا ظاهر له؛ فلا يصح أن يقال: «له تأويل يخالف الظاهر»، فضلاً أن يقال: «إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله»؛ بل ولا يصح أن يقال: «له تأويل يوافق الظاهر»؛ ضرورة أنه لا ظاهر له.
وأيضاً؛ فما لا يفهم منه شيء؛ لا يصح أن يقال: «له تأويل يخالف الظاهر، ولا يوافق الظاهر»؛ لأن ما لا يفهم منه شيء لا ظاهر له، ثُم إنَّ مَنْ أثبت تأويلاً، أو نفاه؛ فقد فهم معنى من المعاني.
فخلاصة القول: أن ما لا يفهم منه شيء؛ لا يجوز أن يتكلم عنه بشيء، فلا يقال: «له تأويل يخالف الظاهر، ولا تأويل يوافق الظاهر»، ولا يقال: «ليس له تأويل»؛ لأن من أثبت تأويلاً، أو نفاه؛ فقد فهم معنى من المعاني.
وأيضاً؛ من التناقض نفي التأويل، وإثباته كما سبق، فإذا قالوا: «له تأويل يخالف الظاهر»، وقالوا: «ليس له تأويل يخالف الظاهر»؛ فهو تناقض؛ لأنه جمع بين النفي، والإثبات.
فإنْ أرادوا بالظاهر في الإثبات معنى، وفي النفي معنى من غير بيان؛ كان تلبيساً.
وإن أرادوا به معنى واحداً؛ كان إثباتهم للتأويل، ونفيهم له؛ تناقضاً، فإنْ توارد النفي والإثبات على شيء واحد؛ كان تناقضاً، وإنْ توارد
стр. 456
النفي والإثبات على شيئين فلا بدَّ من البيان، وما لا يفهم منه شيء؛ لا يشعر بمعنى أبداً: لا بمعنى يوافق الظاهر، ولا يخالف الظاهر، ولا يشعر بإثبات، ولا يشعر بنفي، ولا يشعر بما أريد به، ولا بما لم يُرَد به.
قوله: (لأنا إذا لم نفهم منه شيئاً؛ لم يجز أن يقال: له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه) أمَّا ما يخالف الظاهر؛ فإنه لا يجوز؛
أولاً: لأنه لا ظاهر له على قولهم.
وثانياً: أن المعنى الذي يوافق الظاهر؛ ليس تأويلاً على حد اصطلاحهم.
قوله: (فلا تكون دلالتُه على ذلك المعنى؛ دلالةً على خلاف الظاهر؛ فلا يكون تأويلاً) أي: لا تكون دلالتُه على ذلك المعنى الصحيح الذي يوافق الظاهر؛ دلالةً على خلاف الظاهر؛ فلا يكون تأويلاً؛ لأن التأويل عندهم؛ هو: «دلالة اللفظ على خلاف ظاهره».
قوله: (على هذا التقدير) أي: على تقدير أن اللفظ لا يُفهم منه شيء.
قوله: (فلا يجوز أن يقال إن هذا اللفظَ متأولٌ) أي: اللفظ الذي لا يُفهم منه شيء؛ لا يجوز أن يقال: «إنه متأول» بمعنى: أنه مصروف عن المعنى الراجح إلى معنى مرجوح.
قوله: (فضلاً عن أن يقال: إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله) لأن هذا التأويل لا وجود له، ولا حقيقة له؛ لأن ما لا يفهم منه شيء ليس له تأويل يخالف الظاهر، وما لا وجود له؛ لا يجوز أن يقال: «إن الله يعلمه موجوداً».
стр. 457
قوله: (كانوا متناقضين) لأنهم جمعوا بين النفي والإثبات.
قوله: (وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى، وهنا معنى) أي: إن أرادوا بالظاهر في الإثبات معنى، وفي النفي معنى.
قوله: (كان إبطالهم للتأويل، أو إثباته تناقضاً) أي: أن ما لا يفهم منه شيء؛ لا يجوز نفي التأويل عنه، ولا إثبات تأويل له.
وببيان تناقض أهل التفويض؛ ختم الشيخ هذه «القاعدة». والله أعلم.
* * *
стр. 458
التمييز بين الضابط السديد وغير السديد فيما يُعرف به ما يجوز على الله وما لا يجوز
القاعدة السادسة
أنَّ لقائلٍ أن يقولَ: لابدَّ في هذا البابِ من ضابطِ يُعرف به ما يجوزُ على الله ممَّا لا يجوز في النفي والإثبات؛ إذ الاعتمادُ في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو مطلق الإثبات من غير تشبيه؛ ليس بسديد، وذلك أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، وقدر مميِّز.
فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه؛ فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه، أو مشارك له في الاسم؛ لزمك هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل، الذي فسَّرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له.
ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير؛ ممَّا لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يُعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا؛ نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة.
стр. 459
محور هذه «القاعدة» بيان الضابط الذي يعرف به ما يجوز على الله تعالى ممَّا لا يجوز في باب الأسماء والصفات، وقد بيَّن الشيخ أن اعتماد المتكلمين في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو الاعتماد على مطلق الإثبات من غير تشبيه؛ ليس بسديد.
وقد بدأ الشيخ في بيان فساد هذين الضابطين، وأخَّر بيان الضابط السليم إلى ما بعد.
ونستعجل هنا ذكر الضابط السليم في هذا الباب، وهو أمران؛ أحدهما: عقلي، والآخر سمعي.
فأما السمعي؛ فهو: أن يُوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، نفياً وإثباتاً، فيثبت ما جاءت النصوص الشرعية بإثباته، بلا تكييف ولا تمثيل، وينفى ما جاءت النصوص بنفيه، بلا تعطيل، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى].
أما الضابط العقلي؛ فهو: أن يُوصف الله تعالى بكل كمال على وجه الكمال، وأن ينزه عن كل نقص، فكل كمال اتصف به المخلوق لا نقص فيه؛ فالخالق أولى بالاتصاف به، فهذا الضابط ممَّا يوجبه العقل.
أما الضابطان اللذان أشار إليهما الشيخ هنا، فكلاهما غير سديد، ولا مفيد.
стр. 460
فالنافي لأسماء الله وصفاته إن اعتمد في نفيه على مجرد نفي التشبيه، أي: أنه يزعم أن إثباتها تشبيه، فيقال له: إن أردت أن إثبات الصفات لله تعالى يلزم منه تشابه الخالق والمخلوق من جميع الوجوه - أي: التمثيل -؛ فهذا ليس بصحيح؛ بل هو باطل، ولم يقل بذلك أحد.
وإن أردت بالتشبيه: المشابهة من وجه دون وجه، أو المشاركة في الاسم؛ فإن هذا المعنى لا يصح نفيه، وليس مِنَ التشبيه المنفي عن الله تعالى؛ بل إن هذا المعنى لازمٌ لهذا النافي فيما يثبته، ولو لم يثبت إلا صفة الوجود، فيقال له: إنه يلزم إثبات قدر مشترك بين وجود الخالق، ووجود المخلوق؛ وهو: مطلق الوجود.
والتشبيه والتمثيل الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه؛ هو: مشاركة المخلوق للخالق فيما يختص به، مما يختص ب: وجوبه، أو جوازه، أو امتناعه؛ فهذا هو الممتنع بضرورة العقل؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين، ولا يلزم من نفي هذا المعنى نفي المشابهة من بعض الوجوه؛ لأنه ما من شيئين إلا وبينهما تشابه من وجه.
ومن اعتقد أن التشابه من بعض الوجوه يلزم منه التماثل؛ فإنه يلزم على هذا أن يقول: إن السوادَ مِثْلُ البياضِ، والماءَ مِثلُ النار، والطعامَ مثلُ التراب.
فالحقُ أن المشابهة والاتفاق في بعض الوجوه؛ لا يلزم منه التماثل.