← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

النفي والإثبات على شيئين فلا بدَّ من البيان، وما لا يفهم منه شيء؛ لا يشعر بمعنى أبداً: لا بمعنى يوافق الظاهر، ولا يخالف الظاهر، ولا يشعر بإثبات، ولا يشعر بنفي، ولا يشعر بما أريد به، ولا بما لم يُرَد به. قوله: (لأنا إذا لم نفهم منه شيئاً؛ لم يجز أن يقال: له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه) أمَّا ما يخالف الظاهر؛ فإنه لا يجوز؛ أولاً: لأنه لا ظاهر له على قولهم. وثانياً: أن المعنى الذي يوافق الظاهر؛ ليس تأويلاً على حد اصطلاحهم. قوله: (فلا تكون دلالتُه على ذلك المعنى؛ دلالةً على خلاف الظاهر؛ فلا يكون تأويلاً) أي: لا تكون دلالتُه على ذلك المعنى الصحيح الذي يوافق الظاهر؛ دلالةً على خلاف الظاهر؛ فلا يكون تأويلاً؛ لأن التأويل عندهم؛ هو: «دلالة اللفظ على خلاف ظاهره». قوله: (على هذا التقدير) أي: على تقدير أن اللفظ لا يُفهم منه شيء. قوله: (فلا يجوز أن يقال إن هذا اللفظَ متأولٌ) أي: اللفظ الذي لا يُفهم منه شيء؛ لا يجوز أن يقال: «إنه متأول» بمعنى: أنه مصروف عن المعنى الراجح إلى معنى مرجوح. قوله: (فضلاً عن أن يقال: إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله) لأن هذا التأويل لا وجود له، ولا حقيقة له؛ لأن ما لا يفهم منه شيء ليس له تأويل يخالف الظاهر، وما لا وجود له؛ لا يجوز أن يقال: «إن الله يعلمه موجوداً».

стр. 457

قوله: (كانوا متناقضين) لأنهم جمعوا بين النفي والإثبات. قوله: (وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى، وهنا معنى) أي: إن أرادوا بالظاهر في الإثبات معنى، وفي النفي معنى. قوله: (كان إبطالهم للتأويل، أو إثباته تناقضاً) أي: أن ما لا يفهم منه شيء؛ لا يجوز نفي التأويل عنه، ولا إثبات تأويل له. وببيان تناقض أهل التفويض؛ ختم الشيخ هذه «القاعدة». والله أعلم. * * *

стр. 458

التمييز بين الضابط السديد وغير السديد فيما يُعرف به ما يجوز على الله وما لا يجوز القاعدة السادسة أنَّ لقائلٍ أن يقولَ: لابدَّ في هذا البابِ من ضابطِ يُعرف به ما يجوزُ على الله ممَّا لا يجوز في النفي والإثبات؛ إذ الاعتمادُ في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو مطلق الإثبات من غير تشبيه؛ ليس بسديد، وذلك أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، وقدر مميِّز. فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه؛ فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه، أو مشارك له في الاسم؛ لزمك هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل، الذي فسَّرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له. ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير؛ ممَّا لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يُعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا؛ نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة.

стр. 459

محور هذه «القاعدة» بيان الضابط الذي يعرف به ما يجوز على الله تعالى ممَّا لا يجوز في باب الأسماء والصفات، وقد بيَّن الشيخ أن اعتماد المتكلمين في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو الاعتماد على مطلق الإثبات من غير تشبيه؛ ليس بسديد. وقد بدأ الشيخ في بيان فساد هذين الضابطين، وأخَّر بيان الضابط السليم إلى ما بعد. ونستعجل هنا ذكر الضابط السليم في هذا الباب، وهو أمران؛ أحدهما: عقلي، والآخر سمعي. فأما السمعي؛ فهو: أن يُوصف الله تعالى بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، نفياً وإثباتاً، فيثبت ما جاءت النصوص الشرعية بإثباته، بلا تكييف ولا تمثيل، وينفى ما جاءت النصوص بنفيه، بلا تعطيل، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]. أما الضابط العقلي؛ فهو: أن يُوصف الله تعالى بكل كمال على وجه الكمال، وأن ينزه عن كل نقص، فكل كمال اتصف به المخلوق لا نقص فيه؛ فالخالق أولى بالاتصاف به، فهذا الضابط ممَّا يوجبه العقل. أما الضابطان اللذان أشار إليهما الشيخ هنا، فكلاهما غير سديد، ولا مفيد.

стр. 460

فالنافي لأسماء الله وصفاته إن اعتمد في نفيه على مجرد نفي التشبيه، أي: أنه يزعم أن إثباتها تشبيه، فيقال له: إن أردت أن إثبات الصفات لله تعالى يلزم منه تشابه الخالق والمخلوق من جميع الوجوه - أي: التمثيل -؛ فهذا ليس بصحيح؛ بل هو باطل، ولم يقل بذلك أحد. وإن أردت بالتشبيه: المشابهة من وجه دون وجه، أو المشاركة في الاسم؛ فإن هذا المعنى لا يصح نفيه، وليس مِنَ التشبيه المنفي عن الله تعالى؛ بل إن هذا المعنى لازمٌ لهذا النافي فيما يثبته، ولو لم يثبت إلا صفة الوجود، فيقال له: إنه يلزم إثبات قدر مشترك بين وجود الخالق، ووجود المخلوق؛ وهو: مطلق الوجود. والتشبيه والتمثيل الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه؛ هو: مشاركة المخلوق للخالق فيما يختص به، مما يختص ب: وجوبه، أو جوازه، أو امتناعه؛ فهذا هو الممتنع بضرورة العقل؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين، ولا يلزم من نفي هذا المعنى نفي المشابهة من بعض الوجوه؛ لأنه ما من شيئين إلا وبينهما تشابه من وجه. ومن اعتقد أن التشابه من بعض الوجوه يلزم منه التماثل؛ فإنه يلزم على هذا أن يقول: إن السوادَ مِثْلُ البياضِ، والماءَ مِثلُ النار، والطعامَ مثلُ التراب. فالحقُ أن المشابهة والاتفاق في بعض الوجوه؛ لا يلزم منه التماثل.

стр. 461

فالاعتماد في النفي والتنزيه على مجرد نفي التشبيه؛ ليس بسديد؛ لأنه يلزم منه ما التزمه المعطلة من نفي الصفات بحجة أن إثباتها يلزم منه التشبيه، الذي هو الاتفاق من بعض الوجوه. ومعلوم أن هذا المعنى ليس هو التشبيه المنهي عنه، ولهذا وجب الاستفصال عن المراد بلفظ التشبيه، كما سبق. * * *

стр. 462

الاختلاف في معنى التشبيه، والرد على المعتزلة ولكن مِنَ الناس مَنْ يجعل التشبيه مفسَّراً بمعنى من المعاني، ثم إنَّ كلَّ من أثبت ذلك المعنى قالوا: «إنه مشبِّه». ومنازعهم يقول: «ذلك المعنى ليس هو من التشبيه». وقد يفرَّق بين لفظ التشبيه والتمثيل، وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: «كلُّ مَنْ أثبت لله صفة قديمة؛ فهو مشبِّه ممثِّل»، فمَن قال: «إن لله علماً قديماً، أو قدرة قديمة»، كان عندهم مشبهاً ممثلاً، لأن «القِدم» عند جمهورهم؛ هو أخص وصف «الإِله»، فمن أثبت لله صفة قديمة؛ فقد أثبت له مِثلاً قديماً؛ فيسمونه مُمَثِّلاً بهذا الاعتبار. أي: من الناس من يجعل للتشبيه معنى يصطلح على إطلاقه عليه، ويجعل مَنْ أثبت ذلك المعنى الذي فسَّر به التشبيه: مشبهاً، كما يجعل المعتزلة إثبات الصفات لله تعالى: تشبيهاً، والمثبت لها مُشَبِّهاً. وقول الشيخ: (وقد يفرق بين لفظ التشبيه والتمثيل) يشير فيه إلى التفريق بين اللفظين وذلك من جهتين:

стр. 463

الأولى: أن التمثيل أخص من التشبيه، فالتمثيل يراد به: «مطابقة الشيء للشيء في الأمر الذي ماثله فيه، ومساواته له»، أما التشبيه؛ فإنه أعم من التمثيل؛ لأن من التشبيه المشابهة من بعض الوجوه دون بعض. الجهة الثانية: أن النصوص وردت بنفي المماثلة، ولفظ التمثيل؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، ولم يرد في شيء من النصوص نفي المشابهة (١). وإن كان في الاستعمال الدارج عدم التفريق بينهما؛ فيقال: «هذا تشبيه، وتمثيل». ويذكر الشيخ شبهةً للمعتزلة في نفيهم الصفات، وجعلهم من أثبتها مُمَثِّلاً، ذلك أنه لما كان (القِدَم) عند جمهورهم أخص وصف (الإله)؛ فمن أثبت لله تعالى صفة قديمة؛ ك «العلم»، و «القدرة»؛ جعلوه مشبهاً ممثلاً؛ لأن هذا الإثبات - على زعمهم - يستلزم تعدد القدماء، المستلزم تعدد النظراء والأمثال والأشباه، أي: تعدد الآلهة. فكلامهم مبني على مقدمتين: الأولى: أن (القِدَم) أخص أوصاف (الإله). والثانية: أن إثبات الصفات القديمة؛ يلزم عليه إثباتُ مِثْلٍ لله في أخص أوصافه؛ وهو: القِدم؛ فيلزم عليه - عندهم - تعدد القدماء، وتعدد الآلهة (٢).

стр. 464

ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخص وصفه حقيقة؛ ما لا يتصف به غيره، مثل: كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد، ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك. أي: أن مثبتة الصفات سواء من أهل السنة والجماعة، أو من مثبتة الصفات في الجملة؛ كالأشاعرة، والكُلَّابية (١): يخالفون المعتزلة في زعمهم أن القِدم أخص أوصاف الإله، فإن القِدم يمكن أن يطلق على صفات الله تعالى فيقال: «صفات الله تعالى قديمة»؛ بل حتى المخلوق فإنه يوصف بالقِدم النسبي الذي هو: «التقدم على الغير»، وإن لم يكن تقدمه مطلقاً كما سبق بيانه (٢). أما أخص أوصاف الله تعالى؛ فهو ما لا يتصف به غيره، مثل: أنه (رب العالمين)، وأنه (بكل شيء عليم)، وأنه (على كل شيء قدير)، وأنه (إله واحد) (٣).

стр. 465

فمثل هذه الأوصاف لا يجوز أن تطلق على غيره تعالى؛ بل ولا على صفاته، فلا يطلق على شيء من صفاته بأنها: (رب العالمين) ونحو ذلك مما لا يتصف به غير الله تعالى. فمن الصفات ما لا يوصف به إلا الرب تعالى؛ مثل كونه: (على كل شيء قدير)، وأنه «الإله». ومن الصفات ما يمكن أن تطلق على الرب تعالى، ويمكن أن تطلق على صفاته، أو بعضها؛ ك «الكَرَمِ»، و «السَّعَة»؛ كما في الحديث «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم» (١)، وقوله تعالى: ﴿ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام: ١٤٧]. * * *

стр. 466

ثم مِنْ هؤلاء الصفاتية مَنْ لا يقول في الصفات: «إنها قديمة»؛ بل يقول: «الرب بصفاته قديم». ومنهم مَنْ يقول: «هو قديم وصفته قديمة»؛ ولا يقول: «هو وصفاته قديمان». ومنهم من يقول: «هو وصفاته قديمان»؛ ولكن يقول: «ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإن القِدم ليس من خصائص الذات المجردة؛ بل هو من خصائص الذات الموصوفة بصفات»، وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم، فضلاً عن أن تختص بالقِدم. وقد يقولون: «الذات متصفة بالقِدم، والصفات متصفة بالقِدم، وليست الصفات إلهاً، ولا رباً، كما أن النبي مُحْدَث وصفاته مُحْدَثة، وليست صفاته نبياً». فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم «التشبيه»، و «التمثيل»؛ كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك، ثم يقول لهم أولئك: «هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهاً؛ فهذا المعنى لم ينفه عقل، ولا سمع، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية، والعقلية». والقرآن قد نفى مسمَّى «المثل»، و «الكفء»، و «الند»، ونحو ذلك، ولكن يقولون: «الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف،

стр. 467

ولا كفأه، ولا نده، فلا تدخل في النص، وأما العقل؛ فلم ينف مسمَّى «التشبيه» في اصطلاح المعتزلة». يقصد الشيخ بالصفاتية هنا مَنْ يثبت الصفات في الجملة من أهل الكلام؛ كالكُلَّابية، والأشاعرة. وقد ذكر الشيخ أن هؤلاء الصفاتية لهم في إطلاق لفظ «القِدم» على صفات الله تعالى مذاهب: * فمنهم مَنْ لا يقول: «إن صفات الله قديمة»؛ بل يقول: «الله بصفاته قديم». فهذا الصنفُ يجدُ حرجاً من وصف الصفة بالقِدم على انفراد؛ كأنه يَشعر بأن إطلاق القِدم على الصفة وَحْدَها يُشعر بوجودٍ مُستقل للصفة عن الموصوف، ثم يقول: «الله بصفاته قديم»؛ فيلزم من ذلك أن صفاته تعالى قديمة. فهذا الصنف لا يَرى إطلاق القِدم على صفات الله تعالى إلا تبعاً. * ومنهم من يقول: «الله قديم، وصفاته قديمة»، ولا يرى حرجاً في ذلك، ولكنه لا يقول: «الله وصفاته قديمان»؛ لأن التثنية تُشعر باستقلال الصفة عن الموصوف، ولأن هذا التعبير صريحٌ بالاثنينية،

стр. 468

ويُشعر بالاستقلالية المتضمنة لتعدد القدماء، الأمر الذي خاف منه المعتزلة. فالمسألة هنا لفظية. * والمذهب الثالث في ذلك أوسع؛ وهو: مَنْ لا يرى حرجاً في إطلاق القول بأن الله تعالى قديم وصفاته قديمة، والله وصفاته قديمان، ولا يقتضي ذلك أن الذات المجردة عن الصفات موصوفة بالقِدم، لأن الذات المجردة لا وجود لها، فضلاً عن أن توصف بالقِدم، أو أن تختص بالقِدم. فإذا قلنا: «الله قديم»، أي: الله تعالى الموصوف بالصفات، وإذا قلنا: «صفات الله تعالى قديمة»، أي: الصفات القائمة بالذات، وليس معنى ذلك أن الصفات قائمة بغير الموصوف. والقول بأن صفات الله تعالى كلها قديمة؛ فيه نظر؛ لأن صفات الله تعالى منها: الذاتية، ومنها: الفعلية. أما الصفات الذاتية؛ فإنها قديمة؛ لأنها لازمة لذات الرب تعالى. وأما الصفات الفعلية؛ فلا يصح وصفها بالقِدم مطلقاً؛ لأنها تابعة لمشيئة الله ، وما كان تابعاً لمشيئة الله تعالى؛ فلا يكون قديماً. نعم يقال في جنس الفعل: «إنه قديم النوع، ولكنه حادث الآحاد»، وكذلك: «الكَلام».

стр. 469

فيقال: «إنه تعالى لم يزل فعَّالاً لما يريد، ولم يزل متكلماً إذا شاء»، وأما آحاد الكلام والأفعال؛ فهي حادثة بمشيئة الله. ثم إن الصفة وإن وصفت بالقِدم؛ فإن ذلك لا يقتضي مشاركتها في شيء من خصائص الله تعالى، فالقِدم ليس من خصائص الذات المجردة؛ بل من خصائص الذات الموصوفة بالصفات؛ فلا يلزم من ذلك أن تكون إلهاً، فصفة الإله ليست إلهاً، فإن الصفة لا توصف بكل ما يوصف به الموصوف، فلا توصف بما يختص به الرب تعالى. ومثال ذلك: أنَّ النبيَّ حادِثٌ، وصفاته حادثة، وليستْ صفةُ النبيِّ نبياً، والإنسانُ حادث وصفاته حادثة، وليستْ صفة الإنسان إنساناً، فالإنسانُ اسمٌ للموصوف، وليس اسماً للصفة، وليس كل ما يطلق على الموصوف؛ يصحُ إطلاقه على الصفة. وقوله: (فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية) الإشارة بقوله: (فهؤلاء)، إلى المعتزلة، والمراد بالصفاتية هنا خصومهم مِنْ: الأشاعرة، ونحوهم، فإذا أطلق المعتزلةُ على الأشاعرةِ - المثبتةِ للصفاتِ في الجملة -: اسمَ التشبيهِ، والتمثيلِ؛ كان هذا بحسب اعتقاد المعتزلة في أن إثبات الصفات، أو شيء منها؛ يلزم منه التشبيه، أو التمثيل؛ بناء على أصلهم أن القِدم أخصُ أوصاف الرب تعالى. وهذا المعنى ينازعهم فيه خصومهم مِنْ الأشاعرة، ونحوهم من الصفاتية كما تقدم.

стр. 470

ومِن أدلة أنَّ وصف الصفة بالقِدم لا يستلزم المماثلة، وإثبات الصفات لا يستلزم إثبات النظراء: أنَّ الصفة في اللغة العربية لا تُعدُّ مِثلاً، ولا نِداً للموصوف. واللهُ تعالى إنما نفى عن نفسه: (المثل)، و (الكفء)، و (الند)، و «السميَّ»، فلا يدخل في ذلك نفي الصفة؛ لأن الصفة ليست مِثلاً، ولا نِداً للموصوف في اللغة العربية، فلا تدخل في النص أصلاً. ومن المعلوم أن نفاة الصفات يستدلون على نفيهم للصفات بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ [الإخلاص]، وقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لقولهم: «إن إثبات الصفات يستلزم إثبات نظراء، وأمثال لله تعالى». فيقال لهم: «إن الصفة ليست مِثلاً، ولا نِداً للموصوف في اللغة العربية، وعلى هذا؛ فلا يدخل إثبات الصفات في الأمثال، والأنداد المنفية عن الله تعالى في مثل هذه النصوص». ثم يقال للمعتزلة الذين يجعلون إثبات شيء من الصفات تشبيهاً: «إن هذا المعنى لم ينفه عقل، ولا سمع، فليس في العقل ما ينفي مسمى التشبيه في اصطلاح المعتزلة، الذي هو إثبات الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به، وليس في الشرع ما ينفي ذلك أيضاً، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية، والعقلية».

стр. 471

شبهة أخرى للمعتزلة ومن تبعهم في نفي الصفات وكذلك أيضاً يقولون: «إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيِّز، والأجسام متماثلة، فلو قامت به الصفات؛ للزم أن يكون مُماثلاً لسائر الأجسام؛ وهذا هو: التشبيه». وكذلك يقول هذا كثيرٌ من الصفاتية، الذين يثبتون الصفات، وينفون علوه على العرش، وقيام الأفعال الاختيارية به، ونحو ذلك، ويقولون: «الصفاتُ قد تقوم بما ليس بجسم، وأما العلو على العالم؛ فلا يصح إلا إذا كان جسماً، فلو أثبتنا عُلوه؛ للزم أن يكون جسماً، وحينئذٍ؛ فالأجسام متماثلة؛ فيلزم: التشبيه». فلهذا تجدُ هؤلاء يُسمُّون من أثبت العلو، ونحوه: مشبِّهاً، ولا يسمُّون مَنْ أثبت السمع، والبصر، والكلام، ونحوه: مشبِّهاً، كما يقوله صاحب «الإرشاد» (١)، وأمثاله.

стр. 472

يذكر الشيخ هنا شبهةً أخرى لنفاة الصفاتِ «المعتزلةِ» مركبةً مِنْ مقدمتين: الأولى: الصفاتُ لا تقوم إلا بجسم. الثانية: الأجسامُ متماثلة. فالنتيجة: أن اللهَ لا تقوم به الصفات؛ لأنها لو قامت به؛ لكان مماثلاً لسائر الأجسام. فنفوا الصفات؛ حذراً مِنَ التمثيل. ثُم يُبيِّنُ الشيخُ أنَّ هذه الشبهةَ قالَ بها كثير مِنَ الصفاتية مِنْ الأشاعرة، ونحوهم، فأخذوا بالمقدمة الثانية من هذه الشبهة؛ وهي: «تماثل الأجسام»، ولم يسلموا بالمقدمة الأولى؛ وهي: (أن الصفات لا تقوم إلا بجسم)؛ بل قالوا: (إن الصفات قد تقوم بما ليس بجسم كما تقوم بالجسم) (١)، يعني: أن الصفات لا تنافي التجسيم، كما لا تستلزم التجسيم.

стр. 473

ولكنهم وقعوا في التناقض، حيث زعموا أن إثبات بعض الصفات لا يستلزم التجسيم، وإثبات بعضها الآخر يستلزم التجسيم، فما يثبتونه من الصفات؛ ك «العلم»، و «القدرة»، و «السمع»، و «البصر»؛ لا يستلزم التجسيم، وما لا يثبتونه من الصفات؛ ك «العلو»، و «الاستواء»، و «الغضب»، و «النزول»؛ يستلزم التجسيم، والأجسام متماثلة؛ فيلزم من ذلك التشبيه؛ فيجب نفيها عن الله تعالى بزعمهم. وهذا التفريقُ مِنهم تحكُّمٌ وتناقض؛ لأنه تفريق بين المتماثلات، وليس عليه دليل سمعي، ولا عقلي. والحقُ أن ضابطهم في ذلك - الذي أدى بهم إلى التناقض -: أنَّ ما دلتهم عقولهم على إثباته؛ لا يستلزم الجسمية، وما لم تدلهم عقولهم على إثباته، أو دلتهم على نفيه؛ نفوه، وزعموا أن إثباته يستلزم الجسمية، ولو جاءت به النصوص الشرعية! * * *

стр. 474

وكذلك قد يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى، وأمثاله مِنْ مثبتة «الصفات»، و «العُلُو»، ولكن هؤلاء قد يجعلون «العلو» صفةً خبرية - كما هو أول قَوْلَي القاضي أبي يعلى -؛ فيكون الكلام فيه؛ كالكلام في «الوجه»، وقد يقولون: «إن ما يثبتونه لا ينافي الجسم»، كما يقولونه في سائر الصفات. والعاقل إذا تأمل؛ وجدَ الأمر فيما نفوه؛ كالأمر فيما أثبتوه، لا فرق. يقول الشيخ: إن القاضي أبا يعلى الحنبلي (١)، وأمثاله يثبتون (العلو) وسائر الصفات، ولكنهم يجعلون (العلو) صفة خبرية - كما في أول

стр. 475

قَوْلَي القاضي أبي يعلى (١) -؛ فيكون الكلام في هذه الصفة؛ كالكلام في صفة (الوجه)، أي: أنها من قبيل الصفات الخبرية السمعية، التي لم يدل عليها العقل، وإنما تثبت لورود السمع بها فحسب. كما أنه قد يوافق مَنْ تقدم ذكرهم ممَّن يقول بتماثل الأجسام. فهم يقولون: «إن هذه الصفات تثبت لورود الخبر بها، وإنها لا تستلزم الجسم، ولا تنافيه، فقد تقوم بالجسم، وبما ليس بجسم»، كما يقول ذلك مَنْ يثبت الصفات السبع، ويقوله هؤلاء في سائر الصفات التي يثبتونها. وجَعْلُ القاضي صفةَ «العلو» صفة خبرية - أي: سمعية فقط - ليس بصحيح، والصواب: أن «العلو» صفةٌ خبريةٌ عقليةٌ، أي: دل على إثباتها: السمع، والعقل، بخلاف «الوجه»، و «اليدين»، و «الاستواء»، ونحوها؛ فإنها صفاتٌ خبرية محضة. وظاهر كلام المؤلف أن أول قولي القاضي أبي يعلى: جَعْلُ «العلو» صفة خبرية، وأن قوله الآخر: جعله صفة عقلية. وإذا تأمل العاقل ما أثبتوه وما نفوه؛ لم يجد فرقاً، فإذا كان ما نفوه يستلزم التشبيه؛ فما أثبتوه كذلك، وإذا كان ما أثبتوه لا يستلزم التشبيه؛ فما نفوه كذلك.

стр. 476

وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات؛ يستلزم التجسيم، والأجسامُ متماثلةٌ. والمثبتون يجيبون عن هذا، تارة: بمنع المقدمة الأولى، وتارة: بمنع المقدمة الثانية، وتارة: بمنع كلتا المقدمتين، وتارة: بالاستفصال. ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام؛ قول باطل، سواء فسَّروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب مِنْ الهَيُوْلَى والصورة، ونحو ذلك. فأما إذا فسَّروه بالمركب مِنْ الجواهر المفردة على أنها متماثلة؛ فهذا يُبنى على صحة ذلك، وعلى إثبات الجواهر المفردة، وعلى أنها متماثلة. وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك. يشير الشيخ إلى أن أصل كلام مَنْ تقدم ذكرهم مِنْ الأشاعرة، والمعتزلة، ونحوهم: أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، فالمعتزلة يقولون هذا بإطلاق، والأشاعرة، ونحوهم ممَّن يثبت بعض الصفات يقولون هذا فيما ينفونه من الصفات. ثم يبين الشيخ أنَّ مثبتةَ الصفاتِ كلِّها؛ يردون على شبهة من نفى الصفاتِ أو بعضَها - المبنيةِ على مقدمتين: إحداهما: أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، والثانية: أن الأجسام متماثلة - بأحد ردود أربعة:

стр. 477

* إما بمنع المقدمة الأولى. * وإما بمنع المقدمة الثانية. * وإما بمنع كلتا المقدمتين. * وإما بالاستفصال. فهم تارة يمنعون المقدمة الأولى، فيقولون: «لا نسلم أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، فالصفات قد تقوم بما ليس بجسم، كما تقول: «عِلمٌ واسعٌ»، «خُلُقٌ عظيمٌ»، «ليلٌ طويلٌ» … ». وتارة يمنعون المقدمة الثانية، فيقولون: «لا نسلم بتماثل الأجسام، فالتراب جسم، والطعام جسم، وليسا متماثلين، وكذا: الماء والنار، والحجر والحيوان، ونحو ذلك، فالأجسام مختلفة متباينة متغايرة». وتارة يمنعون المقدمتين. وتارة بالاستفصال عن المراد بمعنى الجسم، ومعنى التماثل. أما لفظ (الجسم)؛ فهو لفظ مجمل، ولم يرد بنفيه، ولا إثباته نص في الكتاب، ولا في السنة، وقد سبق في «القاعدة الثانية» حكم الألفاظ التي من هذا الجنس (١)، كما تقدم - أيضاً - في مبحث الروح (٢) شيء من معاني (الجسم) التي يُفسَّر بها، فقد يفسر ب:

стр. 478

* ما يشار إليه. * أو ب: القائم بنفسه. * أو ب: الموجود. * كما قد يُفسر ب: (المركب مِنْ الهَيُوْلَى (١) والصورة. ونحو ذلك). كما يستفصل عن المراد بالتماثل؛ فإن أريد به الاتفاق مِنْ بعض الوجوه، فهذا المعنى لا يصح نفيه؛ لأنه ما من شيئين موجودين؛ إلا وبينهما اتفاق من وجه. وإن أريد بالتماثل أنه التماثل مِنْ كل وجه، بحيث يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه؛ فهذا المعنى باطل، فلا مماثلة بين الخالق والمخلوق في ذلك، ولا في شيء ممَّا يختص به . بل إن هذا المعنى لا يصح إطلاقه في عموم الموجودات، فليس وجود الشيء مماثلاً لوجود سائر الموجودات، فالقول بتماثل الأجسام؛ قول باطل على أيِّ معنى فُسِّر به الجسم (٢). وأشار الشيخ في معرض ذكره لمعاني الجسم إلى فساد ما فسروا به الجسم من أنه المركب من الجواهر المفردة على أنها متماثلة، فبيَّن أن هذا التفسير مبني على أمرين فاسدين مخالفين لقول جمهور العقلاء.

стр. 479

أما الأمر الأول؛ وهو: القول بوجود «الجوهر الفرد» الذي فَسَّروه ب «الجزء الذي لا يتجزأ»؛ فهذا باطل؛ لأن الجزء ينتهي بالتجزؤ إلى الاستحالة (١). وأما الأمر الثاني؛ فهو: الزعم بأن الجواهر متماثلة، فهذا باطل على فرض التسليم بوجود «الجوهر الفرد»؛ فإن ذرات وجزئيات التراب؛ ليست كجزئيات الذهب، وهذه ليست كذرَّات الماء، وهكذا، فلا يصح القول بتماثل تلك الجزئيات. * * *

стр. 480

والمقصود أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيماً بناء على تماثل الأجسام، والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم، كإطلاق الرافضة ل «النَّصْبِ» على مَنْ تولى أبا بكر وعمر ﵄، بناء على أن مَنْ أحبهما؛ فقد أبغض علياً ﵁!، ومن أبغضه؛ فهو ناصبي، وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى. ولهذا يقول هؤلاء: «إن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه»، وأكثر العقلاء على خلاف ذلك، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبيَّنا فيه حجج مَنْ يقول بتماثل الأجسام، وحجج من نفى ذلك، وبيَّنا فساد قول مَنْ يقول بتماثلها. يبين الشيخ هنا أن هؤلاء النفاة يطلقون التشبيه على ما يستلزم التجسيم في اعتقادهم من إثبات الصفات بناء على قولهم بتماثل الأجسام. ومثبتة الصفات ينازعونهم في المقدمتين، كما سبق تقريره. ويضربُ الشيخُ لذلك مَثَلاً بإطلاقِ الرافضةِ (النَّصْبَ على مَنْ تولى أبا بكر وعمر ﵄؛ بناء على أن من أحبهما؛ فقد أبغض علياً ﵁!، ومن أبغض علياً؛ فهو ناصِبي).

стр. 481

(وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأولى)؛ وهي: أن مَنْ تولى أبا بكر وعمر؛ فقد أبغض علياً، فإنه يمكن أن يحبهما، ويحب علياً كذلك. فكذلك هؤلاء النفاة أطلقوا اسم التشبيه على ما يعتقدونه تجسيماً بناء على قولهم بتماثل الأجسام، والمثبتة ينازعونهم في المقدمتين. وهؤلاء النفاة يقولون: (إن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه). والحق أنه ما من شيئين موجودين إلا ويتفقان من وجه ويختلفان من وجه، فهذا أصل عام متفق عليه عند أكثر العقلاء. * * *

стр. 482

وأيضاً، فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه؛ اعتماد باطل، وذلك أنه إذا ثبت تماثل الأجسام؛ فهم لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون بها الجسم، وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم، وثبت امتناع الجسم؛ كان هذا وحده كافياً في نفي ذلك، لا يحتاج نفي ذلك إلى نفي مسمى «التشبيه». لكن نفي الجسم يكون مبنياً على نفي هذا التشبيه، بأن يقال: «لو ثبت له كذا وكذا؛ لكان جسماً»، ثم يقال: «والأجسام متماثلة، فيجب اشتراكها فيما يجب، ويجوز، ويمتنع، وهذا ممتنع عليه». لكن حينئذٍ يكون مَنْ سلك هذا المسلك معتمداً في نفي التشبيه على نفي التجسيم؛ فيكون أصلُ نفيه؛ نفيَ الجسم، وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى. هذا بيان من الشيخ لوجه آخر من فساد منهج الاستدلال عند النفاة على نفيهم الصفات، فهو يقول: إنه ما دام أنه مِنْ المتقرر عندكم نفي التجسيم بناء على أن الأجسام متماثلة؛ فيكفي أن تنفوا الصفات لاستلزامها التجسيم - في زعمكم -، ولا حاجة إلى أن تنفوا الصفات لاستلزامها التشبيه، والأجسام متماثلة، فهذا تطويل لا حاجة له.

стр. 483

عَوْدٌ إلى إبطال الاعتماد في نفي ما ينفى عن الله على مجرد نفي التشبيه وإنما المقصود هنا: أن مجرد الاعتماد في نفي ما يُنفى على مجرد نفي التشبيه؛ لا يفيد، إذ ما من شيئين إلا ويشتبهان من وجه، ويفترقان من وجه، بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب، ونحو ذلك ممَّا هو مقدس عنه، فإن هذه طريقة صحيحة. وكذلك إذا أثبت له صفات الكمال، ونفى مماثلة غيره له فيها، فإن هذا نفي المماثلة فيما هو مستحق له، وهذا حقيقة التوحيد؛ وهو: ألَّا يَشركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه. وكل صفة من صفات الكمال؛ فهو متصفٌ بها على وجه لا يماثله فيه أحد، ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها: «إثبات ما وصف به نفسه من الصفات، ونفي مماثلته لشيء من المخلوقات». هذه الجملة فيها عود على ما بدأ الشيخ الكلام فيه في أول القاعدة، مِنْ أن الاعتماد في تنزيه الله تعالى على مجرد نفي التشبيه؛ لا يفيد (١)، أي: أنه غير سديد؛ لأنه ما من شيئين موجودين إلا ويشتبهان من وجه ويفترقان من وجه.

стр. 484

بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب وإثبات الكمال؛ فهذا هو الضابط العقلي في تنزيه الله تعالى. وكذلك في الإثبات؛ فإنه يُثبت له تعالى صفات الكمال على وجه لا يماثله فيه أحد، وينفى مماثلة غيره له فيها، والمماثلة المنفية هنا؛ هي: المماثلة فيما يختص به الرب تعالى. * * *

стр. 485

إثبات القدر المشترك لا محذور فيه؛ فتجب لوازمه في صفات الخالق فإن قيل: «إن الشيء إذا شابه غيره من وجه؛ جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه». قيل: «هب أن الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب ، ولا نفي ما يستحقه؛ لم يكن ممتنعاً؛ كما إذا قيل: إنه «موجود»، «حي»، «عليم»، «سميع»، «بصير»، وقد سمى بعض المخلوقات «حياً»، «عليماً»، «سميعاً»، «بصيراً»». فإذا قيل: «يلزم أن يجوز عليه ما يجوز على ذلك؛ من جهة كونه «موجوداً»، «حياً»، «عليماً»، «سميعاً»، «بصيراً»». قيل: «لازم هذا القدر المشترك؛ ليس ممتنعاً على الرب تعالى؛ فإن ذلك لا يقتضي حدوثاً، ولا إمكاناً، ولا نقصاً، ولا شيئاً مما ينافي صفات الربوبية». وذلك أن القدر المشترك؛ هو مسمى الوجود أو الموجود، أو الحياة أو الحي، أو العلم أو العليم، أو السمع والبصر أو السميع والبصير، أو القدرة أو القدير.

стр. 486

والقدرُ المشترك مطلق كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك؛ لا فيما يختص بالممكن المحدَث، ولا فيما يختص بالواجب القديم؛ فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه. فإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال؛ كالوجود، والحياة، والعلم، والقدرة، ولم يكن في ذلك ما يدل على شيء من خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق؛ لم يكن في إثبات هذا محذور أصلاً؛ بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودَينِ لا بد بينهما مِنْ مثل هذا، ومَن نفى هذا؛ لزمه تعطيلُ وجودِ كلِّ موجود. ولهذا لما اطَّلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية؛ سموهم «معطِّلة»، وكان جَهمٌ ينكر أن يُسمَّى الله «شيئاً»، وربما قالت الجهمية: «هو شيء لا كالأشياء»، فإذا نفى القدر المشترك مطلقاً؛ لزم التعطيل التام. تقدم أنه لا بد من إثبات قدر مشترك بين ما يضاف للخالق وما يضاف للمخلوق، وهذا القدر المشترك هو: مسمى الاسم المطلق (١).

стр. 487

وبناء على هذا يأتي هذا السؤال الذي ذكره الشيخ هنا؛ وهو: أن الشيء إذا شابه غيره من وجه؛ جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له من هذا الوجه، وامتنع عليه ما امتنع عليه من هذا الوجه. ومعنى ذلك: أنه إذا كان بين صفة الخالق، وصفة المخلوق قدر مشترك؛ جاز على الخالق ما يجوز على المخلوق من هذا الوجه الذي هو القدر المشترك، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه، أي: أن ما يستلزمه القدر المشترك؛ يلزم أن يثبت للخالق والمخلوق مِنْ هذا الوجه؛ لأنَّ لازمَ القدرِ المشتركِ مشتركٌ. فهذا يقتضي إذاً؛ نفي القدر المشترك؛ لاستلزامه أن يثبت للمخلوق ما ثبت للخالق من هذا الوجه: جوازاً، ووجوباً، وامتناعاً. والجواب: أن هذا القدر المشترك إذا كان لا يستلزم محذوراً مِنْ نفي ما يجب إثباته، أو إثبات ما يجب نفيه عن الله تعالى؛ فلا مانع منه، وإن استلزم ما ذكر مِنْ: الجواز، والوجوب، والامتناع من هذا الوجه، - يعني - باعتبار القدر المشترك، ما دام أنه لا يستلزم محذوراً، فهو لا يستلزم وصف الخالق بخصائص المخلوق؛ كالإمكان، والحدوث، ولا وصف المخلوق بخصائص الخالق؛ كالوجوب، والقِدم المطلق. ويمكن أن يوضح هذا المعنى في لفظ: (الموجود)، و (الوجود)، و (الحي)، و (الحياة)؛ فالموجود هو الموصوف، والوجود هو الصفة، والحي هو الموصوف، والحياة هي الصفة.

стр. 488

فتقول: «اللهُ موجودٌ»، و «المخلوقُ موجودٌ»، فلفظ: «موجود» في الجملتين بينهما قدر مشترك؛ فهما يتفقان في مطلق ال «موجود»، ووجود الخالق، ووجود المخلوق بينهما قدر مشترك؛ فهما يتفقان في مطلق الوجود. وإذا قلنا: «اللهُ حيٌ»، و «المخلوقُ حيٌ»، فلفظ: «حي» في العبارتين بينهما قدر مشترك؛ فهما يتفقان في مطلق ال «حي»، كما أن حياة الخالق وحياة المخلوق بينهما قدر مشترك؛ فهما يتفقان في مطلق الحياة، ومطلق الحياة؛ هو: الاسم العام، ومدلوله؛ هو: القدر المشترك. وإذا نظرنا في مطلق الحياة؛ رأينا هذا المعنى الكلي: لا يستلزم حدوثاً، ولا وجوباً؛ فلا يستلزم شيئاً من خصائص الخالق، ولا خصائص المخلوق؛ لأنه لو استلزم شيئاً من ذلك لم يكن مشتركاً. فالحيُّ - مثلاً -: «مَنْ ليس بميت»، وهذا المعنى مُدْرَك بالعقل، وهو مشترك بين الخالق والمخلوق، فيفهم من وصف الخالق تعالى بالحياة هذا المعنى، كما يفهم من وصف المخلوق الحي بالحياة هذا المعنى حال حياته. والحياةُ معنىً وصفةُ كمال، فالحي أكمل ممن ليس بحي، فهذا اللازم ثابت في حق الخالق والمخلوق، وهذا المعنى لازمٌ للقدر المشترك. فالقدرُ المشترك ثابتٌ ومشتركٌ في حق الخالق والمخلوق، ولازمُ القَدْر المشترك - أيضاً - ثابتٌ في حق الخالق والمخلوق ومشتركٌ،

стр. 489

ولا محذور في إثباته، ولازمُ صفةِ الخالقِ مختصٌ بالخالق، ولازمُ صفةِ المخلوقِ مختصٌ بالمخلوق، فحياةُ الخالق تستلزم القِدم، وحياة المخلوق تستلزم الحدوثَ، ومطلقُ الحياة لا تستلزم حدوثاً، ولا قِدماً. وهذا الكلام يقال في سائر ما ذكره الشيخ من أمثلة في أسماء الله تعالى وصفاته. فإذا كان القدرُ المشترك صفةَ كمالٍ لا محذور فيه، ولا يستلزم شيئاً من خصائص الخالق ولا المخلوق؛ لم يكن في إثبات هذا القدر المشترك محذور أصلاً. بل إنَّ إثباتَ هذا القدرِ المشتركِ ضروريٌ؛ لِما تقرر مِنْ أنه ما مِنْ موجودَينِ إلا وبينهما اتفاق من وجه، واختلاف من وجه، ونفي هذا القدر المشترك؛ يلزم منه التعطيل العام. فإذا قيل - مثلاً: «ليس بين وجود الخالق، ووجود المخلوق قدْر مشترك في مسمى الوجود»؛ لزم من ذلك إنكار وجود الرب تعالى، وهكذا في سائر الصفات، بل تعطيل وجودِ كلِّ موجود. قوله: (ولهذا لما اطَّلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية … ) أي: لما اطلع الأئمة على أن حقيقة قول الجهمية؛ هو تعطيلُ وجودِ الخالق تعالى؛ سموهم (معطلة)، فنفي أسماء الله تعالى وصفاته؛ يستلزم غاية التعطيل.

стр. 490

ويذكر الشيخ أن جهماً ينكر أن يُسمى اللهُ (شيئاً) (١)، ومعنى هذا عنده: أن الله ليس بشيء!، وهذا القولُ ظاهرُ البطلان. والحقُّ أنه يصح أن يُخبَرَ عن الله تعالى بأنه شيء؛ بل هو أكبر مِنْ كل شيء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ﴾ [الأنعام: ١٩]. ولكن هذا الإطلاق مِنْ باب الخبر، لا من باب التسمية، والثناء، والدعاء، كما يطلق عليه بأنه «موجود» مِنْ باب الخبر - أيضاً -، ولكن لا يدعا بذلك، فلا يقال: «يا شيء» أو: «يا موجود» ونحو ذلك. فبابُ الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات. وربما قالت الجهمية: (إنه شيء لا كالأشياء)، فقولهم: (إنه شيء) صحيح، وقولهم: (إنه لا كالأشياء)؛ يدخلون فيه نفي الصفات، فمعنى كلامهم: إنه لا تقوم به أي صفة، فقولهم هذا؛ حقيقته التعطيل والنفي المحض؛ لأنهم ينفون القَدْر المشترك، ولازم ذلك: التعطيل التام (٢). * * *

стр. 491

والمعاني التي يوصف بها الرب ؛ كالحياة، والعلم، والقدرة؛ بل الوجود، والثبوت، والحقيقة، ونحو ذلك؛ تجب له لوازمها؛ فإن ثبوت الملزوم؛ يقتضي ثبوت اللازم. وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها؛ ليست من لوازم ذلك أصلاً، بل تلك مِنْ لوازم ما يختص بالمخلوق؛ من: وجود، وحياة، وعلم، ونحو ذلك، والله مُنزَّه عن خصائص المخلوق، وملزومات خصائصه. وهذا الموضع من فهمه فهماً جيداً، وتدبره؛ زالت عنه عامة الشبهات، وانكشفَ له غلطُ كثيرٍ مِنْ الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة، وبُيِّن فيها: أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معيَّناً مقيَّداً، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور؛ هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أنَّ الموجودات في الخارج يشارك أحدها الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجودٍ متميِّز عن غيره ب: ذاته، وصفاته، وأفعاله. المعاني التي يوصف بها الرب ؛ وهي: صفاته؛ كحياته، وعلمه، وقدرته؛ بل حتى الوجود، والثبوت، والحقيقة، ونحو ذلك مِنْ المعاني المشتركة؛ تجب له لوازمها، وليس مِنْ لوازمها ما يختص به

стр. 492

المخلوق؛ كالإمكان، والحدوث، والنقص، فهذه مِنْ لوازم صفات المخلوق، وليست من لوازم صفات الخالق؛ بل ولا من لوازم القَدْر المشترك. والقدر المشترك؛ هو: «مسمى الاسم العام المطلق»، وهذا لا وجود له في الخارج، وإنما يوجد في الذهن فقط. ومعنى كون الموجودات تشترك في هذا؛ أن هذا الاسم يطلق على هذا وعلى هذا، وأن معنى هذا الاسم ثابت لهذا ولهذا، لكن في حق كل واحد على ما يناسبه. فالحيُّ مطلقاً اسمٌ لذي الحياة، بقطع النظر عن كون الحياة واجبة أو ممكنة، فمسمى هذا الاسم المطلق؛ لا وجود له في الخارج، لكنه يُسمى به الخالق والمخلوق، فيطلق على الخالق على ما يناسبه ويختص به، كما يطلق على المخلوق بما يناسبه ويختص به، فليس بين الحي والحي اشتراك في أمر خارجي، بل حياة الخالق مختصة به لا يشركه فيها غيره، وحياة المخلوق مختصة به. كما سبق في توضيح ذلك في لفظ: «إنسان» (١) الذي يصدق على كل واحد منا، هذا هو مسمى الاسم المطلق، وهذا المعنى المشترك إنما هو في الذهن، أما في الخارج فلا يوجد إلا معيناً مقيداً، فلا اشتراك فيما يخص كل واحد من معنى ووصف، فإذا مات شخص -

стр. 493

مثلاً -؛ فلا يلزم أن يموت الآخر، وإذا كفر شخص؛ فلا يلزم أن يكون الآخر كذلك. أما لوازم الإنسانية المطلقة؛ أي: القدر المشترك، فهي مشتركة بين كل الناس؛ كاستلزام الإنسانية ل: الإمكان، والحدوث، والافتقار، والحيوانية، والآدمية. والمعاني التي يوصف بها الرب تعالى ممَّا يصح إضافتها إلى الله تعالى؛ تجب له لوازمها مِنْ: العلم، والقدرة، والوجود، والثبوت، والحقيقة، وغير ذلك، وليس مِنْ لوازم ما يوصف به الرب خصائص المخلوق، فاللهُ تعالى منزَّهٌ عن خصائص المخلوق؛ كالإمكان، والحدوث، والنقص، ونحو ذلك، كما أنه تعالى منزَّهٌ عن ملزومات خصائص المخلوقين. والملزوم: ما يستلزم غيره (١). فاللهُ تعالى منزَّهٌ عن النقص، وعمَّا يستلزم النقص، وانتفاء اللازم؛ يقتضي انتفاء الملزوم، فإذا كان الله تعالى منزهاً عن الافتقار؛ فهو منزَّهٌ عنه، وعن ملزومه، أي: عمَّا يستلزم الافتقار. وهكذا بقية خصائص المخلوقين. ثم أعاد الشيخ ما سبق أن ذكره وبيَّنه مِنْ معنى القدر المشترك، وأنه لا يوجد في الخارج إلا معيناً مقيداً، كما سبق توضيحه في لفظ:

стр. 494

«الإنسان» وغيره، فكل اسم من هذه الأسماء المطلقة والمعاني الكلية؛ هو مشترك في الذهن والتصور. أما في الخارج فلا يوجد مشتركاً، وإنما يوجد معيناً في أفراد، ومعنى كونه مشتركاً؛ أي: يصح إطلاق هذا الاسم العام على كل فرد منها، فهي مشتركة في مدلوله العام، فالمعنى العام لهذا الاسم يطلق على هذا وهذا، أي: على جميع أفراده في الخارج. وليس معنى الاشتراك أنَّ الموجوداتِ في الخارج تشترك في شيء وأمر موجود في هذا وهذا؛ بل كل موجود متميز عن غيره ب: ذاته، وصفاته، وأفعاله المختصة به (١). * * *

стр. 495

تناقض كثير من الناس في إثبات القدر المشترك ونفيه ولما كان الأمر كذلك؛ كان كثير من الناس يتناقض في هذا المقام، فتارة: يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل؛ فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات حذراً من ملزومات التشبيه، وتارة: يتفطن أنه لا بدَّ من إثبات هذا على كل تقدير؛ فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة. ولكثرة الاشتباه في هذا المقام؛ وقعت الشبهة في أن وجود الرب: هل هو عين ماهيته، أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ «الوجود» مقول بالاشتراك اللفظي، أو بالتواطؤ، أو التشكيك؟ كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟، وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟ وقد كثر مِنْ أئمة النُظَّار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات، فتارة: يقول أحدهم القولين المتناقضين، ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها، وتارة: يبقى في الشك والتَّحيُّر، وقد بسطنا مِنْ الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط
следующие страницы →