← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

والمعاني التي يوصف بها الرب ؛ كالحياة، والعلم، والقدرة؛ بل الوجود، والثبوت، والحقيقة، ونحو ذلك؛ تجب له لوازمها؛ فإن ثبوت الملزوم؛ يقتضي ثبوت اللازم. وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها؛ ليست من لوازم ذلك أصلاً، بل تلك مِنْ لوازم ما يختص بالمخلوق؛ من: وجود، وحياة، وعلم، ونحو ذلك، والله مُنزَّه عن خصائص المخلوق، وملزومات خصائصه. وهذا الموضع من فهمه فهماً جيداً، وتدبره؛ زالت عنه عامة الشبهات، وانكشفَ له غلطُ كثيرٍ مِنْ الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة، وبُيِّن فيها: أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معيَّناً مقيَّداً، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور؛ هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أنَّ الموجودات في الخارج يشارك أحدها الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجودٍ متميِّز عن غيره ب: ذاته، وصفاته، وأفعاله. المعاني التي يوصف بها الرب ؛ وهي: صفاته؛ كحياته، وعلمه، وقدرته؛ بل حتى الوجود، والثبوت، والحقيقة، ونحو ذلك مِنْ المعاني المشتركة؛ تجب له لوازمها، وليس مِنْ لوازمها ما يختص به

стр. 492

المخلوق؛ كالإمكان، والحدوث، والنقص، فهذه مِنْ لوازم صفات المخلوق، وليست من لوازم صفات الخالق؛ بل ولا من لوازم القَدْر المشترك. والقدر المشترك؛ هو: «مسمى الاسم العام المطلق»، وهذا لا وجود له في الخارج، وإنما يوجد في الذهن فقط. ومعنى كون الموجودات تشترك في هذا؛ أن هذا الاسم يطلق على هذا وعلى هذا، وأن معنى هذا الاسم ثابت لهذا ولهذا، لكن في حق كل واحد على ما يناسبه. فالحيُّ مطلقاً اسمٌ لذي الحياة، بقطع النظر عن كون الحياة واجبة أو ممكنة، فمسمى هذا الاسم المطلق؛ لا وجود له في الخارج، لكنه يُسمى به الخالق والمخلوق، فيطلق على الخالق على ما يناسبه ويختص به، كما يطلق على المخلوق بما يناسبه ويختص به، فليس بين الحي والحي اشتراك في أمر خارجي، بل حياة الخالق مختصة به لا يشركه فيها غيره، وحياة المخلوق مختصة به. كما سبق في توضيح ذلك في لفظ: «إنسان» (١) الذي يصدق على كل واحد منا، هذا هو مسمى الاسم المطلق، وهذا المعنى المشترك إنما هو في الذهن، أما في الخارج فلا يوجد إلا معيناً مقيداً، فلا اشتراك فيما يخص كل واحد من معنى ووصف، فإذا مات شخص -

стр. 493

مثلاً -؛ فلا يلزم أن يموت الآخر، وإذا كفر شخص؛ فلا يلزم أن يكون الآخر كذلك. أما لوازم الإنسانية المطلقة؛ أي: القدر المشترك، فهي مشتركة بين كل الناس؛ كاستلزام الإنسانية ل: الإمكان، والحدوث، والافتقار، والحيوانية، والآدمية. والمعاني التي يوصف بها الرب تعالى ممَّا يصح إضافتها إلى الله تعالى؛ تجب له لوازمها مِنْ: العلم، والقدرة، والوجود، والثبوت، والحقيقة، وغير ذلك، وليس مِنْ لوازم ما يوصف به الرب خصائص المخلوق، فاللهُ تعالى منزَّهٌ عن خصائص المخلوق؛ كالإمكان، والحدوث، والنقص، ونحو ذلك، كما أنه تعالى منزَّهٌ عن ملزومات خصائص المخلوقين. والملزوم: ما يستلزم غيره (١). فاللهُ تعالى منزَّهٌ عن النقص، وعمَّا يستلزم النقص، وانتفاء اللازم؛ يقتضي انتفاء الملزوم، فإذا كان الله تعالى منزهاً عن الافتقار؛ فهو منزَّهٌ عنه، وعن ملزومه، أي: عمَّا يستلزم الافتقار. وهكذا بقية خصائص المخلوقين. ثم أعاد الشيخ ما سبق أن ذكره وبيَّنه مِنْ معنى القدر المشترك، وأنه لا يوجد في الخارج إلا معيناً مقيداً، كما سبق توضيحه في لفظ:

стр. 494

«الإنسان» وغيره، فكل اسم من هذه الأسماء المطلقة والمعاني الكلية؛ هو مشترك في الذهن والتصور. أما في الخارج فلا يوجد مشتركاً، وإنما يوجد معيناً في أفراد، ومعنى كونه مشتركاً؛ أي: يصح إطلاق هذا الاسم العام على كل فرد منها، فهي مشتركة في مدلوله العام، فالمعنى العام لهذا الاسم يطلق على هذا وهذا، أي: على جميع أفراده في الخارج. وليس معنى الاشتراك أنَّ الموجوداتِ في الخارج تشترك في شيء وأمر موجود في هذا وهذا؛ بل كل موجود متميز عن غيره ب: ذاته، وصفاته، وأفعاله المختصة به (١). * * *

стр. 495

تناقض كثير من الناس في إثبات القدر المشترك ونفيه ولما كان الأمر كذلك؛ كان كثير من الناس يتناقض في هذا المقام، فتارة: يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل؛ فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات حذراً من ملزومات التشبيه، وتارة: يتفطن أنه لا بدَّ من إثبات هذا على كل تقدير؛ فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة. ولكثرة الاشتباه في هذا المقام؛ وقعت الشبهة في أن وجود الرب: هل هو عين ماهيته، أو زائد على ماهيته؟ وهل لفظ «الوجود» مقول بالاشتراك اللفظي، أو بالتواطؤ، أو التشكيك؟ كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟، وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟ وقد كثر مِنْ أئمة النُظَّار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات، فتارة: يقول أحدهم القولين المتناقضين، ويحكي عن الناس مقالات ما قالوها، وتارة: يبقى في الشك والتَّحيُّر، وقد بسطنا مِنْ الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط

стр. 496

والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة، ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة. يذكر الشيخ أنه لما تقرر إثبات القدر المشترك، وأنه ما من شيئين موجودين إلا ويشتركان من وجه ويختلفان من وجه، ولما تقرر - أيضاً - أنه لا بدَّ من نفي التشبيه الباطل، لما كان الأمر كذلك؛ وقع كثير من الناس في التناقض، والاضطراب. فتارة: ينفون القدر المشترك؛ لاعتقاد أنه من التشبيه الذي يجب نفيه، وتارة: يرون أنه لا بدَّ منه؛ فيثبتونه ويجيبون به من نازعهم فيما أثبتوه، وهذا يصدق في حق من أثبت بعض الصفات ونفى بعضاً؛ فإنه لا بدَّ أن يثبت قدراً مشتركاً فيما أثبت، مع كونه ينفي هذا القدر المشترك فيما ينفيه من الصفات؛ فيقع في التناقض في المذهب، وفي الشبهة. وفي أثناء ذكر ذلك يستطرد الشيخ؛ فيذكر بعض القضايا الكلامية التي كثر فيها النزاع؛ وهي: ١ - هل وجود الرب تعالى عين ماهيته أو زائد عليها؟ ٢ - هل الوجود مقول على الموجودات بالاشتراك اللفظي، أو التواطؤ، أو التشكيك؟ ٣ - هل الأحوال موجودة أو ليست موجودة؟

стр. 497

٤ - هل المعدوم شيء أو ليس بشيء؟ ٥ - هل وجود الموجودات زائد على ماهيتها أو لا؟ ونلاحظ أن الأول داخل في الخامس. ويذكر الشيخ كثرة اضطراب المتكلمين وتناقضهم في ذلك، وحكاية بعضهم أقوالاً لم يقلها أحد، ثم يبين الصواب في ذلك. * * *

стр. 498

القول الفصل في القضايا الخمس المذكورة وبيَّنا أن الصواب؛ هو: أنَّ وجودَ كلِّ شيء في الخارج؛ هو ماهيته الموجودة في الخارج، بخلاف الماهية التي في الذهن؛ فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن لفظ: «الوجود»؛ كلفظ: «الذات»، و «الشيء»، و «الماهية»، و «الحقيقة»، ونحو ذلك. وهذه الألفاظ كلها متواطئة، وإذا قيل: «إنها مشكِّكة، لتفاضل معانيها»، فالمشكِّك نوع من المتواطئ العام، الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك، سواء كان المعنى متفاضلاً في موارده، أو متماثلاً. وبيَّنا أن المعدوم شيء - أيضاً - في العلم والذهن؛ لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به. وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة، وصفاتها القائمة بها المعيَّنة، فتتشابه بذلك، وتختلف به. وأما هذه الجمل المختصرة؛ فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة، مَنْ فهمها عَلِمَ قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى،

стр. 499

وإمكان إغلاق باب الضلال، ثم بسطها وشرحها له مقام آخر؛ إذ «لكلِّ مقامٍ مقالٌ». والمقصود هنا: أن الاعتمادَ على مثل هذه الحجة فيما يُنفى عن الرب، وينزَّه عنه - كما يفعله كثير من المصنفين -؛ خطأٌ لمن تدبَّر ذلك، وهذا مِنْ طرق النفي الباطلة. بدأ الشيخ هنا بذكر الصواب في المسائل التي تناقض فيها المتكلمون واضطربوا. أمَّا المسألة الأولى؛ وهي: «كون وجود الشيء عين ماهيته أو زائداً عليها»، فالصواب: أن وجودَ كلِّ شيء موجود؛ هو عين ماهيته في الخارج، وأن وجوده في الخارج زائد على وجوده في الذهن، فالوجود الذهني وجود علمي، ولا يلزم من كون الشيء موجوداً في الذهن أن يوجد في الخارج، بل قد يوجد في الخارج، وقد لا يوجد (١). وأما المسألة الثانية؛ وهي: اشتراك الموجودات في الوجود هل هو من قبيل المشترك اللفظي، أو المتواطئ، أو المشكِّك؟ فالمسألة فيها ثلاثة أقوال:

стр. 500

والقول الثاني والثالث؛ الخطب فيهما يسير؛ لأن المشكك نوع من المتواطئ العام، فالمتواطئ؛ هو: «الذي يشترك أفراده في معناه، سواء مع التفاضل، أو التساوي» (١). والمشكِّك: خاص ب «المتواطئ الذي تفاضل أفراده في معناه»، كما في نور الشمس والسراج؛ فهما مشتركان في معنى النور العام مع تفاوت في حقيقته. وإنما سمي المشكِّك مشكِّكاً؛ لأن الناظر فيه يتردد ويشك، هل هو من المتباين، أو من المتواطئ؟ فإذا نظر إلى التفاوت؛ ظن أنه مِنْ المتباين، وإذا نظر إلى الاتفاق في المعنى؛ جعله من المتواطئ، فالإنسان باعتبار أفراد الإنسان؛ يعد متواطئاً، والنور باعتبار التفاضل والتفاوت فيه يعد مشكِّكاً. وأما الوجود؛ فالأقرب أن يكون مشكِّكاً لوجود التفاوت العظيم في وجود الموجودات؛ كما في وجود البعوضة، ووجود العرش مثلاً. وأما المسألة الثالثة؛ وهي: هل المعدوم شيء، أو ليس بشيء؟ فيه قولان، والصواب التفصيل (٢). فالمعدوم شيء في العلم، فله وجود في الذهن، وليس شيئاً في الخارج.

стр. 501

فتقول - مثلاً -: أريد أن أفعل شيئاً، فهذا الشيء المذكور موجود في الذهن، وليس موجوداً في الخارج. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم] أي: قبل الخلق. فوجوده في العلم؛ بل وفي الرسم أيضاً؛ لأنه مكتوب، وإن كان غير موجود في الخارج حينذاك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٤٠)﴾ [النحل]، فهذا الشيء ليس موجوداً في الخارج؛ لأنه يمتنع إيجاد الموجود، فهذا في الإثبات، والأول في النفي. وأما المسألة الرابعة؛ وهي: الكلام في الأحوال إثباتاً ونفياً (١)، والمراد بالأحوال: النسبة بين الصفة والموصوف، مثل: قيام وقائم، فالصفة القيام، والموصوف القائم، والنسبة هي: نسبة القيام إلى القائم، وبعضهم يعبر عن ذلك ب: كون الشيء قائماً، أو كونه عالماً، أو كونه قادراً، ونحو ذلك. فهذه النسبة ليست شيئاً زائداً موجوداً في الخارج، وإنما توجد الصفة والموصوف الذي قامت به تلك الصفة، فالنسبة، أي: نسبة الصفة للموصوف، وقيام الصفة بالموصوف وكون الشيء موصوفاً بالصفة؛ معنى ذهني عقلي، وهو النسبة والإسناد والإضافة، فليس هناك شيء ثالث في الخارج زائد عن الصفة والموصوف.

стр. 502

وقول الشيخ: (والمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة … ) وهي: أن إثبات الصفات يستلزم التشبيه، فالاعتماد عليها من طرق النفي الباطلة، وهذا من ختم الكلام بما بدأ به، تأكيداً له وتذكيراً به، حيث قال في مطلع «القاعدة»: (إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه، أو مطلق الإثبات من غير تشبيه؛ ليس بسديد) (١). * * *

стр. 503

فساد الاعتماد في تنزيه الله عن النقائص على نفي التجسيم فصل وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عمَّا يجب تنزيهه عنه ممَّا هو من أعظم الكفر -، مثل: أن يريدوا تنزيهه عن: «الحُزْن»، و «البكاء»، ونحو ذلك. ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: «إنه بكى على الطوفان حتى رَمِدَ (١)، وعادته الملائكةُ» (٢)، والذين يقولون بإلهية بعض البشر، وأنه الله، - فإن كثيراً من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم، أو التحيز، ونحو ذلك، ويقولون: «لو اتصف بهذه النقائص والآفات؛ لكان جسماً أو متحيزاً؛ وذلك ممتنع». وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة، نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريق لا يحصل بها المقصود لوجوه:

стр. 504

بعد أن بيَّن الشيخ فساد الاعتماد في التنزيه على مجرد نفي التشبيه، ذكر هنا طريقة أخرى أفسد مِنْ سابقتها؛ وهي: الاعتماد في تنزيه الله تعالى عمَّا يجب تنزيهه عنه ممَّا هو من أعظم الكفر على نفي التجسيم والتحيز، وهذه الطريقة يسلكها نفاة الصفات أو بعضها مِنْ المعتزلة والأشاعرة. فإذا أراد أولئك تنزيه الله تعالى عن صفات النقص؛ ك «الحزن»، و «البكاء»، و «المرض»، و «الولد»، و «البخل»، و «الفقر»، ونحو ذلك - ممَّا يصفه به أعداء الله تعالى من اليهود وغيرهم -، فإذا أراد هؤلاء المتكلمون نفاة الصفات أو بعضها تنزيه الله تعالى عن هذه الصفات ونحوها، التي يعد القول بها من أعظم الكفر والرد على اليهود ونحوهم في ذلك، فإنهم ينفونها بحجة أن إثباتها مستلزم للتجسيم والتحيز، وهذا ممتنع على الله. والشيخ هنا يبين أن الاعتماد في تنزيه الله تعالى عن هذه النقائص التي يصفه بها الكفار على حجة استلزامها للتجسيم، أن هذه الطريقة فاسدة لا يحصل بها المقصود من إبطال الباطل؛ بل إن سلوكها من قِبَل المعتزلة، والأشاعرة؛ سبَّب أن تسلط عليهم الملاحدة من نفاة الأسماء والصفات؛ كالجهمية، والباطنية، والفلاسفة. فإنهم يقولون: إنكم إذا نفيتم ما نفيتم من الصفات بحجة استلزامها للتجسيم، ورددتم على اليهود الذين وصفوا الله تعالى بالنقائص

стр. 505

بالحجة نفسها؛ فكذلك يلزمكم ذلك فيما أثبتم من الأسماء الصفات؛ فإنه مستلزم للتجسيم (١). واعتراض الشيخ عليهم هنا مُنْصَبٌّ على الدليل لا على أصل المسألة، فنفي النقائص عن الله تعالى حق، ولكن طريقتهم التي سلكوها في ذلك فاسدة لا يحصل بها المقصود، وبيَّن ذلك من وجوه: * * *

стр. 506

أحدها: أن وَصْف الله تعالى بهذه النقائص والآفات؛ أظهر فساداً في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم، فإن هذا فيه مِنْ: الاشتباه، والنِّزاع، والخفاء ما ليس في ذلك، وكُفْرُ صاحبِ ذلك؛ معلوم بالضرورة من دين الإسلام. والدليلُ مُعرِّف للمدلول، ومبيِّن له، فلا يجوز أن يُستدل على الأظهرِ الأبين بالأخفى، كما لا يُفعل مثل ذلك في الحدود. الوجه الأول من وجوه بيان فساد طريقة المتكلمين في نفي النقائص عن الله تعالى بنفي التجسيم والتحيز؛ أن يقال: إن تنزيه الله تعالى عن هذه النقائص والآفات؛ كالحزن، والبكاء، والمرض؛ أظهر في العقل والدين من نفي الجسم والحيز عن الله تعالى؛ فإن نفي التحيز والتجسيم فيه مِنْ: الخفاء، والنزاع، والاشتباه ما ليس في الأول، فليس في المسلمين مَنْ يُنازِع في نفي الحزن، والبكاء، والمرض، ونحو ذلك عن الله تعالى؛ لأن كفرَ مَنْ وَصْف الله تعالى بذلك؛ معلوم بالضرورة من دين الإسلام؛ بخلاف التجسيم - مثلاً - ففيه نزاع، وخفاء، واشتباه، فهناك من أثبته؛ كالكرَّامية (١)، وهناك من استفصل في معناه، وهم أهل السنة، وهكذا.

стр. 507

وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا يصح الاستدلال بالأخفى على الأظهر؛ لأن المفترض أن يكون الدليلُ أظهرَ وأبين من المدلول، كما يفعل في الحدود - يعني: التعريفات - فالشيء يُعَرَّف بما هو مَعروف لدى المخاطب، لا بشيء أخفى مِنْ المعرَّف، أو بما لا يفهمه المخاطب. فجَعْلُ هؤلاء نفي التجسيم دليلاً على نفي البكاء، والحزن، والمرض عن الله تعالى؛ لا يصح، بل هو فاسد؛ لما سبق. * * *

стр. 508

الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الآفات؛ يمكنهم أن يقولوا: «نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز»، كما يقوله مَنْ يثبت الصفات وينفي التجسيم؛ فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة صفات الكمال، فيصير كلام مَنْ وصف الله بصفات الكمال، وصفات النقص؛ واحداً! ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد. الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفون الله تعالى بالنقائص والآفات من اليهود ونحوهم؛ يمكنهم أن يجيبوا عن دليل المتكلمين على نفي هذه النقائص؛ وهو: نفي التجسيم والتحيز، فيقولون: نحن نثبت ما نثبت، (ولا نقول بالتجسيم والتحيز). كما يقول مِثلَ ذلك مثبتةُ صفاتِ الكمال من أهل السنة والجماعة، الذين يثبتون لله تعالى صفات الكمال، وينفون إطلاق لفظ: التحيز، والتجسيم. فيكون رد المتكلمين على الطائفتين واحداً، أي: يكون ردهم على مَنْ يثبت لله تعالى صفات الكمال بنفس الحجة التي ردوا بها على من يثبت لله تعالى صفات النقص، وهي القول باستلزام ذلك للتحيز، والتجسيم.

стр. 509

وهذا يتضمن التسوية في الرد على مَنْ يصف الله تعالى بالنقائص، ومن يصفه بصفات الكمال، وفي ذلك تسوية بين الحق والباطل، فطريقة تفضي إلى ذلك؛ طريقة فاسدة؛ بل في غاية الفساد. * * *

стр. 510

الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافُه بصفات الكمال واجبٌ ثابتٌ بالعقل والسمع؛ فيكون ذلك دليلاً على فساد هذه الطريقة. الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكلُّ مَنْ أثبت شيئاً منهم؛ ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كلَّ مَنْ نفى شيئاً منهم؛ ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي. فمثبتةُ الصفات؛ كالحياة، والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر؛ إذا قالت لهم النفاة؛ كالمعتزلة: «هذا تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفاً بالصفات إلا جسماً». قالت لهم المثبتة: «وأنتم قد قلتم: «إنه حي، عليم، قدير»، وقلتم: «ليس بجسم»، وأنتم لا تعلمون موجوداً، حياً، عالماً، قادراً؛ إلا جسماً، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن»، وقالوا لهم: «أنتم أثبتم حياً، عالماً، قادراً، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، وهذا تناقض يُعلم بضرورة العقل». ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى، ويغضب، ويحب، ويبغض، أو مَنْ وصفه بالاستواء، والنزول، والإتيان، والمجيء، أو بالوجه، واليد، ونحو ذلك؛ إذا قالوا: «هذا يقتضي التجسيم؛ لأنَّا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم».

стр. 511

قالت لهم المثبتة: «فأنتم قد وصفتموه بالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، وهذا هكذا؛ فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم؛ فالآخر كذلك، وإنْ أمكنَ أنْ يوصفَ بأحدهما ما ليس بجسم؛ فالآخر كذلك، فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين». الوجه الثالث: أن هؤلاء النفاة من المعتزلة والأشاعرة يبنون قولهم في نفي الصفات على هذه الطريقة؛ وهي: نفي التجسيم والتحيز، ومِنَ المعلوم أنَّ إثباتَ الصفاتِ حقٌ ثابتٌ بالعقل والسمعِ، والحقُ لا يمكن أن يقوم على نفيه دليلٌ صحيح، وأيُّ دليل يقام على إبطال هذا الحق؛ فهو باطل؛ وعليه؛ فدليلُ هؤلاء على نفي صفات الكمال عن الله؛ دليلٌ باطل؛ لاستلزامه نفي الحق الثابت. والوجه الرابع: مِنْ وجوه فساد هذه الطريقة: أن سالكيها متناقضون، والتناقضُ دليلُ الفساد، ولو كانت صحيحة؛ لم تتناقض، والكلامُ هنا مع الأشاعرةِ، والمعتزلةِ؛ فالمعتزلةُ يوافقون الأشاعرة في إثبات الأسماء، والأشاعرة يوافقون المعتزلة في نفي ما نفوه هم مِنْ الصفات. فيقول المعتزلة للأشاعرة: «إثباتكم لما أثبتم من الصفات؛ يستلزم التجسيم؛ لأن هذه الصفاتِ أعراضٌ، والأعراضُ لا تقوم إلا بجسم؛ فإثباتها مستلزم للتجسيم، والله تعالى مُنزَّهٌ عن التجسيم».

стр. 512

فيقول لهم الأشاعرة: «وأنتم - يا معتزلة - أثبتم لله تعالى أسماء، ومِن المعلوم أنه لا يوجد في الشاهد مسمى بهذه الأسماء إلا ما هو جسم، فما أثبتموه من الأسماء؛ مستلزمٌ للتجسيم، وإذا كان هذا غير لازمٍ في نظركم، فكذلك إثبات ما أثبتنا من الصفات؛ غير مستلزم للتجسيم». فكلُّ مَنْ أثبت شيئاً؛ ألزَمَ الآخَرَ بإثباته؛ بحجة ما يوافقه فيه مِنْ الإثبات، كما أن كلَّ مَنْ نفى شيئاً منهم؛ ألزَمَ الآخَرَ بنفيه؛ بحجة ما يوافقه فيه من النفي. فالمعتزلةُ يحتجون على الأشاعرة بما وافقوهم فيه مِنْ النفي، والأشاعرةُ يحتجون على المعتزلة بما وافقوهم فيه من الإثبات. وأهل السنة - أيضاً - يمكنهم أن يسلكوا هذه الطريقة؛ فيحتجوا على كل منهم بما عندهم من الإثبات. فإذا قال الأشاعرة: «إن إثبات الرضا، والغضب، والمحبة، والبغض، والاستواء، والنزول، والإتيان، والمجيء، والوجه، واليد، ونحو ذلك؛ مستلزمٌ للتجسيم». قال لهم أهل السنة: «وكذلك العلم، والحياة، والقدرة والسمع، والبصر؛ فإنْ كان إثبات هذه لا يستلزم تجسيماً - وقد وصفتم الله تعالى بها -؛ فكذلك ما نفيتم لا تستلزم تجسيماً، وإنْ جعلتموها مستلزمة للتجسيم؛ فهذه كذلك، فالقول فيها واحد».

стр. 513

وليس المرادُ هنا بيانَ بطلانِ مذهبهم، وإنما المراد بيان تناقضهم في سلوكهم هذه الطريقة في النفي والتنزيه. والتناقضُ دليلُ الفساد، فهذه الطريقة فاسدة. * * *

стр. 514

سلامة مذهب السلف من الطرق الفاسدة ولهذا لما كان الرد على مَنْ وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقاً فاسداً؛ لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد منهم في حق الله تعالى ب «الجسم» لا نفياً ولا إثباتاً، ولا ب «الجوهر»، و «التحيز» ونحو ذلك؛ لأنها عباراتٌ مجملة لا تُحِق حقاً، ولا تبطل باطلاً. ولهذا لم يذكرِ الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتَدَع الذي أنكره السلف والأئمة. بعد أن قرر الشيخ فساد الاعتماد في تنزيه الله تعالى على مجرد نفي التجسيم، بيَّن أنه مِنْ أجل ذلك؛ لم يسلكها السلف الصالح، فلم يأت عن أحد من السلف الصالح إطلاق القول في: (الجسم)، و (الجوهر)، و (التحيز) نفياً ولا إثباتاً.

стр. 515

وقد تقدم في «القاعدة الثانية» (١) الكلام في أن هذا ممَّا تنازع فيه المتأخرون، وأن الواجب في مثل هذا النوع: الوقف عن إطلاق هذا اللفظ، والاستفصال عن المعنى المراد؛ فإن أراد المتكلم حقاً؛ قُبل المعنى، وإن أراد باطلاً؛ رُدَّ، وإن أراد حقاً وباطلاً؛ قُبل الحق، ورُدَّ الباطل. ثم إنه يقال لمن أراد حقاً: أحسنت فيما أردت، ولكن هذا اللفظ لا يطلق؛ لأمرين: أحدهما: أنه لفظ مبتدع. الثاني: أنه لفظ يحتمل حقاً وباطلاً، فلا يجوز استعمال مثل هذا اللفظ الذي يكون مدخلاً لأهل الباطل. ولأجل أن هذه الألفاظَ مجملةٌ، لم يذكرِ الله تعالى في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار شيئاً من هذا القبيل، وإنما أنكر عليهم وذمَّهم على ما نسبوه إليه من صفات النقص؛ كالفقر (٢)، والبخل (٣). * * *

стр. 516

فساد الاعتماد فيما يثبت لله على مجرد نفي التشبيه فصل وأمَّا في طرق الإثبات؛ فمعلوم - أيضاً - أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه؛ إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه؛ لجاز أن يوصف الله مِنَ الأعضاء، والأفعال بما لا يكاد يحصى ممَّا هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه. وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه، كما لو وصفه مفترٍ عليه ب «البكاء»، و «الحزن»، و «الجوع»، و «العطش» مع نفي التشبيه. وكما لو قال المفتري: «يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولا حزنهم»، كما يقال: «يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم». ولجاز أن يقال: «له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم»، كما قيل: «له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم»، حتى يذكر المعدة، والأمعاء والذكر، وغير ذلك ممَّا يتعالى الله عنه، سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون علواً كبيراً.

стр. 517

يذكر الشيخ هنا الضابط الثاني الذي سبق أن أشار إليه في مطلع «القاعدة» (١)؛ وهو: أنه لا يصح الاعتماد في إثبات الصفات لله تعالى على مجرد نفي التشبيه. ومعناه عند من يقول به: أنَّ كلَّ ما ليس فيه تشبيه؛ يجوز إثباته لله تعالى. ووجه فساده: أنه لو قيل بذلك؛ للزم منه؛ أنه يجوز - عقلاً - أن يوصف الله تعالى بما لا يحصى من الأعضاء والأفعال من غير تشبيه. كما لو قال مفترٍ على الله: «إنه تعالى يأكل ويشرب، ويجوع ويعطش، ويبكي ويحزن، - ونحو ذلك ممَّا هو ممتنع عليه تعالى - مع نفي التشبيه»، أي: مع نفي مشابهة هذه الصفات لصفات الخلق. ويجعل ذلك مثل وصف أهل الحق لله تعالى بصفات الكمال مع نفي التمثيل، حين يقولون - مثلاً -: (إنه يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم). وكذلك يثبتُ المفتري على الله: أعضاء لله تعالى ممتنعة عليه، فيصفه بها مع نفي التشبيه، ويجعلها مثلَ وصفه تعالى بأنه: (له وجهٌ لا كوجوه الخلق، ويدان لا كأيديهم).

стр. 518

فالاعتماد فيما يجوز على الله في باب الإثبات على مجرد نفي التشبيه؛ يلزم منه هذا الباطل؛ وهو: تجويز وصف الله تعالى بما يتنزَّه عنه، ويمتنع عليه مع نفي التشبيه؛ وما لزم منه الباطل؛ فإنه باطل. والظاهر أن الشيخَ يقصدُ بذلك أهل الكلام؛ مثل: الأشاعرة فيما يرون جواز اتصاف الباري به عقلاً؛ فيثبتونه مع نفي التشبيه. ومِنَ المعلوم بداهة؛ أنه لا يلزم مَنْ سلك هذه الطريقة: أن يصف الله تعالى بهذه النقائص، وإن كان جوازُها على الله؛ لازمَ مذهبِه؛ لأنَّ القولَ الحقَ: أنَّ لازمَ المذهبِ؛ ليس بمذهب؛ إلا إذا التزمه صاحب المذهب، ولكن إذا كان يلزم عليه باطل؛ دل على بطلانه (١). * * *

стр. 519

لا بد من فرق في نفس الأمر بين ما يثبت لله وما ينفى عنه؛ فلا يكفي الاعتماد في نفي ذلك على السمع فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا، وبين ما أثبته، إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافياً في الإثبات؟ فلا بدَّ من إثبات فرق في نفس الأمر. فإن قال: «العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يَجِئْ به السمع». قيل له: «أولاً: السمعُ هو خبرُ الصادق عمَّا هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق؛ فهو حقٌ مِنْ نفي أو إثباتٍ، والخبرُ دليلٌ على المخبَر عنه، والدليلُ لا ينعكس، فلا يلزمُ مِنْ عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمعُ يجوز أن يكون ثابتاً في نفس الأمرِ، وإن لم يرد به السمعُ؛ إذا لم يكن قد نفاه. ومعلوم أنَّ السمعَ لم ينفِ كلَّ هذه الأمورِ بأسمائها الخاصة، فلا بدَّ مِنْ ذكر ما ينفيها مِنْ السمع، وإلا فلا يجوز حينئذٍ نفيها، كما لا يجوز إثباتها».

стр. 520

يقول الشيخ: (فإنه يقال لمن نفى ذلك) - أي: صفات النقص، وما يجب تنزيه الله عنه من: الأفعال، والأعضاء مع إثبات الصفات الخبرية؛ كالوجه، واليدين، والصفات العقلية؛ من: العلم، والقدرة، والسمع وغيرها - يقال له: (ما الفرق بين ما نفيته، وما أثبته) ما دام أنَّ اعتمادك من جهة العقل فيما يجوز على الله على مجرد نفي التشبيه؟! وعلى هذا فإنه يلزمه على قاعدته في الإثبات: أن يجيز إثبات الجميع مع نفي التشبيه دون تفريق بين الصفات. فإنْ قال مَنْ يجعلُ الضابطَ له في مطلقِ الإثباتِ مجردَ نفي التشبيه مع كونه ينفي النقائص عن الله تعالى، إن قال هذا في حجته في التفريق بين ما نفاه من صفات النقص، وما أثبته مِنْ صفات الكمال: إن العمدةَ في الفرق بين ما أثبتُّ وما نفيتُ؛ السمعُ، - يعني: النصوص الشرعية - فما جاء في النص إثباته أثبتُّه، وما جاء في النص نفيه نفيتُه. فهو يجعلُ الفرقَ بين إثباتِ صفاتِ الكمالِ لله؛ كالوجه، واليدين، ونفي صفات النقص عن الله تعالى؛ كالجوع، والحزن، والبكاء؛ مجرَّدَ أنَّ الأول جاء به السمع، والثاني لم يرد به السمع. والشيخ هنا يبين فساد الاعتماد على هذا المسلك. فمَن جعلَ العمدةَ في الفرق بين ما يُثبِتُ لله من صفات الكمال وما يَنفي عنه من صفات النقص؛ هو: السمع، فما جاء في السمع إثباته؛ أثبتَه، وما جاء في السمع نفيه؛ نفاه، يقال له:

стр. 521

أولاً: إن السمع خبرُ الصادقِ، والخبرُ الصادقُ: إخبارٌ بما الأمر عليه، أي: إخبارٌ عن الواقع، وهذا حقٌ في النفي والإثبات، وهذا الخبر؛ هو: الدليل على المخبَر عنه، والدليل لا ينعكس. ومعنى أن الدليل لا ينعكس: أي: لا يلزم مِنْ عدم الدليل المعين؛ عدم المدلول؛ إذ يمكن أن يكون الشيء ثابتاً في نفس الأمر، وإن لم يرد به دليل من السمع، ما دام أنه لم يرد دليل معين على نفيه. وكان الأصلُ في الإثبات عندكم مجرَّدَ نفي التشبيه، والفرق بين ما يُثبت وينفى؛ ورود الدليل السمعي، ومن المعلوم أن السمع - الكتاب والسنة - لم يرد بنفي كل هذه النقائص بأسمائها الخاصة؛ كالحزن، والبكاء، والجوع، ونحو ذلك. فيلزم من جعل العمدة عنده في نفي النقائص عن الله تعالى مجيء نفيها في السمع؛ ألَّا ينفي النقائص التي لم يرد السمع بالنص على نفيها باسمها؛ بل تبقى عنده من قبيل الجائز المسكوت عنه، الذي لا يثبت، ولا ينفى. فلا تُنفى؛ لأن السمع لم يرد بنفيها، ولا تثبت؛ لأن السمع لم يرد بإثباتها. والحق: أن هذه النقائص ممَّا يجب تنزيه الله تعالى عنه، ولو لم يرد نص خاص بكلٍّ منها؛ بل هي من الأمور الممتنعة على الله تعالى عقلاً وشرعاً، كما يدل عليه «المثل الأعلى» (١).

стр. 522

وأيضاً، فلا بدَّ في نفس الأمر مِنْ فرقٍ بين ما يثبت له، وينفى عنه؛ فإن الأمور المتماثلة في الجواز،، والوجوب، والامتناع؛ يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز، والوجوب، والامتناع، فلا بدَّ من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولا بدَّ من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت. وقد يُعبَّر عن ذلك بأن يقال: لا بدَّ مِنْ أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى، كما أنه لا بدَّ مِنْ أمر يُثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافياً؛ كان مخبِراً عمَّا هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا، وهذا؟! سبق أنه يلزمُ مَنْ جعلَ العمدةَ في مطلق الإثبات؛ الاعتماد على مجردِ نفي التشبيه أن يُجَوِّز وصفَ الله تعالى بما لا يحصى من الأعضاء، والأفعال، والنقائص مع نفي التشبيه. وأنه يقال لمن أثبت لله تعالى الصفات الخبرية، ونفى عن الله تعالى صفات النقص: ما الفرق عندك بين ما نفيته، وما أثبته ما دام أن القاعدة عندك نفي التشبيه؟ وسبق أنه يجعلُ الفرقَ بين ما يثبت، وما ينفى؛ السمع، فما جاء في السمع إثباته أثبتَه، وما جاء في السمع نفيه نفاه؛ وتبيَّن فساد هذا

стр. 523

المسلك؛ إذ لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فعدم الدليل المعين على نفي نقص من النقائص؛ ليس دليلاً على عدمها، فيلزم على هذا المسلك أن تكون هذه النقيصة ممَّا يجوز وجودها؛ لعدم الدليل المعين على نفيها باسمها، كما لم يدل دليل على إثباتها؛ فتكون ممَّا يجوز عقلاً. ويبيِّن الشيخ هنا أنه لا بدَّ من فرق في نفس الأمر بين ما يثبت لله تعالى من صفات الكمال، وما ينفى عنه من صفات النقص؛ فإن الأمور المتماثلة في الجواز، والوجوب، والامتناع؛ يمتنع التفريق بينها في الجواز، والوجوب، والامتناع. فالأمور المتماثلة يمتنع التفريق بينها، فما كانت متماثلة في الجواز؛ يمتنع التفريق بينها في الجواز، وما كانت متماثلة في الوجوب؛ يمتنع التفريق بينها في الوجوب، وما كانت متماثلة في الامتناع؛ يمتنع التفريق بينها في الامتناع. فإذا جاء الشرع بإثبات شيء، ونفي شيء؛ يمتنع أن يقال بالتسوية بينهما في الجواز؛ بل لا بدَّ أن يكون هناك فرقٌ في نفس الأمر بين ما جاء الشرع بإثباته، وما جاء الشرع بنفيه، فالشرع قائم على الحِكمة، ويمتنع في الحكمة التفريق بين المتماثلات، أو التسوية بين المختلفات، كما في الأوامر، والنواهي.

стр. 524

فلا يقال مثلاً: إنه لا فرق بين إثبات العَدْل لله تعالى، ونفي الظلم عنه، إلا أنه ورد إثبات هذا بالسمع، ونفي ذاك؛ بل الحق أن بينهما فرقاً في نفس الأمر، فالعدلُ كمالٌ، والظلمُ نقصٌ. فلا بدَّ أن يكون في المنفي عن الله تعالى ما يقتضي نفيه عقلاً عن الله تعالى، ولا بدَّ أن يكون فيما يثبت لله تعالى ما يقتضي إثباته، ويخصه بالثبوت. * * *

стр. 525

تنوع طرق نفي النقائص عن الله فيقال: كلُّ ما نافى صفات الكمال الثابتة لله؛ فهو منزَّهٌ عنه، فإن ثبوت أحد الضدين؛ يستلزم نفي الآخَر، فإذا عُلم أنه موجودٌ، واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القِدم؛ عُلم امتناع العدم والحدوث عليه، وعُلم أنه غني عمَّا سواه. فالمفتقرُ إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه؛ نفسُه ليس هو موجوداً بنفسه؛ بل بنفسه، وبذلك الآخَر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه، فلا يوجد إلا به. وهو غنيٌّ عن كلِّ ما سواه، فكلُّ ما نافى غناه؛ فهو منزَّهٌ عنه، وهو قديرٌ، قويٌّ، فكلُّ ما نافى قدرته وقوته؛ فهو منزَّهٌ عنه، وهو سبحانه حيٌّ، قيومٌ، فكلُّ ما نافى حياته وقيوميته؛ فهو منزَّهٌ عنه. وبالجملة؛ فالسمعُ قد أثبت له مِنَ الأسماء الحسنى، وصفات الكمال ما قد ورد، فكلُّ ما ضاد ذلك؛ فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه: المثل، والكفؤ، فإن إثباتَ الشيء نفيٌ لضده، ولما يستلزم ضده. والعقلُ يَعرفُ نفي ذلك، كما يعرفُ إثباتَ ضدِه، فإثباتُ أحدِ الضدينِ نفيٌ للآخَر، ولما يستلزمه.

стр. 526

بعد أنْ بيَّن الشيخ أنه لا بدَّ مِنْ فارق في نفس الأمر بين ما يثبت لله تعالى، وما ينفى عنه؛ وهو: أن كلَّ ما ثبت لله تعالى؛ فهو كمال، وكلَّ ما نفي عنه؛ فهو نقص، وهذا الأمر معلوم بالعقل الصريح، ذَكَر هنا الدليل السمعي على نفي ما ينفى عن الله تعالى. وكأن سائلاً سأل: هل ورد الشرع بنفي هذه النقائص؟ والجواب: نعم؛ إلا أن بعضها ورد نفيه باسمه الخاص؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوب (٣٨)﴾ [ق]، ونظائر ذلك. ومنها ما ورد نفيه بإثبات ضده، فكل ما ورد السمع بإثباته لله تعالى من صفات الكمال؛ فإنه مستلزم لنفي ضده من صفات النقص، فإثبات أحد الضدين؛ مستلزم لنفي ضده، وما يستلزم ضده. فكلُّ ما نافى صفات كماله؛ فإنه منفي عنه، فوصفه بالعلم؛ مستلزم لنفي الجهل، ووصفه بالقدرة؛ مستلزم لنفي العجز، ووصفه بالغنى؛ مستلزم لنفي الفقر عنه، ونفي ما يستلزم الافتقار والحاجة إلى ما سواه بوجه من الوجوه، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكلُّ ما نافى غناه المطلق؛ فهو منزَّهٌ عنه . ومعلومٌ أنه تعالى موجودٌ، واجبُ الوجود بنفسه، أزليٌ، فكلُّ ما نافى كمال وجوده ووجوبه؛ فإنه منزَّهٌ عنه، فوجوبُ وجوده؛ مستلزمٌ نفي العدم، والحدوث، وامتناع ذلك عليه، وهكذا ما نافى قدرته،

стр. 527

وقوته مِنْ العجز، والضعف؛ فإنه منزَّهٌ عنه، وما نافى حياته، وقيوميته مِنَ النَّوم، والسِّنة؛ فإنه منزَّهٌ عنه. فالسمعُ جاء بإثبات جملة من أسماء الله الحسنى وصفات الكمال، وكلُّ ما ضاد ذلك؛ فالسمع ينفيه؛ لأن ضد ذلك النقص، كما ينفي السمعُ كلَّ ما فيه مماثلة صفاته لصفات خلقه. ومن المقرر عقلاً: أن إثباتَ الشيء نفيٌ لضده، ولما يستلزم ضده، ونفيُ الشيء؛ إثباتٌ لضده (١). * * *

стр. 528

فطرقُ العلمِ بنفي ما ينزَّه الرب عنه متسعةٌ، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم، كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا في ذلك، وفرَّقوا بين المتماثلينِ، حتى إن كل من أثبت شيئاً احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه. وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي، فقالوا: «لا يقال: موجود، ولا ليس بموجود، ولا حي، ولا ليس بحي، لأن ذلك تشبيه بالموجود، أو المعدوم»؛ فلزمهم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعاً. ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات، والممتنعات، والجمادات؛ أعظم ممَّا فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملينَ. فطرق تنزيهه وتقديسه عمَّا هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا. يبين الشيخ فساد طريقة مَنْ اعتمد في نفي ما يتنزه الله تعالى عنه على مجرد نفي التشبيه والتجسيم، حيث آلت بهم هذه الطريقة إلى التناقض في التفريق بين المتماثلات كما سبق. ومن أدلة فساد هذه الطريقة أن كلَّ من أثبت شيئاً؛ احتج عليه من نفاه بنفس الحجة؛ وهي: أن إثباته يستلزم التشبيه، والتجسيم.

стр. 529

وآل سلوك هذه الطريقة بالقرامطة إلى أن نفوا جميع الصفات؛ بل نفوا حتى النفي فقالوا: «لا يقال: الله موجود، ولا ليس بموجود، ولا حي، ولا ليس بحي؛ لأن الإثبات تشبيه بالموجود، والنفي تشبيه بالمعدوم»؛ فلزمهم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعاً. وهؤلاء فروا مِنْ تشبيه الله تعالى بالأحياء الكاملينَ؛ فلزمهم تشبيهه بالمعدومات، والممتنعات، والجمادات. * * *

стр. 530

وقد تقدم أن ما يُنفى عنه يُنفى لتضمن النفي الإثبات، إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال (١)، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجود، وليس هذا مدحاً له؛ لأن مشابهةَ الناقصِ في صفاتِ النقصِ؛ نقصٌ مطلقٌ، كما أن مماثلةَ المخلوقِ في شيءٍ من الصفاتِ؛ تمثيلٌ وتشبيهٌ، يُنزه عنه الرب ﵎. والنقصُ ضدُّ الكمال، وذلك مثل أنه قد عُلم أنه حيٌّ، والموت ضد ذلك؛ فهو مُنزَّهٌ عنه، وكذلك النَّوم والسِّنة ضد كمال الحياة؛ فإن النومَ أخو الموت، وكذلك اللُّغُوب نقصٌ في القدرة والقوةِ، والأكلُ والشرب ونحو ذلك من الأمور؛ فيه افتقار إلى موجود غيره. كما أن الاستعانة بالغير، والاعتضاد به، ونحو ذلك؛ يتضمن الافتقار إليه، والاحتياج إليه، وكلُّ مَنْ يحتاج إلى مَنْ يحملُه أو يعينُه على قيام ذاته أو أفعاله؛ فهو مفتقر إليه ليس مستغنياً بنفسه، فكيف مَنْ يأكل ويشرب؟! والآكلُ والشارب أجوفُ، والمُصْمَتُ الصمدُ أكملُ مِنْ الآكلِ الشارب، ولهذا كانت الملائكةُ صمداً لا تأكل ولا تشرب. وقد تقدم أن كلَّ كمال ثبت لمخلوق؛ فالخالق أَوْلى به، وكلَّ نقص تنزه عنه مخلوق؛ فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك (٢).
следующие страницы →