← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بعد أنْ بيَّن الشيخ أنه لا بدَّ مِنْ فارق في نفس الأمر بين ما يثبت لله تعالى، وما ينفى عنه؛ وهو: أن كلَّ ما ثبت لله تعالى؛ فهو كمال، وكلَّ ما نفي عنه؛ فهو نقص، وهذا الأمر معلوم بالعقل الصريح، ذَكَر هنا الدليل السمعي على نفي ما ينفى عن الله تعالى. وكأن سائلاً سأل: هل ورد الشرع بنفي هذه النقائص؟ والجواب: نعم؛ إلا أن بعضها ورد نفيه باسمه الخاص؛ كقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوب (٣٨)﴾ [ق]، ونظائر ذلك. ومنها ما ورد نفيه بإثبات ضده، فكل ما ورد السمع بإثباته لله تعالى من صفات الكمال؛ فإنه مستلزم لنفي ضده من صفات النقص، فإثبات أحد الضدين؛ مستلزم لنفي ضده، وما يستلزم ضده. فكلُّ ما نافى صفات كماله؛ فإنه منفي عنه، فوصفه بالعلم؛ مستلزم لنفي الجهل، ووصفه بالقدرة؛ مستلزم لنفي العجز، ووصفه بالغنى؛ مستلزم لنفي الفقر عنه، ونفي ما يستلزم الافتقار والحاجة إلى ما سواه بوجه من الوجوه، فهو الغني بذاته عن كل ما سواه، وكلُّ ما نافى غناه المطلق؛ فهو منزَّهٌ عنه . ومعلومٌ أنه تعالى موجودٌ، واجبُ الوجود بنفسه، أزليٌ، فكلُّ ما نافى كمال وجوده ووجوبه؛ فإنه منزَّهٌ عنه، فوجوبُ وجوده؛ مستلزمٌ نفي العدم، والحدوث، وامتناع ذلك عليه، وهكذا ما نافى قدرته،

стр. 527

وقوته مِنْ العجز، والضعف؛ فإنه منزَّهٌ عنه، وما نافى حياته، وقيوميته مِنَ النَّوم، والسِّنة؛ فإنه منزَّهٌ عنه. فالسمعُ جاء بإثبات جملة من أسماء الله الحسنى وصفات الكمال، وكلُّ ما ضاد ذلك؛ فالسمع ينفيه؛ لأن ضد ذلك النقص، كما ينفي السمعُ كلَّ ما فيه مماثلة صفاته لصفات خلقه. ومن المقرر عقلاً: أن إثباتَ الشيء نفيٌ لضده، ولما يستلزم ضده، ونفيُ الشيء؛ إثباتٌ لضده (١). * * *

стр. 528

فطرقُ العلمِ بنفي ما ينزَّه الرب عنه متسعةٌ، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم، كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا في ذلك، وفرَّقوا بين المتماثلينِ، حتى إن كل من أثبت شيئاً احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه. وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي، فقالوا: «لا يقال: موجود، ولا ليس بموجود، ولا حي، ولا ليس بحي، لأن ذلك تشبيه بالموجود، أو المعدوم»؛ فلزمهم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعاً. ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات، والممتنعات، والجمادات؛ أعظم ممَّا فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملينَ. فطرق تنزيهه وتقديسه عمَّا هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا. يبين الشيخ فساد طريقة مَنْ اعتمد في نفي ما يتنزه الله تعالى عنه على مجرد نفي التشبيه والتجسيم، حيث آلت بهم هذه الطريقة إلى التناقض في التفريق بين المتماثلات كما سبق. ومن أدلة فساد هذه الطريقة أن كلَّ من أثبت شيئاً؛ احتج عليه من نفاه بنفس الحجة؛ وهي: أن إثباته يستلزم التشبيه، والتجسيم.

стр. 529

وآل سلوك هذه الطريقة بالقرامطة إلى أن نفوا جميع الصفات؛ بل نفوا حتى النفي فقالوا: «لا يقال: الله موجود، ولا ليس بموجود، ولا حي، ولا ليس بحي؛ لأن الإثبات تشبيه بالموجود، والنفي تشبيه بالمعدوم»؛ فلزمهم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعاً. وهؤلاء فروا مِنْ تشبيه الله تعالى بالأحياء الكاملينَ؛ فلزمهم تشبيهه بالمعدومات، والممتنعات، والجمادات. * * *

стр. 530

وقد تقدم أن ما يُنفى عنه يُنفى لتضمن النفي الإثبات، إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال (١)، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجود، وليس هذا مدحاً له؛ لأن مشابهةَ الناقصِ في صفاتِ النقصِ؛ نقصٌ مطلقٌ، كما أن مماثلةَ المخلوقِ في شيءٍ من الصفاتِ؛ تمثيلٌ وتشبيهٌ، يُنزه عنه الرب ﵎. والنقصُ ضدُّ الكمال، وذلك مثل أنه قد عُلم أنه حيٌّ، والموت ضد ذلك؛ فهو مُنزَّهٌ عنه، وكذلك النَّوم والسِّنة ضد كمال الحياة؛ فإن النومَ أخو الموت، وكذلك اللُّغُوب نقصٌ في القدرة والقوةِ، والأكلُ والشرب ونحو ذلك من الأمور؛ فيه افتقار إلى موجود غيره. كما أن الاستعانة بالغير، والاعتضاد به، ونحو ذلك؛ يتضمن الافتقار إليه، والاحتياج إليه، وكلُّ مَنْ يحتاج إلى مَنْ يحملُه أو يعينُه على قيام ذاته أو أفعاله؛ فهو مفتقر إليه ليس مستغنياً بنفسه، فكيف مَنْ يأكل ويشرب؟! والآكلُ والشارب أجوفُ، والمُصْمَتُ الصمدُ أكملُ مِنْ الآكلِ الشارب، ولهذا كانت الملائكةُ صمداً لا تأكل ولا تشرب. وقد تقدم أن كلَّ كمال ثبت لمخلوق؛ فالخالق أَوْلى به، وكلَّ نقص تنزه عنه مخلوق؛ فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك (٢).

стр. 531

والسمعُ قد نفى ذلك في غير موضع؛ كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾ [الإخلاص]، والصمد: الذي لا جوف له، ولا يأكل، ولا يشرب. وهذه السورة هي نَسب الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب. وقال في حق المسيح وأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]؛ فجعل ذلك دليلاً على نفي الألوهية؛ فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأَوْلَى والأَحْرَى. والكبد والطِّحال ونحو ذلك، هي أعضاء الأكل والشرب، فالغنيُّ المنزَّه عن ذلك منزهٌ عن آلات ذلك، بخلاف اليد؛ فإنها للعمل والفعل، وهو موصوفٌ بالعمل والفعل؛ إذ ذلك من صفات الكمال، فمَن يقدر أن يفعل؛ أكملُ ممَّن لا يقدر على الفعل. هذا كله في بيان دلالة النصوص على تنزيه الله تعالى عن النقائص وملزوماتها، فإثبات صفات الكمال؛ يستلزم نفي النقائص، ونفيُ النقائص؛ مستلزمٌ لإثبات صفات الكمال. فالسمع جاء بإثبات جملةٍ من أسماء الله الحسنى، وصفات الكمالِ، وكلُّ ما يضاد ذلك؛ فالسمع ينفيه؛ لأن ضدَّ ذلك النقصُ.

стр. 532

كما ينفي السمعُ كلَّ ما فيه مماثلته تعالى لخلقه، ومن المقرر عقلاً: أن إثباتَ الشيءِ نفيٌ لضده، ولما يستلزم ضده، ونفيُ الشيءِ إثباتٌ لضده. فمجرد النفي لا كمال فيه ولا مدح، فإن المعدومَ يوصف بالنفيِ، والمعدومُ لا يشبه الموجود، ونفيُ الصفات عن المعدوم لا مدح فيه، فالنفيُ المجردُ لا مدح فيه؛ لأن فيه تشبيهاً بالناقصات، ومشابهةُ الناقصِ في صفات النقص؛ نقصٌ، كما أن مماثلةَ المخلوقِ في شيء مِنْ الصفاتِ؛ تمثيلٌ وتشبيهٌ يتنزه عنه الرب ﵎. فنفيُ النقصِ عن الله تعالى مستلزمٌ لإثباتِ كمالِ ضده، فهو منزهٌ عن كلِّ ما ينافي كماله، فإذا كان موصوفاً بالحياة؛ فهو منزه عمَّا يضادها من الموت، أو يضاد كمالها من النوم والسِّنة. ونفي اللُّغُوب وما يستلزمه، يستلزم إثبات كمال القدرة والقوة، وهو منزه عن الأكل والشرب، ونحو ذلك ممَّا فيه افتقار إلى الغير، واحتياج إليه في إعانته على قيام ذاته وأفعاله، فكلُّ ذلك منفيٌ عن الله تعالى؛ لمنافاته كمال غناه. كما يُنفى الأكل والشرب عن الله تعالى لمعنى آخرَ أيضاً؛ وهو استلزامه للجوف، فالآكلُ والشاربُ أجوفُ، واللهُ تعالى صمدٌ، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾، ومما فُسِّر به الصمد: (أنه الذي لا جوف له، ولا يأكل، ولا يشرب) (١).

стр. 533

كما أشار الشيخ إلى دليل ثالث لمنع الأكل والشرب عن الله تعالى؛ وهو: أنه لما كانت الملائكة صمداً، مستغنية عن الأكل والشرب، وهذا كمال في حقها لا نقص فيه؛ فمِن باب قياس الأولى: أن يكون الله تعالى أَوْلَى بهذا الكمال؛ فهو أولى بأن يكون مستغنياً عن الأكل والشرب، غير مفتقرٍ ولا محتاجٍ إليه. فكلُّ كمال ثبت للمخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه؛ فالخالقُ أولى به. ومن أدلة نفي الأكل عن الله تعالى، أنه تعالى جعله دليلاً على نفي الألوهية في رده على النصارى، الذين اتخذوا المسيح وأُمه إلهينِ، فقال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾. ووجه ذلك: أن الأكلَ يستلزمُ الافتقارَ، والافتقارُ نقصٌ ينافي الإلهية، فلو كان الله تعالى يأكل ويشرب؛ لما كان في هذا دليل على بطلان إلهية المسيح وأمه، وإذا كان اللهُ تعالى منزهاً عن الأكل والشرب؛ فهو منزه عن آلاته وأعضائه؛ كالكبد، والطحال، ونحو ذلك، فثبت تنزهه سبحانه عن الأكل والشرب: سمعاً، وعقلاً. ثم يقرر الشيخ أن هذا بخلاف صفة اليد لله؛ فإنها للعمل والفعل، فهي ممَّا يكون به العمل والفعل، والله تعالى موصوف بذلك؛ إذ ذلك من صفات الكمال، فمَن يقدر أن يفعل؛ أكمل ممن لا يقدر أن

стр. 534

يفعل، هذا من ناحية النظر العقلي، والسمع ورد - أيضاً - بإثبات اليدين وإثبات الفعل. لكن لو فرض أن الخبر جاء بإثبات الفعل، ولم يأتِ بإثبات صفة اليد؛ لم يكن لنا أن نثبتها؛ لأنها من قبيل الجائز. * * *

стр. 535

وهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد، وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحُزْن؛ هو مستلزم للضعف والعجز، الذي ينزه الله عنه، بخلاف الفرح والغضب؛ فإنه من صفات الكمال، فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البَكَم؛ فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء، ونحو ذلك. ثبت بالنص تنزيه الله تعالى عن الصاحبة والولد، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ [الجن]، وقال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (١٠١)﴾ [الأنعام]. وكما أنه منزه عن الصاحبة والولد؛ فهو منزه عن لوازم ذلك، وما يتعلق به من الآلات، والأسباب. وكذلك ينزه الله تعالى عن البكاء والحزن؛ لاستلزام ذلك للضعف والعجز، وذلك صفةُ نقصٍ مناقضٌ لكمالِ قوةِ الله تعالى وقدرته، واللهُ تعالى موصوفٌ بصفات الكمال، منزهٌ عن صفات النقص وما يستلزم النقص، فيوصف بالفرح والغضب دون الحزن، وبالضحك دون البكاء،

стр. 536

وبالقوة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم. * * *

стр. 537

الدليل العقلي على نفي المثل عن الله وأيضاً؛ فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع مِنْ أنه لا كفء له، ولا سمي له، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون حقيقته؛ كحقيقة شيء من المخلوقات، ولا حقيقة شيء من صفاته؛ كحقيقة شيء من صفات المخلوقات. فيُعلم قطعاً: أنه ليس مِنْ جنس المخلوقات؛ لا الملائكة، ولا السموات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الماء، ولا الأرض، ولا الآدميين، ولا أبدانهم، ولا أنفسهم، ولا غير ذلك؛ بل يُعلم: أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات؛ أبعدُ من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها؛ أبعدُ من مماثلة حقيقةِ شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر. فإن الحقيقتين إذا تماثلتا؛ جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما وجب لها، وامتنع عليها ما امتنع عليها؛ فيلزم أن يجوز على الخالق، القديم، الواجب بنفسه؛ ما يجوز على المحدَث، المخلوق من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذاك من الوجوب والغنى، فيكون الشيء الواحد واجباً بنفسه، غير واجب بنفسه، موجوداً معدوماً، وذلك جمع بين النقيضين.

стр. 538

وهذا ممَّا يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: «بصر كبصري، ويد كيدي»، ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. بعد أن ذكر الشيخ دلالة السمع على تنزيه الله تعالى عن النقص بطرق متعددة؛ بيَّن مطابقةَ السمع للعقل في دلالته على نفي المثيل، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ [الإخلاص]، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم]، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وذلك بذكر الدليل العقلي على نفي المثيل، وهو أنه يعلم قطعاً: أن الله تعالى ليس من جنس شيء من مخلوقاته؛ لا الملائكة، ولا السموات، ولا الكواكب، ولا الهواء، ولا الماء، ولا الأرض، ولا الآدميين، ولا غير ذلك؛ بل يعلم قطعاً: أن حقيقة اللهِ تعالى؛ أبعدُ عن مماثلة شيء من الموجودات من سائر الحقائق، وأن مماثلة الله تعالى لشيء من الحقائق؛ أبعدُ من مماثلة حقيقة أي شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق آخر. وهذا يشبه ما سبق في «المثال الأول» مِنْ: أن مباينةَ الله تعالى لخلقه؛ أعظمُ من مباينة أيِّ مخلوق لمخلوق آخر (١).

стр. 539

ومثل ما سبق في «القاعدة الخامسة» مِنْ: «أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحداً به، أو حالاً فيه من الخالق مع المخلوق» (١). فاللهُ تعالى لا يَشركه مخلوق في شيء من خصائصه، ممَّا يجب، أو يجوز، أو يمتنع عليه ، كما أن الله تعالى لا يَشرك المخلوق في شيء من خصائصه. والشيخ أشار في مطلع «القاعدة السادسة» إلى الدليل العقلي على إبطال التمثيل عند قوله: (وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل، الذي فسَّرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له) (٢). وهنا يوضح الشيخ هذا الدليل بأنه لو قيل بتماثلِ حقيقةِ الخالقِ وحقيقةِ المخلوقِ؛ لجاز على كلٍّ منهما ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما يجب لها، وامتنع عليها ما امتنع عليها. فيلزم على تقدير وجود المثل؛ أن يكون اللهُ تعالى الموصوفُ بوجوب الوجودِ والقِدم والغنى؛ مثلَ المخلوقِ الموصوفِ بالحدوث، والحاجة، وجواز العدم، وأن تكون صفاتُ الله تعالى صفاتٍ للمخلوق، وصفاتُ المخلوقِ صفاتٌ لله تعالى.

стр. 540

فيكون الشيءُ الواحدُ - سواء كان الخالق أو المخلوق - موصوفاً بالوجوب والعدم، والحدوث والقِدم، والغنى والحاجة، وهذا يلزم منه الجمع بين النقيضين، وهذا مما يعلم بالعقل امتناعه. فثبت امتناع المِثْل لله تعالى. قال الشيخ: (وهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة) والمشبه؛ هو: الذي يقول: (لله تعالى بصرٌ كبصري، ويد كيدي)، ونحو ذلك، وهذا باطلٌ، فبصرُ الله تعالى أزَليٌّ، ولا يحده شيء، بخلافِ بصرِ المخلوقِ الحادثِ، المحدودِ، الناقصِ، المعرضِ للآفات. وسمعُ الخالق واسعٌ لجميع الأصوات، وهو أزَليٌّ لم يحدث له، أما سمع المخلوق؛ فهو محدود، وحادث. فإن أراد بكون بصرِ الله تعالى وسمعه؛ كبصر المخلوق وسمعه؛ فقد جعل الأزليَّ كالمحدَث، وهذا جمع بين النقيضين، وهكذا إذا زعم أن سمعَ الله تعالى وبصره محدودٌ كالمخلوق؛ فقد أعظمَ على الله تعالى الفرية، وتنقصه. * * *

стр. 541

وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له، وما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك، لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع. وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه، وما سكت عنه السمع نفياً وإثباتاً، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه؛ سكتنا عنه؛ فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عمَّا لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله أعلم. يقول الشيخ: ليس المقصود هنا استيفاء وبيان كل ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات على وجه التفصيل؛ فإن هذا يعلم بتدبر الكتاب، والسنة. وليس المقصود كذلك استيفاء طرق كل ما ينزه الرب تعالى عنه، وإنما المقصود: ذكر مجامع الطرق، ومجامع الأدلة المفيدة لما يجب لله تعالى، ويجوز عليه، ويمتنع عليه. ونتيجة ما تقدم: أن ما قام الدليل على إثباته؛ أثبتناه، وما دل الدليل على نفيه؛ نفيناه، وما لم يقم الدليل على إثباته ولا على نفيه؛ فإنا نمسك عنه، فلا نثبته ولا ننفيه؛ إلا إذا دل العقل على إثباته؛ فنثبته، أو دل على نفيه؛ فننفيه، فالعقل دليل في الجملة على سبيل الإجمال.

стр. 542

وجَعْلُ العقل دليلاً هنا على ما لم يدل الدليل السمعي عليه؛ افتراضٌ نظري، وإلا فليس هناك شيء يُنفى عن الله تعالى لم يدل على نفيه الدليل السمعي: نصاً، أو لزوماً. فالعقلُ يدل على أن الله تعالى موصوفٌ بكل كمال، ومنزه عن كل نقص، ولكن مع ذلك؛ فإنا لا نجد معنى منفياً عن الله تعالى لم يعلم نفيه إلا بالعقل، غاية الأمر أن تتطابق دلالة العقل مع دلالة السمع، أو تكون الدلالة للسمع فقط، كما سبق معنا في الإثبات أن من الصفات ما هو سمعي فقط، ومنها ما هو سمعي وعقلي (١). فالحياةُ، والعلم، والقدرة، والكلام، والسمع، والبصر، والرحمة، والعلو، ونحو ذلك؛ معلومةٌ بالسمع والعقل. وأما الاستواء، واليدان، والوجه، والضحك، والفرح، ونحو ذلك؛ فإنما علمت بالسمع فقط. وأما ما لم يقم دليل عقلي ولا سمعي على إثباته ولا على نفيه؛ فإنا نسكت عنه؛ فلا نثبته، ولا ننفيه. مثال ذلك: «الأُذُن»، فليس في السمع، ولا في العقل ما يثبتها، أو ينفيها عن الله تعالى. * * *

стр. 543

الأدلة الشرعية على أصول الإيمان نوعان: خبرية، وعقلية القاعدة السابعة أن يقال: إن كثيراً مما دل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضاً، والقرآن يبيِّن ما يستدِل به العقل، ويرشد إليه، وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع؛ فإنه بيَّن من الآيات الدالة عليه، وعلى وحدانيته، وقدرته، وعلمه، وغير ذلك؛ ما أرشد العباد إليه ودَلَّهم عليه، كما بيَّن - أيضاً - ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه. فهذه المطالب؛ هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع أخبر بها، ومن جهة أنه بيَّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها - والأمثال المضروبة في القرآن؛ هي: أقيسة عقلية، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع -. وهي أيضاً: عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضاً.

стр. 544

(القاعدة السابعة) ليست موجودة في كثير من نسخ «التدمرية» الخطية، ولعلها من زيادات المؤلف ﵀، ومضمونها يوجد بعضه في «القاعدة الأولى» (١)، و «الأصل الأول» (٢). والشيء الزائد فيها: الكلام في كون أدلة الشرع سمعية أو عقلية، والواقع أن أدلة السمع منها ما هو سمعي محض، ومنها ما هو سمعي عقلي، فهي سمعية؛ لأن الشرع جاء بها، وهي عقلية؛ لأنها اشتملت على الدليل العقلي، وأرشدت إليه (٣) .. فمثلاً قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٧)﴾ [التغابن]؛ فهذا دليل سمعي على البعث. وأما قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور (٧)﴾ [الحج]؛ فهذا دليل سمعي، وهو مشتمل على دليلين عقليين على البعث: أحدهما: خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة، وما بعدها من الأطوار. والثاني: إحياء الأرض بعد موتها. وعلى هذا؛ فما أخبرت به الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ منه ما تشهد به العقول والفِطر السليمة، ومنه ما لا تحيله العقول؛ بل تُجَوِّزه، ولهذا قيل: «إن الرسل لا يأتون بمُحالات

стр. 545

العقول؛ بل بمَحاراتها» (١). كما أشار الشيخ في هذه «القاعدة» إلى دلالة القرآن العقلية على الأصول الثلاثة: التوحيد، والنبوة، والمعاد، وبيَّن أن هذه الأصول شرعية من وجهين: الأول: أن الشارع أخبر بها. الثاني: أنه بيَّن الأدلة العقلية الدالة عليها. وأن هذه الأصول - أيضاً - عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل كذلك. وفنَّد ﵀ ما ذهب إليه كثير من أهل الكلام من أن هذه الأصول عقلية فقط؛ لظنهم أن طريق العلم بها هو العقل فقط، وزعموا أن النبوة، وصدق الرسول؛ لا يعلم إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل.

стр. 546

وكثير من أهل الكلام يسمي هذه «الأصول العقلية» لاعتقاده أنها لا تعلم إلا بالعقل فقط؛ فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق، وخبر الصادق - الذي هو النبي - لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل. ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها: فطائفة تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما [يوجبه] (١) العقل. وطائفة تزعم أن حدوثَ العالمِ مِنْ هذه الأصولِ، وأن العِلمَ بالصانعِ لا يمكن؛ إلا بإثبات حدوثِه، وإثباتُ حدوثه لا يمكن؛ إلا بحدوثِ الأجسامِ، وحدوثُها يُعلم؛ إما بحدوث الصفات، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، فيجعلون نفي أفعال الرب، ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها. فنَّد الشيخ ما ذهبت إليه المعتزلةُ مِنْ توقف إثبات النبوة على القول بالتحسين والتقبيح العقليين، وكذلك ردَّ ما ذهبت إليه الأشاعرة

стр. 547

ومَن وافقهم مِنْ توقفِ إثباتِ النبوة على إثباتِ الصانع، وتوقفِ إثباتِ الصانع على إثباتِ حدوثِ العالمِ، وتوقفِ إثباتِ حدوثِ العالم على إثباتِ حدوث الأجسام إلى آخره … وما ترتب على ذلك مِنْ نفي أفعال الله الاختيارية، ونفي صفاته. كما أشار الشيخ في هذه «القاعدة» إلى دلالة العقل على الصفات السبع وغيرها، كما تقدم تفصيله في «الأصل الأول» (١). * * *

стр. 548

ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم؛ لظنهم أن العقل عارض السمع - وهو أصله -؛ فيجب تقديمه عليه، والسمعُ؛ إما أن يؤوَّل، وإما أن يُفوَّض. وهم - أيضاً - عند التحقيق: لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وِفق قولهم، لما تقدم. وهؤلاء يضلون من وجوه، منها: * ظنهم أن السمع [دلَّ بطريق الخبر المجرد] (١)، وليس الأمر كذلك؛ بل القرآن بيَّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية. * ومنها: ظنهم أن الرسول لا يُعلم صدقه إلا بالطريق المعيَّنة التي سلكوها، وهم مخطئون قطعاً في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه؛ فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة، كما قد بسط في غير هذا الموضع. * ومنها: ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة، وقد تكون باطلة. * ومنها: ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك؛ فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وُجد

стр. 549

ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولات لا من المعقولات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن من صفات الله تعالى ما قد يعلم بالعقل، كما يعلم أنه عالم، وأنه قادر، وأنه حي، كما أرشد إلى ذلك قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]. بين الشيخ ﵀ وجوهاً من ضلال هؤلاء في مذهبهم واستدلالهم؛ وهي: ١ - أنهم لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم؛ بل ولا على ما يوافق قولهم؛ لظنهم أن العقل عارض السمع - وهو أصله -؛ فيجب تقديمه عليه، ويجب تأويل السمع، أو تفويضه. ٢ - ظنهم أن السمع قد دل على هذه الأصول - التوحيد، والنبوة، والمعاد - بطريق الخبر المجرد، وليس الأمر كذلك؛ بل القرآن بين من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية كما تقدم. ٣ - ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التي سلكوها، وهم مخطئون قطعاً في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه؛ فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة (١).

стр. 550

٤ - ظنهم أن تلك الطريق المذكورة التي سلكوها صحيحة، وهي باطلة. ٥ - ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، وهم غالطون في ذلك؛ فإن كل ما تُعارض به نصوص الكتاب والسنة؛ هو من المجهولات لا من المعقولات. * * *

стр. 551

وقد اتفق النُظَّار (١) من مثبتة الصفات على أنه يعلم بالعقل - عند المحققين - أنه: «حي»، «عليم»، «قدير»، «مريد»، وكذلك «السمع»، و «البصر»، و «الكلام» يُثبت بالعقل عند المحققين منهم؛ بل وكذلك «الحب»، و «الرضا»، و «الغضب»؛ يمكن إثباته بالعقل. وكذلك «عُلوه» على المخلوقات ومباينته لها ممَّا يعلم بالعقل، كما أثبتته بذلك الأئمة؛ مثل: أحمد بن حنبل وغيره، ومثل: عبد العزيز المكي (٢)، وعبد الله بن سعيد بن كُلَّاب (٣).

стр. 552

بل وكذلك إمكان «الرؤية» يثبت بالعقل، لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح رؤيته، ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه تمكن رؤيته، وهذه الطريق أصح من تلك. وقد يمكن إثبات الرؤية بغير هذين الطريقين، بتقسيمٍ دائرٍ بين النفي والإثبات، كما يقال: إن الرؤية لا تتوقف إلا على أمور وجودية، فإن ما لا يتوقف إلا على أمور وجودية؛ يكون الموجود الواجب القديم؛ أحق به من الممكن المحدَث، والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن من الطرق التي يسلكها الأئمة، ومَن اتبعهم من نُظَّار السنة في هذا الباب: أنه لو لم يكن موصوفاً بإحدى الصفتين المتقابلتين؛ للزم اتصافه بالأخرى، فلو لم يوصف بالحياة؛ لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالقدرة؛ لوصف بالعجز، ولو لم يوصف بالسمع، والبصر، والكلام؛ لوصف بالصمم، والخرس، والبَكَم. وطرد ذلك: أنه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم؛ لكان داخلاً فيه، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه؛ يستلزم ثبوت الأخرى، وتلك صفة نقصٍ ينزه عنها الكامل مِنْ المخلوقات؛ فتنزيه الخالق عنها؛ أَوْلى.

стр. 553

وهذه الطريق غير قولنا: «إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق؛ فالخالق أَولى»؛ فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها؛ مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها. وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور لبسوا به على الناس، حتى صار كثير من أهل الإثبات يظن صحته ويُضعف الإثبات به، مثل ما فعل من فعل ذلك من النظار حتى الآمدي (١)، وأمثاله، مع أنه أصل قول القرامطة الباطنية، وأمثالهم من الجهمية.

стр. 554

فقالوا: «القول بأنه لو لم يكن متصفاً بهذه الصفات؛ كالسمع، والبصر، والكلام، مع كونه حيّاً؛ لكان متصفاً بما يقابلها، فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلَيْن وبيان أقسامهما. فنقول: أما المتقابلان فما لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، وهو إما أن لا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين. فالأول؛ هما: المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهو تقابل التناقض، والتناقض؛ هو: «اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا في الكذب لذاتيهما» كقولنا: «زيد حيوان، زيد ليس بحيوان»، ومن خاصيته: استحالة اجتماع طرفيه في الصدق والكذب، وأنه لا واسطة بين الطرفين، ولا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر». (١) (٢) من جهة واحدة، ولا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، إذ كون الموجود واجباً بنفسه، وممكناً بنفسه لا يجتمعان ولا يرتفعان.

стр. 555

فإذا جعلتم هذا التقسيم، وهما: «النقيضان ما لا يجتمعان ولا يرتفعان»، فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وليس هما السلب والإيجاب؛ فلا يصح حصر النقيضين اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان في السلب والإيجاب. وحينئذٍ، فقد ثبت وصفان: شيئان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وهو خارج عن الأقسام الأربعة. وعلى هذا فمن جعل الموت معنى وجودياً؛ فقد يقول: إن كون الشيء لا يخلو من الحياة والموت؛ هو من هذا الباب، وكذلك العلم والجهل، والصمم، والبَكَم، ونحو ذلك. الوجه الثاني: أن يقال: هذا التقسيم يتداخل، فإن العَدَم والمَلَكة يدخل في السلب والإيجاب، وغايته أنه نوع منه، والمتضايفان يدخلان في المتضادين، وإنما هو نوع منه. فإن قال: «أعني بالسلب والإيجاب: ما لا يدخل فيه العدم والملكة؛ وهو: «أن يسلب عن الشيء ما ليس بقابل له»، ولهذا جعل من خواصه: أنه لا استحالة لأحد طرفيه إلى الآخر». قيل له: عن هذا جوابان: أحدهما: أن غاية هذا: أن السلب ينقسم إلى نوعين: أحدهما: سلب ما يمكن اتصاف الشيء به، والثاني: سلب ما لا يمكن اتصافه به.

стр. 556

ويقابل الأول: إثبات ما يمكن اتصافه ولا يجب، والثاني: إثبات ما يجب اتصافه به؛ فيكون المراد به: سلب الممتنع وإثبات الواجب؛ كقولنا: زيد حيوان؛ فإن هذا إثبات واجب، وزيد ليس بحجر؛ فإن هذا سلبُ ممتنعٍ. وعلى هذا التقدير؛ فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم؛ كقولنا: «المثلث إما موجود، وإما معدوم»؛ يكون من قسم العدم والملكة، وليس كذلك؛ فإن ذلك القسم يخلو فيه الموصوف الواحد عن المتقابلين جميعاً، ولا يخلو شيء من الممكنات عن الوجود والعدم. وأيضاً: فإنه على هذا التقدير، فصفات الرب كلها واجبة له، فإذا قيل: «إما أن يكون حياً، أو عليماً، أو سميعاً، أو بصيراً، أو متكلماً، أو لا يكون»؛ كان مثل قولنا: «إما أن يكون موجوداً، وإما أن لا يكون»، وهذا متقابل تقابل السلب والإيجاب؛ فيكون الآخَر مثله؛ وبهذا يحصل المقصود. فإن قيل: هذا لا يصح حتى يُعلم إمكان قبوله لهذه الصفات. قيل له: هذا إنما اشتُرِط فيما أمكن أن يثبت له ويزول؛ كالحيوان، فأما الرب تعالى؛ فإنه بتقدير ثبوتها له؛ فهي واجبة، ضرورة أنه لا يمكن اتصافه بها وبعَدَمِها باتفاق العقلاء، فإن ذلك يوجب أن يكون تارة حياً وتارة ميتاً، وتارة أصمَّ وتارة سميعاً، وهذا يوجب اتصافه بالنقائص؛ وذلك منتفٍ قطعاً.

стр. 557

بخلاف من نفاها، وقال: «إن نفيها ليس بنقص»؛ لظنه أنه لا يقبل الاتصاف بها، فإن من قال هذا لا يمكنه أن يقول: «إنه مع إمكان الاتصاف بها لا يكون نفيها نقصاً»؛ فإن فساد هذا معلوم بالضرورة. وقيل له - أيضاً -: أنت في تقابل السلب والإيجاب؛ إن اشترطت العلم بإمكان الطرفين؛ لم يصح أن تقول: «واجبُ الوجود؛ إما موجودٌ وإما معدومٌ، والممتنعُ الوجود؛ إما موجود وإما معدوم»؛ لأن أحد الطرفين هنا: معلوم الوجوب، والآخَر: معلوم الامتناع. وإن اشترطت العلم بإمكان أحدهما؛ صح أن تقول: «إما أن يكون حياً، وإما أن لا يكون، وإما أن يكون سميعاً بصيراً، وإما أن لا يكون»؛ لأن النفي إن كان ممكناً؛ صح التقسيم، وإن كان ممتنعاً؛ كان الإثبات واجباً، وحصل المقصود. فإن قيل: هذا يفيد أن هذا التأويل يقابل السلب والإيجاب، ونحن نسلم ذلك، كما ذكر في الاعتراض، لكن غايته أنه إما سميع وإما ليس بسميع، وإما بصير وإما ليس ببصير، والمنازع يختار النفي. فيقال له: على هذا التقدير فالمثبَت واجب، والمسلوب ممتنع، فإما أن تكون هذه الصفات واجبة له، وإما أن تكون ممتنعة عليه، والقول بالامتناع لا وجه له؛ إذ لا دليل عليه بوجه. بل قد يقال: نحن نعلم بالاضطرار بطلان الامتناع؛ فإنه لا يمكن أن يستدل على امتناع ذلك إلا بما يستدل به على إبطال أصل الصفات، وقد علم فساد ذلك، وحينئذٍ؛ فيجب القول بوجوب هذه الصفات له.

стр. 558

واعلم أن هذا يمكن أن يُجعل طريقة مستقلة في إثبات صفات الكمال له؛ فإنها إما واجبة له، وإما ممتنعة عليه، والثاني باطل؛ فتعيَّن الأول؛ لأن كونه قابلاً لها خالياً عنها؛ يقتضي أن يكون ممكناً، وذلك ممتنع في حقه، وهذه طريقة معروفة لمن سلكها من النظار. الجواب الثاني: أن يقال: فعلى هذا إذا قلنا: زيد إما عاقل وإما غير عاقل، وإما عالم وإما ليس بعالم، وإما حي وإما غير حي، وإما ناطق وإما غير ناطق، وأمثال ذلك ممَّا فيه سلب الصفة عن محل قابل لها؛ لم يكن هذا داخلاً في قسم تقابل السلب والإيجاب. ومعلوم أن هذا خلاف المعلوم بالضرورة، وخلاف اتفاق العقلاء، وخلاف ما ذكروه في المنطق، وغيره. ومعلوم أن مثل هذه القضايا تتناقض بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق إحداهما؛ كذب الأخرى، فلا يجتمعان في الصدق والكذب، فهذه شروط التناقض موجودة فيها. وغاية فرقهم أن يقولوا: إذا قلنا: هو إما بصير، وإما ليس ببصير، كان إيجاباً وسلباً، وإذا قلنا: إما بصير، وإما أعمى؛ كان مَلَكَة وعَدَماً. وهذا منازعة لفظية، وإلا فالمعنى في الموضعين سواء، فعلم أن ذلك نوع من تقابل السلب والإيجاب، وهذا يبطل قولهم في حد ذلك التقابل: «إنه لا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر»؛ فإن الاستحالة هنا ممكنة؛ كإمكانها إذا عبر بلفظ: «العمى». الوجه الثالث: أن يقال: التقسيم الحاصر؛ أن يقال: المتقابلان؛ إما أن يختلفا بالسلب والإيجاب، وإما أن لا يختلفا بذلك؛ بل

стр. 559

يكونان إيجابين أو سلبين، فالأول: هو النقيضان، والثاني: إما أن يمكن خلو المحل عنهما، وإما أن لا يمكن، والأول: هما الضدان؛ كالسواد والبياض، والثاني: هما في معنى النقيضين؛ وإن كانا ثبوتَين؛ كالوجوب، والإمكان، والحدوث والقِدم، والقيام بالنفس، والقيام بالغير، والمباينة، والمجانبة، ونحو ذلك. ومعلوم أن الحياة، والموت، والصمم، والبَكَم، والسمع؛ ليس ممَّا إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما؛ كالحمرة بين السواد والبياض؛ فعُلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما، فإذا انتفى؛ تعين الآخَر. الوجه الرابع: المحل الذي لا يقبل الاتصاف بالحياة، والعلم، والقدرة، والكلام، ونحوها؛ أنقص من المحل الذي يقبل ذلك ويخلو عنها، ولهذا كان الحجر ونحوه؛ أنقص من الحي الأعمى. وحينئذٍ؛ فإذا كان الباري مُنزها عن نفي هذه الصفات - مع قبوله لها -؛ فتنزيهه عن امتناع قبوله لها أَوْلى وأحرى، إذ بتقدير قبوله لها؛ يمتنع منع المتقابلين، واتصافه بالنقائص؛ ممتنع، فيجب اتصافه بصفات الكمال. وبتقدير عدم قبوله؛ لا يمكن اتصافه لا بصفات الكمال ولا بصفات النقص؛ وهذا أشد امتناعاً؛ فثبت أن اتصافه بذلك؛ ممكن، وأنه واجب له، وهو المطلوب، وهذا في غاية الحسن.

стр. 560

الوجه الخامس: أن يقال: أنتم جعلتم تقابل العَدم والمَلَكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي؛ وهو: أن يعلم ثبوت ذلك في الخارج؛ كان هذا باطلاً من وجهين: أحدهما: أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا توصف بأنها لا حيَّة ولا ميتة، ولا ناطقة ولا صامتة - وهو قولكم -؛ لكن هذا اصطلاح محض، وإلا فالعرب يصفون هذه الجمادات بالموت والصمت (١). وقد جاء القرآن بذلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُون (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون (٢١)﴾ [النحل]، فهذا في الأصنام؛ وهي من الجمادات؛ وقد وصفت بالموت. والعرب تقسم الأرض إلى الحيوان والموَتَان، قال أهل اللغة: «الموَتَان - بالتحريك -: خلاف الحيوان، يقال: اشْتَرِ الموَتَان ولا تَشْتَرِ الحيوان، أي: اشْتَرِ الأرضين والدُّور، ولا تشتر الرقيق والدواب». وقالوا - أيضاً -: «المَوَات: ما لا روح فيه» (٢). فإن قيل: فهذا إنما سمي مواتاً باعتبار قبوله للحياة، التي هي: إحياء الأرض. قيل: وهذا يقتضي أن الحياة أعمُّ من حياة الحيوان، وأن الجماد يوصف بالحياة إذا كان قابلاً للزرع والعمارة.

стр. 561

والخَرَس: ضد النطق، والعرب تقول: «لبن أخرس، أي خاثر لا صوت له في الإِناء، وسحابة خرساء، ليس فيها رعد ولا برق، وعَلَمٌ أخرسُ، إذا لم يُسمع له في الجبل صوت صدىً، ويقال: كتيبة خرساء، قال أبو عبيد: هي التي صمتت من كثرة الدروع ليس لها قعاقع» (١). وأبلغ من ذلك الصمت والسكوت، فإنه يوصف به القادر على النطق إذا تركه، بخلاف الخرس، فإنه عجز عن النطق، ومع هذا؛ فالعرب تقول: «ما له صامت ولا ناطق، فالصامت الذهب والفضة، والناطق الإبل والغنم، والصامت من اللبن: الخاثر، والصَمُوت: الدرع التي إذا صُبَّت لم يسمع لها صوت» (٢). ويقولون: «دابة عجماء، وخرساء، لما لا ينطق ولا يمكن منه النطق في العادة» (٣)، ومنه قول النبي ﷺ : «العَجماء جُبَارٌ» (٤). وكذلك في العمى، تقول العرب: «عَمَى الموجُ يَعْمِي عَمْياً إذا رمى القذى والزَبَدَ، والأعميان: السَّيل، والجمل الهائج، وعَمِيَ عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاء يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦]» (٥).

стр. 562

وهذه الأمثلة قد يقال في بعضها: إنه عدم ما يقبل المحل الاتصاف به كالصوت، ولكن فيها ما لا يقبل؛ كموت الأصنام. الثاني: أن الجامدات يمكن اتصافها بذلك، فإن الله سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة، كما جعل عصا موسى حية تبلع الحبال والعصي. وإذا في إمكان العادات؛ كان ذلك ممَّا قد علم بالتواتر، وأنتم - أيضاً - قائلون به في مواضع كثيرة. وإذا كان الجمادات يمكن اتصافها بالحياة وتوابع الحياة؛ ثبت أن جميع الموجودات يمكن اتصافها بذلك؛ فيكون الخالق أَوْلَى بهذا الإمكان. وإن عنيتم الإِمكان الذهني؛ وهو: عدم العلم بالامتناع؛ فهذا حاصل في حق الله، فإنه لا يعلم امتناع اتصافه بالسمع، والبصر، والكلام. الوجه السادس: أن يقال: هب أنه لا بدَّ من العلم بالإمكان الخارجي، فإمكان الوصف للشيء يُعلم تارة: بوجوده له، أو: بوجوده لنظيره، أو: بوجوده لما هو الشيء أَوْلَى بذلك منه. ومعلوم: أن الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام؛ ثابتة للموجودات المخلوقة، وممكنة لها؛ فإمكانها للخالق تعالى؛ أَوْلَى وأحرى، فإنها صفات كمال، وهو قابل للاتصاف بالصفات، وإذا كانت ممكنة في حقه؛ فلو لم يتصف بها لاتَّصَف بأضدادها.

стр. 563

الوجه السابع: أن يقال: مجرد سلب هذه الصفات؛ نقصٌ لذاته، سواء سميت عمى وصمماً وبَكماً، أو لم تسم، والعلم بذلك ضروري، فإنا إذا قدرنا موجودَين، أحدهما يسمع، ويبصر، ويتكلم، والآخَر ليس كذلك؛ كان الأول أكمل من الثاني. ولهذا عاب الله سبحانه مَنْ عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات، فقال تعالى عن إبراهيم الخليل: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم]، وقال أيضاً في قصته: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُون (٦٣)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى عنه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُون (٧٢) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّون (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُون (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُون (٧٥) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُون (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين (٧٧)﴾ [الشعراء]. وكذلك في قصة موسى في العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِين (١٤٨)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٧٦)﴾ [النحل]، فقابل بين الأبكم العاجز، وبين الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم. * * *

стр. 564

توحيد العبادة وتضمنه للشرع والقدر فصل وأما الأصل الثاني؛ وهو: التوحيد في العبادات، المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعاً، فنقول: إنه لا بدَّ من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان بأن الله خالقُ كلِّ شيء، وربُّه ومليكُه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد عَلِم ما سيكون قبل أن يكون، وقدَّر المقادير، وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٧٠)﴾ [الحج]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» (١). هذا هو (الأصل الثاني)، وسبق أن ذكر الشيخ «الأصل الأول»؛ وهو: «التوحيد في الصفات» (٢).

стр. 565

وقد عبَّر الشيخ عن (الأصل الثاني) بأنه التوحيد في العبادات المتضمن للإيمان بالشرع والقدر، وقد عبَّر الشيخ في «المقدمة» عن «الأصل الثاني» بالإيمان بالشرع والقدر، وأنه متضمن لتوحيد العبادة (١)، فكلٌّ منهما متضمن للآخر. وهنا سؤال؛ وهو: ما وجه تضمن التوحيد في العبادات للإيمان بالشرع والقدر؟ والجواب: أن مما يوضح هذا: ما هو مقرر من أن توحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية. أما تضمن هذا الأصل للإيمان بالشرع والقدر؛ فلأن إفراد الله بالعبادة؛ هو أصل الشرع ومداره، فعبادة الله تعالى وحده هي جِماع الشرع، لأن العبادة: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ مِنْ: الأقوال، والأعمال: الظاهرة، والباطنة». وأما تضمنه للإيمان بالقدر؛ فلأن إفراد الله تعالى بالعبادة؛ يتضمن إفراد الله تعالى بربوبيته، وملكه، وتدبيره، وعموم خلقه، كما يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد العبادة. وتوحيد الربوبية يتضمن الإيمان بالقدر؛ لأن من توحيد الربوبية: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، ويدخل في ذلك أفعال العباد. وهذه الجملة من كلام الشيخ تتضمن وجوب الإيمان بمراتب القدر الأربعة؛ وهي:
следующие страницы →