← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

والخَرَس: ضد النطق، والعرب تقول: «لبن أخرس، أي خاثر لا صوت له في الإِناء، وسحابة خرساء، ليس فيها رعد ولا برق، وعَلَمٌ أخرسُ، إذا لم يُسمع له في الجبل صوت صدىً، ويقال: كتيبة خرساء، قال أبو عبيد: هي التي صمتت من كثرة الدروع ليس لها قعاقع» (١). وأبلغ من ذلك الصمت والسكوت، فإنه يوصف به القادر على النطق إذا تركه، بخلاف الخرس، فإنه عجز عن النطق، ومع هذا؛ فالعرب تقول: «ما له صامت ولا ناطق، فالصامت الذهب والفضة، والناطق الإبل والغنم، والصامت من اللبن: الخاثر، والصَمُوت: الدرع التي إذا صُبَّت لم يسمع لها صوت» (٢). ويقولون: «دابة عجماء، وخرساء، لما لا ينطق ولا يمكن منه النطق في العادة» (٣)، ومنه قول النبي ﷺ : «العَجماء جُبَارٌ» (٤). وكذلك في العمى، تقول العرب: «عَمَى الموجُ يَعْمِي عَمْياً إذا رمى القذى والزَبَدَ، والأعميان: السَّيل، والجمل الهائج، وعَمِيَ عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاء يَوْمَئِذٍ﴾ [القصص: ٦٦]» (٥).

стр. 562

وهذه الأمثلة قد يقال في بعضها: إنه عدم ما يقبل المحل الاتصاف به كالصوت، ولكن فيها ما لا يقبل؛ كموت الأصنام. الثاني: أن الجامدات يمكن اتصافها بذلك، فإن الله سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة، كما جعل عصا موسى حية تبلع الحبال والعصي. وإذا في إمكان العادات؛ كان ذلك ممَّا قد علم بالتواتر، وأنتم - أيضاً - قائلون به في مواضع كثيرة. وإذا كان الجمادات يمكن اتصافها بالحياة وتوابع الحياة؛ ثبت أن جميع الموجودات يمكن اتصافها بذلك؛ فيكون الخالق أَوْلَى بهذا الإمكان. وإن عنيتم الإِمكان الذهني؛ وهو: عدم العلم بالامتناع؛ فهذا حاصل في حق الله، فإنه لا يعلم امتناع اتصافه بالسمع، والبصر، والكلام. الوجه السادس: أن يقال: هب أنه لا بدَّ من العلم بالإمكان الخارجي، فإمكان الوصف للشيء يُعلم تارة: بوجوده له، أو: بوجوده لنظيره، أو: بوجوده لما هو الشيء أَوْلَى بذلك منه. ومعلوم: أن الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام؛ ثابتة للموجودات المخلوقة، وممكنة لها؛ فإمكانها للخالق تعالى؛ أَوْلَى وأحرى، فإنها صفات كمال، وهو قابل للاتصاف بالصفات، وإذا كانت ممكنة في حقه؛ فلو لم يتصف بها لاتَّصَف بأضدادها.

стр. 563

الوجه السابع: أن يقال: مجرد سلب هذه الصفات؛ نقصٌ لذاته، سواء سميت عمى وصمماً وبَكماً، أو لم تسم، والعلم بذلك ضروري، فإنا إذا قدرنا موجودَين، أحدهما يسمع، ويبصر، ويتكلم، والآخَر ليس كذلك؛ كان الأول أكمل من الثاني. ولهذا عاب الله سبحانه مَنْ عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات، فقال تعالى عن إبراهيم الخليل: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم]، وقال أيضاً في قصته: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُون (٦٣)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى عنه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُون (٧٢) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّون (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُون (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُون (٧٥) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُون (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين (٧٧)﴾ [الشعراء]. وكذلك في قصة موسى في العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِين (١٤٨)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم (٧٦)﴾ [النحل]، فقابل بين الأبكم العاجز، وبين الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم. * * *

стр. 564

توحيد العبادة وتضمنه للشرع والقدر فصل وأما الأصل الثاني؛ وهو: التوحيد في العبادات، المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعاً، فنقول: إنه لا بدَّ من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان بأن الله خالقُ كلِّ شيء، وربُّه ومليكُه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد عَلِم ما سيكون قبل أن يكون، وقدَّر المقادير، وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير (٧٠)﴾ [الحج]، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» (١). هذا هو (الأصل الثاني)، وسبق أن ذكر الشيخ «الأصل الأول»؛ وهو: «التوحيد في الصفات» (٢).

стр. 565

وقد عبَّر الشيخ عن (الأصل الثاني) بأنه التوحيد في العبادات المتضمن للإيمان بالشرع والقدر، وقد عبَّر الشيخ في «المقدمة» عن «الأصل الثاني» بالإيمان بالشرع والقدر، وأنه متضمن لتوحيد العبادة (١)، فكلٌّ منهما متضمن للآخر. وهنا سؤال؛ وهو: ما وجه تضمن التوحيد في العبادات للإيمان بالشرع والقدر؟ والجواب: أن مما يوضح هذا: ما هو مقرر من أن توحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية. أما تضمن هذا الأصل للإيمان بالشرع والقدر؛ فلأن إفراد الله بالعبادة؛ هو أصل الشرع ومداره، فعبادة الله تعالى وحده هي جِماع الشرع، لأن العبادة: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ مِنْ: الأقوال، والأعمال: الظاهرة، والباطنة». وأما تضمنه للإيمان بالقدر؛ فلأن إفراد الله تعالى بالعبادة؛ يتضمن إفراد الله تعالى بربوبيته، وملكه، وتدبيره، وعموم خلقه، كما يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد العبادة. وتوحيد الربوبية يتضمن الإيمان بالقدر؛ لأن من توحيد الربوبية: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، ويدخل في ذلك أفعال العباد. وهذه الجملة من كلام الشيخ تتضمن وجوب الإيمان بمراتب القدر الأربعة؛ وهي:

стр. 566

١ - علم الله السابق؛ فإنه تعالى علم ما كان، وما سيكون، وعلم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم. ٢ - الكتابة؛ فقد كتب الله مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. ٣ - عموم مشيئته ؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون شيء إلا بمشيئة الله تعالى؛ من الخير، والشر. ٤ - عموم الخلق؛ أي: بأن الله تعالى خالق كل شيء، فهو سبحانه خالق العباد، وقدرتهم، وأفعالهم: الظاهرة، والباطنة. فلا يكون الإنسان مؤمناً بالقدر إلا بالإيمان بالمراتب الأربع كلها (١). والقدرية طائفتان: ١ - غلاة؛ وهم: الجبرية الذين يغلون في إثبات القدر. ٢ - نفاة؛ وهم: الذين ينفون القدر. والقدرية النفاة طائفتان: الأولى: غلاة؛ وهم: منكرو القدر بمراتبه الأربعة؛ فينكرون علم الله تعالى، وكتابته، ومشيئته، وخلقه. والثانية: المتوسطون المقتصدون؛ وهم: المعتزلة؛ فهؤلاء يثبتون مرتبة العلم، والكتابة، وينكرون مرتبة المشيئة، والخلق؛ فيخرجون أفعال العباد عن مشيئة الله تعالى، وخلقه.

стр. 567

وهذا المذهب - أي: مذهب المعتزلة - في القدر شاع بين كثير من الكتاب المعاصرين، فيجعلون العَلاقة بين الله تعالى وأفعال العباد؛ علمه بها، وكتابته لها، دون مشيئته، وقدرته؛ فلا تأثير لمشيئة الله تعالى، وخلقه في أفعال عباده عندهم. وسيذكر الشيخ فِرَق الضلال الخائضين في القدر في «الفصل التالي» (١). * * *

стр. 568

دين الرسل واحد، وهو الإسلام ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه. وعبادته تتضمن كمال الذُّل له، والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقد قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون (٤٥)﴾ [الزخرف]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون (٥٢)﴾ [المؤمنون]، فأمر الرسل بإقامة الدين، وأن لا يتفرقوا فيه، ولهذا قال النبي ﷺ في

стр. 569

الحديث الصحيح: «إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة لعَلاَّت، وأنا أولى الناس بابن مريم؛ لأنه ليس بيني وبينه نبي» (١). بعد أن ذكر الشيخ وجوب الإيمان بالقدر؛ ذكر هنا الإيمان بالشرع؛ وهو: أن الله تعالى أمر عباده بعبادته وحده لا شريك له؛ بفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه. وهذه هي الغاية من خلق الجن والإنس. وعبادة الله تعالى؛ تتضمن: كمال الذل لله تعالى، والحب له، وذلك يستلزم كمال طاعته. وهنا تعريفان للعبادة: أحدهما: أن العبادة: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ من: الأقوال، والأعمال: الظاهرة، والباطنة» (٢). الثاني: «كمال الحب، مع كمال الذل له سبحانه» (٣). فالأول: اسم لما يتعبد به. والثاني: اسم لحقيقة العبادة.

стр. 570

والصلاةُ ونحوها شعائرُ العبادة؛ لأنها يُتَعبَّد بها ويتذلل بها لله تعالى؛ فهي عبادة، ولهذا لا ينبغي أن تسمى: مظاهر العبادة؛ لأنها هي التي يحصل بها التذلل والتقرب إلى الله تعالى. والشعائر الشركية تذللٌ وتَعَبُّدٌ لغير الله، كالذبح - مثلاً -، فالذبحُ على وجه التعظيم والتقرب؛ عبادةٌ. فالشركُ: «عبادةُ غير الله مع الله»، أو: «اتخاذُ ندٍّ لله تعالى». قال ابن القيم: والشركُ فاحذره فشركٌ ظاهرٌ ذا القسمُ ليس بقابلِ الغفرانِ وهو: اتخاذُ النِّد للرحمنِ أيَّ اً كان من حجرٍ، ومن إنسانِ يدعوه بلْ يرجوه، ثم يخافُه، ويحبُه؛ كمحبةِ الديانِ (١) وطاعة الرسول مطلقة؛ لأنه لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، فطاعته طاعة لله، قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾. فاتباع الرسول ﷺ يتضمن عبادة الله ، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون (٤٥)﴾.

стр. 571

فكلُّ الرسل دعوا للتوحيد، وحذروا من الشرك، ولم يُشرعِ الشركُ في أيِّ رسالة. وأما ما جاء من السجود ليوسف ﵇؛ فهو سجود تحية، لا سجود عبادة، وقد كان سجودُ التحية جائزاً في شريعتهم، وحُرِّم في الشريعة المحمدية، وقد سبق التنبيه على ذلك في «القاعدة الخامسة» (١). ومن أدلة دعوة الأنبياء للتوحيد، وإقامة الدين بالإخلاص لله تعالى؛ ما ذكره المؤلف من الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾. فدين الرسل واحد، وهو: «التوحيد»، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. والأمة هنا؛ هي: «الملة»، ومن أدلة ذلك قوله ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة»، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «الأنبياء إخوة من عَلَّات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا نبي» (٢). وإخوة العَلَّات؛ هم: الإخوة لأب (٣). فالدين واحد؛ وهو: التوحيد، والشرائع مختلفة، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] (٤). * * *

стр. 572

وهذا الدين هو دين الإسلام، الذي لا يَقبل الله ديناً غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُون (٧١)﴾ ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين (٧٢)﴾ [يونس]. وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُون (١٣٢)﴾ [البقرة]. وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّسْلِمِين (٨٤)﴾ [يونس]، وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُون (١١١)﴾ [المائدة]. وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال عن بِلْقِيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (٤٤)﴾ [النمل].

стр. 573

فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره؛ كان مشركاً، ومن لم يستسلم له؛ كان مستكبراً عن عبادتِهِ، والمشركُ به والمستكبر عن عبادته؛ كافرٌ. والاستسلام له وحده؛ يتضمن: عبادته وحده، وطاعته وحده. وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره، وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانياً باستقبال الكعبة؛ كان كلٌّ من الفعلين حين أمر به؛ داخلاً في دين الإسلام. فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلِّي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشِّرْعَة، والمنهاج، والوجهة، والمنسَك؛ فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدِّين واحداً، كما لم يمنع ذلك في شِرعة الرسول الواحد. هذا الدين الواحد الذي بعث الله به رسله، هو دين الله واسمه «الإسلام» في جميع الشرائع، في عهد نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وغيرهم. وقد ذكر المؤلف عدة آيات تدل على ذلك؛ فنوح قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين (٧٢)﴾، وكذلك إبراهيم ويعقوب، كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّى

стр. 574

بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُون (١٣٢)﴾، وهكذا. وحقيقة دين الإسلام: الاستسلام لله وحده بعبادته وحده لا شريك له، وطاعته كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، وهذه الحقيقة واحدة في دين جميع الرسل. فالإسلام؛ هو: الاستسلام لله وحده، والناس بالنسبة للاستسلام لله ثلاثة أقسام: ١ - مستسلم لله وحده، فهذا هو: المسلم الموحد على الحقيقة. ٢ - مستسلم لله ولغيره، وهذا هو: المشرك. ٣ - المستكبر عن الاستسلام لله تعالى، وهو: المستنكف عن عبادة الله. والمشركُ والمستكبر كلٌّ منهما كافر، ولكن كفر المستكبر أعظم. والفرق بين المشرك والكافر: أن الكافرَ أعمُّ، فكلُّ مشرك شِركاً أكبر؛ كافرٌ، وليس كلُّ كافرٍ مشركاً؛ فالمكذبُ بالرسول؛ كافرٌ، وإن لم يكن مشركاً. والله تعالى يشرع ما يشاء، وينسخ ما يشاء، فيجب الإيمان بالنسخ، الذي أنكرته اليهود، وجعلوه ذريعة للطعن في الرسول وتكذيبه، ويقولون: «إن النسخ بَدَاءٌ» أي: يبدو لله تعالى ما كان غائباً وخافياً عليه - تعالى الله عن قولهم وظنهم -.

стр. 575

والحقُّ: أن النسخَ مَرَدُّه: الحِكْمَةُ، فالله تعالى يشرع لعباده في كل وقت ما تقتضيه حكمته (١). ومن قضايا النسخ في الشريعة الإسلامية: نسخُ القبلة، حيث كان التوجه في البداية للصخرة، وبعد ستة عشر - أو: سبعة عشر - شهراً من الهجرة؛ نسخ ذلك إلى استقبال الكعبة، ولما بلغ بعض الصحابة النسخ وهم يصلون إلى بيت المقدس؛ استداروا إلى الكعبة، وحولوا وجوههم إليها (٢)؛ امتثالاً وطاعة لأمر الله تعالى، فهم مطيعون لله تعالى في الحالين، ومستسلمون لأمره في الجهتين والوقتين والفعلين، وكل ذلك من الدين. فاستقبال بيت المقدس في الصلاة يوم كان مشروعاً؛ هو من الدين، أما بعد النسخ؛ فليس استقباله من الدين، وإنما يدخل في الدين؛ الإيمانُ بأنه كان مشروعاً؛ فنسخ. واختلاف شرائع الأنبياء لا يمنع أن يكون دينُهم واحداً، كما أن شريعة النبي الواحد قد تختلف من وقت لآخر بالنسخ ولا يخرجها ذلك عن وحَدة الدين؛ لأن الدين هو طاعة الله تعالى في كل وقت بحسب ما أمر به في ذلك الوقت، والعبد في الفعلين والوقتين مطيع لله، عابد له، مستسلم له (٣).

стр. 576

وجوه من الأدلة على وحدة دين الرسل والله تعالى جعل مِنْ دين الرسل أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين (٨١)﴾ [آل عمران]، قال ابن عباس ﵄: «لم يبعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بُعث محمد، وهو حيٌّ؛ ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد، وهم أحياء؛ ليؤمنن به، ولينصرنه» (١). وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وجعل الإيمان بهم متلازماً، وكفَّر من قال: «إنه آمن ببعض وكفر ببعض»، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]، وقال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون (٨٥)﴾ [البقرة]، وقد قال لنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ

стр. 577

مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (١٣٧)﴾ [البقرة]، فأمرنا أن نقول: آمنا بهذا كلِّه، ونحن له مسلمون، فمن بلغته رسالة محمد ﷺ ؛ فلم يُقر بما جاء به؛ لم يكن مسلماً، ولا مؤمناً؛ بل يكون كافراً، وإن زعم أنه مسلم، أو مؤمن. كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران]؛ قالت اليهود والنصارى: «فنحن مسلمون»، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]، فقالوا: «لا نحج»، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين (٩٧)﴾ [آل عمران]. فإن الاستسلام لله؛ لا يتم إلا بالإقرار بما له على عباده من حج البيت، كما قال النبي ﷺ : «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»، ولهذا لما وقف النبي ﷺ بعرفة؛ أنزل الله تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (١).

стр. 578

وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى، وعيسى؛ هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، المتضمن لشريعة القرآن؛ ليس عليه إلا أمة محمد ﷺ ، والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام، المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبياً من الأنبياء؛ فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء. ممَّا يدل على أن دين الأنبياء واحد ودعوتهم واحدة: أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِين (٨١)﴾. وقد جعل الله تعالى الإيمان بالرسل متلازماً، فلا يكون الشخص مؤمناً برسول؛ حتى يؤمن بجميع الرسل، ومن كفر ببعضهم؛ فقد كفر وبطل إيمانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، ونحو ذلك من الآيات التي ذكرها المؤلف.

стр. 579

فمن كفر وكذَّب برسول؛ فقد كفر وكذب بجميع المرسلين (١)، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِين (١٠٥)﴾ [الشعراء]، وكان نوح ﵇ أول الرسل، وكما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِين (١٤١)﴾ [الشعراء]، وغير ذلك من الآيات (٢). فيجب الإيمان بجميع الرسل، فمن بلغته - مثلاً - رسالة محمد ﷺ ؛ فلم يقر بما جاء به؛ لم يكن مسلماً، ولا مؤمناً؛ بل يكون كافراً، وإن زعم الإسلام، والإيمان، وإن آمن بغيره من الرسل؛ كعيسى، أو موسى. كذلك الإيمان بالرسول الواحد يقتضي الإيمان بكل ما جاء به، فمن آمن ببعض ما جاء به دون بعض؛ لم يكن مؤمناً، كما يزعم بعض

стр. 580

النصارى أن محمداً ﷺ رسول إلى العرب خاصة، فهذا يقتضي تكذيبه في دعوى عموم الرسالة (١). فمن جحد وجوب شيء من واجبات الإسلام التي أتى بها محمد ﷺ من: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج؛ فليس بمؤمن، وإن شهد الشهادتين. فهذه ثلاثة أوجه تدل على وَحدة دين الرسل، وأنه الإسلام: الأول: أن حقيقة دعوتهم واحدة؛ وهي: حقيقة الإسلام. الثاني: أن أولهم يبشر بآخرهم، ويؤمن به، وآخرهم يصدق أولهم، ويؤمن به. الثالث: أن الإيمان بهم متلازم. وقد ذكر المفسرون أن اليهود والنصارى لما ادعوا الإسلام أنزل الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾؛ فقالوا: «لا نحج»؛ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين (٩٧)﴾ (٢). فالاستسلام لله تعالى لا يتم إلا بالإقرار بما لله تعالى على عباده، ومن ذلك الحج.

стр. 581

والشيخ ذكر ذلك من باب التمثيل والاستشهاد لا الاعتماد، وإلا فإن اليهود والنصارى لو حجوا؛ لم يقبل منهم ذلك؛ لأنهم غير مقرين برسالة محمد ﷺ ، وهم قد كفروا بسبب عدة أشياء؛ منها: قتل الأنبياء، وتبديل الدين، وبتكذيب الرسول محمد ﷺ ، وكَفَر اليهود بتكذيب المسيح، وكَفَر النصارى بتأليهه وأمه، كما كفروا جميعاً بامتناعهم عن الإيمان بمحمد ﷺ واتباعه. وقد أشار المؤلف ﵀ إلى تنازع الناس في وصف مَنْ تقدم مِنْ أتباع الأنبياء؛ - مثل مَنْ تقدم مِنْ أمة موسى وعيسى - بالإسلام، فبعض العلماء يرى أنهم مسلمون، وبعضهم يرى أنهم غيرُ مسلمينَ، وقد ذكر الشيخ أنه نزاع لفظي، وأن الإسلام يطلق إطلاقين: خاص وعام. فالإسلام الخاص؛ هو: الذي بعث الله به محمداً ﷺ ، المتضمن لشريعة القرآن، فالإسلام بهذا المعنى والاعتبار؛ ليس عليه إلا أمة محمد ﷺ ، وهو المعنى المتبادر عند الإطلاق، فإذا أطلق لفظ الإسلام اليوم؛ فإنما ينصرف إلى هذا المعنى الخاص، كما قال تعالى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾، وحديث («بني الإسلام على خمس») (١) الحديث. وأما الإسلام العام: - أي بمعناه العام - المتضمن الاستسلام لله تعالى بعبادته وحده، وإخلاص الدين له، وطاعته في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت؛ فهو يتناول شريعة كل نبي من أنبياء الله تعالى، وإسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء.

стр. 582

ومن شواهد إطلاق الإسلام بالمعنى العام؛ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. * * *

стр. 583

رأسُ الأمر مطلقاً شهادةُ أن لا إله إلا الله ورأسُ الإسلام مطلقاً شهادةُ أن لا إله إلا الله، وبها بَعث الله جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]. وقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُون (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون (٢٨)﴾ [الزخرف]، وقال تعالى عنه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُون (٧٥) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُون (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين (٧٧)﴾ [الشعراء]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُون (٤٥)﴾ [الزخرف]، وذكر عن رسله؛ كنوح وهود، وصالح، وغيرهم؛ أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩ و ٦٥ و ٧٣ و ٨٥]. وقال عن أهل الكهف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَّدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾ [الكهف].

стр. 584

ذكر الشيخ أن رأسَ الإسلام مطلقاً - أي الإسلام العام - الذي هو دين جميع الرسل؛ شهادةُ أن لا إله إلا الله، وذكر بعدها عدة آيات تُفسِّر معناها الذي مضمونه: عبادة الله وحده، واجتناب عبادة الطاغوت، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فهي متضمنة للنفي والإثبات؛ نفي عبادة ما سوى الله تعالى، والبراءة من ذلك، وإثبات العبادة لله وحده؛ كما قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُون (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون (٢٨)﴾، وكما ذكر الله تعالى عن نوح، وهود، وصالح، وغيرهم؛ أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. فشهادة أن لا إله إلا الله تتضمن اعتقاداً؛ وهو: الاعتقاد بأن الله هو الإله الحق، المستحق للعبادة وحده، وأن كل معبود سواه باطل، كما تقتضي عملاً؛ وهو: البراءة ممَّا يعبد من دونه، والبراءة من الشرك وأهله، وإفراده بالحب، والعبادة، والإخلاص، والطاعة المطلقة في أمره، ونهيه. * * *

стр. 585

الشرك الذي جاء الرسل للنهي عنه وقد قال : ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦] ذكر ذلك في موضعين من كتابه. وقد بيَّن في كتابه الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام - وأصلُ الشرك: الشركُ بالشيطان - فقال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون (٣١)﴾ [التوبة]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُون (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُون (٨٠)﴾ [آل عمران]، فبيَّن أن اتخاذَ الملائكة والنبيين أرباباً؛ كفرٌ.

стр. 586

بعد أن ذكر الشيخ أَوجبَ الواجبات، وأعظمَ الحسنات؛ وهو: شهادة أن لا إله إلا الله؛ ذكر ما يضاد هذا الأصل؛ وهو: عبادة غير الله، فالشرك ضد التوحيد. والشرك أعظم الذنوب، وأظلم الظلم، كما في حديث ابن مسعود ﵁ لما سأل النبي ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله نداً، وهو خلقك» (١)، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم (١٣)﴾ [لقمان]. والشرك الذي يناقض أصل التوحيد والإيمان؛ هو: الشرك الأكبر، وأما الشرك الأصغر؛ فإنما يناقض: كمال التوحيد الواجب. فالموحد؛ هو: الذي أفرد الله تعالى بالعبادة، وآمن أنه لا يستحقها غيره، وكفر بما يعبد من دون الله. والمشرك؛ هو: الذي عبد مع الله غيره. ومما يدل على عِظم الشرك الأكبر خصائصُه الثلاثة؛ وهي: ١ - أنه لا يغفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾. ٢ - أنه موجب للخلود في النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢].

стр. 587

٣ - أنه لا ينفع معه عمل، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين (٦٥)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُون (٨٨)﴾ [الأنعام]. وقسم العلماء الشرك الأكبر إلى أقسام (١): فمنه: شرك الطاعة، وشرك المحبة، وشرك الدعاء، وشرك الإرادة. فدليل شرك الطاعة؛ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُون (١٢١)﴾ [الأنعام]. ودليل شرك المحبة؛ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. ودليل شرك الدعاء؛ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون (٦٥)﴾ [العنكبوت]، أي: بدعاء غير الله، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلَال (١٤)﴾ [الرعد]. ودليل شرك الإرادة؛ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُون (١٥) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون (١٦)﴾ [هود].

стр. 588

والشرك الأكبر بالنظر إلى المعبودين لا يمكن حصره، ولكن الشيخ هنا ذكر ما جاء منه في القرآن الكريم. فمن ذلك: الشرك في الملائكة، والأنبياء، والصالحين، والكواكب، والجن. ومن أدلة الشرك بالأنبياء، والملائكة؛ ما ذكره الشيخ من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُون (٨٠)﴾، فبيَّن أن اتخاذ الملائكة، والنبيين أرباباً؛ كفرٌ، ومن أدلة الشرك بالأنبياء؛ آية المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ﴾ الآيةَ. ومن أدلة الشرك بالصالحين؛ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ﴾، وذلك بطاعتهم في تحليل ما حرَّم الله، وتحريم ما أحلَّ الله. وليس معنى قوله: ﴿أَرْبَابًا﴾ أي مشاركون له في أفعاله؛ من: الخلق، والملك، والتدبير؛ بل المقصود بذلك: اتخاذهم آلهة ومعبودين، فالرب يطلق في اللغة على: «المعبود» (١)، ومثلُ هذه الآيةِ الآيةُ الأخرى؛ وهي: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا﴾.

стр. 589

والموجِبُ لتفسيرِ «الأربابِ» ب «المعبودينَ، والآلهةِ» - أي بالشرك في توحيد الإلهية، وليس بالشرك في توحيد الربوبية -؛ الواقعُ؛ لأنه لم يكن أحد من هؤلاء المشركين يعتقد مشاركة الأنبياء، والأحبار، والرهبان لله تعالى في الخلق والتدبير؛ بل كان شركهم في العبادة والطاعة. كما سيذكر الشيخ ذلك. ونبه الشيخ إلى أن الشرك الجامع للمشركين على اختلاف معبوداتهم؛ هو: الشرك بالشيطان، وذلك بطاعته في عبادة غير الله تعالى، كما قال : ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُون (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين (٦٠)﴾ [يس]. * * *

стр. 590

لم يقل أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان ومعلومٌ أنَّ أحداً من الخلق لم يزعم أن الأنبياء، والأحبار، والرهبان، أو المسيح ابن مريم؛ شاركوا الله في خلق السموات والأرض؛ بل ولا زعم أحدٌ من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال؛ بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهاً مساوياً لله في جميع صفاته. بل عامة المشركين بالله مقرُّون بأنه ليس شريكُه مثلَه؛ بل عامتهم مقرُّون أن الشريكَ مملوكٌ له؛ سواء كان مَلَكاً، أو نبياً، أو كوكباً، أو صنماً، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك»، ف «أهلَّ رسول الله ﷺ بالتوحيد، فقال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل والنحل، والآراء، والديانات؛ فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات؛ بل مِنْ أعظم ما نقلوا في ذلك: قول الثَّنَوِيَّة، الذين يقولون بالأصلين: النور، والظلمة، وأن النُّور خَلَق الخير، والظلمةَ خلقتِ الشر، ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين:

стр. 591

أحدهما أنها محدثة، فتكون من جملة المخلوقات له، والثاني أنها قديمة، لكنها لم تفعل إلا الشر، فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور. يقرر الشيخ هنا ما سبقت الإشارة إليه من أن اتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم؛ ليس معناه جعلهم شركاء لله تعالى في ربوبيته، فلا أحد يزعم أن الأنبياء، والأحبار، والرهبان، أو المسيح ابن مريم؛ شاركوا الله تعالى في خلق السموات والأرض. ولا أحد يزعم أن للعالم صانعين متكافئين في الصفات والأفعال، بل حتى المشركون الذين يعبدون غير الله؛ عامتهم مقرون بأن معبودهم مع الله ليس مثل الله تعالى، بل يعتقدون أنه مملوك لله تعالى، سواء كان هذا المعبود نبياً، أو ملكاً، أو كوكباً، أو صنماً (١). ويشهد لهذا قول مشركي العرب في تلبيتهم: (لبيك لا شريك لك؛ إلا شريكًا هو لك، تملكه، وما ملك) (٢). وقد عارضهم النبي ﷺ فأهل بالتوحيد حيث قال: («لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك») (٣).

стр. 592

وكان الرسول ﷺ يقول للمشركين إذا قالوا في التلبية: «لبيك لا شريك لك»: «قَدْ قَدْ» (٢)، يعني: يكفي يكفي. وهذا يعني الأمر بالوقوف والاكتفاء بهذا دون ما بعده من عبارات الشرك والتناقض، وهو قولهم: «إلا شريكاً هو لك تملكه، وما ملك»، فكيف يكون المملوك شريكاً للمالك؟! وقد قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِنْ شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الروم: ٢٨]. فهل يرضى أحد من الناس أن يكون مملوكُه شريكَه، يقاسمه، ويخافه كما يخاف الشركاء بعضهم بعضاً، ويداري بعضهم بعضاً؟! فلا أحد يرضى بأن يكون هذا المملوك مشاركاً له في ملكه، فكيف يجعل العبد المخلوق مشاركاً للخالق ؟! والمقصود أن عامة المشركين مقرون بأن الشريك مملوك مخلوق لله تعالى، لكن قد يعتقدون أن لهذا الشريك شيئاً من التدبير - أحياناً - وإن كان مملوكاً. فالشرك الغالب في الأمم؛ هو الشرك في العبادة، وقد يُوجد شرك في الربوبية؛ لكنه أقل من الأول، ورغم وجود الشرك في الربوبية؛ إلا أنه لا يصل إلى إثبات خالقين متكافئين للعالم.

стр. 593

وإنما غاية ما وصل إليه الشرك في الربوبية؛ اعتقاد أن بعضَ الموجوداتِ خلقٌ لغير الله؛ كأفعال العباد عند القدرية، وبعض المخلوقات التي يزعم عباد الكواكب أنها من صنع معبوداتهم، لكنَّ الوجودَ كلَّه راجعٌ إلى خالق واحد. وقد ذكر الشيخ أنه لم يَنقل أحدٌ من كتاب المقالات - الذين جمعوا أقوال أهل الملل والنحل، والديانات، والآراء - عن أحدٍ؛ إثباتَ شريكٍ مشارك لله تعالى في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل في الصفات، أي: لم ينقلوا عن أحد إثبات خالقين متماثلين متكافئين؛ بل أعظم ما نقلوا من الشرك في الربوبية؛ شرك الثنوية، القائلين بالأصلين: النور والظلمة، وأن النور؛ خَلَق الخير، والظلمة؛ خلقتِ الشر (١)، وذكروا لهم في الظلمة قولين: أحدهما: أنها محدثة، وعلى هذا: تكون مخلوقة من جملة المخلوقات. والقول الثاني: أنها قديمة؛ لكنها لم تفعل إلا الشر، وعلى هذا: فهي ناقصة في ذاتها، وصفاتها، ومفعولاتها عن النور. فيكون الإله الكامل والخالق الكامل؛ واحداً. وبهذا يتبين: أنه لم يقل أحد من مشركي العالم بوجود خالقين متكافئين متماثلين في ذاتهما وصفاتهما. * * *

стр. 594

إقرار المشركين بتوحيد الربوبية وقد أخبر الله عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات؛ ما بيَّنه في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون (٣٨)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُون (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون (٨٩)﴾ إلى قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون (٩١)﴾ [المؤمنون]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُون (١٠٦)﴾ [يوسف].

стр. 595

تقدم التنبيه إلى أن الشرك المشهور الظاهر في الأمم؛ إنما هو الشرك في العبادة، فسائر الأمم مقرون بأن خالق العالم واحد، سوى ما ذهب إليه بعض الثنوية من القول بالأصلين، على ما بينهم من تفاوت في ذلك. يوضح هذا أن الله تعالى أخبر عن المشركين في كتابه أنهم يقرون بربوبيته تعالى كما في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآيةَ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون (٨٥)﴾ الآياتِ، وهذا من الاحتجاج بتوحيد الربوبية الذي أثبتوه؛ على توحيد الإلهية الذي أنكروه؛ لأن توحيد الربوبية؛ مستلزم لتوحيد العبادة. فالمشركون يؤمنون بتوحيد الربوبية، ويشركون بتوحيد الألوهية، فجمعوا بين الإيمان والشرك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُون (١٠٦)﴾. ومن المعلوم أن الإيمان بتوحيد الربوبية فقط دون الألوهية؛ لا يكفي لدخول صاحبه في الإسلام، ولا نجاته من النار. فالإيمان بتوحيد الربوبية من الإيمان المطلوب شرعاً، ولكن لا يكون به وحده الشخص مسلماً (١).

стр. 596

أنواع التوحيد عند المتكلمين، وما فيها من حق وباطل وبهذا وغيره؛ يعرف ما وقع من الغلط في مسمى «التوحيد»؛ فإن عامةَ المتكلمين الذين يقررون «التوحيد» في كتب الكلام والنظر؛ غايتُهم أن يجعلوا «التوحيد» ثلاثة أنواع، فيقولون: «هو واحد في ذاته؛ لا قسيم له، وواحد في صفاته؛ لا شبيه له، وواحد في أفعاله؛ لا شريك له»، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم؛ هو الثالث؛ وهو: «توحيد الأفعال»؛ وهو: «أن خالق العالم واحد». وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة «التمانع» وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: «لا إله إلا الله»، حتى قد يجعلون معنى «الإلهية»: القدرة على الاختراع. ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد ﷺ أولاً؛ لم يكونوا يخالفونه في هذا؛ بل كانوا يقرون بأن الله خالقُ كلِّ شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضاً، وهم مع هذا مشركون.

стр. 597

يقول الشيخ بعدما تقدم تقريره وبيانه: يتبين ما وقع من الغلط في مسمى (التوحيد) عند أهل الكلام؛ من: المعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم، حيث جعلوا (التوحيد) ثلاثة أنواع (١)، وعبروا عنها بما يلي: (إن الله تعالى واحد في ذاته؛ لا قسيم له، وواحد في صفاته؛ لا شبيه له، وواحد في أفعاله؛ لا شريك له)، فمن أقر بهذه الأنواع الثلاثة؛ فقد أتى بكل التوحيد عندهم. وأشهر هذه الأنواع عندهم من حيث بحثُه وتقريره؛ هو: النوع الثالث المسمى ب (توحيد الأفعال)، والذي معناه: أن خالق العالم واحد، والمقصود به: «توحيد الربوبية». ويحتج أهل الكلام على (توحيد الأفعال) عندهم، الذي هو «توحيد الربوبية» بدليل (التمانع) وصورته كما يلي: لو كان للعالم خالقان فاختلفا بأن أراد أحدهما تحريك جسم، وأراد الآخر تسكينه؛ فلا يخلو الأمر من أحد ثلاثة أحوال: ١ - إما أن ينفذ مرادهما، وهذا ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين. ٢ - وإما ألَّا ينفذ مرادهما، وهذا ممتنع؛ لأنه يستلزم رفع النقيضين، وعجز كلٍّ منهما.

стр. 598

٣ - أو ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، وحينئذ؛ فلا يكونان متماثلين؛ بل يكون الرب هو الذي نفذ مراده، والآخر عاجزاً لا يصلح أن يكون رباً. ودليل التمانع دليل عقلي صحيح، ولكن من خطإِ أهل الكلام فيه: أن فسَّروا به قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وهذا غير صحيح؛ لأن الآية في «توحيد الإلهية»، وهي تدل على امتناع تعدُّدِ الإله المعبود، وهو يستلزم امتناع تعدد الخالق (١). ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون (٩١)﴾. أي: لو كان معه إله؛ لذهب كل إله بما خلق؛ لأنه من شأن الإله أن يكون له خلق، وأن تكون قدرته نافذة، وقال: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ لأن من شأن القادر أن يكون له العلو والرفعة على من سواه. وعلى أحد التفسيرين (٢) قوله تعالى: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا (٤٢)﴾ [الإسراء] أي: سبيلاً إلى مغالبته.

стр. 599

فكل هذه الآيات تدل على أنه لا يمكن أن يوجد إله حق غير الله؛ لأنه لو فرض وجود إله آخر حق؛ لفسدت السموات والأرض. وهذا التوحيد الثالث عند أهل الكلام الذي يسمونه «توحيد الأفعال»؛ وهو: «أن خالق العالم واحد»، هذا حق، وإنما غلط أهل الكلام فيه من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: ظنهم أنه هو التوحيد المطلوب من المكلفين، والمقصود بدعوة الرسل. والحقُّ أن هذا التوحيد مطلوبٌ، لكن ليس هو كل التوحيد، ولا يكفي لدخول صاحبه في الإسلام، والرسل دعت إليه، كما دعت إلى «توحيد العبادة»، لكن المقصود الأول؛ هو: الدعوة إلى «توحيد العبادة». الثاني: ظنهم أن هذا التوحيد؛ هو معنى (لا إله إلا الله)، وفسروا (الإلهية) بالقدرة على الاختراع. وهذا غلط، ف «توحيد الربوبية»، وكون الله تعالى هو الخالق، وإن كان هو مِنْ معنى «لا إله إلا الله»، وهي تدل عليه بطريق التضمن؛ إلا أن معناها الصحيح: «لا معبود بحق إلا الله»، فهي تُفَسَّر بتوحيد «الإلهية»، و «العبادة»، لا ب «توحيد الربوبية». الثالث: أنهم لما جعلوا «توحيد الأفعال» الغاية العظمى والمقصود الأول من دعوة الرسل؛ أهملوا ذكر «توحيد العبادة»؛ فلا يبحثون فيه ولا يتكلمون عنه في عقائدهم.

стр. 600

ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم الرسول محمد ﷺ كانوا مقرين بما يسميه أهل الكلام «توحيد الأفعال»، فهم يقرون بأن الله تعالى خالق كل شيء، كما أنهم مقرون بالقدر، وهم مع هذا مشركون. فلو كان معنى «لا إله إلا الله»: «لا خالق إلا الله»، كما يقرره أهل الكلام؛ لكان المشركون موحدين؛ لأنهم مقرون بأن الله تعالى هو الخالق وحده. ولو كان الأمر كما يزعم أهل الكلام من معنى «لا إله إلا الله» لما امتنع المشركون من قولها لما دعاهم الرسول ﷺ إليها؛ لأنهم مقرون بألَّا خالق إلا الله تعالى. * * *
следующие страницы →