← Акыда

Акыда · id 1489

شرح العقيدة التدمرية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (746 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

أنواع التوحيد عند المتكلمين، وما فيها من حق وباطل وبهذا وغيره؛ يعرف ما وقع من الغلط في مسمى «التوحيد»؛ فإن عامةَ المتكلمين الذين يقررون «التوحيد» في كتب الكلام والنظر؛ غايتُهم أن يجعلوا «التوحيد» ثلاثة أنواع، فيقولون: «هو واحد في ذاته؛ لا قسيم له، وواحد في صفاته؛ لا شبيه له، وواحد في أفعاله؛ لا شريك له»، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم؛ هو الثالث؛ وهو: «توحيد الأفعال»؛ وهو: «أن خالق العالم واحد». وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة «التمانع» وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: «لا إله إلا الله»، حتى قد يجعلون معنى «الإلهية»: القدرة على الاختراع. ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد ﷺ أولاً؛ لم يكونوا يخالفونه في هذا؛ بل كانوا يقرون بأن الله خالقُ كلِّ شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضاً، وهم مع هذا مشركون.

стр. 597

يقول الشيخ بعدما تقدم تقريره وبيانه: يتبين ما وقع من الغلط في مسمى (التوحيد) عند أهل الكلام؛ من: المعتزلة، والأشاعرة، وغيرهم، حيث جعلوا (التوحيد) ثلاثة أنواع (١)، وعبروا عنها بما يلي: (إن الله تعالى واحد في ذاته؛ لا قسيم له، وواحد في صفاته؛ لا شبيه له، وواحد في أفعاله؛ لا شريك له)، فمن أقر بهذه الأنواع الثلاثة؛ فقد أتى بكل التوحيد عندهم. وأشهر هذه الأنواع عندهم من حيث بحثُه وتقريره؛ هو: النوع الثالث المسمى ب (توحيد الأفعال)، والذي معناه: أن خالق العالم واحد، والمقصود به: «توحيد الربوبية». ويحتج أهل الكلام على (توحيد الأفعال) عندهم، الذي هو «توحيد الربوبية» بدليل (التمانع) وصورته كما يلي: لو كان للعالم خالقان فاختلفا بأن أراد أحدهما تحريك جسم، وأراد الآخر تسكينه؛ فلا يخلو الأمر من أحد ثلاثة أحوال: ١ - إما أن ينفذ مرادهما، وهذا ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين. ٢ - وإما ألَّا ينفذ مرادهما، وهذا ممتنع؛ لأنه يستلزم رفع النقيضين، وعجز كلٍّ منهما.

стр. 598

٣ - أو ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، وحينئذ؛ فلا يكونان متماثلين؛ بل يكون الرب هو الذي نفذ مراده، والآخر عاجزاً لا يصلح أن يكون رباً. ودليل التمانع دليل عقلي صحيح، ولكن من خطإِ أهل الكلام فيه: أن فسَّروا به قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وهذا غير صحيح؛ لأن الآية في «توحيد الإلهية»، وهي تدل على امتناع تعدُّدِ الإله المعبود، وهو يستلزم امتناع تعدد الخالق (١). ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُون (٩١)﴾. أي: لو كان معه إله؛ لذهب كل إله بما خلق؛ لأنه من شأن الإله أن يكون له خلق، وأن تكون قدرته نافذة، وقال: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ لأن من شأن القادر أن يكون له العلو والرفعة على من سواه. وعلى أحد التفسيرين (٢) قوله تعالى: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا (٤٢)﴾ [الإسراء] أي: سبيلاً إلى مغالبته.

стр. 599

فكل هذه الآيات تدل على أنه لا يمكن أن يوجد إله حق غير الله؛ لأنه لو فرض وجود إله آخر حق؛ لفسدت السموات والأرض. وهذا التوحيد الثالث عند أهل الكلام الذي يسمونه «توحيد الأفعال»؛ وهو: «أن خالق العالم واحد»، هذا حق، وإنما غلط أهل الكلام فيه من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: ظنهم أنه هو التوحيد المطلوب من المكلفين، والمقصود بدعوة الرسل. والحقُّ أن هذا التوحيد مطلوبٌ، لكن ليس هو كل التوحيد، ولا يكفي لدخول صاحبه في الإسلام، والرسل دعت إليه، كما دعت إلى «توحيد العبادة»، لكن المقصود الأول؛ هو: الدعوة إلى «توحيد العبادة». الثاني: ظنهم أن هذا التوحيد؛ هو معنى (لا إله إلا الله)، وفسروا (الإلهية) بالقدرة على الاختراع. وهذا غلط، ف «توحيد الربوبية»، وكون الله تعالى هو الخالق، وإن كان هو مِنْ معنى «لا إله إلا الله»، وهي تدل عليه بطريق التضمن؛ إلا أن معناها الصحيح: «لا معبود بحق إلا الله»، فهي تُفَسَّر بتوحيد «الإلهية»، و «العبادة»، لا ب «توحيد الربوبية». الثالث: أنهم لما جعلوا «توحيد الأفعال» الغاية العظمى والمقصود الأول من دعوة الرسل؛ أهملوا ذكر «توحيد العبادة»؛ فلا يبحثون فيه ولا يتكلمون عنه في عقائدهم.

стр. 600

ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم الرسول محمد ﷺ كانوا مقرين بما يسميه أهل الكلام «توحيد الأفعال»، فهم يقرون بأن الله تعالى خالق كل شيء، كما أنهم مقرون بالقدر، وهم مع هذا مشركون. فلو كان معنى «لا إله إلا الله»: «لا خالق إلا الله»، كما يقرره أهل الكلام؛ لكان المشركون موحدين؛ لأنهم مقرون بأن الله تعالى هو الخالق وحده. ولو كان الأمر كما يزعم أهل الكلام من معنى «لا إله إلا الله» لما امتنع المشركون من قولها لما دعاهم الرسول ﷺ إليها؛ لأنهم مقرون بألَّا خالق إلا الله تعالى. * * *

стр. 601

وقد تبيَّن أن ليس في العالم مَنْ ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن غاية ما يقال: إن مِنْ الناس من جعل بعض الموجودات خلقاً لغير الله، كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد، وخالق قدرتهم، وإن قالوا: «إنهم خالِقو أفعالهم». وكذلك أهل الفلسفةِ، والطَّبْعِ، والنجومِ، الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع؛ يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون: «إنها غنية عن الخالق، مشاركة له في الخلق». فأمَّا من أنكر الصانع؛ فذلك جاحد معطِّل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون. والكلام الآن مع المشركين بالله المقرِّين بوجوده، فإذاً؛ هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون؛ بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت بالكتاب، والسنة، والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام. يذكر الشيخ هنا أنه ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، أي: ليس هناك من ينازع أنْ ليس للعالم خالقان متكافئان، فهو وإن وُجِد شرك في الربوبية؛ لكنه لا يصل إلى درجة اعتقاد خالقين متكافئين، أو إثبات مثيلٍ مشارك لله تعالى في خلق السموات والأرض.

стр. 602

نعم هناك مَنْ يجعل بعض الموجودات خلقاً لغير الله، كما عند القدرية المعتزلة نفاة القدر، الذين يجعلون أفعالَ العباد مخلوقةً لهم. فهم أخرجوا أفعال العباد من خَلْقِ الله تعالى، ومشيئته، وملكه فأخرجوا بعض الموجودات مِنْ ملك الله وخلقه، وهذه صورة مِنْ صور الشرك في الربوبية، ولكن هؤلاء القدرية مع قولهم هذا؛ فإنهم يقرون بأن الله تعالى خالق العباد، وخالق قدرتهم، وإن قالوا: (إن العباد خالقون لأفعالهم). أما أهل السنة والجماعة؛ فيقرون أن الله تعالى خالق العباد، وخالق قدرتهم، وأفعالهم. ومن صور الشرك في الربوبية، ما يزعمه أهل الفلسفة، والطَّبْع، والنجوم، الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدِعة لبعض الأمور، ومؤثرة استقلالاً، كما يجعلون الأسباب مؤثرة بنفسها؛ كاعتقادهم: أن النار محرقة استقلالاً، وكما يعتقد أهل النجوم بتأثير الكواكب في الحوادث الأرضية. فكل هؤلاء وقعوا في الشرك في الربوبية، حيث جعلوا بعض الموجودات خلقاً لغير الله، ولكنهم لم يصلوا إلى اعتقاد خالقين متكافئين. فتقرير أهل الكلام لتوحيد الربوبية الذي يسمونه توحيد الأفعال، أي: اعتقاد أن خالق العالم واحد، لا يصلح أن يرد به على المشركين في توحيد العبادة؛ لأنهم يؤمنون بتوحيد الربوبية، ومنه تفرد الله تعالى

стр. 603

بالخلق، كما لا يصلح أن يرد به على الجاحد المعطل للخالق؛ لأن هذا الملحد يدعي عدم وجود خالق أصلاً؛ لا واحداً، ولا أكثر من ذلك. وهذا معنى قول الشيخ: (فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطل … ) إلخ (١). * * *

стр. 604

وكذلك النوع الثاني، وهو قولهم: «لا شبيه له في صفاته»، فإنه ليس في الأمم مَنْ أثبت قديماً مماثلاً له في ذاته، سواء قال: «إنه مشاركه»، أو قال: «إنه لا فعل له»؛ بل مَنْ شبه به شيئاً من مخلوقاته؛ فإنما يشبِّهه به في بعض الأمور. وقد عُلم بالعقل امتناع أن يكون له مثلٌ في المخلوقات، يشاركه فيما يجب، أو يجوز، أو يمتنع؛ فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم، وعُلم - أيضاً - بالعقل أنَّ كلَّ موجودَينِ قائمينِ بأنفسهما؛ فلا بدَّ بينهما من قدر مشترك، كاتفاقهما في مسمى: الوجود، والقيام بالنفس، والذات، ونحو ذلك، وأن نفي ذلك؛ يقتضي التعطيل المحض، وأنه لابدَّ مِنْ إثبات خصائص الربوبية. وقد تقدم الكلام على ذلك. تكلم الشيخ هنا عن النوع الثاني من أنواع التوحيد عند أهل الكلام؛ وهو قولهم: «إن الله تعالى واحد في صفاته لا شبيه له»، وهذا الكلام في ظاهره صحيح، ولو قال ذلك واحد من أهل السنة والجماعة؛ لسُلِّم له، ولكن أهل الكلام صاروا يستعملون ألفاظاً فيها إجمال، ويدخلون فيها معاني باطلة؛ ولذا وجب الحذر، والاستفصال عن مرادهم بالألفاظ التي يطلقونها؛ فيثبت الحق، وينفى الباطل.

стр. 605

والكلام هنا يشبه ما سبق في مطلع «القاعدة السادسة» (١)، فيقال: «إن قولهم بأن الله تعالى لا شبيه له»، إن أرادوا المماثلة؛ وهي: المساواة من جميع الوجوه؛ فهذا النفي حق، لكن لا يوجد في الأمم من أثبت لله تعالى مماثلاً له في ذاته وصفاته، وعلى هذا يمكن أن يقال: إن هذا النفي لا فائدة منه؛ لعدم وجود قائل به أصلاً. وقد يراد بنفي الشبيه: نفي المشارك لله تعالى في شيء من خصائصه؛ ممَّا يختص بوجوبه، أو جوازه، أو امتناعه، وهذا حقٌّ، وهو معلوم بضرورة العقل امتناعه؛ إذ لو جازت هذه المشابهة؛ لجاز أن يوصف المخلوق بصفات الخالق؛ مِنْ نحو: وجوب الوجود، والغنى، ولجاز أن يوصف الخالق بصفات المخلوق؛ مِنْ نحو: الافتقار، والفناء، ونحو ذلك؛ وهذا باطلٌ؛ لأنه يستلزم الجمع بين النقيضين، كما تقدم (٢). نعم، قد يوجد مَنْ يشَبِّه بعض المخلوقات بالله في بعض الأمور؛ كما ينسب المشركون الإلهيةَ لمعبوداتهم - والإلهيةُ مِنْ خصائص الله تعالى -، وكذلك مَنْ ينسب علم الغيب لبعض الخلق، وكذا من ينسب بعض القدرة للخلق، وهي لا تصلح إلا لله تعالى. ويحتمل أن يراد بنفي الشبيه: نفي الاتفاق والمشاركة بين الخالق والمخلوق بوجه من الوجوه، وتقدم (٣): أن هذا المعنى ممتنع نفيه؛

стр. 606

إذ ما من شيئين موجودين قائمين بأنفسهما إلا وبينهما اتفاق من وجه واختلاف من وجه، وتعطيل هذا القدر المشترك؛ يلزم منه التعطيل المحض. وتبيَّن مِنْ ذلك: أن قول أهل الكلام: «إن الله تعالى واحد في صفاته لا شبيه له»؛ يحتمل حقاً وباطلاً. * * *

стр. 607

ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم؛ أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد، فصار من قال: «إن لله علماً، أو: «قدرة»، أو: «إنه يُرى في الآخرة»، أو: «إن القرآن كلام الله منزَّل غير مخلوق»؛ يقولون: «إنه مشبِّه ليس بموحد». وزاد عليهم غلاة الجهمية، والفلاسفة، والقرامطة؛ فنفوا أسماءه الحسنى، وقالوا: «مَنْ قال: «إن اللهَ عليمٌ، قدير، عزيز، حكيم»؛ فهو مشبِّه ليس بموحد». وزاد غلاة الغلاة، وقالوا: «لا يوصف بالنفي، ولا الإثبات»؛ لأن في كل منهما تشبيهاً له. وهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر ممَّا فروا منه، فإنهم شبَّهوه بالممتنعات، والمعدومات، والجمادات؛ فراراً من تشبيههم - بزعمهم - له بالأحياء. ومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله؛ لا تثبت له على حدِّ ما يثبت لمخلوق أصلاً، وهو : ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفاتِ، فإذا لم يكن في إثباتِ الذاتِ إثباتُ مُمَاثَلَةٍ للذوات؛ لم يكن في إثباتِ الصفاتِ إثبات مماثلة له في ذلك. فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا: توحيداً، ويجعلون مقابل ذلك: التشبيه، ويسمون نفوسهم: «الموحِّدين»!.

стр. 608

تقدم أن أهل الكلام أدرجوا نفي الصفات في مسمى التوحيد بحجة نفي التشبيه، وحَمَلَة راية هذه البدعة؛ هم: المعتزلة؛ إذ إن من أصولهم الخمسة: «التوحيد» الذي أدرجوا فيه نفي الصفات، وسموا أنفسهم «موحدين»، لذلك سمَّوا مَنْ يثبت الصفات «مشبهاً». فمن قال: (إن لله تعالى علماً) أو: (قدرة) أو: (إنه يرى في الآخرة)، أو: (إن القرآن كلام الله منزل، غير مخلوق)؛ مَنْ قال ذلك؛ صار عند المعتزلة مشبهاً غير موحد. وزاد عليهم غلاة الجهمية، والفلاسفة، والقرامطة، فنفوا أسماء الله تعالى الحسنى، فمَن قال: (إن اللهَ عليمٌ، قدير، عزيز، حكيم)؛ صار عندهم مشبها ًغير موحد، فالمعتزلة عند هؤلاء مشبهة؛ لأنهم يثبتون لله تعالى الأسماء الحسنى. وزاد عليهم غلاة الغلاة مِنْ الباطنية؛ وهم الذين وصفوا الله تعالى بسلب النقيضين فقالوا: (إنه لا يوصف بالنفي، ولا الإثبات)؛ لأن في كلٍّ منهما تشبيهاً له، فالنفي تشبيه له بالمعدومات، والإثبات تشبيه له بالموجودات؛ فغلاة الجهمية عند هؤلاء، ونحوهم، الذين يصفون الله تعالى بالسلوب: مشبهة؛ لأنهم شبهوه بالمعدومات. ثم يقرر الشيخ أن هؤلاء كلهم وقعوا مِنْ جنس التشبيه فيما هو شر ممَّا فروا منه، فإنهم لما فروا من تشبيه الله تعالى بالأحياء - بزعمهم - وقعوا في تشبيهه ب:

стр. 609

* (الممتنعات)؛ كما عند غلاة الغلاة. * وب (المعدومات)؛ كما عند غلاة الجهمية، ونحوهم. * وب (الجمادات)؛ كما عند المعتزلة، ونحوهم. فالتشبيه بالأحياء خيرٌ من التشبيه بالممتنعات، والمعدومات، والجمادات، وهذا على فرض أن إثبات الصفات يلزم منه التشبيه بالأحياء، والحقُ أنَّ ذلك غيرُ لازمٍ؛ لأن صفات الله تعالى تثبتُ له على وجه يختص به، ويناسبه، ويليق به، لا على نحو ما تثبت للمخلوق. فإذا كان وجود الله تعالى على وجه يختص به، ويليق به؛ ليس كوجود المخلوق؛ فكذلك علمه تعالى، وحياته، وقدرته، وسمعه، وبصره، وسائر صفاته؛ ثابتة له على الوجه اللائق به، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. ومن الدليل على ذلك ما سبق تقريره في الأصل الثاني؛ وهو: «أن القول في الصفات كالقول في الذات» (١)، فكما أنه ليس في إثبات ذاته سبحانه؛ إثبات مماثلته بذوات خلقه؛ فكذلك ليس في إثبات الصفات له إثبات مماثلة له بصفات خلقه. * * *

стр. 610

وكذلك النوع الثالث؛ وهو قولهم: «هو واحد لا قسيم له في ذاته، أو: لا جزء له، أو: لا بعض له»؛ لفظ مجمل، فإن الله أحد، صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحدٌ، فيمتنع أن يتفرق، أو يتجزأ، أو يكون قد رُكِّب من أجزاء، لكنهم يدرجون في هذا اللفظ: نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد!. ذكر الشيخ هنا النوع الثالث من أنواع التوحيد عند أهل الكلام، وهو ثالث باعتبار الشرح له، وإلا فقد ذكره الشيخ أولاً عند ذكر أنواع التوحيد إجمالاً. وهو توحيد الذات، ويعبرون عنه بقولهم: (إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، أو: لا جزء له، أو: لا بعض له). وهذا اللفظ مجمل يحتمل معنى صحيحاً، ومعنى باطلاً (١)؛ فالمعنى الصحيح الذي يحتمله هذا اللفظ؛ هو: أن الله تعالى ليس مركباً مِنْ أجزاء، فلا يتجزأ، ولا يتبعض، بل هو أحد، صمدٌ، والصمدُ

стр. 611

يتضمن عدم التجزؤ، ولذا كان الولد ينافي الصمدية؛ لأن الولد جزء من الوالد. والمعنى الباطل الذي صار يحتمله اللفظ؛ هو: ما أدخلوه فيه من نفي علو الله تعالى على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك مِنْ المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، فيدخلون هذه المعاني الباطلة في هذا اللفظ، ويجعلون ذلك من التوحيد!. وقد ذكر الشيخ أنهم يدخلون نفي العلو في مفهوم عدم التجزؤ والتبعض، فيرون أن وَحْدة الذات تقتضي نفي العلو. والواقعُ أن دخول نفي العلو في مسألة التجزؤ والتبعض؛ غير واضح، فما المانع من إثبات العلو، والقول بعدم التجزؤ والتبعض؟ فلو جعلوا نفيَ التجزؤ والتبعض أصلاً لنفي الوجه واليدين مثلاً؛ لكان ظاهراً؛ لأنهم إذا قالوا: «إن الله تعالى مُنزهٌ عن الأبعاض» - وهذا من التعبيرات البدعية المجملة كما سبق (١) -؛ فإنهم يقصدون مِنْ ذلك نفيَ الوجه، واليدين؛ لأنها عندهم أبعاض. فالإشكال هنا في جعل نفي العلو على العرش مندرجاً في قول الأشاعرة: (إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، ولا جزء، ولا بعض له)،؛ فهذا غير ظاهر. والذي يرفع هذا الإشكال أنَّ نفيهم للعلو مبني على نفي الجسمية، فالجسم عندهم مركب، وكونه واحداً في ذاته لا قسيم له، ولا جزء،

стр. 612

ولا بعض؛ يتضمن نفي الجسمية، والعلو يستلزم التجسيم، فامتناع الجسم على الله تعالى؛ يلزم منه امتناع العلو؛ فقولهم: «إنه لو كان في العلو؛ لكان جسماً؛ ولو كان جسماً؛ لكان مركباً من أجزاء؛ وهذا ممتنع»، هو معنى: «أنه واحد في ذاته … ». فأنواعُ التوحيد الثلاثة عند الأشاعرة؛ فيها حقٌّ وباطلٌ. فإثباتُ أن الله تعالى واحد في أفعاله؛ حقٌّ، ونفي أن يكون له شريك يشاركه في أفعاله؛ حقٌّ، ونفي أن يكون تعالى متجزئاً أو متبعضاً؛ حقٌّ. لكن إدخال نفي الصفات في مسمى التوحيد؛ باطلٌ، وكذا اعتقاد أن توحيد الربوبية؛ هو التوحيد المطلوب فقط، واعتقاد أن توحيد الربوبية؛ هو: معنى «لا إله إلا الله»؛ باطلٌ، وكذا تفسيرهم «الإله» بأنه القادر على الاختراع؛ باطلٌ، وكذا إغفالهم توحيد العبادة؛ باطلٌ. * * *

стр. 613

فقد تبيَّن أن ما يسمونه توحيداً فيه ما هو حقٌّ، وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقاً؛ فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله؛ لم يخرجوا فيه من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول ﷺ ؛ بل لا بدَّ أن يعترفوا بأنه لا إله إلا الله. وليس المراد ب «الإله»؛ هو: «القادر على الاختراع»، كما ظنَّه من ظنه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن «الإلهية»؛ هي: «القدرة على الاختراع»، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره؛ فقد شهد أنه لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرُّون بهذا وهم مشركون، كما تقدم بيانه؛ بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يُعبد؛ فهو «إله» بمعنى «مألوه»، لا «إله» بمعنى «آله». والتوحيدُ: أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراكُ: أن يجعل مع الله إلهاً آخر. بعد أن ذكرَ الشيخُ أقسامَ التوحيدِ عندَ أهلِ الكلامِ، ومناقشتها، وما فيها مِنْ حق وباطل، بيَّن الشيخ أنه لو كان جميعُ ما ذكره أهل الكلام مِنْ أنواع التوحيد حقاً، وأقر به المشركون؛ لم يخرجوا بذلك من الشرك الذي وصفهم الله تعالى به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥].

стр. 614

فلا يخرجون من الشرك إلا بالتوحيد الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، والابتعاد عن الشرك، الذي هو: اتخاذ إله آخر مع الله تعالى. و «الإله» في اللغة العربية؛ هو: «المألوه» أي: المعبود، اسم مفعول، وليس معناه: «آله» اسم فاعل (١)، فالإلهية استحقاق العبادة، وليست القدرة على الاختراع. فمعنى «لا إله إلا الله» عند أهل الكلام: «لا خالق إلا الله»، أو: «لا قادر على الاختراع إلا الله»، وهذا هو توحيد الربوبية - توحيد الأفعال -، فعند أهل الكلام أن من أقرَّ بأن الله تعالى هو القادر على الاختراع؛ فقد شهد أنه لا إله إلا الله (٢). ومِن المعلوم أن المشركين كانوا يقرون بهذا، ولم يخرجهم إقرارهم بهذا عن كونهم مشركين. * * *

стр. 615

موازنة بين طوائف المتكلمين والصوفية في التوحيد، والقدر، والإيمان وإذا تبيَّن أن غاية ما يقرره هؤلاء النُّظار، أهل الإثبات للقدر، المنتسبون إلى السنة، إنما هو «توحيد الربوبية»، وأن اللهَ ربُّ كلِّ شيء، ومع هذا؛ فالمشركون كانوا مقرِّين بذلك، مع أنهم مشركون. فكذلك طوائف من أهل التصوف، المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد؛ غاية ما عندهم من التوحيد؛ هو: شهود هذا التوحيد؛ وهو: أن يشهد أن الله ربُّ كلِّ شيء، ومليكُه وخالقُه، لا سيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء «توحيد الربوبية»، بحيث يفنى مَنْ لم يكن، ويبقى مَنْ لم يَزَل. فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها!، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلماً؛ فضلاً عن أن يكون ولياً لله، أو مِنْ سادات الأولياء. هذا شروع في ذكر موازنات بين بعض الطوائف؛ طوائف المتكلمين والمتصوفة.

стр. 616

وقد علم مما تقدم: أن غاية ما يقرره أهل الكلام؛ ومنهم: المثبتون للقدر المنتسبون للسنة - وهم الأشاعرة -، غاية ما يقررونه من التوحيد: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون، وكذلك طوائف من أهل التصوف المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد؛ فإن غاية ما عندهم من تحقيق التوحيد، إنما هو توحيد الربوبية؛ وهو: أن يشهد أن الله ربُّ كلِّ شيء ومليكُه وخالقُه، ومِن المعلوم أن الرجل لا يصير بمجرد هذا التوحيد مسلماً، فضلاً عن أن يكون ولياً لله، أو من سادات الأولياء. فالغايةُ عند هؤلاء الصوفية؛ الفناءُ في توحيد الربوبية، فيفنى العارف ويغيب بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، وبمعبوده عن عبادته، بحيث يفنى من لم يكن - وهو: المخلوق -، ويبقى من لم يزل - وهو: الخالق -، وليس المراد بالفناء عندهم: فناء حقيقةِ وجودِ المخلوقات عن الوجود، وإنما المراد: الفناء عن الشعور بها. «فيفنى العارف بمشهوده» أي: بربه، والضمير هنا يرجع للعبد «عن شهوده»، أي: عن مشاهدته له، والضمير هنا في المصدر «شهود» يصلح أن يرجع للرب، ويصلح أن يرجع للعبد، وهو أحسن (١). فيغيب بمشهوده، ومذكوره، ومعروفه، وموجوده، أي: بربه عن كل شيء، حتى عن نفسه ومعرفته، وذكره لربه وعبادته، فلا يشعر بشيء من ذلك (٢).

стр. 617

وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يُقرون هذا التوحيد مع إثبات الصفات، فيفنون في «توحيد الربوبية» مع إثبات الخالق للعالم المبائن لمخلوقاته. وآخرون يضمُّون هذا إلى نفي الصفات، فيدخلون في التعطيل مع هذا، وهذا شرٌّ مِنْ حال كثير مِنْ المشركين. وكان جهمٌ ينفي الصفات، ويقول بالجبر، فهذا تحقيق قول جهم، لكنه إذا أثبت الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فارق المشركين من هذا الوجه، لكنَّ جهماً ومَن اتبعه يقول بالإرجاء، فيَضْعُف الأمر والنهي، والثواب والعقاب عنده. يذكر الشيخ هنا أن من الصوفية من يقرُّ بتوحيد الربوبية مع إثبات الصفات، فهم مع فنائهم في توحيد الربوبية؛ أثبتوا الخالق للعالم المبائن لمخلوقاته. ومن الصوفية من يضم إلى فنائه في توحيد الربوبية واقتصاره عليه: نفي الصفات، وهذا يشبه ما عليه المعتزلة. ويقرر الشيخ أن هؤلاء شرٌّ مِنْ حال كثير مِنْ المشركين؛ لأن المشركين كانوا يثبتون - في الجملة - صفات الله تعالى، وهؤلاء نفوا الصفات، وجعلوا التوحيد؛ هو توحيد الربوبية، وهذا هو تحقيق

стр. 618

قول جهم بن صفوان، فإنه كان ينفي الصفات، ويقول بالجبر، وشهود الربوبية فقط. وجهم بن صفوان إمام أهل التعطيل، وقد اشتهر عنه ثلاث بدع (١): ١ - بدعة التعطيل في الأسماء والصفات. ٢ - بدعة الجبر في باب القدر، وهو مِنْ مقتضيات غلوه في توحيد الربوبية. ٣ - بدعة الإرجاء في باب الإيمان؛ فالإيمان عنده؛ هو: المعرفة فقط. فجهمٌ شرٌّ مِنْ المشركين مِنْ حيث نفيُه للصفات، لكنه يفارقهم، ويكون أحسن منهم مِنْ حيث إثباتُه للأمر، والنهي، والثواب، والعقاب، والرسالات، والمعاد، ثم إن قولَه بالإرجاء؛ وهو: أن الإيمان؛ هو: مجرد المعرفة؛ يضعفُ قوله وتقريره للأمر والنهي، والثواب والعقاب. * * *

стр. 619

والنَّجَّارية والضِّرارية وغيرهم يَقْرُبون مِنْ جهم في مسائل القدر والإيمان، مع مقاربتهم له أيضاً في نفي الصفات. والكُلَّابية والأشعرية خيرٌ من هؤلاء في باب الصفات، فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبون الصفات الخبرية في الجملة، كما فصَّلت أقوالهم في غير هذا الموضع. وأما في باب القدر، ومسائل الأسماء والأحكام؛ فأقوالهم متقاربة. والكُلَّابية: هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب، الذي سلك الأشعري خلفه، وأصحاب ابن كُلَّاب؛ كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القَلَانِسي، ونحوهما؛ خير من الأشعرية في هذا وهذا، فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب؛ كان قوله أعلى وأفضل. ثم يذكر الشيخ بعض الموازنات العامة بين بعض فرق أهل الكلام في مسائل القدر، والإيمان، والصفات، ومسائل الأسماء والأحكام.

стр. 620

فالنَّجَّارية (١)، والضِّرارية (٢) يقربون من جهم في مسائل القدر، والإيمان، كما يقاربونه في نفي الصفات وتعطيلها. أما الكُلَّابية، والأشعرية؛ فهم وإن كانوا خيراً مِنْ النجارية، والضرارية في باب الصفات لإثباتهم الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة؛ إلا أن أقوالهم في باب القدر، ومسائل الأسماء والأحكام؛ مقاربة لأقوال الجهمية، والنجارية، والضرارية، فعندهم جَبْرٌ، وإرجاء. فالأشاعرة يقولون: «إن أفعال العباد مخلوقة لله، وهي كسب للعبد»، فهم يتحاشون أن تكون فعلاً للعبد؛ لأن «الفعل» عندهم؛ هو: «المفعول»، فهي أفعال لله - وليس عندهم فرق بين الفعل والمفعول -، وهي كسب للعبد!

стр. 621

وقد قال بعض العلماء: «إن كسب الأشعري لا حقيقة له» (١)؛ لأنهم يقولون: «إنه لا أثر لقدرة العبد في فعله»، والكسب عندهم: «مقارنة الفعل للقدرة الحادثة»، فهم منكرون للأسباب، ولهذا فإن حقيقة قولهم: «إنكار قدرة العبد، ومشيئته واختياره»، وهذا هو قول جهم، إلا أن جهماً صرح بنفي ذلك مطلقاً، والأشاعرة لم يصرحوا بذلك؛ بل حاولوا التوفيق والتلفيق بين الحق والباطل. وبيَّن الشيخ أن الأشعري سلك مسلك عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب (٢)، ثم يقارن بين أصحاب ابن كلاب، والأشعرية؛ فيذكر أن أصحابَ ابن كلاب؛ كالحارث المحاسبي (٣)، وأبي العباس القَلَانِسي (٤)، ونحوهما؛

стр. 622

خيرٌ من الأشعرية في هذا، وهذا، أي: في باب الصفات، وباب القدر، ومسائل الأسماء والأحكام، فالشيخ يفضلهم على الأشاعرة في ذلك. وهذا الأسلوب من الموازنة يرجع إلى ما أمر الله به من العدل في الحكم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]. فالكفار وإن اشتركوا في الحكم؛ فلا يقال: «إنهم في الكفر سواء»؛ بل إن بعض الكفار أكفر من بعض، وحكمُ الله تعالى الشرعي والجزائي قائمٌ على هذا، فالواجب إنزال كل أحد منزله في الخير والشر. وهكذا المبتدعة، فهذه الطوائف لما ابتدعت بدعاً، وجب معرفة ما بينهم من تفاوت في تلك البدع، فبعضهم أقرب إلى الحق من بعض، فمن يثبتُ بعض الصفات؛ خيرٌ ممن ينفي كلَّ الصفات، ومن ينفي الصفاتِ ويثبت الأسماء؛ خيرٌ ممن ينكر الأسماء والصفات. ويذكر الشيخ معياراً للخيرية والعلو والفضيلة في الأفراد والطوائف؛ فيقول: (كلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب؛ كان قوله أعلى وأفضل)، والعكس بالعكس؛ فكلما كانت أقوال الشخص وأحواله أبعد عن منهج السلف؛ كان بضد ذلك: أبعد عن الصواب.

стр. 623

وهذا ينبهنا إلى أصل عظيم؛ وهو: اعتبارُ الصحابة ﵃ القدوةُ في جملتهم بعد النبي ﷺ ؛ لأنهم قاموا بالإسلام بأقوالهم وأفعالهم، فإن اتفقوا؛ فقولهم حجة، وإن اختلفوا؛ فهم متفاضلون، ويعرف الصواب من أقوالهم بعرضها على الكتاب والسنة، وإذا لم يتبين، فيرجح بينهم، فقولُ الخلفاء الراشدين؛ مقدمٌ على غيرهم. * * *

стр. 624

والكَرَّاميةُ قولهم في الإيمان قولٌ منكر لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمانَ قولَ اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمناً، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم. وأما في الصفات والقدر، والوعد والوعيد؛ فهم أشبه مِنْ أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة. قول الكرَّامية (١) في الإيمان؛ إنه: «إقرار باللسان فقط»، قال فيه الشيخ إنه: (قول منكر لم يسبقهم إليه أحد). فالمنافق عند الكرامية مؤمن كامل الإيمان؛ لإقراره بلسانه وإن كان في الدرك الأسفل من النار، فهم خالفوا الجماعة في اسم المنافق دون حكمه الجزائي الأخروي (٢).

стр. 625

والحق أن المنافق يسمى في الشرع منافقاً لا مؤمناً، كما قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]؛ فلو كان المنافق مؤمناً؛ لدخل في قوله: وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وهكذا سائر الآيات التي تذكر أهل الإيمان. فقولُ من يقول: إن الإيمان هو التصديق؛ خيرٌ منهم في ذلك (١). ثم يذكر الشيخ أن أقوالهم في الصفات والقدر والوعد والوعيد؛ أحسن من سائر الطوائف الكلامية التي خالفت أهل السنة والجماعة. ففي الصفات نجدهم يثبتونها، ولكنهم يطلقون على الله تعالى لفظ «الجسم»، وفي صفة الكلام؛ نجدهم يقولون: «إن الله تعالى يتكلم بمشيئته»، ولكنهم يقولون: «إنه حدث له الكلام»، فهم على ما عندهم من ذلك؛ خير ممن ينفي الصفات، وهكذا في بقية الأبواب. * * *

стр. 626

وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات، ويقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عظموا الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغلوا فيه؛ فهم يكذِّبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب. والإقرارٌ بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، مع إنكار القدر؛ خيرٌ من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين مَنْ ينفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وكان قد نبغ فيهم القدرية، كما نبغ فيهم الخوارج الحرورية، وإنما يظهر مِنْ البدع أولاً ما كان أخف، وكلما ضعف مَنْ يقوم بنور النبوة؛ قويت البدعة. يعقد الشيخ هنا موازنة بين المعتزلة والجهمية في ثلاثة أشياء؛ في الصفات، والقدر، والوعد والوعيد. فأما في الصفات؛ فهم مقاربون للجهمية، حيث إن المعتزلة تنفي الصفات، وجهماً ينفي الأسماء والصفات. وأما في القدر؛ فهم متناقضون، فجهم يغلو في إثبات القدر إلى حد الجَبْر، والمعتزلة ينفون القدر، ففيهم نوعُ شركٍ، وذلك بإخراجهم أفعال العباد عن خلق الله، وجعلِهم العبد يخلق فعله بنفسه.

стр. 627

والمعتزلة يعظمون الأمر والنهي، والوعد والوعيد إلى حد الغلو في ذلك، حيث قالوا بإخراج مرتكب الكبيرة من الإيمان، وبتخليده في النار. وأما جهم؛ فإنه قال: «إن الإيمان هو المعرفة، ولا يضر مع الإيمان ذنب»؛ فالمعتزلةُ وعيديةٌ، والجهميةُ مرجئةٌ. وبعد هذه الموازنة يبيِّن الشيخ أن المعتزلةَ - على قبح قولهم - خيرٌ من الجهمية؛ فإن الإقرارَ بالأمر والنهي، والوعد والوعيد مع إنكار القدر؛ خيرٌ من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي، والوعد والوعيد؛ لأن هذا الأخير يؤدي إلى فساد الدين والدنيا، وعدم استقرار أمور الفرد والجماعة (١). فبدعةُ الجبر والإرجاء؛ أقبحُ وأظهرُ فساداً من بدعة إنكار القدر والقول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار. ومن آثار هذا التفاوت بين الطائفتين: أن إنكار الأمر والنهي، والقول بالإرجاء والجبر؛ لم يظهر في عهد الصحابة، وإنما ظهرت بدايتها في القرن الثاني، بخلاف التكذيب بالقدر؛ فقد ظهر في زمن الصحابة، وكذلك بدعة التكفير بالمعاصي؛ ظهرت في عهد علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 628

وهذا يدل على أنَّ بدعةَ التكذيب بالقدر، والقول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار؛ أخفُ وأخفى من بدعة الجبر والإرجاء، وإنكار الأمر والنهي. ويذكر الشيخ لهذا قاعدة؛ وهي: (إنما يظهر مِنْ البدع أولاً ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة؛ قويت البدعة). فالبدعُ الكبيرة الظاهرة؛ لا تأتي إلا بعد أن تسبقها بدعٌ أصغر منها، وأخفى (١). * * *

стр. 629

فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية، مع إعراضهم عن الأمر والنهي؛ شرٌّ من القدرية المعتزلة ونحوهم، أولئك يُشَبَّهون بالمجوس، وهؤلاء يشبَّهون بالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، والمشركون شرٌّ من المجوس. بعد أن ذكر الشيخ موازنة بين القدرية والجبرية، بيَّن أن غلاة المتصوفة يشهدون الحقيقة الكونية، أي: يشهدون أن الله تعالى ربُّ كلِّ شيء، ومليكُه، وخالقُ كل شيء، ويعرضون عن الأمر والنهي، فهم قائلون بالجبر والإرجاء، أي: إنهم سالكون مسلك جهم. فهؤلاء شرٌّ من القدرية المعتزلة، فإن القدرية المعتزلة يشبهون بالمجوس؛ لأنهم جعلوا العبد يخلق فعل نفسه؛ فجعلوا خالقاً مع الله، وهؤلاء الصوفية المرجئة الجبرية يشبهون بالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، والمشركون شرٌّ من المجوس. وهذا تأكيد لما سبق من قول الشيخ: إن الإقرارَ بالأمر والنهي، والوعد والوعيد مع إنكار القدر؛ خيرٌ من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي، والوعد والوعيد.

стр. 630

وممَّا يبيِّن أنَّ المشركين شرٌّ من المجوس في الحكم: جواز أخذ الجزية مِنْ المجوس؛ لأنهم مُشَبَّهون بأهل الكتاب كما في الحديث: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» (١)، وقد أخذ النبي ﷺ الجزية من مجوس هجر (٢). أما المشركون الوثنيون؛ فلا تؤخذ منهم الجزية على قول جمهور أهل العلم (٣). * * *

стр. 631

أصل الدين الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر: الشهادتان - الأصل الأول: توحيد الإلهية فهذا أصل عظيم، على المسلم أن يعرفه؛ فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر؛ وهو: الإيمان بالوحدانية والرسالة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين، أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق، والتوحيد، والعلم، والمعرفة، فإقرار المرء بأن الله ربُّ كل شيء ومليكُه وخالقُه؛ لا ينجيه من عذاب الله؛ إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمداً رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فلا بدَّ من الكلام في هذين الأصلين. الأصل الأول: توحيد الإلهية، فإنه أخبر عن المشركين - كما تقدم - بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله يدعونهم، ويتخذونهم شفعاء من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (١٨)﴾ [يونس]، فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء الشفعاء مشركون.

стр. 632

وقال تعالى عن مؤمن يس: ﴿وَمَا لِي لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُون (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِين (٢٤) إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُون (٢٥)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُون (٩٤)﴾ [الأنعام]، فأخبر سبحانه عن شفعائهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء. وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُون (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون (٤٤)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام]. وقد قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُون (٢٨)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاء وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ ظَهِير (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ

стр. 633

لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء]. قالت طائفة من السلف: «كان أقوام يَدعون عُزيراً، والمسيح، والملائكة، فأنزل الله تعالى هذه الآية بيَّن فيها: أن الملائكة، والأنبياء يتقربون إلى الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه» (١). يذكر الشيخ هنا أصل الإسلام وأساسه، الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر؛ وهو: الإيمان بالوحدانية، والرسالة، أي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وبمخالفة شهادة التوحيد يقع الإنسان في الشرك، وبالإخلال بشهادة الرسالة يقع في البدعة. وكثيرٌ من الناس أخلَّ بتحقيق هذين الأصلين، أو أحدهما، وهو يظن أنه قد حققهما؛ كمَن يقف عند شهود الحقيقة الكونية، والإقرار بتوحيد الربوبية.

стр. 634

وهذا في الحقيقة لا ينجيه مِنْ عذاب الله تعالى إذا لم يقترن به شهادة أن لا إله إلا الله، واعتقاد أنه لا يستحق العبادة أحد سواه، وشهادة أن محمداً رسول الله بتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر. ثم يفصل الشيخ في هذين الأصلين: الأصل الأول: توحيد الإلهية، ويوضحه بأمرين: ١ - بذكر ضده؛ وهو: الشرك. ٢ - ذكر حقه تعالى على عباده. فأما الأول؛ فيقول: (فإنه أخبر عن المشركين بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله تعالى يدعونهم، ويتخذونهم شفعاء من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (١٨)﴾). فأخبر الله تعالى أن المشركين لم يعبدوا ما عبدوا معتقدين أنهم ينفعون، أو يضرون، أو يملكون، أو يدبرون، وإنما عبدوهم على أنهم شفعاء ووسائط بينهم وبين الله تعالى. وقد ذكر المؤلف ﵀ جملة من الآيات المبينة لحقيقة ما يُثبت وما يُنفى من الشفاعة. فأبطل الشفاعة التي يظنها المشركون لآلهتهم، وأثبت الشفاعة التي تكون بإذنه ورضاه.

стр. 635

فأما الشفاعة التي يظنها المشركون لآلهتهم؛ فهي: كشفاعة المخلوق عند المخلوق، حيث تكون بغير إذنه ولا رضاه؛ بل قد يقبل المشفوع عنده الشفاعة مضطراً؛ لأنه يرجو الشافع، أو يخافه. أما الله تعالى؛ فإن المُلك كلَّه له، فلا أحد يشفع إلا مِنْ بعد إذنه، ورضاه، ولهذا يأتي الكلام في اتخاذ المشركين لهم شفعاء مربوطاً بتفرده تعالى بالملك، كما قال : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُون (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. فأبطل تعالى ما ظنه المشركون من الشفاعة، كما قال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاع (١٨)﴾ [غافر] وقال: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِين (٤٨)﴾ [المدثر]. والشفاعة المثبتة؛ هي التي تكون بإذن الله سبحانه للشافع أن يشفع؛ وهم: أولياء الله، وتكون لمن رضي عنه؛ وهم: أهل التوحيد، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «مَنْ أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه» (١)، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاء وَيَرْضَى (٢٦)﴾. وقد دلت هذه الآيات التي ذكرها المؤلف ﵀ على: أن هؤلاء الذين عبدوا ما عبدوا زاعمين أنهم يشفعون لهم؛ مشركون، كما في
следующие страницы →