أصل الدين الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر: الشهادتان
- الأصل الأول: توحيد الإلهية
فهذا أصل عظيم، على المسلم أن يعرفه؛ فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر؛ وهو: الإيمان بالوحدانية والرسالة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين، أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق، والتوحيد، والعلم، والمعرفة، فإقرار المرء بأن الله ربُّ كل شيء ومليكُه وخالقُه؛ لا ينجيه من عذاب الله؛ إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمداً رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فلا بدَّ من الكلام في هذين الأصلين.
الأصل الأول: توحيد الإلهية، فإنه أخبر عن المشركين - كما تقدم - بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله يدعونهم، ويتخذونهم شفعاء من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (١٨)﴾ [يونس]، فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء الشفعاء مشركون.
لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، وقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ [الإسراء].
قالت طائفة من السلف: «كان أقوام يَدعون عُزيراً، والمسيح، والملائكة، فأنزل الله تعالى هذه الآية بيَّن فيها: أن الملائكة، والأنبياء يتقربون إلى الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه» (١).
يذكر الشيخ هنا أصل الإسلام وأساسه، الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر؛ وهو: الإيمان بالوحدانية، والرسالة، أي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
وبمخالفة شهادة التوحيد يقع الإنسان في الشرك، وبالإخلال بشهادة الرسالة يقع في البدعة.
وكثيرٌ من الناس أخلَّ بتحقيق هذين الأصلين، أو أحدهما، وهو يظن أنه قد حققهما؛ كمَن يقف عند شهود الحقيقة الكونية، والإقرار بتوحيد الربوبية.
стр. 634
وهذا في الحقيقة لا ينجيه مِنْ عذاب الله تعالى إذا لم يقترن به شهادة أن لا إله إلا الله، واعتقاد أنه لا يستحق العبادة أحد سواه، وشهادة أن محمداً رسول الله بتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر.
ثم يفصل الشيخ في هذين الأصلين:
الأصل الأول: توحيد الإلهية، ويوضحه بأمرين:
١ - بذكر ضده؛ وهو: الشرك.
٢ - ذكر حقه تعالى على عباده.
فأما الأول؛ فيقول: (فإنه أخبر عن المشركين بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله تعالى يدعونهم، ويتخذونهم شفعاء من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (١٨)﴾).
فأخبر الله تعالى أن المشركين لم يعبدوا ما عبدوا معتقدين أنهم ينفعون، أو يضرون، أو يملكون، أو يدبرون، وإنما عبدوهم على أنهم شفعاء ووسائط بينهم وبين الله تعالى.
وقد ذكر المؤلف ﵀ جملة من الآيات المبينة لحقيقة ما يُثبت وما يُنفى من الشفاعة.
فأبطل الشفاعة التي يظنها المشركون لآلهتهم، وأثبت الشفاعة التي تكون بإذنه ورضاه.
стр. 635
فأما الشفاعة التي يظنها المشركون لآلهتهم؛ فهي: كشفاعة المخلوق عند المخلوق، حيث تكون بغير إذنه ولا رضاه؛ بل قد يقبل المشفوع عنده الشفاعة مضطراً؛ لأنه يرجو الشافع، أو يخافه.
أما الله تعالى؛ فإن المُلك كلَّه له، فلا أحد يشفع إلا مِنْ بعد إذنه، ورضاه، ولهذا يأتي الكلام في اتخاذ المشركين لهم شفعاء مربوطاً بتفرده تعالى بالملك، كما قال : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُون (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾.
فأبطل تعالى ما ظنه المشركون من الشفاعة، كما قال: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاع (١٨)﴾ [غافر] وقال: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِين (٤٨)﴾ [المدثر].
والشفاعة المثبتة؛ هي التي تكون بإذن الله سبحانه للشافع أن يشفع؛ وهم: أولياء الله، وتكون لمن رضي عنه؛ وهم: أهل التوحيد، كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «مَنْ أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه» (١)، وكما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاء وَيَرْضَى (٢٦)﴾.
وقد دلت هذه الآيات التي ذكرها المؤلف ﵀ على: أن هؤلاء الذين عبدوا ما عبدوا زاعمين أنهم يشفعون لهم؛ مشركون، كما في
стр. 636
آية يونس: قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (١٨)﴾.
فاللهُ تعالى لا يَعْلَمُ أحداً يشفع عنده بغير إذنه، ولا أحداً يكون له شريكاً؛ أي: لا يوجد شيء من ذلك، فهؤلاء شركاء في الزعم والادعاء، وليسوا شركاء على الحقيقة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُون (٩٤)﴾.
فمن زعم إلهاً مع الله؛ فهو أعظم الناس إفكاً وكفراً، ومن اتخذ شفعاء ووسطاء بينه وبين الله يدعوهم؛ فقد أشرك شركاً يناقض شهادة أن لا إله إلا الله، ويناقض التوحيد الذي هو أصل دين الرسل.
وهذا من بيان الشيء بضده، فبمعرفة الشرك؛ يعرف التوحيد.
والضدُّ يُظْهِر حسنَه الضدُّ (١). وبضدِّها تتميزُ الأشياءُ (٢).
стр. 637
وكثيرٌ ممن عاش في الكفر؛ يكون أعرف بكمال الإسلام ومحاسنه ممَّن ولد في الإسلام، وعافاه الله من ظلمات الكفر.
فالصحابةُ ﵃ مع أن أكثرهم عاش في الكفر والشرك؛ هم أكمل الناس إيماناً، وهم أعرف الناس بسوء الكفر، وقبح الجاهلية.
وفي أثر عمر بن الخطاب ﵁ المشهور: «إنما تُنقض عرى الإسلام عروة عروة؛ إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية» (١).
ومعرفةُ الجاهلية قد تكون بالعيش فيها قبل الدخول في الإسلام، وقد تكون بالتعلم.
* * *
стр. 638
ومِن تحقيق التوحيد أن يُعلم أن الله تعالى أثبتَ له حقاً لا يَشركه فيه مخلوق؛ كالعبادة، والتوكل، والخوف، والخشية، والتقوى، قال تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولا (٢٢)﴾ [الإسراء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين (١١)﴾ [الزمر].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُون (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِّنْ الشَّاكِرِين (٦٦)﴾ [الزمر]، وكل مَنْ أرسل مِنْ الرسل يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩ و ٦٥ و ٧٣ و ٨٥].
الثاني مما يوضح به الشيخ حقيقة التوحيد، قوله: (ومن تحقيق التوحيد أن يُعلم أن الله تعالى أثبت له حقاً لا يَشركه فيه مخلوق) فتحقيق التوحيد يكون ب: تركٍ، وفعلٍ؛ ترك عبادة غير الله من أنواع الشرك، وفعل العبادة لله تعالى، وهذا معنى «لا إله إلا الله».
فمَن عبد مع الله غيره؛ لم يكن موحداً، ولو عبد الله تعالى، ومَن لم يعبد الله تعالى؛ لم يكن موحداً، وإن لم يعبد غير الله.
стр. 639
فالتوحيدُ يكون بعبادة الله وحده لا شريك له؛ على حد قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقول الرسل لأممهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾».
فالله تعالى قد يأمر بعبادته، وقد ينهى عن الشرك به، وقد يقرن بينهما كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
والله تعالى أمر بعبادته على وجه العموم؛ كما أمر بأنواع من العبادة على وجه الخصوص.
فمن الأول: قوله تعالى على لسان الأنبياء: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وقوله: ﴿أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّين (١١)﴾، وقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِّنْ الشَّاكِرِين (٦٦)﴾.
ومن الثاني، وهو: الأوامر الخاصة ببعض العبادات؛ كما في قوله تعالى في التوكل: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٣)﴾ [المائدة]، وقوله في الخوف: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (١٧٥)﴾ [آل عمران]، وهكذا بقية العبادات؛ كالخشية، والتقوى، والصلاة، والصيام، وغير ذلك.
* * *
стр. 640
وقد قال تعالى في التوكل: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٣)﴾ [المائدة]، ﴿وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون (١٢)﴾ [إبراهيم]، وقال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون (٣٨)﴾ [الزمر].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُون (٥٩)﴾ [التوبة]، فقال في الإيتاء: ﴿مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وقال في التوكل: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ﴾ ولم يقل: «ورسوله»؛ لأن الإيتاء؛ هو: الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن: الإباحة، والإحلال، الذي بلَّغه الرسول، فإن الحلال ما حلَّله، والحرام ما حرَّمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وأما الحسب؛ فهو: الكافي، والله وحده كافٍ عبده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾ [آل عمران]، فهو وحده حسبهم كلهم.
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين (٦٤)﴾ [الأنفال]، أي: حسبك، وحسب مَنْ اتبعك مِنْ المؤمنين؛ هو الله، فهو كافيكم كلكم، وليس المراد: أن الله والمؤمنين حسبك، كما يظنه بعض الغالطين؛ إذ هو وحده كافٍ نبيه وهو حسبه، ليس معه من يكون هو وإياه حسباً للرسول، وهذا في اللغة؛ كقول الشاعر:
стр. 641
فحسبُك والضحاكَ سيفٌ مهندُ
وتقول العرب: حسبُك وزيداً درهم، أي: يكفيك وزيداً - جميعاً - درهمٌ.
هذا كله في تقرير «الأصل الأول»، وبيان أن التوحيد لا يتحقق إلا بعبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه.
ويذكر الشيخ هنا بعض العبادات التي أمر الله بها وأدلتها، فمِن ذلك: التوكل؛ كما قال جل وعلا: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٣)﴾، فالتوكل على الله وحده دون ما سواه، وهذا يؤخذ من أسلوب الحصر، وهو: تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾، فهو مثل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] (١)، فلا يُتوكل إلا على الله؛ كما لا يعبد سواه.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي: كافيه مما يخاف.
ومدح الله المؤمنين الذين قالوا عند تخويفهم بجمع الناس: ﴿حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل﴾، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل (١٧٣)﴾، فهو وحده حسبهم كلهم.
стр. 642
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْا مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُون (٥٩)﴾، فجعل الإيتاء لله ورسوله، والإيتاء؛ هو: الإعطاء الشرعي المتضمن: الإباحة، والإحلال، الذي بلغه الرسول ﷺ ، فالطاعة في ذلك تكون للرسول؛ كما تكون لله قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾؛ فالحلال ما حلَّله، والحرام ما حرَّمه، والدين ما شرعه (١).
فالإيتاء الشرعي؛ يكون من الله تعالى ابتداء، ومن الرسول ﷺ بلاغاً، وإذا رَزق الله العبدَ مالاً حلالاً؛ فهذا إيتاء شرعي، وكوني، وينفرد الإيتاء الكوني فيما يحصل للعبد مِنْ كسب حرام.
وأما الحسب؛ فهو: الكافي، والله وحده كافٍ عبده، ولهذا كان الحَسْبُ والرغبة لله وحده، فلا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِين (٦٤)﴾ أي: الله وحده كافيك وكافٍ مَنْ اتبعك من المؤمنين، وهذا هو التفسير الصحيح للآية، وليس معناها ما قاله بعضهم مِنْ أن المراد: «أن الله والمؤمنين حسبك»، فإن هذا غلط؛ بل الله وحده كافٍ نبيه، وكافٍ عباده المؤمنين.
стр. 643
ويتبيَّن الفرق بين القولين بالكلام في إعراب الموصول (١):
فقوله تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللّهُ﴾ «حَسْبُ»: مبتدأ؛ وهي: مضاف، و «الكاف»: مضاف إليه، و «لفظ الجلالة»: خبرٌ.
وقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾: الواو عاطفة على الضمير المجرور - وهو: الكاف -، ولا بأس - على الصحيح (٢) - من العطف على الضمير المتصل المجرور، ولو من غير إعادة العامل، والمعنى: «حسبُك ومَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين اللهُ»، ف «مَنْ» هنا معطوفة على الضمير المجرور.
أو تكون «الواو» عاطفة لجملة على جملة، أي: «حسبك الله، ومَنِ اتبعك مِنْ المؤمنين حسبهم الله كذلك»، فتكون «مَنْ» مبتدأ.
أو تكون «الواو» للمعية؛ فإن العرب تقول: «حسبك وزيداً درهم»، أي: يكفيك وزيداً معك درهمٌ، ف «الواو» للمعية، و «زيداً» منصوبٌ على المعية؛ فتكون «مَنْ» هنا في موضع نصب.
ومن ذلك قول الشاعر:
فحسبُك والضَّحاكَ سيفٌ مهندُ (٣)
стр. 644
وقيل: إن «الواو» عاطفة، و «مَنْ» معطوف على «لفظ الجلالة»، وهذا القول ضعيف؛ بل هو غلط؛ لأن معناه: أن الله والمؤمنين حسب الرسول؛ فيقال: فمَن حسب المؤمنين إذاً؟! (١)
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِين (٦٢)﴾ [الأنفال]، فما يحصل للنبي ﷺ من نصرة المؤمنين، فإنه من كفاية الله؛ فإنه ؛ هو الذي قيَّض المؤمنين، وأيدهم، ووفقهم حتى قاموا بما يجب عليهم من نصرة النبي ﷺ .
* * *
стр. 645
وقال في الخوف والخشية والتقوى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون (٥٢)﴾ [النور]، فأثبت الطاعة لله وللرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح ﵇: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِين (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُون (٣)﴾ [نوح]، فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله.
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (١٧٥)﴾ [آل عمران]، وقال الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨١)﴾ [الأنعام]، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُون (٨٢)﴾ [الأنعام].
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لما نزلت هذه الآية شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: «أينا لم يظلم نفسه»؟ فقال النبي ﷺ : «إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم (١٣)﴾ [لقمان]»، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُون (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠]، و ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُون (٤١)﴾ [البقرة].
стр. 646
من العبادات التي ذكرها الشيخُ، وذكر أدلةً لها: الخوف، والخشية، والتقوى، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (١٧٥)﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُون (٤١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُون (٤٠)﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون (٥٢)﴾.
فجعَل الطاعة لله وللرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، وقال جل وعلا عن إبراهيم الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُون (٨٢)﴾، والمراد ب «الظلم» هنا: «الشرك»، كما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟» قال: «ليس ذلك إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه، وهو يعظه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم (١٣)﴾» (١).
والظلم ثلاثة أنواع: ظلم العبد لنفسه بالشرك، وظلم العبد لنفسه بالمعاصي، وظلم العبد لغيره مِنْ المخلوقين؛ بالاعتداء على أموالهم، وأعراضهم، ودمائهم، وسائر حقوقهم.
стр. 647
فمَن سَلِم مِنَ الظلم كلِّه؛ فاز بالأمن التام، والهدى التام، ومن سلم مِنَ الشرك الأكبر، ولكنه خلط إيمانه ولَبَسَه بشيء من ظلم النفس، أو ظلم العباد؛ نقص مِنْ أمنه، وهدايته بقدر ما معه مِنْ ذلك الظلم.
ومن لَبَسَ إيمانه بشيء من الشرك الأكبر؛ فلا أمن له، ولا هدى، ومآله إلى النار، وبئس القرار.
فكلُّ من أتى بالتوحيد، وسَلِم من الشرك الأكبر؛ حصل له أمن، فأصل التوحيد؛ يعصم صاحبه من الخلود في النار.
وكمال التوحيد؛ يعصم صاحبه من دخول النار؛ ف «إن الله حرم على النار؛ مَنْ قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله» (١)، فمن قالها خالصاً من قلبه، وصدقاً من قلبه؛ لم يدخل النار؛ لأنه حقق التوحيد، وابتعد عن كل ما يَنقُضه أو يُنْقِصه.
فمَن أكل الربا، أو مال اليتيم؛ لم يحقق التوحيد، بل هو متوعد بالنار، وهو تحت مشيئة الله؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].
* * *
стр. 648
ومِن هذا الباب أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: «مَنْ يطع الله ورسوله؛ فقد رشد، ومن يعصهما؛ فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئاً» (١)، وقال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محمد»، ففي الطاعة قَرَن اسم الرسول باسمه بحرف «الواو»، وفي المشيئة أمر أن يجعل ذلك بحرف «ثم»، وذلك لأن طاعة الرسول طاعة لله، فمَن يطعِ الرسول؛ فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة للرسول.
بخلاف المشيئة، فليست مشيئةُ أحدٍ من العباد مشيئةً لله، ولا مشيئةُ الله مستلزمة لمشيئة العباد؛ بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إلا أن يشاء الله.
يبيِّن الشيخ هنا الفرق بين ما يختص الرب به، وما هو مشترك؛ فهو من حق الله تعالى، وحق الرسول ﷺ ، وهذا يتبيَّن في الطاعة، فطاعة الله تعالى وطاعة رسوله متلازمتان، فطاعة الله طاعة للرسول، وطاعة الرسول طاعة لله، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ولهذا فإن الأنبياء يأمرون بطاعتهم، كما في قوله تعالى عن نوح، وهود، وغيرهما: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُون﴾ [الشعراء: ١٠٨ و ١٢٦ و ١٤٤ و ١٦٣]
وليس أحد من الخلق يطاع طاعة مطلقة إلا الرسول، أما غيره ممَّن يؤمر بطاعتهم؛
стр. 649
فطاعتهم مقيدة، كما قال الرسول ﷺ : «إنما الطاعة في المعروف» (١).
وعلى ذلك يجوز أن تعطف طاعة الرسول على طاعة الله بحرف «الواو»؛ فتقول: أطيعوا الله ورسوله، أو أطيعوا الله والرسول، كما قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [محمد: ٣٣].
أما المشيئة؛ فلا يجوز عطفُ مشيئةِ أحد على مشيئة الله تعالى بحرف «الواو»، فلا تقل: ما شاء الله وشئت، ولا ما شاء الله وشاء فلان؛ بل إما أن تقول: ما شاء الله وحده، أو تقول: ما شاء الله، ثم شاء فلان، كما في حديث: («لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء محمد») (٢)، فعطفُ مشيئة المخلوق على مشيئة الله تعالى بحرف «الواو» مِنْ الشرك الأصغر في الألفاظ.
стр. 650
ويعلل الشيخ النهي عن عطف مشيئة العبد على مشيئة الله بحرف «الواو» بأنه (ليست مشيئةُ أحدٍ من العباد مشيئةً لله، ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد).
فلا تلازم بين مشيئة العبد ومشيئة الله، فقد يشاء الله تعالى ما لا يشاء العبد، وقد يشاء العبد ما لا يشاء الله، ولكن لا تكون مشيئة العبد إلا أن يشاء الله، فمشيئة الله تتعلق بمشيئة العبد، وبما شاءه العبد، فاللهُ تعالى شاء مشيئة العبد، وشاء حصول ما شاءه العبد، فتكون مشيئة العبد وما شاءه العبد؛ كلٌّ منهما قد شاءه الله.
وأحياناً: تكون مشيئة العبد - وذلك بمشيئة الله - ولكن لا يكون ما شاء العبد؛ لأن الله تعالى لم يشأه.
وأحياناً: يكون الأمر بما لم يشأه العبد، فمشيئة الله تعالى قد تتعلق بمشيئة العبد وبما شاءه العبد وحصل منه، وأحياناً تتعلق بأحدهما دون الآخر.
فلا تلازم بين مشيئة الله تعالى ومشيئة العبد، فما شاء الله كان وإن لم يشإ الناس، وما شاء الناس لم يكن إلا أن يشاء الله.
وإذا كان الأمر كذلك؛ لم يصح عطف مشيئة العبد على مشيئة الله تعالى بحرف «الواو» المقتضية للتسوية؛ بل ب «ثم» المقتضية للترتيب والتراخي؛ لأن مشيئة العبد متراخية عن مشيئة الله، ومترتبة على مشيئة الله تعالى.
стр. 651
وفي هذا المعنى قال الإمام الشافعي ﵀:
ما شئتَ كان وإنْ لم أشأ … وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكنْ
خَلقتَ العبادَ على ما علمتَ … ففي العلمِ يجري الفتى والمسنْ
على ذا مننتَ، وهذا خذلتَ … وهذا أعنتَ، وذا لم تُعنْ
فمنهم شقيٌ، ومنهم سعيد … ومنهم قبيحٌ، ومنهم حسنْ (١)
* * *
стр. 652
الأصلُ الثاني: الرسالةُ
الأصل الثاني: حق الرسول ﷺ ، فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ونتبعه، ونرضيه، ونحبه، ونسلم لحُكمِه، وأمثال ذلك، قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِين (٦٢)﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ﴾ [التوبة: ٢٤].
وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، وأمثال ذلك.
الأصل الثاني: هو الإقرار بالرسالة، وهو مضمون شهادة أن محمداً رسول الله، وهو الأصل الثاني الذي يتميز به أهل الإسلام من أهل
стр. 653
الكفر، والأصل الأول هو توحيد الألوهية الذي هو مضمون شهادة أن لا إله إلا الله.
وهذا الأصل الثاني الذي هو مضمون شهادة أن محمداً رسول الله؛ يتبيَّن بمعرفة ما تقتضيه هذه الشهادة، فهي متضمنة الإقرار برسالته إلى الناس كافة؛ بل إلى الثقلين: الجن والإنس، وأنه خاتم النبيين، وأنه لا يسع أحداً الخروجُ عمَّا جاء به، كما تتضمن وتقتضي: محبته، وإرضاءه، والتحاكم إليه، وطاعته طاعة مطلقة، واتباع ما جاء به (١).
وهذا عنوان محبة الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وطاعته تكون باتباع أمره، واجتناب نهيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين (١٤)﴾ [النساء].
ومن مقتضيات هذه الشهادة تحكيمه ﷺ في كل صغير وكبير من أمور الدين، والرضا والتسليم لحكمه، على حد قوله تعالى:
стр. 654
(﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾).
ولعل هذه الآية أعظم وأبلغ آية في بيان حق الرسول ﷺ ، فإن الله تعالى نفى الإيمان عمَّن لم يحكم الرسول بأبلغ عبارة؛ فقال: ﴿فَلَا﴾، وأكد هذا النفي بالقسم بأعظم مقسم به؛ فقال: ﴿وَرَبِّكَ﴾، وفي تخصيص هذا الوصف، وهو ربوبيته للرسول؛ تنبيه على أن هذا التشريف، وهذا التفضيل، والتنويه؛ هو من آثار ربوبيته تعالى لنبيه ﷺ .
وكرر أداة النفي «لا» في قوله: ﴿فَلَا﴾ وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ثم لم يقتصر الأمر على مجرد التحكيم؛ بل شرط مع ذلك عدم وجود الحرج في النفوس، كما شرط التسليم المطلق.
فمَن لم يحقق هذه الصفات؛ فهو ناقص الإيمان، أو عديم الإيمان، ومن الآيات الدالة على وجوب تقديم محبة الرسول ﷺ على سائر الخلق آية المحبوبات الثمانية في سورة براءة؛ وهي: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآية.
ومن مقتضيات شهادة أن محمداً رسول الله؛ التقيد بشرعه، وعدم الإحداث فيه؛ لأن كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وقد قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد» (١)، فكل عبادة، وكل عقيدة، وكل دين يتدين به شخص؛ لم يرد في الشرع؛
стр. 655
فهو بدعة مردودة على صاحبها، وهي مخالفة لحقيقة شهادة أن محمداً رسول الله.
وأعظم الناس ضلالاً في هذا الأصل من اعتقد أن أحداً يسعه الخروجُ عن شريعة محمد ﷺ .
فالمخالفون لهذا الأصل الثاني «شهادة أن محمداً رسول الله»؛ إما أن يكونوا مكذبين، أو مبتدعين.
كما أن المخالفين للأصل الأول «التوحيد»؛ إما أن يكونوا مشركين، أو مستنكفين عن عبادته .
* * *
стр. 656
أهل الضلال الخائضون في القدر
فصل
إذا ثبت هذا؛ فمن المعلوم أنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره: بقضائه، وشرعه.
وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فِرق: مجوسية، ومُشْرِكِيَّة، وإبليسية.
فالمجوسية، الذين كذَّبوا بقدر الله، وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدتهم أنكروا عموم مشيئة الله، وخلقه وقدرته، وهؤلاء؛ هم: المعتزلة، ومن وافقهم.
والفرقة الثانية: المشركية، الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر؛ فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدَّعي «الحقيقةَ» من المتصوفة.
والفرقة الثالثة: الإبليسية؛ وهم: الذين أقروا بالأمرين، لكن جعلوا هذا تناقضاً من الرب ، وطعنوا في حكمته وعدله،
стр. 657
كما يُذكر مثل ذلك عن إبليسَ مُقَدَّمِهم، كما نقله أهل المقالات، ونُقل عن أهل الكتاب (١).
والمقصود: أن هذا ممَّا يقوله أهل الضلال.
يشير الشيخ هنا بقوله: (إذا ثبت هذا) إلى ما سبق من تقرير الإيمان بالشرع والقدر، وتقرير التوحيد والرسالة؛ فإذا ثبت هذا؛ فإنه يجب الإيمان بخلق الله وأمره، أي: بقضائه، وشرعه، ثم يبين الشيخ أن الخائضين في القدر والشرع من أهل الضلال انقسموا إلى ثلاث فِرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية (٢).
فالمجوسية؛ هم: الذين كذبوا بالقدر، وآمنوا بالشرع، وهؤلاء؛ هم: القدرية، والقدرية يراد بهم في أغلب الأحيان: القدرية النفاة، في مقابل القدرية الجبرية الغلاة.
стр. 658
وهؤلاء القدرية النفاة فرقتان: غلاة، ومقتصدون.
وهذا الانقسام يرجع إلى مراتب القدر الأربع.
فالغلاة - وهم مُتقدِّمُو القدرية (١) - ينفون علم الله السابق، وكتابته، فيقولون: «إن الله تعالى لا يعلم الأشياء إلا بعد وجودها»، وعليه؛ فلا كتابة أيضاً؛ بل الأمر عندهم أُنُفٌ - يعني: مستأنف - لم يسبقه علم، ولا كتابة.
وأما المقتصدون؛ فهم عموم المعتزلة، ومَن وافقهم، فينفون عموم مشيئة الله تعالى، وخلقه، يعني: يخرجون أفعال العباد عن مشيئة الله تعالى، وخلقه وقدرته، فيقولون: «إن العباد هم الخالقون لأفعالهم»، فهم يثبتون العلم السابق، والكتاب الأول؛ فيثبتون المرتبتين الأُوليين من مراتب القدر الأربعة، وهي:
١ - عِلم الله السابق بكل شيء.
٢ - كتابة كل شيء مقدر وكائن حتى تقوم الساعة.
٣ - عموم مشيئة الله، وهو ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
٤ - عموم خلق الله تعالى للأشياء؛ فإنه تعالى خالق كل شيء، بما في ذلك أفعال العباد.
فالمقتصدون من القدرية أقروا بالمرتبتين الأُوليين، وأنكروا المرتبتين الأخيرتين.
стр. 659
أما الغلاة؛ فإنهم أنكروا كلَّ المراتب، فانفردوا بإنكار مرتبة العلم والكتابة، وشاركوا سائر القدرية في إنكار مرتبة عموم المشيئة وعموم الخلق.
وقد كفَّر الأئمةُ غلاةَ القدرية (١)؛ كما قال الشافعي: «ناظروا القدرية بالعلم؛ فإن أقروا به؛ خصموا، وإن أنكروه؛ كفروا» (٢).
وطائفة القدرية تعرف عند أهل العلم ب «المجوسية»، أو «مجوس هذه الأمة»، وقد ورد في ذمهم آثار مرفوعة، وموقوفة؛ كما روي في الحديث: «القدرية مجوس هذه الأمة؛ إن مرضوا؛ فلا تعودوهم، وإن ماتوا؛ فلا تشهدوهم» (٣).
стр. 660
ووجه تسميتهم بالمجوس؛ أن المجوس يقولون بخالِقَين: النور والظلمة، وهؤلاء يقولون بخالِقِين؛ حيث جعلوا العباد خالِقِين لأفعالهم، فأشبهوا المجوس في القول بتعدد الخالق.
والفرقة الثانية: المشركِيَّة؛ وهم: الذين أقروا بالقدر، وأنكروا الشرع، وهؤلاء؛ هم: الجبرية، وقد ذكر الله تعالى سلفهم بقوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، فمن احتج بالقدر على الأمر الشرعي، وعارض الأمر بالقدر؛ فهو من هؤلاء الجبرية المشبَّهين بالمشركين.
وهذا المذهب وقع فيه كثير من المتصوفة الذين يدَّعون «الحقيقة»، فيقفون عند شهود الحقيقة الكونية، ويفنون في توحيد الربوبية، ويعرضون عن الأمر والنهي.
الطائفة الثالثة: الإبليسية؛ وهم: الذين أقروا بالأمرين، أي: بالشرع والقدر، ولكنهم طعنوا في حكمة الرب وعدله، وجعلوا ذلك تناقضاً من الرب ، وسموا بذلك؛ لأنهم سلكوا في ذلك مسلك مُقَدَّمِهم إبليسَ الذي عارض بين الأمر والقدر، فقال - كما حكى الله تعالى عنه -: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيم (١٦)﴾ [الأعراف]، وقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين (٣٩)﴾ [الحجر].
стр. 661
فهو يؤمن ويعرف بأنه مأمور بالسجود، ويعلم أن ما حصل منه كان بقدر الله، فاعترض وطعن في حكمة الله تعالى.
وهذا سبيل بعض الملاحدة الذين يعارضون بين الشرع والقدر.
* * *
стр. 662
مذهب أهل السنة في الشرع والقدر ومذاهب الناس في الأسباب
وأما أهل الهدى والفلاح؛ فيؤمنون بهذا وهذا، فيؤمنون بأن الله خالقُ كلِّ شيء وربُه ومليكُه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علماً، وكل شيء أحصاه في كتاب مبين.
ويتضمن هذا الأصل مِنْ إثبات علم الله، وقدرته، ومشيئته، ووحدانيته، وربوبيته، وأنه خالقُ كل شيء وربُه ومليكُه؛ ما هو من أصول الإيمان.
ومع هذا لا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب، التي يخلق بها المسبَّبات، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾ [البقرة: ٢٦]، فأخبر أنه يفعل بالأسباب.
بعد أن ذكر الشيخ فِرق الضلال الثلاثة الخائضين في القدر؛ ذكر المذهبَ الحق، مذهبَ أهل السنة والجماعة، الذين وصفهم
стр. 663
بقوله: (أهل الهدى والفلاح)، كما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (٥)﴾ [البقرة].
فهم يؤمنون بهذا وهذا، أي: بالشرع والقدر.
ثم فصَّل الشيخ وبيَّن حقيقة إيمانهم بالقدر؛ وهو: الإيمان بأن الله خالقُ كلِّ شيء وربُه ومليكُه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علماً، وكل شيء أحصاه في كتاب مبين.
فالإيمان بهذا الأصل؛ يتضمن الإيمان بمراتب القدر الأربعة؛ وهي: الإيمان بعموم علم الله، وكتابه، ومشيئته، وخلقه.
ومع إيمان أهل الهدى والفلاح بالقدر، وأن الله تعالى خالق كل شيء، وربه، ومليكه؛ فهم لا ينكرون ما خلقه الله تعالى من الأسباب التي يخلق بها المسبَّبات؛ بل هم يثبتون الأسباب.
ويدخل في إثبات الأسباب؛ إثبات الأمر والنهي، وهذه مِنْ المسائل الكبيرة التي انقسم فيها الناس، واختلفوا فيها تبعاً لاختلافهم في القدر.
والأسباب نوعان: أسباب كونية، وأسباب شرعية، فمن الأسباب الكونية: إنزال الماء بالسحاب، وإنبات الزرع بالماء؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، ف «الباء» في قوله تعالى: ﴿بِهِ﴾ سببية.
стр. 664
وهكذا سائر الأسباب التي تحصل مِنْ المخلوقات؛ هي: أسباب كونية.
ومن أدلة الأسباب الشرعية: الإضلال، والهداية بالقرآن؛ كما قال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾، فالقرآن في ذاته خير، ورحمة، وهدى؛ فقد يكون النافع ضاراً لأسباب خارجية، ولعدم سلوك الطريقة الصحيحة للانتفاع به، فالقرآن سبب لهداية من أراد الله هدايته، فيحصل له الانتفاع به.
ويكون سبباً لضلال من أراد الله إضلاله وشقاوته؛ فيكذب به، ويعرض عنه، وكما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾.
فالطاعاتُ والمعاصي أسبابٌ شرعية، والواقعُ منها؛ يكون أسباباً شرعية، وكونية.
فأهل الهدى والفلاح كما يثبتون القدر، وعموم خلق الله تعالى للأشياء؛ فإنهم يثبتون الأسباب، وأن الله تعالى يخلق بها، فيخلق الأرزاق بأسباب، ويخلق الولد بأسباب، وهكذا.
* * *
стр. 665
ومن قال: يفعل عندها لا بها؛ فقد خالف ما جاء به القرآن، وأنكر ما خلقه الله مِنْ القُوى والطبائع، وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان، التي يفعل الحيوان بها؛ مثل قدرة العبد.
اختلف الناس في مسألة الأسباب على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الأسباب مؤثرة في مسبَّباتها بمشيئة الله تعالى وتقديره، وهذا هو المذهب الحق، وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
الثاني: اعتقاد أن الأسباب مؤثرة في مسبَّباتها بذاتها وطبعها، وقد أخذ بنصيب من ذلك: القدرية، الذين أخرجوا أفعال العباد عن خلق الله تعالى، وزعموا أن العبد يخلق فعل نفسه.
الثالث: إنكار الأسباب؛ ومعناه: إنكار تأثير الأسباب، وهذا مذهب الجبرية الغلاة، الذين نفوا فعل العبد، ومشيئته، واختياره.
فمَن قال: «إن الله تعالى يخلق عند الأسباب لا بها»؛ فقد خالف الشرع، والحس، فهم يقولون: «إن الله تعالى يخلق الشبع عند الأكل لا بالأكل؛ فليس الأكل سبباً للشبع»، كما يقولون: «إن الله يخلق النبات عند وجود الماء في الأرض لا أن الماء مؤثر في حصول النبات»،
стр. 666
وهكذا، ف «الباء» عند هؤلاء في مثل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] للمصاحبة، وليست للسببية (١).
كما أن «لام التعليل» عند هؤلاء تكون للعاقبة والصَّيْرُورة (٢)؛ لأن من ينكر الأسباب ينكر الحكمة أيضاً، فليس عندهم «علة غائية»، ولا «فاعلية» (٣)؛ بل ليس ثَمَّ إلا المشيئة النافذة العامة، وهذا ما تقوله الأشاعرة.
وإثبات المشيئة حق، ولكن لا يمنع أن يكون شيء بتأثير شيء آخر، والجميع بمشيئة الله تعالى.
فمنكرو الأسباب: أنكروا ما خلقه الله تعالى من القوى والطبائع، فأنكروا ما خلقه الله من القوى التي يفعل بها الحيوان؛ مثل: قدرة العبد (٤).
والجبريةُ: أنكروا قدرة العبد وإرادته، وقالوا: «إن أفعال العبد مخلوقة لله تعالى، ولا تأثير لقدرة العبد»، حتى قالوا: «إنه ليس للعبد قدرة، ولا مشيئة».
فقولُ الجبرية داخلٌ في عموم إنكار الأسباب؛ لأن قدرةَ العبد سببٌ لفعله.
* * *
стр. 667
كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك؛ فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره، وذلك أنه ما من سبب من الأسباب؛ إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسبَّبه، ولابدَّ له من مانع يمنع مقتضاه؛ إذا لم يدفعه الله عنه، فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء؛ إلا الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون (٤٩)﴾ [الذاريات] أي: فتعلمون أن خالق الأزواج واحد.
ولهذا من قال: «إن الله لا يصدر عنه إلا واحد، لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد»؛ كان جاهلاً؛ فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء، لا واحد ولا اثنان؛ إلا الله ﴿الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُون (٣٦)﴾ [يس].
فالنار التي جعل الله فيها حرارة؛ لا يحصل الإحراق إلا بها وبمحل يقبل الاحتراق، فإذا وقعت على «السَّمَنْدَل»، و «الياقوت»، ونحوهما؛ لم تحرقهما، وقد يُطلى الجسم بما يمنع إحراقه.
والشمس التي يكون عنها الشعاع؛ لابدَّ من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف؛ لم يحصل الشعاع تحته، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع (١).
стр. 668
أي: فمَن جعل الأسباب هي المبدعة والخالقة للمسبَّبات، ومِن ذلك: مَنْ جعل قدرة العبد هي المبدعة لفعله؛ كقول القدرية المعتزلة: «إن العبد يخلق فعل نفسه»، فهذا شرك بالله، حيث جعل السبب هو المبدع والموجِد للمسبَّب استقلالاً.
ولهذا قال بعض العلماء: «الالتفات إلى الأسباب؛ شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً؛ نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية؛ قدح في الشرع» (١)
فالأول: نوع من الشرك في العبادة، كما أن جعل الأسباب هي المؤثرة في مسبَّباتها من نوع الشرك في الربوبية.
والثاني: قدح في العقل، والشرع.
والثالث: قدح في الشرع، لأن الشرع جاء بالأخذ بالأسباب.
وقد ذكر الشيخ أنه لا يوجد في المخلوقات سببٌ واحد مؤثر في شيء آخر مستقلاً بالسببية؛ بل ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسبَّبه، وأيضاً؛ فإنه ما من سبب إلا وله مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه.
стр. 669
وبهذا يتبين: أنه ليس في الوجود شيء يستقل بفعل شيء إلا الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون (٤٩)﴾، أي: فتعلمون أن خالق الأزواج واحد (١).
ومن ذلك يتبين فساد قول الفلاسفة بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، فالله الواحد لم يصدر عنه - عندهم - إلا واحد، وهو العقل الأول؛ فهذا الكلام: باطل عقلاً، وشرعاً، ومتناقض.
أما في حق الله تعالى؛ فبطلانه ظاهر، فالله تعالى خالقُ كل شيء؛ فليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء، لا واحد ولا اثنان؛ إلا الله وحده، الذي خلق الأزواج كلها.
وأما بالنسبة للمخلوق؛ فليس هناك مخلوق يصدر عنه وحده شيء استقلالاً؛ بل لا بدَّ له من سبب، أو أسباب أخرى تعينه في حصول مسبَّبه، ولا بدَّ من زوال الموانع التي تمنع تأثيره، ومردُّ ذلك كله إلى مشيئة الرب تعالى؛ فلا تأثير لسبب، ولا يندفع ما يمنعه إلا بمشيئته تعالى.
وقد ضرب الشيخ لذلك مثلين:
أحدهما: النار التي جعل الله فيها الحرارة؛ فإنه لا يحصل الإحراق بها إلا بملاقاة مَحَلٍّ قابل للاحتراق، فإذا وقعت - مثلاً - على
стр. 670
«السَمَنْدَل»؛ وهو: طائر لا يتأثر بالنار (١)، أو على «الياقوت»؛ وهو: حجر صَلب شفاف لا تذيبه النار (٢)؛ فإنها لا تحرقهما، وكذا إذا طُلي الجسم بمادة تمنع إحراقه؛ بطل مفعول النار فيه (٣).
والمثال الثاني: الشمس؛ فإن تأثير شعاعها متوقف على ملاقاة جسم قابل لانعكاس الشعاع عليه، فإذا حصل حاجز من سحاب، أو سقف يمنع نفوذ الشعاع؛ لم يحصل تأثيره.
فلا يوجد سبب مستقل بالتأثير، بل لا بدَّ من وجود أسباب أخرى، وزوال موانع.
* * *