وهكذا، ف «الباء» عند هؤلاء في مثل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] للمصاحبة، وليست للسببية (١).
كما أن «لام التعليل» عند هؤلاء تكون للعاقبة والصَّيْرُورة (٢)؛ لأن من ينكر الأسباب ينكر الحكمة أيضاً، فليس عندهم «علة غائية»، ولا «فاعلية» (٣)؛ بل ليس ثَمَّ إلا المشيئة النافذة العامة، وهذا ما تقوله الأشاعرة.
وإثبات المشيئة حق، ولكن لا يمنع أن يكون شيء بتأثير شيء آخر، والجميع بمشيئة الله تعالى.
فمنكرو الأسباب: أنكروا ما خلقه الله تعالى من القوى والطبائع، فأنكروا ما خلقه الله من القوى التي يفعل بها الحيوان؛ مثل: قدرة العبد (٤).
والجبريةُ: أنكروا قدرة العبد وإرادته، وقالوا: «إن أفعال العبد مخلوقة لله تعالى، ولا تأثير لقدرة العبد»، حتى قالوا: «إنه ليس للعبد قدرة، ولا مشيئة».
فقولُ الجبرية داخلٌ في عموم إنكار الأسباب؛ لأن قدرةَ العبد سببٌ لفعله.
* * *
стр. 667
كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك؛ فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره، وذلك أنه ما من سبب من الأسباب؛ إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسبَّبه، ولابدَّ له من مانع يمنع مقتضاه؛ إذا لم يدفعه الله عنه، فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء؛ إلا الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون (٤٩)﴾ [الذاريات] أي: فتعلمون أن خالق الأزواج واحد.
ولهذا من قال: «إن الله لا يصدر عنه إلا واحد، لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد»؛ كان جاهلاً؛ فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء، لا واحد ولا اثنان؛ إلا الله ﴿الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُون (٣٦)﴾ [يس].
فالنار التي جعل الله فيها حرارة؛ لا يحصل الإحراق إلا بها وبمحل يقبل الاحتراق، فإذا وقعت على «السَّمَنْدَل»، و «الياقوت»، ونحوهما؛ لم تحرقهما، وقد يُطلى الجسم بما يمنع إحراقه.
والشمس التي يكون عنها الشعاع؛ لابدَّ من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف؛ لم يحصل الشعاع تحته، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع (١).
стр. 668
أي: فمَن جعل الأسباب هي المبدعة والخالقة للمسبَّبات، ومِن ذلك: مَنْ جعل قدرة العبد هي المبدعة لفعله؛ كقول القدرية المعتزلة: «إن العبد يخلق فعل نفسه»، فهذا شرك بالله، حيث جعل السبب هو المبدع والموجِد للمسبَّب استقلالاً.
ولهذا قال بعض العلماء: «الالتفات إلى الأسباب؛ شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً؛ نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية؛ قدح في الشرع» (١)
فالأول: نوع من الشرك في العبادة، كما أن جعل الأسباب هي المؤثرة في مسبَّباتها من نوع الشرك في الربوبية.
والثاني: قدح في العقل، والشرع.
والثالث: قدح في الشرع، لأن الشرع جاء بالأخذ بالأسباب.
وقد ذكر الشيخ أنه لا يوجد في المخلوقات سببٌ واحد مؤثر في شيء آخر مستقلاً بالسببية؛ بل ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسبَّبه، وأيضاً؛ فإنه ما من سبب إلا وله مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه.
стр. 669
وبهذا يتبين: أنه ليس في الوجود شيء يستقل بفعل شيء إلا الله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون (٤٩)﴾، أي: فتعلمون أن خالق الأزواج واحد (١).
ومن ذلك يتبين فساد قول الفلاسفة بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، فالله الواحد لم يصدر عنه - عندهم - إلا واحد، وهو العقل الأول؛ فهذا الكلام: باطل عقلاً، وشرعاً، ومتناقض.
أما في حق الله تعالى؛ فبطلانه ظاهر، فالله تعالى خالقُ كل شيء؛ فليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء، لا واحد ولا اثنان؛ إلا الله وحده، الذي خلق الأزواج كلها.
وأما بالنسبة للمخلوق؛ فليس هناك مخلوق يصدر عنه وحده شيء استقلالاً؛ بل لا بدَّ له من سبب، أو أسباب أخرى تعينه في حصول مسبَّبه، ولا بدَّ من زوال الموانع التي تمنع تأثيره، ومردُّ ذلك كله إلى مشيئة الرب تعالى؛ فلا تأثير لسبب، ولا يندفع ما يمنعه إلا بمشيئته تعالى.
وقد ضرب الشيخ لذلك مثلين:
أحدهما: النار التي جعل الله فيها الحرارة؛ فإنه لا يحصل الإحراق بها إلا بملاقاة مَحَلٍّ قابل للاحتراق، فإذا وقعت - مثلاً - على
стр. 670
«السَمَنْدَل»؛ وهو: طائر لا يتأثر بالنار (١)، أو على «الياقوت»؛ وهو: حجر صَلب شفاف لا تذيبه النار (٢)؛ فإنها لا تحرقهما، وكذا إذا طُلي الجسم بمادة تمنع إحراقه؛ بطل مفعول النار فيه (٣).
والمثال الثاني: الشمس؛ فإن تأثير شعاعها متوقف على ملاقاة جسم قابل لانعكاس الشعاع عليه، فإذا حصل حاجز من سحاب، أو سقف يمنع نفوذ الشعاع؛ لم يحصل تأثيره.
فلا يوجد سبب مستقل بالتأثير، بل لا بدَّ من وجود أسباب أخرى، وزوال موانع.
* * *
стр. 671
والمقصود هنا أنه لا بدَّ مِنْ الإيمان بالقدر؛ فإن الإيمان بالقدر مِنْ تمام التوحيد، كما قال ابن عباس ﵄: «هو نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وآمن بالقدر؛ تمَّ توحيده، ومن وحَّد الله، وكذب بالقدر؛ نقضَ تكذيبُه توحيدَه».
ولا بدَّ من الإيمان بالشرع؛ وهو: الإيمان بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، كما بعث الله بذلك رسله، وأنزل كتبه.
والإنسانُ مضطرٌ إلى شرع في حياته الدنيا، فإنه لا بدَّ له مِنْ حركة يجلب بها منفعته، وحركة يدفع بها مضرته، والشرعُ هو الذي يميِّز بين الأفعال التي تنفعه، والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده، فلا يُمْكِن الآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميِّزون به بين ما يفعلونه، ويتركونه.
وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم؛ بل الإنسان المنفرد لا بدَّ له من فعل وترك، فإن الإنسان همَّام حارث، كما قال النبي ﷺ : «أصدقُ الأسماء حارثٌ وهمَّام»، وهو معنى قولهم: «متحرك بالإرادة»، فإذا كان له إرادة هو متحرك بها؛ فلا بدَّ أن يعرف ما يريده، هل هو نافع له، أو ضار؟ وهل يصلحه، أو يفسده؟
وهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم، كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب، وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية
стр. 672
بفطرتهم، وبعضه يعرفونه بالاستدلال الذي يهتدون به بعقولهم، وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم لهم، وهدايتهم إياهم.
يذكر الشيخ هنا أنه لا بدَّ من الإيمان بالقدر خلافاً للقدرية النفاة.
والإيمان بالقدر مِنْ تمام التوحيد أي: «توحيد الربوبية»، كما أن التكذيب بالقدر مُوْقِعٌ في الشرك في الربوبية.
واستشهد الشيخ ﵀ بقول ابن عباس ﵄ عن القدر: (إنه نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وآمن بالقدر؛ تمَّ توحيده، ومن وحَّد الله وكذب بالقدر؛ نقضَ تكذيبُه توحيدَه) (١). أي: به ينتظم التوحيد، وتستقيم عقيدة المسلم، فمن آمن بأن الله تعالى خالقُ كل شيء، ثم زعم أن العبد يخلق فعل نفسه؛ فإن ذلك ينقض توحيده.
ولا بدَّ مِنْ الإيمان بالشرع خلافاً للجبرية الغلاة، فيجمع المسلم بين الإيمان بالشرع، والقدر.
ويبيِّن الشيخ المراد بالشرع بأنه الإيمان بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، وهذا هو مضمون ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه.
стр. 673
والإنسان مفتقر ومضطر إلى شرع في حياته الدنيا، ولو كان يعيش وحده؛ فلا بدَّ له مِنْ شرع يميز به بين ما يفعل، وما يترك، وما ينفعه، وما يضره (١).
وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، وفض خصوماتهم، وبيان أحكام جناياتهم، ومعاملاتهم مع غيرهم؛ فهذا كله من الشرع، وليس الشرع مقصوراً عليه.
فالإنسان وإن كان منفرداً؛ فلا بدَّ له مِنْ فعلٍ وترك، فإن الإنسان بطبعه همامٌ حارث، مريد فعَّال، كما قال النبي ﷺ : («أصدق الأسماء حارث وهمام») (٢).
فإذا كان الإنسان له إرادة، وهو متحرك بها؛ فلا بدَّ أن يَعرف ما يريده، هل هو نافع له، أو ضار؟ وهل يصلحه، أو يفسده؟ فهو محتاج إلى ما يميز به بين النافع والضار، والصالح والفاسد؛ من إرادته، وأفعاله، وتروكه في حياته الدنيا والآخرة، وهذا هو الشرع.
وقول الشيخ: (إنه لا يمكن الآدميين أن يعيشوا بلا شرع)؛ إن كان المراد أنه لا يمكن أن يعيشوا عيشة سعيدة بلا شرع الله؛ فهذا واضح؛
стр. 674
فإن الأمم الكافرة، وإن عاشت ما عاشت، ومُتِّعَت بما متعت به؛ فحياتها مليئة بالنغص، ومآلها إلى جحيم وشقاء، وبقدر بُعْد الناس عن شرع الله تعالى؛ يكون شقاؤهم، وبقدر تمسكهم بشرع الله؛ تكون سعادتهم.
وإن أُريد أنه لا بدَّ لهم مِنْ شرعٍ ونظام - وإن كان مِنْ وضع البشر - ينظم حياتهم؛ فإنه يحصل لهم مِنْ استقامة العيش بحسب ما فيه.
وكل ما عند الأمم الكافرة مِنْ أنظمة صالحة تتضمن إقامة عدل، وإيصال حق، ومنع ظلم؛ فإنه موجَب شرع الله، وقد يكون مأخوذاً من شرع الله؛ فإنهم قد يأخذون من شرع الله ما لا يتعارض مع أهوائهم.
والأفعال النافعة والضارة منها ما يعرف بالفطرة؛ كما يعرف الانتفاع بالأكل والشرب، ومنها ما يعرف بالتجربة والعقل، والاستدلال والدراسة؛ كسائر الصناعات.
ومنها ما لا يعرف إلا بالشرع؛ كالطاعات، والمعاصي، ومعرفة ما يحبه الله ويرضاه وما يسخطه.
وجاء الشرع أيضاً بتأكيد ما عُلم بالفطرة أيضاً؛ كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، فلا يجوز للإنسان أن يأكل أو يشرب إلى حد السَّرَف المضر، كما لا يجوز أن يترك من الأكل والشرب ما يضر به، حتى الصيام إن كان يضر به؛ كالمريض، فإن عليه أن يأكل ويشرب، ويدع الصيام.
стр. 675
مذاهب الناس في حسن الأفعال وقبحها
وفي هذا المقام تكلم الناس في الأفعال: هل يعرف حسنها وقبحها بالعقل؟ أم ليس لها حسن وقبح يعرف بالعقل؟، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبيَّنا ما وقع في هذا الموضع مِنْ الاشتباه؛ فإنهم اتفقوا على أن كون الفعل يلائم الفاعل، أو ينافره؛ يعلم بالعقل؛ وهو: أن يكون الفعل سبباً لما يحبه الفاعل ويلتذُّ به، وسبباً لما يبغضه ويؤذيه.
وهذا القدر يعلم بالعقل تارة، وبالشرع أخرى، وبهما - جميعاً - أخرى، لكن معرفة ذلك على وجه التفصيل، ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الأفعال من السعادة، والشقاوة في الدار الآخرة؛ لا تعلم إلا بالشرع.
فما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر، وأمرت به من تفاصيل الشرائع؛ لا يعلمه الناس بعقولهم، كما أن ما أخبرت به الرسل مِنْ تفصيل أسماء الله وصفاته؛ لا يعلمه الناس بعقولهم، وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم جُمل ذلك.
وهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان، وجاء به الكتاب؛ هو ممَّا دل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيب (٥٠)﴾ [سبأ]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥].
ولكن طائفة توهمت أن للحسن والقبح معنى غير هذا، وأنه يعلم بالعقل، وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح؛ يخرج عن هذا، فكلتا الطائفتين اللتين أثبتتا الحسن والقبح العقليين أو الشرعيين، وأخرجتاه عن هذا القسم؛ غلطت.
стр. 676
يذكر الشيخ هنا اختلاف الناس في أحكام الأفعال: هل يعرف حسنها وقبحها بالعقل؟ أو ليس لها حسن وقبح يعرف بالعقل؟
وهذه مسألة كبيرة تعرف بمسألة «التحسين والتقبيح»، أو «مسألة الحسن والقبح» (١)، أي: حسن الأفعال وقبحها.
فمِن الناس من جعل العقل مدركاً لحسن الأفعال وقبحها، ومنهم من أحَالَ معرفة حسن الأفعال وقبحها بالعقل، وزعم أن ذلك لا يدرك إلا بالشرع.
وقبل الخوض في ذلك يذكر الشيخ أن هناك أمراً متفقاً عليه بين الجميع؛ وهو: أن كون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره؛ يعلم بالعقل،
стр. 677
ومعنى كون الفعل ملائماً للفاعل: أي: سبباً لما يحبه الفاعل ويلتذ به، ومعنى كونه منافراً: أي: سبباً لما يبغضه ويؤذيه ويضر به ويؤلمه.
وهذا القدر والمعنى في الفعل؛ وهو: الملاءمة والمنافرة؛ منه ما يعلم بالعقل والتجربة، ومنه ما يعلم بالشرع، ومنه ما يعلم بالفطرة، ومنه ما يعلم بكل ذلك.
وأما معرفة تفاصيل ذلك، والغاية التي تكون عاقبة الأفعال من السعادة والشقاوة في الدار الآخرة والثواب والعقاب؛ فهذا لا يعلم إلا بالشرع.
فعقولُ الناس قاصرة عن معرفة تفاصيل اليوم الآخر، وتفاصيل الشرائع، وما أخبرت به الرسل من تفصيل أسماء الله وصفاته.
فهذا كله لا يعلمه الناس بعقولهم، وإن كانوا قد يعلمون كلَّ ذلك على سبيل الإجمال.
فتفاصيل هذه الأشياء مصدرها الشرع، الذي هو: الروح، والهدى، والنور، الذي جاء من عند الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ الآية.
فلا يمكن الوصول إلى تفاصيل العلوم الشرعية إلا بالوحي.
والعلوم الشرعية الأساسية ثلاثة أقسام:
١ - العلم بأسماء الله، وصفاته، وأفعاله.
٢ - العلم بأمر الله تعالى، ونهيه، ودينه.
٣ - العلم بالجزاء.
стр. 678
فالهداية إلى تفاصيل هذه الأمور لا تكون إلا بالوحي كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيب (٥٠)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾.
فمَن جعل حسن الأفعال وقبحها يعلم بالعقل؛ وهم: المعتزلة، ومَن جعله يعلم بالشرع؛ وهم: الأشاعرة، كلٌّ منهما أخرج معنى الملاءمة والمنافرة عن مسألة (الحسن والقبح)، فليس معنى: (الحسن والقبح) كون الشيء ملائماً أو منافراً عندهما، وهذا غلط.
ويلاحظ أن كِلا المذهبين أخطأ في مسألة «الحسن والقبح»، والصواب: أن الأفعال منها ما هو حسن، ومنها ما هو قبيح، حُسْناً وقُبحاً ذاتياً، يعرف بالعقل.
وأن كل ما كان حَسَناً في العقل؛ فإن الشرع يأمر به، ويزيده الأمر به حُسناً، وكل ما هو قبيح؛ فإن الشرع ينهى عنه، فيزيده قبحاً.
فلا تعارض بين العقل والشرع في هذه المسألة ولا غيرها، ولا يخرج حسن الفعل وقبحه عن كونه ملائماً أو منافراً.
فالصواب: إثبات الحسن والقبح العقليين والشرعيين، فالصلاة - مثلاً - فِعل حسنٌ بالشرع والعقل، وكذا التوحيد، والإحسان إلى الخلق.
والشركُ فِعلٌ قبيح عقلاً وشرعاً، وكذا الظلم، والزنا.
والإحسانُ فِعلٌ ملائم، والظلم والعدوان فِعل منافر، ولكن الجزاء على فعل الحسن أو القبيح؛ لا يكون إلا بالشرع.
стр. 679
فالمعتزلة أصابوا في جعلهم الحسن والقبح مدركاً بالعقل، وأخطأوا حيث أخرجوه عن معنى الملاءمة والمنافرة، كما غلطوا - أيضاً - حيث لم يثبتوا الحسن والقبح الشرعيين، وجعلوا الشرع مجرد كاشفٍ لما أدركه العقل، كما غلطوا في جعلهم العقل موجِباً للأحكام الشرعية، فأثبتوا إيجاباً، وتحريماً، وثواباً، وعقاباً بمجرد العقل، فما دل العقل على حسنه - عندهم -؛ فهو واجب، وما دل على قبحه؛ فهو محرم، وفعله موجِب للعقاب.
والصواب: أن العقل وإن دل على حسن الفعل وقبحه؛ فإنه لا يقتضي وجوباً ولا تحريماً، فلا وجوب إلا بالشرع، ولا تحريم إلا بالشرع، فالأحكام التشريعية لا تؤخذ إلا مِنْ الشرع، والعقاب لا يكون إلا بعد ورود الشرع؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا (١٥)﴾ [الإسراء].
فالأفعال الحسنة سبب للثواب، والأفعال القبيحة سبب للعقاب، ولكن هذه السببية مربوطة بالشرع لا سيما مسألة العقاب، فالعقاب لا يترتب على مجرد الأفعال مطلقاً، بل لا بدَّ من قيام الحجة، وبلوغ الرسالة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين (٤٧)﴾ [القصص] (١).
стр. 680
ثم إن كلتا الطائفتين لما كانت تنكر أن يُوصفَ الله بالمحبة، والرضا، والسخط، والفرح، ونحو ذلك ممَّا جاءت به النصوص الإلهية، ودلت عليه الشواهد العقلية؛ تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح، هل ذلك ممتنع لذاته، وأنه لا تتصور قدرته على ما هو قبيح؟ أو: أنه مُنزه عن ذلك لا يفعله لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه؟ على قولين.
والقولان في الانحراف مِنْ جنس القولين المتقدمين، أولئك لم يفرقوا في خلقه وأمره بين الهدى والضلال، والطاعة والمعصية، والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار، والرحمة والعذاب، فلا جعلوه محموداً على ما فعله من العدل، أو تركه من الظلم، ولا ما فعله من الإحسان والنعمة، أو تركه من العذاب والنقمة.
والآخرون نزهوه بناء على القبح العقلي الذي أثبتوه، ولا حقيقة له، وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح، وشبَّهوه بعباده فيما [يأمر] (١) به، ويَنهى عنه.
يبيِّن الشيخ ﵀ أن المعتزلة والأشاعرة، وهم ينكرون أن يوصف الله تعالى بالمحبة، والرضا، والسخط، والفرح، ونحو ذلك؛ تنازعوا
стр. 681
بعد اتفاقهم على أن الله تعالى لا يفعل ما هو قبيح: هل لا يفعله لأنه ممتنع لذاته، ولا تتصور قدرته عليه؟ أو: أنه لا يفعله وأنه منزه عنه لمجرد كونه قبيحاً عقلاً؟ على قولين.
فمثلاً: اتفق الجميع على امتناع الظلم مِنْ الله تعالى، لكن الأشاعرة قالوا: «إنه لا يفعله؛ لأنه مستحيل عليه، وغير متصور منه، ولا يقدر عليه؛ لأنه إنما يتصرف في ملكه، والظلمُ التصرف في ملك الغير».
وهذا القول باطل؛ لأن المستحيل لا يمتدح بتركه والتنزهِ عنه، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد (٤٦)﴾ [فصلت].
والمعتزلة قالوا: «لا يفعله؛ لأنه قبيح عقلاً»، فهم في الحقيقة قاسوا الخالق على المخلوق، فجعلوا كلَّ ما قَبُح من الخلق؛ قبح من الخالق، فما ظنوه بعقولهم قبيحاً؛ منعوه عن الله تعالى.
وهذا هو الذي آل بهم إلى إنكار القدر؛ فنسبوا إلى الله العَجْز، وأخرجوا كثيراً من الموجودات عن ملكه ومشيئته، وذلك أنهم أخرجوا أفعال العباد عن خلق الله تعالى؛ لأن تعلق مشيئة الرب بأفعال العباد؛ مِنْ الظلم الذي يجب تنزيه الرب عنه بزعمهم، وسموا ذلك «عَدْلاً».
وكلا القولين في الانحراف مِنْ جنس القولين المتقدمين، أي: في مسألة «الحسن والقبح»، بإثبات الحُسن والقبح العقليين، ونفي الحسن والقبح العقليين، وإخراجهما ذلك عن معنى الملاءمة والمنافرة.
وقد دلت الأدلة الشرعية على أن الأشياء في ذاتها حسنة، أو قبيحة قبل ورود الشرع بالأمر، أو النهي.
стр. 682
فالله تعالى سمى المأمور معروفاً، والحلال طيباً، كما سمى المنهي عنه منكراً، والحرام خبيثاً.
كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤].
والأشاعرة الذين قالوا: «إنما يعرف الحَسَن والقبيح من الشرع فقط»، قالوا: «إن الأشياء في ذاتها متساوية؛ فلا تُوصف بالحسن والقبح في ذاتها»، ونشأ عن ذلك: نفي حكمة الرب تعالى، فعندهم لا فرق بين التوحيد والشرك، وإنما صار التوحيد حسناً بالأمر به، وصار الشرك قبيحاً بالنهي عنه، ولو انعكس الواقع في الأمر والنهي؛ لانعكس الحسن والقبح.
وهكذا الحال في الصدق والكذب، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار؛ فلا فرق في حقيقة الأمر بين إثابة الأبرار بالجنة، وعقاب الفجار بالنار، وإنما الأمر راجع إلى محض المشيئة الإلهية؛ فلا حِكَم ولا تعليل عندهم، فقد تقتضي المشيئة: تعذيب الأبرار، وتنعيم الفجار.
فالأشياء في ذاتها سواء مِنْ: الأفعال، أو الأقوال، أو الذوات، وإذا كان الأمر كذلك - عندهم - فالله تعالى - على هذا - غير مستحقٍّ للحمد على ما فعله من العدل، أو تركه من الظلم، ولا على ما فعله من الإحسان والنعمة، أو تركه من العذاب والنقمة؛ لأن الذي يستحق
стр. 683
المدح والحمد؛ هو الذي يضع الأشياء مواضعها، وهؤلاء عندهم أن جميع الأفعال جائزة ولا فرق بينها، وهذا يتضمن نفي حكمة الرب تعالى، وهذا باطل، فالله تعالى حكيم يضع الأشياء في مواضعها في أمره، ونهيه، وفعله.
والآخرون؛ وهم: المعتزلة نزهوه عن فعل القبيح بناء على مفهوم القبح العقلي الذي أثبتوه، ولا حقيقة له، فهم سوُّوا الله بخلقه فيما يحسن ويقبح، وشبهوه بعباده فيما يأمر به، وينهى عنه.
* * *
стр. 684
غلو الصوفية في توحيد الربوبية، وما أدى إليه
فمن نظر إلى القدر فقط، وعظَّم الفناء في «توحيد الربوبية»، ووقف عند الحقيقة الكونية؛ لم يميِّز بين العلم والجهل، والصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، والرشد والغي، وأولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار.
وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب الله، ودينه، وشرائعه، فهم مخالفون - أيضاً - لضرورة الحس والذوق، وضرورة العقل والقياس؛ فإن أحدهم لا بدَّ أن يلتذ بشيء، ويتألم بشيء، فيميِّز بين ما يؤكل ويشرب، وما لا يؤكل ولا يشرب، وبين ما يؤذيه من الحر والبرد، وما ليس كذلك، وهذا التمييز بين ما ينفعه ويضره؛ هو: الحقيقة الشرعية الدينية.
يتكلم الشيخ هنا عن الجبرية من غلاة الصوفية الذين يغلون في إثبات القدر، ويفنون في (توحيد الربوبية)، ويقفون عند الحقيقة
стр. 685
الكونية، ويعرضون عن الأمر والنهي، وهم الذين تقدم تسميتهم ب «المشركيَّة» (١).
فهؤلاء ينظرون إلى القدر وحده، ويعرضون عن الشرع، ويقفون عند الحقيقة الكونية، وهي: كون الله تعالى خالق كل شيء.
وهؤلاء لم يميزوا ولم يفرقوا بين الأضداد؛ فلم يفرقوا بين العلم والجهل، ولا بين الصدق والكذب، ولا بين الطاعة والمعصية، ولا بين البر والفجور، ولا بين العدل والظلم، ولا بين الهدى والضلال، ولا بين الرشد والغي، ولا بين أولياء الله وأعدائه، ولا بين أهل الجنة وأهل النار.
ويرون أن حقيقة التوحيد وكماله؛ عدم التفريق بين الأشياء في ذاتها، فتحقيق التوحيد وشهود كمال الربوبية يكون - عندهم - بعدم التمييز بين الأشياء، ومتى فَرَّق الشخص بين الأشياء، من الطاعة والمعصية، والعدل والظلم، والصدق والكذب، والنافع والضار، والواجب والمحرم، والحسن والقبيح، وغير ذلك؛ لم يكن موحداً، ولا محققاً لشهود كمال «توحيد الربوبية» الذي يسمونه «الفناء».
وقد اتفق الأشاعرة، وغلاة الصوفية على أن الأشياء في ذاتها لا فرق بينها؛ بل هي سواء.
والفرق بين الأشاعرة، وغلاة الصوفية في هذا المقام، أن الأشاعرة جعلوا الشرع مفرقاً بين الأشياء التي هي عندهم متساوية في ذاتها،
стр. 686
فجعلوا التمييز بين حُسن الصدق وقُبح الكذب؛ مرده إلى الشرع فقط، وإن كانا متساويين في نفس الأمر.
أما غلاة الصوفية؛ فوقفوا عند الحقيقة الكونية، وأعرضوا عن الشرع، فسووا بين الأشياء في ذاتها وفي حكمها، ولم يفرقوا بينها لا في ذاتها، ولا من جهة الشرع، ويرون أن كمال المعرفة والتوحيد في عدم التمييز، فلا فرق عندهم بين الصدق والكذب، ولا بين الطاعة والمعصية، لا من حيث ذاتها، ولا من ناحية الشرع؛ لأنهم معرضون عن الأمر والنهي.
والحق أن هؤلاء الذين يقفون عند الحقيقة الكونية، وينظرون إلى القدر فقط، ويعرضون عن الشرع، ولا يميزون بين الأشياء في ذاتها؛ هؤلاء مخالفون لضرورة العقل، والقياس، والحس، والذوق، والشرع، وقولهم مِنْ أبطل الباطل (١).
فكل أحد يفرق بذوقه بين ما يلتذ به ممَّا يؤكل ويشرب، وما لا يلتذ به، ويفرق بحسه بين ما يؤذيه من الحر والبرد، وما ليس كذلك، ويفرق الناس بعقولهم بين كثير ممَّا ينفعهم، وما يضرهم.
وهذا التمييز بين ما ينفع وما يضر؛ هو: مضمون الشرع، فهو الحقيقة الشرعية الدينية، كما أن هناك أموراً عرف الفرق بينها من جهة الشرع، فمَن لم يُفَرِّق بين ما فَرَّق بينه الشرع؛ فهو ملحد بمخالفته للشرع، والعقل.
стр. 687
ومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوي عنده الأمران دائماً؛ فقد افترى، وخالف ضرورة الحس، ولكن قد يَعرِض للإنسان بعض الأوقات عارض؛ كالسُّكْر، والإغماء، ونحو ذلك ممَّا يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، فأما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه؛ فهذا ممتنع.
فإن النائم لم يسقط إحساس نفسه؛ بل يرى في منامه ما يسره تارة، وما يسوؤه أخرى، فالأحوال التي يُعبر عنها ب «الاصطلام»، و «الفناء»، و «السُّكر»، ونحو ذلك؛ إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها؛ لضعف تمييزه؛ لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقاً.
يذكر الشيخ هنا أن من نفى التمييز بين الأشياء مطلقاً، فهو مخالف لضرورة الحس.
وتكلم الشيخ هنا عن بعض مصطلحات الصوفية؛ وهي: (الاصطلام)، و (الفناء)، و (السُّكْر)، وهي عبارات متقاربة مؤداها: الوصول إلى حالة يفقد فيها الشخص التمييز بين الأشياء (١).
стр. 688
فيذكر الشيخ أن الشخص قد يكون في بعض الأحوال والأوقات - كما في المصطلحات السابقة - لا يميز بين بعض الأشياء؛ لوجود ما يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، أمَّا أن يسقط إحساسه بالكلية؛ فلا يميز بين الأشياء مطلقاً؛ فهذا لا يكون مع وجود الحياة.
فالنائم - مثلاً - لا يسقط إحساسه بالكلية؛ بل يحس بنفسه فيرى في منامه ما يسره تارة، وما يسوؤه أخرى.
فمن زعم سقوط الحس والتمييز بالكلية مع وجود الحياة؛ فقد غلط على الشرع والقدر والحس.
فحالة الفناء، والسكر، والاصطلام؛ إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي حالة نقص لضعف تمييز صاحبها، ولكنها مع هذا الضعف؛ لا تصل إلى حد يسقط فيه التمييز بين الأشياء مطلقاً ما دامت حياته باقية فيه.
* * *
стр. 689
ومَن نفى التمييز في هذا المقام مطلقاً، وعظَّم هذا المقام؛ فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية: قدراً، وشرعاً؛ غلط في خلق الله، وفي أمره، حيث ظن وجود هذا، ولا وجود له، وحيث ظن أنه ممدوح، ولا مدح في عدم التمييز، والعقل، والمعرفة.
أي: ومَن عظَّم مقام نفي التمييز مطلقاً؛ فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية، أي: شرعاً، وقدراً.
أما غلطه من جهة الشرع؛ فحيث مدح عدم التمييز بين الأشياء، وهذا باطل؛ لأن عدم التمييز، وعدم العقل، والمعرفة؛ غير ممدوح.
وأما غلطه من جهة القدر؛ فحيث ظن أن عدم التمييز مطلقاً يمكن أن يوجد مع الحياة، وهذا باطل؛ لأنه لا وجود له، فالله تعالى لم يقدره، ولم يخلقه.
فمن ادعى وجود شيء غير موجود في الواقع؛ فهو غالط من جهة الحقيقة الكونية القدرية، ومن مدح شيئاً لم يثنِ عليه الشرع ولم يأتِ به؛ فهو غالط على الحقيقة الشرعية، حيث مدَح ما لم يمدحه الشرع، ودعا إلى ما لم يرِد به الشرع.
* * *
стр. 690
وإذا سمعتَ بعضَ الشيوخ يقول: «أريد ألَّا أريد»، أو: «إن العارف لا حظَّ له»، أو: «إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل»، ونحو ذلك؛ فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه.
ومن أراد بذلك أنه تبطل إرادته بالكلية، وأنه لا يحس باللذة والألم، والنافع والضار؛ فهذا مخالف لضرورة الحس والعقل، ومن مدح هذا؛ فهو مخالف لضرورة الدِّين والعقل.
يذكر الشيخ هنا بعض عبارات الصوفية، ويناقشها، ويبيِّن ما تحتمله من معنى صحيح، وباطل (١).
فالعبارة الأولى: (أريد ألَّا أريد) (٢)، فهذا إنما يمدح منه سقوط الإرادة التي لم يؤمر بها الشخص: إرادة المحرم، وإرادة المفضولات المباحة.
أما سقوط إرادته مطلقاً حتى عن إرادة الطاعة، وترك المعصية؛ فهذا محرم شرعاً؛ لأنه يجب على الإنسان أن يريد الطاعة وترك المعصية،
стр. 691
كما أن سقوط الإرادة مطلقاً بحيث لا يريد أن يفعل ولا يترك؛ مخالف للحقيقة الكونية.
وأما العبارة الثانية؛ وهي قولهم: (إن العارف لا حَظ له)، فهذا يمدح منه عدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، أي: ترك حظوظ الدنيا التي لم يؤمر بطلبها، أما الحظوظ التي أمر بها؛ فإنه لا يمدح بتركها.
وأما العبارة الثالثة؛ وهي قولهم: (إن العارف يصير كالميت بين يدي الغاسل)، فهذا إنما يمدح كونه كالميت في ترك طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه.
أما أن يكون كالميت بالنسبة لجميع الأقدار، فهذا مخالف للحس، والعقل، والشرع، فإذا أحس بالبرد، أو الجوع، أو الخوف؛ فعل ما يدفع ذلك، وهذا أمر معلوم بالحس والعقل، كما أن مقتضى الشرع أنْ نفِرَّ من قدر الله إلى قدر الله.
* * *
стр. 692
أنواع الفناء
والفناء يراد به ثلاثة أمور:
أحدها؛ وهو: الفناء الديني الشرعي، الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب؛ هو: أن يفنى عمَّا لم يأمر الله به بفعل ما أمر الله به، فيفنى عن عبادة غيره بعبادته، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكل على غيره بالتوكل عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه.
بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]، فهذا كله؛ هو ممَّا أمر الله به ورسوله.
وأما الفناء الثاني: - وهو الذي يذكره بعض الصوفية -؛ وهو: أن يفنى عن شهود ما سِوى الله تعالى، فيفنى بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، بحيث قد يغيب عن شعوره بنفسه وبما سوى الله؛ فهذا حال ناقص، قد يعرض لبعض
стр. 693
السالكين، وليس هو من لوازم طريق الله، ولهذا لم يعرض مثل هذا للنبي ﷺ ، والسابقين الأولين.
ومن جعل هذا نهاية السالكين؛ فهو ضال ضلالاً مبيناً، وكذلك من جعله من لوازم طريق الله؛ فهو مخطئ؛ بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض، ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك.
وأما الثالث؛ فهو: الفناء عن وجود السِّوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق؛ هو عين وجود الخالق، وأن الوجود واحد بالعين، فهذا قول أهل الإلحاد والاتحاد، الذين هم من أضل العباد.
وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس، فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يَطْرُدَ قوله؛ فإنه إذا كان مشاهداً للقدر مِنْ غير تمييز بين المأمور والمحظور، فعومل بموجب ذلك، مثل: أن يُضرب ويُجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع؛ فإن لامَ مَنْ فعل ذلك به وعابه؛ فقد نقض قوله، وخرج عن أصل مذهبه، وقيل له: هذا الذي فعله مَقضيٌ مقدور، فخلقُ الله وقدره، ومشيئته؛ متناولٌ لك وله، وهو يَعُمُّكما، فإن كان القدر حجة لك؛ فهو حجة لهذا، وإلا فليس بحجة لا لك، ولا له.
فقد تبيَّن بضرورة العقل؛ فساد قول مَنْ ينظر إلى القدر، ويعرض عن الأمر والنهي.
стр. 694
الفناء في اللغة؛ هو: العدم، والذهاب، والزوال (١)، وللفناء أقسام ثلاثة (٢)؛ هي:
الأول: الفناء الديني الشرعي، وهو الفناء بما يريد الله تعالى عن غيره، فيفنى بعبادة الله تعالى عن عبادة غيره، وبالخوف منه عن خوف غيره، والمراد بالخوف هنا: الخوف العبادي الإرادي.
وهذا الخوف لا يصل إلى درجة التجرد من الخوف الطبيعي؛ كالخوف من السَّبُع، والعدو، ونحو ذلك؛ فإن هذا الخوف الطبيعي ليس بمذموم مطلقاً إلا حين يصل إلى حد ترك ما أوجب الله تعالى، فيكون مذموماً؛ كمن يترك الجهاد الواجب في سبيل الله؛ خوفَ القتلِ، أو العدوِ.
وهكذا بقية العبادات: فيفنى عن التوكل على غير الله بالتوكل على الله، وعن طاعة غير الله بطاعته وطاعة رسوله، وعن محبة غير الله بمحبته ومحبة رسوله، بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ﴾، فكل
стр. 695
من فني عمَّا لم يأمرِ الله به بفعل ما أمر الله به؛ فقد جاء بما أمر الله به ورسوله.
وحقيقة هذا الفناء؛ هو: تحقيق التوحيد وتكميله، وإخلاص الدين لله، وتسمية هذا فناء صحيح من الجهة اللغوية، وليس هو من المصطلحات الشرعية؛ لا في النصوص، ولا في كلام السلف، لكن الشيخ ﵀ سمى هذا المقام فناء لمناسبة الخطاب مع الصوفية الذين يعظِّمون الفناء بمفهومه عندهم، ويجعلونه أعلى مقامات الدين؛ وهو:
النوع الثاني: الفناء عن شهود السوى؛ وهو: الفناء بالله وفي الله، وهذا الفناء يذكره بعض الصوفية، وحقيقته: أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى، فيغيب عن شعوره بما سوى الله حتى عن نفسه، يفنى بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته.
والضمير في قوله: (بمعبوده) يرجع إلى العبد أي: يفنى بربه، والضمير في قوله: (عن عبادته) يصلح أن يكون راجعاً للعبد أو للرب، أي: يفنى بربه عن عبادة ربه، أو عن عبادته لربه؛ لأن «المصدر» يجوز أن يضاف إلى «الفاعل» نحو: عبادةُ العبدِ لربه، وأن يضاف إلى «المفعول» نحو: عبادةُ الربِّ (١).
وهكذا بقية الجمل: (بمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته)، ومثله: (بمشهوده عن شهوده) أي: يفنى بربه عن شهود ربه، أي: عن شهوده إياه، أو شهوده الله (٢).
стр. 696
وحالُ صاحب هذا الفناء حالٌ ناقصة لا يمدح بها، فهي من العوارض التي تعرض لبعض السالكين، وليست هي من لوازم الطريق إلى الله، وهذا النوع من الفناء معدود عند الصوفية أعلى مقامات الدين (١).
والحقُ أنه ليس من الدين؛ بل غاية صاحبه أن يكون معذوراً إذا وقع له ذلك من غير قصد إليه ولا تحرٍّ له، والرسول ﷺ ، وهو أكمل الخلق، وأعلمهم بالله؛ لم يحصل له هذا الفناء؛ بل كان يشعر بمَن حوله، وبمن وراءه في الصلاة، حتى كان يسمع بكاء الصبي وهو يصلي؛ فيخفف صلاته لذلك (٢).
الثالث: الفناء عن وجود السِّوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق؛ هو عين وجود الخالق، فالوجود عنده واحد بالعين، وحقيقة ذلك: اعتقاد ألَّا موجود إلا الله، وهذا مذهب أهل الإلحاد والاتحاد القائلين بوحدة الوجود، الذين هم أضل العباد.
وهؤلاء الذين يزعمون أن النظر إلى الحقيقة الكونية القدرية يوجب عدم التمييز بين المأمور والمحظور؛ مخالفون للعقل والقياس، كما أنهم مخالفون للشرع.
فإن الواحد منهم لا يمكنه أن يَطْرُدَ قوله؛ لأنه إذا كان مشاهداً للقدر مِنْ غير تمييز بين المأمور والمحظور، ولا بين الظالم والمظلوم؛ فيلزمه
стр. 697
ألَّا يلوم من يضربه ويمنعه حقه؛ لأنه إن لامَ غيرَه أو عابه؛ فقد نقض مذهبه في عدم التمييز، وفي الفناء عن شهود السِّوى.
فيقال له: هذا الذي ظلمك فعلَ ذلك بقدر الله تعالى، فخلقُ الله وقدرُه ومشيئتُه واقعٌ عليك وعليه؛ فإن كان القدر حجة لك؛ فهو حجة لمن ظلمك، وإلا فليس بحجة لا لك، ولا له (١).
وبهذا يتبيَّن فساد مذهب مَنْ ينظر إلى القدر، ويعرض عن أوامر الشرع، ونواهيه.
* * *
стр. 698
ثمرات الإيمان بالشرع والقدر، وهي: التقوى، والصبر، وما يحققهما
والمؤمنُ مأمورٌ بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وقال تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين (٩٠)﴾ [يوسف].
فالتقوى فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار (٥٥)﴾ [غافر]، فأمره مع الاستغفار بالصبر، فإن العباد لابدَّ لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم.
قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»، وقال: «إنه لَيُغَانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة».
وكان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدِّي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما
стр. 699
أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» (١).
وقد ذكر عن آدمَ أبي البشر أنه استغفر ربَّه وتاب إليه، فاجتباه ربه وتاب عليه وهداه، وعن إبليسَ أبي الجن أنه أصرَّ متعلقاً بالقدر؛ فلعنه وأقصاه، فمن أذنب، فتاب وندم؛ فقد أشبه أباه، ومَن أشبه أباه؛ فما ظلم، قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ [الأحزاب].
ولهذا قَرَن بين التوحيد والاستغفار في غير آية، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]، وقال تعالى: ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِير (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ١ - ٣].
وفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم، وغيره: «يقول الشيطان أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله، والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً» (٢).
стр. 700
وقد ذكر الله عن ذي النون أنه نادى في الظلمات: ﴿أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين (٨٧)﴾ [الأنبياء]، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِين (٨٨)﴾ [الأنبياء]، قال النبي ﷺ : «دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله بها كَرْبَه» (١).
المؤمن مأمور بأن يفعل ما أُمر به، ويترك ما نُهي عنه، وهذه حقيقة التقوى، كما أنه مأمور بأن يصبر على ما قُدِّر عليه، وقد جمع الله بين التقوى والصبر، وذكر عاقبتهما في آيات كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، وقوله تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين (٩٠)﴾.
كما أمر الله تعالى بالاستغفار مع الصبر، كما قال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار (٥٥)﴾.
стр. 701
والإنسان مهما بلغ من منزلة؛ فلا بدَّ له من الاستغفار؛ لأنه دليل التواضع، وشعور العبد بالتقصير، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يكثرون الاستغفار، والنبي محمد ﷺ كان كثير الاستغفار، وأَمر بذلك، كما قال في الحديث الذي رواه مسلم وغيره: «يا أيها الناس توبوا إلى الله؛ فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة» (١)، وفي لفظ: «إنه لَيُغَانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة» (١).
وفي الحديث الآخر - الذي رواه البخاري - يقول النبي ﷺ : «والله إني لأستغفر الله، وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٢).
وقوله: («ليغان على قلبي») فُسِّر بما يحصل للنبي ﷺ مِنْ غفلة عن اللائق به.
وهذا إنما يحصل له بما يناسب مقامه، فمقامه ﷺ رفيع؛ بل هو أرفع المقامات، فإذا نقص أو كاد؛ استغفر ربه وتاب إليه.
والاستغفار له ألفاظ وصيغ:
* فتارة يكون بصيغة الاستفعال، أي: الفعل المزيد ب «السين والتاء» اللتين للطلب؛ مثل: «أستغفر الله».
* وتارة يكون بطلب المغفرة بصيغة الدعاء؛ كقول: («اللهم اغفر لي»).
* وتارة بذكر اسم الله تعالى؛ كقوله: «يا الله إنك غفور رحيم».
стр. 702
* وتارة يكون بالاعتراف بالذنب؛ كقول ذي النون ﵇: ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين (٨٧)﴾.
وقد اجتمعت هذه الأنواع الثلاثة في الحديث الذي رواه أبو بكر الصديق ﵁: قلت: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (١).
وقد ورد الاستغفار في نهاية الأعمال؛ كنهاية الصلاة، وقيام الليل في السَّحَر، ونهاية أعمال الحج؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (١٩٩)﴾ [البقرة].
وهذا يدل على توقع النقص والتقصير، كما أنه دليلُ التواضع.
وكثيراً ما يقرن الاستغفار بالتوحيد (٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾.
* * *
стр. 703
وجماع ذلك أنه لا بدَّ له في الأمر مِنْ أصلين، ولا بدَّ له في القدر من أصلين؛ ففي الأمر: عليه الاجتهاد في الامتثال عِلماً وعملاً، فلا يزال يجتهد في العلم بما أمر الله به، والعمل بذلك، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور، وتعديه للحدود.
ولهذا كان من المشروع أن تختتم جميع الأعمال بالاستغفار؛ ف «كان النبي ﷺ إذا انصرف من صلاته: استغفر، ثلاثاً» (١)، وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَار (١٧)﴾ [آل عمران]، فقاموا الليل، ثم ختموا بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر]، وفي الحديث الصحيح أنه كان ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأول القرآن (٢).
وأما في القدر؛ فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويستعيذ به، فيكون مفتقراً إليه في طلب الخير وترك الشر، وعليه: أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس؛ علم أن ذلك مقدَّر عليه.
стр. 704
ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى، لما قال: «يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟» فقال له آدم: «أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبِكَم وجدت مكتوباً علي قبل أن أُخلق: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه]؟ قال: بكذا وكذا سنة»، قال: «فحجَّ آدمُ موسى» (١).
وذلك أن موسى لم يكن عتبه لآدم لأجل الذنب؛ فإن آدم كان قد تاب منه، والتائب من الذنب؛ كمن لا ذنب له، ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك.
وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب، وأن يستغفروا من المعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [غافر: ٥٥].
لا بد للعبد في الأمر، والشرع مِنْ أصلين (٢):
١ - الاجتهاد في الامتثال: علماً، وعملاً.
٢ - الاستغفار والتوبة من التفريط في أداء المأمور، أو تعديه الحدود، فالاستغفار مطلوب من العبد قبل التوبة؛ لأنه قد يكون سبباً في التوبة، كما أنه مطلوب بعد التوبة؛ لكونه من أسباب قبولها.
стр. 705
ولا بد في القدر من أصلين (١):
١ - الاستعانة بالله في فعل المأمور، والتوكل على الله والافتقار إليه في طلب الخير، وترك الشر.
٢ - الصبر على المقدور، وأن يعلم بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
ومن النصوص الدالة على التوبة، والصبر على المصيبة، والنظر إلى القدر في ذلك: حديث احتجاج آدم وموسى ﵉.
وقد وقف الناس من هذا الحديث مواقف عدة (١):
فالجبرية استدلوا به في الاحتجاج بالقدر على الذنب، والقدرية ردوه بحجة أنه آحاد، ومن الأجوبة: قول مَنْ قال: إنما حجه؛ لأنه أبوه، وإلا فالحجة لموسى. وهذا ضعيف.
وأحسن ما قيل في هذا الحديث قولان:
١ - أن موسى عاتب آدم على الذنب، وليس له ذلك؛ لأنه قد تاب منه، ومَن تاب مِنْ الذنب؛ فهو كمن لا ذنب له، وله الاحتجاج بالقدر إذا لامه أحد على الذنب الذي تاب منه، لكن لا ينظر إلى القدر نظرَ تهوينِ المعصيةِ على النفس؛ لأن هذا يضعف الشعور بالذنب والمعصية، وإنما تكون عنده بمثابة المصيبة التي رفعها الله عنه.