← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

- أنها نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبيّ، والأخنس لقب، وذلك أنه جاء إلى النبي ﷺ فأظهر الإسلام، وقال: والله يعلم إني لصادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم مسلمين فأحرق زرعهم، وعقر حُمُرَهم، فنَزلت فيه الآيات. ذكره السُّدي (ت: ١٢٨) (١)، وقال عنه ابن عطية (ت: ٥٤٦): (ما ثبت قط أن الأخنس أسلم) (٢). - وقيل نزلت في قومٍ من المنافقين تكلموا في السرية التي بعثها النبي ﷺ للرجيع، فأُصيبت، فقال رجالٌ من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أَدَّوا رسالة صاحبهم، فنَزلت الآيات في صفات هؤلاء المنافقين، وفي الثناء على المُستَشهدين. ورُويَ هذا عن ابن عباس ﵁. (٣) وفي قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة ٢٠٧]، ورد أنها نزلت: - في المهاجرين والأنصار، قاله قتادة (ت: ١١٧) (٤)، وهذا على رأي من جعل ما قبلها في الأخنس بن شريق (٥)، أو في شهداء غزوة الرجيع (٦). - وقيل في رجال من المهاجرين بأعيانهم، كصهيب بن سنان الرومي ﵁، قاله ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، وأبو عثمان النهدي (٧)

стр. 107

(ت: ١٠٠)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وجماعة (١). - وقيل فيه وفي أبي ذر الغفاري جندب بن السكن ﵁، ذكره عكرمة (ت: ١٠٥) (٢). ومن فَسَّرَ الآية الأولى بالعموم حمل هذه على العموم أيضًا، وهو الأصح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأما ما رُوي من نزول الآية في أمر صهيب، فإن ذلك غير مستنكر؛ إذ كان غير مدفوع جواز نزول آيةٍ من عند الله على رسوله ﷺ بسبب من الأسباب، والمَعنِيُّ بها كُلّ من شمله ظاهرها) (٣). وذاكر سعيدٌ المقبري (٤) (ت: ١٢٣) محمدَ بن كعب القُرَظي (ت: ١٠٨)، فقال سعيد: (إن في بعض الكتب: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله ﵎: أَعَلَيّ يجترئون؟ وبي يغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٤ - ٢٠٥])، فقال سعيد: قد عرفتَُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنْزل في الرجل ثم تكون عامة بعد) (٥)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤) بعد ذكره لهذا الحديث: (وهذا الذي قاله القُرَظِي حسنٌ صحيح). (٦)

стр. 108

ورجح العموم في الآية ابنُ جرير (ت: ٣١٠)، وقال: (فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف شاريا نفسه ابتغاء مرضاته، فكلُّ من باع نفسه في طاعته حتى قتل فيها، أو استُقتِل وإن لم يقتل، فَمَعْنِيّ بقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] في جهاد عدو المسلمين كان ذلك منه، أو في أمر بمعروف، أو نهي عن منكر). (١) واختاره السمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤) (٢)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) وقال: (والذي ينبغي أن يُقال: إنه تعالى لمَّا ذكر ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة ٢٠٤]، وكان عامًّا في المنافق الذي يبدي خلاف ما أضمر، ناسب أن يذكر قسيمه عامًّا؛ من يبذل نفسه في طاعة الله تعالى من أيّ صعب كان، فكذلك المنافق مُدارٍ عن نفسه بالكذب والرياء وحلاوة المنطق، وهذا باذل نفسه لله ولمرضاته، وتندرج تلك الأقاويل التي في الآيتين تحت عموم هاتين الآيتين، ويكون ذكر ما ذُكِر من تعيين من عَيَّن، إنما هو على نحوٍ من ضرب المثال، ولا يبعُد أن يكون السبب خاصًّا، والمُراد عموم اللفظ) (٣). ويستفاد من هذا الاستدراك: أن السياق لا ينهض بتخصيص معنى الآية ما لم يكن صريحًا في ذلك، كما سبق في تفسير ابن عباس ﵁ للآية، وشأنه في ذلك شأن سبب النُّزول؛ إذ العبرة فيه بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. * * *

стр. 109

[١٥] ﴿لِلَّهِ ما فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤]. عن سعيد ابن مَرْجانة (١) قال: (جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، ثم قال: لئن أُخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه. قال: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فقلت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لقد وجد المسلمون منها مثل ما وَجَد عبدُ الله بن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] إلى آخر السورة، فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل) (٢).

стр. 110

* تحليل الاستدراك: لَمَّا فهم ابن عمر ﵁ هذه الآية على العموم، بلغت من نفسه ما بلغت من الصحابة ﵃ قبل ذلك حين أُنزلت، إذ فهموا منها عموم المحاسبة على كلِّ واردٍ على النفس حتى ما يعرض فيها من الوسوسة والخواطر التي لا حيلة لهم فيها، ولا طاقة لهم بها، فكان ابن عمر ﵁ يبكي عند قراءة هذه الآية؛ خوفًا من المؤاخذة على كلِّ ذلك، فأَخبَر ابنُ عباسٍ ﵁ أن ما وجده ابن عمر قد وجده مَنْ قبله، وأن الله تعالى خفف عنهم بالآية بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، فكانت الوسوسة من المعفِي عنه يوم القيامة (١)؛ لأنها ممَّا لا طاقة للمسلمين بها، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (فلمَّا كان اللفظ ممَّا يمكن أن تدخل فيه الخواطر؛ أشفق الصحابة والنبي ﷺ ، فبيَّن الله تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصّصَها، ونَصَّ على حكمه أنَّه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوُسع، بل هو أمر غالب، وليست ممَّا يُكسَب ولا يُكتَسب، وكان في هذا البيان فرحُهم وكشفُ كربهم) (٢)، وهذا المعنى هو ما عبَّرَ عنه ابن عباس ﵁ في رواية مجاهد بقوله: (فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة ٢٨٥] إلى ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦]، فتُجُوّزَ لهم عن حديث النفس، وأُخِذوا بالأعمال). فَسَمَّى ابنُ عباس ﵁ بيان الآية الثانية للأولى نسخًا، كما ورد ذلك عن عائشة، وأبي هريرة،

стр. 111

وابن عمر، وابن مسعود ﵃، وكعب الأحبار (ت: ٣٢)، وسعيد بن جبير (١) (ت: ٩٥)، والشعبي (ت: ١٠٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والقرظي (ت: ١٠٨)، وابن سيرين (ت: ١١٠)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠) (٢)، وهذا على عادة السلف في تسمية ما يُبيّن الآية ويوضِّحها ويزيل الإيهام الواقع في النفس من فهم معناها نسخًا (٣)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (النسخ عندهم- أي: السلف- اسم عام لكل ما يرفع دلالة الآية على معنى باطل، وإن كان ذلك المعنى لم يُرَد بها، وإن كان لا يدل عليه ظاهر الآية، بل قد لا يُفهَم منها، وقد فهمه منها قوم، فيُسَمُّون ما رفع ذلك الإبْهام والإفهام نسخًا، وهذه التسمية لا تُؤخَذ عن كل واحد منهم) (٤)، وقال: (وفصل الخطاب: أن لفظ "النسخ" مجمل؛ فالسلف كانوا يستعملونه فيما يُظَن دلالة الآية عليه، من عموم أو إطلاق أو غير ذلك) (٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (النسخ عند الصحابة والسلف أعمُّ منه عند المتأخرين، فإنهم يريدون به ثلاثة معان: أحدها: رفع الحكم الثابت بخطاب. الثاني: رفع دلالة الظاهر، إمَّا بتخصيص، وإمَّا بتقييد، وهو أعمُّ مما قبله. الثالث: بيان المراد باللفظ الذي بيانه مِنْ خَارج، وهذا أعمُّ من المعنيين الأَوَّلَيْن) (٦)، وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (وقد يكون مرادهم بالنسخ: البيان

стр. 112

والإيضاح؛ فإن السلف كانوا يطلقون النسخ على مثل ذلك كثيرًا) (١). وفي خصوص هذه الآية قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنىً، وإن كانت الآية لم تدل عليه، لكنه محتمل، وهذه الآية من هذا الباب؛ فإن قوله ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٨٤] الآية، إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس، لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس، وقوله ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، يقتضي أن الأمر إليه في المغفرة والعذاب، لا إلى غيره) (٢)، وقال ابن رجب (ت: ٧٩٥): (وقد سمَّى ابنُ عباس وغيره ذلك نسخًا، ومُرادهم: أن هذه الآية أزالت الإيهام الواقع في النفوس من الآية الأولى، وبيَّنت أن المُراد بالآية الأولى: العزائم المُصَمَّمُ عليها، ومثل هذا البيان كان السلف يُسَمُّونَه نسخًا) (٣). * الحكم على الاستدراك: ما فهمه ابن عمر ﵁ من هذه الآية هو ما فهمه الصحابة ﵃ من قبل، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ ما فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤]، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الرُّكَب، فقالوا: أي رسول الله: كُلِّفنا من الأعمال ما نُطِيق، الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ : (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير) قالوا: سمعنا وأطعنا

стр. 113

غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم، ذَلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم) (١). وفي رواية: (قد فعلت) (٢). وهذا على عادتهم ﵃ في الأخذ بعموم اللفظ، وقد صَحَّ فهمهم ذلك في أوّل الأمر؛ إذ أمرهم رسول الله ﷺ أن يُسَلِّموا ويطيعوا، فلمَّا كان ذلك منهم خَفَّفَ الله عنهم، وأزال ما في نفوسهم من مشقة بالآيات بعدها؛ بصبرهم وتسليمهم. وإذا عُلِمَ معنى "النسخ" عند السلف كما تقدم، فإن قول ابن عباس ﵁ في معنى الآية وهو: أن الإنسان مُحاسبٌ على قوله وفعله وما عزم عليه بقلبه، وتقرر في نفسه، واستُصحِبَت الفكرة فيه، دون ما عرض له من الوساوس والخطرات؛ فإنها ليست من كسبه، ولا في وُسعه = هو الراجح، ويدلُّ على صحته أمور: الأول: أن للقلب كسبًا وعملًا يُحاسَب عليه الإنسان، كما في قوله تعالى ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥]، وقوله ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]، ونحوها من الآيات (٣)، قال النووي (ت: ٦٧٦): (وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمُؤاخذة بعزم القلب المستقر) (٤).

стр. 114

الثاني: أن المذكور في الآية هو الحساب وليس العقاب، وكلُّ عمل الإنسان محصِيٌ عليه في الدنيا، وقد أخبر الله عن المجرمين يوم القيامة قولهم ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف ٤٩] (١)، (وأكّدَ وقوع المحاسبة إيراد الكلام في قالب الشرط؛ الحاكم بتَحَتُّم الجزاء، زجرًا للعبيد عن إلقاء النفس في ورطة المخالفة، وحَثًّا على الموافقة، وفي ذلك -مع إسناد المحاسبة إليه المُؤذن بالاعتناء بها- إرعاب للقلوب، وتخويف العبد من اقتراف الذنوب، فإن مُتَوَلِّي المحاسبة لا يحتجب عن علمه مثاقيل الذَّر، ولا يستعصي عليه أمر) (٢)، وليس يلزم من محاسبة المؤمنين أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب مُؤاخذين؛ (لأن الله وعدهم العفو عن الصغائر باجتنابهم الكبائر، فقال في تنْزيله ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء ٣١]، فدَلَّ أن مُحاسبة الله عباده المؤمنين بما هو مُحاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة، بل مُحاسبته إياهم إن شاء الله عليها لِيُعَرِّفَهم تفضُّله عليهم بعفوه لهم عنها) (٣)، كما في حديث المناجاة الذي رواه ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كَنَفَه فيقرره بذنوبه: (تعرف ذنب كذا؟) يقول: أعرف. يقول: رب أعرف. مرتين، فيقول: (فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمُنافقون، فيُنَادَى بهم على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨]) (٤)، وهو ما أشارت إليه الآية بقوله تعالى ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]. (٥)

стр. 115

الثالث: موضوع السورة، وسياق الآيات، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (ولمَّا كان تصرُّفه سبحانه في خلقه لا يخرج عن العدل و الإحسان، و هو تصرف بخلقه و أمره، و أخبر أن ما في السموات و ما في الأرض ملكه، فما تصَرَّف خلقًا و أمرًا إلا في ملكه الحقيقي، و كانت سورة البقرة مشتملة من الأمر و الخلق على ما لم يشتمل عليه سورة غيرها؛ أخبرنا تعالى أن ذلك صدر منه في ملكه قال تعالى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فهذا متضمنٌ لكمال علمه سبحانه و تعالى بسرائر عباده و ظواهرهم، و أنه لا يخرج شيء من ذلك عن علمه، كما لم يخرج شيء ممن في السموات و الأرض عن ملكه، فعلمه عام و ملكه عام. ثم أخبر تعالى عن محاسبته لهم بذلك؛ وهي تعريفهم ما أبدوه أو أخفوه، فتضمن ذلك علمه بهم و تعريفهم إياه، ثم قال ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فتضمن ذلك قيامَه عليهم بالعدل و الفضل، فيغفر لمن يشاء فضلًا، و يعذب من يشاء عدلًا، و ذلك يتضمن الثواب و العقاب، المستلزم للأمر والنهي، المستلزم للرسالة والنبوة، ثم قال تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فتضمن ذلك أنه لا يخرج شيء عن قدرته البتة و أن كل مقدور واقع بقَدَرِه). (١) الرابع: ورود معناه في السنة الصحيحة، فعن ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك: فمن هَمَّ (٢) بحسنة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو همَّ بها وعملها، كتبها الله له

стр. 116

عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها، كتبها الله له سيئة واحدة) (١). الخامس: كما يشهد له ما رواه أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز لأمتي عمَّا وَسْوَسَت- أو: حدثت- به أنفسها ما لم تعمل به أو تَكَلَّم) (٢). ويلخص ذلك ابن تيمية (ت: ٧٢٨) فيقول: (وقد عرفتَ بهذا أن الآية لا تقتضي العقاب على خواطر النفوس المجردة، بل إنما تقتضى محاسبة الرب عبده بها، و هي أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص، و بعد محاسبته بها يغفر لمن يشاء، و يعذب من يشاء، و على هذا فالآية محكمة لا نسخ فيها، و من قال من السلف: نسخها ما بعدها، فمراده: بيانُ معناها و المراد منها، و ذلك يسمى نسخًا في لسان السلف، كما يسمون الاستثناء نسخًا) (٣). وقد اتفقت على هذا المعنى للآية كلمةُ من سبق ذكرهم في القول بالنسخ في الآية، وكذلك من قال بأنها لا نسخ فيها- كابن عباس في رواية ابن أبي طلحة (٤) (ت: ١٤٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩) (٥)؛ لاختلاف القضية في الآيتين، فالأولى في إثبات الحساب على كل ما يظهر ويخفى من عمل العبد وكسبه، والثانية في نفي التكليف بما

стр. 117

لا وُسع لهم به، أو كان نفيُ من نَفَى منهم النسخ؛ لأنه في الأخبار، وهي ممَّا لا يدخله النسخ-؛ فإن كلاهُما ذهب إلى عموم المُحاسبة، واختلفت ألفاظهم في النسخ، وقد بَيَّنَّا مُراد كُلٍّ بذلك. وهذا ممَّا يُفسِّر تكرر الرواية عن بعض السلف في هذه الآية، مَرَّةً بإثبات النسخ، وأُخرى بنفيه، كما رُويَ عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ (١)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠). وقد جمع ابن تيمية (ت: ٧٢٨) بين أقوال المفسرين في هذه الآية فقال: (وكلام السلف يوافق ما ذكرناه، قال ابن عباس: (هذه الآية لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يقول إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم، مما لم تطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم، ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، يقول: يخبركم به الله، وأما أهل الشرك والريب، فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، و هو قوله ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]) (٢)، وقد رُويَ عن ابن عباس: (أنها نزلت في كتمان الشهادة) (٣)، ورُويَ ذلك عن عكرمة، والشعبي (٤)، وكتمان الشهادة من باب ترك الواجب، وذلك ككتمان العيب الذي يجب إظهاره، وكتمان العلم الذي يجب إظهاره، وعن مجاهد: (أنه الشك واليقين)، وهذا أيضًا من باب ترك الواجب؛ لأن اليقين واجب، ورُويَ عن عائشة: (ما أعلنت فإن الله يحاسبك به، و أمَّا ما أخفيت، فما عُجِّلت لك به العقوبة في الدنيا)، وهذا قد يكون مما يعاقب فيه العبد بالغم، كما سُئِلَ سفيان بن عيينة عن غمٍّ لا يعرف سببه؟ قال: هو ذنب هممت به في سِرِّك ولم تفعله فجزيت همًا به. فالذنوب لها عقوبات، السرُّ بالسرِّ، والعلانية

стр. 118

بالعلانية، ورُوىَ عنها مرفوعًا قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]؟ فقال: (يا عائشة هذه معاتبة الله العبدَ مما يصيبه من النكبة والحمى حتى الشوكة، والبضاعة يضعها في كُمِّه فيفقدها، فيروع لها، فيجدها في جيبه، حتى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكِير) (١)، قلت: هذا المرفوع هو والله أعلم بيان ما يُعاقَب به المؤمن في الدنيا، وليس فيه أن كلَّ ما أخفاه يعاقب به، بل فيه أنه إذا عوقب على ما أخفاه عوقب بمثل ذلك، وعلى هذا دلت الأحاديث الصحيحة) (٢). واختار هذا المعنى أيضًا ابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والماوردي (ت: ٤٥٠)، ونسبه للجمهور، والواحدي (ت: ٤٦٨) (٣)، ونسبه للمُحَقِّقين، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن جُزَيّ (ت: ٧٤١)، وأبو حيان (ت: ٧٤٥)، والشاطبي (ت: ٧٩٠). (٤) * * *

стр. 119

[١٦] ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة ٩٣]. عن عبد الله بن عامر بن ربيعة (١): (أنَّ عمر بن الخطاب استعمل قدامة بن مظعون (٢) على البحرين- وهو خال حفصة وعبد الله بن عمر-، فقدم الجارود (٣) سيد عبد القيس على عمر ﵁ من البحرين، فقال: يا أمير المؤمنين إن قدامة شرب فسكر، ولقد رأيت حدًا من حدود الله حقًا عليَّ أن أرفعه إليك. فقال عمر: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة. فدعا أبا هريرة، فقال: بم تشهد؟ قال: لم أرَه شرب، ولكني رأيته سكران يقيء. فقال عمر: لقد تنطَّعتَ في الشهادة. قال: ثم كتب إلى قدامة أن يقدم إليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله. فقال عمر: أَخَصمٌ أنتَ، أم شهيد؟ قال: بل شهيد. قال: فقد أَدَّيت شهادتك. قال: فصَمَتَ الجارود، ثم غدا على عمر، فقال: أقم على هذا حدَّ الله. فقال عمر: ما أراك إلا خصمًا، وما شهد معك إلا رجلٌ واحد. فقال الجارود: إني أنشدك الله. فقال عمر: لتُمسكنَّ لسانك، أو لأسوءَنك. فقال الجارود: أما والله ما ذاك بالحق، أن يشرب ابنُ

стр. 120

عمِّك وتسوءُني! فقال أبو هريرة: يا أمير المؤمنين، إن كنت تشكُّ في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة. فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة: إني حادُّك. فقال: لو شربتُ كما يقولون ما كان لكم أن تجلدوني. فقال عمر: لم؟ قال قدامة: قال الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ .. الآية إلى ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة ٩٣]. فقال عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتَّقَيت اجتنبت ما حرم الله عليك. قال: ثم أقبل عمر على الناس، فقال: ماذا ترون في جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى أن تجلده ما كان مريضًا. فسكت عن ذلك أيامًا، وأصبح يومًا وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في جلد قدامة؟ قالوا لا نرى أن تجلده ما كان ضعيفًا. فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السياط أحبَّ إليَّ من أن يلقاه وهو في عنقي، ائتوني بسوطٍ تامٍّ. فأَمَرَ بقدامة فَجُلِد، فغاضب عمرَ قدامةُ وهجره، فحجَّ وقدامة معه مغاضبًا له، فلما قفلا من حجِّهما، ونزل عمر بالسُّقْيا نام ثم استيقظ من نومه، قال: عجِّلوا عليّ بقدامة فائتوني به، فوالله إني لأرى آتٍ أتاني فقال: سالِمْ قدامةَ؛ فإنَّه أخوك، فعجِّلوا عليَّ به. فلما أتوه أبى أن يأتي، فأمر به عمر إن أبى أن يجرُّوه إليه، فكلَّمَه عمرُ، واستغفر له، فكان ذلك أول صلحهما) (١).

стр. 121

* تحليل الاستدراك: ورد في رواية ابن عباس ﵁ لهذه القصة: (أن الشُّرَّاب كانوا يُضرَبون على عهد رسول الله ﷺ بالأيدي والنعال وبالعصي، حتى توفي رسول الله ﷺ ، فكانوا في خلافة أبي بكر أكثرَ منهم في عهد رسول الله ﷺ ، فكان أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، فكان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين، ثم أُتيَ برجل من المهاجرين الأولين (١) وقد شرب، فأمر به أن يُجلَد، فقال: أتَجلدني؟ بيني وبينك كتاب الله. فقال عمر: أفي كتاب الله تجدُ ألا أجلدك؟ فقال: إن الله تعالى يقول ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣]، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول الله بدرًا، وأحدًا، والخندقَ، والمشاهد كلها. فقال عمر: ألا تَردُّون عليه ما يقول؟ فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أُنزِلَت عذرًا لمن صبر، وحجةً على الناس؛ لأن الله تعالى يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ .. [المائدة ٩٠] الآية- ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى-، فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ فإن الله تعالى قد نهاه أن يشرب الخمر. فقال عمر: صدقت، ماذا ترون؟ فقال علي: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى

стр. 122

افترى، وعلى المفتري جلد ثمانين. فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة) (١). وما حصل لقُدامة ﵁ في هذه الرواية، حصل مثله لبعض الصحابة ﵃، فعن علي ﵁: (أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ شربوا الخمر بالشام (٢)، فقال لهم يزيد بن أبي سفيان: شربتم الخمر؟ فقالوا: نعم؛ لقول الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣] حتى فرغوا من الآية، فكتب فيهم إلى عمر، فكتب إليه: إن أتاك كتابي هذا نهارًا، فلا تنظر بهم الليل، وإن أتاك ليلًا، فلا تنظر بهم النهار حتى تبعث بهم إليّ؛ لا يفتنوا عباد الله. فبعث بهم إلى عمر، فلمَّا قدموا على عمر قال: شربتم الخمر؟ قالوا: نعم. فتلا عليهم ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة ٩٠] إلى آخر الآية. قالوا: اقرأ التي بعدها ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣]. قال: فشاور فيهم الناس، فقال لعلي: ما ترى؟ قال: أرى أنَّهم شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه، فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم؛ فقد أحلوا ما حرم الله، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين؛ فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبرنا الله بحد ما يفتري به بعضنا على بعض. قال فجلدهم ثمانين ثمانين) (٣).

стр. 123

فتلَخَّصَ من مجموع الروايات السابقة، أن قُدامة ﵁، ومن فهم فهمه من الصحابة، أخذوا من الآية: جوازَ شُرب الخمر لِمَنْ اتَّقَى وآمن وعمل صالحًا. وأظهرُ ما كانت تلك الصفات في قُدامةَ ﵁؛ من السابقة في الإسلام، وشهود الهجرتين، وحضور المشاهد كُلِّها مع رسول الله ﷺ . وهم في ذلك آخِذون بمعنىً تحتمله الآية، وتبادر لهم منها. وكان بيان عمر وابن عباس ﵃ لهذه الشبهة أحسنَ بيان؛ إذ نَبَّه عمرُ ﵁ قُدامةَ إلى أمرٍ غفلَ عنه في الآية، وهو أنه لو اتَّقَى الله تعالى حقيقةً لَمَا شرب الخمر، وهذا تحقيق للفظ الآية، واستيعاب لمعناها، وحقيق بمثل عمر ﵁ أن يفهم هذا الفهم؛ فهو المُحَدَّثُ المُلهَم. ثم كان بيان ابن عباس ﵁ أكثر استيعابًا وشمولًا؛ إذ انطلق من لفظ التقوى الشامل الذي تحدث عنه عمر، إلى سياق الآية وسبب نزولها، وهو ما أشار إليه ابن عباس ﵁ بقوله: (إن هذه الآيات أُنزِلَت عذرًا لمن صبر، وحُجَّةً على الناس- وفي لفظ: عُذرًا للماضين، وحُجَّة على الباقين). فقوله: (وحُجَّةً على الناس - وفي لفظ: وحُجَّةً على الباقين) تنبيه إلى سياق الآية، فقد خاطب الله تعالى المؤمنين في أوَّل الآيات بتحريم الخمر تحريمًا قاطعًا، مع تعداد أعظم مفاسدها، فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ .. [المائدة ٩٠] الآية، ثم خاطب المؤمنين بعد ذلك برفع الجُناح عمَّن طَعِمَ سوى ما حَرَّم الله تعالى، ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣]، وبالأخص ما ذُكِرَ تحريمه قبل هذه الآية مِمَّا يُطعَم، وهو: الخمر والميسر. فلو تنبَّه قُدامة وغيره ﵃ لهذا السياق لعلموا أن المُباح ما سِوى ذلك المُحَرَّم. وفي قوله ﵁: (إن هذه الآيات أُنزِلَت عذرًا لمن صبر، - وفي لفظ: عُذرًا للماضين)، تنبيه إلى سبب نزول الآية، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كنت ساقي القوم يوم حُرِّمَت الخمر في بيت

стр. 124

أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ (١)؛ البسر والتمر، فإذا منادٍ ينادي، فقال: اخرج فانظر، فخرجت، فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حُرِّمَت. قال: فَجَرَت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرِقْهَا. فَهَرَقْتُها، فقال بعض القوم: قد قُتِلَ قومٌ وهي في بطونهم. فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة ٩٣]). (٢) ثم نجد كذلك إشارة تفسيرية من علي ﵁ في هذه الآية، وذلك في جوابه لعمر ﵁، لَمَّا سأله عن رأيه فيهم فقال: (أرى أنَّهم شرعوا في دين الله ما لم يأذن الله فيه)؛ لأنهم بقولهم هذا يُحِلُّون ما حرَّم الله تعالى، ويُبطِلون حكم الله تعالى الصريح في تحريم الخمر، وتشريع الحدِّ عليه، على لسان رسوله ﷺ ؛ إذ مُؤَدَّى كلامهم: لا حَدَّ في الخمر؛ فإنه لو كان من شرب الخمر، واتقَى الله في غيره لا يُحَدّ على الخمر ما حُدَّ أحد. فصار المعنى عند عليٍّ ﵁ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣] ممَّا أحلَّ الله لهم. والله أعلم. * الحكم على الاستدراك: ما فهمه قُدامة ومَن معه مِنْ الصحابة ﵃ وإن كان هو المُتَبادر لهم من الآية، إلا أنه باطل بدلالة نفس الآية على ذلك، وبدلالة سبب النُّزول، وسياق الآية، وبإجماع الصحابة ﵃ على تخطِئَتِهم. فقد اقترن رفع الجُناح عن الذين آمنوا فيما طَعِموا، بالتقوى والإيمان والعمل الصالح، ومن تمام معاني هذه الألفاظ اجتناب ما حَرَّم الله تعالى فيما يُطعَم، ومنه الخمر. وهذا ما أجاب به عمر وابنُ عباس ﵃.

стр. 125

وقد سبق ذكر دلالة السياق وأنها خاطبت المؤمنين بتحريم الخمر تحريمًا قاطعًا، ثم خاطبتهم بنفي الجناح فيما طَعِموا، ولا شَكَّ في استثناء الخمر منه. وهو ما أشار إليه ابن عباس ﵁. ودليلٌ آخرَ هو من أقوى أَدِلَّة بُطلان ما تأوَّلَه قُدامة وغيره ﵃، وهو سبب نزول هذه الآيات، وقد مَرَّت إشارة ابن عباس ﵁ إليه، قال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (ففي الحديثين- حديث عبد الله بن عامر، وابن عباس- بيان أن الغفلة عن أسباب التنْزيل تؤدي إلى الخروج عن المقصود بالآيات). (١) وحيث قد اشتهر تحريم الخمر على عهد رسول الله ﷺ ، وأراقها الناس في طرقات المدينة، وحَدَّ رسولُ الله ﷺ من شربها، وأجمع الصحابة على ذلك (٢)؛ فإن القول بإباحتها لمن اتَّقَى مُفَضٍ إلى إبطال جميع ذلك. وهو ما أشار إليه علي ﵃. وقد ورد في السنة إشارةٌ إلى أن الظاهر الذي فهمه قدامة ومن معه غير مُرَاد، وذلك في قوله ﷺ لابن مسعود حين نزلت هذه الآية: (قيل لي أنت منهم) (٣)، ولم يقع من ابن مسعود ﵁ شيءٌ ممَّا فهمه قدامة ﵁ من هذه الآية، فصار انطباق الآية على حال ابن مسعود من جهة المعنى السياقي الكامل الذي ذهب إليه عمر وعلي وابن عباس ﵃. وقد لَخَّصَ بعض ما سبق الإمام الشاطبي (ت: ٧٩٠) بقوله عن هذه الآية: (فهذه صيغة عموم تقتضي بظاهرها دخولَ كلِّ مطعوم، وأنه لا جُناح في استعماله بذلك الشرط، ومن جُملته الخمر، لكنَّ هذا الظاهر يُفسِدُ جَرَيَان الفهم في الأسلوب، مع إهمال السبب الذي لأجله نزلت الآية بعد تحريم الخمر؛ لأن الله تعالى لمَّا حَرَّم

стр. 126

الخمر قال ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة ٩٣] فكان هذا نقضًا للتحريم، فاجتمع الإذن والنهي معًا؛ فلا يُمكن للمُكَلَّف امتثال. ومن هُنا خَطَّأ عمرُ بن الخطاب من تأوَّلَ في الآية أنَّها عائدةٌ إلى ما تَقَدَّمَ من التحريم في الخمر، وقال له: (إذا اتَّقَيت اجتَنَبتَ ما حرَّم الله)، إذ لا يَصِح أن يُقال للمكلَّف: (اجتَنب كذا)؛ ويُؤَكَّد النهي بما يقتضي التشديد فيه جدًّا، ثم يُقال: (فإن فعَلتَ فلا جُناح عليك)، وأيضًا فإن الله أخبر أنها تصُدُّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وتوقع العداوة والبغضاء بين المُتَحابَّين في الله، وهو بعد استقرار التحريم كالمُنافي لقوله ﴿إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة ٩٣]، فلا يُمكن إيقاع كمال التقوى بعد تحريمها إذا شُربَت؛ لأنه من الحرج أو تكليف ما لا يُطاق) (١). وبهذا ينحصر الصواب من معنى الآية في أنه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣] ممَّا أحلَّ الله لهم، بعد تحريم الخمر، ولم يقربوا ما حَرُمَ عليهم، ومن مات قبل تحريمها وقد شربها فلا جُناح عليه. وهو المعنى الجامع لأقوال الصحابة ﵃ عمر وعلي وابن عباس، وهم من أعلم الصحابة بالتفسير- كما سبق، ومن ثَمَّ تكون هذه الآية مُتَّصِلة بالآية قبلها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [المائدة ٨٧]. وشَبَّهَها الشافعي (ت: ٢٠٤) بقوله تعالى ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]، ولدلالة "إذا" فيها على المستقبل، كما سيأتي عن النحاس (ت: ٣٣٨). وقيل بعكس ذلك، وهو أن المُراد: فيما طَعِموا قبل تحريمها- بحسب سبب النُّزول-، ثم المُباحات من المطعومات بعد ذلك من صور العموم الداخلة في الآية. ونسبه ابن الجوزي (ت: ٥٩٧) لابن عباس والجمهور (٢)، واستظهره

стр. 127

أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (١). والأوّل أرجح؛ لاعتماد الصحابة عليه في البيان، كما في جواب ابن عباس ﵁ لعمر، إذ جعل سبب النُّزول من الأوجه التي تبين المُراد، ولم يقتصر عليه في البيان، فهو تابعٌ للمعنى العام الذي استدل له بالسياق وبحقيقة اللفظ- كما فسره عمر- وأشار إلى سبب النُّزول بين ذلك. ولِما استقر من أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وهو الحق (٢). واختاره الشافعي (ت: ٢٠٤) (٣)، والنحاس (ت: ٣٣٨) وقال: (هذا أحسن من الأوَّل؛ لأن فيها ﴿إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا﴾ [المائدة ٩٣]، و"إذا" لا تكون للماضي، فالمعنى على هذا- والله أعلم-: للمؤمنين قبلُ وبعدُ على العموم) (٤)، واختاره الزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، والطوفي (ت: ٧١٦) (٥)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨) (٦)، وأبو السعود (٧) (ت: ٩٨٢)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠) (٨).

стр. 128

وممَّا أفاده هذا الاستدراك: أولًا: بيان تفاوت الصحابة ﵃ في العلم والفقه. ثانيًا: أن أهل العلم بتفسير كلام الله تعالى هم أولى الناس بالدفاع عنه، وكشف ما اشتبه منه على الناس، وهو ما كان من ابن عباس وعلي ﵃ حين دعا عمرُ الصحابةَ لإبطال هذه الشبهة. ثالثًا: (أنه ليس لكل أحد أن يستدل بآيات القرآن، وإنما ذلك لأهل العلم والفقه، ألا ترى عمر قال لقدامة: (أخطأت التأويل)؛ لَمَّا احتج عليه بالآية، فقال له: (لو اتقيت لاجتنبت ما حَرَّم الله عليك) (١). رابعًا: أبانت هذه الرواية عن غرض مُهِمٍّ من أغراض الاستدراكات في التفسير؛ وهو: كشف ما اشتبه معناه على الناس، وإقامة الناس على الفهم الصحيح لكتاب الله تعالى. * * * [١٧] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال ٧٥]. عن ابن عباس ﵄ أنه قيل له: إن ابن مسعود ﵁ لا يُوَرِّث الموالي دون ذوي الأرحام، ويقول: إن ذوي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. فقال ابن عباس: (هيهات هيهات، أين ذهب؟ إنما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب، فنَزلت ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]. يعني: أنه يورِّث المولى) (٢).

стр. 129

* تحليل الاستدراك: أخذ ابنُ مسعود ﵁ من هذه الآية: تقديمَ ذوي الأرحام على المولى المُعتِق في إرث العتيق، مُعتَمِدًا في ذلك على مُطلَقِ تقديم ذوي الأرحام على غيرهم في ظاهر قوله تعالى ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]. والظاهر أن مُراد ابن مسعود ﵁ من ذلك حرمان المولى المُعتِق من إرث العَتيق، فإن هذا الذي يستوجب الإنكار الصريح من ابن عباس ﵁، كما أنه تفسير الراوي الذي شهد سياق الموقف، وهو أولى ممَّا سواه من الفهم المعتمد على لفظ الخبر، حين عَبَّرَ عن جواب ابن عباس بقوله: (يعني أنه يُوَرِّث المولى)، فيقابله قول ابن مسعود في عدم توريث المولى، ثم إن توريث المولى مع ذوي الأرحام- لو فُهِمَ من كلام ابن مسعود- ليس بمحل خلاف بين الصحابة، ولا يُنكِر عليه فيه ابنُ عباس، وإنما المُخالف لقولهم كما سيأتي: عدم توريث المولى من عتيقه (١)، قال الجصاص (ت: ٣٧٠): (وذهب عبدُ الله بن مسعود ﵁ إلى أن ذوي الأرحام أولى من مَولى العِتَاقة، واحتَجَّ فيه بظاهر الآية) (٢)، وقول ابن مسعود هذا مَبنيٌّ على أن المُراد ب"أولي الأرحام" في هذه الآية المعنى الخاص في علم الفرائض، وهم: القرابة الذين لا فرض لهم ولا عصبة. فَلَمَّا أُخبِر ابن عباس ﵁ بقول ابن مسعود هذا استنكره، وقال: (هيهات هيهات، أين ذهب؟)، ثم استدلَّ على بُعدِه بقوله: (إنما كان المهاجرون يتوارثون

стр. 130

دون الأعراب، فنَزلت ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ﴾ [الأنفال ٧٥] الآية)، وهذا استدلالٌ منه بسبب نزول الآية، مُستَشهدًا به على إرث مولى العِتاقة من المُعتَق، وبذكره لسبب النُّزول هذا أخرَجَ الآية من المعنى الخاص ل"ذوي الأرحام" في علم الفرائض، إلى المعنى العام لها، فلا يُستَدَل بها على ما ذكره ابن مسعود ﵁. فإن قيل: فمن أين أثبت ابنُ عباس ﵁ استحقاق المولى للإرث من المُعتَق، مادامت هذه الآية ليست في سياق قسمة الفرائض؟ فيُقال: يُستفاد ذلك من إبطال ابن عباس لدليل عدم توريث المولى؛ فيبطُلُ به المنع، ويثبُت به مُقابله وهو: توريث المولى. فيتلَخَّص عن ابن عباس ﵁ في هذه الرواية أمران: الأول: أن الآية في ذوي الأرحام بالمعنى العام، وهم: جميعُ القرابات، وهذا واضح من ذكره لسبب النُّزول. الثاني: أن مولى العِتاقَة يرثُ من عتيقه، وهذا مفهوم الكلام، ونصَّ عليه الراوي. والله أعلم. * الحكم على الاستدراك: أخَذَ ابنُ مسعود ﵁ في هذه الآية بظاهرها؛ فحمل "أولوا الأرحام" فيها على المعنى الخاص في علم الفرائض، وأعانه عليه سِبَاق الآية المُحتَمِلُ لأن يكون في الميراث، وذلك قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال ٧٢]. ووافقه ابن عباس ﵁ في كون الآية في سياق التوارث، وأخذَ هنا بعموم اللفظ "أولوا الأرحام" في أصل اللغة، مع اعتماده على سبب نزول الآية. وما فهمه ابن عباس ﵁ من الآية هو الصواب؛ فلا يُخَصّص اللفظ العام بلا موجب تخصيص، وفي قِصَّة الآية وسبب نزولها بيانٌ صريحٌ للمعنى المُراد، وقد ورد

стр. 131

مثله عن الزبير بن العوام ﵁ قال: (أنزل الله فينا خاصة معشر قريش والأنصار ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]، وذلك أنَّا معشر قريش لما قدمنا المدينة قدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فواخيناهم وتوارثنا، فآخى أبو بكر ﵁ خارجةَ بن زيد، وآخى عمرُ ﵁ فلانًا، وآخى عثمان ﵁ رجلًا من بني زُرَيق بن سعد الزرقي، قال الزبير: وواخيت أنا كعب بن مالك، ووارثونا ووارثناهم، فلما كان يوم أحد، قيل لي: قتل أخوك كعب بن مالك، فجئته فانتقلته، فوجدت السلاح قد ثَقَّلَه فيما نرى، فوالله يا بُني لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا) (١)، وعن ابن الزبير ﵁ أنه كتب إلى شريح القاضي (ت: ٧٨) (٢): (إنما نزلت هذه الآية أن الرجل كان يُعاقد الرجل يقول: ترثني وأرثك، فنَزلت ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]، فلما نزلت تُرِكَ ذلك) (٣)، وممَّن قال بنسخ هذه الآية لتوارث المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض دون الأعراب ومن لم يُهاجر: مجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُدِّي (ت: ١٢٨)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وغيرهم. (٤) وذكر الجصاص (ت: ٣٧٠) رأيَ ابن مسعود هذا ثُمَّ قال: (وليس هو كذلك عند

стр. 132

سائر الصحابة) (١)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وأما قوله تعالى ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٧٥]، أي: في حكم الله، وليس المراد بقوله ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ﴾ [الأنفال ٧٥] خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولا هم عصبة، بل يُدْلُون بوارث، كالخالة، والخال .. ، ونحوهم، كما قد يزعمه بعضهم، ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحا في المسألة، بل الحق أن الآية عامة، تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وغير واحد؛ على أنها ناسخة للإرث بالحلف والإخاء، اللذين كانوا يتوارثون بهما أولًا، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص) (٢)، وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (أولوا الأرحام، معناه: أصحاب الأرحام، وهم ذوو القرابات، وشَذَّ قومٌ هُنا وقالوا: إن المُراد بها أرحام العصبات الخاصة، وممَّن نصر هذا القول: أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (٣)، وهو ليس بصواب، وما استدلُّوا به في ذلك لا ينهض حُجَّةً؛ لأنهم قالوا: إن العرب كثيرًا ما تُطلِق "الرحم" على قرابة العصبات، دون قرابات غيرهم، قالوا: تقول العرب: (وصلتك رَحِم)، يعنون به رحم العصبات لا غيرها، وقالت قُتَيْلة بنت الحارث، أو بنت النضر بن الحارث في رجزها المشهور، لَمَّا قَتلَ النبيُّ ﷺ النضرَ بن الحارث في رجوعه من بدر، قالت في شعرها (٤): ظَلَّت سيوف بني أبيه تَنُوشُه … لله أرحَامٌ هناك تشَقَّقُ

стр. 133

فَصَرَّحت بان مرادها بالأرحام بنو الأب، يعني: من بني عمِّه وعصَبَتِه، وهذا يجوز، ولكنه لا ينفي غيره من إطلاق ذوي الأرحام على جميع القرابات. وهذه الآية ثَبَت في الصحيحين وغيره- ولا يكاد يُختَلَف فيه بين العلماء- أنها نسخت الموارثة التي كانت تقع بالهجرة والمُؤاخاة والحِلْف؛ لأنهم كانوا يتوارثون بالهجرة والمُؤاخاة، ولا يرث القريب من قريبه شيئًا إذا كان لم يُهاجر، كما تقدَّم في قوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِم مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال ٧٢]، وأن الله نسخ ذلك بالقرابات، وأن المُراد ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ﴾ [الأنفال ٧٥] أي: أصحاب القرابات من قرابة الأب والأم، بعضهم أولى ببعض في الميراث، أي: من الهاجرين الذين آخى النبي ﷺ بينهم وبين الأنصار كما هو معروف، فنسخ الله ذلك الميراث أوَّلًا بميراث القريب قريبه، والولي وليّه) (١). وقول ابن عباس ﵁ في هذه الآية محلُّ اتفاقِ أكثر المفسرين، وممَّن ذهب إليه مقاتل (ت: ١٥٠)، والشافعي (ت: ٢٠٤)، وأحمد ابن حنبل (ت: ٢٤١)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (٢) (ت: ٣١١)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، ونسبه لجماعة المفسرين، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، ونسبه لأكثر المفسرين، والبغوي (ت: ٥١٦)، والزمخشري (ت: ٥٣٨). (٣) * * *

стр. 134

[١٨] ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦]. عن المطلب بن عبد الله (١) قال: (قرأ ابن الزبير آية فوقف عندها، أسهرته حتى أصبح، فلما أصبح قال: من حبر هذه الأمة؟ قال: قلت: ابن عباس. فبعثني إليه فدعوته فقال له: إني قرأت آية كنت لا أقف عندها، وإني وقفت الليلة عندها، فأسهرتني حتى أصبحت ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦]، فقال ابن عباس: لا تُسهرْك؛ فإنّا لم نُعنَ بها، إنما عُنِيَ بها أهل الكتاب ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥، والزمر ٣٨]، ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٨ - ٨٩]، فَهُمْ يؤمنون هاهنا وهم يشركون بالله) (٢).

стр. 135

* تحليل الاستدراك: أسهرَت هذه الآيةُ ابنَ الزبير ﵁ حتى أصبح، وما أسهره فيها أحد أمرين: إمَّا استشكاله اجتماع الإيمان والشرك في المرء في وقت واحد، أو خوفه من أن يكون معنى الآية شامل لعموم الناس، من غير تخصيص لصنف معيَّن منهم، فخَشِيَ أن يقع فيما يقتضي دخوله في ذلك الوصف، فأسهره خوفه، كما هي عادة الصحابة ﵃ في مثل ذلك. والأقرب أنه ﵁ فهم من الآية العموم وأنه ربَّما اجتمع في الإنسان كفرٌ وإيمانٌ ولو كان من المسلمين، ويُؤَيد هذا جواب ابن عباس ﵁ على هذه القضية الثانية، وزوال إشكالها عن ابن الزبير بعد ذلك، ويُقَوِّيه عادةُ الصحابة ﵃ في الأخذ بالعموم واعتقاده، ثمَّ إن الاحتمال الأول ممَّا لا يكاد يخفى على أحد من الصحابة (١)، وهو مترَتِّبٌ على القول باشتمال هذه الآية على بعض المسلمين. وجواب ابن عباس ﵁ في بيان معنى الآية معتمد على سياق الآية، وورود هذا المعنى في كتاب الله تعالى في غيرما موضع، فالحديث في هذه الآية مُتَّصل في وصف قوم ليسوا بمؤمنين، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣]، فنفى الإيمان عن أكثر الناس، وهذا في حق الكافرين، ثم وصفهم بإعراضهم عن الآيات في السماوات والأرض، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ

стр. 136

عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف ١٠٥]، ثم بَيَّنَ أنَّهم مع إيمانهم بخالقها ومدَبِّرها وهو الله، فإنهم مشركون في عبادته غيره، في أنواع العبادات القلبية والقولية والعملية. ثم استشهد ابن عباس ﵁ على أن هذه الآية في غير المسلمين- (فإنَّا لم نُعْنَ بها) - بورود ذلك المعنى في كتاب الله تعالى، كما في آيتي لقمان والمؤمنون اللتين استشهد بهما، وكما في قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩]، وقوله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، وقوله ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٦ - ٨٧]، وغيرها في كتاب الله كثير. (١) * الحكم على الاستدراك: ما ذكره ابن عباس ﵁ في أن هذه الآية في غير المسلمين هو الراجح؛ لدلالة السياق عليه كما سبق، ولورود نحو هذا الخطاب كثيرًا في كتاب الله مُرادًا به الكافرين، ودَلَّ عليه كذلك التعبير بالجملة الاسمية في قوله ﴿وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦]، فإنه يفيد مُلازمتهم للشرك، واتِّصافهم به، لا كوصفهم بالفعل، كما لو قال: (وهم يشركون)، فالاسم أقوى وأثبت من الفعل، فإن الجملة الاسميّة تفيد الثبوت والدوام والاستقرار، بخلاف الفعلية التي تفيد الحدوث والتجدد والتغَيُّر (٢)، فهم ثابتون دائمون على شركهم، وهو الأصل فيهم، وإن ادَّعوا الإيمان، أو ظنوا أنهم مؤمنون في زعمهم ولجهلهم. وأمَّا قوله ﵁: (إنما عُنِيَ بها أهل الكتاب)، فهو من باب التمثيل لا الحصر،

стр. 137

أي: كما هو حال أهل الكتاب، فإنَّهم أظهر من ادَّعى الإيمان وهم مشركون. وقد ورد عن ابن عباس ﵁ أمثلة أخرى لمن انطبق عليه وصف الآية، فمن طريق العوفيين السابق قال في هذه الآية: (يعني النصارى)، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في هذه الآية: (من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله. وهم مشركون)، وعن عكرمة عن ابن عباس قال: (سلهم من خلقهم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله. فذلك إيمانهم، وهم يعبدون غيره) (١)، وقال ﵁: (نزلت في تلبية مشركي العرب: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك)، وعنه أيضًا: (أنَّهم المُشَبِّهة، آمنوا مُجملًا، وكفروا مُفَصَّلًا) (٢). فهي عند ابن عباس ﵁ في أهل الكتاب، وفي النصارى، وفي المشركين عمومًا، وبالأخص مشركي العرب، ويجمع كلَّ من سبق قوله ﵁: (إنَّا لم نُعْنَ بها). وعلى هذا يكون المُراد بالإيمان في هذه الآية: الإيمان اللغوي، لا حقيقة الإيمان؛ فإنه لا يجتمع مع نقيضه، و (الإيمان اللغوي يُجامع الشرك، فلا إشكال في تقييده به) (٣)، أو يُراد به هنا: في زعمهم، ولجهلهم، وكما يدَّعون، أو بألسنتهم (٤)، قال الطوفي (ت: ٧١٦): (﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف ١٠٦] يعني

стр. 138

الكفار، كانوا يؤمنون بالله أنه الخالق، ومع ذلك يشركون الأصنام في العبادة. والإيمان- وهو التصديق بالله لا ينافي الشرك، إنما الذي ينافي الشرك هو التوحيد، وهم كانوا يؤمنون بالله وجودًا وخلقًا وغير ذلك، ولكن لا يوحدونه عبادةً) (١). فالقول بأنَّ معنى الآية: إن أكثر الناس- وهم المشركون- لا يؤمنون بالله في ربوبيته إلا ويشركون غيره في عبادته. هو الراجح، وهو قول أكثر المفسرين، ومنهم: مجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، والشعبي (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وعطاء (ت: ١١٤)، والضحاك (ت: ١٠٥) (٢)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والثوري (٣) (ت: ١٦١)، والفراء (ت: ٢٠٧)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، ونسبه لأكثر المفسرين، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣). (٤) ومن مسائل هذا الاستدراك أن حملَ معاني الآيات على العموم والظاهر المتبادر كانَ سمتًا عامًّا لدى الصحابة ﵁، وكان ذلك فيهم من أعظم أسباب التأثُّر بالقرآن الكريم؛ إذ يرى أحدهم نفسَه معنيًّا بلفظ الآية، داخلًا في خطابِها، فيثقلُ

стр. 139

وقعها على النفس، ويمتلئ القلب منها خشيةً وخوفًا، أو راحةً وأُنسًا، بحسب معناها وسياقها. وقد تكرر هذا عنهم كثيرًا في غيرما آيةٍ وموقف (١). وإن من واجب المُفَسِّر إحياءُ هذا الفقه في نفوس الناس، وإنزال النفوس من الآيات منازلها التي أنزلها منها صحابةُ رسول الله ﷺ ؛ ليجد التالي منها ما وجدوه، فيمتثلها عن صِحَّة فهم، وصِدق اعتقاد، كما كان حالهم ﵃. (٢) * * * [١٩] ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِ يرًا﴾ [الأحزاب ٣٣]. عن ابن عباس ﵁: (أن عمر بن الخطاب قال له: أرأيت قول الله لأزواج النبي ﷺ ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣]، هل كانت إلا واحدة؟ فقال ابن عباس: وهل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟ فقال عمر: لله دَرُّكَ يا ابن عباس كيف قلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟ قال: فأتِ بتصديق ما تقول من كتاب الله. قال: نعم، ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج ٧٨] كما جاهدتم أول مرة، قال عمر: فمَن أُمِرَ بالجهاد؟ قال: قبيلتان من قريش: مخزومًا وعبد شمس. فقال عمر: صدقت) (٣).

стр. 140

* تحليل الاستدراك: اتفقت كلمة عمر وابن عباس ﵃ على جاهلية نهى الله تعالى أزواج النبي ﷺ أن يتبرجنَ تبرجَ النساء فيها، ثم استشكل عمر لفظة ﴿الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣]، وقال: (هل كانت إلا واحدة؟)، أي أن هذه اللفظة وصفٌ كاشف لا مفهوم له، كما في قوله تعالى ﴿عَادًا الأُولَى﴾ [النجم ٥٠]، فأجاب ابن عباس ﵁ بأنه: ما من أولى إلا ولها آخرة، وأن لهذه اللفظة مفهوم معتبر، وهو جاهلية تأتي بعد ذلك، لها صفاتٌ وأخلاقٌ من الجاهلية الأولى، ومنها التبرج الذي نهى الله عنه أزواج رسوله ﷺ . فتنبه لذلك عمر ﵁ واستعاد مقالة ابن عباس، فأعادها عليه، فطلب عمر ﵁ من ابن عباسٍ نظير هذا الأسلوب في كتاب الله تعالى؛ ليزداد طمأنينة إلى هذا القول، فقرأ له ابن عباس قوله تعالى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج ٧٨]، وزاد: (كما جاهدتم أول مرة) (١)، قال الرازي في بيان معناها: (أن يجاهدوا آخِرًا، كما جاهدوا أولًا؛ فقد كان جهادهم في

стр. 141

الأول أقوى، وكانوا فيه أثبت، نحو صنعهم يوم بدر) (١). * الحكم على الاستدراك: (لم تكن نبوَّةٌ قط إلا كان قبلها جاهلية) (٢)، فهي فترةٌ تسبقُ مبعثَ كلِّ نَبيّ، وقد اتفق العلماء على أن قبل الإسلام جاهليةً مذمومةً في لسان الشرع، ثم اختلف المفسرون في تحديد زمن هذه الجاهلية، والأظهر أنها مابين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام (٣)، والذي أفادته الآية أن ثَمَّةَ جاهلية قبل الإسلام، من صفات نسائها التبرج، وقد ذَمَّه الله تعالى، وحذر منه نساء نَبِيِّه ﷺ . وهذا ما فهمه عمر وابن عباس ﵃ من الآية، ثم زاد ابن عباس ﵁ مفهوم الآية، وأنه ما من أولى إلا ولها آخرة، فهنا جاهلية أخرى، حذرت منها الآية ضمنًا. ثم استدل على قوله، بنظير هذه الآية عنده في كتاب الله تعالى، وهو استدلال بأسلوب القرآن، وطريقته في الخطاب (٤). ويؤيد قول ابن عباس ﵁ غيرما حديث عن رسول الله ﷺ في ذكر خصالٍ وأخلاقٍ جاهلية في هذه الأمة، ومنها:

стр. 142

- قوله ﷺ لأبي ذرٍّ لمَّا عيَّرَ رجلًا بأمِّه: (يا أبا ذر أَعَيَّرْته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية) (١). - وقوله ﷺ : (ليس منَّا من لَطَم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) (٢). - وقوله ﷺ : (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) (٣). ونحوها من الأحاديث. قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نساء النبي أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم وعيسى، فيكون معنى ذلك ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣] التي قبل الإسلام، فإن قال قائل: أَوَ في الإسلام جاهلية، حتى يقال عَنى بقوله ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣] التي قبل الإسلام؟ قيل فيه أخلاقٌ من أخلاقِ الجاهلية) (٤). ثم نهيُ أُمَّهات المؤمنين ﵅، عن صفاتِ جاهليةٍ أدركنها، أبلغ أثرًا، وأدعى للاستجابة ممَّا لا يعرفنه من ذلك، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها، فاُمِرنَ بالنُّقلَة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرة عندهم) (٥). وقال بقول ابن عباس ﵁ أن ثَمَّةَ جاهلية أُخرى بعد الإسلام على ما وُصِفتْ قبل قليل-: ابنُ زيد (ت: ١٨٢)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزمخشري

стр. 143

(ت: ٥٣٨)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، وأبو حيان (ت: ٧٤٥). (١) ولا يتعارض هذا مع قول من نفى جاهلية أُخرى تقابل الأولى المذكورة في الآية، كابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والسيوطي (ت: ٩١١) (٢)، فإن المُثبِتَ للجاهلية الأُخرى أثبَتَ لها صفةً خاصةً تكون بِها؛ وهي بعض صورها وأخلاقها، وقد صحَّت بذكرها الأحاديث، لا أنها جاهليّة عامَّة كالتي كانت قبل الإسلام فإن هذا ممتنعٌ عند الجميع. والله أعلم. * * * [٢٠] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٦]. عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵁: (قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر. وأنا أقول: هي يوم القيامة) (٣). * تحليل الاستدراك: واضح من الرواية ذهاب ابن مسعود ﵁ إلى أن البطشة الكبرى: يوم بدر، وحكى ذلك ابن عباس ﵁ ثم أتبَعَه مُؤكدًا قوله، إن البطشة الكبرى: يوم القيامة، واختيارهما لهذه المعاني في الآية مبنيٌّ على اختيارهما لمعنى الآيات قبلها، وهي قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ

стр. 144

مَّجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٠ - ١٦]، فذهب ابن مسعود ﵁ إلى أن جميع ذلك في الدنيا، فعن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة- وفي لفظ: في المسجد، عند أبواب كندة (١) -، فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام. ففزعنا، فأتيتُ بن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس فقال: (من علم فليَقُل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه ﷺ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦]، وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي ﷺ فقال: (اللهم أعنِّي عليهم بسبعٍ كسبعِ يوسف)، فأخذتهم سَنةٌ حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله. فقرأ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ الإٌ قوله ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان ١٠ - ١٥]. أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان ١٦] يوم بدر) (٢). وذهب ابن عباس ﵁ إلى أن ذلك الدخان لم يأتِ، وهو آتٍ قبل قيام الساعة، ومن علاماتها، فعن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: (ما نِمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت) (٣).

стр. 145

فكلاهما أجرى تفسيره لهذه الآية بحسب سياق الآيات قبلها، وقَوَّى المعنى عند ابن مسعود ﵁ قوله تعالى ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان ١٢]، إذ قال: (أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!)، فصار المراد بذلك في الدنيا لا الآخرة. * الحكم على الاستدراك: وافقَ ابنَ مسعود ﵁ في قوله: أن الدُّخان المذكور في الآية قد مضى على ما سبق وصفه جماعة من المفسرين، كأبي العالية (ت: ٩٣)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعطية العوفي (١) (ت: ١١١) (٢)، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، وأَيَّدَه بأن سياق الآيات في خطاب مشركي قريش، قال تعالى ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان ٨ - ٩]، ثم أمر الله نبيه ﵁ بالصبر عليهم إلى أن يأتي بأسه وتهديده، ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان ١٠]، (فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم، قد أحلَّه بهم، أشبه من أن يكون آخَرَه عنهم لغيرهم) (٣). وهذا يُضاف إلى ما ذكره ابن مسعود ﵁ في رَدِّه في الرواية السابقة إذ قال في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان ١٢]: (أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!). (٤) ووافَقَ ابنَ عباس ﵁ في قوله: بأن الدُّخان آتٍ قبل قيام الساعة، ومن علاماتها، علي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عمر ﵃،
следующие страницы →