← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأول أقوى، وكانوا فيه أثبت، نحو صنعهم يوم بدر) (١). * الحكم على الاستدراك: (لم تكن نبوَّةٌ قط إلا كان قبلها جاهلية) (٢)، فهي فترةٌ تسبقُ مبعثَ كلِّ نَبيّ، وقد اتفق العلماء على أن قبل الإسلام جاهليةً مذمومةً في لسان الشرع، ثم اختلف المفسرون في تحديد زمن هذه الجاهلية، والأظهر أنها مابين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام (٣)، والذي أفادته الآية أن ثَمَّةَ جاهلية قبل الإسلام، من صفات نسائها التبرج، وقد ذَمَّه الله تعالى، وحذر منه نساء نَبِيِّه ﷺ . وهذا ما فهمه عمر وابن عباس ﵃ من الآية، ثم زاد ابن عباس ﵁ مفهوم الآية، وأنه ما من أولى إلا ولها آخرة، فهنا جاهلية أخرى، حذرت منها الآية ضمنًا. ثم استدل على قوله، بنظير هذه الآية عنده في كتاب الله تعالى، وهو استدلال بأسلوب القرآن، وطريقته في الخطاب (٤). ويؤيد قول ابن عباس ﵁ غيرما حديث عن رسول الله ﷺ في ذكر خصالٍ وأخلاقٍ جاهلية في هذه الأمة، ومنها:

стр. 142

- قوله ﷺ لأبي ذرٍّ لمَّا عيَّرَ رجلًا بأمِّه: (يا أبا ذر أَعَيَّرْته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية) (١). - وقوله ﷺ : (ليس منَّا من لَطَم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) (٢). - وقوله ﷺ : (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) (٣). ونحوها من الأحاديث. قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى نساء النبي أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وجائز أن يكون ذلك ما بين آدم وعيسى، فيكون معنى ذلك ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣] التي قبل الإسلام، فإن قال قائل: أَوَ في الإسلام جاهلية، حتى يقال عَنى بقوله ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣] التي قبل الإسلام؟ قيل فيه أخلاقٌ من أخلاقِ الجاهلية) (٤). ثم نهيُ أُمَّهات المؤمنين ﵅، عن صفاتِ جاهليةٍ أدركنها، أبلغ أثرًا، وأدعى للاستجابة ممَّا لا يعرفنه من ذلك، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (والذي يظهر عندي أنه أشار إلى الجاهلية التي لحقنها، فاُمِرنَ بالنُّقلَة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرة عندهم) (٥). وقال بقول ابن عباس ﵁ أن ثَمَّةَ جاهلية أُخرى بعد الإسلام على ما وُصِفتْ قبل قليل-: ابنُ زيد (ت: ١٨٢)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزمخشري

стр. 143

(ت: ٥٣٨)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، وأبو حيان (ت: ٧٤٥). (١) ولا يتعارض هذا مع قول من نفى جاهلية أُخرى تقابل الأولى المذكورة في الآية، كابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والسيوطي (ت: ٩١١) (٢)، فإن المُثبِتَ للجاهلية الأُخرى أثبَتَ لها صفةً خاصةً تكون بِها؛ وهي بعض صورها وأخلاقها، وقد صحَّت بذكرها الأحاديث، لا أنها جاهليّة عامَّة كالتي كانت قبل الإسلام فإن هذا ممتنعٌ عند الجميع. والله أعلم. * * * [٢٠] ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٦]. عن عكرمة قال: قال ابن عباس ﵁: (قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر. وأنا أقول: هي يوم القيامة) (٣). * تحليل الاستدراك: واضح من الرواية ذهاب ابن مسعود ﵁ إلى أن البطشة الكبرى: يوم بدر، وحكى ذلك ابن عباس ﵁ ثم أتبَعَه مُؤكدًا قوله، إن البطشة الكبرى: يوم القيامة، واختيارهما لهذه المعاني في الآية مبنيٌّ على اختيارهما لمعنى الآيات قبلها، وهي قوله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ

стр. 144

مَّجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٠ - ١٦]، فذهب ابن مسعود ﵁ إلى أن جميع ذلك في الدنيا، فعن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة- وفي لفظ: في المسجد، عند أبواب كندة (١) -، فقال: يجيء دخان يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام. ففزعنا، فأتيتُ بن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس فقال: (من علم فليَقُل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: لا أعلم؛ فإن الله قال لنبيه ﷺ ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦]، وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم النبي ﷺ فقال: (اللهم أعنِّي عليهم بسبعٍ كسبعِ يوسف)، فأخذتهم سَنةٌ حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله. فقرأ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ الإٌ قوله ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان ١٠ - ١٥]. أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان ١٦] يوم بدر) (٢). وذهب ابن عباس ﵁ إلى أن ذلك الدخان لم يأتِ، وهو آتٍ قبل قيام الساعة، ومن علاماتها، فعن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: (ما نِمت الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت) (٣).

стр. 145

فكلاهما أجرى تفسيره لهذه الآية بحسب سياق الآيات قبلها، وقَوَّى المعنى عند ابن مسعود ﵁ قوله تعالى ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان ١٢]، إذ قال: (أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!)، فصار المراد بذلك في الدنيا لا الآخرة. * الحكم على الاستدراك: وافقَ ابنَ مسعود ﵁ في قوله: أن الدُّخان المذكور في الآية قد مضى على ما سبق وصفه جماعة من المفسرين، كأبي العالية (ت: ٩٣)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعطية العوفي (١) (ت: ١١١) (٢)، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، وأَيَّدَه بأن سياق الآيات في خطاب مشركي قريش، قال تعالى ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان ٨ - ٩]، ثم أمر الله نبيه ﵁ بالصبر عليهم إلى أن يأتي بأسه وتهديده، ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان ١٠]، (فهو بأن يكون إذ كان وعيدًا لهم، قد أحلَّه بهم، أشبه من أن يكون آخَرَه عنهم لغيرهم) (٣). وهذا يُضاف إلى ما ذكره ابن مسعود ﵁ في رَدِّه في الرواية السابقة إذ قال في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان ١٢]: (أفَيكشِف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء!). (٤) ووافَقَ ابنَ عباس ﵁ في قوله: بأن الدُّخان آتٍ قبل قيام الساعة، ومن علاماتها، علي بن أبي طالب، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وابن عمر ﵃،

стр. 146

والحسن (ت: ١١٠)، وابن أبي مليكة (ت: ١١٧) (١)، واختاره ابن كثير (ت: ٧٧٤)، واستدل له بما يأتي: أولًا: قوله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات)، ذكر منها: (الدُّخان) (٢). ثانيًا: قوله ﷺ لابن صَيَّاد: (إني خَبَأتُ لك خَبْئًا. قال: الدُّخّ. فقال له ﷺ : اخسأ فلن تعدُوَ قدرك. قال: وخَبَّأ له رسول الله ﷺ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان ١٠]) (٣)، قال ابن كثير: (وهذا فيه إشعار بأنه من المنتَظَر المرتَقَب، وابن صَيَّاد كاشف على طريقة الكهَّان بلسان الجانّ، وهم يقرطمون (٤) العبارة، ولهذا قال: (هو الدُّخّ)، يعني: الدخان، فعندها عرف رسول الله ﷺ مادَّتَه، وأنها شيطانية، فقال ﷺ : (اخسأ فلن تعدو قدرك). (٥) ثالثًا: حديث حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أول الآيات الدجال، ونزول عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان)، قال حذيفة ﵁: يا رسول الله وما الدخان؟، فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠ - ١١]، يملأ مابين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر فيكون بمنْزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره) (٦)، قال ابن جرير بعد اختياره لقول

стр. 147

ابن مسعود: (إن لم يكن خبر حذيفة الذي ذكرناه عنه عن رسول الله ﷺ صحيحًا، وإن كان صحيحًا فرسول الله أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول، وإنما لم أشهد له بالصحة لأن محمد بن خلف العسقلاني (١) حدثني أنه سأل رَوَّادًا (٢) عن هذا الحديث: هل سمعه من سفيان- هو الثوري-؟ فقال له: لا. فقلت له: فقرأته عليه؟ فقال: لا. فقلت له: فقرئ عليه وأنت حاضر فأقرَّ به؟ فقال: لا. فقلت: فمن أين جئت به؟ قال: جاءني به قوم فعرضوه عليّ، وقالوا لي: اسمعه منا فقرأوه عليّ ثم ذهبوا، فحدثوا به عني. أو كما قال. فَلِمَا ذكرتُ من ذلك لم أشهد له بالصحة) (٣)، وقد أصاب ابن جرير (ت: ٣١٠) في تضعيفه هذا الحديث، كما ذكر ابن حجر (ت: ٨٥٢) هذا الحديث وعددًا من الروايات الأُخرى والتي منها الصحيح والحسن، ثم قال بعد تضعيفه للحديث: (لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلًا) (٤). رابعًا: الروايات الصحيحة والحسنة، المرفوعة والموقوفة، مما فيه دلالة ظاهرة على أن الدُّخان من الآيات المنتظرة. (٥) خامسًا: أنه ظاهر القرآن ويدلُّ عليه، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (مع أنه ظاهر القرآن، قال الله ﵎ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان ١٠] أي: بَيِّنٍ واضح، يراه كل أحد، وعلى ما فسَّره به ابن مسعود ﵁: إنما هو خيال رأوه

стр. 148

في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان ١١] أي: يتغشاهم ويعميهم، ولو كان أمرًا خياليًا يخصُّ أهل مكة المشركين لما قيل فيه يغشى الناس، وقوله تعالى ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١١] أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا، كقوله ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور ١٣ - ١٤]، أو: يقول بعضهم لبعض ذلك، وقوله ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان ١٢] أي: يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم، كقوله جلت عظمته ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧]، وكذا قوله جل وعلا ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ [إبراهيم ٤٤]، وهكذا قال جل وعلا ههنا ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾ [الدخان ١٣ - ١٤]، يقول: كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا إليهم رسولًا بَيِّن الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه، وما وافقوه، بل كذبوه وقالوا معلم مجنون، وهذا كقوله جلت عظمته ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر ٢٣ - ٢٤]، الآية كقوله ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَّكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ ٥١ - ٥٤]، وقوله ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان ١٥] يحتمل معنيين، أحدهما: أنه يقول تعالى ولو كشفنا عنكم العذاب، ورجعناكم إلى الدار الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب، كقوله تعالى ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَّلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون ٧٥]، وكقوله جلت عظمته ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨]، والثاني: أن يكون المراد: إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من

стр. 149

الطغيان والضلال، ولا يلزم من الكشف عنهم أن يكون باشرهم، كقوله تعالى ﴿إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨]، ولم يكن العذاب باشرهم واتصل بهم، بل كان قد انعقد سببه عليهم، ولا يلزم أيضًا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه، قال الله تعالى إخبارًا عن شعيب ﵇ أنه قال لقومه حين قالوا ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف ٨٨ - ٨٩]، وشعيب ﵇ لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم وقال قتادة: إنكم عائدون إلى عذاب الله) (١). سادسًا: انفراد ابن مسعود ﵁ بهذا التفسير، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وهذا التفسير غريب جدًا، ولم يُنقَل مثله عن أحد من الصحابة غيره) (٢). سابعًا: أن اعتراض ابن مسعود ﵁ لا يتوجَّه على قول ابن عباس ﵁ ومن معه من الصحابة، وإنما على قول القاصّ: (يجيء دخان يوم القيامة)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وقول هذا القاصّ: إن هذا الدخان يكون يوم القيامة. ليس بجيد؛ ومن هنا تسلَّطَ عليه ابن مسعود بالرد، بل قبل يوم القيامة وجودُ هذا الدخان، كما يكون وجود هذه الآيات ثَمَّ: الدابة، والدجال، والدخان، ويأجوج ومأجوج، كما دلَّت عليه الأحاديث عن أبي سَريحة، وأبي هريرة، وغيرهما من الصحابة) (٣). ومن ثَمَّ فالراجح في هذه الآية قول ابن عباس ﵁ وغيره من الصحابة، في أن المُراد بالدُّخان ما يكون قبل يوم القيامة، ومن علاماتها.

стр. 150

وكذلك يترَجَّح القول بأن المُراد بالبطشة الكبرى في ختام هذه الآيات: يوم القيامة. وهو قول ابن عباس ﵁، وعكرمة (ت: ١٠٥) في أصح الروايتين عنه، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، واختاره السمعاني (ت: ٤٨٩)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، وابن حجر (ت: ٨٥٢) (١). * * * [٢١] ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُ سْرًا﴾ [الطلاق ٤]. عن أبي سلمة (٢) قال: (جاء رجل إلى ابن عباس، وأبو هريرة جالسٌ عنده، فقال: أفْتِنِي في امرأةٍ وَلَدَت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة، أيصلح لها أن تتزوج. فقال ابن عباس: لا، إلا آخرَ الأجلين. قلت أنا: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي- يعني أبا سلمة-. فأرسل ابنُ عباس غلامَه كُرَيْبًا (٣) إلى

стр. 151

أمِّ سلمة يسألها، فقالت: قُتلَ زوجُ سُبيعَة الأسلمية (١) وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخُطبَت، فأنكحها رسولُ الله ﷺ ، وكان أبو السنابل (٢) فيمن خطبها) (٣). * تحليل الاستدراك: ذهب ابن عباس ﵁ إلى أن عِدَّةَ الحامل المُتَوفَّى عنها زوجُها أبعَدَ الأجلَين، وهُما: أربعةَ أشهر وعشرًا، أو أن تَضع حملها، وهُما الواردان في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤]، وقوله ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ (٤)، ومأخَذُهُما في ذلك أن آية الطلاق في المُطَلَّقة، بدلالة موضوع السورة وسياق الآيات؛ فموضوع السورة الأبرز الطلاق وأحكامه، كما أن سياق الآيات ظاهرٌ في المُطَلَّقة؛ لأنها عليها عُطِفَ، وإليها رَجعَ عَقِب الكلام (٥). وفي هذا القول أيضًا إعْمَالٌ للدَّليلين وجمعٌ بينهما، وهو أولى من الترجيح وإهمال أحدِهِما ما دام الجمع مُمْكِنًا؛ (لأن دليل العِدَّتين صادقٌ عليها، إذ هي مُتَوَفَّى عنها، ومن ذوات الأحمال) (٦)، قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣): (لولا حديث سُبيعَة بهذا البيان من

стр. 152

رسول الله ﷺ في الآيتين لكان القول ما قال عليٌّ وابنُ عباس؛ لأنهما عِدَّتان مُجتمعتان بصفتين، قد اجتمعتا في الحامل المتوفى عنها زوجها، فلا تخرج منها إلا بيقين، واليقين آخرُ الأجلين) (١)، وقال القرطبي (ت: ٦٧١): (وهذا نظرٌ حسنٌ، لولا ما يُعَكِّر عليه من حديث سُبَيْعةَ الأسلَمِيَّة) (٢). وفيه كذلك احتياطٌ للأنساب، وحفظٌ لها باحتساب أبعد الأجلين (٣). وذهب أبو هريرة ﵁ وأبو سلمة (ت: ٩٤) إلى أن أَجَلَ الحامل المُتَوَفَّى عنها زوجها أن تضع حملها، أخذًا بعموم آية الطلاق (٤)، قال ابن القيم (ت: ٧٥١) عن هذه الآية: (وهذا فيه عمومٌ من ثلاث جهات: أحدها: عموم المُخبَر عنه، وهو: أولات الأحمال، فإنه يتناول جميعَهن. الثاني: عموم الأجل، فإنه أضافه إليهن، وإضافة اسم الجمع إلى المعرفة يَعُمّ، فجعل وَضْعَ الحملِ جميعَ أجلهنّ، فلو كان لبعضهن أجلٌ غيره لم يكن جميعَ أجلهن. الثالث: أنَّ المبتدأ والخبر معرفتان، أمَّا المبتدأ فظاهر، وأمَّا الخبر وهو قوله تعالى ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، ففي تأويل مصدرٍ مضافٍ، أي: أَجَلُهن وضْعُ حملِهِن. والمبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين اقتضى ذلك حصرَ الثاني في الأول، كقوله ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥]، وبهذا احتج جمهور الصحابة أن الحامل المتوفى عنها زوجها عدتها وضع حملها ولو وضعته والزوج على المغتسل) (٥).

стр. 153

وأكَّدَ العموم في الآية جوابُ النبي ﷺ لِسُبَيعة الأسلمية ﵂، كما في الحديث. (١) * الحكم على الاستدراك: القول بأن عدَّة الحامل أن تضع حملها، أخذًا بعموم الآية هو الصواب، وعليه جمهور الصحابة، واتفقت عليه كلمة العلماء من السلف والخلف (٢)، ويُرجحه أمور منها: أولًا: دلالة السنة النبوية الصحيحة عليه، كما في إذنه ﷺ لسُبيعَة في النكاح لَمَّا وضعت حملها، وهذا الحكم والفتوى منه ﷺ مُشتَقٌّ من كتاب الله، مطابقٌ له. (٣) ثانيًا: أنَّ عموم الآية ظاهر، والأخذ به لازم، ولا يُعَكِّر عليه عموم الآية الأخرى في العدة في البقرة، فهما (من باب تعارض الأعَمَّيْنَ من وجه، والمقرر في الأصول الترجيح بينهما، والراجح منهما يُخَصَّصُ به عموم المرجوح .. ، وقد بَيَّنَت السنة الصحيحة أن عموم ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق ٤]، مُخَصِّصٌ لعموم ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة ٢٣٤]، مع أنَّ جماعةً من الأصوليين ذكروا أن الجُمُوع المُنَكَّرة لا عموم لها، ومن ثَمَّ فلا عموم في آية البقرة؛ لأن قوله ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة ٢٣٤] جمعٌ مُنَكَّر فلا يَعُمُّ، بخلاف قوله ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ﴾ [الطلاق ٤]، فإنه مُضاف إلى مُعَرَّف بألْ، والمُضاف إلى المُعَرَّف بها من صيغ العموم) (٤). ثم مع القول بأن آية الطلاق جاءت

стр. 154

في سياق المُطَلَّقات؛ لأنه فيهن وَرَد، وعلى ذِكرهن انعطف، فإنَّ عطفه على المُطَلَّقة لا يُسقِط عمومه، خاصَّةً مع استحضار الحكمة من تشريع العِدَّة في ذلك. (١) ثالثًا: تأخر نزول آية الطلاق عن آية البقرة، قال ابن مسعود ﵁: (من شاء لاعَنتُه، ما نَزَلت ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، إلا بعد آية المتوَفَّى عنها زوجها) (٢)، قال الجصاص (ت: ٣٧٠): (قد تضمَّنَ قول ابن مسعود هذا معنيين، أحدهما: إثبات تاريخ نزول الآية، وأنها نزلت بعد ذكر الشهور للمتوفى عنها زوجها. والثاني: أن الآية مُكتَفيةٌ بنفسها في إفادة الحكم على عمومها، غير مُضَمّنة بما قبلها من ذكر المُطَلَّقة، فوجب اعتبار الحمل في الجميع من المُطَلَّقات والمُتَوفى عنهنَّ أزواجهن، وأن لا يجعل الحكم مقصورًا على المُطَلَّقات لأنه تخصيص عموم بلا دلالة) (٣)، و من هنا ذهب جمعٌ من العلماء إلى أن آية الطلاق ناسخةٌ لآية البقرة (٤)، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (فابن مسعود ﵁ أشار بتأخر نزول سورة الطلاق، إلى أن آية الاعتداد بوضع الحمل ناسخةٌ لآية البقرة إن كان عمومها مرادًا، أو مخصصةٌ لها إن لم يكن عمومها مرادًا، أو مُبَيِّنةٌ للمراد منها، أو مقيدةٌ لإطلاقها، وعلى التقديرات الثلاث فيتعين تقديمها على تلك وإطلاقها، وهذا من كمال فقهه ﵁ ورسوخه في العلم، ومما يُبَيِّنُ أن أصول الفقه سَجِيَّةٌ للقوم، وطبيعةٌ لا يتكلفونها، كما أن العربية والمعاني والبيان وتوابِعها لهم كذلك، فمن بعدهم فإنما يجهد نفسه ليتعلق بغبارهم، وأنَّى له؟!) (٥).

стр. 155

رابعًا: ويدلُّ على أن المُتوفَّى عنها زوجها داخلةٌ في الآية، ومُرادَةٌ بها (اتِّفاقُ الجميع على أن مُضيَّ شهور المُتَوَفَّى عنها زوجها لا يوجِب انقضاء عدَّتها دون وضع الحمل، فدلَّ على أنها مُرادة بها، فوجب اعتبار الحمل فيها دون غيره، ولو جاز اعتبار الشهور لأنها مذكورة في آيةٍ أُخرى، لجاز اعتبار الحيض مع الحمل في المُطَلَّقَة؛ لأنها مذكورة في قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨]، وفي سقوط اعتبار الحيض مع الحمل دليل على سقوط اعتبار الشهور مع الحمل) (١). خامسًا: رجوع ابن عباس ﵁ فيما يُذكَر- عن قوله بعدما ثبت له خلافه بخبر رسول الله ﷺ ، وهذا المعهود عنهم ﵃، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (ويُقال إنه رجع عنه، ويُقَوِّيه أن المنقول عن أتباعه وِفاق الجماعة في ذلك) (٢)، وقال ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١): (وقد ذُكِر أن ابن عباس ﵁ رجع إلى هذا الحديث- أي: حديث سُبَيْعة- لَمَّا بلغه، ولو بَلَغَ عَليًّا ﵁ لرجع إليه) (٣). سادسًا: أنه قول جمهور الصحابة ﵃، كعمر وابن مسعود وأبي مسعود البدري، وعليه كافة العلماء، كما سبق ذكره، واختاره عامَّة المفسرين (٤). * * *

стр. 156

[٢٢] ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج ٣]. سأل رجلٌ الحسنَ بن علي ﵁ عن ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج ٣]، قال: سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابنَ عمر وابنَ الزبير، فقالا: يوم الذبح، ويوم الجمعة. قال: لا، ولكن الشاهد: محمد ﷺ ، ثم قرأ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١]، والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]) (١). * تحليل الاستدراك: ذهب ابن عمر وابن الزبير ﵃ إلى أن المراد بالشاهد والمشهود في هذه الآية: يوم النحر، ويوم الجمعة، وكلا هذين اليومين مشهد عظيم يشهده الناس، فيوم النحر أعظم المشاهد في الدنيا؛ فإنه يجتمع فيه حُجَّاجُ المشرق والمغرب بمنى ومزدلفة، وهو عيد المسلمين، ويوم الجمعة يشهده المسلمون للصلاة وذكر الله، وتشهد فيه الملائكة من يحضر الصلاة الأول فالأول، وقال فيه ﷺ : (أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة) (٢). (٣)

стр. 157

وأبى ذلك الحسنُ بن علي ﵁، وفسر الشاهد بالنبي ﷺ ، والمشهود بيوم القيامة، واستدل لكلِّ معنى منهما بوروده كذلك في القرآن الكريم، فقال: (الشاهد: محمد ﷺ ، ثم قرأ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء ٤١])، وكذلك قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب ٤٥]، وقال: (والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]). ووجه تقديمه لقوله على غيره؛ ورود ذلك المعنى في القرآن الكريم، وما كان كذلك فهو أولى من غيره؛ إذ القرآن يبين بعضه بعضًا، ويدل بعضه على بعض. * الحكم على الاستدراك: لقد كثرت أقوال المفسرين وتنوعت في بيان المراد بهذه الآية تنوعًا كثيرًا (١)، وبالتأمل نجد أن هذه الأقوال من قبيل الاسم العام الذي يمثل له المفسر بما يتناوله لفظه، وما هو أولى عنده، فهو من اختلاف التنوع، فتشمل الآية كلَّ راءٍ مُشَاهِد، وكلَّ مَرئيٍّ مُشَاهَد، وكلَّ شاهدٍ على أحد، ومشهود عليه. قال ابن العربي (ت: ٥٤٣): (الشاهِد: فاعل من شَهِد، والمشهود: مفعول منه، ولم يأتِ حديث صحيح يعيِّنه، فيجب أن يُطلَق على كلِّ شاهد ومشهود، وليس إلى التخصيص سبيل بغير أثر صحيح) (٢)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (ثم أقسم سبحانه بالشاهد والمشهود، مُطْلَقَيْن غير مُعَيَّنين، وأعَمُّ المعاني فيه: أنه المُدرِك والمُدرَك، والعالِمُ والمعلوم، والرائي والمَرئي، وهذا أليق المعاني به، وما عداه من الأقوال ذُكِرت على وجه التمثيل، لا على وجه التخصيص) (٣).

стр. 158

واختار العمومَ في الآية من غير تعيين: ابنُ جرير (ت: ٣١٠) (١)، وأبو حيّان (ت: ٧٤٥) وقال: (هذان مُنَكَّران، وينبغي حملهما على العموم) (٢). * * * [٢٣] ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات ١]. عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حدثه قال: (بينما أنا في الحجر جالس، أتاني رجلٌ يسألُ عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات ١]؟ فقلت له: الخيل حين تغير في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني، فذهب إلى علي بن أبي طالب ﵁ وهو تحت سقاية زمزم، فسأله عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات ١]؟ فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت عنها ابنَ عباس فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلما وقفت على رأسه قال: تُفتِي الناس بما لا علم لك به، والله لكانت أول غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا؟ إنما العاديات ضبحًا: من عرفة، إلى مزدلفة، إلى منى. قال ابن عباس: فنَزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي ﵁ (٣).

стр. 159

* تحليل الاستدراك: فسر ابن عباس ﵁ العاديات في هذه الآية بأنها: (الخيل حين تغير في سبيل الله)، ثم زاد السائل مُبيِّنًا معنى الموريات قدحًا، فقال: (ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم)، أي: المجاهدون عليها في سبيل الله. ومأخذه في ذلك أن هذه الآية نزلت في بَعْثٍ بَعَثَه رسول الله ﷺ كما سبق في الشواهد (١)، وأكَّدَ ذلك عنده ﵁ أن الضَّبحَ للخيل، إذ قال: (ما ضبحت دابَّةٌ قط إلا كلبٌ أو فرس) (٢). وفسر علي ﵁ العاديات في الآية بأنها الإبل، حين تعدوا من عرفة، إلى مزدلفة، إلى منى. ومستنده في أنها ليست في خيل الجهاد، أنه لم تكن غزوة قبل بدر، وسورة العاديات مكيَّة، ولو كانت في خيل الجهاد فأوّل غزوة كانت في بدر، فهي المرادة، ولم يكن معهم في بدر سوى فرسين، وهذا لا يتناسب مع الأوصاف المجموعة المُفَخَّمة للعاديات في الآيات، فليست إلا في إبل الحاجِّ حين تعدوا من عرفة، ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات ٤] إلى مزدلفة، وهي: جمع، فهي المراد بقوله ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات ٥]، ثم إلى منى، وقد يُراد بها الجمع، أي: جمع الحاجّ.

стр. 160

* الحكم على الاستدراك: يُشارُ ابتداءً إلى أن الآياتِ من أول السورة فما بعدها في سياق واحد، ولموصوف واحد، بدلالة العطف بالفاء؛ الدالِّة على الترتيب والتعقيب، وتسبُّب ما قبلها فيما بعدها (١)، ومن ثَمَّ فينحصر الحديث بين من جعل الآياتِ كاملةً في الإبل في الحج، أو الخيل في الجهاد. والراجح أنها في الخيل في الجهاد، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (واعلم أن ألفاظ هذه الآيات تنادي أن المُراد هو: الخيل) (٢)، ومن دلائل ذلك: أولًا: أن العَدْوَ في الخيل أكمل وأشهر منه في الإبل، وخاصة في الجهاد في سبيل الله (٣)، وتوجيه كلام الله تعالى إلى الأولى والأشهر من كلام العرب أولى وأحرى. (٤) ثانيًا: كما أن الضَّبح- وهو: الحمحمة، أو صوت النَّفَس عند العَدْوَ (٥) - في الخيل أشهر منه في الإبل، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عني بالعاديات: الخيل؛ وذلك أن الإبل لا تضبح، وإنما تضبح الخيل، وقد أخبر الله تعالى أنها تعدو ضبحًا، والضَّبح هو ما قد ذكرنا قبل)، ثم أسند عن علي ﵁ قال: (الضَّبح من الخيل الحمحمة، ومن الإبل النَّفَس) (٦)، وحيث قد ورد عن الصحابة تسمية صوت الإبل حالة عدوِها ضَبحًا، فلا سبيل إلى

стр. 161

نفيه عنها، وإنما يُقال: إنه في الخيل أظهر منه في غيرها. (١) ثالثًا: أن إيراء النار بحوافر الخيل حين عَدوِها، أوضح وأبين منه بأخفاف الإبل، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (وأيضًا فالقدح يظهر بالحافر ما لا يظهر بخف الإبل) (٢)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (قال الجرجاني: كلا القولين قد جاء في التفسير، إلا أن السياق يدلُّ على أنها الخيل، وهو قوله تعالى ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات ٢]، والإيراء لا يكون إلا للحافر؛ لصلابته، وأمَّا الخف ففيه لين واسترخاء). (٣) رابعًا: قال ابن القيم (ت: ٧٥١) عند ذكره لقول من رجح أن المراد الخيل: (قالوا: والنقع هو الغبار، وإثارة الخيل بعَدوِها له، أظهر من إثارة أخفاف الإبل .. ، قالوا: وأعظم ما يُثير الغبار عند الإغارة إذا توسطت الخيلُ جمع العَدوّ؛ لكثرة حركتها واضطرابها في ذلك المكان. وأما حمل الآية في إثارة الغبار في وادي مُحَسِّر عند الإغارة فليس بالبَيِّن، ولا يثور هناك غبار في الغالب؛ لصلابة المكان) (٤)، كما أن الإفاضة من عرفات، ثم من مزدلفة لا تحتمل هذا العَدْو، وليس هو فيها بمحمود؛ لأنه ﷺ كان ينادي: (السكينة السكينة) (٥)، فلو وُجِدَ لما كان موضع تفخيم وتعظيم. خامسًا: المشهور أن إثارة النقع من لوازم الحرب، قال الشاعر (٦): كأنَّ مَثَار النَّقعِ فوقَ رؤوسِنا … وأسيافنَا ليلٌ تهاوَى كواكِبه

стр. 162

أي لشدَّة الكرِّ والفرّ، وقال الآخر (١): يخرجنَ من مستطير النَّقع داميةً … كأنَّ آذانَها أطراف أقلام سادسًا: قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (قالوا: وأمَّا قولكم: إنه لم يكن بمكة حين نزول الآية جهادٌ ولا خيلٌ تجاهد، فهذا لا يلزم؛ لأنه سبحانه أقسم بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزوٍ فأغارت، فأثارت النقع، وتوسَّطَت جمعَ العدوّ، وهذا أمر معروف، وذِكرُ خيل المجاهدين أَحَقُّ ما دخل في هذا الوصف، فَذِكره على وجه التمثيل لا الاختصاص، فإن هذا شأن خيل المقاتلة، وأشرف أنواع الخيل خيل المجاهدين) (٢)، ولا يمنع أن تكون مكيَّة وفيها إشارة إلى الجهاد (٣). وقول ابن عباس ﵁ في هذه الآية هو قول جمهور المفسرين وعامَّة اللغويين (٤)، ومنهم: أبو العالية (ت: ٩٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والعوفي (ت: ١١١)، وعطاء (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والربيع (ت: ١٣٩) (٥)، ومقاتل (ت: ١٥٠) (٦). وهو اختيار الفراء (ت: ٢٠٧)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)،

стр. 163

وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن القيم (ت: ٧٥١) (١). ويَبعُدُ نزوع ابن عباس عن قوله إلى قول علي، كما في رواية الاستدراك؛ لأنه مُخالف لِما اشتهر عنه القول به، ولما في شواهدِ الاستدراك وسببِ النُّزول الذي اعتمده ابن عباس. وروايةُ ابن أبي حاتم في الشواهد أصح من رواية الاستدراك، ولا رجوع فيها، فمن ثَمَّ تكون زيادة رجوع ابن عباس ﵁ ضعيفة، أو أنها كانت في أول الأمر ثم اختار غير ذلك. ومن مسائل هذا الاستدراك: قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (ولمَّا علم أصحاب الإبل أن أخفافها أبعد شيء من ورْيِ النار؛ تأَوَّلوا الآية على وجوهٍ بعيدة، فقال محمد بن كعب: هم الحاج إذا أوقدوا نيرانهم ليلة المزدلفة. وعلى هذا فيكون التقدير: فالجماعات الموريات، وهذا خلاف الظاهر، وإنما الموريات هي العاديات، وهي المغيرات، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس هم: الذين يغيرون، فيورون بالليل نيرانهم لطعامهم وحاجتهم، كأنهم أخذوه من قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة ٧١]، وهذا إن أُريدَ به التمثيل، وأن الآية تدلُّ عليه فصحيح، وإن أُريدَ به اختصاص الموريات فليس كذلك؛ لأن الموريات هي العاديات بعينها؛ ولهذا عطفها عليه بالفاء التي للتسبب، فإنها عَدَتْ فَأَوْرَتْ. وقال قتادة: الموريات هي الخيل توري نار العداوة بين المقتتلين. وهذا

стр. 164

ليس بشيء، وهو بعيد من معنى الآية وسياقها، وأضعف منه قول عكرمة: هي الألسنة توري نار العداوة بعظيم ما تتكلم به. وأضعف منه ما ذكر عن مجاهد: هي أفكار الرجال، توري نار المكر والخديعة في الحرب. وهذه الأقوال إن أريد أن اللفظ دل عليها، وأنها هي المراد فغلط، وإن أريد أنها أُخذَت من طريق الإشارة والقياس فأمرها قريب، وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول (١): ١ - تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحُو إليه المتأخرون. ٢ - وتفسير على المعنى، وهو الذي يذكره السلف. ٣ - وتفسير على الإشارة والقياس، وهو الذي ينحُو إليه كثير من الصوفية وغيرهم، وهذا لا بأس به بأربعة شرائط: ١ - أن لا يناقض معنى الآية، ٢ - وأن يكون معنى صحيحًا في نفسه، ٣ - وأن يكون في اللفظ إشعار به، ٤ - وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم (٢). فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا) (٣). إن استنباط ما هو صالح من المعاني المتّصلة باللفظ مسألة هامَّة، ولها في تفاسير السلف أمثلة كثيرة، وقد بيّن بعض شرائطها ابن القيم (ت: ٧٥١) فيما سَمَّاه: "التفسير

стр. 165

على الإشارة والقياس"، وإنما تطبيقها، وتحديد مجالها، ومنْزلتها من التفسير، ومتى يُلجَأُ إليها؟ ونحو ذلك، لا يزال بحاجة إلى بحث وجمع وتأمل (١)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨) مشيرًا إلى شيء من ذلك: (أما أرباب الإشارات الذين يثبتون ما دلَّ اللفظ عليه، ويجعلون المعنى المُشار إليه مفهومًا من جهة القياس والاعتبار، فحالهم كحال الفقهاء العالمين بالقياس والاعتبار، وهذا حقٌّ إذا كان قياسًا صحيحًا لا فاسدًا، واعتبارًا مستقيمًا لا منحرفًا) (٢)، وقال في حديثه عن إشارات الصوفية في التفسير: (فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس، وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص، مثل الاعتبار والقياس الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام) (٣)، وقال في طرق دلالة اللفظ على المعنى الصحيح: (القسم الثاني: أن يُجعَل ذلك من باب الاعتبار والقياس، لا من باب دلالة اللفظ، فهذا من نوع القياس، فالذي تسميه الفقهاء قياسًا، هو الذي تسميه الصوفية إشارة، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك) (٤). والاستدراك الآتي عن ابن عباس ﵁ من أشهر أمثلة علم "الاستنباط". (٥) * * *

стр. 166

[٢٤] ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١]. عن ابن عباس ﵁ قال: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجدَ في نفسه، فقال (١): لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَنْ حيثُ علمتم. فدعاه ذات يومٍ، فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليُرِيهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١] فقال بعضهم: أُمِرنَا نحمدُ اللهَ ونستغفِرُه إذا نَصَرَنَا وفَتَحَ علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا. فقال لي: أكذاك تقول يا ابنَ عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجَلُ رسولِ الله ﷺ أَعْلَمَه له؛ قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١]، وذلك علامةُ أَجَلِك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر ٣]. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول) (٢). * تحليل الاستدراك: لَمَّا سأل عمرُ ﵁ الصحابةَ عن معنى قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١] سكت بعضهم، وفَسَّر بعضهم الآية بقوله: (أُمِرنَا نحمدُ اللهَ ونستغفِرُه إذا نَصَرَنَا وفَتَحَ علينا)، وهذا المعنى مأخوذ من ظاهر الآية، وهو المتبادر منها، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وقد كان عمر يسألُ ويسألُ عن معاني الآيات الدقيقة، وقد سألَ أصحابه عن قوله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١]، فذكروا ظاهر لفظها) (٣)، وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (فظاهر هذه السورة أن الله أمر نبيه ﷺ أن

стр. 167

يسبِّح بحمد ربِّه ويستغفره إذ نَصَره الله وفتح عليه) (١). ثمَّ لَمَّا توجَّه السؤال لابن عباس ﵁ قال بأنَّه: (أجَلُ رسولِ الله ﷺ أَعْلَمَه له)، وهذا خلوصٌ من الظاهر إلى باطن المعنى؛ وذلك أن الله تعالى عَلَّقَ الاستغفار بنعمةٍ يُحدِثها سبحانه وهي: الفتح على رسوله ﷺ ، ودخول الناس في دينه. وهذا ليس بسببٍ للاستغفار، فَعُلِمَ أن سببَ الاستغفار غيرُه، (وهو حضور الأجل؛ الذي من تمام نعمة الله على عبده توفيقه للتوبة النصوح والاستغفار بين يديه؛ ليلقى ربه طاهرًا مُطَهَّرًا من كل ذنب، فيقدم عليه مسرورًا راضيًا مرضيًا عنه) (٢). كما أنه قد استقرّ في الشرع وموارد النصوص، تشريعُ الاستغفار والتوبة عند تمام الأعمال ونهايتها (٣)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨) عن قول ابن عباس: (وهذا باطن الآية الموافق لظاهرها، فإنه لمَّا أمر بالاستغفار عند ظهور الدين، والاستغفار يؤمر به عند ختام الأعمال، وبظهور الدين حصل مقصود الرسالة؛ علموا أنه إعلام بقرب الأجل مع أمور أُخَر، وفوق كل ذي علم عليم) (٤)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (يدل عليه أيضًا أنه سبحانه شرع التوبة والاستغفار في خواتيم الأعمال، فشرعها في خاتمة الحج وقيام الليل، وكان النبي ﷺ إذا سَلَّمَ من الصلاة استغفر ثلاثًا، وشرع للمُتَوَضِّئ بعد كمال وضوءه أن يقول: (اللهم اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين) (٥)،

стр. 168

فعُلِمَ أن التوبة مشروعة عقيب الأعمال الصالحة، فأمر رسوله بالاستغفار عقيب توفيته ما عليه من تبليغ الرسالة والجهاد في سبيله حين دخل الناس في دين الله أفواجًا، فكأنَّ التبليغ عبادة قد أكملها وأدَّاها، فشُرِعَ له الاستغفار عقيبها) (١)، وقال أيضًا: (ويدل عليه أيضًا قوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر ٣] وهو ﷺ كان يُسَبِّح بحمده دائمًا، فعُلِمَ أنَّ المأمور به من ذلك التسبيح بعد الفتح ودخول الناس في هذا الدين أمرٌ أكبَر من ذلك المُتَقَدِّم، وذلك مُقَدِّمةٌ بين يدي انتقاله إلى الرفيق الأعلى، وأنه قد بقيت عليه من عبودية التسبيح والاستغفار التي تُرَقِّيه إلى ذلك المقام بقيَّةٌ، فأُمِرَ بتَوْفِيَتِها) (٢). وممَّا أكَّدَ المعنى عند ابن عباس ﵁ اجتهادُ رسول الله ﷺ بعد نزول هذه السورة كأشَدِّ ما يكون اجتهادًا في أمرِ الآخرة (٣)، وكذلك كونها آخر سورة نزلت جميعًا من القرآن (٤). * الحكم على الاستدراك: ما فهمه الصحابة من جلساء عمر ﵃ من الآية هو ظاهرها، وهو المعنى الصحيح، سواء أُريد به الحمد والاستغفار باللسان، أو بالصلاة والدعاء، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر ﵃ أجمعين، من أنه: قد أُمِرنا إذا فتح الله علينا المدائنَ والحصونَ أن نحمد اللهَ ونشكرَه ونسبحَه؛ يعني: نصلي له ونستغفره؛ معنى مليحٌ صحيحٌ، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي ﷺ

стр. 169

يوم فتح مكة وقتَ الضُّحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى، وأُجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها، فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافرًا لم ينو الإقامة بمكة؟ ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبًا من تسع عشرة يومًا يقصر الصلاة، ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحوًا من عشرة آلاف. قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح، قالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات، وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ يوم فتح المدائن) (١). وأمَّا قول ابن عباس ﵁ فهو من أدقِّ الفهم وألطفه، مُنتَزَعٌ من لفظ الآية، ومُتَبَصِّرٌ بلوازمها، ولا يُدركه كلُّ أحد، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (وفيه جواز تأويل القرآن بما يُفهَم من الإشارات، وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمُهُ في العلم؛ ولهذا قال علي ﵁: أو فَهمًا يؤتيه الله رجلًا في القرآن) (٢)، ولذا وافقه عليه عمر ﵁، وهو ما تأوَّلَه رسول الله ﷺ منها بفعله، فعن عائشة ﵂ قالت: (ما صلى النبي ﷺ صلاةً بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر ١]، إلا يقول فيها: «سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، يتأَوَّلُ القرآن) (٣). كما تأوَّلها عدد من الصحابة بأنه حضور أجل رسول الله ﷺ (٤)، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهذا المنْزع الذي ذكره ابن عباس، ذكره ابن مسعود وأصحابه، ومجاهد وقتادة

стр. 170

والضحاك، وروت معناه عائشة عن النبي ﷺ .. ، وقال لها مَرَّة: (ما أراه إلا حضور أجلي) (١)، وتأوَّلَه عمر والعباس بحضرة رسول الله ﷺ ، فصَدَّقَهما) (٢). وعليه جمهور المفسرين (٣)، كمقاتل (ت: ١٥٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن القيم (ت: ٧٥١)، والشاطبي (ت: ٧٩٠). (٤) ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: الحَثُّ على التأمُّل في معاني المعاني، ولوازمها، وربط الوحي- كتابًا وسُنَّةً- بعضَه ببعض، والغوص فيما وراء الألفاظ؛ للوقوف على مُرادات الله ورسوله ﷺ ، قال الغزالي (ت: ٥٠٥): (من زعم أنه لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مُخبرٌ عن حَدِّ نفسه، وهو مُصيبٌ في الإخبار عن نفسه، مُخطِئٌ في الحكم بردِّ كافَّة الخلق إلى درجته التي هي حَدُّه ومَحَطُّه، بل الأخبار والآثار تدل على أن في القرآن مُتَّسعًا لأرباب الفهم؛ ففيه رموزٌ وإشارات، ومعانٍ وعبارات، وتلويحٌ ودلالات، يختَصُّ بدَرْكها أهلُ الفهم من ذوي العنايات) (٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (والعلم بمُراد المتكلم يُعرَف تارةً من عموم لفظه، وتارةً من عموم عِلَّته، والحَوالَةُ على الأوَّل أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني

стр. 171

والفهم والتدبر) (١)، (وإن شِئتَ أدخلتَ هذا في باب معنى المعنى، أي المعاني التي وراء المعاني، ولا ضيرَ أن تكون وراءها بمسافةٍ أبعد، أو أن تكون من باب مُستَتبَعات التراكيب، وهو بابٌ جليلٌ غَيَّبَه غُبار العُجمَة) (٢). ثانيًا: أنه قد يقوى المعنى الخَفيّ في الآية حتى يكاد يغيب معه المعنى الظاهر منها أو يكاد، ففي قول عمر لابن عباس ﵃: (ما أعلم منها إلا ما تقول) نفيٌ لما فهمه جلساؤه من الآية وهو ظاهرها، وهذا مُشكِل؛ فإن ما ذكره الصحابة ﵃ معنى صحيح لا شك فيه، والأخذ بالظاهر أصلٌ جرى عليه التفسير النبوي وتفسير الصحابةرضي الله عنهم - ومنهم عمر وابن عباس- في غيرما موضع. ويُجَاب عنه بأنه مبالغةٌ من عمر ﵁ في تصحيح قول ابن عباس وتأكيده، في مقابل قول جميع من حضر من الصحابة، وفيهم كبارهم من أشياخ بدر، ويشهد له سياق القصة؛ فإن عمر ﵁ قصدَ من ذلك إظهار فضل ابن عباس وعقله وعلمه، لَمَّا قالوا له: (لِمَ تُدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه مَنْ حيثُ علمتم)، فكان أن وافقه أشد الموافقة بتلك الصيغة، وقد تكررت هذه العبارة من عمر لابن عباس ﵃ في غير هذا المقام، على نحو هذا المعنى، قال ابن عباس ﵁: (كان عمر بن الخطاب ﵁ يدعوني مع أصحاب محمد ﷺ ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلموا. قال: فدعاهم وسألهم عن ليلة القدر، قال: أرأيتم قول رسول الله: (التمسوها في العشر الأواخر)، أيُّ ليلةٍ ترونَها؟ قال: فقال بعضهم: ليلة إحدى. وقال بعضهم: ليلة ثلاث. وقال آخر: خمس. وأنا ساكت، فقال: ما لك لا تتكلم؟! فقلت: إن أذنت لي يا أمير المؤمنين تكلمت. قال: فقال: ما أرسلت إليك إلا لتتكلم. قال: فقلت: أُحدِّثُكُم برأيي. قال: عن ذلك نسألك. قال: فقلت: السبع؛ رأيت اللهَ ذكر سبع سماوات، ومن

стр. 172

الأرضين سبعًا، وخلق الإنسان من سبع، وبرز نبت الأرض من سبع. قال: فقال: هذا أخبرتني ما أعلم، أرأيت ما لا أعلم؟ ما قولك: نبت الأرض من سبع؟ قال: فقلت: إن الله يقول ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس ٢٦]، إلى قوله ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس ٣١]، والأبُّ: نبت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس. قال: فقال عمر: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه بعد؟! إني والله ما أرى القول إلا كما قُلتَ، وقال: قد كنت أمرتك أن لا تتكلم حتى يتكلموا، وإني آمرك أن تتكلم معهم) (١). ثالثًا: العلمُ المستَنبَطُ على وجهه أقرب إلى علم النبوة وأعلى درجةً من غيره، قال تعالى ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء ٨٣]، فَخَصَّ الله تعالى أهل الاستنباط من أولي الأمر- وهم العلماء- بعلم حقيقة الأمر من الأمن أو الخوف، دون غيرهم من أهل العلم. (٢) * * * [٢٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢]. عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢]، قال: (إنها لم تُنسَخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢]: أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم) (٣).

стр. 173

* تحليل الاستدراك: استدرك ابنُ عباس ﵁ في هذه الآية قولًا مُطلَقًا ونفاه، وهو: أن هذه الآية منسوخة. وقد ذكر المفسرون مأخذَ من ذهب إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وهو: أنه لَمَّا نزلت ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] شَقَّ ذلك على المسلمين؛ فأنزل الله بعدها ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] (١). وبيان ذلك أن حقَّ التقوى على عموم لفظها في الآية هو: غايتها، فلا يقع في شيء من الإخلال بها، وهذا يعجز كُلُّ الناس عن الوفاء به، فأنزل الله التخفيفَ والأمرَ بالمُستطاع من ذلك. (٢) ثُمَّ ردَّ ابنُ عباس ﵁ القولَ بالنسخ في الآية، وأبان عن معناها فقال: (أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا يأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط، ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم)، وهو ما أَمَرَ الله به في غيرما آية من كتابه، وعلى لسان رسول الله ﷺ ، وهو مُستَطاع من العبد وفي طاقته ووُسعِه؛ إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ومن ثَمَّ فالآيات مُتَّفِقات، ومعناها: اتقوا الله حَقَّ تُقاتِه فيما استطعتم؛ وذلك أنَّ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] هو بحسب أوامره ونواهيه، وقد جعل الله تعالى الدين يُسرًا لا حَرَجَ فيه. (٣)

стр. 174

* الحكم على الاستدراك: يترجح في هذه الآية ما ذكره ابن عباس ﵁ من أنَّه لا نَسْخَ فيها، لأمور منها: أولًا: أن الأصل ثبات الحكم وبقاؤه، ولا يُصار إلى النسخ إلا ببَيّنةٍ من نصٍّ صحيحٍ صريحٍ يدلُّ عليه، قال ابن حزم (١) (ت: ٤٥٦): (لا يجوز لأحد أن يحمل شيئًا من البيان على أنه نسخ رافع لأمر متقدم إلا بنصٍّ جَليّ في ذلك، أو إجماع، أو برهان ضروري)، وقال: (لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ، إلا بيقين) (٢). ثانيًا: أن النَسخَ إنما يُصار إلى القول به عند تعذر الجمع، أمَّا والجمع ممكنٌ فالجمعُ أولى، قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣): (ولا سبيل إلى نسخ قرآنٍ بقرآن، أو سُنَّة بسُنَّة، ما وُجِدَ إلى استعمال الآيتين، أو السُّنَّتَين سبيل) (٣)، وقال القرطبي (ت: ٦٧١): (فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للقول بالنسخ) (٤). ثالثًا: أنَّ حكم الناسخ في باب النسخ يُقابل الحكم المنسوخ، (فلو قال: لا تتَّقوه حقَّ تقاته، كان نسخًا) (٥)، قال النحاس (ت: ٣٣٩): (فهذا لا يجوز أن يُنسَخ؛ لأن الناسخ هو المخالف للمنسوخ من جميع جهاته، الرافع له، المزيل حكمه) (٦).

стр. 175

رابعًا: أن المعنى في قوله ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢] مُستَقيم ومُتَّسِق مع ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، ومع ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وهو أمرٌ بالتقوى في حدود وُسعِ الإنسان واستطاعته، فآية التغابن مُبَيِّنةٌ للمراد بحق التقوى، ومن ثَمَّ فلا حاجة للنسخ هنا مع تمام المعنى في كُلِّ آية بذاتها، وتكاملها مع الآية الأخرى؛ إذ كتاب الله تعالى يُفَسِّر بعضه بعضًا، ويدلُّ بعضه على بعض، ونظير هذه الآية قوله تعالى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج ٧٨] (١). خامسًا: أن في آية آل عمران أمرٌ بما هو واجبٌ على المسلم، وهو تقوى الله تعالى على حقيقتها، وذلك يتضمن الأمر بعبادة الله وحده، وترك معاصيه كافَّةً، فكيف يقع في ذلك نسخ؟ (٢)، وأُجيب: بأن هذا على معنىً ذكرتموه للآية، أمَّا لو قيل معنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢]: القيام بحقوق الله في حال الخوف والأمن، وترك التَّقيَّة فيها. لَصَحَّ أن يُنسَخ ذلك في حال التَّقِّية والإكراه (٣)، كما (أن فعل ما حظر الله في الشرع معصية، مادام الحظر قائمًا، كتحريم الأكل والجماع بعد النوم في الصوم، ثم لمَّا زال الحظر زال كونه معصية، وكذا تقوى الله بغاية ما بَلَغه الجهد، لا يُمنَع أن تُوجَب في وقت فيكون تركها معصية، ثم يُقتَصَر من الناس على مقدار الوُسع، فلا يكون ترك الجهد معصية) (٤). سادسًا: أن الآيتين مدنيتان، ولم تنْزلا إلا بعد تقرير أن الدين لا حرج فيه، وأن التكليف بما لا يُستَطاع مرفوع، فصار معنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢]: فيما استطعتم، وهو معنى

стр. 176

قوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. (١) سابعًا: أن في القول بنسخِ هذهِ الآيةِ إثباتٌ للتكليف بما لا يُطاق في الآية الأولى، وهو مُمتَنِعٌ (٢). وهذه حُجَّة من نَفى النسخ في الآية من المُعتَزِلة ومن تَبِعهُم من المُتَكَلِّمين، تصريحًا أو تضمينًا، كالجُبَّائي (٣) (ت: ٣٠٣)، وأبي القاسم البلخي (٤) (ت: ٣١٩)، والقاضي عبد الجبار (٥) (ت: ٤١٤)، والزمخشري (٦) (ت: ٥٣٨)، وهي مِمَّا تبع فيه البيضاويُّ (ت: ٦٨٥) صاحبَ الكَشَّاف (٧). وليس في هذا الوجه تقويةٌ لقول من قال بعدم النسخ من السلف، وليس هو بحاجة إليه، وإنما ذُكِرَ هنا لِيُتَنَبَّه إلى تمييز مَآخِذ السلف في التفسير عن مآخِذ

стр. 177

المُبتَدعة فيه، واختلاف أصولِ كُلٍّ منهما، وإن تلاقت أقوالهما في مُقَدِّمةٍ أو نتيجة؛ فإن من الأصول المهمة عند السلف في منهج التَّلَقِّي: الاستدلال ثم الاعتقاد. وهذه مرتبة عالية من الموضوعية العلمية، وصورة صادقة لتعظيم النصوص، واعتقاد تمام الهداية فيها. أمَّا التوجُّه إلى النصِّ بمُقرَّرات سابقة، واعتقاد سابق للاستدلال، فهو إيذان بالانحراف في الفهم والنتيجة، وإن لاقى الصواب أحيانًا، كما أنه بابٌ عظيمٌ من أبواب تأويل النصوص وتحريفها، وقلَّة تعظيمها والاهتداء بها. (١) قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (النوع الثاني من مُستَنَدَي الخلاف، وهو: ما يُعلَم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين، حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان .. ، إحداهما: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها)، ثم قال عن هذا الصنف: (والأولون صنفان: تارةً يسلبون لفظ القرآن ما دَلَّ عليه، وأُريدَ به، وتارةً يَحْمِلونه على ما لم يدلّ عليه، ولم يُرَد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون خَطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حَقًّا فيكون خطأُهم في الدليل لا في المدلول) (٢)، ثم مَثَّلَ لذلك بتفاسير المُعتَزلة ونحوهم. وقال أيضًا مُبَيِّنًا طريقة أهل الضلال والبدع في تفسير النصوص الشرعية: (يجعلون الألفاظ التي أحدثوها، ومعانيها هي الأصل، ويجعلون ما قاله الله ورسوله تَبَعًا لهم، فيرُدُّونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم، ويقولون: نحن نُفَسِّر القرآن بالعقل واللغة. يَعنُون أنهم يعتقدون معنىً بعقلهم ورأيهم، ثم يتأولون القرآن عليه، بما يُمكِنُهم من التأويلات والتفسيرات المتضمنة لتحريف

стр. 178

الكلم عن مواضعه .. ، وهذه طريق يشترك فيها جميع أهل البدع الكِبار والصغار، فهي طريق الجهمية، والمعتزلة، ومن دخل في التأويل من الفلاسفة، والباطنية، والملاحدة) (١)، وقال الكافيجي (٢) (ت: ٨٧٩): (فمن يجعل الرأي عِيَارًا لما جاء به القرآن، فيفسر القرآن على موافقة رأيه، تقريرًا لرأيه، ويترك المفهوم المُتعارف من اللفظ، ولا يتهم رأيه لدى ظاهر القرآن، وذلك نحو صنيع كثير من المعتزلة، فإنهم يفسرون القرآن بما تقرر عندهم من الآراء الفاسدة .. ، وهذا منهم اعتقاد فاسد، فإن ترك ظاهر القرآن وعمومه، وتصويب رأي نفسه، ظاهر الفساد ومخالف للإجماع، إذ لا دليل يقتضي ترك العمل بالظواهر) (٣). ثامنًا: أنه المعروف من تفسير الصحابة ﵃، فعن ابن مسعود ﵁ قال: (﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢]: أن يُطَاع فلا يُعصى، ويُذكَر فلا يُنسَى، ويُشكَر فلا يُكفَر) (٤)، وقال أنس بن مالك ﵁: (لا يَتَّقي اللهَ العبدُ حتى يَخْزُنَ لسانه) (٥)، وهذه الأقوال كقول ابن عباس ﵁، وإنما تنوعت العبارة. وهو المروي عن جماعة المفسرين، كالربيع بن خثيم (٦) (ت: ٦٣)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦)،

стр. 179

وطاووس (١) (ت: ١٠٦)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، وغيرهم (٢). وقال بقول ابن عباس في عدم النسخ في الآية: طاووس (ت: ١٠٦)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، ومكي القيسي (٣) (ت: ٤٣٧)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، والشاطبي (ت: ٧٩٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (٤). واختار النسخ في الآية: سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والضحاك (ت: ١٠٥) وقتادة (ت: ١١٧) في رواية، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل بن حيَّان (٥) (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، والرُّمَّاني (٦) (ت: ٣٨٤)، والواحدي

стр. 180

(ت: ٤٦٨) (١)، ونسبه الرَّسْعَني (٢) (ت: ٦٦١) لأكثر المفسرين. (٣) وذهب ابن تيمية (ت: ٧٢٨)، والشاطبي (ت: ٧٩٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (٤)، إلى أن من قال بالنسخ إنما أراد به البيان، إذ إطلاقه عليه كثير في كلام السلف. وعلى هذا لا تعارض بين من قال بأن الآية الثانية ناسخة للأولى، ومن قال أنها مُبيِّنَةٌ لها، كاشفةٌ عنها. * * * [٢٦] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران ٢٠٠]. عن داود بن صالح (٥) قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: (يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران ٢٠٠]؟ قال: قلت لا. قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرَابَط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة) (٦).
следующие страницы →