← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

* تحليل الاستدراك: تعارض عند حفصة ﵂ استثناءُ رسول الله ﷺ مَنْ بايع تحت الشجرة من دخول النار، وما استقر عندها من لزوم ورود جهنمَ لجميع الناس، تَمَسُّكًا منها بعموم الآية، وحيث إن الورود عندها بمعنى الدخول؛ استشكلت استثناء رسول الله ﷺ أهلَ الشجرةِ من ذلك، مع أن عموم الآية لا استثناء فيه. فقابلت الحديث: (لا يدخل النارَ أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة)، بعموم الآية ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١]، قال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦): (وكأنها رجَّحَت عموم القرآن؛ فتمسكت به، فأجابها النبي ﷺ ، بأنَّ آخر الآية يبين المقصود، فقرأ قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم ٧٢]، وحاصل الجواب: تسليم أن الورودَ دخولٌ، لكنه دخول عبور، فينجو من اتقى، ويُترَك فيها من ظلم) (١). فكان بيان رسول الله ﷺ معتمدًا على السياق، في مقابل أخذ حفصة ﵂ بالعموم، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (فأشكل عليها- أي حفصة- الجمع بين النصين، وظَنَّت الورود دخولها، كما يُقال: وَرَدَ المدينة. إذا دخلها، فأجاب النبي ﷺ : بأن ورود المتقين غير ورود الظالمين، فإن المتقين يردونها ورودًا ينجون به من عذابها، والظالمين يردونها ورودًا يصيرون جثيًّا فيها به، فليس الورود كالورود) (٢)، فصار المعنى: إن المتقين يدخلونها دُخول ناجٍ من عذابها، لا دخول جاثٍ فيها، كما هو حال الظالمين. ويشير لهذا المعنى التعبير بقوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ [مريم ٧٢]؛ والنجاة لا تكون إلا لِمَنْ تعرض لِهَلاك، وذلك يكون حين المرور على الصراط كما بيَّنَته الأحاديث على ما يأتي.

стр. 72

* الحكم على الاستدراك: فهمَت حفصة ﵂ من هذه الآية أن: المُراد بالورود الدخول في النار مع التعذيب فيها (١)، ومَنشأُ هذا الغلط ذهابها إلى أن الورود دخول، ودخول النار يستلزم حصول العذاب، في حين أن من الورود دخول عبور لا يلزم منه حصول العذاب، وهو ما صَحَّ بيانه من النبي ﷺ ، فوجب اتباعه والأخذ به، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وأمَّا الورود المذكور في قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم ٧١]، فقد فسَّرَه النبي ﷺ في الحديث الصحيح؛ أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر (٢)، بأنه: المرور على الصراط، والصراط هو الجسر، فلابد من المرور عليه لكل من يدخل الجنة) (٣)، وقال النووي (ت: ٦٧٦): (والصحيح أن المراد بالورود في الآية المرور على الصراط، وهو جِسرٌ منصوبٌ على جهنم، فيقع فيها أهلها، وينجو الآخرون) (٤)، وقال أبو العباس القرطبي (ت: ٦٥٦) عن ذلك: (وهو الذي تعضده الأخبار الصحيحة، والنظر المستقيم) (٥). واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠) وقال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يَرِدُها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار، وورودهموها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم) (٦)، وذَكَرَ الأدلة على ذلك، ومنها حديث الاستدراك،

стр. 73

وحديث جابر الذي أشار إليه ابن تيمية، ثم أسند (عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من مات له ثلاثة لم تمسّه النار إلا تَحِلَّة القسم) (١) يعني: الورود). (٢) وبالمرور على الصراط فَسَّرَها ابن مسعود، وجابر ﵃، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، وعبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢)، والكلبي (٣) (ت: ١٤٦)، واختاره القاضي عياض (ت: ٥٤٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠) (٤). ولا يتعارض هذا مع من فسَّرَ الورود بالدخول، كابنِ عباس وأبي هريرة ﵃، ومجاهد (ت: ١٠٤)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والزهري (ت: ١٢٤)، ومالك (ت: ١٧٩)، والبخاري (ت: ٢٥٦)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، والسمعاني (ت: ٤٨٩) وقال عنه: (أولى الأقاويل) (٥)، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (وهذان القولان أصح ما ورد في ذلك، ولا تنافي بينهما؛ لأن من عَبَّرَ بالدخول تَجَوَّزَ به عن المرور، ووجهه أن المارَّ عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارَّة باختلاف

стр. 74

أعمالهم .. ، ويُؤيد صحة هذا التأويل، ما أخرجه مسلم من حديث أم مُبَشّر .. ) ثُمَّ ذكره (١). ومما يدل أيضًا على أنه لا تعارض بينهما، أن ابن مسعود ﵁ فسَّرَ الورود مَرَّةً بالدخول، ومَرَّةً بالمرور على الصراط (٢)، وممَّن جعلهما قولًا واحدًا: أبو جعفر النحاس (ت: ٣٣٨)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والسيوطي (ت: ٩١١) (٣). ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: اعتمد بيان رسول الله ﷺ لهذه الآية على السياق، في مقابل أخذِ حفصة ﵂ بالعموم، ودلالة السياق من أقوى الدلالات في تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، ومن ذلك تخصيص العام، كما هو هاهنا، قال ابن دقيقِ العيد (٤) (ت: ٧٠٢): (يجب اعتبار ما دل عليه السياق والقرائن؛ لأن بذلك يتبين مقصود الكلام) (٥)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١)، والزركشي (ت: ٧٩٤) عن السياق: (وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظرته) (٦)،

стр. 75

وقد عَدَّه ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١) من وجوه الترجيح في التفسير (١)، واقتطاع الكلام من سياقه من أبرز سمات المبتدعة في الاستدلال والمناظرة. (٢) ثانيًا: كما اعتمد ابنُ عباس ﵁ في تفسيره الورود بالدخول على مجيء هذه اللفظة بهذا المعنى في غيرما موضع في كتاب الله، ففي مخاصمة نافع بن الأزرق (٣) (ت: ٦٥) لا بن عباس ﵁، قال ابن عباس: الورود: الدخول، فقال نافع: لا، فقال ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، أورود هو أم لا؟ وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود ٩٨]، أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك) (٤). وخير ما يُفَسَّرُ به القرآنُ القرآن (٥)، قال مسلم بن يسار (٦) (ت: ١٠٠): (إذا حَدَّثت عن الله حديثًا فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده) (٧)، وقال عكرمة (ت: ١٠٥): (إذا

стр. 76

اختلف الناس في حرف فانظر نَظْرَةً في القرآن فَقِسْ عليه، ولا تَقِسْ القرآن على الشعر ولا غيره، مثل قوله جل وعلا ﴿إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (١) [البقرة ٢٥٩]، ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس ٢٢]، ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور ٤٥]، تصديق ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر ٦٨]، ومثل ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٢]، ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون ١١٦]، ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر ٢٢]، ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس ٢]، وما أشبهه) (٢). * * * [٨] ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠]. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس المسكين بالذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، إنما المسكين المتعفف- وفي لفظ: ولا يُفطَنُ له فيُتَصَدّق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا-، اقرءوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣]) (٣). * تحليل الاستدراك: نفى رسول الله ﷺ اسمَ المسكين عن الطَّوَّاف الذي يباشر سُؤال الناس، وأثْبَتَه للمُتَعفِّف الذي لا يسأل الناس، ولا يُفطَنُ له فيُتَصَدّق عليه. والنفي هنا ليس لأصل المسكنة وإنما لكمالها (٤)، فالأحق باسم المسكين: من لا يجد غِنىً، ويتعفَّف عن

стр. 77

المسألة، ولا يُفطَنُ له فيُعطى. قال النووي (ت: ٦٧٦): (المسكين الكامل المسكنة، الذي هو أحق بالصدقة، وأحوج إليها، ليس هو هذا الطَّوَّاف، بل الذي لا يجد غِنىً يُغنيه، ولا يُفطَنُ له، ولا يسأل الناس، وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطَّوَّاف، بل معناه نفي كمال المسكنة، كقوله تعالى ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة ١٧٧]) (١)، وقال القرطبي (ت: ٦٥٦): (وهذا كقوله: "ليس الشديد بالصُّرَعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (٢)، و مثل هذا كثير) (٣). فَلَمَّا كان المسكين في الظاهر عند الصحابة، والمُتعارف عندهم هو: السائل الطَّوَّاف (٤)، بَيَّنَ رسول الله ﷺ معنىً أولى من هذا المعنى المتعارف عليه عندهم، وهو: المتعَفِّف، الذي جمع عِفَّةً وحاجة، ومن كانت هذه حاله فهو أولى باسم المسكين وسهمه من غيره، فإنَّ الأوّلَ يأخذ حاجته بسؤاله، وربما كان فيها كفايته، بخلاف الآخر فإن حاجته دائمة؛ إذ لا يسأل، ولا يُفطَنُ له فيُعطى. * الحكم على الاستدراك: في هذا الحديث استدراك نبويٌ على قولٍ مُطلَقٍ لم يُعَيَّن قائِلُه، نَبَّه فيه رسول الله ﷺ صحابته إلى معنىً أولى من المعنى المُتَبادر المعروف عندهم، فلَم يَنفِ المعنى الأوَّل، إذ هو صحيح في أصله، وإنما ذكر معنىً آخر أولى وأكمل منه، وأحرى

стр. 78

بالاهتمام (١). واستشهد النبي ﷺ على المعنى الذي ذكره بآية قرآنية فَسَّرَ بها لفظة: التعفُّف، فقال: (اقرءوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣])، وتمام الآية ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٧٣]، فالحديث جَمَع بين التعفُّف وعدم السؤال، والآية جَمَعت بين التعفُّف وعدم السؤال إلحافًا، فصار المُراد بالإلحاف: عدم السؤال، لا عدم الإلحاح فيه؛ للاستشهاد النبوي به على ذلك؛ ولاقترانه في الآية بصفة التَّعَفُّف المتضمنة عدم السؤال، ولقوله ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة ٢٧٣]، ولو كانت المسألة من شأنهم لَمَا كانت إلى معرفتهم بالعلامة من حاجة، فيصير المعنى: ليس لهم سُؤال فيقع فيه إلْحَاف (٢)، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهو الذي عليه جمهور المفسرين) (٣). وفيه من المسائل أنه لا يلزم من الاستدراك على قولٍ تخطئته وإبطاله، وإنما قد يكون أخَفَّ من ذلك؛ بذكر معنىً أَوْلى من المعنى المذكور؛ لوجه من وجوه التقديم، كما هو في هذا الحديث. * * *

стр. 79

[٩] ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨]. عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى أهل نجران (١) فقالوا: أرأيت ما تقرؤون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم) (٢). * تحليل الاستدراك: كان اليهود والنصارى يعارضون الإسلام بما لا يصلح للمعارضة، ويقدحون في القرآن بأدنى شبهة، ويخاطبون بذلك من أسلم (٣)، و منه هذه الشبهة التي ألقوها على المغيرة ﵁، حيث زعموا فيها مُعارضة القرآن للواقع؛ إذ نسبَ مريم بنت عمران أمَّ عيسى ﵉ أُختًا لهارون بن عمران أخي موسى ﵉، وهذا منهم جهلٌ مُفرط، حَمَلَهُم عليه إرادة القدح في القرآن، وإثارة المُتشابه للصَّدِّ عن سبيل الله، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (وأَوْرَدَ أهل الكتاب على قوله ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم ٢٨]، إن بين هارون وعيسى ما بينهما، وليس ظاهر القرآن أنه هارون بن عمران بوجه؛ وكانوا يتفنَّنُون فيما يُوردونه على القرآن) (٤). وأمَّا المغيرة ﵁ فإنه (لمَاَّ اتفق أن مريم هذه بنت عمران، وذانك موسى وهارون ابنا عمران، فكان لفظ عمران فيه اشتراك،

стр. 80

والاشتراك غالب على أسماء الأعلام؛ نشأت الشبهة) (١)، فقال: (فلم أدرِ ما أُجيبهم به) (٢). فلَمَّا ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، كشف له رسولُ الله ﷺ ما التبس عليه، وأبان عن معنى الآية خير بيان، فذكر أنَّ من نُسِبَت إليه مريم ﵍ ليس بهارون النبي أخي موسى ﵉، وإنما هي عادتهم في التسمية بأسماء أنبيائهم والصالحين منهم. قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وهذا من فرط جهلهم، فإنَّ عاقلًا- منهم- لا يخفى عليه أنَّ موسى كان قبل عيسى بسنين كثيرة، وأنَّ مريم أمَّ عيسى ليست أخت موسى وهارون، ولا هو المسيح ابنُ أخت موسى، وليس في من له تمييز- وإن كان من أكذب الناس- من يرى أن يتكلم بمثل هذا الذي يَُضحك عليه به كلَُ من سمعه، فكيف بمن هو أعظم الناس عقلًا وعلمًا ومعرفةً غلبت عقول بني آدم ومعارفهم وعلومهم، حتى استجاب له كلُّ ذي عقلٍ مصدقًا لخبره، مطيعًا لأمره، وذلَّ له، أو خاف منه كلُّ من لم يستجب له، وظهر به من العلم والبيان والهدى والإيمان ما قد ملأ الآفاق، وأشرق به الوجود غاية الإشراق، فكان النصارى الذين سمعوا هذا، لو كان لهم تمييز لعلموا أن مثل هذا الرجل العظيم الذي جاء بالقرآن، لا يخفى عليه أن المسيح ليس هو ابن أخت موسى بن عمران، ولا يتكلم بمثل ذلك) (٣). * الحكم على الاستدراك: ليس فيما ذهب إليه نصارى نجران في هذه الشبهة وجهٌ صحيح، لا من سياق النصِّ، ولا من سياق الواقع، فليس في النص ما يشير إلى أن هارون الذي نُسِبَت إليه مريم هو هارون بن عمران، أخو موسى ﵉، وكُلُّ من له أدنى معرِفةٍ بالتاريخ يُدرِكُ ما بينهما من سنين متفاوتةٍ، وأجيالٍ مُتتابعة، ومِمَّا يَدُلُّ على جهلهم وخطئِهم، ما

стр. 81

روى ابن سيرين (ت: ١١٠) قال: (نُبِّئتُ أن كعبًا (١) قال: إن قوله تعالى ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨] ليس بهارون أخي موسى. قال: فقالت له عائشة: كذبتَ (٢). قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي ﷺ قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجِدُ بينهما ستّ مئةِ سنة (٣)، قال: فسكتَت) (٤). وفي بيان رسول الله ﷺ الكفاية والهداية، وبه يجتمع سياق النصِّ، وسياق الواقع، وقد انحصرَ به المعنى في أحد وجهين: الأوّل: أن لِمَريم ﵍ أخًا اسمُهُ هارون، على اسم نبي الله هارون بن عمران ﵇، جريًا على عادتهم في التسَمِّي بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، وهو قول الضحَّاك (ت: ١٠٥)، والكلبي (ت: ١٤٦)، والفراء (ت: ٢٠٧)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٥٦)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) وقال: (وقد ورد الحديث الصحيح الدالُّ على أنه قد كان لها أخٌ اسمه هارون، وليس في ذكر قصَّة ولادتها،

стр. 82

وتحرير أُمِّها لها، ما يدل على أنها ليس لها أخٌ سواها) (١)، ثم ذكر حديث المغيرة السابق، وقال: (والمقصود أنهم قالوا ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨]، ودلَّ الحديث على أنها قد كان لها أخٌ نَسَبيّ، اسمه هارون، وكان مشهورًا بالدين والصلاح والخير) (٢)، واختاره السعدي (٣) (ت: ١٣٧٦) وقال: (الظاهر أنه أخٌ لها حقيقي، فنسبوها إليه) (٤)، وابنُ عاشور (ت: ١٣٩٣) وقال: (وهذا أظهر الوجهين) (٥). الثاني: أنهم نَسَبوا مريمَ ﵍ إلى رجلٍ صالحٍ في بني إسرائيل اسمُه هارون، على اسم نبي الله هارون ﵇؛ لأنها تشبهه في العبادة والتقوى، فهو من باب أُخُوَّة الدين، أو إطلاق اسم الأخ على النظير المُشابه، ومنه قوله تعالى ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف ٤٨]، وقوله ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء ٢٧]، ومنه في كلام العرب (٦): وكُلُّ أخٍ مُفارقه أخوه … لَعَمرُ أبيك إلا الفَرقدانِ فجعل الفرقدين أخوين، وكثيرًا ما تُطلق العرب اسم الأخ على الصديق والصاحب. (٧) وهو قول كعب (ت: ٣٢)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وابن قتيبة

стр. 83

(ت: ٢٧٦)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠) وقال: (والصواب من القول في ذلك ما جاء به الخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرناه- أي: حديث المغيرة-، وأنها نُسِبَت إلى رجلٍ من قومها)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨). (١) والمعنى الأوَّل أرجح؛ فإن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا يُصار إلى خلاف الظاهر إلا عند التَّعَذُّر (٢)، وهو ظاهر الآية والحديث، كما أنه الأوفق للسياق؛ فإنهم قالوا بعد أن نسبوا مريم إلى أخيها هارون ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨]، (أي: لستِ من بيتٍ هذا شيمتهم، ولا سجيَّتُهم، لا أخوك، ولا أمّك، ولا أبوك) (٣)، وقال الرازي (ت: ٦٠٤) عند ترجيحه لهذا القول: (الثاني: أنها أُضيفت إليه، وَوُصِفَ أبواها بالصلاح، وحينئذٍ يصير التوبيخ أشدّ؛ لأن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة، يكون صدور الذنب عنه أفحش). (٤)

стр. 84

ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: الإبانة عن غرضٍ من أهم أغراضه في التفسير وهو: ردُّ شُبَه الطاعنين، وتأويلات المُحَرِّفين لكلام ربِّ العالمين، وهذا واضحٌ في كشف شُبهة أهل الكتاب في هذه الآية، وهو كذلك كثير في غيرما رواية عن السلف في تفسير كلام الله، كما سيأتي ذكره إن شاء الله. ثانيًا: فائدة العلم بأخبار أهل الكتاب في رَدِّ شبهاتهم عن الآيات، فإن المغيرة وعائشة ﵃ لم يكن عندهما من العلم بكتب وأخبار بني إسرائيل ما يدفع عنهما هذه الشبهة التي مصدرها الاشتراك الغالب على أسماء الأعلام كما مَرَّ، وفي جواب النبي ﷺ للمغيرة توجيه يستأنس به في ذلك. * * * [١٠] ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء ١٠١]. عن يعلى بن أمية (١) قال: قلت لعمر بن الخطاب ﵁: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٠١] فقد أمن الناس!. فقال: عجبتُ مِمَّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (صدقةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عليكم، فاقبلوا صَدَقَتَه) (٢).

стр. 85

* تحليل الاستدراك: استقر عند يعلى وعمر ﵄ نفيُ الجُناح عن قصر الصلاة في السفر حال الخوف؛ أخذًا بمنطوق (١) الآية، وليس هذا محل الإشكال عندهما ﵄، وإنما أشكل عليهما مفهوم (٢) الآية، وهو القصر في السفر حالَ الأمن، وعملُ الناس به مع أنّه لم يُذكر في نصّ الآية، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فإن المُتَعجِّب- وهما عمر ويعلى- ظَنَّ أنّ القصر مطلقًا مشروط بعدم الأمن، فبينت السنة أن القصر نوعان، كلُّ نوع له شرط) (٣). ومُعتَمَدُهُما في هذا الفهم، الأخذ بما نطقت به الآية ودَلَّت عليه، وهو اشتراط الخوف في القصر، ثم أخذُهُما بمفهوم الآية وهو انتفاء القصر حال الأمن، قال الطوفي (٤) (ت: ٧١٦): (ووجهه- أي حجيّة مفهوم الشرط- أن هذا الرجل العربي- يعلى بن أميّة ﵁ فهم من تعليق جواز قصر الصلاة على الخوف انتفاءه عند انتفاء الخوف، وكذلك عمر بن الخطاب ﵁ فهم ذلك، فأقرَّهما النبي ﷺ على فهمهما، ثم بيَّنَ لهما أن انتفاء الجواز عند الانتفاء إنما هو من جهةٍ أُخرى، وهي الصدقة عليهم، والتخفيف عنهم، ولولا أن المفهوم المذكور حجة لما فَهِماه، ولمَا أقرَّهما النبي ﷺ على فهمهما إيَّاه) (٥)، كما أن القصر الذي فهماه من

стр. 86

الآية هو قصر الركعات، قال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (فهذا الحديث يدلُّ على أن يعلى بن أميّة وعمر بن الخطاب ﵄، كانا يعتقدان أن معنى الآية قصر الرباعية في السفر، وأن النبي ﷺ أقَرَّ عمر على فهمه لذلك) (١). فَجاء بيان النبي ﷺ ليُزيل ما أشكل على عمر ﵁، فأبان أنَّ الله تعالى أباح القصر في السفر مع الأمن صَدَقةً منه علينا، فوَجَبَ قَبُولها (٢). فَصار الشرط في الآية لا مفهوم له (٣)، قال أبو حيّان (ت: ٧٤٥): (والحديث الصحيح يدلّ على أن هذا الشرط لا مفهوم له، فلا فرق بين الخوف والأمن، وحديث يعلى في ذلك مشهور صحيح) (٤)، وقال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وأمّا قوله ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء ١٠١] فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية؛ فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كانت غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزوٍ عامٍّ، أو في سريّةٍ خاصة، وسائر الأحياء حربٌ للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثةٍ فلا مفهوم له، كقوله ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور ٣٣] وكقوله ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِّسَائِكُمُ﴾ [النساء ٢٣]) (٥).

стр. 87

* الحكم على الاستدراك: لم يُنكر رسولُ الله ﷺ على عمر ﵁ أخذَه بمنطوق الآية، واعتباره بمفهومها، كما لم يُنكِره عمرُ ﵁ على يعلى بن أُميَّة ﵁، فهو سبيل صحيح في فهم النصوص وإعمالها. وذهابُهُما إلى أن المُراد بالقصر هنا قصر الركعات صحيح كذلك؛ لإقرار النبي ﷺ ذلك الفهم من عمر ﵁، ونسبه الرازي (ت: ٦٠٤) للجمهور (١)، واستدلَّ على صِحَّته بأمور، منها: أولًا: فهم الصحابيّ له. ثانيًا: أنَّ لفظ القصر كان مخصوصًا في عُرف الصحابة بنقص عدد الركعات؛ ولهذا المعنى لَمَّا صلى النبي ﷺ الظهر ركعتين قال ذو اليدين: (أقَصُرَت الصلاة؟ أم نسيت؟) (٢). ثالثًا: أنَّ (مِنْ) في قوله ﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١] للتبعيض، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة، وهو أولى من تفسيره بالإيماء والإشارة. رابعًا: أنَّ القصر بمعنى: تَغيُّر الصلاة، مذكور في الآية التي بعد هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى حذف الركعات، لئلاّ يلزم التكرار. (٣) ولا مانع من حمل الآية على نوعي القصر المُباحة شرعًا: قصر الركعات، وقصر الهيئات، كُلٌّ منهما بشرطه، وفي الحديث توسعةٌ تشمل كِلا المعنيين: (صدقةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عليكم، فاقبلوا صَدَقَتَه)، قال القرطبي (ت: ٦٥٦): (وقوله ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء ١٠١] يعني به القصرَ من عدد الركعات، والقصر بتغيير الهيئات، بدليل قوله

стр. 88

ﷺ : "صدقةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عليكم"، عندما سُئل عن قصرها مع الأمن، فكان قوله ذلك تيسيرًا وتوقيفًا على أن الآية مُتَضمّنة لقصر الصلاة مع الخوف ومع غير الخوف، فالقصر مع الخوف هو في الهيئات، ومع الأمن في الركعات، والمُتَصَدَّق به إنما هو إلغاء شرط الخوف في قصر عدد الركعات مع الأمن، وعلى هذا فيبقى اعتبار الخوف في قصر الهيئات، وقد أكثر الناس في هذه الآية، وما ذكرناه أولى وأحسن؛ لأنه جمعٌ بين الآية والحديث) (١)، ويُؤيده كذلك قوله تعالى في الآية بعدها ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء ١٠٣]، فإن الطمأنينة تصح في كلا المعنيين السابقين: إمَّا سكون النفس من الخوف، أو الإقامة بعد سفر (٢)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فأمَرَهُم بعد الأمن بإقامة الصلاة، وذلك يتضمن الإتمام وترك القصر منها الذي أباحه الخوف والسفر) (٣)، وبقصر الركعات في الأمن فسرها الثعلبي (ت: ٤٢٧)، والواحدي (ت: ٤٦٨) (٤). * * * [١١] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣]. عن مسروق (٥) قال: (كنت مُتَّكِئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاثٌ من تكَلَّم بواحدة منهُنَّ فقد أعظم على الله الفرية (٦). قلت: وما هُنَّ؟ قالت: من زَعَمَ أن محمدًا رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية. وكُنتُ مُتَّكِئًا فجلست فقلت: يا أُمَّ

стр. 89

المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يَقل الله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم ١٣]؟ فقالت: أنا أوّل هذه الأمّة سألَ رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: (إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خُلِقَ عليها غير هاتين المَرَّتين، رأيته منهبطًا من السماء، سادًّا عُظْمَ خَلقه ما بين السماء إلى الأرض)، فقالت: أولم تسمع أن الله يقول ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٠٣]؟ أولم تسمع أن الله يقول ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى ٥١]؟ قالت: ومن زعم أن رسول الله ﷺ كَتَمَ شيئًا من كتاب الله فقد أعظَمَ على الله الفرية، والله يقول ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة ٦٧]، قالت: ومن زعم أنه يُخبِر بما يكون في غَدٍ فقد أعظم على الفرية، والله يقول ﴿قُلْ لاَّ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النمل ٦٥]) (١). * تحليل الاستدراك: قِصَّةُ هذه الرواية: (أن ابن عباس ﵁ وكعب الأحبار اجتمعا بعرفة، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم نزعم ونقول: إن محمدًا رأى ربَّه مرتين. قال: فكبَّرَ كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال: إن الله قسم رؤيَتَه وكلامه بين محمد وموسى، فكَلَّمَه موسى، ورآه محمدٌ بقلبه- وعند الترمذي: فكلمه موسى مرتين، ورآه محمد مرتين-. قال الشعبي: فأتى مسروقُ عائشةَ فقال: يا أُمَّتاه، هل رأى محمد ﷺ ربَّه؟) الحديث (٢).

стр. 90

فهذا سببُ سؤالِ مسروق، وما أجابت به عائشةُ ﵂ (١). وفي جوابها استشكل مسروق نفيها رؤيَةَ محمد ﷺ رَبَّه، وأورد في ذلك آيتي التكوير والنجم، حيث فهم منهما أن الضمير في قوله تعالى ﴿رَآهُ﴾ في كلا الآيتين عائد على الله تعالى، وهو ما كان مُحتَملًا عند عائشة ﵂، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فأجاب بأن المُراد بهما جبريل ﵇. وهو ما اعتمدت عليه عائشة ﵂ في جوابها لمسروق. فكان مُعتَمَد مسروق فيما ذهب إليه احتمال الضمائر في سياق كِلا الآيتين أن يكون المُراد بها ربَّ العالمين (٢)، إضافةً إلى ما توافق عليه ابنُ عباسٍ وكعبٌ من إثبات رؤية رسول الله ﷺ ربَّه مرَّتين. واعتمدت عائشة ﵂ في ما ذهبت إليه على بيان رسول الله ﷺ ، وتحديده المُراد، ثم استشهدت على صِحَّةِ قولها وإبطال القول الآخر بآياتٍ أُخَر توافق هذا المعنى عندها، وهُما قوله تعالى ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٠٣]، وقوله ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى ٥١] (٣). * الحكم على الاستدراك: ما ذكره مسروق من احتمال كون المرئِيِّ في كلا الآيتين هو الله تعالى، ذَهَبَ إليه بعض العلماء كابن عباس ﵁، وكعب (ت: ٣٢)، والحسن (ت: ١١٠)، وعكرمة

стр. 91

(ت: ١٠٥)، وأبي صالح (١) (ت: ١٢١)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨) والربيع بن أنس (٢) (ت: ١٣٩) في رواية (٣)، ونسبهُ النووي (ت: ٦٧٦) إلى جمهور المفسرين (٤)، ولكنَّه مُقابَلٌ بنَصٍّ نبويّ بَيَّنَ المُراد، وأنّه جبريل ﵇، قال القرطبي (ت: ٦٥٦): (وقد روت ذلك- أي: أن مرجع الضمير في كلا الآيتين جبريل ﵇ عائشة مرفوعًا، مُفَسّرًا على ما يأتي، فلا يُلتَفت إلى ما يُقال في الآية غير هذا) (٥)، وقال ابن عطيّة (ت: ٥٤٦): (وحديث عائشة قاطعٌ لكلِّ تأويل في اللفظ؛ لأن قول غيرها إنما هو منتزعٌ من ألفاظ القرآن) (٦)، وزاد أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) على قول ابن عطيّة هذا: (وليست نَصًّا في الرؤية بالبصر (٧) بل ولا بغيره) (٨)، وورود المعنى صحيحًا صريحًا عن رسول الله ﷺ كافٍ في

стр. 92

لزومه والمصير إليه (١)، بل نقل الدارمي (٢) (ت: ٢٨٠) إجماع الصحابة عليه (٣)، غير أنّه مِمَّا يدلُّ عليه كذلك سِتَّةَ عَشَرَ وجهًا ذكرها ابن القيم (ت: ٧٥١) في "مدارج السالكين" (٤)، قال في أوَّلِها: (ولفظ القرآن لا يدلُّ على غير ذلك من وجوه)، ثم ذكرها، ومنها: أولًا: أنه الوارد في التفسير النبوي. ثانيًا: أنه قال ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم ٥]، وهذا جبريل الذي وصفه الله بالقوة في سورة التكوير، فقال ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩ - ٢٠]، وهذه دلالة السياق. ثالثًا: أنه قال ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم ٦ - ٧]، وهو ناحية السماء العليا، وهذا استواء جبريل بالأفق الأعلى، وأمَّا استواء الرب ﷻ فعلى عرشه. رابعًا: أنَّ مُفَسَّر الضمير في قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ [النجم ١٣]، وقوله ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم ٧]، وقوله ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم ٨] واحد، فلا يجوز أن يُخَالَف بين المُفَسَّر والمُفَسَّر من غير دليل. خامسًا: أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين، المَلَكيّ والبَشَريّ، ونَزَّه البَشَريّ عن الضلال والغواية، ونَزَّه المَلَكيّ عن أن يكون شيطانًا قبيحًا ضعيفًا؛

стр. 93

بل هو قويٌّ كريمٌ حسن الخَلق، وهذا نظير الوصف المذكور في سورة التكوير سواءً. (١) وهو قول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة وأبي ذَرٍّ ﵃، وكذا مُجاهد (ت: ١٠٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩) في رواية، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨) (٢). وذكره السمرقندي (ت: ٣٧٥)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن عطيّة (ت: ٥٤٦)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) عن جمهور المفسرين، وعامَّة العلماء (٣). * * * [١٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ١٠٥]. عن أبي أمية الشعباني (٤) قال: سألت أبا ثعلبة الخُشَني، فقلت: (يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: (بل (٥) ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا، وهوىً مُتَّبَعًا، ودنيا مُؤثَرة، وإعجاب كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك

стр. 94

بخاصّة نفسك، ودع العوامَّ، فإنَّ من ورائكم أيَّام الصبر، الصبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رَجُلًا يعملون مثل عملكم). قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عُتبة: (قيل يا رسول الله أجر خمسين مِنَّا أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم) (١).

стр. 95

* تحليل الاستدراك: لَمَّا احتمل قولُ الله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [المائدة ١٠٥] تركَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو خلاف ما استقر عند الصحابة ﵃ وتابعيهم، من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مؤمن، سألَ أبو أُميّة الشعباني أبا ثعلبة الخُشَني ﵁ عن ذلك المعنى، أخذًا بظاهر اللفظ، وهو ما سألَ عنه أبو ثعلبة رسولَ الله ﷺ ، فأجابه: (بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر)، فأبان الجواب عن المراد في الآية، وأنه ليس ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أيّ حالٍ، بل هو في حالةٍ مخصوصة بَيَّنها الحديث، وهي عند الجزم بعدم فائدته؛ لعدم قبوله من أهل الضلال، ولا يُعرف ذلك عادةً إلا بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما دَلَّ عليه قوله ﷺ : (بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت .. )، فأرشد إلى لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يرى من أهل الضلال ما يعلم به عدم منفعة أمره ونهيه، وعدم قبولهم له، وهذا بيانٌ لقوله تعالى في الآية ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]، أي: بقيامكم بما أوجب الله عليكم من طاعته، ومنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن ضلَّ بعد ذلك فلا يضركم. قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (والاهتداء إنما يكون بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجبات، لم يضُرُّه ضلال الضُّلاّل) (١)، وقال الجصاص (٢) (ت: ٣٧٠): (وهذه دلالة فيه- أي الحديث- على سقوط فرض الأمر بالمعروف إذا كانت الحال ما ذكر؛ لأن ذِكرَ تلك

стр. 96

الحال تُنبئ عن تعذر تغيير المنكر باليد واللسان؛ لشيوع الفساد وغلبته على العامة، وفرض النهي عن المنكر في مثل هذه الحال إنكاره بالقلب، كما قال ﷺ : (فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه) (١)، فكذلك إذا صارت الحال إلى ما ذُكِر، كان فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقلب؛ للتقية، ولتعذر تغييره، وقد يجوز إخفاء الإيمان وترك إظهاره تقيةً، بعد أن يكون مطمئن القلب بالإيمان، قال الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ [النحل ١٠٦]، فهذه منْزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) (٢). وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (وهذه الصفات المذكورة في الحديث، من الشُّح المُطاع، والهوى المُتَّبَع، الخ، مَظنَّةٌ لعدم نفع الأمر بالمعروف، فدَلَّ الحديث على أنه إن عُدِمَت فائدته سقط وجوبه) (٣). * الحكم على الاستدراك: ما ذكره رسول الله ﷺ من معنى هذه الآية لازمُ الاتباع، وقد وافقت نصوصُ الشرع في هذا الباب هذا المعنى النبوي، كما دَلَّ عليه ظاهر القرآن في قوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩] (٤)، وعليه تفسير الصحابة ﵃، ومما ورد عنهم في ذلك: - حديث جبير بن نُفير (٥) قال: (كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله ﷺ ، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]؟

стр. 97

فأقبلوا عليّ بلسان واحد وقالوا: تنْزع بآية من القرآن لا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها. حتى تمنّيت أني لم أكن تكلمت، ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم، قالوا: إنك غُلام حَدَثَ السنّ، وإنك نزعت بآية لا تدري ما هي، وعسى أن تُدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شُحًّا مُطاعًا، وهوىً مُتَّبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضلَّ إذا اهتديت) (١). - وقال أبو بكر ﵁ وهو على المنبر: (يا أيها الناس: إنكم تقرأُون هذه الآية على غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]، وإن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، عَمَّهُم الله بعقابه) (٢). - وسُئِل ابن مسعود ﵁ عن هذه الآية فقال: (ليس هذا بزمانها، إنها اليوم مقبولة، قولوها ما قُبلت منكم، فإذا رُدَّت عليكم فعليكم أنفسكم) (٣). - وقيل لابن عمر ﵁: لو جلست هذه الأيام فلم تأمر، ولم تنهَ، فإن الله تعالى يقول ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]. فقال ابن عمر: (إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله ﷺ قال: (ألا فليُبلِغ الشاهد الغائب)، فكُنَّا نحن الشهود، وأنتم الغَيَب (٤)، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا

стр. 98

لم يُقبل منهم) (١). - وعن حُذيفة ﵁ قال: (﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥]، إذا أمرتم ونهيتم)، وروي مثله عن سعيد بن المسيب (٢) (ت: ٩٤). (٣) وهو اختيار ابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠) (٤)، وجعل ما ذكرنا عن الصحابة في ذلك أحاديث مختلفة الظاهر، متفقة المعنى (٥)، واختاره الواحدي (ت: ٤٦٨) (٦)، وابن عطية (ت: ٥٤٦) وقال: (وهذا التأويل الذي لا نظر لأحد معه؛ لأنه مُستوفٍ للصلاح؛ صادرٌ عن النبي ﷺ (٧)، وكذلك قال أبو حَيَّان (ت: ٧٤٥) (٨). * * * [١٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة ٣٤]. عن ابن عباس ﵁ قال: (لمَّا نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة ٣٤] قال: كَبُرَ ذلك على المسلمين، فقال عمر ﵁: أنا أُفَرِّج عنكم، فانطلق

стр. 99

فقال: يا نبي الله، إنه كَبُرَ على أصحابك هذه الآية. فقال رسول الله ﷺ : (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليُطَيِّب بِها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم)، فكَبَّرَ عمر ﵁، ثم قال له النبي ﷺ : (ألا أخبرك بخير ما يكنِز المرء؟ المرأة الصالحة؛ إذا نظر إليها سَرَّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته) (١).

стр. 100

* تحليل الاستدراك: لمّا كان الكنْز في لغة العرب جمع الشيء بعضه على بعض وحَرْزُه (١)، وهو في المال: جمعه تحت الأرض أو على ظهرها (٢)؛ شق قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة ٣٤] على الصحابة ﵃؛ إذ توجه الوعيد عندهم إلى مطلق جمع الذهب والفضة، أخذًا بظاهرِ اللفظ وأصلِه في لسانهم. ولم يَزُل ما شقَّ عليهم منها إلا بالنقل الشرعي لكلمة كنْز عن معناها اللغوي، وتخصيص الكنْز شرعًا: بما لم تُؤَدَّ زكاته (٣)، وذلك حين أخبر عمرُ رسولَ الله ﷺ عمَّا وجده الصحابة من هذه الآية، فأجابه رسول الله ﷺ : (إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليُطَيِّب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم)، فكَبَّرَ عمر ﵁، حين علم أن ما أُخْرِج زكاته من المال ليس بكنْز، ولو جمعه الإنسان ومات عنه، فهو ميراث حلال لمن بعده. فصار المعنى النبوي لقوله تعالى في الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ [التوبة ٣٤]: أي يمنعون ما أوجب الله فيها من الزكاة. (٤) * الحكم على الاستدراك: ليس في مسلك الصحابة ﵃ في الأخذ بعموم اللفظ وأصل معناه في لغة العرب ما يُعاب، بل هو الصواب؛ ولذلك لم يتوجه الخطاب النبوي لتخطئتهم فيما فهموه من ذلك في هذه الآية، وإنما أبان التفسير النبوي معنىً خاصًا للكنْز في

стр. 101

الاستعمال الشرعي، فسر به هذه الآية، وهو: منع الزكاة. فمن أدى الواجب في المال الذي هو الزكاة، لا يُكوى بالباقي الذي أمسكه؛ لأن المواريث ما جُعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها، وهذا المعنى النبوي يتفق مع النصوص الشرعية الأخرى الموجبة للزكاة في المال، وما بقي بعدها فهو حلال لا مؤاخذة فيه، ومنها قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]، فأمره بأخذ بعض أموالهم وهي زكاتها، التي فيها تطهير للباقي ونماء له (١)، وقوله ﷺ : (نعم المال الصالح للرجل الصالح) (٢)، قال البخاري (ت: ٢٥٦): (باب: ما أُدِّيَ زكاته فليس بكنْز؛ لقول النبي ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أواقٍ صدقة")، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢) في شرحه للباب: (ما لم تجب فيه الصدقة لا يُسَمى كنْزًا؛ لأنه معفوٌّ عنه، فليكن ما أُخرِجت منه الزكاة كذلك؛ لأنه عُفِيَ عنه بإخراج ما وجب منه فلا يُسَمى كنْزًا) (٣)، وعن أم سلمة ﵂ قالت: كنت ألبس أوضاحًا (٤) من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنْزٌ هو؟ فقال: (ما بلغ أن تؤدى زكاته فَزُكِّيَ فليس بكنْز) (٥)، ولمَّا سُئل ابن عمر ﵁ عن هذه الآية قال: (من كَنَزَها فلم يؤد زكاتَها فويل له) (٦)، وسُئلَ عن الكنْز ما هو؟ فقال: (هو المال الذي لا تُؤدَّى منه الزكاة) (٧). قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر،

стр. 102

وأبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا، وعمر بن الخطاب نحوه) (١). وقال به عكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والسدي (ت: ١٢٨)، والشافعي (ت: ٢٠٤)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣) (٢)، وعليه جمهور العلماء، كما ذكر ابن عبد البر (٣) (ت: ٤٦٣) (٤). * * *

стр. 103

ثانيًا: استدراكات الصحابة ﵃ [١٤] ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة ٢٠٥ - ٢٠٦]. عن عبد الرحمن بن زيد قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا صلى السُّبحَة (١) وفرغ دخل مربدًا له (٢)، فأرسل إلى فتيان قد قرأوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عيينة (٣)، قال: فيأتون فيقرؤون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلة انصرف، قال: فَمَرُّوا بهذه الآية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة ٢٠٦]، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٥]، - قال ابن زيد: وهؤلاء المجاهدون في سبيل الله-، فقال ابن عباس لبعض من كان إلى جنبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر ما قال، فقال: وأي شيء قلت؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين. قال: ماذا قلت، اقتتل الرجلان؟ قال: فلما رأى ذلك ابنُ عباس قال: أرى هاهنا من إذا أُمِرَ بتقوى الله أخذته العزة بالإثم، وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال هذا: وأنا أشري نفسي، فقاتله، فاقتتل

стр. 104

الرجلان. قال عمر: لله بِلادُك (١) يا ابن عباس) (٢). * تحليل الاستدراك: تعجب عمر ﵁ من قول ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية، فتحقق منه قَولَه فيها، فأجابه ابن عباس بأنها فيمن يؤمر بالخير، فتأخذه العزة بالإثم، فيعتزُّ صاحبه بربه، فيقوم إليه يقاتله، يشري بذلك نفسه ابتغاء مرضاة الله. وهذا المعنى مُقتَنَصٌ من السياق، ففي الآية قبلها وَصَفَ الله تعالى هذا الرجل بالإفساد في الأرض،

стр. 105

فقال ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٥]، ثم أعقب ذلك بقوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦]، فهاهنا مُفسِدٌ في الأرض، وهاهنا من ينهاه عن إفساده، فيعتَزُّ ذاك بإثمه، وهذا مُعتَزُّ بربه، فيقتتلان، فكانت بذلك أظهر ما تكون في الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر. * الحكم على الاستدراك: ما ذكره ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية هو أظهر معانيها، ولذلك أُعجب به عمر ﵁، وفسَّرَها به وهو كذلك تفسير علي ﵁، كما سبق في ذكر شواهد الرواية، والسياق أقرب ما يَدُلُّ عليه، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (والذي هو أولى بظاهر هذه الآية من التأويل، ما رُوي عن عمر بن الخطاب، وعن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃، من أن يكون عَنى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه وصف صفة فريقين: أحدهما منافق يقول بلسانه خلاف ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رامها، وإذا نُهِيَ أخذته العزَّة بالإثم بما هو آثم به، والآخر منهما بائع نفسه، طالب من الله رضا الله، فكان الظاهر من التأويل أن الفريق الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه؛ إنما شراها للوثوب بالفريق الفاجر؛ طلبَ رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية) (١). ولكن في لفظ الآية، وفي سبب نزولها، ما يجعل التفسير السابق أحد المعاني الصحيحة الداخلة في الآية، وليس هو كُلُّ المعنى، فإن لفظ الآية عام، يشمل (كلَّ مُبطِن كفرٍ، أو نفاق، أو كذب، أو إضرار، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك) (٢)، وهو قول (قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء) (٣)، وورد في سبب نزولها أقوال:

стр. 106

- أنها نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبيّ، والأخنس لقب، وذلك أنه جاء إلى النبي ﷺ فأظهر الإسلام، وقال: والله يعلم إني لصادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم مسلمين فأحرق زرعهم، وعقر حُمُرَهم، فنَزلت فيه الآيات. ذكره السُّدي (ت: ١٢٨) (١)، وقال عنه ابن عطية (ت: ٥٤٦): (ما ثبت قط أن الأخنس أسلم) (٢). - وقيل نزلت في قومٍ من المنافقين تكلموا في السرية التي بعثها النبي ﷺ للرجيع، فأُصيبت، فقال رجالٌ من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أَدَّوا رسالة صاحبهم، فنَزلت الآيات في صفات هؤلاء المنافقين، وفي الثناء على المُستَشهدين. ورُويَ هذا عن ابن عباس ﵁. (٣) وفي قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة ٢٠٧]، ورد أنها نزلت: - في المهاجرين والأنصار، قاله قتادة (ت: ١١٧) (٤)، وهذا على رأي من جعل ما قبلها في الأخنس بن شريق (٥)، أو في شهداء غزوة الرجيع (٦). - وقيل في رجال من المهاجرين بأعيانهم، كصهيب بن سنان الرومي ﵁، قاله ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، وأبو عثمان النهدي (٧)

стр. 107

(ت: ١٠٠)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وجماعة (١). - وقيل فيه وفي أبي ذر الغفاري جندب بن السكن ﵁، ذكره عكرمة (ت: ١٠٥) (٢). ومن فَسَّرَ الآية الأولى بالعموم حمل هذه على العموم أيضًا، وهو الأصح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأما ما رُوي من نزول الآية في أمر صهيب، فإن ذلك غير مستنكر؛ إذ كان غير مدفوع جواز نزول آيةٍ من عند الله على رسوله ﷺ بسبب من الأسباب، والمَعنِيُّ بها كُلّ من شمله ظاهرها) (٣). وذاكر سعيدٌ المقبري (٤) (ت: ١٢٣) محمدَ بن كعب القُرَظي (ت: ١٠٨)، فقال سعيد: (إن في بعض الكتب: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله ﵎: أَعَلَيّ يجترئون؟ وبي يغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٤ - ٢٠٥])، فقال سعيد: قد عرفتَُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنْزل في الرجل ثم تكون عامة بعد) (٥)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤) بعد ذكره لهذا الحديث: (وهذا الذي قاله القُرَظِي حسنٌ صحيح). (٦)

стр. 108

ورجح العموم في الآية ابنُ جرير (ت: ٣١٠)، وقال: (فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله وصف شاريا نفسه ابتغاء مرضاته، فكلُّ من باع نفسه في طاعته حتى قتل فيها، أو استُقتِل وإن لم يقتل، فَمَعْنِيّ بقوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] في جهاد عدو المسلمين كان ذلك منه، أو في أمر بمعروف، أو نهي عن منكر). (١) واختاره السمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤) (٢)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) وقال: (والذي ينبغي أن يُقال: إنه تعالى لمَّا ذكر ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة ٢٠٤]، وكان عامًّا في المنافق الذي يبدي خلاف ما أضمر، ناسب أن يذكر قسيمه عامًّا؛ من يبذل نفسه في طاعة الله تعالى من أيّ صعب كان، فكذلك المنافق مُدارٍ عن نفسه بالكذب والرياء وحلاوة المنطق، وهذا باذل نفسه لله ولمرضاته، وتندرج تلك الأقاويل التي في الآيتين تحت عموم هاتين الآيتين، ويكون ذكر ما ذُكِر من تعيين من عَيَّن، إنما هو على نحوٍ من ضرب المثال، ولا يبعُد أن يكون السبب خاصًّا، والمُراد عموم اللفظ) (٣). ويستفاد من هذا الاستدراك: أن السياق لا ينهض بتخصيص معنى الآية ما لم يكن صريحًا في ذلك، كما سبق في تفسير ابن عباس ﵁ للآية، وشأنه في ذلك شأن سبب النُّزول؛ إذ العبرة فيه بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. * * *

стр. 109

[١٥] ﴿لِلَّهِ ما فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤]. عن سعيد ابن مَرْجانة (١) قال: (جئت عبد الله بن عمر فتلا هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، ثم قال: لئن أُخذنا بهذه الآية لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه. قال: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فقلت له ما تلا ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لقد وجد المسلمون منها مثل ما وَجَد عبدُ الله بن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] إلى آخر السورة، فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله أن للنفس ما كسبت، وعليها ما اكتسبت في القول والفعل) (٢).

стр. 110

* تحليل الاستدراك: لَمَّا فهم ابن عمر ﵁ هذه الآية على العموم، بلغت من نفسه ما بلغت من الصحابة ﵃ قبل ذلك حين أُنزلت، إذ فهموا منها عموم المحاسبة على كلِّ واردٍ على النفس حتى ما يعرض فيها من الوسوسة والخواطر التي لا حيلة لهم فيها، ولا طاقة لهم بها، فكان ابن عمر ﵁ يبكي عند قراءة هذه الآية؛ خوفًا من المؤاخذة على كلِّ ذلك، فأَخبَر ابنُ عباسٍ ﵁ أن ما وجده ابن عمر قد وجده مَنْ قبله، وأن الله تعالى خفف عنهم بالآية بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، فكانت الوسوسة من المعفِي عنه يوم القيامة (١)؛ لأنها ممَّا لا طاقة للمسلمين بها، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (فلمَّا كان اللفظ ممَّا يمكن أن تدخل فيه الخواطر؛ أشفق الصحابة والنبي ﷺ ، فبيَّن الله تعالى لهم ما أراد بالآية الأولى وخصّصَها، ونَصَّ على حكمه أنَّه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوُسع، بل هو أمر غالب، وليست ممَّا يُكسَب ولا يُكتَسب، وكان في هذا البيان فرحُهم وكشفُ كربهم) (٢)، وهذا المعنى هو ما عبَّرَ عنه ابن عباس ﵁ في رواية مجاهد بقوله: (فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة ٢٨٥] إلى ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة ٢٨٦]، فتُجُوّزَ لهم عن حديث النفس، وأُخِذوا بالأعمال). فَسَمَّى ابنُ عباس ﵁ بيان الآية الثانية للأولى نسخًا، كما ورد ذلك عن عائشة، وأبي هريرة،
следующие страницы →