← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. (١) سابعًا: أن في القول بنسخِ هذهِ الآيةِ إثباتٌ للتكليف بما لا يُطاق في الآية الأولى، وهو مُمتَنِعٌ (٢). وهذه حُجَّة من نَفى النسخ في الآية من المُعتَزِلة ومن تَبِعهُم من المُتَكَلِّمين، تصريحًا أو تضمينًا، كالجُبَّائي (٣) (ت: ٣٠٣)، وأبي القاسم البلخي (٤) (ت: ٣١٩)، والقاضي عبد الجبار (٥) (ت: ٤١٤)، والزمخشري (٦) (ت: ٥٣٨)، وهي مِمَّا تبع فيه البيضاويُّ (ت: ٦٨٥) صاحبَ الكَشَّاف (٧). وليس في هذا الوجه تقويةٌ لقول من قال بعدم النسخ من السلف، وليس هو بحاجة إليه، وإنما ذُكِرَ هنا لِيُتَنَبَّه إلى تمييز مَآخِذ السلف في التفسير عن مآخِذ

стр. 177

المُبتَدعة فيه، واختلاف أصولِ كُلٍّ منهما، وإن تلاقت أقوالهما في مُقَدِّمةٍ أو نتيجة؛ فإن من الأصول المهمة عند السلف في منهج التَّلَقِّي: الاستدلال ثم الاعتقاد. وهذه مرتبة عالية من الموضوعية العلمية، وصورة صادقة لتعظيم النصوص، واعتقاد تمام الهداية فيها. أمَّا التوجُّه إلى النصِّ بمُقرَّرات سابقة، واعتقاد سابق للاستدلال، فهو إيذان بالانحراف في الفهم والنتيجة، وإن لاقى الصواب أحيانًا، كما أنه بابٌ عظيمٌ من أبواب تأويل النصوص وتحريفها، وقلَّة تعظيمها والاهتداء بها. (١) قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (النوع الثاني من مُستَنَدَي الخلاف، وهو: ما يُعلَم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين، حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان .. ، إحداهما: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها)، ثم قال عن هذا الصنف: (والأولون صنفان: تارةً يسلبون لفظ القرآن ما دَلَّ عليه، وأُريدَ به، وتارةً يَحْمِلونه على ما لم يدلّ عليه، ولم يُرَد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون خَطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حَقًّا فيكون خطأُهم في الدليل لا في المدلول) (٢)، ثم مَثَّلَ لذلك بتفاسير المُعتَزلة ونحوهم. وقال أيضًا مُبَيِّنًا طريقة أهل الضلال والبدع في تفسير النصوص الشرعية: (يجعلون الألفاظ التي أحدثوها، ومعانيها هي الأصل، ويجعلون ما قاله الله ورسوله تَبَعًا لهم، فيرُدُّونها بالتأويل والتحريف إلى معانيهم، ويقولون: نحن نُفَسِّر القرآن بالعقل واللغة. يَعنُون أنهم يعتقدون معنىً بعقلهم ورأيهم، ثم يتأولون القرآن عليه، بما يُمكِنُهم من التأويلات والتفسيرات المتضمنة لتحريف

стр. 178

الكلم عن مواضعه .. ، وهذه طريق يشترك فيها جميع أهل البدع الكِبار والصغار، فهي طريق الجهمية، والمعتزلة، ومن دخل في التأويل من الفلاسفة، والباطنية، والملاحدة) (١)، وقال الكافيجي (٢) (ت: ٨٧٩): (فمن يجعل الرأي عِيَارًا لما جاء به القرآن، فيفسر القرآن على موافقة رأيه، تقريرًا لرأيه، ويترك المفهوم المُتعارف من اللفظ، ولا يتهم رأيه لدى ظاهر القرآن، وذلك نحو صنيع كثير من المعتزلة، فإنهم يفسرون القرآن بما تقرر عندهم من الآراء الفاسدة .. ، وهذا منهم اعتقاد فاسد، فإن ترك ظاهر القرآن وعمومه، وتصويب رأي نفسه، ظاهر الفساد ومخالف للإجماع، إذ لا دليل يقتضي ترك العمل بالظواهر) (٣). ثامنًا: أنه المعروف من تفسير الصحابة ﵃، فعن ابن مسعود ﵁ قال: (﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران ١٠٢]: أن يُطَاع فلا يُعصى، ويُذكَر فلا يُنسَى، ويُشكَر فلا يُكفَر) (٤)، وقال أنس بن مالك ﵁: (لا يَتَّقي اللهَ العبدُ حتى يَخْزُنَ لسانه) (٥)، وهذه الأقوال كقول ابن عباس ﵁، وإنما تنوعت العبارة. وهو المروي عن جماعة المفسرين، كالربيع بن خثيم (٦) (ت: ٦٣)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦)،

стр. 179

وطاووس (١) (ت: ١٠٦)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، وغيرهم (٢). وقال بقول ابن عباس في عدم النسخ في الآية: طاووس (ت: ١٠٦)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، ومكي القيسي (٣) (ت: ٤٣٧)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، والشاطبي (ت: ٧٩٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (٤). واختار النسخ في الآية: سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والضحاك (ت: ١٠٥) وقتادة (ت: ١١٧) في رواية، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل بن حيَّان (٥) (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، والرُّمَّاني (٦) (ت: ٣٨٤)، والواحدي

стр. 180

(ت: ٤٦٨) (١)، ونسبه الرَّسْعَني (٢) (ت: ٦٦١) لأكثر المفسرين. (٣) وذهب ابن تيمية (ت: ٧٢٨)، والشاطبي (ت: ٧٩٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (٤)، إلى أن من قال بالنسخ إنما أراد به البيان، إذ إطلاقه عليه كثير في كلام السلف. وعلى هذا لا تعارض بين من قال بأن الآية الثانية ناسخة للأولى، ومن قال أنها مُبيِّنَةٌ لها، كاشفةٌ عنها. * * * [٢٦] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران ٢٠٠]. عن داود بن صالح (٥) قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: (يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران ٢٠٠]؟ قال: قلت لا. قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرَابَط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة) (٦).

стр. 181

* تحليل الاستدراك: ما ذكره أبو سلمة في معنى الآية، هو عين ما أخبره به أبو هريرة ﵁ في قوله له: (أتدري يا ابن أخي فيم أنزلت هذه الآية ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران ٢٠٠]؟ قال: قلت لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرابِطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد، يصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها) (١). وقول أبي هريرة ﵁ في أن معنى الرباط في هذه الآية: انتظار الصلاة بعد الصلاة في المساجد. معتمِدٌ على: صحَّةِ المعنى المذكور لُغةً (٢)، فإن الرباط هو: الثبات والمُداومة، قال أبو عبيدة (٣) (ت: ٢٠٩): (﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران ٢٠٠] أي: اثْبتُوا ودُوموا. قال الأخطل (٤): ما زال فينا رِباطُ الخيل مُعْلَمةً … وفي كُلَيْبٍ رِباطُ الُّلؤْم والعارِ) (٥).

стр. 182

وقال ابن فارس (ت: ٣٩٥): (الراء والباء والطاء أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على: شَدٍّ وثَبَات) (١). ومن ثَمَّ فلُزوم موضع الصلاة لانتظار الصلاة، والمداومة على تلك الحال، رِباطٌ صحيح لُغَةً، قال الواحدي (ت: ٤٦٨): (وإنما سُمِّيَ انتظار الصلاة بعد الصلاة رباطًا؛ لأن كلَّ من صبر على أمرٍ يُقال: رَبَطَ قلبه عليه، وَرَبَطَ نفسَه، وقال لبيد (٢): رابطُ الجَأشِ على كُلِّ وَجَل أي: صابرٌ ثابت) (٣). وقال الرازي (ت: ٦٠٤): (وأصل الرباط من الربط، وهو: الشَّدُّ، يُقال لكلِّ من صبر على أمرٍ: ربط قلبه عليه، وقال آخرون: الرباط هو: اللزوم والثبات، وهذا المعنى أيضًا راجعٌ إلى ما ذكرناه من الصبر وربط النفس) (٤). واعتمد أبو هريرة ﵁ كذلك في تحديد المراد بهذه اللفظة على معرفة حال من نزل فيهم القرآن، فقال: (أما إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرابِطون فيه)، فصار المرادُ رِباطًا آخَرَ كان موجودًا في زمان النبي ﷺ وقت نزول القرآن، وهو: انتظار الصلاة بعد الصلاة. ثم ارتكز بيان أبي هريرة ﵁ لمعنى الآية على ما يصح أن يكون معنى لها من كلام النبي ﷺ (٥)، وهو ما اصطُلِحَ على تسميته: التفسير بالسنة، فروى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا،

стр. 183

ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط) (١). أمَّا من ذهب إلى أن الرباط المُراد في الآية هو: مُلازمة الثغور في مواجهة الأعداء في الجهاد في سبيل الله، فقد اعتمدوا كذلك على صِحَّة هذا المعنى لُغةً، قال الشاعر (٢): قومٌ رباطُ الخَيْلِ وَسْطَ بُيُوتِهِم … وأَسِنَّةٌ زُرقٌ يُخَلنَ نُجُومَا وقال الآخر (٣): وَفِينا رباطُ الْخَيْلِ كُلُّ مُطَهَّمٍ … رجيلٍ كَسِرْحانِ الغَضى الْمُتأَوِّبِ بل جعله بعضهم أصل اللفظة في اللغة، وما عداه فمنقولٌ عنه، ومَجازٌ فيه (٤)، قال ابن قتيبة (ت: ٢٧٦): (وأصل المُرابطة: الرباط؛ أن يربط هؤلاء خيولهم، ويربط هؤلاء خيولهم في الثغر، كُلٌّ يُعِدُّ لصاحبه، وسُمِّيَ المقام بالثغور: رِباطًا) (٥)، وقال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأرى أن أصل الرباط: ارتباط الخيل للعدوّ، كما ارتبط عدوّهم لهم خيلهم، ثم استُعمِلَ ذلك في كل مقيم في ثغر، يدفع عمَّن وراءه من أراده من أعداءهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم، ممَّن بغاهم بشَرّ، كان ذا خيلٍ قد

стр. 184

ارتبطها، أو ذا رُجلَة لا مركب له) (١)، وقال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وقول النبي ﷺ : (فذلكم الرباط)، إنما هو تشبيه بالرباط في سبيل الله، إذ انتظار الصلاة إنما هو سبيل من السبل المُنجِية، والرباط اللغويّ هو الأوَّل- أي: ملازمة الثغور-) (٢). وأكَّدَ هذا المعنى أيضًا وروده في السنة النبوية في أحاديث كثيرة مشهورة تنطبقُ على هذا المعنى، منها: حديث أبي حازم عن رسول الله ﷺ قال: (رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها) (٣)، وحديث سلمان عن رسول الله ﷺ قال: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجرِيَ عليه رِزْقُه، وأمِنَ الفَتَّان) (٤). * الحكم على الاستدراك: في القول بأن الرباطَ بمعنى: ملازمة الثغور. أصلُ المعنى اللغوي لكلمة الرباط، نوع مُبالغة، بل هو معنىً لُغويٌ صحيح كغيره من المعاني، قال القرطبي (ت: ٦٧١) مُعَقِّبًا على قول ابن عطية (ت: ٥٤٦) السابق: (قلت: قوله: والرباط اللغويّ هو الأول. ليس بمُسَلَّم؛ فإن الخليل بن أحمد (٥) أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال: الرِّباط: ملازمة الثغور، ومواظبة الصلاة أيضًا. فقد حصل أن انتظار الصلاة رباطٌ لُغَويٌّ حقيقة، كما قال ﷺ ، وأكثر من هذا ما قاله الشيباني (٦) أنه يُقال: ماءٌ مُترابط، أي: دائمٌ

стр. 185

لا ينْزح. حكاه ابن فارس (١)، وهو يقتضي تعدية الرباط لُغةً إلى غير ما ذكرناه؛ فإن المُرابطة عند العرب: العقد على الشيء حتى لا ينحل فيعود إلى ما كان صبر عنه، ومن أعظمها وأهمها: ارتباط الخيل في سبيل الله، كما نَصَّ عليه في التنْزيل في قوله ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال ٦٠] على ما يأتي، وارتباط النفس على الصلوات، كما قاله ﷺ ، رواه أبو هريرة وجابر وعلي، ولا عِطرَ بعد عروس) (٢). فمن ثَمَّ يتَّضِح أن كِلا المعنيين السابقين للرباط- ملازمة الثغور في سبيل الله، وانتظار الصلاة بعد الصلاة- صحيحٌ لُغةً وشرعًا، على ما سبق بيانه، وكِلاهما مُقَدَّم على غيرهما، وهُما من نوع اختلاف التنوع، واختار ذلك: الراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٠٠)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥) (٣). ويترجَّحُ القول بأن الرباط هو ملازمة الثغور في سبيل الله؛ لأنه أعظمُ معاني الرباط، وأهمُّها، وأشهرُها، وقد سبق دلالة السُّنة على عظمته، وكذلك أهميته، فهو مصلحة عامَّةٌ مُتَعدِّية، كما أنه أشهر معاني الرباط عند الإطلاق، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وإنما قلنا معنى ﴿وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران ٢٠٠]: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم؛ لأن ذلك هو المعنى المعروفُ من معاني الرباط، وإنما يُوَجَّهُ الكلامُ إلى الأغلبِ المعروفِ في استعمال الناس من معانيه دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك- مِمَّا يُوجِبُ صرفَه إلى الخَفِيّ من معانيه- حجةٌ يجب التسليمُ لها من كتاب، أو خبر عن الرسول ﷺ ، أو إجماع من أهل التأويل) (٤). وقال أبو الحسن الرُّمَّاني (ت: ٣٨٤): (والتأويل الأوَّل هو الوجه- أي: رابطوا في سبيل الله-؛ لأنه أظهر ما يلزم من الصبر

стр. 186

على فرائض الله، واجتناب محارمه، وما يلحق من شدائد الدنيا في طاعته) (١)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (وحمل الآية على الأول أظهر- أي: الرباط في سبيل الله-، وما احتجَّ به أبو سلمة لا حُجَّةَ فيه، ولا سيَّما مع ثبوت حديث الباب (٢)، فعلى تقدير أنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ رباط، فلا يمنع ذلك من الأمر به، والترغيب فيه) (٣)، بل حمل بعضُ العلماء وصفَ النبي ﷺ لانتظار الصلاة بعد الصلاة بالرباط، على أنه تشبيهٌ بالرباط في سبيل الله، لشِدَّة ظهور المعنى فيه (٤)، وقد يُفهَم من قول أبي هريرة ﵁ (أما إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يُرابِطون فيه)، أمران: الأول: أن الرباط في الثغور في سبيل الله، أشهر معاني الرباط؛ ولذا بَدأ أبو هريرة بنفيه أولًا. الثاني: قد يُقال: معنى كلام أبي هريرة: أنه لو كان في زمان النبي ﷺ غزو يُرابطون فيه، لكان هو المعنى للآية. وقد ذكر ابن حجر (ت: ٨٥٢) أن قول أبي هريرة هذا ليس بلازم، فتكون إشارة أبي هريرة تلك مُرَجِّحٌ للمعنى الآخر. وهو أيضًا قول أكثر المفسرين (٥)، وقال به الضحاك (ت: ١٠٥)، والقرظي (ت: ١٠٨)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، وابن جريج (٦) (ت: ١٥٠)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وابن جرير

стр. 187

(ت: ٣١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، والرُّمَّاني (ت: ٣٨٤)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وأبو حَيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن حجر (ت: ٨٥٢) (١). ومن مسائل هذا الاستدراك وفوائده: أولًا: أن معرفة حال من نزل فيهم القرآن، مطلبٌ مهم لفهم القرآن، وهو من المُرَجِّحات المعتبرة عند السلف في التفسير، فأبو هريرة ﵁ رَجَّح قوله في هذه الآية، ونفى القول الآخر لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ . وقد نَصَّ على هذا الأمر الشاطبي (ت: ٧٩٠) فقال: (ومن ذلك- أي: ما يلزم معرفته- معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنْزيل، وإن لم يكن ثَمَّ سببٌ خاصٌّ لا بُدَّ لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشُّبَه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة، ويكفيك من ذلك ما تقدم بيانه في النوع الثاني من كتاب المقاصد (٢)؛ فإنَّ فيه ما يُثلِج الصدر، ويُورِثُ اليقين في هذا المقام، ولا بُدَّ من ذكر أمثلة تعين على فهم المُراد وإن كان مفهومًا)، ثم ذكر أربعة أمثلة على ذلك، منها: (قوله تعالى ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم ٤٩]؛ فَعَيَّنَ هذا الكوكب لكون العرب عبدتْه، وهم خُزاعة، ابتدع ذلك لهم أبو كبشة، ولم تعبد العرب من الكواكب غيرها؛ فلذا عُيِّنَت) (٣)،

стр. 188

قال عطاء الخراساني (١) (ت: ١٣٥): (إنما نزل القرآن على قدر معرفتهم، ألا ترى إلى قول الله تعالى ذكره ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [النحل ٨١]؟، وما جعل لهم من السهول أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال، ألا ترى إلى قوله ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل ٨٠]؟، وما جعل لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وَبَر وشَعَر، ألا ترى إلى قوله ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور ٤٣]، يُعَجِّبُهم من ذلك؟ وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون به، ألا ترى إلى قوله ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل ٨١]؟، وما تقي من البرد أكثر وأعظم، ولكنهم كانوا أصحاب حَرّ) (٢). ثانيًا: أن التفسير النبوي غير الصريح، مُرَجِّحٌ شافعٌ لصحة المعنى؛ وتقديمِه على ما لم يكن كذلك. ثالثًا: أن التفسير النبوي غير الصريح إذا قوبل بمثله فلا ترجيح بهما، ويُرَجَّح بغيرهما من وسائل الترجيح، وإنما يتَقَدمان بذلك على غيرهما من الأقوال. رابعًا: يترَجَّحُ معنىً من المعاني المُتساوية في الآية إذا كان أحدها هو الأصل لُغةً، وما عداه منقول عنه، أو مجاز فيه. خامسًا: أن حمل معاني كلام الله تعالى على الأشهر والأظهر عند من نزل القرآن عليهم وبِلُغَتِهم أولى وأحرى من حمله على ما سواه من المعاني، وبهذا رَجَّح المفسرون كثيرًا من اختياراتهم، قال الدارمي (ت: ٢٨٠): (لا يُحكَم للأغرب من

стр. 189

كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان على أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب .. ، وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تُصرَف معانيها إلى العموم، حتى يأتي مُتَأَول ببرهان بَيِّنٍ أنه أُريد بها الخصوص؛ لأن الله تعالى يقول ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، فأَثْبَتُهُ عند العلماء أعَمُّه وأشَدُّه استفاضة عند العرب، فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه) (١). * * * [٢٧] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَ ا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤]. عن ابن عباس ﵁ قال: قوله ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة ٦٤]، ليس يعنون بذلك أن يَدَ اللهِ مُوثقَة، ولكنهم يقولون إنه بخيلٌ أمسكَ ما عنده، تعالى اللهُ عما يقولون علوًا كبيرًا) (٢).

стр. 190

* تحليل الاستدراك: نفى ابن عباس ﵁ في هذه الآية المعنى الحِسِّي لكلمة الغِلّ، وهو: الوِثاق، وهو ما يتبادر إلى الذهن عند اقتران هذه الكلمة بذكر اليد؛ ولِذا بدأ ابن عباس ﵁ بنفيه، ثُمَّ أثبت معنىً آخر لهذه اللفظة في هذه الآية، وهو أنَّ اليهود أرادوا بذلك: أنَّ الله بخيل، أمْسَك خيره عنهم. وهذا المعنى مأخوذٌ من سبب الآية، وسياقها، وعادة العرب في مثل هذا الأسلوب، وعادة اليهود في وصف الله ﵎ بمثل هذه النقائص. فأمَّا سبب الآية فقد ورد عن ابن عباس ﵁، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧): (أن الله كان قد بسط على اليهود، حتى كانوا من أكثر الناس مالًا، وأخصَبَهم ناحيةً، فلمَّا عصوا الله في محمد ﷺ ، وكَذَّبوا به، كفَّ الله عنهم ما بسط عليهم من السَّعَة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازورا: يد الله مغلولة. لم يُريدوا إلى عنقه، ولكنهم أرادوا أنها مقبوضة، بمعنى ممسكة عن الرزق، فنسبوه إلى البخل) (١)، وعن الكلبي (ت: ١٤٦) ومقاتل (ت: ١٥٠) قالا: (كانوا من أخصب الناس، وأكثرهم خيرًا، فلمَّا عصوا وبَدَّلوا نعمة الله كفرًا؛ كَفَّ الله عنهم بعض الذي كان بسط لهم؛ فعند ذلك قالت يهود: كفَّ الله يده عنَّا، فهي مغلولة، أي: لا يبسطها علينا) (٢). وأمَّا السياق ففيه دلالة على أن مُرادهم البخل وعدم الإنفاق، وذلك في رَدِّ الله تعالى عليهم، وإبطاله دعواهم بقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٦٤]، فأثبَتَ نقيض دعواهم، وأنَّ يداه تعالى مبسوطتان بالعطاء والنفقة، لا يُنقِصهما شيء،

стр. 191

وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يمين الله ملأى لا يَغِيضُها نفقةٌ، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق مُنذ خلق السماوات والأرض؛ فإنه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القَبضُ، يرفع ويخفض) (١). وأمَّا إطلاق الغلِّ على اليد، وإرادة البخل به؛ فأسلوب عربي معروف نزل به القرآن، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩]، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وإنما وصف تعالى ذكره اليدَ بذلك، والمعنى: العطاء؛ لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضًا إذا وصفوه بجود وكرم، أو ببخل وشُحٍّ وضيق، بإضافة ما كان من ذلك من صفة الموصوف إلى يديه، كما قال الأعشى (٢) في مدح رجل: يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ … وَكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بالزَّادِ تُنْفِقُ فأضاف ما كان صفةَ صاحب اليد من إنفاق وإفادة إلى اليد، ومثل ذلك من كلام العرب في أشعارها وأمثالها أكثر من أن يحصى، فخاطبهم الله بما يتعارفونه ويتحاورونه بينهم في كلامهم) (٣)، والعرب تقول في مقابل ذلك للبخيل: جَعدُ الأنامل، ومقبوض الكَفِّ، ومغلول اليد، ومنه قول الشاعر (٤): كَانَتْ خُرَاسَانُ أرْضًا إذْ يَزِيدُ بِهَا … وَكُلُّ بَابٍ من الخَيْرَات مفْتُوحُ فَاسْتَبْدَلَتْ بَعدَه جَعْدًا أَنَامِلُه … كأنَّمَا وَجْهُه بالخَلِّ مَنْضُوحُ

стр. 192

كما أنَّ من عادة اليهود- أخزاهم الله- وصف الله تعالى بكلِّ نقيصة، ممَّا يتنَزه عنه آحاد البشر، ونظير هذا قولهم فيما حكاه الله عنهم ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، وقد ورد أن قائل هذا من اليهود: فنحاص اليهودي- لعنه الله-، وهو قائل نفس العبارة السابقة في هذه الآيات كما سبق في سبب النُّزول. (١) * الحكم على الاستدراك: تكاد تَتَّفق كلمة أهل التفسير على قول ابن عباس ﵁ في معنى هذه الآية، ولم أقف على من فسَّرَ الغِلَّ في هذه الآية بالوِثاق في اليد، على ما نفاه ابن عباس ﵁، وإنما ورد عن الحسن (ت: ١١٠) قوله: (معناه: يد الله مكفوفة عن عذابنا، فليس يعذبنا إلا بما تبرّ به قسمه، قدر ما عبد آباؤنا العجل) (٢)، قال البغوي (ت: ٥١٦) بعد ذكره لقول الحسن: (والأوَّل أولى- أي: قول ابن عباس-؛ لقوله ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٦٤]) (٣)، ومراده أن قول الحسن بعيد عن سياق الآية، كما سبق بيانه. فقول ابن عباس ﵁ في هذه الآية هو الصواب، وعليه جماهير المفسرين واللغويين، ومنهم: مجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والثوري (ت: ١٦١) (٤)، ومن أهل اللغة أبو عبيدة (ت: ٢٠٩)، والأخفش الأوسط (٥)

стр. 193

(ت: ٢١٥)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، والزجاج (ت: ٣١١)، والنحاس (ت: ٣٣٨) (١). واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، ونسبه للمفسرين، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (٢) ومن مسائل هذا الاستدراك: أنه قد يقع الاستدراك على قولٍ لم يُقَلْ، أو قيل ولم يشتهر؛ لغرض سَدِّ باب التأويل به، ولتأكيد القول المقابل، كما هو في هذا الاستدراك. * * * [٢٨] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [ال تحريم ١٠]. عن سليمان بن قَتَّةَ (٣) قال: سمعت ابن عباس يُسأل وهو إلى جنب الكعبة عن قوله تعالى ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠]؟ قال: (أما إنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تَدُلُّ على الأضياف، ثم قرأ ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ

стр. 194

غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (١) [هود ٤٦]) (٢). * تحليل الاستدراك: نفى ابن عباس ﵁ أن يكون معنى الخيانة في هذه الآية: الزنا، وهو ما يسبق إلى الذهن خاصة في سياق ذكر الزوجات. وهو معنى وارد لُغةً؛ إذ مرد الخيانة إلى: خَوَنَ، وهو أصلٌ في التَّنَقُّص، قال لبيد (٣): تَخَوَّنَها نُزُولي وارتِحالي ومنه نقص الوفاء (٤)، (ومُخالفة الحق بنقض العهد سِرًّا) (٥)، ويعضد هذا الفهم في الآية قوله تعالى لنبيه نوح ﵇ عن ابنه ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦]. ثم ذكر ابن عباس ﵁ أن المُراد بالخيانة هنا: خيانة الدين؛ بمخالفته، أو النفاق فيه، وهو ما ورد صريحًا عنه ﵁ في قوله: (كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما) (٦)، ولا شك في صحة هذا المعنى لغةً، قال عكرمة (ت: ١٠٥): (والخيانة

стр. 195

تكون على غير باب) (١)، كما أن خيانة الدين على هذا المعنى واردةٌ في القرآن في غيرما شاهد، منها قوله تعالى ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، وقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال ٢٧]. (٢) * الحكم على الاستدراك: رُوي القول بأن الخيانة في هذه الآية خيانة عِرْضٍ عن عبيد بن عمير (٣) (ت: ٦٨)، والشعبي (ت: ١٠٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، وابن سيرين (ت: ١١٠)، وأبو جعفر الباقر (٤) (ت: ١١٤)، وابن جريج (ت: ١٥٠) (٥)، واستدلوا لقولهم بما يأتي: أولًا: قوله تعالى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]، فهذا ظاهر في أنه ليس من أهل نوح ﵇، فهو إذًا ليس ابنَه.

стр. 196

ثانيًا: قوله تعالى ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦]، أي أن الذي ذكرت أنه ابنك، فسألتني أن أنجيَه عملٌ غيرُ صالحٍ، لأنه لغير رِشدَة - أي: ابن زنا-، فالهاء في قوله ﴿إِنَّهُ﴾ عائدة على الابن. (١) ثالثًا: قوله تعالى ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود ٤٦]، أي أن نوحًا ﵇ لم يكن يعلم أنه ليس منه، حتى أخبره الله تعالى. رابعًا: قوله تعالى ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥]، فلم يقل مِنَّي، ويعضده قراءة علي وعروة بن الزبير (٢) (ت: ٩٤): ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود ٤٢]، أو ﴿ابْنَهُ﴾ [هود ٤٢] بفتح الهاء من غير إشباع، بمعنى: ابنها. (٣) خامسًا: أنه المفهوم من قوله تعالى ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] عند الإطلاق. سادسًا: أن جريمة الزنا ليست بأعظم من جريمة الشرك بالله تعالى، وقد كانتا مُشركتين بالله، كما أخبرنا تعالى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ﴾ [التحريم ١٠]، وليس يمتنع اجتماع هاتين الجريمتين، وهو قول الحسن فيما ذكره عنه النَّقَّاش (٤) (ت: ٣٥١)، قال: (خانتاهما بالكفر والزنا وغيره) (٥). (٦)

стр. 197

وذهب جمهور المفسرين (١) - بل حُكِيَ فيه إجماعهم (٢) -، إلى أن الخيانة هنا ليست خيانة عِرض، ثم تفاوتت أقوالهم في تحديدها: - فقيل المراد هنا: خيانة الدين، وهو قول ابن عباس ﵁، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والسدي (ت: ١٢٨) (٣)، ثم فسر ابن عباس ﵁ ذلك بقوله: (كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تَدُلُّ على الأضياف). - وقيل خيانتهما: نفاقهما، قاله الكلبي (ت: ١٤٦) (٤)، وهو عائد إلى خيانة الدين. (٥) - وقيل خيانتهما: نَميمتُهُمَا، قاله الضحاك (ت: ١٠٥) (٦)، وهو عائد إلى خيانة الدين، وتفسير لقوله هناك. واستدلَّ أصحاب هذا القول بأمور، منها: أولًا: أن هذا المعنى واردٌ في القرآن في غيرما آية كما سبق. ثانيًا: أن قوله تعالى ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود ٤٢]، يدلُّ عليه، قال سعيد بن

стр. 198

جبير (ت: ٩٥) لمَّا سأله رجل: أرأيتك ابنَ نوح، ابنُهُ؟ فسبح طويلًا ثم قال: (لا إله إلا الله، يُحَدِّث الله محمدًا ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود ٤٢] وتقول ليس منه! ولكن خالفه في العمل، فليس منه من لم يؤمن) (١)، وورد نحوه عن الضحاك (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥) (٢). ثالثًا: ويدل عليه كذلك دعاء نوح لربه تعالى ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥]، قال قتادة (ت: ١١٧): (سألت الحسن عنه- أي: ابن نوح-، فقال: نادى نوحٌ ابنه! لعمر الله ما هو ابنه، قال: فقلت إن الله أخبر عن نوح أنه قال ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥]، فقال: لم يقل مِنَّي، فقلت له: يا أبا سعيد يقول ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود ٤٢] وتقول: ليس بابنه؟! قال: أفرأيت قوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]؟ قال: قلت: ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم معك، ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه (٣). قال: إن أهل الكتاب يكذبون) (٤). رابعًا: أن مقام النبوة يقتضي ذلك، وقد عصم الله أنبياءه من طَعْنٍ في أعراضهم، قال ابن عباس ﵁: (ما بَغَتْ امرأة نبي قَطّ) (٥)، وقد صحَّ مثل ذلك عن ابن جبير (ت: ٩٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥) (٦)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه؛ فإن الله سبحانه أغير من أن

стр. 199

يُمَكِّن امرأة نبيٍّ من الفاحشة؛ ولهذا غضب الله على الذين رموا أمَّ المؤمنين عائشة بنت الصدِّيق زوجَ النبي ﷺ ، وأنكر على المؤمنين الذين تكَلَّموا بهذا وأشاعوه؛ ولهذا قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور ١١]، إلى قوله ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥]) (١)، وقال: (وليس المُراد بقوله ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] في فاحشة، بل في الدين؛ فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة؛ لحُرمَة الأنبياء، كما قَدَّمنا في سورة النور) (٢)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، إذ نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع، وهُنَّ الكتابيَّات، وأما نكاح البَغِيّ فهو دياثة، وقد صان الله النبي عن أن يكون ديُّوثًا؛ ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغيّ حتى تتوب) (٣). ثم أجاب جمهور المفسرين عمَّا استدل به أصحاب القول الأول بما يأتي: أولًا: استدلالهم بقوله تعالى ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود ٤٦]، لا حجة فيه، إذ المعنى: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجِيَهم؛ لأنه ليس على دينك. قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أُنجيَهم؛ لأنه كان لدينك مُخالفًا، وبي كافرًا) (٤)، وهذا على عادة العرب

стр. 200

في حَذف ما عُلمَ من الكلام لدلالة ما ذُكِرَ عليه، فالمُراد: ليس من أهل دينك، فحذف كلمة "دينك"، وهو نظير قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف ٨٢]. (١) ثانيًا: استدلالهم بقوله تعالى ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦]، وأن الهاء في قوله ﴿إِنَّهُ﴾ عائدة على الابن؛ لأنه من غير نكاح صحيح. غير مُسَلَّم؛ لأن السياق يدُلُّ بفاء الترتيب والتعقيب- التي تفيد ترتب ما بعدها على ما قبلها- في قوله تعالى ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود ٤٦]، على أن المُراد: إن سُؤالكَ إيايَ أن أنجيَ من كفر بي، ووالى أعدائي، بعد أن دعوتني أن لا أَذَرَ على الأرض منهم أحدًا، عملٌ غير صالح. وهو ما وقع عليه العتاب في هذه الآية، وليس يُعاتب الله تعالى أحدًا بأمر لا يعلمه، ولا سبب له فيه. ثم إن قراءة ابن عباس التي ساقها لتأكيد هذا المعنى ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦]، تؤكد ما ذُكرَ، وليس يخفى أنَّ من فوائد القراءات تبيين المعنى، وإزالة ما فيه من إشكال، قال الزجاج (ت: ٣١١): (والقراءة في هذا ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، و ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦]، وهما يرجعان إلى معنىً واحد، وذلك أن تأويل ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦]: أنه ذو عملٍ غير صالح، وكل من كفر فقد انقطع نسبه من أهله المؤمنين، لا يرثهم ولا يرثونه) (٢). ثالثًا: وأمَّا قولهم في قوله تعالى ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥]: ولم يقل: مِنِّي. واستشهادهم بقراءة: (ونادى نوحٌ ابنها) [هود ٤٢]، فأجاب عنه أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) بقوله: (ويمكن إن نُسِبَ إلى أمه، وأُضِيفَ إليها، ولم يُضَف إلى أبيه؛ لأنه كان كافرًا مثلها، يُلحَظُ فيه هذا المعنى، ولم يُضَف إليه استبعادًا له، ورعيًا ألاَّ يُضافَ إليه كافر، وإنما ناداه ظنًّا منه أنه مؤمن، ولولا ذلك ما أحب نجاته، أو ظنًّا منه أنه يؤمن إن كان كافرًا؛ لِمَا شاهد من

стр. 201

الأهوال العظيمة) (١). والقراءة المذكورة شاذَّة (٢)، وتوجيهها على ما سبق. رابعًا: وأما قوله تعالى ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود ٤٦]، فالمُراد به: لا تسألنِ ما ليس لك به علمٌ بجواز مسألته، وذلك أنه سألَ ربَّه نجاة ابنه مع كفره، ولم يسبق له أن علم المنع من ذلك، وقيل المُراد: سؤاله في إنجاء كافر- لم يعلم بكفره- من العذاب. (٣) خامسًا: وأما قولهم: إنه المفهوم من قوله تعالى ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] عند الإطلاق. فالخيانة تكون على غير باب كما سبق (٤)، وفي القرآن شواهد لذلك، كما أنه يمتنع إرادة المعنى المذكور لمُعارضته أصلًا شرعيًا مُعتَبرًا، دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وهو: أنَّ كُلَّ تفسير خالف القرآن، أو السنة، أو إجماع الأمة فهو رَدّ، كما أن كل تفسير يطعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة فهو ردٌّ كذلك. سادسًا: أما قولهم: إن جريمة الزنا ليست بأعظم من جريمة الشرك، وليس يمتنع اجتماع هاتين الجريمتين. فهو صحيح من وجه، ولكنه هنا مُنتَفٍ لتعلقه بجانب نبيٍّ معصوم في نفسه وعِرضه، كما أن هناك فرقًا بين كِلا الجريمتين، أبان عنه الزمخشري (ت: ٥٣٨) بقوله: (ولا يجوز أن يُراد بالخيانة الفجور؛ لأنه سمجٌ في الطباع، نقيصةٌ عند كل أحد، بخلاف الكفر فإن الكفار لا يستسمجونه، بل يستحسنونه، ويسمونه حَقًا) (٥). ومن ثَمَّ فإن القول الثاني هو الصواب في هذه الآية، وهو: أن الخيانة كانت في الدين، ولم تكن بالزنا. وهو ما ذكره ابن عباس ﵁، وجماهير المفسرين، وثبت

стр. 202

أيضًا بما سبق ضعف القول الأول وشذوذه، وقد جعله الكرماني (١) (ت: بعد الخمسمائة) من قسم العجيب في الآية (٢)، وهو ما فيه أدنى خلل ونظر (٣). ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: في قول قتادة (ت: ١١٧) للحسن (ت: ١١٠): (ولا يختلف أهل الكتاب أنه ابنه) في سياق استدلاله على صِحَّة قوله وترجيحه له، إشارةٌ إلى أن أقوال أهل الكتاب وأخبارهم تعتبر مُرَجِّحًا في التفسير، خاصَّةً ما اتفقوا عليه وثبت عنهم، وهو كذلك، وهذا من فقه السلف في الاستدلال، وقد ورد الترجيح بنحو ذلك عن عدد من مُفَسِّري السلف. (٤) ثانيًا: ظهور أثر مسألة عصمة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- في التفسير، فقد كانت من أسباب اختلاف المفسرين في كثير من المواضع المتعلقة بهذا الجانب، وهي راجعة إلى تأثر المفسر بمنهجه العقدي في تفسيره، وحمله معاني القرآن الكريم على ما لا يُخالف اعتقاده، فضلًا عمَّا يُبطله بوجه من الوجوه. (٥) * * *

стр. 203

[٢٩] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]. عن ابن عباس ﵁ قال: (ليس فيها بكرة ولا عشيّ، ولكن يؤتون على مقدار ذلك بالليل والنهار). وفي لفظ: (يؤتون به على تفاريق الليل والنهار) (١). * تحليل الاستدراك: البُكرة هي الغُدوَة أول النهار، والعَشيّ آخره (٢)، وقد نفى ابن عباس ﵁ أن يكون رزق أهل الجنة فيها وقتي البكور والعشيّ كما هما في الدنيا؛ لأنهما من أثر تحول الشمس ومسيرها من الشرق إلى الغرب، وقد أخبر الله تعالى أن أهل الجنة ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان ١٣]، فإذا زال السبب زال المُسَبَّب. ثم بَيّن ﵁ المُراد بالآية: أن أهل الجنة يأتيهم رزقهم فيها على تفاريق الأوقات، وفي أحايين متفاوتة، على قدر هذين الوقتين وما بينهما، كما كانوا يعهدونهما في الدنيا؛ لأنه لا ليل هناك ولا نهار. ونحو هذا الأسلوب في كتاب الله قوله تعالى ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ ١٢]، أي: قدر شهر. وقوله ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت ٩]، وقوله ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف ٥٤]، يعني به: من أيام الدنيا. (٣) * الحكم على الاستدراك: ما اختاره ابن عباس ﵁ في الآية معنىً صحيح؛ تجتمع به آيتا مريم والإنسان، وهو جارٍ على عادة القرآن في مخاطبة من نزل عليهم بما يعهدون

стр. 204

ويعرفون، ومن عُرفِ المُخاطب هنا أنهم كانوا يتنعمون بأرزاقهم في الدنيا في هذين الوقتين، بل يرون من علامات الخير والنعمة أن يصيب أحدهم الغداء والعشاء في يومٍ في هذين الوقتين، فعن يحيى بن أبي كثير (١) (ت: ١٣٢) قال: (كانت العرب في زمانهم من وجد منهم عشاءً وغداءً فذاك الناعم في أنفسهم، فأنزل الله ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]: قدر ما بين غدائكم في الدنيا، إلى عشائكم) (٢)، ونحوه عن الحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧) (٣)، وقال مجاهد (ت: ١٠٤): (ليس بكرة ولا عشيّ، ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا) (٤)، وقال الحسن (ت: ١١٠): (خوطبوا على ما كانت العرب تعلم من أفضل العيش؛ فوصف الله جنته بذلك) (٥). ثم إن (اليوم اللغوي وإن كان محدودًا بطلوع الشمس إلا أن له مقدارًا من امتداد الزمان معقولًا) (٦)، قال ابن قتيبة (ت: ٢٧٦): (ونحن لا نعرف دهرًا لا يختلف له وقت، ولا يُرى فيه ظلامٌ ولا شمس، فأراد الله جل وعز أن يُعَرِّفنا من حيث نفهم ونعلم أحوالَ الجنةِ في مأكلهم، واعتدال أوقات مطاعمهم، فضرب لنا البُكرةَ والعشيّ مثلًا، إذ كانا يدُلان على العشاء والغداء، وروى عبد الرزاق (٧)، عن معمر، عن قتادة أنه قال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء أعجبه ذلك، فأخبرهم الله ﵎ أن لهم في الجنة هذه الحال التي تعجبهم في الدنيا) (٨).

стр. 205

ثم إن مجيء رزق أهل الجنة على هذه الصفة هو أكمل الوجوه فيه، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وجعل ذلك عبارة عن أن رزقهم يأتي على أكمل وجوهه)، كما أن العرب تفضله كذلك، قال ابن قتيبة (ت: ٢٧٦): (فإن الناس يختلفون في مطاعمهم، فمنهم من يأكل الوجبة، ومنهم من عادته الغداء والعشاء، ومنهم من يزيد عليهما، ومنهم من يأكل متى وَجَد، لغير وقت ولا عدد. فأعدل هذه الأحوال للطاعم وأنفعها، وأبعدها من البَشَم والطَّوى على العموم: الغداء والعشاء، والعرب تكره الوجبة، وتستحب العشاء، وتقول: تَرْكُ العشاء مَهرَمة) (١). ثُمَّ إن من عادة القرآن تقريب نعيم الجنة للسامع بما يعرف ويعهد في الدنيا؛ ترغيبًا له وتشويقًا، في حين أن ما في الجنة لم يخطر على قلب بشر، كما قال ﷺ (٢). وقد ورد في السنة ما يشهد للمعنى الذي ذكره ابن عباس في بكور وعشي الجنة، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر) الحديث، وفي آخره: (قلوبهم قلبٌ واحد، يسبحون الله بكرةً وعشيًّا) (٣)، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (قوله: (يسبحون الله بكرةً وعشيًّا) أي: قدرهما) (٤)، وعن ابن عباس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (الشهداء على بارقِ نَهرٍ ببابِ الجنة، في قُبَّةٍ خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرةً وعشيًّا) (٥). واختار قولَ ابن عباس ﵁ في هذه الآية غيرَ من سبق: يحيى بن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، والفراء (ت: ٢٠٧)، والأخفش الأوسط (ت: ٢١٥)، وابنُ جرير

стр. 206

(ت: ٣١٠)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، ونسبه للمفسرين، والبغوي (ت: ٥١٦)، ونسبه لأهل التفسير، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (١) * * * [٣٠] ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣]. عن ابن عباس ﵁ قال: (ليس هو بالنكاح الحَلال، ولكن: الجماع، لا يزني بها حين يزني إلا زانٍ أو مشرك، وحُرِّمَ ذلك على المؤمنين، يعني: الزنا) (٢). * تحليل الاستدراك: فسَّر ابن عباس ﵁ النكاح في الآية بالوطء، وهو أحد معانيه لُغَةً (٣)، ويكفي في ثبوته تصريح ابن عباس ﵁ بهذا المعنى، ومنه قول الأعشى (٤):

стр. 207

ومَنْكُوحَةٍ غَيْر مَمْهورَة … وأُخرَى يُقَالُ لَهُ فَادِها وقال الفرزدق (١) (ت: ١١٠): وذاتُ حَليلٍ أنكحَتْنا رِمَاحُنَا … حلالًا لِمَنْ يبنِي بها لَمْ تُطَلَّقِ وقد جاء النكاح بمعنى الوطء في كتاب الله تعالى في قوله ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىَ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة ٢٣٠]، كمَا قَوَّى هذا المعنى عنده ﵁ قوله تعالى في آخر الآية ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣]، أي: الزنا. وأيضًا فإن السياق في بيان عقوبة الزنا وشناعته، فكانت هذه الآية مُنَفِّرةً منه، ومُبيِّنَةً لقبح حال فاعله؛ لأنه لا يُطاوع الزاني إلا فاجرةٌ من النساء، أو كافرةٌ لا ترى حُرْمَته، وقد أفاد هذا المعنى أن الرجل والمرأة سواء في اسم الزنا وحكمه، فإذا كان الرجل زانيًا فالمرأة مثله إذا طاوعته، وإذا زنت المرأة فالرجل مثلها زانٍ، وإن اختلفا في الدين، ويفيد ذلك مُساواتهما في الحدِّ- إن كانا مُسلمين-، وعقاب الآخرة، وقطع الموالاة، وما إلى ذلك. (٢)

стр. 208

ونفى ابن عباس ﵁ أن يكون المُراد بالنكاح في هذه الآية الزواج، والمعنى عند من فسره بعقد الزواج: أن الزاني لا ينكح إلا زانية حقيقةً أو حُكمًا باعتبار ما تؤول إليه من وجوه كثيرة، ومن عقد على زانية فهو إمَّا زانٍ، إن اعتقد حرمة الزنا، أو مشرك، إن اعتقد إباحته، وهي من كلا الوجهين لتحريم نكاح البغايا، والعكس كذلك. ومن ذهب إلى ذلك اعتمد سببَ نزول الآية وهو: أن مرثد بن أبي مرثد (١) كان رجلًا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغي بمكة، يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وإنه كان وعد رجلًا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إليَّ عَرَفته، فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد. فقالت: مرحبًا وأهلًا، هلُمَّ فَبِتْ عندنا الليلة. قال: قلت يا عناق حرم الله الزنا. قالت: يا أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسراكم. قال: فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة، فانتهيت إلى كهف أو غار، فدخلت فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا فظل بولهم على رأسي، وأعماهم الله عني، قال: ثم رجعوا، ورجعت إلى صاحبي، فحملته، وكان رجلًا ثقيلًا، حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه كُبُلَه، فجعلت أحمله ويعييني، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أَنكِحُ عَنَاقًا؟ فأمسك رسول الله ﷺ ، فلم يردَّ علي شيئًا، حتى نزلت ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣]، فقال رسول الله ﷺ : (يا مرثد ﴿الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور ٣]؛ فلا تنكحها) (٢)، ويُقَوِّي هذا المعنى أنه

стр. 209

هو المُتبادر من كلمة النكاح، كما أنه المعنى الأكثر ورودًا لهذه اللفظة في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء ٢٥]، وقوله ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور ٣٢]. * الحكم على الاستدراك: لم يسلم كلا القولين في هذه الآية من الاعتراضات، فمِمَّا وُجِّهَ إلى من قال أن المُراد بالنكاح الوطء ما يأتي (١): أولًا: ليس في القرآن لفظ نكاح إلا ولا بُدَّ أن يُراد به العقد، وإن دَخل فيه الوطء أيضًا، فأمَّا أن يُراد به مجرد الوطء فهذا لا يوجد في كتاب الله قط. وقد سبق الجواب عن هذا بثبوته في لسان العرب، وعن ابن عباس ﵁. ثانيًا: أن سبب نزول الآية صحيح صريح في أنها نزلت في استفتاء النبي ﷺ في التزوج بزانية، وقد اتفق العلماء على أن سبب النْزول داخل في الآية دخولًا قطعيًا (٢)، فكيف يكون سبب النُّزول خارجًا من اللفظ؟!. ثالثًا: أنه ينبغي أن يُصان كلام الله تعالى عن مثل هذا القول؛ فإن معناه: الزاني لا يطأُ إلا زانية، والزانية لا يطؤها إلا زانٍ. وهذا مُفسِدٌ للمعنى؛ وأيُ فائدةٍ في الإخبار بذلك؟! وجوابه قد سبق بذكر معنى هذا القول وفوائده. رابعًا: أن الواقع بخلافه، إذ قد يستَكره الزاني امرأةً فيطؤها فيكون زانيًا ولا تكون زانية، وكذا العكس. وجوابه أنها داخلة في اسم الفعل، لا في حكمه وما يترتب عليه؛ لمانع الإكراه.

стр. 210

خامسًا: أنه لو أُريد بالآية الوطء لم يكن حاجة إلى ذكر المشرك في الآية؛ فإنه زانٍ، وكذلك المُشركة إذا زنى بِها رجلٌ فهي زانية، فلا حاجة إلى التقسيم. والجواب أنه لا يلزم من الإشراك الزنا، وقد ذُكِرَ أن ذلك جاء في سياق التشنيع على هذا الفعل، وبيان أنه من دين أهل الشرك. سادسًا: أنه لا حاجة لذكر تحريم الزنا في الآية؛ لأمرين: أولهما: أنه قد قال قبل ذلك ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ١]، فأي حاجة إلى أن يذكر تحريم الزنا بعد ذلك؟. ثانيهما: أن تحريم الزنا كان بمكة، فهو سابقٌ لسورة النور المدنية (١). سابعًا: أنه إذا دار الكلام بين التأكيد والتأسيس فالتأسيس أولى، وبيان عقد النكاح على البغي في الآية أولى من تأكيد ما سبق في الآيات في شأن الزنا. ومن فَسَّرَ النكاح في هذه الآية بالوطء، اعترض على أصحاب القول الآخر بما يأتي (٢): أولًا: أن تفسير النكاح في الآية بالعقد يلزم منه صحة عقد المسلم على المشركة، وهو باطلٌ إجماعًا، ولو تأتَّى ذلك في المحصنة الكتابية فأنَّى له أن يتَأَتَّى في نكاح المشركِ المسلمةَ، ولو كانت زانية، قال تعالى ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة ٢٢١]، وقال أيضًا ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١]، وقال سبحانه ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة ١٠]، وقال ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة ١٠].

стр. 211

ثانيًا: أنه لو كان النكاح بمعنى التزويج لوجب حَدُّ المُتَزَوِّج بزانية؛ لأنه زانٍ، والزاني يجب حَدُّه، وقد أجمع العلماء على أن من تزوج زانيةً لا يُحَدُّ حَدَّ الزنا، ولو كان زانيًا لَحُدَّ حَدَّ الزنا. ثالثًا: أنه لو قيل ذلك لترتب عليه حصر زواج الزاني بزانيةٍ أو مشركة، فإن كان المُراد الخبر، فلا يصح حِسًّا، فإنا نرى الزاني ينكح عفيفة، والعكس كذلك، وإن كان المُراد النهي عمَّا عداه، فباطل من حيث الإجماع على جواز العقد على الزانية إذا استُبرِئَت، وصحة عكسه عند جماهير من أهلِ العلم. رابعًا: كما يترتب على هذا القول أن يكون زنا المرأة أو الرجل بعد زواجهما موجبًا للفرقة، ولا يقول بهذا أحد من أهل العلم. خامسًا: أن أكثر العلماء على صحة نكاح الزانية، وأنه لا يوجبُ تحريمها على الزوج، كما لا يوجب الفرقة بينهما. سادسًا: وبخصوص سبب النُّزول فإن آية النور هذه متأخرة عن آيتي البقرة والممتحنة السابقتين، في تحريم نكاح المشركات، فهو أمرٌ لا يخفى على صحابي يعلم حرمة الزنا، كما أنه لو كان سؤال الصحابي بخصوص نكاح المشركات لَما انتظر رسول الله ﷺ نزول الوحي في ذلك، فإنه مما سبق نزوله، وعُلِم حكمه. فسؤال مرثد ﵁ رسولَ الله ﷺ إنما كان عن وطء مشركة، لا عن زواجها؛ فإنه معلوم، ووطء المشركة المستحلَّةِ للزنا قد لا يكون حكمه ظاهرًا معلومًا لمرثد كعلمه بحرمة زواجها، فربما ظن فيه رخصةً، خاصةً مع تردده إلى مكة لفك الأسرى وحملهم، فربما كان في ذلك دفعٌ لشرها عنه إن هو عاد إلى مكة. وفي رواية سبب النُّزول أنها إنما دعته إلى وطئها لا إلى زواجها، والبَغِيُّ في الغالب مستغنيةٌ بسفاحها عن النكاح الصحيح، وهذه الألفاظ في سبب النُّزول تشير إلى ذلك: (بَغِيّ)، (صديقة له)، (هلُمَّ فَبِتْ عندنا الليلة)، (يا عناق حرم الله الزنا).

стр. 212

هذا مُجمَل أدلة كل فريق، وما اعترض به على الآخر، وأصحُّ ما اعتمد عليه من قال أن المراد الوطء: لفظ الشرك في الآية، كما أن أصحَّ ما اعتمد عليه من قال أن المراد العقد: سبب النُّزول. وممن فسر الآية بقول ابن عباس ﵁، أن المُراد هنا الوطء: عروة بن الزبير (ت: ٩٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، ومكحول (١) (ت: ١١٢)، ومقاتل بن حيّان (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، ويزيد بن هارون (٢) (ت: ٢٠٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وابن جزيّ (ت: ٧٤١)، وأبو حيّان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (٣) وممَّن فسرها بالتزويج: الزجاج (ت: ٣١١)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن القيم (ت: ٧٥١). (٤) وبعدُ، فهذه الآية من المواضع المُشكلة في القرآن (٥)، وقد كَثُرَ اختلاف العلماء

стр. 213

فيها، ومَنشأ الخلاف كما رأيتَ: الاشتراك اللفظي (١) في كلمة (النكاح)، فإنه يُطلق على الوطء، وعلى العقد، ولكُلِّ معنىً منهما وجهٌ قويٌ، وأدلَّةٌ ظاهرةٌ، وقال بِكُلٍّ أئِمَّةٌ كبارٌ، هم المَرجع في نحو هذا، والمُعَوَّلُ فيه. والقول الأول أقرب؛ فإنه ثابت عن ابن عباس ﵁، وعليه أكثر المفسرين من التابعين فمن بعدهم، لولا ما اعتُرِضَ به عليه من سبب النُّزول، وقد أُجيبَ عنه بما سبق، ويترجح أحد معنيي المشترك إن كان هو الأصل لغةً، وقد سبق أن الأصل في كلمة "النكاح": الوطء. وبعض المفسرين لا يستبعد القول بصحة حمل الآية على كلا المعنيين السابقين، لأمور منها: أوَّلًا: صحةُ حملِ المُشتَرَك على معنييه؛ فإنه لا يخفى شيء من معاني هذه اللفظة على المتكلم بها سبحانه (٢)، وقد جَوَّزَ ذلك أكثر الفقهاء المالكية، والشافعية، والحنبلية، وكثير من أهل الكلام، وهو أصحُّ القولين عند الأصوليين (٣)، وقُيِّدَ ذلك بتجرُّده عن قرينة تصرفه لأحد معانيه، وعدم المانع من ذلك، كتضادّ المعنيين. (٤)

стр. 214

ثانيًا: أنه لا يلزم من اختيار قول إبطال الآخر- عند عدم التضاد-، ولا ينبغي ذلك، خاصَّةً عند الاشتراك في اللفظ، ما لم يَبطُل القولُ الآخر بوجهٍ صحيح مستقِلٍّ. ثالثًا: في الأخذ بكِلا المعنيين الصحيحين للمُشترك اللفظي تكثير للمعاني، وتقليل للخلاف، وهذا أولى بكتاب الله تعالى. قال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (ولا أعلم مخرجًا واضحًا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعضِ تعسُّف، وهو أن أصحّ الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس ابن تيمية- ﵀ في رسالته في علوم القرآن، وعزاه لأجلاّء علماء المذاهب الأربعة، هو: جواز حمل المشترك على معنييه، أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد. وتعني بذلك أنهم عَوَّروا عينه الباصرة، وغَوَّروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضته. وإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافًا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقًا، وإذا جاز حمل المشترك على معنييه، فيُحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معًا، ويكون ذكر المُشركة والمُشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع التعسُّف الذي أشرنا له، والعلم عند الله تعالى) (١). وقد أجاد ابن عاشور (ت: ١٣٩٣) في بيان أثر المُشترك اللفظي في التفسير في آخر المقدمة التاسعة لتفسيره فقال: (وعلى هذا القانون- الأخذ بمعنيي المشترك- يكون طريق الجمع بين المعاني التي يذكرها المفسرون، أو ترجيح بعضها على بعض، وقد كان المفسرون غافلين عن تأصيل هذا الأصل، فلذلك كان الذي يُرَجِّح معنىً من المعاني التي يحتملها لفظ آية من القرآن، يجعل غير ذلك المعنى مُلغى، ونحن لا نتابعهم على ذلك، بل نرى المعاني المُتَعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن

стр. 215

مهيع الكلام العربي البليغ؛ معاني في تفسير الآية. فنحن في تفسيرنا هذا إذا ذكرنا معنيين فصاعدًا، فذلك على هذا القانون، وإذا تركنا معنىً مما حمل بعض المفسرين عليه في آيات من القرآن؛ فليس تركنا إيّاه دالًا على إبطاله، ولكن قد يكون ذلك لترجُّح غيره، وقد يكون اكتفاءً بذكره في تفاسير أخرى؛ تَجنُّبًا للإطالة) (١). وقد أحسن ﵀ في تطبيق ما ذكر في مواضع من تفسيره. * * * [٣١] ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٦٠]. قال ابن عباس ﵁: (هي رؤيا عينٍ، أُريهَا رسول الله ﷺ ليلةَ أُسرِيَ به إلى بيتِ المقدس، وليست برؤيا منام) (٢). * تحليل الاستدراك: حَدَّدَ ابن عباس ﵁ معنى "الرؤيا" الواردة في الآية بأنَّها: رؤيا عينٍ أُريهَا رسولُ الله ﷺ ليلةَ أُسرِيَ به إلى بيتِ المقدس. وأكَّدَ ذلك بإضافة الرؤيا إلى العين؛ احترازًا من رؤيا القلب (٣)، وأكد كُلَّ ذلك بقوله: (وليست برؤيا منام). واعتمد في بيانه ذلك على أن كلمة "الرؤيا" تُطلَق على رؤية العين، كما تُطلَق على رؤيا المنام، إذ أن أصْلهُما واحد، ومن شواهد ذلك قول الشاعر (٤):
следующие страницы →