← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ثانيًا: أنه لو كان النكاح بمعنى التزويج لوجب حَدُّ المُتَزَوِّج بزانية؛ لأنه زانٍ، والزاني يجب حَدُّه، وقد أجمع العلماء على أن من تزوج زانيةً لا يُحَدُّ حَدَّ الزنا، ولو كان زانيًا لَحُدَّ حَدَّ الزنا. ثالثًا: أنه لو قيل ذلك لترتب عليه حصر زواج الزاني بزانيةٍ أو مشركة، فإن كان المُراد الخبر، فلا يصح حِسًّا، فإنا نرى الزاني ينكح عفيفة، والعكس كذلك، وإن كان المُراد النهي عمَّا عداه، فباطل من حيث الإجماع على جواز العقد على الزانية إذا استُبرِئَت، وصحة عكسه عند جماهير من أهلِ العلم. رابعًا: كما يترتب على هذا القول أن يكون زنا المرأة أو الرجل بعد زواجهما موجبًا للفرقة، ولا يقول بهذا أحد من أهل العلم. خامسًا: أن أكثر العلماء على صحة نكاح الزانية، وأنه لا يوجبُ تحريمها على الزوج، كما لا يوجب الفرقة بينهما. سادسًا: وبخصوص سبب النُّزول فإن آية النور هذه متأخرة عن آيتي البقرة والممتحنة السابقتين، في تحريم نكاح المشركات، فهو أمرٌ لا يخفى على صحابي يعلم حرمة الزنا، كما أنه لو كان سؤال الصحابي بخصوص نكاح المشركات لَما انتظر رسول الله ﷺ نزول الوحي في ذلك، فإنه مما سبق نزوله، وعُلِم حكمه. فسؤال مرثد ﵁ رسولَ الله ﷺ إنما كان عن وطء مشركة، لا عن زواجها؛ فإنه معلوم، ووطء المشركة المستحلَّةِ للزنا قد لا يكون حكمه ظاهرًا معلومًا لمرثد كعلمه بحرمة زواجها، فربما ظن فيه رخصةً، خاصةً مع تردده إلى مكة لفك الأسرى وحملهم، فربما كان في ذلك دفعٌ لشرها عنه إن هو عاد إلى مكة. وفي رواية سبب النُّزول أنها إنما دعته إلى وطئها لا إلى زواجها، والبَغِيُّ في الغالب مستغنيةٌ بسفاحها عن النكاح الصحيح، وهذه الألفاظ في سبب النُّزول تشير إلى ذلك: (بَغِيّ)، (صديقة له)، (هلُمَّ فَبِتْ عندنا الليلة)، (يا عناق حرم الله الزنا).

стр. 212

هذا مُجمَل أدلة كل فريق، وما اعترض به على الآخر، وأصحُّ ما اعتمد عليه من قال أن المراد الوطء: لفظ الشرك في الآية، كما أن أصحَّ ما اعتمد عليه من قال أن المراد العقد: سبب النُّزول. وممن فسر الآية بقول ابن عباس ﵁، أن المُراد هنا الوطء: عروة بن الزبير (ت: ٩٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، ومكحول (١) (ت: ١١٢)، ومقاتل بن حيّان (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، ويزيد بن هارون (٢) (ت: ٢٠٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وابن جزيّ (ت: ٧٤١)، وأبو حيّان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (٣) وممَّن فسرها بالتزويج: الزجاج (ت: ٣١١)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن القيم (ت: ٧٥١). (٤) وبعدُ، فهذه الآية من المواضع المُشكلة في القرآن (٥)، وقد كَثُرَ اختلاف العلماء

стр. 213

فيها، ومَنشأ الخلاف كما رأيتَ: الاشتراك اللفظي (١) في كلمة (النكاح)، فإنه يُطلق على الوطء، وعلى العقد، ولكُلِّ معنىً منهما وجهٌ قويٌ، وأدلَّةٌ ظاهرةٌ، وقال بِكُلٍّ أئِمَّةٌ كبارٌ، هم المَرجع في نحو هذا، والمُعَوَّلُ فيه. والقول الأول أقرب؛ فإنه ثابت عن ابن عباس ﵁، وعليه أكثر المفسرين من التابعين فمن بعدهم، لولا ما اعتُرِضَ به عليه من سبب النُّزول، وقد أُجيبَ عنه بما سبق، ويترجح أحد معنيي المشترك إن كان هو الأصل لغةً، وقد سبق أن الأصل في كلمة "النكاح": الوطء. وبعض المفسرين لا يستبعد القول بصحة حمل الآية على كلا المعنيين السابقين، لأمور منها: أوَّلًا: صحةُ حملِ المُشتَرَك على معنييه؛ فإنه لا يخفى شيء من معاني هذه اللفظة على المتكلم بها سبحانه (٢)، وقد جَوَّزَ ذلك أكثر الفقهاء المالكية، والشافعية، والحنبلية، وكثير من أهل الكلام، وهو أصحُّ القولين عند الأصوليين (٣)، وقُيِّدَ ذلك بتجرُّده عن قرينة تصرفه لأحد معانيه، وعدم المانع من ذلك، كتضادّ المعنيين. (٤)

стр. 214

ثانيًا: أنه لا يلزم من اختيار قول إبطال الآخر- عند عدم التضاد-، ولا ينبغي ذلك، خاصَّةً عند الاشتراك في اللفظ، ما لم يَبطُل القولُ الآخر بوجهٍ صحيح مستقِلٍّ. ثالثًا: في الأخذ بكِلا المعنيين الصحيحين للمُشترك اللفظي تكثير للمعاني، وتقليل للخلاف، وهذا أولى بكتاب الله تعالى. قال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (ولا أعلم مخرجًا واضحًا من الإشكال في هذه الآية إلا مع بعضِ تعسُّف، وهو أن أصحّ الأقوال عند الأصوليين كما حرره أبو العباس ابن تيمية- ﵀ في رسالته في علوم القرآن، وعزاه لأجلاّء علماء المذاهب الأربعة، هو: جواز حمل المشترك على معنييه، أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد. وتعني بذلك أنهم عَوَّروا عينه الباصرة، وغَوَّروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضته. وإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج، خلافًا لمن زعم أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقًا، وإذا جاز حمل المشترك على معنييه، فيُحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معًا، ويكون ذكر المُشركة والمُشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع التعسُّف الذي أشرنا له، والعلم عند الله تعالى) (١). وقد أجاد ابن عاشور (ت: ١٣٩٣) في بيان أثر المُشترك اللفظي في التفسير في آخر المقدمة التاسعة لتفسيره فقال: (وعلى هذا القانون- الأخذ بمعنيي المشترك- يكون طريق الجمع بين المعاني التي يذكرها المفسرون، أو ترجيح بعضها على بعض، وقد كان المفسرون غافلين عن تأصيل هذا الأصل، فلذلك كان الذي يُرَجِّح معنىً من المعاني التي يحتملها لفظ آية من القرآن، يجعل غير ذلك المعنى مُلغى، ونحن لا نتابعهم على ذلك، بل نرى المعاني المُتَعددة التي يحتملها اللفظ بدون خروج عن

стр. 215

مهيع الكلام العربي البليغ؛ معاني في تفسير الآية. فنحن في تفسيرنا هذا إذا ذكرنا معنيين فصاعدًا، فذلك على هذا القانون، وإذا تركنا معنىً مما حمل بعض المفسرين عليه في آيات من القرآن؛ فليس تركنا إيّاه دالًا على إبطاله، ولكن قد يكون ذلك لترجُّح غيره، وقد يكون اكتفاءً بذكره في تفاسير أخرى؛ تَجنُّبًا للإطالة) (١). وقد أحسن ﵀ في تطبيق ما ذكر في مواضع من تفسيره. * * * [٣١] ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٦٠]. قال ابن عباس ﵁: (هي رؤيا عينٍ، أُريهَا رسول الله ﷺ ليلةَ أُسرِيَ به إلى بيتِ المقدس، وليست برؤيا منام) (٢). * تحليل الاستدراك: حَدَّدَ ابن عباس ﵁ معنى "الرؤيا" الواردة في الآية بأنَّها: رؤيا عينٍ أُريهَا رسولُ الله ﷺ ليلةَ أُسرِيَ به إلى بيتِ المقدس. وأكَّدَ ذلك بإضافة الرؤيا إلى العين؛ احترازًا من رؤيا القلب (٣)، وأكد كُلَّ ذلك بقوله: (وليست برؤيا منام). واعتمد في بيانه ذلك على أن كلمة "الرؤيا" تُطلَق على رؤية العين، كما تُطلَق على رؤيا المنام، إذ أن أصْلهُما واحد، ومن شواهد ذلك قول الشاعر (٤):

стр. 216

وكَبَّرَ للرُّؤيا وهَشَّ فؤادُهُ … وبَشَّرَ قَلبًا كَانَ جَمًّا بَلابِلُه وقال الآخر (١): ورُؤياكَ أحْلَى في العُيُون مِنَ الغَمْضِ قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧): (قال ابن الأنباري: لا فرق بين أن يقول القائل: رأيت فلانًا رؤية، ورأيته رؤيا، إلا أن الرؤية يَقلُّ استعمالها في المنام، والرؤيا يكثر استعمالها في المنام، ويجوز كل واحد منهما في المعنيين) (٢)، وقال السمعاني (ت: ٤٨٩): (ذِكرُ الرؤيا بمعنى الرؤية هاهنا يجوز؛ لأنهُما أُخِذا من معنىً واحد) (٣). ومن قال أن "الرؤيا" في الآية هي رؤيا منام، اعتمد على أنه الأكثر في استعمال هذه الكلمة، كما أن الإسراء بالنبي ﷺ كان منامًا في رأيهم. * الحكم على الاستدراك: القول في هذه الآية مبنيٌّ على القول في إسراء النبي ﷺ كيف كان؟ فجمهور السلف والخلف، من الفقهاء والمحدثين، على أنه أُسريَ بجسده وروحه ﷺ ، يقظةً لا منامًا (٤). ويُنسَبُ إلى أم المؤمنين عائشة، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃، أنه أُسريَ به ﷺ منامًا، وأنَّ الرؤيا الواردة في الآية رؤيا منام (٥). واستُدِلَّ

стр. 217

لذلك بلفظ "الرؤيا" الوارد في الآية؛ إذ أكثر استعماله في المنام، وكذا حديث شَريك بن عبد الله (١)، عن أنسٍ ﵁ قال: (ليلةَ أسرِيَ برسول ﷺ من مسجد الكعبة، جاءه ثلاثة نفر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام)، وقال في آخره: (واستيقظ وهو في مسجد الحرام) (٢)، وأُجيب عن حديث شريك هذا بأنه مما أخطَأَ فيه، وخالف فيه الثقاتَ الحفاظَ من أصحابِ أنسٍ ﵁ (٣)، أو يُفَسَّر ما جاء في روايته بما في الروايات الأخرى في الصحيح (٤): (مُضطَجِعًا)، و (بين النائم واليقظان)، فهو في هيئة النائم، أو في أوائله؛ وأُطلِق عليه تغليبًا، وأصرح منهما رواية أبي سعيد مرفوعًا: (بينا أنا نائم عشاءً في المسجد الحرام، إذ أتاني آتٍ فأيقظني، فاستيقظت فلم أرَ شيئًا، ثم عدت في النوم، فأيقظني كذلك أربع مرات، قال: فإذا أنا بكهيئة خيال، فاتبعته حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة يُقال لها البراق، فركبته .. ) (٥). ويُحمَلُ الاستيقاظ في آخر الحديث على: الإفاقة ممَّا كان فيه من شُغلِ بال، والانتقال من حال إلى حال (٦)، كما في قوله ﷺ في حديث دعوته أهلَ الطائف: (فانطلقت وأنا مهمومٌ، على

стр. 218

وَجهي، فلم أستَفِق إلا بقرن الثعالب (١) (٢). ومن فَسَّرَ "الرؤيا" في الآية بأنها رؤيا عين يَقَظةً، اعتمدوا ظاهر القرآن الكريم، نحو قوله تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء ١]، فهو ظاهر في إرادة روحه وبدنه، إذ لم يقل بروح عبده. ونحو قوله تعالى في وصف ما رآه رسوله ﷺ في تلك الليلة ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم ١٧ - ١٨]. واستدلوا كذلك بالأحاديث الصريحة الواردة في ذلك، وسبق ذكر بعضها، وفيها أنه ﷺ أُسريَ به على دابة يُقال لها البُراق، والدواب لا تحمل الأرواح، وإنما تحمل الأجسام. (٣) وضَعَّفوا قولَ من ذهب إلى أن "الرؤيا" في الآية رؤيا منام من جهة موضوع السورة العام؛ فهي سورة مكية (٤)، تحدثت عن آية الإسراء بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، وَسُمِّيَت بذلك، وقد وصف الله تعالى الرؤيا في الآية بأنها ﴿فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء ٦٠]، ولو كان الإسراء منامًا ما كان لأحد فتنة؛ فإن النائم ربما رأى ما هو أغرب وأعجب، ولَمَا اعترضت عليه قريش، ولا استنكرت ما رآه فيه رسول الله ﷺ ، ولَمَا كان سببًا في فتنة بعض من أسلم، كما قال قتادة (ت: ١١٧): (ذُكِرَ لنا أنَّ ناسًا ارتدوا بعد إسلامهم حين حدَّثَهم رسول الله ﷺ بمسيره، أنكروا ذلك، وكَذَّبوا له، وعجبوا منه، وقالوا: تُحَدثنا أنك سرت مسيرة شهرين في ليلة واحدة!!) (٥).

стр. 219

قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وقالت عائشة: الرؤيا في الإسراء رؤيا منام. وهذا قولٌ الجمهور على خلافه، وهذه الآية تقضي بفساده؛ وذلك أن رؤيا المنام لا فتنةَ فيها، وما كان أحدٌ ليُنكِرها) (١)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وهذه رؤيا الآيات؛ لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج فكان ذلك فتنةً لهم، حيث صدَّقَه قومٌ، وكذَّبَه قوم) (٢). وقول ابن عباس ﵁ في هذه الآية هو الصواب، وعليه جمهور المفسرين، بل قال عنه ابن جرير (ت: ٣١٠): (وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإيَّاه عنى الله بِها) (٣)، وقال بهذا المعنى: عائشة، ومعاوية ﵃ (٤)، ومسروق (ت: ٦٣)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٤)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وغيرهم (٥). واختاره مقاتل (ت: ١٥٠)، ويحيى بن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)،

стр. 220

وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، ونسبه للأكثرين، وأبو شامة (١) (ت: ٦٦٥)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، وابن حجر (ت: ٨٥٢). (٢) * * * [٣٢] ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين ٢٦]. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (أَمَا إنَّه ليس بالخَاتَم الذي يَختِم، أما سَمِعتُم المرأةَ من نسائِكُم تقول: طِيبُ كَذا وكَذا خِلطُه مسك؟ إنَّمَا هو: خِلطُه مسك، ليس بِخَاتَم يُخْتَتَم) (٣).

стр. 221

* تحليل الاستدراك: نفى ابنُ مسعود ﵁ أن يكون المُراد بالختام في قوله تعالى ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين ٢٦]، الخاتَمَ الذي يُختَم به، وهو: ما يُطبَعُ به من طِينٍ ونحوه؛ لحفظ الشيء، والاستيثاق منه (١). وأَكَّدَ ذلك بقوله: (ليس بخاتَمٍ يُختَتَم). وذلك من معاني الختم لُغةً، قال الأعشى (٢): وأَبْرَزَهَا وِعَلَيْهَا خَتَمْ وفي تفسيره بذلك بيانٌ لِكرامة أهل الجنة؛ بحفظ شرابهم وصِيانَته كذلك، وذلك لا من شيء يقع فيه أو يُفسِدُه؛ وإنما لِمَا جَرَت به عادتهم في الدنيا من خَتْمِ ما يُكرَم ويُصَان (٣)، فهو من عُرفِ المُخاطَب، (والطباع مائلةٌ إلى المعروف، نافرةٌ عن غير المعروف) (٤). كما أن المعهود من استعمال القرآن تقريبُ نعيمِ الجنَّةِ بما يعهدُه الناسُ في دنياهم، وهذا من ذلك (٥). قال الباقلاني (٦) (ت: ٤٠٣): (ولو كان الختام هو الختم والطابع لم يدل ذلك على القِلَّة، ولكن على التشريف لأولياء الله والكرامة؛ ولذلك يتَّخِذُ الملوك خزائن الشراب، ويضعون عليها الخواتيم والأقفال، ويغطون الآنية بفاخر الثياب، ويتهادون الأشربة مختومةً مضمونة، وإن أرسلوها مع أمنائهم

стр. 222

وأولادهم إلى أخص الناس بهم، مع أمانِ السُّم والإدغال ومزاج الشراب بما يُؤذي شاربه، وكل هذا على وجه التكرمة والإعظام) (١). ثُمَّ بَيَّن ابنُ مسعود ﵁ أن المُراد بالختام في الآية: الخِلط. ودَلَّلَ على ذلك بدليل قريب واضح، يعلمه السامع ويعيشه، فقال: (أما سَمِعتُم المرأةَ من نسائِكُم تقول: طِيبُ كَذا وكَذا خِلطُه مسك؟)، فاستعمال الناس في زمنه لهذه اللفظة في هذا المعنى، دليلٌ على صِحَّته في الآية، فهو استدلالٌ باللغة (٢). كما أن مجيء شراب أهل الجنة كذلك من تمام النعيم، وقد دَلَّ القرآن على أن شرابهم مُطَيَّب، قال تعالى ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان ٥ - ٦]، فمِنْ شرابهم ما يُمزَج بالكافور، ومنه ما يُمزَجُ بالمسك، وكُلُّهُ غايةٌ في النعيم. * الحكم على الاستدراك: أصلُ الخَتْمِ في اللغة: بلوغ آخرِ الشيء، وخِتامُ كُلِّ شيء آخِرَه (٣). ومَجيئُهُ بمعنى الطَّبع في كلام العرب، تابِعٌ للمعنى الأول؛ لأن الطبعَ على الشيء لا يكون إلا بَعدَ بلوغِ آخره (٤). وفي معناه في الآية ثلاثةُ أقوال: الأول: أن خَتْمَه الذي يُختَمُ به الإناءُ ويُحفَظُ به مسك. وهو قول مجاهد (ت: ١٠٤)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (٥).

стр. 223

الثاني: أن آخِرَ شرابهم يُختَمُ بمسك يُجعَلُ فيه، فسُؤْرُ شرابهم المسك. قاله أبو الدرداء، وابن مسعود، وابن عباس ﵃، وعلقمة (ت: ٦٢)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧) (١)، وعليه عامَّة اللغويين (٢)، قال ابن دُرَيْد (٣) (ت: ٣٢١): (خِتامُ كلِّ مشروبٍ: آخِرَه) (٤). الثالث: أنه ممزوج ومخلوط بالمسك. وهو قول ابن مسعود ﵁، وعلقمة (ت: ٦٢)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، ورواية عن الحسن (ت: ١١٠) (٥). وبيان هذه الأقوال كما يأتي: - القول الأول مأخوذ من الطبع، وهو من معاني الختم لُغةً، ويرجع إلى المعنى الثاني كما سبق. واستُبعِدَ أن يكون مُرادًا في الآية من جهة أن شراب أهل الجنة جارٍ مجرى الماء في الأنهار، وليس مُعَتَّقًا في الدِّنان، فيُطَيَّن عليها وتُختَم (٦)، قال تعالى ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ

стр. 224

لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، كما أن تمام حُسن الشراب ولذَّته في الجنة أن يُطَيَّب في نفسه، لا أن يُطَيَّب خاتَمه (١)، ثُمَّ إن هذا المعنى ليس بأصل الكلمة وإن صَحَّ لُغةً. - والقول الثاني قائمٌ على أصل معنى الخَتم لُغةً، ويؤكده قراءة الكسائي ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين ٢٦]، بفتح التاء وكسرها (٢)، أي: آخِرُه، كقوله تعالى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، أي: آخرهم. ثم إن هذا الختام أكمل ما يكون نعيمًا لأهل الجنة، قال قتادة (ت: ١١٧): (﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين ٢٦]: عاقبته مسك، قومٌ تُمزَج لهم بالكافور، وتُختَمُ بالمسك) (٣)، وعليه أكثر المفسرين، وعامَّة اللغويين كما سبق، واختاره: مقاتل (ت: ١٥٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن عُزَيْز السِّجِستاني (٤) (ت: ٣٣٠)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والباقلاني (ت: ٤٠٣)، ومكي القيسي (ت: ٤٣٧)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥). (٥) - أمَّا القول الثالث، فلا يَخفى بُعدُه عن الأصل اللغوي للخَتْمِ؛ ولذا قال ابنُ

стр. 225

جُزَي (ت: ٧٤١) عن هذا المعنى: (وهذا خارجٌ عن اشتقاق اللفظ) (١)، وهذا صحيح؛ فإن الخَلطَ أو المَزجَ ليس مُشتَقًّا من الخَتم، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأمَّا الختْمُ بمعنى: المَزج، فلا نعلمه مسموعًا من كلام العرب) (٢)، لكن يُشكِل على هذا أنه تفسير ابن مسعود ﵁ الصريح للفظة "الختام"، وهو من قد جمع إلى عربيَّتِه الأصيلة علمَ الكتابِ والسُّنة. والجواب: أن هذا المعنى لم يَجرِ من ابن مسعود ﵁ مجرى التفسير للَّفظ؛ فإنه لا يخفى على مثل ابن مسعود ﵁ معنى "الخِتام"، وإنما قَصَدَ بيان المعنى وتقريبه بأوضح سبيل، ففسره بأوَّل حُصول المسك في الشراب، وهو اختلاطه، وهذا ليس نفيًا لمعنى: آخِره مسك. بل هو يؤدي إليه؛ فإنه لا يكون آخره حتى يختلط به وتحصل فيه رائحته، قال الواحدي (ت: ٤٦٨) عن قول ابن مسعود هذا: (وليس بتفسير؛ لأن الختم لا يكون تفسيره بالمَزج، ولكن لَمَّا كانت له عاقبةٌ هي ريحُ المسك، فَسَّره بالممزوج؛ لأنه لو لم يَمتَزج بالمسك لَما حصل فيه ريح المسك) (٣)، ويدلُّ على ذلك تفسير ابن مسعود ﵁ للآية قبلها، وهي قوله تعالى ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ﴾ [المطففين ٢٥]، قال: (ممزوج) (٤)، كما يُؤَكده أن ابن مسعود ﵁، وعلقمة (ت: ٦٢)، ورد عنهما تفسير "الخِتام": بآخر الشيء ومنتهاه. على الأصل لُغَةً (٥)، وهذا يؤكد قصدَ التقريب في ذلك المَقام لِحاجَةٍ تقتضيه. فهذا المعنى الثالث راجِعٌ في حقيقته إلى المعنى الثاني، الذي هو الراجح في معنى هذه الآية.

стр. 226

ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: أن الذي حَمل ابن مسعود ﵁ هنا على ذِكر المَزج: تقريب المعنى للسامع، وبيانه بما يَعرِف في واقعه، إذ مَثَّلَ لسامعيه بقوله: (أما سَمِعتُم المرأةَ من نسائِكُم تقول: طِيبُ كَذا وكَذا خِلطُه مسك؟). وهذا منهجٌ معروفٌ في تفاسير السَّلَف، مرتَبِطٌ بطريقتهم العامَّة في التفسير، وهي: التفسير على الإجمال، قال النحاس (ت: ٣٣٨) بعد ذِكر بعض أقوال السلف في الحروف المُقَطَّعة أوائل السور: (ولم يَشرَحوا ذلك بأكثر من هذا؛ لأنه ليس من مذاهب الأوائل، وإنما يأتي الكلام عنهم مُجمَلًا، ثم يتأوَّلُه أهل النظر على ما يوجِبُه المعنى) (١)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨) عند قوله تعالى ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم ٦]: (وقال الحسن: أيُّكُم أولَى بالشيطان؟، قال: فَهُمْ أولَى بالشيطان من نبي الله ﷺ . فَبَيَّنَ الحسن المعنى المُرادَ، وإن لم يَتكَلم على اللفظ، كعادة السلف في اختصار الكلام مع البلاغة، وفهم المعنى) (٢)، وقد حَمَلَهم هذا المنهجُ كثيرًا على بيان المُراد مُباشرةً دون التعرض لمعنى المُفرَدَة المُطابق، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (فَحَمَلَ تأويلَ الكلام على معناه، دون البيان عن تأويل عينِ الكلمةِ بعينِها، فإن أهلَ التأويلِ رُبَّما فعلوا ذلك لِعِلَلٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه) (٣)، وهذا أحد أسباب بيان المُراد عند السلف في تفاسيرهم، دون التعرض للَّفظة، وهو: قصد التقريب، وتسهيل المعنى للسائل والسامع. ولهذا المنهج فوائد وأسباب أخرى، يُتَعَرَّض لها في مواضعها إن شاء الله تعالى. ثانيًا: كما أن رَدَّ ابن مسعود ﵁ لحَملِ الخَتمِ على معنى الطَّبعِ، مع أنه صحيحٌ لُغَةً، يُشير إلى حدود اعتماد اللغة في التفسير، إذ ما كُلُّ ما صَحَّ لُغَةً، صَحَّ

стр. 227

التفسير به، ومع أهمية اللغة في التفسير، وكونها شَرطًا فيه بلا خِلاف؛ إلا أنها بعضُ عُدَّةِ المُفَسِّرِ وآلاته، والتي منها التفسير النبوي، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، وأحوال من نزل فيهم الخطاب، وغير ذلك ممَّا لا بد للمُفَسِّر من الأخذ به، والاعتماد عليه، قال النقاش (ت: ٣٥١): (وعِلْمُ القرآن لا يُدرَكُ دونَ عِلمِ ما أراد الله ، وكيف أنزَلَ؟ وكيف تَعَبَّدَ الله العرب؟ لأن العربَ خُوطِبَت بتعارفها ثُمَّ علمت أشياء بعد التعارف، ولو كان علمُ القرآن يُدرَك باللغة دون التنْزيل والمُراد، لم يكن في العرب أحدٌ أعلمُ به من الأعراب) (١). * * * [٣٣] ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٥٨]. عن عروة بن الزبير قال: (قلت لعائشةَ زوجَ النبي ﷺ ، وأنا يومئذٍ حَدَثٌ: أرأيتِ قولَ الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]، فما أرى على أحدٍ شيئًا- وفي لفظ: جُنَاحٌ- ألاَّ يَطَّوَّفَ بهما. قالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، لو كانت كما تقول، لكانت: "فلا جُنَاح عليه ألاَّ يَطّوَّفَ بِهِما". إنما أُنزِلت هذه الآية في الأنصار، كانوا إذا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ (٢) في الجاهلية، لا يَحِلُّ لهم أن يطَّوَّفُوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام كرهوا أن يَطَّوَّفُوا بينهما؛ للَّذي كانوا يصنعون في الجاهلية، فسألوا رسولَ الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]، قالت: فطافوا)، وفي

стр. 228

لفظ: (فَلَعَمري ما أتَمَّ اللهُ حَجَّ من لَم يَطُفْ بين الصَّفا والمَرْوَة) (١). * تحليل الاستدراك: فَهِمَ عروةُ (ت: ٩٤) من قوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]، إباحة تركِ الطواف بينهما، وحَمَلَ نفيَ الجناحِ الوارد في الآية على معنى التَّرْك، أي: لا حَرَجَ على من ترك الطَّواف بين الصفا والمروة. ومن ثَمَّ ذهب إلى إباحة الطواف بين الصفا والمروة، وذلك نحو قوله تعالى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة ٢٣٠]، إذ ظاهره الإباحة ونفي الحرج عنهما في المراجعة (٢). وَقَوَّى هذا المعنى قولُه تعالى بعد نفي الجُنَاح في الآية ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٥٨]، أي: من طافَ بالصفا والمروة تَطَوُّعًا لله من عنده؛ فإن الله شاكِرٌ له، ومُجَازِيه على العَمَلِ القليل، الثَّوابَ الجَزيل (٣). ويُؤكِدُ هذا المعنى كذلك، قراءة علي، وابن مسعود، وأُبَيّ، وابن عباس، وأنس بن مالك ﵃ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨] (٤). أمَّا عائشة ﵂، فذهبت إلى وجوب الطواف بين الصفا والمروة بقولها: (فَلَعَمري ما أتَمَّ اللهُ حَجَّ من لَم يَطُفْ بين الصَّفا والمَرْوَة)، وبَيَّنَت خَطأَ قولِ عروة (ت: ٩٤) بقولها: (لو كانت كما تقول، لكانت: "فلا جُنَاح عليه ألاَّ يَطّوَّفَ بِهِما")، أي أن رَفعَ الجُناح في الآية جاءَ عن الفعل، لا عن التَّرك، ولو كان عن التَّرك لرُبَّما كان دليلَ إباحةٍ كما قال عروة (ت: ٩٤)، ولكانت الآية على ما ذَكرَت ﵂. والفعل الذي جاء رفعُ الجُناح عن إتيانه هو ما بَيَّنَته في سبب النُّزول؛ وهو تَحَرُّجُ الأنصار من

стр. 229

الطواف بين الصفا والمروة؛ لأنه كان من عملهم في الجاهلية، وقد كان على الصفا والمروة صَنمان في الجاهلية هُما: إِسَاف ونائِلَة (١)، والطواف لهما من شعائر الجاهلية، وربَّما قال بعضُهُم: إنما أُمِرنا بالطَّواف بالبيت، ولم نُؤمَر به بين الصفا والمروة. فتَحَرَّجوا لأجل هذا وذاك (٢)، فجاء الجواب في الآية مُطابِقًا لِسُؤالهم، ومُبَينًا أنه لا حَرَج في الطواف بينهما، وأنهما من شعائر الله تعالى ومُتَعَبَّداته. * الحكم على الاستدراك: تَمَيَّزَ جوابُ عائشة ﵂ في هذا المَقام بأمرين غابا عن عروة (ت: ٩٤) (٣): أوَّلُهُما: دِقَّة علمها، وفهمها الثاقب لدلالات الألفاظ، وفروقها، وقد ظهر هذا جَلِيًّا في وقوفها على معنى رفع الجُناح، وأنه لا دلالة فيه على الوجوب أو عدمه، ثُمَّ تفريقها بين رفع الجُناح عن الفعل، ورَفعِه عن الترك. ثانِيهِما: معرفتها بسبب النُّزول، واستدلالها به على وجه نظم الآية، وأنها إنما كانت كذلك لأنها نزلت جوابًا لمن تَحَرَّج من الطواف بين الصفا والمروة، فرَفَعَت الحرجَ عن طوافهم على تلك الصورة التي تحرَّجوا منها، لا عن فعل الطواف نفسه. (٤) ثم استَدلَّت بعد ذلك على وجوب الطواف بين الصفا والمروة بدليل خارجٍ عن الآية، وهو قولها: (بئسما قُلتَ يا ابن أُختي، طافَ رسول الله ﷺ ، وطافَ المسلمون،

стр. 230

فكانت سُنَّةً)، أي: تشريعًا (١)، وفي لفظ: (قد سَنَّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما؛ فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بِهِما) (٢)، وسَنَّ هنا بمعنى: شَرَّعَ وأوجَب؛ لقولها: (فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بِهِما). واستدلالها هُنا بفعل رسول الله ﷺ دليلُ فقهٍ وبصيرة؛ فإنها لم تستدل بالآية لأنه لا دلالة فيها على الوجوب (٣). وتمام الاستدلال بفعله ﷺ لهذا الأمر على كونه واجبًا يكون باعتبار قوله ﷺ : (خُذُوا عَنِّي مناسِكَكُم) (٤). واستُدِلَّ على وجوبه كذلك بوَصفه تعالى الطوافَ بين الصفا والمروة بأنه ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٥٨] (٥)، فهو خبرٌ بمعنى الأمر (٦)، يزيل ما علق في نفوس بعض الصحابة من أنه من شعائر الجاهلية، (وهو شِعارٌ لا يخلو عنه الحجُّ والعُمرَة، فكان رُكنًا كالطَّواف) (٧)، واستُدِلَّ كذلك بأدلَّة أُخرى جمعت قولَ النبي ﷺ وفعله، منها أنه ﷺ سعى بين الصفا والمروة وإن مِئزَرَه ليَدُور من شِدَّة السعي، وهو يقول: (اسعوا؛ فإن الله كَتَبَ عليكم السَّعيْ) (٨)، وكذلك قوله ﷺ في إهلال أبي موسى الأشعري: (طُف بالبيت، وبين الصفا والمروة) (٩). وقد اجتمع فيه فعل إبراهيم ﵇،

стр. 231

ورسولنا ﷺ (١). وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين على وجوب السعي بين الصفا والمروة، وأنه ركن من أركان الحج، لا يصحُّ بدونه. (٢) وأُجِيبَ عن الاستدلال بقوله تعالى في الآية ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٥٨]، بأنه عامٌّ في كلِّ تطوُّعٍ بالحج أو العُمرَة، أو بِسائِر الأعْمَال (٣)، ويبطلُ هذا الاستدلال كذلك من جهة أنه لو كان التطوع عائدًا في الآية على الطواف بين الصفا والمروة لكانت قربة مستقلّة، ولكان للناس أن يطوعوا بالطواف بينهما وإن لم يكونوا حاجِّين أو معتمرين، وقد أجمع المسلمون على أن الطواف بينهما في غير الحج أو العمرة ليس ممَّا يتقرب به العباد إلى الله ، ولا ممَّا يُتَطَوَّع به مُفرَدًا، فدل على أن التطوع هنا على عمومه، أو عائد على الحج والعمرة في الآية (٤). وكذا رُدَّ استدلالهم بقراءة من قَرَأ ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة ١٥٨]، من جهة أنها قراءة شاذَّة، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وهو خلاف مرسوم مصاحف المسلمين، وممَّا لو قرأه اليوم قارئ كان مُستَحقًّا العقوبةَ؛ لزيادته في كتاب الله ما ليس منه) (٥). ولو صَحَّت هذه القراءة، لكانت "لا" التي مع "أن" صِلَة، لتأكيد المعنى، وقد تقدَّمها جَحد في الكلام قبلها، وذاك نحو قوله تعالى ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ

стр. 232

أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١١ - ١٥] (١)، ومن شواهده قول الشاعر (٢): مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُما … والطَّيِّبَانِ أبو بَكْرٍ، وَلا عُمَرُ واختار جمهورُ المفسرين تفسيرَ عائشة ﵂، كمقاتل (ت: ١٥٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والطحاوي (ت: ٣٢١)، وابن عبد البر (ت: ٤٦٣)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (٣) ومن مسائل هذا الاستدراك: التنبُّه إلى أهميَّةِ معرفة سبب النُّزول، وأنه خير عُدَّة للمُفَسِّر في استظهار المعاني، وبيان المُراد، قال الواحدي (ت: ٤٦٨): (إذ هي- أي: أسباب النُّزول- أوفى ما يجب الوقوف عليها، وأولى ما تُصرَف العناية إليها، لامتناع معرفة تفسير الآية وقصد سبيلها دون الوقوف على قِصَّتها، وبيان نزولها) (٤)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (ومعرفة سبب النُّزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمُسَبَّب) (٥). ومعرفة سبب النُّزول ليس مُعينًا على فهم الآية فحَسْب، بل هو ضرورة في مواضعَ من التنْزيل، لا يُعرَف مُرادها إلا به، قال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (معرفة سبب النُّزول لازِمَةٌ لمن أراد علم القرآن، والدليل على ذلك أمران:

стр. 233

أحدهما: أن علم المعاني والبيان الذي يُعرَف به نظم القرآن، فضلًا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مُقتَضيات الأحوال: حال الخِطاب من جِهة نفس الخِطاب، أو المُخَاطِب، أو المُخاطَب، أو الجَميع؛ إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالَيْن، وبحسب مُخَاطبين، وبحسب غير ذلك، كالاستفهام، لفظه واحد، ويدخله مَعَانٍ أُخَر، من تقرير، وتوبيخ، وغير ذلك، وكالأمر، يدخله معنى الإباحة، والتهديد، والتعجيز، وأشباهها، ولا يدلُّ على معناها المُراد إلا الأمور الخارجة، وعُمدَتُها مُقتَضيات الأحوال، وليس كل حال يُنقَلُ، ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقلُ بعض القرائن الدَّالَّة؛ فاتَ فَهم الكلام جُملَة، أو فَهم شيء منه، ومعرفةُ الأسباب رافِعَةٌ لكل مُشكِلٍ في هذا النَّمَط، فهي من المُهِمَّات في فهم الكتاب بِلا بُدّ. ومعرفة السبب هو معنى معرفة مقتضَى الحال، وينشأ عن هذا الوجه: الوجه الثاني: وهو أن الجهل بأسباب التَّنْزيل مُوقِعٌ في الشُّبَه والإشكالات، ومُورِدٌ للنصوص الظاهرة مَوْرِد الإجمال حتى يقع الاختلاف، وذلك مَظنَّةُ وقوع النِّزاع)، إلى أن قال: (وهكذا شأن أسباب النُّزول في التعريف بمعاني المُنَزَّل، بحيث لو فُقِدَ ذِكرُ السبب لم يُعرَف من المُنْزَل معناه على الخصوص، دون تَطَرُّق الاحتمالات، وتوَجُّه الإشكالات) (١). وقد شهِدَ الصحابةُ ﵃ على أثرِ أسباب التنْزيل في معرفةِ التفسير، فعن أبي الأحوص (٢) (ت: ١٧٩) قال: (كُنَّا في دارِ أبي موسى مع نَفَرٍ من أصحاب عبد الله- أي: ابن مسعود- وهُم ينظُرون في المصحف، فقام عبدُ الله، فقال أبو مسعودٍ: ما أعلَمُ رسولَ الله ﷺ ترَكَ بعدَهُ أعلمَ بما أنزَل اللهُ من هذا القائِم. فقال أبو موسى: أمَا لَئِنْ

стр. 234

قُلتَ ذاك؛ كانَ يشهَدُ إذا غِبنا، ويُؤذَن له إذا حُجِبنا) (١). * * * [٣٤] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٩٣]. عن سعيد بن جبير قال: (خرج إلينا ابن عمر ونحن نرجوا أن يحدِّثَنَا حديثًا عجيبًا، فبَدرَ إليه رجلٌ (٢) بالمسألة فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما يمنعك من القتال والله تعالى يقول ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة ١٩٣] قال: ثكلتك أمك، أتدري ما الفتنة؟ إنما كان رسول الله ﷺ يقاتل المشركين، وكان الدخول في دينهم فتنة، وليس يقاتلهم على المُلْك) (٣). * تحليل الاستدراك: حَمَلَ السائلُ لفظ "الفتنة" في الآية على بعض وجوهها لُغَةً، وهو: ما يَقَعُ بين الناس من حروب وعذاب- كما سيأتي-، واستدلَّ بها على ابن عمر ﵁ في تركه القتالَ في الفتنة (٤)، فجَعلَ الفتنةَ في الآية مُتناوِلَة لِمَنْ يَخرُج عن طاعةِ الإمام، ثم نَزَّلَ الأمر بالقتال في الآية لِمَنع الفتنةِ على هذه الواقعة. فَعَمَّمَ الرجل معنى الفتنة؛ ليشمَلَ القتال بين المسلمين، كما هو في هذه الصورة. وأنكر ابنُ عمر ﵁ هذا الاستدلال، وبين أن المُراد بالفتنة في الآية: الشرك،

стр. 235

والردة عن الدين، والحَملُ على ذلك بامتحان المسلمين، وابتلائهم في دينهم. وأكَّدَ رَدَّه للمعنى المذكور من السائل بقوله: (وليس يقاتلهم على المُلْك). وقَوَّى هذا المعنى هنا لفظ الآية، وسياقها، وورود هذا المعنى في كتاب الله تعالى، وقول النبي ﷺ ، وفعله. فلقد بَيَّنت الآية معنى الفتنة في تَمامها، فقال تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ [البقرة ١٩٣]، وفي آية الأنفال ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ [الأنفال ٣٩]، فالفتنة هنا هي: الشرك، الذي لا يزول حتى يكون مُقابله، وهو أن يكون الدين كُلُّه لله. ثُمَّ إن سياق الآية حدِيثٌ عن الشرك صريحٌ، وأمرٌ بقتال المشركين، قال تعالى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٩٠ - ١٩٣]، وقد نُقِلَ إجماعُ المُفَسِّرين على أن الفتنة في قوله تعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة ١٩١]، هي: الشرك. (١) ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١ - ٥]، فَجَعَلَ توبَتَهم من الشرك، سببًا للكَفِّ عنهم، وإخلاء سبيلهم. وهو ما بَيَّنَه حديثُ رسول الله ﷺ صريحًا في قوله: (أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دمائهم، وأموالهم، إلا بحق

стр. 236

الإسلام، وحسابهم على الله) (١). ثم بَيَّنَ ابنُ عمر ﵁ كيف تَأَوَّلَ رسولُ الله ﷺ هذه الآية بفعله، فقال: (إنما كان رسول الله ﷺ يقاتل المشركين- وكان الدخول في دينهم فتنة-، وليس يقاتلهم على المُلْك)، فقتال النبي ﷺ إنما كان لمنع فتنة الدخول في الشرك، والإقامة عليه، وليس قتالًا على المُلْك، فالصورة الواقعة التي ذكرها الرجل، ليست داخِلةً في الآية، ولا يَصِحُّ الاستدلال بها عليها. وممَّا يُؤِيد ما ذهب إليه ابن عمر هنا، أن الآيات في سورة البقرة واردة في مخصوصين، وهم من نَصَبَ العداوة للنبي ﷺ من أهل مكة، ومن تبعَهم من مشركي العرب، ويعضد ذلك قوله تعالى ﴿وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة ١٩١]، وإنما أخرَجَهم أهل مكة، وهؤلاء ومن تبعهم من مشركي العرب ليس في حَقِّهم إلا الإسلام أو السيف؛ لقوله تعالى ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح ١٦] (٢)، وأمَّا آية الأنفال؛ فلأنها في عموم الكفار بحسب سياقها ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]، ناسَبَ تأكيدها ب"كل" المفيدة للعموم والإحاطة، وذلك في قوله ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه﴾ [الأنفال ٣٩]. (٣) * الحكم على الاستدراك: جِمَاعُ الفتنة في كلام العرب: الابتلاء، والامتحان، ثُمَّ استُعمِلَت في الإضلال، والإمالة عن القصد، والإحراق، والعذاب، وما يَقَعُ بين الناس من حروب، وغيرها (٤).

стр. 237

ومن ثَمَّ فإدخال السائل قتالَ الفتنة في وقته في معنى "فِتنَة" المذكورة في الآية صحيحٌ لُغَةً؛ ولكن لفظ الآية لا يدل عليه ولا هو داخلٌ في معناه؛ إذ القتال على الملك ليس من الدين، كما أن الدخول في ذلك القتال المذكور على الخصوص ليس من الدين أيضًا؛ فإنه قتالُ فتنةٍ لا حقَّ فيه ظاهر، أو مفسدته أعظم من مصلحته، أو مفسدته متحققة في جنب مصلحة موهومة. ثمَّ ما كُلُّ ما صَحَّ لُغةً صَحَّ حَملُ الآية عليه وتفسيرها به؛ (فإن اللغة ليست المصدر الوحيد الذي يمكن لمن أحكمه أن يُفَسر القرآن، إذ لا بد للمفسر من معرفة مصادر أخرى يعتمد عليها في تفسيره؛ كالسنة النبوية، وأسباب النُّزول، وقصص الآي، وأحوال من نزل فيهم الخطاب، وتفسيرات الصحابة والتابعين وتابعيهم، وغيرها من المصادر التي لا يُمكِن أخذها من طريق اللغة. وبِهذا يُعلَم أن التفسير اللغوي جُزءٌ من علم التفسير، ومع أن حَيِّزَه كبير، فإنه لا يَستَقِلُّ بتفسير القرآن) (١)، قال النووي (ت: ٦٧٦): (ولا يكفي في ذلك- أي تفسير ألفاظ القرآن- معرفةُ العربية وحدها، بل لا بد معها من معرفة ما قاله أهل التفسير فيها، فقد يكونون مجمعين على ترك الظاهر، أو على إرادة الخصوص، أو الإضمار وغير ذلك مما هو خلاف الظاهر) (٢). والمعنى الذي ذكره ابن عمر ﵁، هو الوارد عن الصحابة ﵃، في مقامات مُشابهة لهذا المقام (٣)، ومن ذلك أنَّ رجلًا جاء إلى سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال له: ألا تخرج تقاتل مع الناس حتى لا تكون فتنة؟ فقال سعد: (قد قاتلت مع رسول الله ﷺ حتى لم تكن فتنة، فأمَّا أنتَ وذا البُطين تريدون أن أقاتلَ

стр. 238

حتى تكون فتنة) (١)، وورد نحو هذا الموقف عن أسامة بن زيد، وسعد بن مالك ﵃ (٢)، وعلى هذا المعنى جمهور الصحابة والتابعين، وقال به: ابن عباس ﵁، وأبو العالية (ت: ٩٣)، وعروة بن الزبير (ت: ٩٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدي (ت: ١٢٨)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (٣)، وهو اختيار جمهور المفسرين من بعدهم. (٤) ومن مسائل هذا الاستدراك: أن واجبَ البيان عن معاني القرآن، ورَدِّ الشُّبُهات عن الآيات، منوطٌ بأهل العلم الذين جمعوا علمًا وفَهمًا وعمَلًا؛ فإن أهل الأهواء كثيرًا ما يستدلون بآيَةٍ أو سُنَّة لتصحيح أهوائهم وتقوية مذاهبهم، واستدلال السائلين لابن عمر وغيره من الصحابة بهذه الآية هو من هذا الباب الخَفي المُلتَبس، غيرَ أن صحة فهم وعلم الصحابة رضي الله عنهمتكَفَّلَ بردِّ هذه الأهواء، وإبطال وجوه الاستدلال لها، وإن قَوِيَت في الشُّبهة، أو صَحَّت من وجه. وحيثما وُجِدَت هذه الشُّبَه في زمن من الأزمان، كُشِفَت بنحو هذا الفهم لكلام الله تعالى، فَجُلِّيَت المعاني الصحيحة، ورُدَّت المعاني الباطلة، وأُقِيمَ الناسُ على المعنى الصحيح لكلام الله ، (ولَكَمْ آيةٌ من آياتِ القرآن

стр. 239

تراها قد ضِيمَتْ حقَّها واستُلِبَت ماءَها ورونَقَها؛ أن وَقَعت إلى من ليسوا من أهل هذا العلم، فأخذوا بِها في مآخِذَ مردودة، وحملوها على محامل غيرَ مقصودة، وهم لا يدرون، ولا يدرون أنهم لا يدرون، فتلك الآيُ من مآخِذِهم في عويلٍ، ومن محامِلهِم على ويلٍ طويلٍ، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف ١٠٤]) (١). * * * [٣٥] ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة ١٩٥]. عن أسلم أبي عمران (٢) قال: (غزونا من المدينة نريد القسطنطينية (٣)، وعلى أهل مصر عقبةُ بن عامر، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، قال: فصَفَفْنا صَفَّين لم أَرَ صفين قَط أعرضَ ولا أطولَ منهما، والروم مُلصِقون ظهورَهم بحائط المدينة، قال: فحمل رجلٌ مِنَّا على العدوّ، فقال الناس: مَهْ، لا إله إلا الله!، يلقي بيده إلى التهلكة. فقال أبو أيوب الأنصاري ﵁: أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هكذا؛ أن حمل رجلٌ يقاتلُ يلتمس الشهادة، أو يبلي من نفسه!، إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لمَّا نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا معشر الأنصار سرًّا من رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنَّا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله في كتابه يردُّ علينا ما هممنا به ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]،

стр. 240

فالإلقاء باليد إلى التهلكة: أن نُقيمَ في أموالنا ونصلحَها، وندعَ الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله، حتى دفن بالقسطنطينية) (١). * تحليل الاستدراك: تعجَّبَ بعض الناس من بلاء هذا الرجل من نفسه، وحمله على العدوّ وحده، وقالوا: (يلقي بيده إلى التهلكة)، وهي: مواضع الهلاك ومظانُّه، وكُلُّ ما عاقبَتُه إلى هلاك (٢)، فجعلوا فعل هذا الرجل من التهلُكَة المنهي عن إتيانها، وهذا تعميم للَّفظ بما هو من معناه لُغَةً، فاعتمد هذا القول على اللغة، وعلى عموم اللفظ وشموله. فَبَيَّنَ أبو أيوب ﵁ بُعدَ هذا التأويل، وابتدأ بذكر قولِهم ليكون أبلَغَ في الردِّ والبيان، فقال: (أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هكذا؛ أن حمل رجلٌ يقاتلُ يلتمسُ الشهادةَ، أو يبلي من نَفسه!)، ثُمَّ مَهَّدَ ﵁ لمعناها بقوله: (إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار)، وهذه إشارة إلى أنهم أعلمُ بها من غيرهم، ثم ذَكَرَ سبب نُزولها بقوله: (إنا لمَّا نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا معشر الأنصار سرًّا من رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنَّا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها. فأنزل الله في كتابه يردُّ علينا ما هممنا به ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥])،

стр. 241

ثُمَّ ذكر المعنى واضحًا بعد ذلك، فقال: (فالإلقاء باليد إلى التهلكة: أن نُقيمَ في أموالِنَا ونُصلِحَهَا، ونَدَعَ الجِهَاد). وصَدَّقَ قولَه ﵁ بفعله، قال أبو عمران: (فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله، حتى دفن بالقسطنطينية). فتَبَيَّن من ذلك اعتمادُ أبي أيوب ﵁ على سبب النُّزول، ويُقَوِّي ما ذكره من معنىً سِبَاقُ الآية، وهو الأمر بالإنفاق في سبيل الله تعالى، والحذر من مُقابِلِه، وهو الاشتغال بالمال عن الجهاد في سبيل الله، فيكون إلقاءً باليد إلى التَّهلُكة. * الحكم على الاستدراك: الاستشهاد بالآية على ما فعله هذا الرجل من إقدام وإرهاب للعدو ليس بصحيح؛ لأن الإلقاء باليد إلى التهلكة مذموم، وما فعله هذا الرجل محمود، إذ فيه إظهار للشجاعة، وإرهاب للعدوّ، وتقوية وتجرئة للمسلمين عليهم، ونحو ذلك من المقاصد الصحيحة (١)، ولَمَّا قيل لعمر ﵁: إن رجلًا رمى بنفسه في الحرب فقُتِلَ، فقال ناسٌ: ألقى بيده إلى التهلكة. قال عمر: (كذبوا، لكنه اشترى الآخرة بالدنيا) (٢)، ومن ثَمَّ فالمعنى الذي ذكره أبو أيوب ﵁ هو الصواب، ويشهد له سبب النُّزول الذي ذكره، وسياق الآية الآمِرِ بالنفقة في سبيل الله، وترك الاشتغال بالمال عن الجهاد في سبيل الله. (٣) وصحة المعنى المذكور عن أبي أيوب ﵁ في مُقابل ما فهمه الناس خَطًا من الآية لا يعني انحصار الصواب فيه، فقد ورد عن عدد من الصحابة ﵃ تفسير

стр. 242

التهلكة هنا: بترك النفقة في سبيل الله، على ما هو ظاهر من الآية، فعن البراء بن عازب ﵁ أنه قيل له: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: (لا؛ لأن الله بعث رسوله ﷺ فقال ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ [النساء ٨٤]، إنما ذاك في النفقة) (١)، وقال ابن عباس ﵁: (ليس التهلكة أن يُقتَل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله) (٢)، وقال حذيفة ﵁ عن هذه الآية: (نزلت في النفقة) (٣)، وفسَّرَها بذلك سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وعطاء (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدي (ت: ١٢٨)، والأعمش (ت: ١٤٨)، ومقاتل بن حيان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠). (٤) كما فُسِّرَت بأنها القنوط، والإقامة على الذنوب، قيل للبراء ﵁: يا أبا عمارة، أرأيت قوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥]، أهو الرجل يتقدم فيقاتل حتى يُقتل؟ قال: (لا، ولكنه الرجل يعمل بالمعاصي، ثم يلقي بيده ولا يتوب) (٥)، وروي نحو ذلك عن النعمان بن بشير ﵁، وعَبِيدَة السَّلْمَاني (٦)

стр. 243

(ت: ٧٢)، والحسن (ت: ١١٠)، وابن سيرين (ت: ١١٠). (١) وعن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة: (التهلكة: عذاب الله) (٢). وقيل غير ذلك. (٣) وأوَّلُ المعاني دخولًا في معنى الآية وأولاها: الإمساك عن النفقة في سبيل الله تعالى؛ لسياق الآية، ولأنه سبب نزولها كما صَحَّ عن حذيفة، وعليه جمهور المفسرين (٤)، قال ابن جرير (ت: ٣١٠) بعد أن رَجَّحَ العموم في الآية: (غيرَ أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي) (٥)، وقال ابن حجر (ت: ٨٥٢): (والأوَّل- أي: قول حذيفة- أظهر؛ لتصدير الآية بذكر النفقة، فهو المعتمد في نزولها، وأمَّا قصرها عليه ففيه نظر؛ لأن العبرة بعموم اللفظ) (٦). وقول أبي أيوب ﵁ في هذه الآية داخل في هذا القول؛ فإنه إنما ذكر الجهاد في تفسيره من باب التفسير باللازم، فإن ترك النفقة في سبيل الله تعالى، يترتب عليه ترك الجهاد بالنفس، فمن ضَنَّ بماله، ضَنَّ بنفسه من باب أولى، ولا يصح التفسير باللازم إلا مع الإقرار بالمعنى الأصلي، وسبب النُّزول الذي ذكره أبو أيوب قبل ذكره لتفسيره صريحٌ موافقٌ لما ذكره حذيفة ﵃، في أنها نزلت في النفقة. ولعل اختيار أبي أيوب ﵁ لمعنى الجهاد من هذه المعاني؛ لمناسبته للمقام والحال، فإن ترك

стр. 244

الجهاد، وعدم الاستعداد، إلقاء باليد إلى التهلكة؛ من جهة القعود وتمكين الأعداء من المسلمين، فيُهلِكوا الحرث والنسل (١). واختيار ما يناسب المقام والحال من المعاني الصحيحة أحد أسباب اعتماد السلف كثيرًا على التفسير بالمعنى. ورجح العموم في هذه الآية: الزجاج (ت: ٣١١)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والطوفي (ت: ٧١٦)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) (٢). * * * [٣٦] ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُوْلِي الأَلْ بَابِ﴾ [البقرة ١٩٧]. عن طاووس قال: سألت ابن عباس عن قوله ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة ١٩٧]، قال: (الرفث الذي ذَكَر هنا ليس الرفث الذي ذَكَر في ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، ذاك الجماع، وهذا العِرَاب بكلام العَرَب، والتعريضُ بذكرِ النِّكاح) (٣).

стр. 245

* تحليل الاستدراك: نفى ابن عباس ﵁ أن يكون معنى "الرَّفَث" في آية الحج: الجماع، كمعناه في آية الصيام، وذكر أن معناه في آية الحج: العِراب (١)، وفسَّرَه بقوله: (التَّعريضُ بذكر النكاح- وفي لفظ: الجماع-). فلفظ الرَّفَث عنده على أصله في كلام العرب، وهو: قول الفُحش، وكلِّ ما يُسْتَحيا من إظهاره (٢)، قال الراجِزُ (٣): وَرَبِّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ … عن اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ فَبَيِّنٌ اعتماد ابن عباس ﵁ على اللغة في اختياره لهذا المعنى، ويدُلُّ عليه من السنة قوله ﷺ : (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفثْ، ولا يجهلْ، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله، فليَقلْ: إني صائم) (٤)، فالمُراد بالرفث هنا: الكلام الفاحش (٥)، وعن ابن عباس ﵁ قال: (فرضَ رسول الله ﷺ زكاةَ الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرَّفَث) (٦). والقول الذي نفاه ابن عباس لمعنى الرَّفَث في الآية، وهو: الجماع، مُعتَمِدٌ كذلك على اللغة، إذ يُطلَق الرَّفَث على الجماع (٧)، وجاء بِهذا المعنى في قوله تعالى ﴿أُحِلَّ

стр. 246

لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، كما دَلَّ عليه سبب نُزولِها (١)، والتعدِيَةُ ب"إلى" المُتَضَمِّنة لمعنى الإفضاء (٢). * الحكم على الاستدراك: لَمَّا كان الرَّفَث (كلمةً جامِعةً لكل ما يُريده الرجل من أهله) (٣)، كان كلا المعنيين المذكورين صَحيحٌ لُغَةً، غيرَ أنَّ أحدَهما هو الأصل لُغةً، وهو قول ابن عباس ﵁، ويُستَعمَل في الثاني كنايَةً عنه (٤)، قال ابن عباس ﵁: (الدخولُ، والتَّغَشِّي، والإفضاء، والمباشرة، والرفث، واللمس: الجماع، إلا أن الله حييٌّ كريمٌ، يَكْني بما شاء عما شاء) (٥). وللمُفسرين في معنى الرَّفَث في هذه الآية ثلاثةُ أقوال: الأول: أنه الجماع، وهو قول ابن عباس من طُرُقٍ عنه، وابن عمر، وابن مسعود ﵃، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، ومكحول (ت: ١١٢)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والزهري (ت: ١٢٤)، والسُدِّي (ت: ١٢٨)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (٦).

стр. 247

الثاني: أنه التعريض للمرأة بمَا يُستَحيا منه، وهو قول ابن عباس من طُرُقٍ عنه، وابن عمر، وابن الزبير ﵃، وأبو العالية (ت: ٩٣)، وطاووس (ت: ١٠٦)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤)، والسُدِّي (ت: ١٢٨). (١) الثالث: أنه فُحشُ الكلام ولَغوِهِ عُمومًا، ذكره أبو عبيدة (ت: ٢٠٩)، وضَعَّفه ابن عطية (ت: ٥٤٦). والراجح في معنى الرَّفَث في هذه الآية أنَّه: الجِمَاعُ وَمُقَدِّماتُه؛ من قولٍ أو فِعلٍ. وهو بهذا يشمَل القولين الأوَّليْن، إذ لا تعارضَ بينهما؛ فإنهما من قبيل التفسير بأصلِ اللَّفظ في القول الأول، -ولم يُرِد من قاله نفي المعنى الثاني-، ومن قبيل التفسير ببعض المعنى في القول الثاني، إذ قصد القائل هُنا ذِكْرَ أعظَم معاني الرَّفَث في هذا المَقام، فليس من وقع في الجماع حالَ إحرامه، كمن تلفظَ بشيء منه في كلامه، والرَّفَثُ في القول أو الفعل سببٌ إلى الجماع، كما سيأتي ذكره عن الطحاوي (ت: ٣٢١)، والنحاس (ت: ٣٣٨). ويُؤَكِّد ذلك أن جميع مَنْ ذُكِر مِمَّنْ فَسَّرَ الرَّفَث بأنَّه: الإعراب بأمر الجماع، فَسَّرَه كذلك بأنَّه: الجماع- عدا طاووس-. ويُقَوِّي معنى العموم في لفظ "الرَّفَث" نفيَ الجنس المُفيد للعموم في قوله ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة ١٩٧]، وفي السُّنَّة جاء النفي في سياق الشرط ليُفيدَ العموم أيضًا، وذاك في قوله ﷺ : (من حَجَّ فلم يَرفُث، ولم يَفسُق رجع من ذنوبه كيوم ولدَتْه أُمُّه) (٢). ولا يُشكِلُ على ذلك نفي ابن عباس ﵁ لمعنى الجماع الوارد في آية الصيام، فإنه أراد بذلك أنه ليس الجماع فقط كما هو في تلك الآية، وإنما هو الجماع والإعرابُ فيه. ويدلُّ على ذلك رواية ابن جرير وفيها: (عن طاووس قال: سألت ابن عباس عن قول الله ﴿فَلَا

стр. 248

رَفَثَ﴾ [البقرة ١٩٧]، قال: (الرفث الذي ذكر هنا ليس الرفث الذي ذكر في ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، ومن الرَّفَث التعريضُ بذكرِ الجماع، وهي الإعرابُ في كلام العرب) (١). ويدلُّ على إرادة ابن عباس ﵁ كِلا المعنيين، صِحَّة النقل عنه فيهما، كما أن جمهرة طلابه- عدا طاووس- على أنه الجِماع، ويَبعُد أن تقع مخالفتهم لشيخهم بهذه الكثرة، لولا أنه من قول شيخهم وتفسيره على ما نقلوا عنه. وتبقى الإشارة إلى تخصيص العِرابةِ وذكرِ النكاح ومُقَدِّماته بما إذا كان أمام النساء، كما ثبت عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما ﵃، والجواب أن الكلام بذلك إنما يكون رَفَثًا إذا خوطِبَت به المَرأة، أما ذكره عند غير النساء فليس من الرَّفَث. (٢) واختار العموم في معنى الرَّفَث: ابن جرير (ت: ٣١٠)، وعَلَّلَ ذلك بعدم المُخَصّص لمعنىً دون آخر (٣)، واختاره كذلك الزجاج (ت: ٣١١) (٤)، والطحاوي (ت: ٣٢١) وقال بعد ذكر القولين: (وكان هذا عندنا غير مخالف للقول الأول؛ لأن الرفث هو الجماع وما دون الجماع ممَّا هو من أسبابه، فجائز في اللغة أن يُسمَّى باسمه؛ إذ كان من أسبابه في حُرمَة الحج، توكيدًا منهما بحرمة الجماع في الحج) (٥)،

стр. 249

وابن عُزَيْز السجستاني (ت: ٣٣٠) (١)، والنحاس (ت: ٣٣٨) وقال: (وهذه الأقوال مُتقاربة؛ لأن التعريض بالنكاح من سببه) (٢)، والجصاص (ت: ٣٧٠) (٣)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨) وقال: (الرفثُ: اسمٌ للجماع قولًا وعملًا) (٤)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) (٥). * * * [٣٧] ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة ٢٠٠]. عن أبي الجوزاء (٦) قال: قلت لابن عباس: أخبرنا عن قوله ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة ٢٠٠]، وقد يأتي على الرجل اليوم وما يذكر أباه فيه، فقال ابن عباس: (ليس كذلك، ولكن يقول: تغضب لله إذا عُصِيَ، أشدَّ من غضبك إذا ذُكِر والدك بسوء، أو أشد) (٧).

стр. 250

* تحليل الاستدراك: ذهب أبو الجوزاء إلى أن المُراد بالذكر في الآية ما يُقابلُ النسيان، فأشكل ذلك عليه من جهة أن الإنسان رُبَّما مضى عليه وقت لا يذكر أباه فيه، فلا يُناسِب أن يُقرَن ذلك الذكر القليل للآباء، بالأمر بالإكثار من ذكر الله الوارد في الآية. وفهمه هذا معتمدٌ على معنى الذِّكر لُغَة. فَنَفى ابن عباس ﵁ ما فهمه أبو الجوزاء من الآية، وبَيَّنَ أن المُراد بالذكر هنا المعنى الشرعي له (١)، الذي يشمل ذكر القلب واللسان والجوارح، فيدخل فيه فعل الطاعات، وترك المنكرات، ومن ثَمَّ فالمُراد هنا: أن تغضب لله إذا عُصِيَ، كغَضَبِكَ لوالدك إن ذُكِرَ بسوء، أو أشَدّ. وهذا تفسير بجزء المعنى، وتمثيلٌ له، فمن صُوَرِ ذكر الله بالفعل أن تغضبَ له إذا عُصِي. * الحكم على الاستدراك: أصلُ الذِّكرِ لُغةً: حِفظُ الشيء، وجَريُهُ على اللسان (٢). ومن ثَمَّ فكلا المعنيين المذكورين هنا صحيح لُغةً، غيرَ أن أحدَهُما تفسير بالمُطابق، والآخرُ تفسير بالمِثال، وتفسير ابن عباس- وإن لم يكن مُطابقًا للَّفظة؛ وإن كان تفسيرًا بالمثال إلا أنه- أصح من فهم أبي الجوزاء وأصوب؛ لأنه موافق للفظ الآية وظاهرها، بخلاف فهم أبي الجوزاء، ففيه مناقضةٌ لمعناها، وإن كان صحيحًا لُغَةً. وقد ذكر المفسرون معاني عديدة أكثرها يرجع في المعنى إلى وجوب لزوم العبد ذِكرَ الله تعالى، ودوام تعظيمه، والانقطاع إليه عَمَّن سواه، بتضَرُّع وافتقار، وأن يكون ذكره لربه أكثر من ذكره لأيّ مخلوق، على أي صورة كان ذِكره، نظير ما يكون من
следующие страницы →