← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، كما دَلَّ عليه سبب نُزولِها (١)، والتعدِيَةُ ب"إلى" المُتَضَمِّنة لمعنى الإفضاء (٢). * الحكم على الاستدراك: لَمَّا كان الرَّفَث (كلمةً جامِعةً لكل ما يُريده الرجل من أهله) (٣)، كان كلا المعنيين المذكورين صَحيحٌ لُغَةً، غيرَ أنَّ أحدَهما هو الأصل لُغةً، وهو قول ابن عباس ﵁، ويُستَعمَل في الثاني كنايَةً عنه (٤)، قال ابن عباس ﵁: (الدخولُ، والتَّغَشِّي، والإفضاء، والمباشرة، والرفث، واللمس: الجماع، إلا أن الله حييٌّ كريمٌ، يَكْني بما شاء عما شاء) (٥). وللمُفسرين في معنى الرَّفَث في هذه الآية ثلاثةُ أقوال: الأول: أنه الجماع، وهو قول ابن عباس من طُرُقٍ عنه، وابن عمر، وابن مسعود ﵃، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، ومكحول (ت: ١١٢)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والزهري (ت: ١٢٤)، والسُدِّي (ت: ١٢٨)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (٦).

стр. 247

الثاني: أنه التعريض للمرأة بمَا يُستَحيا منه، وهو قول ابن عباس من طُرُقٍ عنه، وابن عمر، وابن الزبير ﵃، وأبو العالية (ت: ٩٣)، وطاووس (ت: ١٠٦)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤)، والسُدِّي (ت: ١٢٨). (١) الثالث: أنه فُحشُ الكلام ولَغوِهِ عُمومًا، ذكره أبو عبيدة (ت: ٢٠٩)، وضَعَّفه ابن عطية (ت: ٥٤٦). والراجح في معنى الرَّفَث في هذه الآية أنَّه: الجِمَاعُ وَمُقَدِّماتُه؛ من قولٍ أو فِعلٍ. وهو بهذا يشمَل القولين الأوَّليْن، إذ لا تعارضَ بينهما؛ فإنهما من قبيل التفسير بأصلِ اللَّفظ في القول الأول، -ولم يُرِد من قاله نفي المعنى الثاني-، ومن قبيل التفسير ببعض المعنى في القول الثاني، إذ قصد القائل هُنا ذِكْرَ أعظَم معاني الرَّفَث في هذا المَقام، فليس من وقع في الجماع حالَ إحرامه، كمن تلفظَ بشيء منه في كلامه، والرَّفَثُ في القول أو الفعل سببٌ إلى الجماع، كما سيأتي ذكره عن الطحاوي (ت: ٣٢١)، والنحاس (ت: ٣٣٨). ويُؤَكِّد ذلك أن جميع مَنْ ذُكِر مِمَّنْ فَسَّرَ الرَّفَث بأنَّه: الإعراب بأمر الجماع، فَسَّرَه كذلك بأنَّه: الجماع- عدا طاووس-. ويُقَوِّي معنى العموم في لفظ "الرَّفَث" نفيَ الجنس المُفيد للعموم في قوله ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة ١٩٧]، وفي السُّنَّة جاء النفي في سياق الشرط ليُفيدَ العموم أيضًا، وذاك في قوله ﷺ : (من حَجَّ فلم يَرفُث، ولم يَفسُق رجع من ذنوبه كيوم ولدَتْه أُمُّه) (٢). ولا يُشكِلُ على ذلك نفي ابن عباس ﵁ لمعنى الجماع الوارد في آية الصيام، فإنه أراد بذلك أنه ليس الجماع فقط كما هو في تلك الآية، وإنما هو الجماع والإعرابُ فيه. ويدلُّ على ذلك رواية ابن جرير وفيها: (عن طاووس قال: سألت ابن عباس عن قول الله ﴿فَلَا

стр. 248

رَفَثَ﴾ [البقرة ١٩٧]، قال: (الرفث الذي ذكر هنا ليس الرفث الذي ذكر في ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، ومن الرَّفَث التعريضُ بذكرِ الجماع، وهي الإعرابُ في كلام العرب) (١). ويدلُّ على إرادة ابن عباس ﵁ كِلا المعنيين، صِحَّة النقل عنه فيهما، كما أن جمهرة طلابه- عدا طاووس- على أنه الجِماع، ويَبعُد أن تقع مخالفتهم لشيخهم بهذه الكثرة، لولا أنه من قول شيخهم وتفسيره على ما نقلوا عنه. وتبقى الإشارة إلى تخصيص العِرابةِ وذكرِ النكاح ومُقَدِّماته بما إذا كان أمام النساء، كما ثبت عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما ﵃، والجواب أن الكلام بذلك إنما يكون رَفَثًا إذا خوطِبَت به المَرأة، أما ذكره عند غير النساء فليس من الرَّفَث. (٢) واختار العموم في معنى الرَّفَث: ابن جرير (ت: ٣١٠)، وعَلَّلَ ذلك بعدم المُخَصّص لمعنىً دون آخر (٣)، واختاره كذلك الزجاج (ت: ٣١١) (٤)، والطحاوي (ت: ٣٢١) وقال بعد ذكر القولين: (وكان هذا عندنا غير مخالف للقول الأول؛ لأن الرفث هو الجماع وما دون الجماع ممَّا هو من أسبابه، فجائز في اللغة أن يُسمَّى باسمه؛ إذ كان من أسبابه في حُرمَة الحج، توكيدًا منهما بحرمة الجماع في الحج) (٥)،

стр. 249

وابن عُزَيْز السجستاني (ت: ٣٣٠) (١)، والنحاس (ت: ٣٣٨) وقال: (وهذه الأقوال مُتقاربة؛ لأن التعريض بالنكاح من سببه) (٢)، والجصاص (ت: ٣٧٠) (٣)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨) وقال: (الرفثُ: اسمٌ للجماع قولًا وعملًا) (٤)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) (٥). * * * [٣٧] ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة ٢٠٠]. عن أبي الجوزاء (٦) قال: قلت لابن عباس: أخبرنا عن قوله ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة ٢٠٠]، وقد يأتي على الرجل اليوم وما يذكر أباه فيه، فقال ابن عباس: (ليس كذلك، ولكن يقول: تغضب لله إذا عُصِيَ، أشدَّ من غضبك إذا ذُكِر والدك بسوء، أو أشد) (٧).

стр. 250

* تحليل الاستدراك: ذهب أبو الجوزاء إلى أن المُراد بالذكر في الآية ما يُقابلُ النسيان، فأشكل ذلك عليه من جهة أن الإنسان رُبَّما مضى عليه وقت لا يذكر أباه فيه، فلا يُناسِب أن يُقرَن ذلك الذكر القليل للآباء، بالأمر بالإكثار من ذكر الله الوارد في الآية. وفهمه هذا معتمدٌ على معنى الذِّكر لُغَة. فَنَفى ابن عباس ﵁ ما فهمه أبو الجوزاء من الآية، وبَيَّنَ أن المُراد بالذكر هنا المعنى الشرعي له (١)، الذي يشمل ذكر القلب واللسان والجوارح، فيدخل فيه فعل الطاعات، وترك المنكرات، ومن ثَمَّ فالمُراد هنا: أن تغضب لله إذا عُصِيَ، كغَضَبِكَ لوالدك إن ذُكِرَ بسوء، أو أشَدّ. وهذا تفسير بجزء المعنى، وتمثيلٌ له، فمن صُوَرِ ذكر الله بالفعل أن تغضبَ له إذا عُصِي. * الحكم على الاستدراك: أصلُ الذِّكرِ لُغةً: حِفظُ الشيء، وجَريُهُ على اللسان (٢). ومن ثَمَّ فكلا المعنيين المذكورين هنا صحيح لُغةً، غيرَ أن أحدَهُما تفسير بالمُطابق، والآخرُ تفسير بالمِثال، وتفسير ابن عباس- وإن لم يكن مُطابقًا للَّفظة؛ وإن كان تفسيرًا بالمثال إلا أنه- أصح من فهم أبي الجوزاء وأصوب؛ لأنه موافق للفظ الآية وظاهرها، بخلاف فهم أبي الجوزاء، ففيه مناقضةٌ لمعناها، وإن كان صحيحًا لُغَةً. وقد ذكر المفسرون معاني عديدة أكثرها يرجع في المعنى إلى وجوب لزوم العبد ذِكرَ الله تعالى، ودوام تعظيمه، والانقطاع إليه عَمَّن سواه، بتضَرُّع وافتقار، وأن يكون ذكره لربه أكثر من ذكره لأيّ مخلوق، على أي صورة كان ذِكره، نظير ما يكون من

стр. 251

ذكر الولد لوالديه، وتضرعه لهما، وحاجته إليهما (١). وأولى هذه الأقوال وأقربها: أن الله تعالى أمر القوم في إسلامهم بأن يكثروا من ذكر الله تعالى بعد فراغهم من مناسكهم، نظير ما كانوا يفعلون في جاهليتهم بعد فراغهم من حجهم ومناسكهم، إذ كانوا يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم سائر اليوم. وقد ورد سبب النُّزول هذا عن ابن عباس ﵁ قال: (كان أهل الجاهلية يقفون في المواسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحَمَالات (٢)، ويحمل الديات. ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله تعالى على نبيه محمد ﷺ ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة ٢٠٠]، يعني ذكر آبائهم في الجاهلية، ﴿أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة ٢٠٠]) (٣)، وورد نحو ذلك عن أنس بن مالك ﵁، وأبي وائل (٤) (ت: ٨٢)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والقرظي (ت: ١٠٨)، والحسن (ت: ١١٠)، وعطاء (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨)، وعطاء الخراساني (ت: ١٣٥)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومقاتل بن حيّان (ت: ١٥٠) (٥). ويَقْوَى هذا القول من جهة موافقته لسبب النُّزول، ومناسبته لحال من نزل عليهم القرآن، وعادتهم في ذلك؛ ليكون أبلغ في الامتثال والطاعة، وقد كانت كثيرٌ من مواقف الحج تصحيحًا لِمَا كان عليه أهل الجاهلية، ومنه قوله ﷺ في ذلك: (إن الله قد

стр. 252

أذهب عنكم عُبِّيَّةَ (١) الجاهلية، وفخرها بالآباء) (٢)، وقوله أيضًا: (ألا كلُّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وربا الجاهلية موضوع) (٣)، ومِن فِعله ﷺ خروجه إلى عرفة، وقد كانت قريش ومن تبعها لا يخرجون، ولا يَشُكُّون أن رسول الله ﷺ ليس بخارج، وكذا غُدُوِّه عند إسفار النهار من مزدلفة إلى منى، وقد كانوا في الجاهلية ينتظرون أن تشرق الشمس، وغير ذلك كثير. (٤) وعلى هذا القول جمهورُ المفسرين وأكثرهم (٥)، واختاره الفراء (ت: ٢٠٧)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، والزجاج (ت: ٣١١)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والزمخشري (ت: ٥٣٨) (٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وقال: (واعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة، إلا أن الوجه الأول- قول الجمهور- هو المُتعيّن، وجميع الوجوه مشتركة في شيء واحد، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه، دائم التعظيم له، دائم الرجوع إليه في طلب مهماته، دائم الانقطاع عمَّن سواه) (٧)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠) (٨). * * *

стр. 253

[٣٨] ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٦]. عن خالد بن عرعرة (١) قال: سمعت عليًا وقيل له ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران ٩٦]، هو أوَّلُ بيت كان في الأرض؟ قال: (لا، قال: فأين كان قوم نوح؟! وأين كان قوم هود؟! قال: ولكنه أوَّل بيت وُضِع للناس مُباركًا وهُدىً)، وفي لفظ: (ومن دخله كان آمِنًا) (٢). * تحليل الاستدراك: فَهِم السائلُ من الآية أن أوَّلَ بيت وُجِدَ على الأرض البيت الحرام بمكة، أخذًا بعموم لفظ الآية، فسألَ عليًّا ﵁ عن هذا المعنى، فذكر له خَطَأَه، واستدل عليه بوجود بيُوت كثيرةٍ قبله، ومنها بيوت الأنبياء وأممهم، ثمَّ بَيَّنَ المعنى عنده، وقال: (ولكنه أوَّل بيت وُضِع للناس مُباركًا وهُدىً- وفي لفظ: ومن دخله كان آمِنًا-)، فهي أوَّلِيَّةٌ مَخصوصة لا عامَّة، واستُفيدَ هذا التخصيص من سبب نزول الآيات، وسياقها، وورود معناها في القرآن الكريم، ودلالة السنة عليه. فرُوي عن مجاهد (ت: ١٠٤)

стр. 254

قال: (تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة؛ لأنه مُهاجَر الأنبياء، وفي الأرض المقدسة. وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل. فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران ٩٦]) (١). وفي تمام الآية، والآية بعدها، وصفٌ لهذا البيت المذكور في الآية، وهذه الأوصاف هي: ﴿مُبَارَكًا﴾، ﴿وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ﴾، ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٦ - ٩٧]، فهو بهذه الأوصاف: أول بيت مُباركٍ وُضِعَ للناس، وهو هُدىً للعالمين، وفيه آياتٌ بَيِّناتٌ؛ مَقامُ إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، ويُحَجُّ إليه (٢)، فهو على هذه الصفة أولُ بيت. وهذه الآية جاريةٌ مجرى التعليل للأمر الوارد في الآية قبلها ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران ٩٥]، وبيان ذلك (أن هذا البيت لَمَّا كان أوّل بيت وُضع للهُدى وإعلان توحيد الله؛ ليكون عَلَمًا مشهودًا بالحسِّ على معنى الوحدانية ونفي الإشراك، فقد كان جامعًا لدلائل الحنفية، فإذا ثبت له شرفُ الأوّلية، ودوام الحُرمة على ممرّ العصور دون غيره من الهياكل الدينية التي نشأت بعده، وهو ماثل، كان ذلك دلالة إلهية على أنه بمحل العناية من الله تعالى، فدلَّ على أن الدين الذي قارن إقامته هو الدين المُراد لله، وهذا يؤول إلى معنى قوله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران ١٩]) (٣). وقد ورد في القرآن تسمية المساجد وأماكن العبادة بيوتًا، كما في قوله تعالى

стр. 255

﴿أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس ٨٧]، وقوله ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور ٣٦]، أي: المساجد. وقد دَلَّت السنة على هذا الوجه من الأوَّليَّة، ففي حديث أبي ذَرٍّ ﵁ قال: (سألتُ رسول الله ﷺ عن أوَّل مسجدٍ وُضِعَ في الأرض؟ قال: المسجد الحرام. قلتُ: ثُمَّ أيّ؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون عامًا، ثمَّ الأرض لك مسجدٌ، فحيثما أدركتك الصلاةُ فَصَلِّ) (١). * الحكم على الاستدراك: قال الماوردي (ت: ٤٥٠): (لا اختلاف بين أهل التفسير أنه أوَّل بيت وضع للعبادة) (٢)، ومستند هذا الاتفاق نصُّ رسول الله ﷺ عليه في حديث أبي ذَرٍّ السابق، وإنما الخلاف بينهم في دلالة الآية على ذلك. والمعنى الذي ذكره علي ﵁ في هذه الآية هو الصواب معنىً وحِسًّا؛ فإن هذا المعنى لا يُناقض الواقع وحِسًّا، ويدُلُّ عليه سبب النُّزول، والسياق، والسنَّةُ النبوية، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢) عن حديث أبي ذَرٍّ السابق: (وهذا الحديث يُفَسر المُراد بقوله تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران ٩٦])، ويدلُّ على أن المُراد بالبيت بيت العبادة، لا مُطلَق البيوت، وقد ورد ذلك صريحًا عن علي ﵁ ثم ذكر الرواية السابقة (٣)، وهذا نحو استدلال ابن جرير (ت: ٣١٠) على صحة هذا المعنى بحديث أبي ذر ﵁. (٤) ومن وجوه ترجيح هذا المعنى، ما ذكره ابن عاشور (ت: ١٣٩٣) عند هذه الآية،

стр. 256

إذ قال: (والذي أراه في التأويل: أن القرآن كتابَ دين وهُدىً، فليس غرضُ الكلام فيه ضبط أوائل التاريخ، ولكن أوائل أسباب الهدى، فالأوَّليَّة في الآية على بابها، والبيت كذلك، والمعنى: أنه أوَّل بيت عبادة حَقَّة وُضِع لإعلان التوحيد، بقرينة المقام، وبقرينة قوله ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ٩٦]، المُقتَضي أنه من وَضعِ واضعٍ لمصلحة الناس؛ لأنه لو كان بيت سُكنى لقيل: وضعه الناس، وبقرينة مجيء الحالين بَعدُ؛ وهُما قوله ﴿مُبَارَكًا وَهُدىً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٦]، وهذا تأويل في معنى بيت) (١). ولا دليل على حَمْل معنى الآيةَ على أنه أوَّل بيت وُضِعَ في الأرض للناس ولا بيت قبله (٢)، ومن ذكر ذلك لم يَستَدِل بما يَصلُحُ في مُقَابَلةِ حديث أبي ذَرٍّ الصحيح الصريح، وغايتها آثارٌ عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس ﵃، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨) (٣)، لم تسلَم جُلُّ أسانيدها من ضَعفٍ، ولا مُتُونها من نَكارة، مع بُعدِها عن ظاهر الآية وسياقها. (٤) واختار قول علي ﵁ في الآية جمهور المفسرين (٥)، وقال به الضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)،

стр. 257

والزمخشري (ت: ٥٣٨)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن جُزَيّ (ت: ٧٤١) (١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، وقال: (وزعم السُّدِّي أنه أوَّل بيت وُضِعَ على وجهِ الأرض مُطلَقًا. والصحيح قولُ علي) (٢). * * * [٣٩] ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ١٨٨]. عن علقمة بن وقاص (٣): (أن مروان (٤) قال لبَوَّابِه: اذهب يا رافع (٥) إلى ابن عباس، فقل: لئن كان كلُّ امرئٍ فرِح بما أوتِيَ (٦)، وأَحبَّ أن يُحْمدَ بما لم يفعَلْ معذبًا، لنُعَذَّبَنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما دعا النبيُ ﷺ يهودَ، فسألهم عن شيء، فكتموه إيَّاه، وأخبروه بغيره، فَأَرَوْه أنْ قَدْ اسْتَحْمَدُوا إليه بما

стр. 258

أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أَتَوْا من كِتْمَانِهِم. ثُمَّ قرأ ابنُ عباس ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، كذلك حتى قوله ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران ١٨٨]) (١). * تحليل الاستدراك: فَهِم مروانُ من هذه الآية العموم بحسب لفظها، فدخل فيها عنده كُلُّ من فرِح بما أوتِيَ، وأَحبَّ أن يُحْمدَ بما لم يفعَلْ من المسلمين وغيرهم، فحمله ذلك على خوفِ ما فيها من الوعيد. فأرسل إلى ابن عباس ﵁ سائلًا، فأخبره أن الآية مخصوصة باليهود، واستدل عليه بسبب نزولها الذي ذكره، وبسياق الآية، وهو قوله تعالى قبلها ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، فالحديث في هذا السياق عن أهل الكتاب كما هو ظاهر. * الحكم على الاستدراك: حاصِلُ أقوال المفسرين في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في اليهود (٢)، أو المنافقين (٣)، ولفظ الآية صالحٌ لكلِّ ما يشمله خطابُها، وأولى المعاني دخولًا فيها ما ذكره ابن عباس ﵁؛ لدلالة السياق عليه، وعليه جمهور المفسرين (٤)، ثُمَّ يَصِح

стр. 259

حمل الآية بعد ذلك على ما يشمله لفظها العام، كما ذكره الراغب الأصفهاني (ت: بعد ٤٥٠)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤) (١)، وابن رجب (ت: ٧٩٥) وقال: (فهذه خصال اليهود والمنافقين .. ، ومن كانت هذه صفته فهو داخل في هذه الآية ولا بُدَّ) (٢)، وابن حجر (ت: ٨٥٢)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (٣)، وورد عن بعض السلف الاستدلال بعمومها. (٤) وأظهر ما تكون هذه الصفات المذمومة- الواردة في الآية- في المنافقين بعد اليهود؛ ولذا حملها عليهم عدد من الصحابة ﵃، كأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت، ورافع بن خَديج. (٥) ولا يُفهَم من قول ابن عباس ﵁: (ما لكم ولهذه الآية؟) منع القول بعمومها، وإنما أراد التنبيه على أولى معانيها وأقربها من حيث النُّزول والسياق، وقد تحمل عبارته على إنكاره عليهم قصر معنى الآية على ما ذكروه، أو تركهم لمَا هو أولى من المعنى (٦). وقد رَدَّ ابن مسعود ﵁ على من منعَ عموم الآية، واشتمالها على من تحققت فيه هذه الصفات من هذه الأمة، فقال للرجل الذي قال: إن كَعبًا يَقْرأ عليك السلام، ويقول-وفي لفظ: ويُبَشِّرُكم- إن هذه الآية لم تنْزل فيكم: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران ١٨٨]. فقال ابن مسعود:

стр. 260

(وأنت فأقرئه السلام، وأخبروه أنها نزلت وهو يهودي) (١)، وجواب ابن مسعود هذا يومئ إلى منشأ خطأ كعب في قوله هنا، ويثير سؤالًا: - هل ليهودية كعبٍ الأولى أثرٌ في خطأِه في التفسير؟ الجواب: نعم، وهذا ما أشار إليه ابن مسعود ﵁ بعبارته السابقة، وبمثل قوله عن قولٍ بلغه عن كعب: (ما تَنْتَكِتُ اليهوديَّة في قلبِ عبدٍ فكادت أن تفارقه) (٢)، وليس مُراد ابن مسعود بيهودية كعبٍ النسبَ أو الدينَ، فإن ذلك لا أثر له هنا، فقد أسلم كعب وحَسُن إسلامه، وصار من علماء المسلمين، فليس المراد أنه إنما أخطأ لأنه يهودي (٣)، وإنما أراد أمرًا آخر، هو بيان التفاوت في العلم بالقرآن وتأويله، فابن مسعود شهد التنْزيل، وعرف التأويل بوجوه لم تتيسر لكعب وغيره ممَّن جاء بعد الصحابة، ثم تَمَكُّن ابن مسعود في عربيَّتِه مما لا يخفى. كُلُّ ذلك في مقابل تأخر كعب عن زمن التنْزيل، وغياب وجوهٍ من التأويل عنه وعن غيره ممَّن لم يظفر بشرف الصحبة- كالعلم بسبب النُّزول، وحال من نزل فيهم القرآن-، وكذلك علمه الواسع

стр. 261

بكتب أهل الكتاب وأخبارهم، الذي رُبَّما كان ضارًّا بالمعنى إذا تجاوز به صاحبه الضوابط الشرعية المُبَيِّنة لوجوه الاستفادة من هذه الأخبار. * * * [٤٠] ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة ٣٧]. عن عمرو بن دينار (١) قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: (سمعت رسول الله ﷺ يقول- بأُذُني هاتين، وأشار بيده إلى أذنيه-: يخرج الله قومًا من النار فيدخلهم الجنة. فقال له رجل (٢): إن الله يقول ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة ٣٧]؟ فقال جابر بن عبد الله: إنكم تجعلون الخاصَّ عامًّا، هذه للكفار، اقرؤوا ما قبلها، ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة ٣٦ - ٣٧]، هذه للكفار) (٣).

стр. 262

* تحليل الاستدراك: فهم الرجل من هذه الآية أن من دخل النار لا يخرج منها، ولو كان من المسلمين، فهي عامَّة عنده في كل داخل فيها، واستفاد هذا العموم من لفظ الآية ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة ٣٧]، أي: أهلها. كما قوَّاه تقديم ضمير الفصل المفيد للتخصيص والتأكيد. فأبطل جابر ﵁ هذا الفهم، وبين أن هذا الخلود في هذه الآية وما شابهها خاصٌّ بالمشركين، فلا يُخَلَّد أحدٌ من أهل التوحيد في النار، بل يخرجون منها بالشفاعة وغيرها. واستدل على ذلك بسياق الآية قبلها، وأنها في الكفار. وبيَّن للرجل سبب خطئِه في فهم هذه الآية، فقال له: (إنكم تجعلون الخاصَّ عامًّا)، وهذه سِمةُ أهل البدع في فهم نصوص الوحي، وقد كان هذا الرجل على مذهب الخوارج، فرجع عنه بعد جواب جابر ﵁. * الحكم على الاستدراك: كثيرًا ما جادل الخوارجُ صحابةَ رسول الله ﷺ ، وكثيرًا ما تصدى الصحابة ﵃ لشبهاتهم بالكشف والبيان، وممَّن اشتهر بذلك علي بن أبي طالب، وابنُ عباس، وجابرٌ ﵃، وقد سُئِلَ جابر عن كثيرٍ من شبهات الخوارج، واستدلالاتهم في غيرما موقف، ومن هذه المواقف: ما رواه يزيد الفقير (١) قال: (كنت قد شغفني رأيٌ من رأْي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد، نريد أن نحج ثم نخرج على الناس، قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم- جالس إلى سارية- عن رسول الله ﷺ ، قال: فإذا هو قد ذكر الجَهَنَّمِيِّين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون؟! والله يقول ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ

стр. 263

أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران ١٩٢]، و ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠]، فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇ يعني الذي يبعثه الله فيه-؟ (١) قلت: نعم. قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج. قال: ثم نعَتَ وضْعَ الصراط، ومَرَّ الناسِ عليه، قال: وأخافُ أن لا أكون أحفظ ذاك، قال: غير أنه قد زعم أن قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس. فرجعنا قلنا: ويحكم، أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ ! فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد) (٢)، وعن طلق بن حبيب (٣) (ت: بعد ٩٠) قال: (كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيتُ جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كلَّ آيةٍ ذكَرَ الله فيها خلودَ أهل النار، فقال: يا طلق، أتراك أقرأ لكتاب الله مني؟ وأعلم بسنة رسول الله ﷺ ؟ فاتَّضَعْتُ له، فقلت: لا والله، بل أنت أقرأ لكتاب الله مني، وأعلم بسنة نبيِّه مني. قال: فإن الذي قرأتَ أهلُهَا هُمُ المشركون، ولكن هؤلاء أصابوا ذنوبًا فعُذِّبُوا بها، ثم أُخرِجُوا من النار، صُمَّتَا- وأهوى بيديه إلى أذنيه- إن لم أكن سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: يخرجون من النار بعدما دخلوا. ونحن نقرأُ ما تَقرأ) (٤)، وعن عمرو بن دينار (ت: ١٢٦) قال: (قدم علينا جابرُ بن عبد الله في عُمْرَة، فانتهيت إليه أنا وعطاء، فقلت:

стр. 264

﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة ١٦٧]. قال: أخبرني رسول الله ﷺ أنهم الكفار. قلت لجابر: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران ١٩٢]، قال: ومَا أَخْزَاه حين أَحْرقَه بالنار! وإنَّ دُون ذلك لَخِزْيًا) (١)، وفي هذا الخبر نَصٌّ نبوي على تخصيص الآية في الكفار. وقد انحرفت المعتزلة في هذه الآية- ونحوها من النصوص- انحرافَ الخوارج قبلهم، فعن سفيان بن عيينة (٢) (ت: ١٩٨) - بعدما روى حديث جابر هذا- قال: (قدم عمرو بن عبيد (٣) ومعه رجل تابعٌ له على هواه، فدخل عمرو بن عبيد الحِجْر يصلي فيه، وخرج صاحبُه على عمرو بن دينار وهو يحدث هذا عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ ، قال: فرجع إلى عمرو بن عبيد فقال له: يا ضالّ، أما كنت تخبرنا أنه لا يخرج أحدٌ من النار؟! قال: بلى. قال: فهو ذا عمرو بن دينار يذكر أنه سمعَ جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ : (يخرج قومٌ من النار فيدخلون الجنة)، قال: فقال عمرو بن عبيد: هذا له معنىً لا تعرفه. قال: فقال الرجل: وأيُّ معنىً يكون لهذا؟! قال: ثم قلب ثوبه من يومه وفارقه) (٤). وتفسير جابر ﵁ لهذه الآية هو الحق الموافق لنصوص الشرع- ومنها أحاديث الشفاعة السابقة-، وقد رفعَ جابر تفسيره إلى رسول الله ﷺ كما سبق، وهو

стр. 265

الموافق لسياق الآية، وبه أجاب ابنُ عباس ﵁ نافعَ بن الأزرق عندما قال نافع: تزعم أن قومًا يخرجون من النار، وقد قال الله جل وعز ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة ٣٧]؟ فقال ابن عباس: (ويحك، اقرأ ما فوقها، هذه للكُفَّار) (١). ولا خلاف بين المفسرين في أن هذه الآية ونحوها من النصوص لا تنافي القول بالشفاعة في عُصاة المؤمنين لخروجهم من النار. (٢) ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: عناية الصحابة ﵃ في فهم القرآن وتفسيره بالسياق، واعتمادهم عليه بصورة واضحة في ردّ الأقوال الباطلة، والشاذَّة عن سياق الآية. ويوضح ذلك بجلاء استدلالات جابر ﵁ في رد شبهات الخوارج حول الآيات بسياقها، وفي بعض روايات يزيد الفقير قال: (كنت عند جابر بن عبد الله فذكروا الخوارج .. ، فردَّ علينا جابر ذلك، فجعلَ يقرأ آيةً أوَّلها كُفر، وآخِرَها كُفر) (٣). ثانيًا: معرفة بذور الانحراف في التفسير وبداياته، وأثر الانحراف العقدي في ذلك.

стр. 266

ثالثًا: الوقوف على أبرز أسباب الغلط في التفسير، وهو: تعميم الخاص من النصوص، وهو تَحَكُّمٌ يبعث عليه الجهل والهوى، وقد عبَّر عنه جابر ﵁ بقوله: (إنكم تجعلون الخاصَّ عامًّا). وقال ابن أبزى ﵁ لمَّا جاءه رجلٌ من الخوارج يقرأ عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام ١]، وقال له: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟ قال: بلى. فانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى، إن هذا قد أراد تفسير الآية غير ما ترى؛ إنه رجل من الخوارج. فقال: ردوه علي، فلما جاءه قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: إنها نزلت في أهل الكتاب، اذهب ولا تضعها على غير حدها. وورد نحوه عن علي ﵁. (١) * * * [٤١] ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر ٩]. عن الأسود بن هلال (٢) قال: (جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود ﵁، فقال له: إني أخاف أن أكون قد هلكت. قال: وما ذاك؟ قال: إني سمعت الله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر ٩]، وأنا رجلٌ شحيح، لا يكاد يخرج مني شيء. فقال عبد الله: ذَكَرتَ البخل، وبئس الشيء البخل، وأمَّا ما ذكر الله في القرآن فليس كما قُلتَ، ذلك أن تَعْمَد إلى مال غيرك، أو مال أخيك فتأكله ظلمًا) (٣).

стр. 267

* تحليل الاستدراك: لَمَّا ظَنَّ هذا السائل أن البخلَ والشُّحَّ شيءٌ واحد بقوله: (أنا رجلٌ شحيح، لا يكاد يخرج مني شيء)، خاف أن يفوته من الفلاح الموعود به في الآية بمقدار ما به من البخل، فشكا إلى ابن مسعود ﵁ ما خافه من الهلاك بسبب بُخله، فبيَّنَ له ابن مسعود ﵁ أنَّ ما وصف به نفسه هو: البخل، وليس الشُّح، (وبئس الشيء البخل) (١)، ثم فَرَّق ابن مسعود ﵁ بينهما، فذكر أن البخل: إمساك المال عن النفقة في وجهه. وهو ما وصف الرجل به نفسه بقوله: (لا يكاد يخرج مني شيء). وذكر بعد ذلك الشُّحَّ، وبيَّنه بقوله: (أن تَعْمَد إلى مال غيرك، أو مال أخيك فتأكله ظلمًا)، فالشُّحُّ عند ابن مسعود ﵁ هو: أكل مال غيرك ظلمًا. وهو المُراد عنده في هذه الآية، وفي غيرها ممَّا ذُكر فيها الشُّح، حيث قال: (وأمَّا ما ذكر الله في القرآن فليس كما قُلتَ، ذلك أن تَعْمَد .. ). فجَعَلَ الرجلُ البُخلَ والشُّحَّ شيئًا واحدًا، لاشتراكهما في المنع، وفرَّقَ بينهما ابن مسعود ﵁ اعتمادًا على اللغة، وما يشهد لذلك من حديث رسول الله ﷺ ، كما سيأتي.

стр. 268

* الحكم على الاستدراك: إن عِلْمَ ابن مسعود الهُذَلي ﵁ بلغة العرب، ودقيق معاني ألفاظها، مِمَّا لا يخفى على مُطالعٍ لعلمه وسيرته، وقد فَرَّق ﵁ هنا بين البخل والشُّح، وهذا التفريق صحيحٌ موجود في كلام العرب، فلكُلِّ لفظ في كلامهم معنىً ينفرد به عن الآخر، وإن تقارب المعنيان وتشاكلا في استعمال الناس. قال صاحب كتاب "العين": (الشُّحُّ: البخل، وهو الحرص) (١)، وقال الأصمعي (٢) (ت: ٢١٦): (رجلٌ شحيحٌ: إذا كان مع شِدَّة بُخلِه حريصًا) (٣)، وقال النحاس (ت: ٣٣٨): (والمعروف في كلام العرب أن الشُّحَّ أَزْيَدُ من البخل، وأنه يُقال: شَحَّ فلانٌ يَشِحُّ، إذا اشتدَّ بُخلُه، ومنع فضل ماله، كما قال (٤): ترى اللَّحِزَ (٥) الشَّحِيحَ إذا أُمِرَّت … علَيه لِمَالِه فيها مُهِينا) (٦). وفي الجمع بين هذه التعاريف يقول ابن فارس (ت: ٣٩٥): (الشِّين والحاءُ الأصل فيه المنع، ثم يكون منعًا مع حرص. من ذلك الشُّحُّ، وهو: البخل مع حرص) (٧).

стр. 269

وهذا الفرق بين البُخلِ والشُّحِّ في كلام العرب هو الذي ذكره ابن مسعود ﵁؛ فقوله في البخل واضحٌ لا إشكال فيه، وقوله في الشُّحِّ: (أن تَعْمَد إلى مال غيرك، أو مال أخيك فتأكله ظلمًا)، هو تفسير له بِلازِمه، لا بما يُطابِقُه؛ فإن الشَّحيحَ بَخيلٌ في نفسه، حريصٌ على ما عند غيره، وهو ما يستتبع ظلم الناس، وأكلَ أموالهم بالباطل. وقد جاء هذا المعنى صريحًا عن ابن عمر ﵁ بقوله: (ليس الشَّحيحُ أن يمنعَ الرجلُ مالَه، ولكنه البخل، وإنه لشر، إنما الشُّحُّ أن تطمحَ عينُ الرجل إلى ما ليس له) (١)، وقال عبد الله بن عمرو ﵁: (الشُّحُّ أشد من البخل؛ لأن الشَّحيح يشِحُّ على ما في يديه، فيَحْبِسه، ويَشِحُّ على ما في أيدي الناس حتى يأخذه، وإن البخيل إنما يبخل على ما في يديه) (٢). ويشهد لهذا المعنى قوله ﷺ : (اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشُّحَّ؛ فإن الشُّحَّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلُّوا محارمهم) (٣)، فمآلُ الشُّحِّ المذكور في هذا الحديث، هو مآلُهُ الذي ذكره ابن مسعود ﵁ في تفسيره للآية. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أنه كان يطوف بالبيت يقول: (اللهم قِنِي شُحَّ نفسي)، لا يزيد على ذلك، فقيل له، فقال: (إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسي لم أسرقْ، ولم أزنِ، ولم أفعلْ شيئًا) (٤). وهذا المعنى هو المشهور عن مفسري السلف فمن بعدهم، قال سعيد بن جبير (ت: ٩٤) في معنى الشُّحّ: (إدخال الحرام، ومنع الزكاة) (٥)، وقال طاووس (ت: ١٠٦):

стр. 270

(البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشُّحُّ أن يَشِحَّ على ما في أيدي الناس) (١)، وقال ابن زيد (ت: ١٨٢) في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر ٩]: (من وُقِيَ شُحَّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئًا، ولم يقربه، ولم يَدْعُهُ الشُّحُّ أن يحبسَ من الحلال شيئًا، فهو من المفلحين) (٢)، وقال ابن عيينة (ت: ١٩٨): (الشُّحُّ: الظلم، وليس الشُّحُّ أن تبخل بما في يدك؛ لأن الله تعالى يقول ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَّفْسِهِ﴾ [محمد ٣٨]) (٣)، وقال الليث (٤) (ت: ١٧٥): (الشُّحُّ ترك الفرائض، وانتهاك المحارم) (٥). وهذا المعنى هو الأوفق للسياق، فإن الآيات في سورة الحشر في سياق مدح الأنصار، والثناء عليهم، ونفْيُ الشُّحِّ أبلغ من نفي البخل، فإنه نفيٌ للبخل وزيادة، قال الواحدي (ت: ٤٦٨): (قال المفسرون: يعني أن الأنصار مِمَّنْ وُقِيَ الشُحَّ حين طابت أنفسُهُم عن الفيء) (٦). وعلى هذا المعنى الصحيح عن ابن مسعود ﵁ جمهور المفسرين، وعامَّة اللغويين، قال ابن جرير (ت: ٣١٠) بعد أن ذكر معنى الشُّحِّ لُغَةً: (وأمَّا العلماء فإنهم يرون أن الشُّحَّ في هذا الموضع إنما هو أكل أموال الناس بغير حَقّ) (٧)، وقال النحاس (ت: ٣٣٨): (وأهل التفسير على أن الشُّحَّ أخذ المال بغير حَقّ) (٨)، وقال به الفراء

стр. 271

(ت: ٢٠٧)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، ونسبه للمفسرين، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن جُزيّ (ت: ٧٤١)، وابن القيم (ت: ٧٥١)، وابن رجب (ت: ٧٩٥) (١). ومن فَسَّر الشُّحَّ بالبخل، كالسمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، لم يُراعوا هذا الفرق، قال ابن العربي (ت: ٥٤٣): (كل حَرفٍ يُفَسَّر على معنيين، أو معنىً يُعَبَّر عنه بحرفين، يجوز أن يكون كلُّ واحد يوضَع موضِعَ صاحبه جمعًا أو فرقًا، وذلك كثير في اللغة، ولم يَقُم هاهنا دليل على الفرق بينهما) (٢)، وقد تَقَدَّمَ دليل الفرق بينهما في كلام ابن مسعود، وابن عمر، وأئمة اللغة. وأمَّا قول الآلوسي (ت: ١٢٧٠) بعدما ذكر قول ابن مسعود وابن عمر ﵃، وآثار السلف السابقة: (ولم أرَ لأحدٍ من اللغويين شيئًا من هذه التفاسير للشُّح) (٣)، فلا يُسَلَّم؛ إذ قد وردت هذه التفاسير عن صحابِيَّين جليلين، وعن كبار أتباع التابعين بعدهم، وكُلُهم من مصادر اللغة ومعادنها، كما ورد نحو تفاسيرهم عن الفراء (ت: ٢٠٧) حيث قال: (﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر ٩]، يُقال: من أدَّى الزكاة فقد وُقِيَ شُحَّ نفسه) (٤)، والعادة من أهل اللغة تفسير الألفاظ بحدها المطابق، لا على المعنى من اللزوم، والتمثيل، وسبب النُّزول ونحوه، وتفسير السلف هنا في مُجْمَله تفسيرٌ على المعنى، لا على اللفظ، كما هي عادتهم، وأكثر شأنِهم فيه.

стр. 272

ومن مسائل هذا الاستدراك: ملاحظة أن أكثر طريقة السلف في التفسير: التفسير على المعنى (١)، ومنه التفسير بالمثال، وباللازم، كما هو تفسير ابن مسعود ﵁ هنا، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فإن منهم- أي: مُفَسِّري السلف- من يُعَبرُ عن الشيء بلازِمِه ونظيره، ومنهم من يَنُصُّ على الشيءِ بِعينه) (٢)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (السَّلَف كثيرًا ما يُنَبِّهون على لازم معنى الآية، فيظُنُّ الظانُّ أن ذلك هو المُراد منها) (٣)، واعتناء السلف في التفسير بهذه الطريقة، وإكثارهم منها، له أسبابه ودواعيه، ومنها: أولًا: مناسبة الزمان والمكان، ففي عصرهم لم يكن يخفى على مجموعهم معاني ألفاظ القرآن، أو أساليبه في البيان، فهم أهل اللسان الذي نزل به. ثانيًا: مناسبة المقام، فالمناسب في مقام السؤال، غير ما يناسب في مقام العرض والبيان، فربما اقتصروا من البيان على سؤال السائل، أو ما يعلمه، أو ما كان مشهورًا في زمنه (٤)، قال الشاطبي (ت: ٧٩٠) في تفسير سعد بن أبي وقاص ﵁ لقوله تعالى ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، بأنهم الحرورية: (وإنما فَسَّرها سعد ﵁ بالحرورية؛ لأنه إنما سُئِلَ عنهم على الخصوص، لأنهم أوّل من ابتدع في دين الله، فلا يقتضي ذلك تخصيصًا) (٥)، وقال أيضًا: (كما قاله القاضي إسماعيل في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٥٩]، بعدما حكى أنها نزلت في الخوارج. وكأن القائل بالتخصيص- والله أعلم- لم يَقُلْ به بالقصد الأول،

стр. 273

بل أتى بمثال ممَّا تتضمنه الآية، كالمثال المذكور؛ فإنه موافق لِمَا كان مُشتَهِرًا في ذلك الزمان، فهو أولى ما يُمَثَّلُ به، ويبقى ما عداه مسكوتًا عن ذكره عند القائل به، ولو سُئِلَ عن العموم لَقال به، وهكذا كل ما تقدم من الأقوال الخاصة ببعض أهل البدع، إنما تحصل على التفسير بحسب الحاجة، ألا ترى أن الآية الأولى من سورة آل عمران إنما نزلت في قصة نصارى نجران؟ ثُمَّ نُزِّلَت على الخوارج حسبما تقَدَّم، إلى غير ذلك ممَّا يُذكَر في التفسير، إنما يحملونه على ما يشمله الموضع بحسب الحاجة الحاضرة، لا بحسب ما يقتضيه اللفظ لُغَةً. وهكذا ينبغي أن تُفهَمَ أقوالُ المفسرين المُتقَدِّمين، وهو الأولى لمناصبهم في العلم، ومراتبهم في فهم الكتاب والسنة) (١). ثالثًا: مراعاة حال المُخاطَب، ومنْزلته في العلم والفهم، فبيان المعنى لأهل العلم وطلابه، يختلف عن بيانه لعامة الناس، وقد اشتهر عن السلف تقريب معاني كلام الله تعالى للناس بأيسر سبيل، وأوضح دليل، حتى أنهم ربما ذكروا للناس من واقعهم ما يُفسرون به القرآن، ومنه قول الأعمش (ت: ١٤٨) ﵀ عند قوله تعالى ﴿اهْبِطُوا مِصْرَ﴾ [البقرة ٦١]- بلا تنوين-: (هي مصر التي عليها صالح بن علي) (٢). وكذا استشهادهم لكثير من الآيات على ما استجَدَّ في واقعهم، وتفسيرها به، كتفسيرهم عددًا من الآيات بالخوارج، والحرورية، والإباضية، والقدرية، وكُلُّها فِرقٌ حدثت أو برزت بعد زمن التنْزيل. (٣) قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (أولى العبارات أن يُعَبَّر بها عن معاني القرآن أقربها إلى

стр. 274

فهم سامعيه) (١)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (إن اللسان له موقع من الدين، والعبارة المَرضِيَّة مندوبٌ إليها، كما أن التعَمُّقَ منهيٌّ عنه) (٢)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب، فلا تُجِب من دعاك إليه من مكان بعيد) (٣). * * * [٤٢] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّ اسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]. عن أبي البَختَري (٤) قال: سأل رجل حذيفة عن هؤلاء الآيات ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٧]، قال: فقيل ذلك في بني إسرائيل. قال: (نِعْمَ الإخوة لكم بنو إسرائيل!؛ إن كان لهم كل مرّة، ولكم كل حلوة، كلا والله لتَسْلُكُنَّ طريقَهم قَدْرَ الشِّراك) (٥).

стр. 275

* تحليل الاستدراك: في سؤال السائل عن هذه الآيات تخصيص لها في بني إسرائيل، ومآخِذُ هذا التخصيص هي: أولًا: سبب النُّزول، فعن البراء بن عازب ﵁ قال: (مُرَّ على النبي ﷺ بيهودي مُحَمَّمًا (١) مَجْلودًا، فدعاهم ﷺ فقال: هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرَّجم؛ ولكنه كَثُر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ : اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فَرُجم، فأنزل الله ﴿* يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة ٤١]، إلى قوله ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة ٤١]، يقول: ائتوا محمدًا ﷺ ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]، في الكفار كلها) (٢). وعن ابن عباس ﵁ أنها نزلت في حَيَّي يهود في المدينة؛ بني النضير وبني قريظة، إذ كانت الأولى تشرف وتعتز على الثانية فلا تتساويا في الدية، فعَزَّت الثانية بمبعث رسول الله ﷺ وتحكيمه، فتحاكمتا

стр. 276

إليه، فحملهم على الحق في ذلك سواء، فنَزلت الآيات. (١) وهذان السببان هما أصح ما ورد، ولا يمتنع نزول الآية فيهما جميعًا (٢)، والتناسب واضح بين سبب النُّزول وسياق الآية الآتي ذكره، وأنه في اليهود. ثانيًا: سياق الآيات، فقبلها قوله تعالى ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة ٤١]، وقوله ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة ٤٤]، فعاد الضمير عليهم، وبعدها قوله تعالى ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة ٤٥]، وهذا الضمير لليهود بإجماع. (٣) وقد أجاب حذيفة ﵁ بما يفيد رَدّه لهذا التخصيص، وأنها شاملة لغيرهم من هذه الأمة (٤)، ومأخذ العموم في الآية عموم لفظها؛ إذ صُدِّرت بلفظ "من"، وهي من أبلغ صيغ العموم، فتشمل كلَّ من انطبق عليه شرطها. وكذلك سياقها في قوله تعالى قبلها ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة ٤٤]، على أن الخطاب للمؤمنين (٥). وكذا خطابُ النبي ﷺ فيها، ومنه قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ

стр. 277

الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة ٤١]، وقوله ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة ٤٢]، وقوله تعالى بعدها ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة ٤٨]. * الحكم على الاستدراك: ذهب البراء بن عازب، وابن عباس ﵃ (١)، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٢) (ت: ٩٤)، وأبو رجاء العُطَاردي (٣) (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وأبو مجلَز (٤) (ت: ١٠٦)، وقتادة (ت: ١١٧)، وأبو صالح (ت: ١٢١) (٥)، إلى أن هؤلاء الآيات خاصة في اليهود، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، والقصَّاب (٦) (ت: ٣٦٠)، والنحاس (ت: ٣٣٨) (٧)، واحتجوا كما سبق بسبب النُّزول، وسياق الآيات. غير أن سبب النُّزول والسياق إنما يَمْنَعان العموم عند عدم القرائن (٨)، وقد دَلَّ على العمومِ في هذه الآياتِ دلائلُ منها:

стр. 278

أولًا: "مَنْ" الشرطية الدالَّة على العموم، قال ابن القيم (ت: ٧٥١) بعد ذكر القول بأنها في أهل الكتاب: (وهو بعيد؛ وهو خلاف ظاهر اللفظ، فلا يُصار إليه) (١). ثانيًا: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثالثًا: سياق الآيات على ما سبق بيانه؛ إذ فيها خطابٌ للنبي ﷺ وللمؤمنين. رابعًا: أنه قد وقع في كلام العلماء تداخل بين سبب النُّزول، ومدلول الآيات، فسبب النُّزول لا شك أنه في اليهود الذين غيروا حكم الله في الزاني المحصن أو في القصاص، وسياق الآيات دالٌّ على ذلك بلا شك، أمَّا مدلول الآيات ففيه خلاف كما سبق، ومنه أن بعض من قال أنها في أهل الكتاب، ورد عنه أنها في اليهود، أو العكس، كالضحاك (ت: ١٠٥)، وأبي مجلز (ت: ١٠٦)، وقتادة (ت: ١١٧)، وكذا بعض من قال أنها في اليهود، ورد عنه أنها عامَّة في المسلمين، ويتبين ذلك بمراجعة أقوال ابن عباس ﵁، والنخعي (ت: ٩٦)، والحسن (ت: ١١٠)، وفي قول حُذيفة ﵁ إشارة قريبة لذلك. خامسًا: دلالة القرآن على معنى هذه الآيات، ومخاطبة المؤمنين بنحو ذلك يدل على عمومها، كالأمر بالحكم بكتاب الله، ونفيِ الإيمان عمَّن لم يتحاكم إلى الكتاب والسنة، والنهي عن التحاكم إلى الطاغوت، ونحو ذلك. (٢) سادسًا: أنه قول الجمهور من أهل العلم، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم: الآية متناولة كلَّ من لم يحكم بما أنزل الله) (٣)، وهو

стр. 279

قول حذيفة، وابن مسعود ﵃، والنخعي (ت: ٩٦)، والحسن (ت: ١١٠)، والسُدِّي (ت: ١٢٨)، وعليه أكثر المفسرين بعدهم (١). ولا يشكِلُ على ذلك، ولا يتطرق منه للخوارج سَبَبٌ أن كان في القول بالعموم استدلالٌ بما نزل في الكفار على حال المؤمنين؛ فإنه وارد عن رسول الله ﷺ ، وصحابته، حيث يتوافق الوصف الفرد المذكور في الآية مع حال المُستَشهَدِ عليه (٢). ولا يضير هذا الاختيار في معنى الآية أن استدل به الخوارج؛ فإن من حَقِّ العلم، ومنهجِ أهله ذكرُ أقوال السلف في الموضع الواحد كما هي، وإن كان فيها مرجوحٌ، أو ضعيفٌ، أو ما وافقهُ طائفةٌ من أهل البدع، فالحُجَّةُ تبيِّنُ ضَعفَه وتكشِفُ لَبْسَه، قال عبد الرحمن بن مهدي (٣) (ت: ١٩٨): (أهلُ العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم) (٤)، وقد أخذَ ابنُ تيمية (ت: ٧٢٨) على بعض المفسرين- كابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧) - تركَ ذكرِ بعض أقوال السلف في بعض الآيات؛ لأنها مرجوحة، أو ضعيفة، أو وافقها بعض المبتدعة، ثم قال: (وأمَّا عبدُ بن حُميد، وأمثاله من أئمة العلماء، فذكروا أقوال السلف في هذا وهذا، وهذا هو الصواب، وهو إعطاء العلم حَقَّه) (٥)، ثم ذكر أن بعض أولئك المفسرين ربما نقل عن بعض السلف ما هو أشدّ من ذلك، كدعوى الخطأ من

стр. 280

الكاتب في بعض الآيات، وإنكار بعض القراءات، والأقوال التي خالفت الأحاديث صراحةً، فقهًا وتصوفًا واعتقادًا، مع أن ما تُرِكَ ذكره من أقوال السلف لا يدلّ على ما يذهب إليه بعض المبتدعة في أحيان كثيرة. (١) * * * [٤٣] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠]. عن أبي هريرة ﵁ قال: (ما تقولون ﴿بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، لمن هي؟ قلنا: للمسلمين. قال: لا والله، ما هي إلا للأعْرَابِ خاصَّةً، فأمَّا المهاجرون فسبعمائة) (٢). * تحليل الاستدراك: ذهب جُلَساءُ أبي هريرة ﵁ إلى أن تضعيف الحسنة إلى عشرِ أمثالها عامٌّ لجميع المسلمين، أخذًا بظاهر الآية وعمومها؛ إذ لفظ "مَنْ" من أشهر صيغ العموم، كما يدل على العموم سياق الآية؛ إذ يُقابل تضعيف الحسنة لعموم المسلمين، الجزاء بالسيئة لعموم المسلمين أيضًا، فكما أنه لا تخصيص في الجزاء بالسيئة، فكذلك في

стр. 281

تضعيف الحسنة. ويقوي العموم في الآية قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: (إن الله كتب الحسناتِ والسيئاتِ ثم بيَّنَ ذلك: فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئةً واحدةً) (١)، وفي لفظ: (ثم قرأ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]) (٢). وذهب أبو هريرة ﵁ إلى تخصيص التضعيف بعشر حسنات الوارد في الآية بالأعراب- وهم من أسلم من غير المهاجرين في ذلك الوقت (٣) -، وأكَّدَ نفيه للعموم بالقسم، وحَدَّد مقدار ما يُضاعَف للمهاجرين بسبعمائة. واستُدِلَّ لذلك بسبب النُّزول، فعن ابن عمر ﵁ قال: (نزلت هذه الآية ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠] في الأعراب، والأضعاف للمهاجرين)، وفي لفظ: (فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أعظم، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤٠]، وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم)، وصَحَّ نحوه عن أبي سعيد الخدري ﵁ (٤)، ويُقَوِّي ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤٠]، فحُمِلَت المُضاعفة المُجملة في هذه الآية على عملِ المُهاجرين، وحُملَت المُضاعفة المُفسَّرة في آية الأنعام على عموم المسلمين (٥)، كما يُقَوِّي تخصيص المُهاجرين بالمُضاعفة المُطلَقة بيانُ أن من عَظُمَت منْزلته

стр. 282

ودرجته عند الله فإن عملَه يُضاعَف له أجره، ويشهد لهذا المعنى أن الله ضاعف لهذه الأمة؛ لكونها خير أمة أُخرِجَت للناس أجرها مَرَّتين، فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨]، وفي الصحيح قال ﷺ : (إنما مَثَلُكُم ومثَلُ اليهود والنصارى كرجل استعمل عُمَّالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: نحن أكثرُ عَملًا وأقلُّ عَطاءً. قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنه فضلي أعطيه من شئت) (١)، كما يشهد له قوله تعالى في حقِّ أزواج نبيه ﷺ ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب ٣٠]، إلى قوله ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب ٣٢]. (٢) * الحكم على الاستدراك: ذهب إلى العموم في الآية جماعة من المفسرين (٣)، ورَجَّح ابنُ جرير (ت: ٣١٠)، قولَ أبي هريرة ﵁، جمعًا بين آيتي النساء والأنعام السابقتين (٤)، وينبغي المصير

стр. 283

إليه؛ لأن تحديد مقادير الحسنات من الغيب الذي لا يُعلَمُ إلا بوحي، وأشار إلى هذا ابنُ عطية (ت: ٥٤٦) بقوله: (وهذا تأويل يحتاج إلى سَنَدٍ يقطعُ العذر) (١)، وقد صَحَّ سنده كما سبق، وتفسير الصحابي المتعلق بأمر الآخرة وما لا يُعلَمُ إلا بوحي له حكم المرفوع، قال السيوطي (ت: ٩١١): (التفسير الوارد عن الصحابي فيما يتعلق بأمر الآخرة له حُكم الرفع بإجماع أهل الحديث) (٢)، فإذا انضاف إلى ذلك تأكيدُ أبي هريرة ﵁ له بالقسم، واعتضدَ بسبب النُّزول، ووافقه عليه أبو سعيد الخدري، وابنُ عمر، وابنُ عباس ﵃؛ صَحَّ القول به، وتعيَّنَ تقديمه على العموم. ومن مسائل هذا الاستدراك: حرصُ السلف على تأكيد المعاني الصحيحة في التفسير ورَدِّ ما سواها، وقد تنوَّعتْ طرائقهم في ذلك، فكان منها القسم، ويجيء في تفاسير السلف كثيرًا عند الحاجة إليه، وما أقسموا عليه من معاني كلام الله تعالى يستلزمُ تقديمًا في النظر، واعتبارًا في البحث، ووقوفًا على أسبابه الحاملة عليه. * * * [٤٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ١٦]. عن نافع (٣) قال: سألت ابن عمر قلت: (إنَّا قومٌ لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة أمامنا أو عسكرنا؟ فقال لي: الفئة رسول الله ﷺ . فقلت: إن الله يقول ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال ١٥]. قال: إنما أُنْزلت هذه الآية

стр. 284

لأهل بدر، لا قبلها، ولا بعدها) (١). * تحليل الاستدراك: فهم نافع من الآية تحريم التوَلِّي عند القتال إلا تَحَيُّزًا إلى فئةٍ حاضرةٍ أرضَ القتال؛ ولذلك شكى لابن عمر عَدَمَ تَمَيُّز الفئة لهم حال القتال، واستدلَّ لتأكيد فهمه ذلك بالعموم في ألفاظ الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال ١٥]، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال ١٥]، ﴿وَمَنْ﴾ [الأنفال ١٦]. ثُمَّ بسياقها الوارد في النهي عن التولي يوم الزحف، وذلك في قوله تعالى قبلها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال ١٥]. ويشهد لهذا المعنى من السنة قوله ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات)، وذكر منها: (والتولي يوم الزحف) (٢)، وقد ورد عن عمر ﵁: (إذا لقيتم فلا تفروا) (٣)، وعن علي وابن عمر ﵃: (الفرار من الزحف من الكبائر) (٤). وذهب ابن عمر إلى أن ذلك النهي في الآية خاصٌّ بيوم بدر، وخَصَّص الفئة المذكورة في الآية برسول الله ﷺ ، واستُدِلَّ لذلك التخصيص بموضوع السورة العام؛

стр. 285

فإنها في غزوة بدر (١)، وبسياقها في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال ١٦]، أي: يوم بدر. وبسبب نزولها، فهي في أهل بدر (٢)، وأنه لم يكن لأهل بدر أن ينحازوا؛ لأنهم لو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، كما قال ﷺ في دعائِه يوم بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبَد في الأرض) (٣)، ولم يكن لهم فئة إلا رسول الله ﷺ ، وقد قال تعالى ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَّفْسِهِ﴾ [التوبة ١٢٠] (٤)، ويدل على اختصاص ذلك بأهل بدر حديث ابن عمر ﵁: (أنه كان في سرية من سرايا رسول الله ﷺ ، قال: فحَاصَ الناس حَيصَةً، فكُنتُ فيمن حَاصَ (٥)، قال: فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها، ونذهب ولا يرانا أحد، قال: فدخلنا، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا، قال: فجلسنا لرسول الله ﷺ قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه، فقلنا: نحن الفرارون. فأقبل إلينا، فقال: لا، بل أنتم العَكَّارُون (٦). قال: فدنونا فقبلنا يده، فقال: أنا فئة المسلمين) (٧)،
следующие страницы →