← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

تضعيف الحسنة. ويقوي العموم في الآية قوله ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: (إن الله كتب الحسناتِ والسيئاتِ ثم بيَّنَ ذلك: فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئةً واحدةً) (١)، وفي لفظ: (ثم قرأ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]) (٢). وذهب أبو هريرة ﵁ إلى تخصيص التضعيف بعشر حسنات الوارد في الآية بالأعراب- وهم من أسلم من غير المهاجرين في ذلك الوقت (٣) -، وأكَّدَ نفيه للعموم بالقسم، وحَدَّد مقدار ما يُضاعَف للمهاجرين بسبعمائة. واستُدِلَّ لذلك بسبب النُّزول، فعن ابن عمر ﵁ قال: (نزلت هذه الآية ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠] في الأعراب، والأضعاف للمهاجرين)، وفي لفظ: (فقال رجل: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أعظم، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤٠]، وإذا قال الله لشيء عظيم فهو عظيم)، وصَحَّ نحوه عن أبي سعيد الخدري ﵁ (٤)، ويُقَوِّي ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٤٠]، فحُمِلَت المُضاعفة المُجملة في هذه الآية على عملِ المُهاجرين، وحُملَت المُضاعفة المُفسَّرة في آية الأنعام على عموم المسلمين (٥)، كما يُقَوِّي تخصيص المُهاجرين بالمُضاعفة المُطلَقة بيانُ أن من عَظُمَت منْزلته

стр. 282

ودرجته عند الله فإن عملَه يُضاعَف له أجره، ويشهد لهذا المعنى أن الله ضاعف لهذه الأمة؛ لكونها خير أمة أُخرِجَت للناس أجرها مَرَّتين، فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨]، وفي الصحيح قال ﷺ : (إنما مَثَلُكُم ومثَلُ اليهود والنصارى كرجل استعمل عُمَّالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى، فقالوا: نحن أكثرُ عَملًا وأقلُّ عَطاءً. قال الله: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنه فضلي أعطيه من شئت) (١)، كما يشهد له قوله تعالى في حقِّ أزواج نبيه ﷺ ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب ٣٠]، إلى قوله ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب ٣٢]. (٢) * الحكم على الاستدراك: ذهب إلى العموم في الآية جماعة من المفسرين (٣)، ورَجَّح ابنُ جرير (ت: ٣١٠)، قولَ أبي هريرة ﵁، جمعًا بين آيتي النساء والأنعام السابقتين (٤)، وينبغي المصير

стр. 283

إليه؛ لأن تحديد مقادير الحسنات من الغيب الذي لا يُعلَمُ إلا بوحي، وأشار إلى هذا ابنُ عطية (ت: ٥٤٦) بقوله: (وهذا تأويل يحتاج إلى سَنَدٍ يقطعُ العذر) (١)، وقد صَحَّ سنده كما سبق، وتفسير الصحابي المتعلق بأمر الآخرة وما لا يُعلَمُ إلا بوحي له حكم المرفوع، قال السيوطي (ت: ٩١١): (التفسير الوارد عن الصحابي فيما يتعلق بأمر الآخرة له حُكم الرفع بإجماع أهل الحديث) (٢)، فإذا انضاف إلى ذلك تأكيدُ أبي هريرة ﵁ له بالقسم، واعتضدَ بسبب النُّزول، ووافقه عليه أبو سعيد الخدري، وابنُ عمر، وابنُ عباس ﵃؛ صَحَّ القول به، وتعيَّنَ تقديمه على العموم. ومن مسائل هذا الاستدراك: حرصُ السلف على تأكيد المعاني الصحيحة في التفسير ورَدِّ ما سواها، وقد تنوَّعتْ طرائقهم في ذلك، فكان منها القسم، ويجيء في تفاسير السلف كثيرًا عند الحاجة إليه، وما أقسموا عليه من معاني كلام الله تعالى يستلزمُ تقديمًا في النظر، واعتبارًا في البحث، ووقوفًا على أسبابه الحاملة عليه. * * * [٤٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ١٦]. عن نافع (٣) قال: سألت ابن عمر قلت: (إنَّا قومٌ لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة أمامنا أو عسكرنا؟ فقال لي: الفئة رسول الله ﷺ . فقلت: إن الله يقول ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال ١٥]. قال: إنما أُنْزلت هذه الآية

стр. 284

لأهل بدر، لا قبلها، ولا بعدها) (١). * تحليل الاستدراك: فهم نافع من الآية تحريم التوَلِّي عند القتال إلا تَحَيُّزًا إلى فئةٍ حاضرةٍ أرضَ القتال؛ ولذلك شكى لابن عمر عَدَمَ تَمَيُّز الفئة لهم حال القتال، واستدلَّ لتأكيد فهمه ذلك بالعموم في ألفاظ الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال ١٥]، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال ١٥]، ﴿وَمَنْ﴾ [الأنفال ١٦]. ثُمَّ بسياقها الوارد في النهي عن التولي يوم الزحف، وذلك في قوله تعالى قبلها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ﴾ [الأنفال ١٥]. ويشهد لهذا المعنى من السنة قوله ﷺ : (اجتنبوا السبع الموبقات)، وذكر منها: (والتولي يوم الزحف) (٢)، وقد ورد عن عمر ﵁: (إذا لقيتم فلا تفروا) (٣)، وعن علي وابن عمر ﵃: (الفرار من الزحف من الكبائر) (٤). وذهب ابن عمر إلى أن ذلك النهي في الآية خاصٌّ بيوم بدر، وخَصَّص الفئة المذكورة في الآية برسول الله ﷺ ، واستُدِلَّ لذلك التخصيص بموضوع السورة العام؛

стр. 285

فإنها في غزوة بدر (١)، وبسياقها في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال ١٦]، أي: يوم بدر. وبسبب نزولها، فهي في أهل بدر (٢)، وأنه لم يكن لأهل بدر أن ينحازوا؛ لأنهم لو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، كما قال ﷺ في دعائِه يوم بدر: (اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبَد في الأرض) (٣)، ولم يكن لهم فئة إلا رسول الله ﷺ ، وقد قال تعالى ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَّفْسِهِ﴾ [التوبة ١٢٠] (٤)، ويدل على اختصاص ذلك بأهل بدر حديث ابن عمر ﵁: (أنه كان في سرية من سرايا رسول الله ﷺ ، قال: فحَاصَ الناس حَيصَةً، فكُنتُ فيمن حَاصَ (٥)، قال: فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها، ونذهب ولا يرانا أحد، قال: فدخلنا، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا، قال: فجلسنا لرسول الله ﷺ قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه، فقلنا: نحن الفرارون. فأقبل إلينا، فقال: لا، بل أنتم العَكَّارُون (٦). قال: فدنونا فقبلنا يده، فقال: أنا فئة المسلمين) (٧)،

стр. 286

وصَحَّ عن عمر ﵁ نحو ذلك (١)، فَدَلَّ على عدم العموم؛ لعدم مُؤاخذةِ من وقع منه ذلك بعد بدر، وقد فَرَّ الناس يوم أُحُد فعفا الله عنهم، وقال فيهم يوم حنين ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة ٢٥]، ولم يقع على ذلك تعنيف. (٢) * الحكم على الاستدراك: ذهب عمر، وابنه، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد ﵃، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وأبو نضرة (٣) (ت: ١٠٨)، والحسن (ت: ١١٠)، ونافع (ت: ١١٧)، وقتادة (ت: ١١٧)، ويزيد بن أبي حبيب (٤) (ت: ١٢٨)، إلى أن الآية خاصَّةٌ بأهل بدر (٥)، واستُدِلَّ لهذا القول بما سبق. وذهب جمهور العلماء إلى أن الآية عامَّة لكل المؤمنين في كل زمن، وعلى كل حال، إلا حال التحرُّف والتَّحَيُّز (٦). وقالوا إن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب يوم

стр. 287

بدر، وذهاب اليوم بما فيه (١)، وأجابوا عن أدلَّةَ من خَصَّ الآية بأهل بدر بأن قوله ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ [الأنفال ١٦]، أي: يوم الزحف، المذكور في الآية قبلها، لا يوم بدر. وأما سبب النُّزول فالعبرة بعموم اللفظ، كما هو ظاهر في الآية والحديث. وأما قولهم: إن أهل بدر لو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، لأنه لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم. فليس بسديد؛ فقد كان بالمدينة إذ ذاك خلق كثير لم يأمرهم النبي ﷺ بالخروج؛ لأنه ﷺ ومن معه لم يكونوا يرون في ابتداءِ الأمر أنه سيكون قتال (٢). وأمَّا قول النبي ﷺ : (أنا فئة المسلمين)، وكذا ما صَحَّ عن عمر فلا دليل فيه على عدم العموم؛ وإنما هو على جهة الحيْطَة على المؤمنين؛ إذ كانوا في ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مرارًا (٣)، وقد يكونوا أخذوا بالرخصة، فتأثَّموا لتركِ إخوانهم، والرغبة عن العزيمة والشهادة. (وأمَّا يوم أُحُد فإنما فَرَّ الناس من أكثرَ من ضِعفِهِم، ومَعَ ذلك عُنِّفُوا؛ لكون رسول الله ﷺ فيهم، وفرارهم عنه، وأمَّا يوم حُنين فكذلك من فَرَّ إنما انكشفَ أمام الكثرة) (٤)، والرخصة في نحو ذلك معلومة. وقد أجمع العلماء على تحريم الفرار يوم بدر، وأنه من الكبائر (٥)، ولكن النهي المطلق في الآية، وخبر النبي ﷺ العام، لا يصح فيهما التقييد والتخصيص إلا بدليل (٦)، وقد قال ابن العربي (ت: ٥٤٣) عن الحديث السابق: (وهذا نَصٌّ في المسألة يرفع الخلاف، ويُبَيِّن الحكم) (٧).

стр. 288

فمن ثَمَّ يترجَّح القول بالعموم، ويدخل فيه أهلُ بدرٍ دُخولًا أوَّليًّا، ثمَّ غيرهم مِمَّنْ بعدهم، وهو قول الجمهور. (١) * * * [٤٥] ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف ٧٦]. عن سعيد بن جبير قال: (حَدَّثَ ابنُ عباس بحديثٍ فقال رجلٌ عنده: الحمد لله ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف ٧٦]. فقال ابن عباس: بئسما قلت، اللهُ العليمُ، وهو فوقَ كلِّ عالِمٍ) (٢). * تحليل الاستدراك: أنكر ابن عباس ﵁ على الرجل فهمه للآية، ومن ثَمَّ استشهاده بها في ذلك الموقف، فإن الرجل استشهد بها على سعة علم ابن عباس وتَبَحُّره، بعد أن فهم منها أنه ما من عالم إلا وفوقه أعلم منه، فجعل الرجلُ هذا العالِمَ- المذكورَ في الآية- المحيط بعلم من قبله ابنَ عباس؛ ولذا أنكر عليه ابن عباس استشهاده وفهمه، وبَيَّنَ

стр. 289

أن الله تعالى هو العالم المحيط بكل شيء، وإليه منتهى علم كل عالم، فقال: (يكون هذا أعلم من هذا، ويكون هذا أعلم من هذا، والله فوق كُلِّ عالم) (١). وقد يُقال: ليس الاستدراك هنا على فهم الرجل، أو استشهاده، وإنما هو استدراك على ما خَشِيَ ابنُ عباس أن يتطرق إلى فهم أحدٍ من السامعين، فقاله هَضمًا للنفس، وسدًّا لباب الغلوّ فيه، ورفعه فوق منْزلته. وظاهرٌ من تَعَجُّب الرجل أن ابن عباس ﵁ تحدَّث بعلمٍ أخذَ بألباب السامعين، ولا غرو فهو ترجمان القرآن، والبليغ في البيان (٢)؛ فحَقَّقَ في نفوس السامعين أن العالِمَ الجامع لكلِّ أفراد العلم؛ ما كان وما لم يكن، وما ظهر وما بطن، وإليه منتهى علم كل عالم هو الله تعالى. ومن ثَمَّ فعلى كلا التخريجين: أن يكون ابن عباس هو الموصوف بأعلى العلم في الآية، كما فهم الرجل، أو كما خشيَ ابن عباس أن يفهمه بعض السامعين؛ فهذا قولٌ منكر عند ابن عباس، وصوابه عنده: أن الله تعالى هو "العليم"، ب"أل" المستغرقة لجنس العلم وتمامه، ثم بعد ذلك يتفاوت الناس فيما آتاهم الله من علم، وعلم الله تعالى فوق علمهم جميعًا. * الحكم على الاستدراك: ما ذكره ابن عباس ﵁ في معنى هذه الآية هو الحق، وهو المعروف عند المفسرين (٣)، وما ذكره هذا الرجل فهو خطاٌ في نفسه إن اعتقده، أو فيما يؤول إليه من

стр. 290

سوءِ فهمٍ من غيره، إذ فيه تحميل للآية ما لا تحتمل، ووصفُ مخلوقٍ بما لا يصلحُ إلا للخالق سبحانه. وتبرز في هذا الاستدراك مسألةُ الاستشهاد بآيات القرآن الكريم على واقعة مُعَيَّنَة (١)، وضوابط هذا الاستشهاد، وشروط صحته. وفي هذه الرواية عن ابن عباس ﵁ إشارة إلى ضوابط هامّة في هذا الباب، منها: أولًا: يشترط لصحة الاستشهاد بالآية على واقعةٍ مُعَيَّنَة صِحَّةُ المعنى المُستَشهَدُ به في الآية؛ لأنه بمثابة الأصل الذي يُبنى عليه. ثانيًا: لا بد من تطابق الآية المُستَشهَد بها، مع الواقعة المُعَيَّنَة، فإذا تخالف الأمران بَطل الاستشهاد، كالاستشهاد بما هو من خصائص الخالق، على حال المخلوق، كما هو صنيع الرجل في هذه الرواية، وكذا الاستشهاد بما هو في الكافرين وتنْزيله على المسلمين، كما اشتهرت بذلك الخوارج. (٢) ثالثًا: إذا ترتب على هذا الاستشهاد إضرارٌ بالمعنى الأصلي للآية المُستَشهَدِ بها مُنِعَ منه؛ سَدًّا لباب إساءة الفهم، ويندرج هذا الضابط تحت الأصل الشرعي: "درء

стр. 291

المفاسد مُقَدَّمٌ على جلبِ المصالح" (١)، ومنه رَدُّ ابن عباس لمقالة الرجل، على التخريج الثاني له كما سبق. رابعًا: سلامة سياق الحال ممَّا يخدش تعظيم القرآن الكريم، أو يقرنه بِسَفهٍ أو عَبَث. (٢) وتتكامل هذه الضوابط وتلتقي مع بعض شروط الاستنباط والتفسير على القياس، التي أشار إليها ابن القيم (ت: ٧٥١) ﵀ (٣)؛ إذ كلا الأمرين زائد على التفسير بمجرد اللفظ أو المعنى. * * * [٤٦] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل ٧٢]. عن زِرِّ بن حُبَيش (٤) قال: (قال لي عبد الله بن مسعود: ما الحفدةُ يا زِرّ؟ قال: قلت: هم أحفادُ الرجلِ من ولده، وولد ولده. قال: لا، هم الأصْهَار) (٥).

стр. 292

* تحليل الاستدراك: فَسَّر زِرٌّ "الحفدةَ" في الآية بأنهم: ولد الولد، وأولادهم؛ لِصِحَّته لُغَةً، ويكفي إثبات زِرٍّ له، وهو المُخضرَم الحُجَّة. ولأنه أنسب للسياق؛ فقوله تعالى ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل ٧٢]، يفيد أن الحفدة من الزوجات، كما أن البنين كذلك (١)، وكذلك سياق الآيات قبلها في تعداد النِّعَم، ومن أسماء السورة كذلك سورة: "النِّعَم" (٢)، ورِزْقُ اللهِ عبادَه بالحفدةِ بعد البنينِ من تمام نِعَمِهِ عليهم. وذهب ابنُ مسعود ﵁ إلى أن المراد: الأصهار، وفي لفظ: الأختان. وهما متقاربان، ولا تعارض بينهما (٣)، ومأخذه في ذلك صحة هذا المعنى لُغةً، ولا شك فقائله محضُ العرب ﵁. كما يشهد له قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان ٥٤] (٤)، فالنَّسَبُ والصِّهرُ هنا في مقابلةِ البنين والحفدة في آية النحل، وكلاهما في سياق الامتنان والتفَضُّل.

стр. 293

* الحكم على الاستدراك: أصلُ الحَفْدِ في كلام العرب: الخِفَّة والسرعة في الخدمة والعمل (١)، قال الشاعر (٢): حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأُسْلِمَت … بأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأجْمَالِ ومن خلال هذا الأصل اللغوي تعددت أقوال السلف في معنى "الحفدة" في هذه الآية، وجُملَتُها أربعةُ أقوالٍ هي: الأول: أنَّهُم أعوانُ الرجل وخَدَمُه، وهو قول ابن عباس (٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وطاووس (ت: ١٠٦)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، وأبي مالك الغفاري (٤)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، وابن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، وأبي عبيدة (ت: ٢١٠)، وأبي عبيد (٥) (ت: ٢٢٤). (٦)

стр. 294

قال النضر بن شُميل (١) (ت: ٢٠٤): (من قال الحَفَدةُ: الأعوان، فهو أتبَعُ لكلام العرب ممَّن قال: الأصهار) (٢)، وذكر ابن الأنباري (٣) (ت: ٣٢٨) أنه المُطابق لِلُّغة (٤)، وقال ابن فارس (ت: ٣٩٥): (ويقال في قوله تعالى ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ [النحل ٧٢]، إنهم: الأعوان، وهو الصحيح) (٥). الثاني: أنهم الأصهار، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس (٦) ﵃، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، وإبراهيم النخعي (ت: ٩٦)، وأبي الضُّحى (٧) (ت: ١٠٠)، والفرَّاء (ت: ٢٠٧). (٨) الثالث: أنهم ولد الرجل، وولد ولده، وهو قول ابن عباس (٩)، وزِرّ بن حبيش (ت: ٨٢)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة

стр. 295

(ت: ١١٧)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وابن زيد (ت: ١٨٢). (١) الرابع: أنهم بنو امرأة الرجل من غيره، وهو قول ابن عباس ﵁. (٢) وليس شيء من هذه الأقوال مردودًا لُغةً، ما دامت غيرَ خارجةٍ عن مدلول اللفظة الأصلي، غيرَ أنَّ أحدَها لا يحتمله لفظ الآية، وهو القول الأول: أنهم الأعوان والخدم؛ فإن الآية اقتصرت من معاني "الحفدة" على ما كان من طريق الزوجة، مُباشرةً أو تسَبُّبًا كما سيأتي، والأعوان والخدم ليسوا من هذا الطريق، وهو ما أشار إليه ابن زيد (ت: ١٨٢) بقوله: (ليس تكون العبيد من الأزواج، كيف يكون من زوجي عبد؟!). فهذا المعنى صحيح لُغةً، لكنه لا يصحُّ تفسيرًا للآية، إلا معَ تَأَوُّلِ حَذفٍ وتقدير؛ فيه من التَكَلُّفِ وتحميل النَّصِّ ما فيه (٣). ولتخريج هذا القول على معنىً تحتمله الآية بلا تَكَلُّف يُقال: إنهم أرادوا نوعًا من الأعوان والخدم خاصًّا، وهم البنون وأبنائهم؛ فإنهم أقرب الأعوان، وأسرعهم، وأحرصهم خدمةً، ويشهد له من السُّنَّة قوله ﷺ : (والولد عبدٌ لك) (٤)، وقول الحسن (ت: ١١٠): (الحفدة: الخدم، يعني ولدًا يخدمونه، وولد ولده) (٥)، وقول ابن زيد (ت: ١٨٢): (الحفدة: الخدم من ولد الرجل، هم ولده، وهم يخدمونه) (٦).

стр. 296

أمَّا بقيةُ الأقوال الثلاثة فهي من قبيل اختلاف التنوع، الذي يُعبِّر فيه كُلُّ مفسر عن بعض معنى اللفظ لا على سبيل التخصيص، فقد جعل الله تعالى للرجل من زوجته صنفين من النِّعَم: البنين، والحفدة، فالبنين مُباشرةً، والحَفَدَةُ تَسَبُّبًا، فيكون منها على التفصيل: البنين، وأولادهم، والأصهار، وأولاد الزوجة من غير زوجها. ويدلّ على هذا الجمع وروده مع تنوُّعِه عن المفسر الواحد، فوردت الثلاثة عن ابن عباس ﵁، وتكرر بعضها عن عكرمة (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، وجميعها صحيح لُغةً، عامٌّ غير مخصوص، موافق لسياق الامتنان والتفضُّل في الآيات، وموضوع السورة العام. قال ابن الأنباري (ت: ٣٢٨) بعد ذكره لقول طاووس (ت: ١٠٦): (الحفدة: الخدم): (فهذا مطابق لِلُّغة، والأقوال الأخرى غير خارجة عن الصواب) (١)، واختار الجمع بين هذه الأقوال ابنُ سلاَّم (ت: ٢٠٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن حجر (ت: ٨٥٢) (٢). * * * [٤٧] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف ٦٠]. عن سعيد بن جبير قال: (قلت لابن عباس: إن نوفًا البِكَالي (٣) يزعم أن موسى صاحب الخضر، ليس موسى صاحب بني إسرائيل. فقال ابن عباس: كذبَ عدوُّ الله،

стр. 297

حدثنا أُبَيّ بن كعب عن النبي ﷺ : (إن موسى قام في بني إسرائيل خطيبًا … ) الحديث. (١) * تحليل الاستدراك: ذهب نوفٌ إلى أن "موسى" في هذه الآيات ليس النبيَّ صاحبَ بني إسرائيل، وإنما هو: موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب، قال ابن إسحاق (٢) (ت: ١٥٠): (وكان نبيًّا في بني إسرائيل قبل موسى بن عمران، ويزعم أهلُ الكتاب أنه الذي صَحِبَ الخَضِر) (٣)، فهذا قول أهلِ الكتاب، نقله نوفٌ، عن كعبِ الأحبار، عنهم (٤). فهذا مُعتَمَدُه في التعيين؛ أخبار أهل الكتاب. (٥) ورَدَّ ابنُ عباس ﵁ هذا القول وكَذَّبَه، واستندَ في إبطاله إلى نَصِّ حديث رسول الله ﷺ ، وفيه تحديدُ موسى، وأنه نبي بني إسرائيل ﵇، وهذا ظاهر القرآن، إذ ليس في القرآن موسى غيرَ واحد، هو نبي الله ابن عمران ﵇، ولو كان من في هذه الآية غيرَه لَبَيَّنه النص. (٦) * الحكم على الاستدراك: نَصُّ السنة، وظاهر القرآن، ومُقتَضى التاريخ (٧) يدل على أن موسى صاحب

стр. 298

الخضر هو: ابن عمران النبي ﵇، وليس غيره. وقد ذكر مَنْ قال غيرَ ذلك شُبَهًا لأهلِ الكتاب، لا تقوم في مقابلة نصّ رسول الله ﷺ الصحيح بحال. (١) ومن ثَمَّ فالحقُّ والصواب ما قاله ابن عباس ﵁، وعليه جمهور المسلمين (٢)، وعامَّة المُفسرين (٣). ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: أنه رُبَّمَا أغلَظَ المُفَسِّرُ في رَدِّه للقول الآخر، وحامله على ذلك ضرورة البيان، وتأكيد بُطلان ذلك القول، ومُخالفته للصواب؛ ولذا تتفاوت صيغ التغليظ والرد، بتفاوت شناعة القول المُخالف وفساده، ومنه قول ابن عباس ﵁ هنا: (كذب عدوُّ الله)، فليس مُراده أنه عدوٌ لله على الحقيقة (٤). وإنما لمُخالفة نوفٍ صريحَ كلامَ رسول الله ﷺ ، فكان رَدُّه عليه متناسبٌ مع مقدار انحراف قوله. ثانيًا: يُستَفاد من ردِّ ابن عباس ﵁ لمقالة نوف، بيانُ شرطٍ هامٍّ من شروط الأخذ باقوال بني إسرائيل في التفسير، وهو عدمُ مخالفةِ أخبارِ أهل الكتاب للنصِّ الشرعيّ، وإلا فهي باطلةٌ مردودة. * * *

стр. 299

[٤٨] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]. عن مصعب بن سعد (١) قال: (قلت لأبي: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف ١٠٣]، أهم الحرورية (٢)؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أمَّا اليهود فَكَذَّبوا محمدًا ﷺ ، وأمَّا النصارى كفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد يُسَمِّيهم: الفاسقين) (٣). * تحليل الاستدراك: لَمَّا خرجت الحرورية، ونسبَهُم بعضُ الصحابة إلى هذه الآية (٤)، سألَ مُصعَب أباه: أهم المقصودون بها؟. ومأخذَ من استشهَدَ بهذه الآية على الخوارج انطباقها عليهم من جهة اجتهادهم في العبادة، مع إقامتهم على الضلال، فخسروا من حيثُ ظَنُّوا الربح. ثمَّ بَيَّن سعدٌ ﵁ أن المُراد في الآية أهلُ الكتاب؛ اليهود والنصارى، وذكر صُوَرًا من ضلالهم، وسَمَّى الخوارج بالفاسقين (٥). ويشهد لهذا القول- أنها في أهل الكتاب- سياق الآية؛ فإنه في الكافرين، قال تعالى ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ

стр. 300

الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف ١٠٢ - ١٠٦]، كما يشهد له ورود هذا المعنى في القرآن في غيرما آية، فقد وصف الله تعالى الكافرين عمومًا بضلال أعمالهم في قوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ١]، وقوله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور ٣٩]، ووُصِفَ بهذا النصارى على الخصوص في قوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]. * الحكم على الاستدراك: ورد عن علي وأبي أُمامة ﵃ أن هذه الآية في الخوارج، وقال به الضحاك (ت: ١٠٥) (١)، وهذا تفسير بالمثال (٢)، ومعناه: أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية. وهذا الأسلوب معروف في تفاسير السلف (٣)، ولا يُراد به الحصر، بل الآية عامَّةٌ في كل عاملٍ عملًا يحسبُهُ صوابًا ونجاةً، وهو ضلالٌ وهلكة، فتشمل اليهود والنصارى، والحرورية، وغيرهم. ويدُلُّ على العموم صِيَغُهُ في الآية، نحو: "ال" المفيدة للاستغراق، و"الذين". ثُمَّ إن هذه الآية مكيَّة قبل خطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكُلِّيَّة (٤) فهي عامَّةٌ في كل من عبد الله تعالى على غير طريقة مرضية، يحسب أنه مُصيب فيها، وأن عمله مقبول، وهو مُخطئ، وعمله مردود، كما قال تعالى ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)

стр. 301

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية ١ - ٤]، وقوله ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣]، ومن السُّنة قوله ﷺ : (إنه ليأتي الرجلُ العظيمُ السمينُ يومَ القيامة، لا يزن عند الله جناحَ بعوضة وقال: اقرؤوا إن شئتم ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥]) (١)، وقوله: (كلُّ بدعة ضلالة) (٢)، فتشمل الآية أهلَ البدع عمومًا؛ لانطباق وصفها عليهم (٣). وقد ورد عن علي ﵁ تفسير الآية بالرهبان وأهل الصوامع (٤). ممَّا يدلُّ على إرادته الاستشهاد بها على حال الخوارج، وانطباقها عليهم من هذا الوجه، لا حصرها فيهم، ويؤكده أنه إنما قال ذلك المعنى لأحد الخوارج (٥) الذين سألوه وجادلوه في بعض الآيات، فلمَّا سأله الخارجي عن هذه الآية، قال علي ﵁: (أنتم يا أهل حروراء)، وفي لفظ: (ويلك، منهم أهل حروراء) (٦). واختار العمومَ من المفسرين: ابنُ جرير (ت: ٣١٠)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والشاطبي (ت: ٧٩٠) (٧). * * *

стр. 302

[٤٩] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٢]. عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر (١)، أن عبدَ الله بن عمر حَدَّ جاريةً له، فقال للجالد، وأشارَ إلى رجلها وإلى أسفلها. قلت: فأين قول الله ﴿وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢]؟ قال: (إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجلد رأسها، وقد أوجعتُ حيث ضربتُ) (٢). * تحليل الاستدراك: فَسَّرَ عبيدُ الله النهي عن الرأفة في الآية بترك الإيجاع في الضرب، وعدم الاشتداد فيه، فأنكر إشارَةَ أبيه للجالد بالتخفيف، ومُعْتَمَده في هذا الفهم النهي العام في الآية، فكلمة "رأفةٌ" نكرةٌ في سياق النهي تفيد العموم. ويُؤَيِّدُه انتظام حكم الآية بذلك؛ فيجتمع بذلك ذكرُ عَدَدِ الحَدِّ وَصِفَتُه، فالعدد مئةٌ كما في أوَّل الآية، وصِفَتُها بلا رأفةَ فيها. ثُمَّ هو مُقتَضى الحَزم في أمر الله، فالشِّدَّةُ في إقامة الحدود من تمام الامتثال، ويعقبها الردع عنها، وهو من مقاصد الحدود المعلومة، قال تعالى ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم ١٢].

стр. 303

وبَيَّن ابنُ عمر ﵁ أن المُراد ب"الرأفة" المنهي عنها في الآية؛ الحامِلَةُ على تعطيل الحد، وعدم إقامته، لا تجاوز الحَدِّ في الضرب، وترك التوسط فيه؛ فإنه غير مأمور به. ومُعتَمَدُه في هذا الفهم لفظ الآية؛ فإن فيها ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢]، أي: في حكم الله وأمره. كما في قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف ٧٦]، أي: حكمه. فالرأفةُ المنهي عنها في الآية: الرأفة في إقامة حكم الله، وهو الحَدُّ (١). ويُؤَيدُه في السياق كذلك تعقيب النهي بقوله تعالى ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور ٢]، وهذا تهييجٌ كالوعيد في ترك الحدود (٢)، وقد اقترن تحقيق الإيمان والصدق فيه، بإقامة حكم الله وحدوده في كتاب الله كثيرًا، ومن ذلك قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء ٥٩]، وقوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء ٦٠]، إلى قوله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء ٦٥]، وقوله ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور ٥١]. ومن السياق كذلك يُستفاد تقوية هذا القول؛ إذ الذي تقدم ذِكرُه: الأمر بنفس الجلد، ولم يذكر صفته، فما يعقبه يجب أن يكون راجعًا إليه. (٣) * الحكم على الاستدراك: ذهب إلى قول ابن عمر ﵁ في الآية سعيدُ بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والشعبي (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)،

стр. 304

والضحاك (ت: ١٠٥)، وأبو مجلز (ت: ١٠٦)، والحسن (ت: ١١٠)، وعطاء (ت: ١١٤)، والسدي (ت: ١٢٨)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وابن جريج (ت: ١٥٠)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، ومعمر (ت: ١٥٣)، والثوري (ت: ١٦١)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وابن عيينة (ت: ١٩٨). (١) وذهب سعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، والحسن (ت: ١١٠) في رواية، وقتادة (ت: ١١٧)، وحمَّاد بن أبي سليمان (٢) (ت: ١٢٠)، والزهري (ت: ١٢٤)، إلى أن المُراد الشِّدَّةُ في الضرب، وعدم التخفيف. (٣) والقول الثاني ناتِجٌ عن الأوَّل، غيرَ أنَّ الأوَّل أصَحّ؛ لموافقته لفظ الآية، وسياقها، ولورود معناه في كتاب الله تعالى، ويُؤَيدهُ قول ابن جرير (ت: ٣١٠): (ومعلوم أن دين الله الذي أمر به في الزانِيَيْن إقامةُ الحدِّ عليهما على ما أَمَرَ، من جلد كلِّ واحدٍ منهما مئة جلدة، مع أن الشِّدَّةُ في الضرب لا حَدَّ لها يوقَفُ عليه، وكلُّ ضَربٍ أوجعَ فهو شديد، وليس للذي يوجِعُ في الشِّدَّة حَدٌّ لا زيادة فيه فيؤمر به، وغيرُ جائزٍ وَصفُهُ جَلَّ ثناؤه بأنه أَمَرَ بما لا سبيل للمأمور به إلى معرفته، وإذا كان ذلك كذلك فالذي للمأمورين إلى معرفته السبيل هو: عدد الجلد، على ما أَمَرَ به، وذلك هو إقامة الحدِّ

стр. 305

على ما قلنا) (١)، وهو ما أشار إليه ابن عمر ﵁ بقوله: (إن الله لم يأمرني أن أقتلها)، وفي لفظٍ: (أفأقتُلها؟!)، ويُوَضِّحُهُ الاستعمال القرآني لكلمة الجلد، قال الثعلبي (ت: ٤٢٧): (يدُلُّ عليه من الآية أن الله أمَرَ بالجَلد؛ وهو: ضَربُ الجِلد. كالرَّأسِ: لِضَربِ الرأس. فَذَكَرَ الضربَ بلفظِ الجَلدِ لِئَلا يَنكَأَ، ولا يجرح، ولا تبلغ به اللحم) (٢)، وقد رُوِيَ عن عمر وعلي ﵃ التخفيف في صفة جلد الزاني (٣)، وهذا ضَربٌ من الرأفَة يَدُلُّ على أن المُراد في الآية النهي عن الرأفة المانعة من إقامة الحدّ (٤)، والرأفةُ أمرٌ جِبِلِّيّ لا يتعلق بها تكليف، وإنما النهي عن آثارها كترك الجلد أو تنقيصه أو تخفيفه (٥)، كما أن من هدي القرآن التحذير من موانع الحكم بما أنزل الله، سواءً كان المانع من خارج النفس، كما في قوله تعالى ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، وقوله ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة ٤٨]، أو كان من داخل النفس، كالهوى، والرأفة المانعة من إقامة الحَدِّ، كما في هذه الآية. وهو قولُ جماعةِ المفسرين (٦).

стр. 306

[٥٠] ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت ٤٥]. عن عبد الله بن رُبَيِّعَة (١) قال: (قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]؟ قال: قلت: نعم، قال: فما هو؟ قال: قلت ذكر الله بالقرآن حسن، وذكره بالصلاة حسن، وبالتسبيح والتكبير حسن، وأفضل من ذلك أن يذكر الرجل ربه عند المعصية فينحجز عنها. قال: لقد قلت قولًا عجبًا، وما هو كذلك، ولكن ذكرُ اللهِ إيَّاكم أكبرُ من ذِكرِكُم إيَّاه) (٢). * تحليل الاستدراك: ذهب عبد الله بن رُبَيِّعَة إلى أن المُراد بقوله تعالى ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]: ذكرُ الله عند المَحارم فيمتنع عنها (٣). وهذا مأخوذٌ من لفظ الآية وسياقها، فبعد أن ذكر في

стр. 307

الآيات أثر الصلاة ومكانتها، وأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، نبه إلى أن ذكر الله عند المعصية أكبر وأبلغ أثرًا في النهي عنها، من نهي الصلاة عنها؛ لإمكان تكرر هذا الذكر أكثر من تكرر الصلاة، ثم إن الصلاة ذكرٌ لله، قال تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩]، أي: صلاة الجمعة. وشُرِعت إقامةً لذكر الله وتحصيلًا له، كما قال تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه ١٤] (١)، فلذلك أورثت نهيًا عن الفحشاء والمنكر؛ لما فيها من ذكر الله . وكأنه لَمَّا أمر بأمرين من أعمال البر عظيمين: تلاوة القرآن، وإقامة الصلاة. نَبَّه على أصل ذلك وهو: ذكر الله، وما يتضمنه من الإيمان به على ما أمر وشرع، فكان أبلغ في الردع عن المعصية واقترافها (٢). قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وعندي أن المعنى ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]، على الإطلاق، أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر، فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يفعل في غير الصلاة؛ لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر مراقب .. ، والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في النهي، والذكر النافع هو مع العلم، وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله تعالى) (٣)، ويشهد لهذا القول قول ابن مسعود ﵁: قال رسول الله ﷺ في قوله ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت ٤٥]: (ذكرُ الله على كل حال أحسن وأفضل، والذكر أن نذكره عند ما حَرَّم، فندع ما حَرَّم، ونذكره عند ما أحَلَّ، فنأخذ ما أحَلَّ) (٤). وذهب ابن عباس ﵁ إلى أن المُراد بالآية: ذكرُ اللهِ لمن يذكره، وأنه أكبر من ذكر العبد رَبَّه، وذلك أنه لمَّا ذكر تلاوة القرآن وإقامة الصلاة- وكلها من الذكر-، والله تعالى ذاكِرٌ من ذكره، كما قال تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة ١٥٢]، بَيَّن إثر ذلك أن ذكره لمن ذكره أعظم وأكبر من ذكر العبد له، وفي تعليل ذلك قالوا: لأن ذكر الله

стр. 308

للعبد تفضل منه، وهو الغني، وفيه رحمة للعبد ونعمة، وذكر العبد لربه هو من توفيق الله له، والعبد محتاج له، ومُقَصِّرٌ فيه. (١) ويشهد له قول أبي الدرداء ﵁: (ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأحبِّها إلى مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير من أن تغزوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم، قالوا: ما هو؟ قال: ذكرُكُم ربَّكم، وذكرُ اللهِ أكبرُ) (٢). * الحكم على الاستدراك: اختار ابنُ عطية (ت: ٥٤٦) قولَ عبد الله بن رُبَيِّعَةَ في الآية (٣)، وجَوَّزَه الفراءُ (ت: ٢٠٧) (٤)، وهو قولٌ حسنٌ صحيح، قال عنه ابن عباس ﵁: (لقد قلت قولًا عجبًا)، ورُوِيَ نحوه عنه (٥). وقال بقول ابن عباس: ابن مسعود، وسلمان، وأبو الدرداء، وابن عمر ﵃، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والعوفي (ت: ١١١)، وأبو قُرَّة (٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وشعبة (٧)

стр. 309

(ت: ١٦٠) (١)، واختاره ابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، وابن عبد البر (ت: ٤٦٣)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وأبو حيان (ت: ٧٤٥)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (٢) وهو أظهر القولين، وعليه الأكثر، والقول الأول مترتب عليه، فإن ذكر الله تعالى إنما كان أبلغ في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة لأمور؛ من أعظمها ذكر الله تعالى لصاحبه، وحفظه له، وعصمته من أن يراه في حالٍ لا تُرضيه. وقد ورد عن ابن عباس ﵁ كلا القولين السابقين، كما ورد عنه القول بالعموم (٣)، واختاره بعض المفسرين (٤)، والاختلاف هنا من اختلاف التنوع المُحتَمِل لتعدد الأقوال. * * * [٥١] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى ٢٣]. عن طاووس قال: سُئِل ابن عباس ﵁ عن قوله ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]؟، فقال سعيد بن جبير: هم قربى آل محمد ﷺ . فقال ابن عباس: عَجِلْتَ، إن

стр. 310

النبي ﷺ لم يكن بطنٌ من قريشٍ إلا كان لهُ فيهم قرابَةٌ، فقال: إلا أن تَصِلُوا ما بيني وبينكم من القرابة) (١). * تحليل الاستدراك: ذهب سعيد بن جبير إلى أن معنى الآية: أن تودُّوني في قرابتي، فتحسنوا إليهم وتَبَرُّوهم. ودعاه إلى هذا ظاهر لفظ الآية، وقد رُويَ فيه عن ابن عباس مرفوعًا: (لمَّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء؟ قال: فاطمة وولديها) (٢)، ويشهد لهذا المعنى سبب نزول الآية، فعن ابن عباس ﵁ قال: (قالت الأنصار: فَعَلنَا وفَعَلنَا، وكأنهم فَخَرُوا، فقال ابن عباس، أو العباس ﵃: لنا الفضلُ عليكم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأتاهم في مجالسهم فقال: يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أَذِلَّة فأعزَّكُم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ألم تكونوا ضُلاَّلًا فهداكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: أفلا تجيبوني؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون: ألم يُخرِجك قومُك فآويناك؟ أولم يكذبوك فصدقناك؟ أولم يخذلوك فنصرناك؟ قال: فما زال يقول حتى جَثَوا على الركب، وقالوا: أموالُنا وما في أيدينا لله ولرسوله. قال: فنَزلت ﴿قُلْ لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]) (٣).

стр. 311

وردَّ ابنُ عباس ﵁ قولَ ابن جبير، وذهب إلى أن المعنى: لا أسألكم يا معشر قريش على هذا البلاغ والنصح أجرًا، إلا أن تَوَدُّوني في قرابتي منكم، وتصلوا الرحم التي بيني وبينكم، حتى أُبَلِّغ رسالةَ ربي. وهذا القول معتمد على لفظ الآية، وسبب نزولها، فعن قتادة (ت: ١١٧) قال: (اجتمع المشركون في مجمعٍ لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون محمدًا يسألُ على ما يتعاطاه أجرًا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية) (١). ويشهد له كذلك زمن نزول الآية، فالسورة مكية (٢)، وسياقها في خطاب المشركين، قال تعالى بعد هذه الآية ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الشورى ٢٤]، كما يشهد له واقع الحال، وذلك فيما ذكر ابن عباس ﵁ بقوله: (إن النبي ﷺ لم يكن بطنٌ من قريشٍ إلا كان لهُ فيهم قرابَةٌ). * الحكم على الاستدراك: وافق ابنَ جبير (ت: ٩٥) في قوله في هذه الآية: عليُّ بن الحسين (٣) (ت: ٩٣)، وعمرو بن شعيب (٤) (ت: ١١٨)، والسدي (ت: ١٢٨) في رواية (٥)، وعلى هذا القول تكون الآية عامَّة في حقِّ جميع المكلَّفين. وقال بقول ابن عباس ﵁: مجاهدُ (ت: ١٠٤)، والشعبيُّ (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وأبو مالك، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي

стр. 312

(ت: ١٢٨) في رواية، وابن زيد (ت: ١٨٢) (١). وعلى هذا القول فالآية خاصةٌ بقريش، وهو الصحيح في معنى الآية؛ لدلالة سبب النُّزول، وسياق الآية، وزمن نزولها، فهي مكية باتفاق (٢)، وحملُ القرابات في الآية على العموم أولى من التخصيص بلا دليل. وأدلة القول الأول لا حُجَّة فيها، وبيان ذلك من وجوه: أولًا: الحديث المرفوع كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث. (٣) ثانيًا: سبب النُّزول لا يصح، ويرُدُّه كون الآية مكية. (٤) ثالثًا: كما يضعف هذا القول من جهة نظم الآية؛ إذ قال فيها ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]، ولو أراد آل رسول الله ﷺ وقرابته لقال: إلا المودة للقربى، أو لذوي القربى، كما في قوله تعالى ﴿* وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال ٤١]، وقوله ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر ٧]، وقد بَيَّن ابن تيمية (ت: ٧٢٨) عادة القرآن في ذلك فقال: (جميع ما في القرآن من التوصية بحقوق ذوي قربى النبي ﷺ ، وذوي قربى الإنسان، إنما قيل فيها: ذوي القربى (٥)، ولم يقل: في القربى. فلما ذكر هنا المصدر دون الاسم دلَّ على أنه لم يُرِد ذوي القربى) (٦). رابعًا: ليس من طريقة أنبياء الله أن يأخذوا على تبليغ رسالةِ الله أجرًا البتة، بل أجرهم على الله تعالى، وأدلة ذلك كثيرة، منها قوله تعالى لنبيِّهِ محمد ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص ٨٦]، وقوله ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ ٤٧].

стр. 313

والاستثناء في الآية منقطع، ومعناه: ما أسألكم عليه من أجر لكني أسألكم المودة في القربى. وهذا نظير قوله تعالى ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٥٧] (١). أمَّا طلبه ﷺ من قريش أن تحفظ قرابته، ولا تؤذيه، وتمنعه من أذى الناس، كما يمنعون كل من بينهم وبينه مثل قرابته، فليس بأجر على التبليغ؛ لأن كل أحد يوَدُّهُ أهلُ قرابته وينتصرون له من أذى الناس، وقد فعل له ذلك أبو طالب ولم يكن أجرًا على التبليغ لأنه لم يؤمن، وإذا كان لا يسألُ أجرًا إلا هذا الذي ليس بأجر، تحقَّقَ أنه لا يسألُ أجرًا، كقول الشاعر (٢): ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهُم … بِهِنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ (٣) واختار هذا القول من المفسرين ابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، ونسبه للمُحَقِّقين، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن القيم (ت: ٧٥١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، وابن حجر (ت: ٨٥٢)، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣). (٤) ومن مسائل هذا الاستدراك: في قول ابن عباس ﵁ لسعيد بن جبير: (عَجِلْت)، بيانٌ لسببٍ من أهم أسباب الخطأ في التفسير، وهو التعجُّل في حمل الآية على إحدى المعاني المحتملة،

стр. 314

دون التحقق من صحته، ومن ضعف المعاني الأخرى وتأخرها في الاعتبار. والتعجل في مثل هذا المقام يُضَيِّقُ مجال الاحتمالات الواردة، ويعمد بالمفسر إلى المُتبادر من المعاني التي لم تأخذ حظها من التحرير. * * * [٥٢] ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر ٥١]. عن أبي جَمرَةَ (١) قال: قلت لابن عباس: القسورة الأسد؟ فقال: (ما أعلمه بلُغةِ أحدٍ من العربِ الأسدَ، هم: عُصبَةُ الرجال) (٢). * تحليل الاستدراك: ذَكَرَ السائلُ للقسورةِ في الآية معنى: الأسد. وهو معنىً صحيح لُغةً (٣)، ويصح به سياق الآية، فإن الله ذكرَ حُمُرًا مُمْعِنةً في الهرب والفرار، وهذا حالها حين تَفِرُّ من الأسد.

стр. 315

ورَدَّ ابنُ عباس ﵁ أن تكون القسورة بمعنى الأسد، لِعَدَم علمه بهذا المعنى في لغةِ أحدٍ من العرب، وذكر أن المعنى: عُصبَةُ الرجال. وهو معنىً صحيح لُغةً (١)، ولَمَّا سُئِل ابن عباس عن القسورة قال: (جَمْعُ الرجال، ألم تسمع ما قالت فُلانة في الجاهلية (٢): يا بِنتِ كونِي خَيْرَةً لِخَيِّرَة … أخْوالُها في الحَيِّ أهلُ القَسوَرَة) (٣). كما أنه مُتَّسِقٌ مع سياق الآية، فإن شِدَّة فرار الحمر المستنفرة ربما كان بسبب عُصبَة الرجال عند طِرادِها وصيدها. * الحكم على الاستدراك: لفظ "قَسْوَرَة" مأخوذٌ من القَسْرِ، وهو: القهر والغلبة (٤)، وكل ضخم شديد عند العرب قسورة (٥)، وكلا مَعْنَيَي القسورة هنا (الأسد، وعُصبَة الرجال) مُتَحَقِّقٌ فيه ذلك، فهما معنيان صحيحان لُغَةً كما سبق (٦)، وهذه الكلمة من المُشتَرَكٌ اللفظي الذي تتعدد معانيه الأصلية ويتَّحِدُ لفظه (٧)، ثم كلا المعنيين مقبولٌ في سياق الآية، ويصح به المعنى، وقد تداولت أقوالُ المفسرين في هذه الآية جُلَّ معاني القسورة: ١ - فذهب ابنُ عباس، وأبو موسى الأشعري ﵃، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وقتادة

стр. 316

(ت: ١١٧)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، إلى أنهم: الرُّماة، والقُنَّاصُ، وعُصبَةُ الرجال. (١) ٢ - وعن ابن عباس من طريق عطاء أنه: رِكزُ الناس وأصواتهم (٢). وهو قريب من القول الأول. ٣ - وعن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة (٣)، وأبي هريرة ﵃، وعطاء (ت: ١١٤)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وعبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢)، أنه: الأسد (٤). واختاره أبو عبيدة (ت: ٢١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والكرماني (ت: بعد ٥٠٠)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥) (٥)، وجمهورٌ من اللغويين. (٦) وما دامت جميع هذه المعاني صحيحة لُغةً وسياقًا، فيصِحُّ دخولها جميعًا في معنى الآية، فتُحمَلُ الآية على العموم (٧). وسبب تعدد أقوال المفسرين هنا أن لفظ "قَسْوَرَة" من المشترك اللفظي (٨)، وحيث كانت معاني المشترك اللفظي غير متضادة، ولا قرينة تُقَدِّم أحدَها، صَحَّ حمله على تلك المعاني جميعًا. (٩) غير أن القول الأوَّل يتقدم باعتباره قول جمهور المفسرين، كما قال ابن كثير

стр. 317

(ت: ٧٧٤)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (١)، واختاره الزمخشري (ت: ٥٣٨)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠) (٢)، ولاعتماد ابن عباس ﵁ له في مقابل معنىً صحيح ورد عنه من طريق آخر. ثُمَّ عدم معرفة ابن عباس ﵁ بالمعنى الثاني الذي سُئِلَ عنه- ولو في بادئ الأمر- يُؤخر رتبة هذا اللفظ في المعنى، وأقل ما يفيد ذلك تأخره في الشهرة عن المعنى الأول الذي ذكره ابن عباس، مع استصحاب سعة علم ابن عباس القرشي بلسان العرب، وعلم التفسير، وفقه الشريعة. والتشبيه على هذا القول يكون جاريًا على مراعاة الحالة المشهورة في كلام العرب، وأقرب إلى حِسِّهم ونظرهم من التشبيه بالأسد؛ فإنه تشبيهٌ مُبتَكَر لحالَةِ إعراض مَخلوط برعب، فاجتمعَ فيه تمثيلان (٣)، وبيان المعنى بتمثيل محسوس يباشره السامع، أقرب وأبلغ في نفس السامع من غيره من وجوه التمثيل الخارجة عنه. وقول ابن عباس ﵁: (ما أعلمه بلُغةِ أحدٍ من العربِ الأسدَ)، ليسَ فيه إبطالٌ لهذا المعنى؛ لأمور: أولًا: قول الشافعي (ت: ٢٠٤) فيما اشتهر عنه: (لسان العرب أوسع الألسِنةِ مَذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غيرُ نبي) (٤)، وقال ابن فارس (ت: ٣٩٥) مُعَلِّقًا: (وهذا كلامٌ حَريٌّ أن يكون صحيحًا، ولا نعلمُ أحدًا ممن مضى ادعى حفظَ اللغةِ كلَّها) (٥). وابن عباس ﵁ في مقولته هذه إنما نفى علمه بهذا المعنى، وعدم العلم لا يعني العلم بالعدم.

стр. 318

ثانيًا: أنه قد صَحَّ عن ابن عباس تفسير القسورة بالأسد كما مرَّ، وهذا يؤكد علمه به في لغة العرب بعد أن لم يكن يعلمه. ثالثًا: قد يكون مُراده بتلك العبارة: نفي أن تكون "قسورة" بمعنى الأسد في أصل لغة العرب، قال الفراهي (١) (ت: ١٣٤٩): (وأمَّا كون بعض الألفاظ من غير لغة قريش، فإن صَحَّت الرواية فنحملها على بيان أصل الكلمة، فإنه لا شكَّ أن غيرَ واحدٍ من الألفاظ العربية مجلوبةٌ من لسان آخر، مثل كلمة: سِجِّيل، وقسطاس، وقنطار، وهذا لا يجعل الكلمة غريبة، ولا مجهولة) (٢)، وقال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣): (وعنه- أي: ابن عباس- أنه أنكر أن يكون قَسوَر اسم الأسد، فلعله أراد أنه ليس في أصل العربية، وقد عَدَّه ابن السبكي (٣) في الألفاظ الواردة في القرآن بغير لغة العرب، في أبيات ذكر فيها ذلك (٤) (٥)، ويقوي هذا التوجيه ما ورد عن ابن عباس ﵁ قال عن القسورة: (هو بالعربية: الأسد. وبالفارسية: شار. وبالنبطية: أريا. وبالحبشية:

стр. 319

قسورة) (١)، وسُئِلَ عكرمة عن القسورة فقال: (الرُّماة. فقال له رجل: هو الأسد بلسان الحبشة. فقال عكرمة: اسم الأسد بلسان الحبشة عَنْبَسَة) (٢). ومن مسائل هذا الاستدراك في قول ابن عباس ﵁: (ما أعلمه بلُغةِ أحدٍ من العربِ): أولًا: التأكيدُ على اشتراط موافقة لسان العرب لِصِحَّة المعنى. فمفهوم عبارته ﵁: لو وافق لغةَ أحدٍ من العرب لقُبِل. ثانيًا: لا يشترط في هذه الموافقة أن تكون على لغةِ أحَدٍ من العرب بعينه، فإنَّ لُغاتهم تتباين، وبِأفصَحِها نزل القرآن (٣)؛ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، فلو وافق لُغةَ أحدهم لَصَحَّ الأخذُ به في التفسير. ثالثًا: التنبيه على الأدب الواجب في مثل هذا المقام، حيث لم يَنفِ ﵁ مجيءَ هذه اللفظة بهذا المعنى في لغة العرب، وإنما نفى علمَهُ بذلك، وهذا من كمال فقهه وإنصافه؛ فإن عدمَ العلم لا يعني العلم بالعدم، ولا يُحيط بلسان العرب إلا نبيّ، كما مَرَّ عن الشافعيّ (ت: ٢٠٤). * * *

стр. 320

[٥٣] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥]. عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص (١) قال: قلت لأبي: أرأيت قول الله ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥]، أهي تركها؟ - وفي رواية: أهو ما يُحَدِّثُ به أحدنا نفسه في صلاته-. قال: (لا، ولكن تأخيرها عن وقتها) (٢). * تحليل الاستدراك: دار سؤال مصعبٍ أباه حول معنيين للسهو عن الصلاة المذكور في الآية (٣): الأول: تركها. والثاني: السهو فيها، وانصراف القلب عنها، وترك شيء من فروضها. وكلا المعنيين صحيحٌ لُغةً، ويحتمله السياق، فقد وُصِفوا في الآية قبلها بالمصلين،
следующие страницы →