← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

(ت: ١١٧)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، إلى أنهم: الرُّماة، والقُنَّاصُ، وعُصبَةُ الرجال. (١) ٢ - وعن ابن عباس من طريق عطاء أنه: رِكزُ الناس وأصواتهم (٢). وهو قريب من القول الأول. ٣ - وعن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة (٣)، وأبي هريرة ﵃، وعطاء (ت: ١١٤)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وعبد الرحمن بن زيد (ت: ١٨٢)، أنه: الأسد (٤). واختاره أبو عبيدة (ت: ٢١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والكرماني (ت: بعد ٥٠٠)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥) (٥)، وجمهورٌ من اللغويين. (٦) وما دامت جميع هذه المعاني صحيحة لُغةً وسياقًا، فيصِحُّ دخولها جميعًا في معنى الآية، فتُحمَلُ الآية على العموم (٧). وسبب تعدد أقوال المفسرين هنا أن لفظ "قَسْوَرَة" من المشترك اللفظي (٨)، وحيث كانت معاني المشترك اللفظي غير متضادة، ولا قرينة تُقَدِّم أحدَها، صَحَّ حمله على تلك المعاني جميعًا. (٩) غير أن القول الأوَّل يتقدم باعتباره قول جمهور المفسرين، كما قال ابن كثير

стр. 317

(ت: ٧٧٤)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (١)، واختاره الزمخشري (ت: ٥٣٨)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠) (٢)، ولاعتماد ابن عباس ﵁ له في مقابل معنىً صحيح ورد عنه من طريق آخر. ثُمَّ عدم معرفة ابن عباس ﵁ بالمعنى الثاني الذي سُئِلَ عنه- ولو في بادئ الأمر- يُؤخر رتبة هذا اللفظ في المعنى، وأقل ما يفيد ذلك تأخره في الشهرة عن المعنى الأول الذي ذكره ابن عباس، مع استصحاب سعة علم ابن عباس القرشي بلسان العرب، وعلم التفسير، وفقه الشريعة. والتشبيه على هذا القول يكون جاريًا على مراعاة الحالة المشهورة في كلام العرب، وأقرب إلى حِسِّهم ونظرهم من التشبيه بالأسد؛ فإنه تشبيهٌ مُبتَكَر لحالَةِ إعراض مَخلوط برعب، فاجتمعَ فيه تمثيلان (٣)، وبيان المعنى بتمثيل محسوس يباشره السامع، أقرب وأبلغ في نفس السامع من غيره من وجوه التمثيل الخارجة عنه. وقول ابن عباس ﵁: (ما أعلمه بلُغةِ أحدٍ من العربِ الأسدَ)، ليسَ فيه إبطالٌ لهذا المعنى؛ لأمور: أولًا: قول الشافعي (ت: ٢٠٤) فيما اشتهر عنه: (لسان العرب أوسع الألسِنةِ مَذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسانٌ غيرُ نبي) (٤)، وقال ابن فارس (ت: ٣٩٥) مُعَلِّقًا: (وهذا كلامٌ حَريٌّ أن يكون صحيحًا، ولا نعلمُ أحدًا ممن مضى ادعى حفظَ اللغةِ كلَّها) (٥). وابن عباس ﵁ في مقولته هذه إنما نفى علمه بهذا المعنى، وعدم العلم لا يعني العلم بالعدم.

стр. 318

ثانيًا: أنه قد صَحَّ عن ابن عباس تفسير القسورة بالأسد كما مرَّ، وهذا يؤكد علمه به في لغة العرب بعد أن لم يكن يعلمه. ثالثًا: قد يكون مُراده بتلك العبارة: نفي أن تكون "قسورة" بمعنى الأسد في أصل لغة العرب، قال الفراهي (١) (ت: ١٣٤٩): (وأمَّا كون بعض الألفاظ من غير لغة قريش، فإن صَحَّت الرواية فنحملها على بيان أصل الكلمة، فإنه لا شكَّ أن غيرَ واحدٍ من الألفاظ العربية مجلوبةٌ من لسان آخر، مثل كلمة: سِجِّيل، وقسطاس، وقنطار، وهذا لا يجعل الكلمة غريبة، ولا مجهولة) (٢)، وقال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣): (وعنه- أي: ابن عباس- أنه أنكر أن يكون قَسوَر اسم الأسد، فلعله أراد أنه ليس في أصل العربية، وقد عَدَّه ابن السبكي (٣) في الألفاظ الواردة في القرآن بغير لغة العرب، في أبيات ذكر فيها ذلك (٤) (٥)، ويقوي هذا التوجيه ما ورد عن ابن عباس ﵁ قال عن القسورة: (هو بالعربية: الأسد. وبالفارسية: شار. وبالنبطية: أريا. وبالحبشية:

стр. 319

قسورة) (١)، وسُئِلَ عكرمة عن القسورة فقال: (الرُّماة. فقال له رجل: هو الأسد بلسان الحبشة. فقال عكرمة: اسم الأسد بلسان الحبشة عَنْبَسَة) (٢). ومن مسائل هذا الاستدراك في قول ابن عباس ﵁: (ما أعلمه بلُغةِ أحدٍ من العربِ): أولًا: التأكيدُ على اشتراط موافقة لسان العرب لِصِحَّة المعنى. فمفهوم عبارته ﵁: لو وافق لغةَ أحدٍ من العرب لقُبِل. ثانيًا: لا يشترط في هذه الموافقة أن تكون على لغةِ أحَدٍ من العرب بعينه، فإنَّ لُغاتهم تتباين، وبِأفصَحِها نزل القرآن (٣)؛ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥]، فلو وافق لُغةَ أحدهم لَصَحَّ الأخذُ به في التفسير. ثالثًا: التنبيه على الأدب الواجب في مثل هذا المقام، حيث لم يَنفِ ﵁ مجيءَ هذه اللفظة بهذا المعنى في لغة العرب، وإنما نفى علمَهُ بذلك، وهذا من كمال فقهه وإنصافه؛ فإن عدمَ العلم لا يعني العلم بالعدم، ولا يُحيط بلسان العرب إلا نبيّ، كما مَرَّ عن الشافعيّ (ت: ٢٠٤). * * *

стр. 320

[٥٣] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥]. عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص (١) قال: قلت لأبي: أرأيت قول الله ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥]، أهي تركها؟ - وفي رواية: أهو ما يُحَدِّثُ به أحدنا نفسه في صلاته-. قال: (لا، ولكن تأخيرها عن وقتها) (٢). * تحليل الاستدراك: دار سؤال مصعبٍ أباه حول معنيين للسهو عن الصلاة المذكور في الآية (٣): الأول: تركها. والثاني: السهو فيها، وانصراف القلب عنها، وترك شيء من فروضها. وكلا المعنيين صحيحٌ لُغةً، ويحتمله السياق، فقد وُصِفوا في الآية قبلها بالمصلين،

стр. 321

قال تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤]، وليس الوعيد هنا لأهل الصلاة قَطعًا، ولا للمُصَلين كما أمر الله تعالى، وإنما هو لمن يصلي ويترك، أو لمن يصلي على غير ما أمر الله تعالى وشرع. ولِحاقُ الآية يشهد لكلا المعنيين، فقوله تعالى ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ﴾ [الماعون ٦]، وَصفٌ لأهل الرياء الذين يصلون مع الناس، ويتركونَها في خلوتهم، قال تعالى عن المنافقين ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [النساء ١٤٢] (١). وكذا يصلح وصفًا لمن لا يقيم صلاته كما أمر الله تعالى، وإنما يراقب الخلق في عمله، فينصرف قلبه عن صلاته، فيسهو فيها. ورَدَّ سعدٌ ﵁ هذين المعنيين، وحَمَل المعنى على تأخير الصلاة عن وقتها، وهو معنىً صحيحٌ في اللغة، مقبولٌ في سباق الآية ولحاقها، فهم مصلون كما في الآية قبلها، ولكنهم عن وقتها ساهون ومؤخرون، قال تعالى ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم ٥٩] (٢)، وهو حال المنافقين المرائين، كما في قوله ﷺ عنهم: (تلك صلاة المنافق؛ يجلس يرقُبُ الشمسَ حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا) (٣). * الحكم على الاستدراك: ذهب ابن عباس ﵁ (٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤) (٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والقُرَظي (ت: ١٠٨)، والحسن (ت: ١١٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (٦)، إلى

стр. 322

أن المراد بالسهو هنا: ترك الصلاة. وليس مُرادهم مُطلَقُ الترك، فإن الآيةَ قبلها نَصٌّ في وقوع الصلاة منهم، وإنما كما قال ابن عباس ﵁: (هم المنافقون؛ يراؤون الناس بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا) (١)، وقد أبطلَ ابن مسعود ﵁ معنى الترك بالكُلِّيَّة فقال: (والله ما تركوها البَتَّة، ولو تركوها البَتَّة كانوا كُفَّارًا) (٢). وذهب ابن عباس ﵁ (٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤) (٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، والفراء (ت: ٢٠٧)، إلى أن المُراد: التهاون، والتغافل، واللهو عنها (٥). وفي قراءة ابن مسعود ﵁: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٦] (٦). وذهب أبو العالية (ت: ٩٣)، إلى أن المُراد: السهو فيها؛ فلا يدري عن كم انصرف؟ (٧). وذهب سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، وابن أبزى ﵃، ومسروق (ت: ٦٣)، وأبو العالية (ت: ٩٣)، والنخعي (ت: ٩٦)، وأبو الضحى (ت: ١٠٠)، ومصعب بن سعد (ت: ١٠٣)، والحسن (ت: ١١٠)، وأحمد ابن حنبل (ت: ٢٤١)، إلى أن المُراد: تأخيرها عن وقتها. (٨) وجُملَةُ الأقوال السابقة صحيحة مُحتَمَلَة، ومُتقاربَةٌ غير مُتعارضة، فالسهو في

стр. 323

أصل اللغة: الغفلة عن الشيء، وذهاب القلب عنه (١). وهو منطبقٌ على جميع المعاني السابقة، وهي مُتَرَتِّبَة عليه، وسبق بيان احتمال السياق لَهَا جميعًا. فجميعها صُوَرٌ للسهو عن الصلاة، وأمثلة له، وبعضها مترتب على الآخر، ومن لازمه. (٢) ويشهد للعموم ورود عدد من تلك المعاني عن المفسر الواحد، كابن عباس ﵁، وأبي العالية (ت: ٩٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢). قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (ساهون: إما عن فعلها بالكلية .. ، وإما عن فعلها في الوقت المُقَدَّر .. ، وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائمًا أو غالبًا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل هذا كُلَّه، ولكل من اتَّصفَ بشيء من ذلك قِسطٌ من هذه الآية، ومن اتَّصَفَ بجميع ذلك فقد تَمَّ نصيبُهُ منها، وكَمُلَ له النفاق العملي) (٣). وجمهور المفسرين على العموم، كمقاتل (ت: ١٥٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والزجاج (ت: ٣١١)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠)، والسعدي (ت: ١٣٧٦)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣). (٤)

стр. 324

وقد استُبعِدَ تفسير أبي العالية (ت: ٩٣) بأنه: (السهو فيها؛ فلا يدري عن كم انصرف؟)، من جهةِ لفظ الآية؛ فإن في الآية ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾ [الماعون ٥]، وليس "في صلاتهم"، قال عطاء بن دينار (١) (ت: ١٢٦): (الحمد لله الذي قال ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥]، ولم يقل: في صلاتهم ساهون) (٢)، وقد فَطِنَ لهذا الحسن (ت: ١١٠)، فأجاب أبا العالية حين ذكر تفسيره ذلك: (مَه يا أبا العالية ليس هذا!، بل الذين سهوا عن ميقاتهم حتى تفوتهم؛ ألا ترى قوله ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ﴾ [الماعون ٥]؟) (٣)، قال الخطابي (٤) (ت: ٣٨٨): (وإنما أُتِيَ أبو العالية في هذا حيثُ لم يُفَرِّق بين حرف "عن" و"في"، فَتَنَبَّه له الحسن) (٥)، والفرق بينهما أن السهو عن الصلاة يكون خارجها؛ بتركها، وقلة الالتفات إليها، وتأخيرها عن وقتها، كحال المنافقين مثلًا، والسهو فيها يكون داخلها؛ نحو ما يعتري المصلي من وساوس الشيطان، وحديث النفس، وذلك لا يكاد يخلو منه مسلم، وقد وقع نحوه لرسول الله ﷺ ، ومن ثَمَّ أثبت الفقهاءُ باب سجود السهو في كُتُبهم (٦). وفي بعض طرق الاستدراك قال سعدٌ ﵁ لابنه: (أوليس كُلُّنا يفعل ذلك؟) (٧)، وذكرَ النحاس (ت: ٣٣٨) قولَ أبي العالية هذا وقال: (وأولى من هذا القول؛ لعلُوِّ من قال

стр. 325

به؛ ولِصِحَّتِه في العربية)، ثم ذكر قول سعد ﵁ (١)، وذهب بعض العلماء إلى أن مُراد أبي العالية (ت: ٩٣) السهو الدائم لا النادر، (وذلك يُنبِئُنا عن التفات القلب عن احترام الصلاة، فيتوجه الذَّمُ إلى ذلك لا إلى السهو) (٢). فيكون تفسير أبي العالية على هذا من باب التفسير باللازم، وبما يؤول إليه الأمر. * * * [٥٤] ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون ٧]. سأل رجلٌ (٣) ابنَ عمر ﵁ عن الماعون، فقال: (هو المال الذي لا يؤدى حقه. فقال الرجل: فإن ابن مسعود يقول: هو المتاع الذي يتعاطاه الناس بينهم. قال: هو ما أقول لك). (٤) * تحليل الاستدراك: نقل الرجل السائلُ عن ابن مسعود تفسيره للماعون؛ وأنه: المتاع الذي يتعاطاه الناس بينهم. وقد جاءَ عنه مُفَسَّرًا من عِدَّة طرقٍ أنه: الفأس، والدَّلو، والقدر، ونحوه (٥). وهذا المعنى مُعتَمِدٌ على اللغة، وسليمٌ في السياق، بل إنه المعنى المشتهر بين الصحابة ﵃، قال ابن مسعود ﵁: (كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدَّث أن الماعون:

стр. 326

الدلو، والفأس، والقدر، لا يُستَغنى عنهنّ) (١)، وفي لفظ: (كُنَّا نَعُدُّ الماعون على عهد رسول الله ﷺ : عارِيَةَ الدَّلو والقِدر) (٢). وذهب ابن عمر ﵁ إلى أن الماعون: المال الذي لا يُؤَدى حقُّه، وفي لفظ: هي الزكاة. وهو معنى يعتمد على اللغة، ويؤيده السياق؛ فقبلها توَعُّدٌ بالويل لمن اتصف بهذه الصفات، ومنها منع الماعون، ولا يكون هذا الوعيد إلا على ترك واجب، وهو حق المال، كما أن الصلاة والزكاة قرينتان في كتاب الله كثيرًا، ومن شأن من فرَّطَ في الصلاة؛ فتركها، أو أخرها عن وقتها، أن يترك الزكاة من باب الأولى. وهذا المعنى للماعون هو الأشهر في الإسلام، بل نَصَّ جماعةٌ من أهلِ اللغة على أنه معنى الماعون في الإسلام. (٣) * الحكم على الاستدراك: كلا المعنيين السابقين صحيحٌ مشهورٌ في اللغةِ والشرع، قال أبو عبيدة (ت: ٢١٠) عن الماعون: (هو في الجاهلية: كُلُّ منفعَةٍ وعَطِيَّة، قال الأعشى (٤): بأَجْوَدَ منهُ بِمَاعُونِه … إذَا ما سَمَاؤُهُمُ لَمْ تَغِمْ والماعون في الإسلام: الطاعةُ والزكاة، قال الراعي (٥):

стр. 327

قَوْمٌ عَلَى الإسْلام لَمَّا يَمْنَعوا … مَاعُونَهُم وِيُضَيِّعُوا التَّنْزِيلا) (١). وقد سبق ذِكْرُ اشتهار المعنى الأول عند الصحابة ﵃، ولعل قِسمَةَ أبي عبيدة باعتبار الأشهر، فالأول أشهر في الجاهلية، والثاني أشهر في الإسلام. (وأصلُ الماعون من كل شيء منفعته) (٢)، وهو بهذا الاعتبار يشمل كُلَّ مَنفَعة أو معروفٍ أو متاعٍ يتعاطاه الناس بينهم، فيشمل هذين القولين وغيرهما من أقوال المفسرين؛ كقول من قال أنه: المال، أو الماء، أو المنخل، أو الإبرة، أو الدلو، والفأس، والقدر، ونحو ذلك من الأقوال التي هي كالتمثيل للمعنى. (٣) وذهب النحاسُ (ت: ٣٣٨) إلى أن الماعون مُشتَقٌّ من المَعْن، وقال: (وهذه الأقوال ترجع إلى أصلٍ واحد، وإنما هو الضَّن بالشيء اليسير الذي يجب ألا يُضَنَّ به، مُشتَقٌّ من المَعْن؛ وهو: الشيء القليل) (٤)، ويشمل الزكاة؛ لأنها قليل من المال. (٥) والقول بالعموم في معنى الماعون هو الصحيح؛ لأن اللفظَ عامٌّ في الآية، ولا مُخَصِّصَ له، قال عكرمة (ت: ١٠٥): (رأسُ الماعون زكاة المال، وأدناه المنخل، والدلو، والإبرة) (٦)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وهذا الذي قاله عكرمة حسَنٌ؛ فإنه يشمل

стр. 328

الأقوال كُلّها، ويرجع إلى شيء واحد، وهو ترك المعاونة بِمالٍ أو منفَعَةٍ؛ ولهذا قال محمد بن كعب: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون ٧]، قال: المعروف) (١). وأما الوعيد بالويل على مانع الماعون، وعدم مناسبته للقول بالعموم، فيُجَابُ عنه بوجوه: الأول: قولُ عكرمة (ت: ١٠٥) لِمَنْ سأله عن الماعون فقال: العارية. فقال الرجل: فمن يمنع متاع بيته فله الويل؟ قال: (لا، ولكن إذا جمعهن ثلاثتهن فله الويل؛ إذا سهى عن الصلاة، ورايا، ومنع الماعون) (٢). الثاني: أن المعنى العام يشمل الزكاة وغيرها مما يجب بذله، فيتوجه الوعيد على منع هذا الواجب، ومانع العارية- وهي ممَّا يعود إليه- أقرب إلى منع غيرها مما لا يعود حِسًّا، كالزكاة مثلًا. الثالث: أن مانع الماعون بالمعنى العام يكون في نهاية البخل، والمنافقون كذلك، كما قال تعالى عنهم ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [الحديد ٢٤]، فيتوجه الوعيد إليهم. (٣) واختار العموم في الآية علي بن أبي طالب ﵁، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والقرظي (ت: ١٠٨)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والواحدي (ت: ٤٨٦)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، والرازي (ت: ٦٠٤)، وابن كثير (ت: ٧٧٤). (٤) * * *

стр. 329

ثالثًا: استدراكات التابعين [٥٥] ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ١١٩]. قال القاسم بن أبي بَزَّةَ (١): قال لي مجاهد: (سل عنها عكرمةَ: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء ١١٩])، فسألته، فقال: (الإخصاء)، قال مجاهد: (ما له لعنه الله! فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء)، ثم قال لي: (سله)، فسألته، فقال عكرمة: (ألم تسمع إلى قول الله ﵎ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠]؟ قال: لدين الله)، فحدثت به مجاهدًا، فقال: (ما له أخزاه الله!). (٢) * تحليل الاستدراك: ذهب عكرمة إلى أن تغيير خلق الله المذكور في الآية هو: الإخصاء. وهو معتمدٌ على لفظ الآية، فالإخصاء من تغيير خلق الله تعالى، ويقويه أنها نزلت في الإخصاء،

стр. 330

كما ورد عن أنس بن مالك، وابن عباس ﵃، وعكرمة (ت: ١٠٥). (١) وذهب مجاهد إلى أن المعنى: دين الله. وهو ما وافقه عليه عكرمة بعد ذلك (٢)، ويشهد له لفظ الآية وسياقها، فهو من تغيير خلق الله؛ إذ خَلَقَ اللهُ عبادَه على الفطرة والحنيفية، قال تعالى ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم ٣٠]، فالفطرة التي فطر الله الناس عليها ولا تبديل لها هي: الدين القَيِّم. (والمعنى على التحقيق: لا تُبَدِّلوا فطرة الله التي خلقكم عليها بالكفر. فقوله ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم ٣٠]، خبرٌ أُرِيدَ به الإنشاء، إيذانًا بأنه لا ينبغي إلا أن يُمتثَل، حتى كأنه خبرٌ واقِعٌ بالفعل لا محالة، ونظيره قوله تعالى ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة ١٩٧]، أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا) (٣). ومن شواهد هذا المعنى في السنة حديث أبي هريرة مرفوعًا: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانه، أو يُنَصِّرَانه، أو يُمَجِّسَانه، كما تنتج البهيمة بَهيمةً جمعاء، هل تُحسُّون فيها من جدعاء؟. ثم يقول أبو هريرة ﵁: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم ٣٠]) (٤)، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطينُ فاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحرَّمَت عليهم ما أحللتُ لهم) (٥).

стр. 331

* الحكم على الاستدراك: تدور أقوال المفسرين في معنى تبديل خلق الله المذكور في الآية على معنيين (١): الأوَّل: تبديل معنويٌ باطن؛ هو: تبديل دين الله. أو: تحليل الحرام، وتحريم الحلال. أو: تغيير أمر الله. كما ورد عن ابن عباس ﵁ (٢)، وسعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والقاسم بن أبي بَزَّةَ (ت: ١١٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، وعطاء الخراساني (ت: ١٣٥)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (٣). والثاني: تبديلٌ حِسِّيٌ ظاهر؛ هو: الخصاء. كما ورد عن أنس بن مالك، وابن عمر، وابن عباس (٤) ﵃، وسعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، وأبو صالح (ت: ١٢١)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، والثوري (ت: ١٦١). (٥) أو هو: الوشم، كما ورد عن ابن مسعود ﵁، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧) (٦)، وفيه حديث ابن مسعود ﵁ قال: (لعن الله الواشِمات والمُستَوشِمات، والنَّامِصَات والمُتَنَمِّصَات، والمُتَفَلِّجاتِ للحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلقَ الله) (٧).

стр. 332

أو: نحوهما من التغيير الظاهر، كقطع الآذان، وفقء العيون. (١) والقول الأول أولى القولين بالصواب؛ لأنه أَعَمُّ؛ فالقول الثاني داخِلٌ فيه، ولدلالة آية الروم السابقة عليه، ولأنه سبق ذِكرُ التغيير في الأجسام قبل هذه الجملة في الآية، وذلك في قوله تعالى ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ﴾ [النساء ١١٩]، فناسب أن يذكر بعدَ ذلك تغييرًا آخرَ، هو أعظم من سابقه، وليس من تمام الفصاحة الإجمال بعد التفصيل، وإنما العكس، (وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام أولى من توجيهه إلى غيره، ما وُجِدَ إليه السبيل) (٢). والأقوال في المعنى الثاني لا تعدوا أن تكون أمثلةً لتبديل دين الله (٣)، قال الربيع بن أنس (ت: ١٣٩): (من تغيير خلق الله الإخصاء) (٤)، ويدُلُّ على إرادة أصحابِها التمثيلَ: تعدد الوارد عن أكثرهم في كلا المعنيين، ومنهم عكرمة (ت: ١٠٥)، كما في رواية الاستدراك، إذ ذكر كلا المعنيين لسائلٍ واحد. وأما ما ورد عن أنس وابن عباس ﵃، وعكرمة (ت: ١٠٥) من أنها نزلت في الخِصاء، فهو من قبيل التفسير بالمعنى والتمثيل له، أي أنه مِمَّا يدخل في معنى الآية. واستعمال السلف لصيغة سبب النُّزول في هذا المعنى كثير مشهور. (٥) وهذه الأنواع المذكورة في القول الثاني إنما حُرِّمَت لِمَا فيها من مخالفة الشرع، وطاعة الشيطان، والضرر العاجل والآجِل، قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وملاكُ تفسير

стр. 333

هذه الآية: أن كُلَّ تغيير ضارٍّ فهو في الآية، وكل تغيير نافع فهو مباح). (١) ونسب النحاس (ت: ٣٣٨) القول الأول لأهل التفسير (٢)، ولم يذكر الواحدي (ت: ٤٦٨) غيره (٣)، وعليه جمهور المفسرين. (٤) ومن مسائل هذا الاستدراك: أن المشهور عن السلف الأدب في الرد، وحسن الخطاب في الخلاف، وقولُ مجاهدٍ (ت: ١٠٤) لعكرمةَ (ت: ١٠٥): (كذب العبد، أخزاه الله، لعنه الله)، من الشاذِّ النادر الذي لا حُكمَ له، أو مِمَّا تحمل عليه ضرورة البيان (٥). فقوله: (كذب العبد) لا اعتداء فيه إن قصد بالكذب الخطأ، وقد كان عكرمةُ مولىً لابن عباس، وأصله من البربر، فهو عبدٌ من هذه الناحية. وفي تعبير مجاهد بذلك تنبيهٌ على سبب الخطأ في تفسير عكرمة (٦). وأما قوله: (مالَهُ أخزاه الله!) فإنما حمله على ذلك تَعَجُّبُه من سُرعة تغيير عكرمة لقوله الذي عَلِمَهُ عنه، واستغرابه من تركه الأولى من المعنى إلى غيره، وقد سبقَ أن مُراد عكرمة من ذلك التمثيلُ للمعنى، كغيره من المفسرين.

стр. 334

وليس بخافٍ أنَّهُما من أبرز تلاميذ ابن عباس ﵁، ورُبَّما كان بينهما ما يكون بين الأقران، والمعاصرة في أغلب صورها حجاب، وكلام الأقران في بعضهم بلا بَيِّنةٍ يُطوى ولا يُروى ولا حكم له، قال قتادة (ت: ١١٧): (كان أعلم التابعين أربعة: عطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وأعلمهم بالتفسير عكرمة) (١)، وقال حبيب بن أبي ثابت (ت: ١١٩): (اجتمع عندي خمسة: طاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، فأقبل مجاهد وسعيد بن جبير يُلقِيان على عكرمة التفسير، فلم يسأَلاه عن آيَةٍ إلا فَسَّرَها لَهُما، فلمَّا نَفِدَ ما عِندَهُما جعل يقول: أُنزِلَت آيةُ كذا في كذا، وأُنزِلَت آيةُ كذا في كذا). (٢) وكان مجاهدُ يُرسِل من يسأل عكرمة عن قوله في عدد من الآيات، وربما وافقه في كثير منها. (٣) * * *

стр. 335

[٥٦] ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٤]. عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز (١) قال: رأيت عبيد بن عمير (٢) وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاصُّ (٣) يقُصّ، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر، وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما. قال: فأعدت فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة، قال: فنظرا إلي فقالا: إنَّما ذلك في الصلاة ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف ٢٠٤]. (٤) * تحليل الاستدراك: ذهب طلحة بن عبيد الله إلى لزوم الاستماع للقرآن، والإنصات له حيثما قُرِئ، ولذلك كرَّرَ على صاحبيه باستنكار، ورَغَّبَهُما في الإنصات بقوله: (وتستوجبان الموعود)، أي: الرحمة الموعود بها من استمع وأنصت للقرآن حين يُتلَى. واعتمد في ذلك على ظاهر لفظ الآية العام، قال النحاس (ت: ٣٣٨): (وفي اللغة يجب أن يكون- أي: الإنصات- في كل شيء، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء) (٥). وفي سِبَاقِ الآية من أوصافِ القرآن ما يستوجب الاهتمام به، والإنصات له، قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا

стр. 336

يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَّبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٣]. (١) وحَمَلَ عبيدُ بن عمير (ت: ٦٨)، وعطاءٌ (ت: ١١٤) الأمرَ بالإنصات في الآية على أنه في الصلاة، واعتمدا في ذلك سببَ نزول الآية، فعن ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس ﵃، أن بعضهم كانوا يتكلمون في الصلاة، ويُسَلِّم بعضهم على بعض، وربما قرأ بعضهم مع رسول الله ﷺ حال قراءته في الصلاة، فنَزلت الآية في ذلك، وأُمِرُوا بالإنصات (٢). ويشهد له من السنة أحاديثُ كثيرةٌ منها قوله ﷺ : (إذا قرأ الإمام فأنصتوا) (٣)، وإنكاره ﷺ على من قرأ خلفه في صلاة جهر فيها، وقوله له: (إني أقول مالي أُنَازَعُ القرآن؟)، فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ . (٤) * الحكم على الاستدراك: احترام القرآن وتعظيمه، وعدم اللغو فيه، واجبٌ عند الجميع، وهو من مقتضيات الإيمان، والاستماع والإنصات لتلاوته مأمورٌ بهما كما هو ظاهرٌ من الآية، قال الزمخشري (ت: ٥٣٨): (ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن، في صلاة وفي غير صلاة) (٥)، وذهب إلى هذا العموم الحسن (ت: ١١٠) في رواية، وأهل الظاهر (٦)، واختاره

стр. 337

ابن جُزَي (ت: ٧٤١)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠) (١)، ويبدو أن القُصَّاص كانوا يُشِيعون هذا القول، ويستدلون عليه بِهذه الآية؛ ليستجلبوا إليهم اهتمام الناس، قال معاوية بن قرة (٢) (ت: ١١٣): (إن الله أنزل هذه الآية ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف ٢٠٤] في الصلاة؛ إن الناس كانوا يتكلمون في الصلاة، وأنزلها القُصّاصُ في القصص) (٣). إلا أن هذا الظاهر العام مخصوصٌ بحال جهر الإمام بالقراءة في الصلاة، فيكون الاستماع والإنصات له واجبًا، بدلالة سبب النُّزول الصريح، ودلالة السنة كما سلف، قال أحمد ابن حنبل (ت: ٢٤١): (أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة) (٤)، وقال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣) عن هذه الآية: (وهذا عند أهل العلم عند سماع القرآن في الصلاة، لا يختلفون أن هذا الخطاب نزل في هذا المعنى دون غيره) (٥)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (وقد استفاض عن السلف أنها نزلت في القراءة في الصلاة) (٦)، ومن ثَمَّ ذهب عامَّةُ العلماء إلى وجوب الاستماع للإمام في قراءته في الصلاة الجهرية، واستحبابه خارج الصلاة (٧)، ونقل ابن تيمية (ت: ٧٢٨) عن الإمام أحمد (ت: ٢٤١) الإجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم حالَ الجهر (٨). وقال ابن عبد البر

стр. 338

(ت: ٤٦٣): (وفي إجماع أهل العلم على أن قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف ٢٠٤] لم يُرِد كُلَّ موضِع يُسمَع فيه القرآن، وإنما أراد الصلاة، أوضَحُ الدلائل على أنه لا يُقرَأ مع الإمام فيما جَهَرَ فيه) (١)، ووجه دلالة أدلة السنة السابقة على خصوص وجوب الاستماع حالَ قراءة الإمام في الصلاة = ظاهرُ قوله ﷺ : (إذا قرأ الإمام فأنصتوا)، وإنما تُعلَم قراءته في الجهر (٢)، وأن المنازعة في القراءة إنما تكون حال الجهر بِها، قال ابن عبد البر (ت: ٤٦٣): (أوجب ﵎ الاستماع والإنصات على كل مُصَلٍّ جهر إمامه بالقراءة؛ ليسمع القراءة، ومعلوم أن هذا في صلاة الجهر دون صلاة السر؛ لأن المُسِرَّ إنما يُسمِع نفسه دون غيره، فقول رسول الله ﷺ : (ما لي أُنازَعُ القراءة). يُضَاهي ويُطابِقُ قول الله ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف ٢٠٤]) (٣). ومن مقتضيات الإنصات للقرآن في الصلاة ما أجمع عليه العلماء من عدم الكلام فيها إلا بما أذِنَ به الشرع (٤). وجمهور المفسرين على تخصيص وجوب الاستماع للقرآن بالصلاة الجهرية، بل قال النقاش (ت: ٣٥١): (أجمع أهل التفسير على أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة، وغير المكتوبة) (٥)، وهذا هو الصحيح لظاهر القرآن والسنة، ولعمل الصحابة ﵃، وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، وجابر، وابن عباس ﵃، وعبيد بن عمير (ت: ٦٨)، وسعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)،

стр. 339

والضحاك (ت: ١٠٥)، ومعاوية بن قُرَّة (ت: ١١٣)، وعطاء (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والزهري (ت: ١٢٤)، والسدي (ت: ١٢٨)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (١). واختاره الفراء (ت: ٢٠٧)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والطحاوي (ت: ٣٢١)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، وابن عبد البر (ت: ٤٦٣)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والحداد (٢) (ت: ٨٠٠). (٣) ورُوي عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعطاء (ت: ١١٤) أنه في الخطبة (٤)، ورَدَّه بعض العلماء بأن الآية مكيَّة، حيث لا خطبة، ولا جمعة، ثم الاستماع لجميع الخطبة واجب، والقرآن فيها قليل (٥). والصواب أنهم لم يأخذوا هذا الحكم من الآية، وإنما من السنة (٦)، وذكروه تبعًا لحكم الآية لمناسبة اتفاقهما، وتفسيرهم الآية بالمعنى السابق يدل عليه. وقريب من فقه عبيد بن عمير (ت: ٦٨) وعطاء (ت: ١١٤) في فهم هذه الآية، فقهُ

стр. 340

أبي عياض (١)، الذي قال عنه مجاهد (ت: ١٠٤): (ما رأيت أحدًا بعد ابن عباس أعلم من أبي عياض) (٢)، فلمَّا روى حديثَ أبي هريرة ﵁: (كانوا يتكلَّمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف ٢٠٤]) (٣)، قالَ له إبراهيم بن مسلم (٤) - الراوي عنه-: (لقد كنتُ أظنُّ أنه لا ينبغي لأحدٍ يسمع القرآن ألاَّ يستمع. فقال أبو عياض: لا، إنما ذلك في الصلاة المكتوبة، فأمَّا في غير الصلاة فإن شِئتَ استَمَعتَ وأنصَتَّ، وإن شِئتَ مضَيتَ ولم تسمع) (٥). * * * [٥٧] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر ٢٤]. عن أبي معشر (٦) قال: سمعت عون بن عبد الله (٧) يذاكر محمد بن كعب في قول الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر ٢٤]، فقال عون: خير صفوف الرجال المُقَدَّم، وشَرُّ صفوف الرجال المُؤَخَّر، وخير صفوف النساء المُؤَخر، وشرُّ صفوف النساء المُقَدَّم. فقال محمد بن كعب: ليس هكذا، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ

стр. 341

مِنكُمْ﴾ [الحجر ٢٤]: الميت، والمقتول، و ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر ٢٤]: من يلحق بِهم من بعدُ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجر ٢٥]. فقال عون بن عبد الله: وفقك الله، وجزاك خيرًا. (١) * تحليل الاستدراك: فَسَّرَ عون (ت: ١٢٠) التَقَدُّم والتأخُّر المذكورين في الآية بالتَقَدُّم والتأخُّر في صفوف الصلاة؛ لاحتمال لفظ الآية له، ولسبب النُّزول الوارد، فعن أبي الجوزاء (٢)، عن ابن عباس ﵁ قال: (كانت امرأةٌ حسناء من أجمل الناس تصلي خلف النبي ﷺ ، فكان بعض الناس يستقدم في الصف لئلاَّ يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبِطَيه في الصف، فأنزل الله في شأنِها ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر ٢٤]) (٣).

стр. 342

وفَسَّرَ محمد بن كعب المستقدمين والمستأخرين بِمَنْ مات ومضى، ومن يلحق بِهم من بعدُ، مِمَّنْ هو حيّ، ومِمَّن لم يخلق بعدُ. واستَدَل لذلك بالآية بعدها، وسِبَاقُ الآية ولِحاقها يشهدان لهذا المعنى، فقبلها قوله تعالى ﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر ٢٣]، فالحديث عن الإحياء والإماتة والبعث، ثم ذكر في هذه الآية عِلمَه بمن مات، ومن بقي، ومَن بعدهم مِمَّنْ سيُخلَق، ثم قال تعالى بعدها ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجر ٢٥]، وهو تأكيد لِمَا مضى من ذكر البعث، وبيانٌ لتمام قدرته تعالى، وهو ما أكدته السورة في سياقها العام. ويؤكد هذا المعنى أن السورة مكيةٌ باتفاق (١)، وموضوع البعث والإحياء من أبرز موضوعات السور المكية (٢)، ومن نظائر هذا المعنى في القرآن قوله تعالى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق ٤]. (٣) * الحكم على الاستدراك: تعددت أقوال المفسرين في هذه الآية (٤)، وأقوى ما قِيلَ فيها هذان القولان: الأول: أنها في صفوف الصلاة، وهذا يعضده سبب النُّزول، ويحتمله لفظ الآية، وقال به ابن عباس ﵁ (٥)، ومروان بن الحكم (ت: ٦٥)، وأبو الجوزاء (ت: ٨٣) (٦)، واختاره الفراء (ت: ٢٠٧)، والواحدي (ت: ٤٦٨). (٧)

стр. 343

والثاني: أنها في من مات ومضى، ومن هو مخلوق بَعدهم، وهذا يعضده سياق الآية، وكونها مكيةٌ، وانتظام موضوعها العام، وهو أقرب إلى عموم لفظ الآية من المعنى الأول، وقال به ابن عباس ﵁ (١)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والشعبي (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والقرظي (ت: ١٠٨)، وقتادة (ت: ١١٧)، وابن زيد (ت: ١٨٢). (٢) والقول الثاني هو الراجح؛ لِمَا سبق، وعليه جمهور المفسرين (٣)، والأخذ بالسياق يُضعِف القولَ الأولَ وغيرَه من الأقوال؛ لأنَّها تُذهب اتصال المعنى، وسبب النُّزول المذكور لا يصح عن ابن عباس، والصواب وقفه على أبي الجوزاء كما سبق في تخريجه، وبدون ذكر القصة، ويقوي ذلك أن السورة مكية، كما ورد عن ابن عباس ﵁ (٤)، وأن رواية أبي الجوزاء- مع اشتهاره بالإرسال-، مُقاَبَلَةٌ برواية الضحاك، وقتادة، والعوفي، عن ابن عباس، وروايتهم أرجح، ومتوافقةٌ، ولا تعارض فيها (٥). قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣) عن سبب النُّزول: (وهو خبرٌ واهٍ، لا يُلاقي انتظام هذه الآيات، ولا يكون إلا من التفاسير الضعيفة) (٦). واختار القول الثاني مقاتل (ت: ١٥٠)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والسهيلي (ت: ٧٤١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والحداد (ت: ٨٠٠)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣). (٧)

стр. 344

ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: الاعتماد على دلالة السياق في تفاسير السلف. ثانيًا: تنبُّه عون بن عبد الله (ت: ١٢٠) إلى دلالة السياق، ورجوعه إلى مُقتضاها، فقد كان من عادة السلف الرجوع عن أقوالهم إذا تبين لهم ما هو أولى منها، وهذه صورة مُشَرِّفة من ذلك. * * * [٥٨] ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم ٢٤]. قال قتادة: تلا الحسن هذه الآية وإلى جنبه حميد بن عبد الرحمن الحِميري (١)، قال: إن كان لَسَرِيًّا، وإن كان لَكَرِيمًا. فقال حميد: يا أبا سعيد، إنه الجدول. فقال الحسن: لم تزل تعجبنا مجالستك، ولكن غلبتنا عليك الأمراء. (٢) * تحليل الاستدراك: ذهب الحسن (ت: ١١٠) إلى أن معنى السَرِيّ في الآية: السيد الكريم. ومُعتَمَدُه في ذلك صحة هذا المعنى لُغَةً، ويؤَيدُه قراءة ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم ٢٤] (٣)، أي: عيسى ﵇. ثم لو كان المُراد النهر لَكَانَ إنما يكون إلى جنبها لا تحتها.

стр. 345

وذهب حميد إلى أن المُرادَ: الجدول، أي النهر الصغير. واعتمد في ذلك شُهرةَ هذا المعنى لُغَةً، وانتظام السياق به، فلما كانت المرأة في حال الوضع بحاجة الطعام والشراب، أنعم الله تعالى على مريم بكل ذلك، فقال تعالى ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم ٢٥]، ثم امتنَّ عليها بقوله ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم ٢٦]، أي: كلي من هذا الرُّطَب الجَنِيّ، واشربي من هذا النهر السَّرِي، وقَرِّي عينًا. (١) * الحكم على الاستدراك: ذهب عكرمة (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧) في رواية، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومحمد بن عباد بن جعفر (٢)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، إلى أن المُراد بالسَرِيّ: عيسى ﵇، أي أنه سيّدٌ شريف كريم (٣). وقد تكرر مع الحسن (ت: ١١٠) نحو ما جرى له مع حميد، فإنه تلا هذه الآية يومًا وقال: (كان والله سريًّا، يعني: عيسى ﵇. فقال له خالد بن صفوان (٤): يا أبا سعيد إن العرب تسمي الجدول السري. فقال: صدقت) (٥). وذهب البراء بن عازب، وابن عباس ﵃، وعمرو بن ميمون (٦) (ت: ٧٤)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وحميد بن عبد الرحمن، وقتادة (ت: ١١٧)، وأبو صالح (ت: ١٢١)،

стр. 346

وابن جريج (ت: ١٥٠)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، ومعمر (ت: ١٥٣)، ووهب بن منبه (١) (ت: ١١٤)، والسدي (ت: ١٢٨)، وابن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، إلى أنه: النهر الصغير، أو الجدول (٢). وهو الراجح، وعليه جمهور المفسرين واللغويين (٣)، بل قال الأزهري (ت: ٣٧٠): (وهو قول جميع أهل اللغة) (٤)، وقال الرازي (ت: ٦٠٤): (اتفق المفسرون- إلا الحسن وعبد الرحمن بن زيد- أن السَّرِي هو: النهر والجدول) (٥). ووجه ترجيحه أنه الأشهر لُغَةً (٦)، والأوفق سياقًا (٧)، وعليه الأكثر، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، وابن جزي (ت: ٧٤١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، والحداد (ت: ٨٠٠)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠)، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣). (٨)

стр. 347

وأما قول الحسن (ت: ١١٠)، فقد وصفه ابن حجر (ت: ٨٥٢) بالشذوذ (١)، وقد تراجع عنه الحسن إلى القول الثاني (٢)، وهو ظاهر جوابه لحميد وخالد بن صفوان. والقراءة السبعية المذكورة في هذا القول مُحتَمِلَةٌ لكلا المعنيين، إذ يصح أن يُرادَ بها جبريلُ في كلا الوجهين: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم ٢٤]، و ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ [مريم ٢٤]، أي: من مكان أخفض منها (٣)، ويشهد له قوله تعالى ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [المؤمنون ٥٠]. وأما قول ابن زيد (ت: ١٨٢): (لو كان النهر لكان إنما يكون إلى جنبها، ولا يكون النهر تحتها) (٤)، فيُجاب عنه بالآية السابقة وأن مريم كانت على ربوة (٥)، والمراد أسفل من مكانها، ومثله قوله تعالى ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التوبة ٧٢]، وقوله حكايةً عن فرعون ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١]. (٦) ومن مسائل هذا الاستدراك اعتماد السلف على السياق في بيان المعنى، فقد ذكر السمرقندي (ت: ٣٧٥) أن حميدًا لَمَّا أنكر قولَ الحسن (ت: ١١٠) قال: ألا ترى أنه قال ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ [مريم ٢٦]؟. (٧) * * *

стр. 348

[٥٩] ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]. قال علي بن زيد بن جدعان (١): سألني علي بن الحسين (٢): ما يقول الحسن (٣) في قوله ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب ٣٧]؟ قلت: يقول: لمَّا جاء زيدٌ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أُريد أن أُطلِّقَ زينب. أعجبه ذلك، فقال: أمسك عليك زوجك. فقال علي بن الحسين: لا، ولكن الله أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ليشكوها إليه، قال: اتق الله، وأمسك عليك زوجك. فقال: قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه. (٤) * تحليل الاستدراك: ذهب الحسن (ت: ١١٠) إلى أن الأمر الذي أخفاه رسول الله ﷺ ، والمُضمَر في الآية هو: طلاق زيد لزوجه. إذ لفظ الآية يحتمله، ويوافقه سبب النُّزول الوارد عن

стр. 349

أنس ﵁ قال: (أتى رسول الله ﷺ منْزلَ زيد بن حارثة، فرأى رسول الله ﷺ امرأتَه زينب، وكأنه دخَلَه، فجاء زيدٌ يشكوها إليه، فقال له النبي: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٧]. قال: فنَزلت ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب ٣٧]، إلى قوله ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧]، يعني: زينب). (١) وذهب زين العابدين (ت: ٩٣) إلى أن ما أخفاه رسول الله ﷺ في نفسه هو: ما أعلمه الله تعالى من أنه سيتزوج زينب. وهو قولٌ يحتمله لفظ الآية، ويشهد له موافقته لسبب النُّزول السابق، وعدم خروجه عنه، وكذا سياق الآية ولفظها، فإن الله تعالى بيَّنَ في الآية أنه سيُبدي ما أخفاه رسوله ﷺ ، وما أبداه تعالى في الآيات هو: زواجه بِها، قال تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب ٣٧]، ولم يُبدِ تعالى شيئًا آخر من محبته لها، أو رغبته في نكاحها، ولو كان هو المُراد لأبداه تعالى. (٢) * الحكم على الاستدراك: ذهب إلى قول الحسن (ت: ١١٠) في هذه الآية ابنُ عباس ﵁ (٣)، وقتادة (ت: ١١٧)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وابن جريج (ت: ١٥٠)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وابن سلاَّم (ت: ٢٠٠)، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠)، والسمرقندي

стр. 350

(ت: ٣٧٥)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، وابن جُزَيّ (ت: ٧٤١)، والحداد (ت: ٨٠٠). (١) وذهب إلى قول زين العابدين (ت: ٩٣)، الحسن (ت: ١١٠) في رواية، والزهري (ت: ١٢٤)، واختاره الحكيم الترمذي (٢) (ت: ٣٢٠)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، والقاضي عياض (ت: ٥٤٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن الزبير الغرناطي (٣) (ت: ٧٠٨)، وابن القيم (ت: ٧٥١)، وابن كثير (ت: ٧٧٤)، وابن حجر (ت: ٨٥٢)، والآلوسي (ت: ١٢٧٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣)، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣)، وغيرهم (٤). وهو أولى القولين بالصواب؛ لوجوه منها- بعد احتمال لفظ الآية له، وموافقته لسبب النُّزول-:

стр. 351

أولًا: استقامة سياق الآية ولفظها به، وقد سبق بيانه. ثانيًا: أن الله تعالى صَرَّحَ بأنه هو الذي زوجه إياها؛ لحكمة قطع تحريم أزواج الأدعياء، قال تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٧]، وهذا صريح في أن سبب زواجه بِها ليس محبته لها التي كانت سببًا في طلاق زيد لها، وإنما هو أمر الله لتحقيق تلك الحكمة، ويوضحه قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، أي: لم تبق له بِها حاجَة، فطلَّقَها باختياره. (١) ثالثًا: دلالة ألفاظ الآية وما بعدها عليه، كقوله تعالى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، أي: لابدَّ لك أن تتزوجها. وقوله ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب ٣٨]، فنفيُ الحَرَج عن رسول الله ﷺ في هذه الحادثة صريحٌ، ولو كان على ما قِيلَ من وقوع زينب في قلبه ﷺ ، ومحبته طلاق زيد لها، لكان فيه أعظم الحَرَج عليه (٢). وكذا قوله تعالى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب ٣٨]، أي: جميع ذلك بأمر الله وتقديره واختياره لرسوله، ولا ذكر في كل ذلك لمحبة رسول الله ﷺ لها، ورغبته في طلاقها. (٣) رابعًا: أنه الأليق بمقام رسول الله ﷺ ، وفيه حفظٌ لعصمة النبوة، ومقام الرسالة. (٤) وأما القول الأول فلم يرد فيه خبرٌ يصح الاعتماد عليه، وجميع ما فيه آثار مقطوعة واهية، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (ذكر ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم هاهُنا آثارًا

стр. 352

عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحًا- لعدم صحتها- فلا نوردها) (١). وأما قولهم: إن النبي ﷺ رأى زينب فوقعت في قلبه. فباطلٌ؛ (لأنه ﷺ لم يزل معها لمكان قرابته منها؛ فهي ابنة عَمَّته أُميمَة بنت عبد المطلب، ولم يكن حينئذٍ حجاب، وإنما نزلت آية الحجاب بسببها (٢)، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ذلك ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج؟! وقد وهبته نفسها، وكرهت غيره، فلم تخطر بباله، فكيف يتجدد له هوىً لم يكن، حاشا لذلك القلب المُطَهَّر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال الله تعالى له ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه ١٣١]، والنساء أفتن الزهرات، وأنشر الرياحين، فيخالف هذا في المطلقات، فكيف في المنكوحات والمحبوسات؟!) (٣). ثم قد ورد عن الحسن التفسير بالقول الثاني، فَرُبَّما رجع إليه بعد قوله الأول. والله أعلم. * * *

стр. 353

[٦٠] ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]. عن عبد الله بن الحارث بن نوفل (١) قال: تلا كعب الأحبار هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، إلى قوله ﴿لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥]، فقال: دخلوها ورب الكعبة- وفي لفظ: كُلُّهُم في الجنة-، ألا ترى على أثره ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر ٣٦]؟. فذُكِرَ ذلك للحسن فقال: أبَتْ والله ذلك عليهم الواقعة. (٢) * تحليل الاستدراك: فَسَّرَ كعبٌ (ت: ٣٢) قولَه تعالى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، بأنهم: أُمَّةُ محمد ﷺ ، وأنهم المقصودون بالأقسام الثلاثة: الظالم لنفسه، والمُقتَصد، والسابق بالخيرات. وقد سألَهُ ابن عباس ﵁ عن هذه الآية فقال: (تَماسَّت مناكِبُهم وربِّ الكعبة، ثُمَّ أُعطُوا الفضلَ بأعمالهم) (٣). وهذا القول مُعتَمِدٌ على ظاهر الآية وسياقها، فقد ذكر تعالى قبل هذه الآية القرآنَ الكريم، وأنه مُصَدِّقٌ لِمَا بين يديه من الكتب فقال ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]، ثمَّ عَقَّبَ بِثُمَّ المفيدة

стр. 354

للترتيب فقال ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، أي: هذه الأمَّة، ثُمَّ فَصَّلَ حال هذه الأمَّة في قِسمَةٍ مُفتتَحَةٍ بالفاء المفيدة تَرَتُّب ما بعدها على ما قبلها فقال ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، ثُمَّ ذكرَ مَآلَهُم مُفَصَّلًا فقال ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٢ - ٣٥]، فلَمَّا استوفى أقسام هذه الأمة أعقَبَ ذلك بذكر الخارجين عنهم؛ وهم الذين كفروا؛ لِتَعُمَّ الآياتُ أقسامَ الخلقِ كُلّهم، فقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر ٣٦]. وذهب الحسن (ت: ١١٠) إلى أن هذه الأقسام في الآية عامَّة للخلق كُلِّهم، فيكون الظالم لنفسه الكافرُ والمنافقُ، كالأقسام المذكورة في سورة الواقعة في قوله تعالى ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة ٥ - ١٠]، وهذا بيانٌ للقرآن بالقرآن، ثم لا يستقيم أن يكون الظالم لنفسه من المُصطَفين الوارثين للكتاب. * الحكم على الاستدراك: ذهب ابن عباس ﵁ (١)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والفراء (ت: ٢٠٧)، إلى نحو قول الحسن (ت: ١١٠) في هذه الآية، وعن ابن عباس، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧) أن هذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة

стр. 355

الواقعة وآخرها. (١) وذهب عمر، وعثمان، وأبو الدرداء، وأبو مسعود البدري عقبة بن عمرو، وأبو سعيد الخدري، وابن مسعود، وعائشة، والبراء بن عازب، وابن عباس ﵃ (٢)، وكعب الأحبار (ت: ٣٢)، وعبيد بن عمير (ت: ٦٨)، ومحمد بن الحنفية (٣) (ت: ٨٠)، والنخعي (ت: ٩٦)، وأبو قلابة (٤) (ت: ١٠٤)، وقتادة (ت: ١١٧) في رواية، وعمرو بن دينار (ت: ١٢٦)، والسدي (ت: ١٢٨)، وأبو إسحاق السَّبيعي (٥) (ت: ١٢٩)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠) (٦)، إلى أن الاصطفاء في هذه الآية لهذه الأمة (٧)، وأن أقسام الآية الثلاثة أخص من أقسام سورة الواقعة؛ إذ إن هذه الأقسام جميعًا في هذه
следующие страницы →