← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أولًا: استقامة سياق الآية ولفظها به، وقد سبق بيانه. ثانيًا: أن الله تعالى صَرَّحَ بأنه هو الذي زوجه إياها؛ لحكمة قطع تحريم أزواج الأدعياء، قال تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٧]، وهذا صريح في أن سبب زواجه بِها ليس محبته لها التي كانت سببًا في طلاق زيد لها، وإنما هو أمر الله لتحقيق تلك الحكمة، ويوضحه قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، أي: لم تبق له بِها حاجَة، فطلَّقَها باختياره. (١) ثالثًا: دلالة ألفاظ الآية وما بعدها عليه، كقوله تعالى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، أي: لابدَّ لك أن تتزوجها. وقوله ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب ٣٨]، فنفيُ الحَرَج عن رسول الله ﷺ في هذه الحادثة صريحٌ، ولو كان على ما قِيلَ من وقوع زينب في قلبه ﷺ ، ومحبته طلاق زيد لها، لكان فيه أعظم الحَرَج عليه (٢). وكذا قوله تعالى ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب ٣٨]، أي: جميع ذلك بأمر الله وتقديره واختياره لرسوله، ولا ذكر في كل ذلك لمحبة رسول الله ﷺ لها، ورغبته في طلاقها. (٣) رابعًا: أنه الأليق بمقام رسول الله ﷺ ، وفيه حفظٌ لعصمة النبوة، ومقام الرسالة. (٤) وأما القول الأول فلم يرد فيه خبرٌ يصح الاعتماد عليه، وجميع ما فيه آثار مقطوعة واهية، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (ذكر ابنُ جرير وابنُ أبي حاتم هاهُنا آثارًا

стр. 352

عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحًا- لعدم صحتها- فلا نوردها) (١). وأما قولهم: إن النبي ﷺ رأى زينب فوقعت في قلبه. فباطلٌ؛ (لأنه ﷺ لم يزل معها لمكان قرابته منها؛ فهي ابنة عَمَّته أُميمَة بنت عبد المطلب، ولم يكن حينئذٍ حجاب، وإنما نزلت آية الحجاب بسببها (٢)، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ذلك ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج؟! وقد وهبته نفسها، وكرهت غيره، فلم تخطر بباله، فكيف يتجدد له هوىً لم يكن، حاشا لذلك القلب المُطَهَّر من هذه العلاقة الفاسدة، وقد قال الله تعالى له ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه ١٣١]، والنساء أفتن الزهرات، وأنشر الرياحين، فيخالف هذا في المطلقات، فكيف في المنكوحات والمحبوسات؟!) (٣). ثم قد ورد عن الحسن التفسير بالقول الثاني، فَرُبَّما رجع إليه بعد قوله الأول. والله أعلم. * * *

стр. 353

[٦٠] ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]. عن عبد الله بن الحارث بن نوفل (١) قال: تلا كعب الأحبار هذه الآية ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، إلى قوله ﴿لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥]، فقال: دخلوها ورب الكعبة- وفي لفظ: كُلُّهُم في الجنة-، ألا ترى على أثره ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر ٣٦]؟. فذُكِرَ ذلك للحسن فقال: أبَتْ والله ذلك عليهم الواقعة. (٢) * تحليل الاستدراك: فَسَّرَ كعبٌ (ت: ٣٢) قولَه تعالى ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، بأنهم: أُمَّةُ محمد ﷺ ، وأنهم المقصودون بالأقسام الثلاثة: الظالم لنفسه، والمُقتَصد، والسابق بالخيرات. وقد سألَهُ ابن عباس ﵁ عن هذه الآية فقال: (تَماسَّت مناكِبُهم وربِّ الكعبة، ثُمَّ أُعطُوا الفضلَ بأعمالهم) (٣). وهذا القول مُعتَمِدٌ على ظاهر الآية وسياقها، فقد ذكر تعالى قبل هذه الآية القرآنَ الكريم، وأنه مُصَدِّقٌ لِمَا بين يديه من الكتب فقال ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]، ثمَّ عَقَّبَ بِثُمَّ المفيدة

стр. 354

للترتيب فقال ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، أي: هذه الأمَّة، ثُمَّ فَصَّلَ حال هذه الأمَّة في قِسمَةٍ مُفتتَحَةٍ بالفاء المفيدة تَرَتُّب ما بعدها على ما قبلها فقال ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، ثُمَّ ذكرَ مَآلَهُم مُفَصَّلًا فقال ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٢ - ٣٥]، فلَمَّا استوفى أقسام هذه الأمة أعقَبَ ذلك بذكر الخارجين عنهم؛ وهم الذين كفروا؛ لِتَعُمَّ الآياتُ أقسامَ الخلقِ كُلّهم، فقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر ٣٦]. وذهب الحسن (ت: ١١٠) إلى أن هذه الأقسام في الآية عامَّة للخلق كُلِّهم، فيكون الظالم لنفسه الكافرُ والمنافقُ، كالأقسام المذكورة في سورة الواقعة في قوله تعالى ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة ٥ - ١٠]، وهذا بيانٌ للقرآن بالقرآن، ثم لا يستقيم أن يكون الظالم لنفسه من المُصطَفين الوارثين للكتاب. * الحكم على الاستدراك: ذهب ابن عباس ﵁ (١)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، وزيد بن أسلم (ت: ١٣٦)، والفراء (ت: ٢٠٧)، إلى نحو قول الحسن (ت: ١١٠) في هذه الآية، وعن ابن عباس، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧) أن هذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة

стр. 355

الواقعة وآخرها. (١) وذهب عمر، وعثمان، وأبو الدرداء، وأبو مسعود البدري عقبة بن عمرو، وأبو سعيد الخدري، وابن مسعود، وعائشة، والبراء بن عازب، وابن عباس ﵃ (٢)، وكعب الأحبار (ت: ٣٢)، وعبيد بن عمير (ت: ٦٨)، ومحمد بن الحنفية (٣) (ت: ٨٠)، والنخعي (ت: ٩٦)، وأبو قلابة (٤) (ت: ١٠٤)، وقتادة (ت: ١١٧) في رواية، وعمرو بن دينار (ت: ١٢٦)، والسدي (ت: ١٢٨)، وأبو إسحاق السَّبيعي (٥) (ت: ١٢٩)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠) (٦)، إلى أن الاصطفاء في هذه الآية لهذه الأمة (٧)، وأن أقسام الآية الثلاثة أخص من أقسام سورة الواقعة؛ إذ إن هذه الأقسام جميعًا في هذه

стр. 356

الأمة. وهذا القول هو الصواب في معنى الآية، لوجوهٍ كثيرة: أولها: دلالة ظاهر الآية وسياقها، وقد سبق ذكرهما. (١) ثانيها: أنه مُقتضى قوله تعالى ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣]، فقد أعاد ضمير الجمع على ما سبق ليشمل الأصناف الثلاثة لا بعضها (٢)، قال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣): (والواو في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] شاملةٌ للظالم والمقتصد والسابق على التحقيق، ولذا قال بعض أهل العلم: حُقَّ لهذه الواو أن تُكتَبَ بماء العينين) (٣)؛ فلذلك كانت هذه الآية من أرجى آيات القرآن (٤). والأصل أنه إذا ذكرت الصفة بعد مفردات أو جُمَل متعاطفة عادت إلى جميعها إلا بقرينة. (٥) ثالثها: دلالة معنى التوريث الوارد في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر ٣٢]، فهو (عبارة عن أن الله أعطاهم الكتاب بعد غيرهم من الأمم) (٦)، وقد تضمن القرآن معاني الكتب السابقة، فكأنه تعالى وَرَّث هذه الأمة كتب السابقين؛ لاحتواء كتابهم على معانيها. (٧) رابعها: وورود هذا المعنى عن رسول الله ﷺ من وجوه كثيرة، وهي وإن لم يخلُ أكثرها من ضعف؛ إلا أن مجموعَها يُثبتُ أصلًا لهذا المعنى (٨)، ومنها حديث

стр. 357

أبي الدرداء ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ ذَكَرَ هذه الآية وقال: (فأمَّا السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالم لنفسه فيصيب في ذلك المكان من الغَمِّ والحزن، ثم يتجاوز الله عنه، فذلك قول الله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤]) (١). خامسها: أنه تفسير تسعة من الصحابة، وحسبُكَ به. سادسها: أنه قول عامَّة أهل العلم (٢)، واختيار جمهور المفسرين. (٣) وأمَّا القول الأول فقال عنه ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهذا قولٌ مردودٌ من غيرما وجه) (٤)، ومن هذه الوجوه: الأول: أنه لا علاقة بين الأقسام الثلاثة في هذه الآية وفي سورة الواقعة، فإن هذه

стр. 358

الأقسام الثلاثة سيقت في مقام الامتنان بإنزال القرآن على رسول الله ﷺ ، واصطفاء هذه الأمة واختصاصها به. أمَّا أقسام سورة الواقعة فإنها من أوّل السورة إلى آخرها في بيان أقسام الخلق يوم القيامة. وتشابه الآيات في بعض الأقسام وفي عددها لا يلزم منه تطابقهما في المعنى. الثاني: أن المُراد بالظالم لنفسه في الآية: من ظلمها بالذنوب والعاصي. ومن ثَمَّ فلا إشكال في دخوله فيمن اصطفاهم الله تعالى، إذ المُراد: اصطفاء الله لدينهم (١)، واصطفائهم بالتوحيد (٢). ثم الظلم على درجات، فمنه الظلم الأصغر، وهو: ظلم النفس بالمعاصي، ومنه الأكبر، وهو: الشرك، كما في قوله تعالى ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة ٥٤]، وقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢] (٣)، والمسلم العاصي لا يخرج عن مجموع الأمة، وهو يوم القيامة داخلٌ الجنة بفضل الله وتجاوزه ابتداءً، أو بعدل الله وتطهيره له من ذنوبه في النار، ثم مصيره الجنة. قال ابن القيم (ت: ٧٦١): (كون العبد مصطفىً لله، ووليًّا لله، ومحبوبًا لله، ونحو ذلك من الأسماء الدالَّة على شرف منْزلة العبد، وتقريب الله له، لا يُنافي ظلم العبد نفسه أحيانًا بالذنوب والمعاصي)، ثم استشهد بأدلة وافرة على ذلك، كقوله تعالى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر ٣٣ - ٣٥]، وقوله تعالى عن آدم ﵇ ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف ٢٣]، وقال عن يونس ﵇ ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧]، ثم قال: (وإذا كان ظلم النفس

стр. 359

لا ينافي الصديقية والولاية، ولا يُخرج العبد عن كونه من المتقين، بل يجتمع فيه الأمران يكون وليًا لله صديقًا متقيًا، وهو مسيء ظالم لنفسه، علم أن ظلمه لنفسه لا يخرجه عن كونه من الذين اصطفاهم الله من عباده، وأورثهم كتابه، إذ هو مصطفىً من جهة كونه من ورثةِ الكتاب علمًا وعملًا، ظالمٌ لنفسه من جهة تفريطه في بعض ما أُمرَ به، وتعديه بعض ما نُهي عنه، كما يكون الرجل وليًا لله محبوبًا له من جهة، ومبغوضًا له من جهة أخرى .. ، ونكتةُ المسألة أن الاصطفاء والولاية والصديقية، وكون الرجل من الأبرار ومن المتقين ونحو ذلك، كلها مراتب تقبل التجزيء والانقسام والكمال والنقصان، كما هو ثابت باتفاق المسلمين في أصل الإيمان، وعلى هذا فيكون هذا القسم مصطفىً من وجه، ظالمًا لنفسه من وجه آخر) (١). ودخول الظالم لنفسه في اصطفاء الله لهذه الأمة في هذه الآية، هو كدخوله في الذكر والشرف لهذه الأمة، الوارد في قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]. (٢) وقد أكثر المفسرون من ذكر معاني أخرى غير هذين المعنيين (٣)، وكُلُّها من باب التمثيل لِلَّفظ بذكر بعض أفراده. (٤) * * *

стр. 360

[٦١] ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات ١٤٣]. قال عمران القطان (١): سمعت الحسن يقول في قوله ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات ١٤٣]، قال: والله ما كان إلا صلاةً أحدَثَها في بطن الحوت. قال عمران: فذكرت ذلك لقتادة، فأنكر ذلك، وقال: كان والله يُكثِر الصلاةَ في الرَّخاء. (٢) * تحليل الاستدراك: ذهب الحسن (ت: ١١٠) إلى أن تسبيح يونس ﵇ الذي أنجاه الله به هو ما كان منه في بطن الحوت، وهو الوارد في قوله تعالى ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧]، وهو الدعاء الذي نجاه الله به، إذ أعقبه الله تعالى بقوله ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء ٨٨]. وهذا تفسير للقرآن بالقرآن. وأنكر ذلك قتادة (ت: ١١٧)، وذهب إلى أن تسبيح يونس ﵇ الذي نجاه الله به هو ما كان منه حال الرخاء من تسبيح وعبادة. وهذا المعنى مأخوذٌ من لفظ الآية، فقوله تعالى ﴿كَانَ﴾ [الصافات ١٤٣]، يفيد أنه في الماضي قبل حصوله في بطن الحوت، كما أن التعبير بلفظ ﴿الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات ١٤٣] دون غيره يفيد التكثير والدوام في كل حال، وهذا الشأنُ في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد ورد في السنة ما يشهد لهذا المعنى،

стр. 361

وذلك في قوله ﷺ : (تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة) (١)، قال قتادة (ت: ١١٧): (إن في الحكمة: العمل الصالح يرفع صاحبه إذا ما عَثَر، فإذا صُرِعَ وَجَدَ مُتَّكئًا) (٢)، ورُويَ عن النبي ﷺ : (أن الملائكة سمعت دعاء يونس ﵇ في بطن الحوت، فقالوا: يا ربّ صوتٌ ضعيفٌ معروفٌ، من بلادٍ غريبة. قال: ذاك عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يَزَل يُرفَعُ له عملٌ صالحٌ، ودعوةٌ مستجابةٌ؟ قال: نعم. قالوا: يا ربنا أوَلا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء، فتنجيه من البلاء. قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه في العراء) (٣). * الحكم على الاستدراك: اتفق الحسن (ت: ١١٠) وقتادة (ت: ١١٧) على أن التسبيح في هذه الآية: الصلاة. وهي حقيقةٌ شرعية للفظ التسبيح، وإن كان في اللغة أشمل من ذلك (٤)، قال الراغب (ت: بعد ٤٥٠): (وجُعِل التسبيح عامًّا في العبادات قولًا كان، أو فعلًا، أو نيَّة) (٥)، وقد وافق الحسنَ (ت: ١١٠) في تفسيره هذا سعيدُ بن جبير (ت: ٩٥)، وابن جريج

стр. 362

(ت: ١٥٠)، واختاره ابن جُزَيّ (ت: ٧٤١)، واستظهره أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (١). وذهب سلمانُ الفارسي، وابنُ عباس، والضحاك بن قيس ﵃، وأبو العالية (ت: ٩٣)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥) في رواية (٢)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠) في رواية (٣)، ووهب بن منبه (ت: ١١٤)، والسدي (ت: ١٢٨)، وعطاء بن السائب (ت: ١٣٦)، والقاسم بن الوليد (٤) (ت: ١٤١)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن عيينة (ت: ١٩٨)، إلى ما ذهب إليه قتادة (ت: ١١٧) في هذه الآية (٥). وهو أرجح المعنيين؛ لدلالة ظاهر الآية، ومقتضى اللفظ، ولشهادة السنة لمعناه، وعليه جمهور المفسرين (٦)، ويؤيده وروده عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، والحسن (ت: ١١٠). ولعلهما أرادا بمجموع القولين- إن ثبت عنهما- الجمع بينهما على ما سيأتي، أو تَبَدَّل اجتهادُهما في تفسير الآية. وقد جمع الآلوسي (ت: ١٢٧٠) (٧)، والسعدي (ت: ١٣٧٦) (٨) بين القولين، بأنه:

стр. 363

كان من المسبحين في حال الرخاء، وكذلك في بطن الحوت، ولمجموع ذلك فَرَّجَ الله عنه. وهذا الجمع مَرَدُّه إلى القول الثاني، فلا يكون قولًا ثالثًا؛ لأن من لازم تسبيح يونس ﵇ وعبادته حال الرخاء، أن تدوم تلك العبادة وذلك التسبيح حال الشدة، فهذا المعنى من تمام القول الثاني، وليس بخارج عنه، وإنما الذي يُقابله أن يكون ذلك التسبيح مُحدَثًا في بطن الحوت، كما في القول الأول. * * * [٦٢] ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِ طَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ١٩ - ٢١]. قال يعقوب بن عبد الرحمن (١): (سألت زيد بن أسلم عن قوله تعالى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق ١٩]، إلى قوله ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق ٢١]، فقلت له: من يُرَاد بهذا؟ فقال: رسول الله ﷺ . فقلت له: رسول الله؟! فقال: ما تنكر؟ قال الله ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ [الضحى ٦ - ٧]. قال: ثم سألت صالح بن كيسان (٢) عنها، فقال لي: هل سألت أحدًا؟ فقلت: نعم، قد سألت عنها زيد بن أسلم. فقال: ما قال لك؟ فقلت: بل تخبرني ما تقول. فقال: لأخبرنك برأيي الذي عليه رأيي، فأخبرني ما قال لك. قلت: قال: يُراد بها رسول الله ﷺ . فقال: وما علم زيد؟ والله ما سنٌّ عالية، ولا لسانٌ فصيح، ولا معرفةٌ بكلام العرب، إنما يُراد بهذا الكافر. ثم قال: اقرأ ما

стр. 364

بعدها يدلك على ذلك. قال: ثم سألت حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس (١)، فقال لي مثل ما قال صالح: هل سألت أحدًا؟ فأخبرني به. قلت: إني قد سألت زيد بن أسلم، وصالح بن كيسان. فقال لي: ما قالا لك؟ قلت: بل تخبرني بقولك. قال: لأخبرنك بقولي. فأخبرته بالذي قالا لي. قال: فإنِّي أُخَالفهما جميعًا، يريد بها البر والفاجر، قال الله ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق ١٩]، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ٢٢]، قال: فانكشف الغطاء عن البر والفاجر، فرأى كلٌّ ما يصير إليه) (٢). * تحليل الاستدراك: ذهب زيدُ بن أسلم (ت: ١٣٦) إلى أن المعنيَّ بِهذه الآيات: رسولَ الله ﷺ . واعتمد في ذلك التعيين على خطاب الواحد المذكور قبل في قوله تعالى ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق ١٩]، وكذا الوارد في قوله ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ٢٢]. وقد بَيَّن زيد (ت: ١٣٦) لسائله- لَمَّا رآه مُنكِرًا قولَه- أن لا غضاضة في كلِّ ذلك على رسول الله ﷺ ، وأن ذلك مثل قول الله له ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ [الضحى ٦ - ٧]. فالآية الأولى في بيان حالٍ تحيدُ عنها كل نفس لشِدَّتِها (٣)، وقد كان ﷺ يُكَرِّرُ عند موته: (لا إله إلا الله، إن للموت سَكَرات، اللهم هَوِّن عليَّ سكراتِ الموت) (٤)، وقال لابنته فاطمة ﵂

стр. 365

في حاله تلك: (لا كربَ على أبيك بعد اليوم) (١). والآية الثانية شبهها واضحٌ بآيةِ الضحى، والمعنى فيها: (لقد كُنْتَ في غفلةٍ من معرفة هذا القصص والغيب، حتى أرسلناك، وأنعمنا عليك وعلمناك) (٢)، فكلا الآيتين لديه خطاب للرسول ﷺ في الدنيا. وذهب ابنُ كيسان (ت: بعد ١٤٠) إلى أن المعنِيَّ بِها: الكافرُ إذا عاينَ الحقائق يوم القيامة. واعتمد لذلك سياق الآية بقوله: (اقرأ ما بعدها يدُلُّكَ على ذلك)، ومراده قوله تعالى ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ﴾ [ق ٢٣ - ٢٥]. وخالفهما الحسينُ (ت: ١٤١) وذهب إلى أن المَعنِيَّ بهذه الآيات: كُلُّ بَرٍّ وفاجرٍ. واعتمد في ذلك العمومَ الواضحَ من سياق الآية، فقبلها قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، وما بعدها وصفٌ لأحوال هذا الإنسان من حين سكرة الموت، وحتى مصيره إلى الجنة أو النار. * الحكم على الاستدراك: اجتمع في هذا الاستدراك ثلاثةُ أقوال، أولها: قول زيد بن أسلم (ت: ١٣٦) أن المُراد: رسول الله ﷺ . وتبعه عليه ابنه عبد الرحمن (ت: ١٨٢) (٣)، وهو أضعفُ هذه الأقوال، وقد وصفه الرازي (ت: ٦٠٤) بالنَّكارة (٤)، وضَعَّفَه ابنُ عطية (ت: ٥٤٦)، وابنُ جُزَي (ت: ٧٤١) (٥)، وبالغ أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) فقال: (وعن زيد بن أسلم قول

стр. 366

في هذه الآية يَحرُم نقله، وهو في كتاب ابن عطية) (١)، ومُجمَلُ وجوه ضعفه: أنه مُخالفٌ للفظ الآية وسياقها، فالضمير في قوله ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ [ق ٢٢] إنما يعود إلى أقرب مذكور، وهي النفس في قوله تعالى ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق ٢١]، وإعادته إلى القرآن أو الوحي إخراجٌ له عن نظم الآية بلا دليل، وكذلك الضمير بعد هذا في قوله ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ [ق ٢٣] إنما يعود على أقرب مذكور وهو الذي يُقال له ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق ٢٢]، ولا يصح به المعنى على هذا القول، وإن جعلناه عائدًا على النفس في الآية المتقدمة جاء هذا الاعتراض في خطاب محمد ﷺ غير متمكنٍ، ومُخالف لنظم الآية. والثاني: قول ابن كيسان (ت: بعد ١٤٠) أن المراد: الكافر. وسبقه ابن عباس ﵁، من رواية ابن أبي طلحة، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، واختاره مقاتل (ت: ١٥٠)، والثوري (ت: ١٦١)، والحداد (ت: ٨٠٠)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (٢)، وهو وإن كان أقرب من سابقه، ويُمكِنُ تخصيص السياق به على تكلُّف، إلا أن العموم الوارد في قوله تعالى في أول سياق الآيات ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، وقوله ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [ق ٢١] أولى منه، وأحرى أن تُحمَلَ الآيةُ عليه؛ إذ الكلام فيما بين ذلك وبعده مرتبطٌ به ارتباطًا ظاهرًا (٣)، ثُمَّ هي أحوالٌ تمرُّ على كلِّ بَرٍّ وفاجرٍ، ولا موجب للتخصيص فيها، وقد صَحَّ عن أبي بكر ﵁ ما يشهد لهذا القول، فإنه لَمَّا دخلت عليه عائشة ﵂ في ساعة موته قالت: (هذا كما قال الشاعر (٤):

стр. 367

إذا حَشْرَجَت يومًا وضَاقَ بها الصَّدَرُ. فقال أبو بكر ﵁: لا تقولي ذلك، ولكن قولي كما قال الله ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق ١٩]) (١). وهو القول الثالث الذي ذهب إليه الحسين بن عبد الله (ت: ١٤١)، وقبله ابن عباس ﵁، من طريق العوفيين، وقتادة (ت: ١١٧) (٢)، وعليه جمهور المفسرين. (٣) وفي هذا الاستدراك مسائل: أولها: أن تفسير القرآن بالقرآن اجتهادٌ من المفسر، فلا يجب المصير إليه ما لم يكن نَصًّا صريحًا، أو إجماعًا ثابتًا، أما ما عَدَاه فلا يكفي فيه تشابه اللفظ، وتقارب المعنى؛ لأن لسبب النُّزول، وسياق الكلام وانتظامه أثرٌ قَوِيٌّ في تحديد المعنى، وبيان المُراد. وتفسير زيد بن أسلم (ت: ١٣٦) هنا وإن كان من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، إلا أنه أخرج الآية من سياقها، وخالَفَ انتظامها، فلم يُعتَبَر. ثانيها: في قول ابن كيسان (ت: بعد ١٤٠) لسائله- تمهيدًا لرده قولَ زيد بن أسلم (ت: ١٣٦) -: (وما علم زيد؟ والله ما سنٌّ عاليةٌ، ولا لسانٌ فصيحٌ، ولا معرفةٌ بكلامِ العرب)، بيانٌ لأمورٍ ثلاثةٍ هي عنده أسباب خطأِ زيد (ت: ١٣٦) في تفسيره هذا،

стр. 368

ويُقابلها أمورٌ ثلاثةٌ هي وجوه الترجيح، وبعضها شروطٌ في المفسر، وهي: أولًا: عُلُوّ السِنّ، وليس مُراده أن صغير السِنِّ لا يُصيب، وإنما نبَّه بعبارته هذه على أن لعُلُوِّ السِنِّ فضيلةٌ تعين صاحبها على إصابة الحق، ففيه لقاء الأكابر، وعلى الأخص هنا الصحابة، وطول مدارسة العلم ومشافهة العلماء، مِمَّا يُكسِبُ صاحبه ملكةً تُعينه على الصواب وتُقَرِّبُه منه، وكذا طولُ أَمَد التحقيق والنظر، وتَفَحُّصِ الأقوال وتتبعها؛ ليطمَئِنَّ إلى ما يوصِلُه إليه اجتهاده. ثانيًا: فصاحةُ اللسان، وهي في التفسير مَزِيَةٌ لَهَا شَأن، تُعين صاحبها على صِحَّة الفهم، وحُسن الاختيار من المعاني. ثالثًا: معرفةُ كلام العرب؛ ألفاظها، وأساليبها، وهذا شرطٌ لازمٌ للمُفَسِّر، فإن القرآن مُنَزَّلٌ بلسان عربيٍّ مُبين، فلا تُعرَفُ معانيه إلا بمعرفة اللسان الذي نزل به، وهو لسان العرب. * * * [٦٣] ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧]. قال مجاهد: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم. (١)

стр. 369

* تحليل الاستدراك: نفى مجاهد (ت: ١٠٤) أن يكون المُراد بالغمام في الآية: السحاب، ومن فَسَّرَه بالسحاب اعتمد على اللغة، فالسحاب أشهر معاني الغمام وأظهرها، والمُتبادر منها. وذهب إلى أن المُراد به الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الوارد في قوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠]، فحمل الغمام في الآية الأولى على معناه في الآية الثانية، وهو عنده أبيض رقيق غير سحاب المطر، بل أطيب منه وأرق وأصفى (١). وكان ذلك من تمام نعمة الله عليهم، ولم يكن إلا لهم. * الحكم على الاستدراك: الغَمُّ في أصل اللغة: الستر والإطباق (٢)، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (الغمام جمع غمامة، كما السحاب جمع سحابة، والغمام هو: ما غَمَّ السماء فألبسها، من سحاب وقتام وغير ذلك ممَّا يسترها عن أعيُنِ الناظرين، وكُلُّ مُغَطَّى فإن العرب تُسَميه مغمومًا) (٣). وأشهر معاني الغمام وأظهرها: السحاب (٤)، قال صاحب كتاب "العين": (الغَمامُ: السحاب، والقطعةُ: غَمَامَة) (٥). وحيثُ كان الغمام بمعنى السحاب هو المُتبادر، فهو الأرجح من معناه في هذه الآية، وبه فسرها ابنُ عمر، وابن عباس ﵃، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، وأبو مجلز (ت: ١٠٦)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)،

стр. 370

والسدي (ت: ١٢٨)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦) (١)، وذكره ابن الجوزي (ت: ٥٩٧) قولًا واحدًا (٢)، وعليه أكثر المفسرين. (٣) ورُوِيَ عن ابن عباس ﵁ نحو قول مجاهد (ت: ١٠٥) غيرَ أنه لا يصحُّ عنه؛ لانقطاعه عن ابن جريج (ت: ١٥٠) (٤)، واختاره الثعلبي (ت: ٤٢٧)، والبغوي (ت: ٥١٦)، والحداد (ت: ٨٠٠). (٥) وقد كان يُمكن الجمع بين القولين، بأن يُقَال: أن هذا الغمام نوعٌ من السحاب أبيضُ رقيقٌ صافٍ، غير أن مجاهدًا (ت: ١٠٤) نفى كونه من سحاب الدنيا المعروف، ولا موجِبَ لهذا النفي. (٦) * * * [٦٤] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥]. قال مجاهد: مُسِخَت قُلُوبُهم، ولم يُمسَخوا قِرَدةً، إنما هو مثل ضربه الله لهم، مثلما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارًا. (٧)

стр. 371

* تحليل الاستدراك: ذهب مجاهد (ت: ١٠٤) إلى أن مسخَ الذين اعتدوا في السبت من بني إسرائيل ليس حقيقيًا ظاهريًا، وإنما هو مسخٌ معنويٌ لقلوبِهم؛ بالختم عليها والطبع، واستشهد لذلك بوصفهم في سورة الجمعة بالحمار الذي يحمل أسفارًا ولا ينتفع بِها، قال تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة ٥]. ومن جعل المسخَ هنا حقيقيًا حملَ الآيةَ على ظاهرها، وأسنَدَ ذلك بأنه أبلغ في العقوبة والنَّكال الذي جعله الله لغيرها من القرى، قال تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ٦٦] (١)، ثُمَّ هي عقوبة مناسِبَةٌ لفعلهم واحتيالهم، قال ابن القيم (ت: ٧٥١) ناقلًا عن شيخه ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (لَمَّا مَسَخ أولئك دينَ الله بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته، مَسَخهم الله قِرَدةً تشبه الإنسان في بعض ظاهره دون الحقيقة، جَزاءً وِفاقًا) (٢). * الحكم على الاستدراك: ذهب عامَّةُ المفسرين إلى أن المسخ هنا على حقيقته؛ مسخًا صُورِيًّا ظاهِرِيًّا (٣)،

стр. 372

وهذا ظاهر الآية والمُتبادر من اللفظ، وقد تكرر هذا المعنى في قوله تعالى عن هذه الطائفة من بني إسرائيل ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠]، وقوله ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٦]. وحمل المسخ على غير ظاهره وحقيقته تأويلٌ لا دليل عليه، وقد رَدَّ ابنُ جرير (ت: ٣١٠) قولَ مجاهد (ت: ١٠٤) هذا جُملَةً بما يتلَخَّصُ في ثلاثة وجوه (١): أولها: أنه لو جاز هذا التأويل لجازَ تأوُّل الصعقة التي أخذت بني إسرائيل لمَّا قالوا ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء ١٥٣]، ولجاز تأوُّل أمرهم بقتل أنفسهم توبةً عليهم لمَّا عبدوا العجل، ولجاز تأوُّل أمرهم بالتيه في الأرض لمَّا قالوا لنبيهم ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤]، فسواء القول بأن مسخهم لم يكن على ما أخبر الله به في ظاهر الآية، والقول بأن ما أخبر الله به عن بني إسرائيل من ذلك ومن خلافهم على أنبيائهم، والعقوبات التي أنزلها الله بهم لم يكن كما أخبر الله عنه. قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (ومن أنكر شيئًا من ذلك وأقرَّ بآخر سُئِلَ البرهان على قوله، وعورِضَ فيما أنكر بما أقَرَّ به، ثُمَّ يُسأَل الفرق من خبرٍ مُستَفيض، أو أثرٍ صحيح) (٢). ثانيها: عدمُ الدليل على هذا التأويل، كما ذكر ابن جرير (ت: ٣١٠) في آخر كلامه السابق. ثالثها: مخالفة مجاهد (ت: ١٠٤) لإجماع المفسرين على حقيقة المسخ (٣)، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (هذا مع خلاف قولِ مجاهد قولَ جميعَ الحُجَّة التي لا يجوز

стр. 373

عليها الخطأ والكذب فيما نَقَلَته مُجْمِعَةً عليه، وكفى دليلًا على فساد قولٍ إجماعُها على تَخطِئَته) (١). وزاد ابن كثير (ت: ٧٧٤) في رَدِّ قولِ مجاهد (ت: ١٠٤) هذا: مخالفتهُ للظاهر من السياق في هذا الموطن وفي غيره من المواطن كما سبق بيانه، وقال بعد أن استوعب أقوال المفسرين في مقابل هذا القول: (والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀، من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًّا، بل الصحيح أنه معنوي صوري) (٢). أمَّا الآية التي ذكرها مجاهدُ (ت: ١٠٤) نظيرًا لهذه الآية فلا يصح الاستشهاد بها، فإن الله تعالى بَيَّنَ أنه ضربَ ذلك مثلًا، فقال ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٥]، ولو ورد في آية البقرة هذه أنه مثلٌ لهم لكان لقول مجاهد وجه، لكن لا ذكر للمثل في كلا آيتي البقرة والأعراف. ثُمَّ المسخ المعنوي الذي ذُكِر معنىً لهذه الآية لا جديد فيه كما في القول الآخر، فإنه حاصِلٌ للكفار والمنافقين كما في قوله تعالى ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤٤]. وليس في كلام مجاهد (ت: ١٠٤) ما يُفيد إنكار المسخ من حيث هو، فإنه ثابتٌ في الأحاديث الصحيحة (٣). ولم أجد من المفسرين من وافق مُجاهدًا (ت: ١٠٤) في قوله

стр. 374

هذا، إلا تجويز الرازي (ت: ٦٠٤) وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) له وعدم استبعاده. (١) ومن مسائل هذا الاستدراك أن هذا القول من مجاهد (ت: ١٠٤) ﵀ من غرائب ما ورد عنه في التفسير، وقد وصفه بالغرابة غير واحد من المفسرين (٢)، وأشار القرطبي (ت: ٦٧١) إلى شذوذه بقوله: (ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم) (٣)، ووجه الغرابة فيه: البعد الشديد بين هذه الآية، وبين ما تُوُهِّم أنه نظير لها (٤)، وقد سبق بيانُ أن تفسير الآية بنظائرها في القرآن فيه مدخلٌ واسعٌ للاجتهاد، ومن ثَمَّ لَزِمَ ضبطُ هذا الطريق من طرق التفسير بضوابط تحفظه من الشذوذ والغرابة والتأويل المذموم، ومن أهم هذه الضوابط في هذا المقام: أن ظاهر اللفظ واجب الاعتبار، ولا يصح المصير إلى غيره إلا بِحُجَّة، أما صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل يوجبه، فتحكُّمٌ يُنَزَّه عن مثله كلام الله تعالى. (٥) * * *

стр. 375

[٦٥] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة ٢٠٤]. عن أبي معشر (١) قال: (سمعتُ سعيدًا المقبُرِي (٢) يُذَاكِر محمد بن كعب، فقال سعيد: إنا نجد في بعض الكتب: (أن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصّبِر، يلبسون للناس مسوكَ الضأن من اللِّين، ويَجترُّون الدنيا بالدين، قال الله ﵎: أَعَلَيَّ يجتَرِءون؟ وبِي يغتَرُّون؟ وعِزَّتِي لأبعَثَنَّ عليهم فتنةً تترك الحليمَ منهم حيران). فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جلَّ ثناؤُه. فقال سعيد: وأين هو في كتاب الله؟ قال: قول الله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٤ - ٢٠٥]. فقال سعيد: قد عرفتَُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنْزِل في الرَّجلِ ثم تكون عامَّةً بعدُ) (٣). * تحليل الاستدراك: بَيَّن محمد بن كعب (ت: ١٠٨) للمقبري (ت: ١٢٣) أن أولئك الموصوفين بتلك الصفات في الكتب السابقة موصوفون بها كذلك في كتاب الله تعالى، وقرأَ عليه الآية

стр. 376

مستشهدًا بها على هذا المعنى وأنها في المنافقين كما صرَّح به في الرواية الأخرى، وهذا أخذٌ منه بعموم اللفظ في الآية في قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة ٢٠٤]، واعتبارٌ للسياق كذلك؛ فقد سُبِقَت هذه الآية بذكر فريقين: كافرٌ لا حَظَّ له في الآخرة، ومؤمن رَغِبَ في حظه من الدنيا والآخرة، فقال تعالى ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة ٢٠٠ - ٢٠٢]، فناسَبَ بعد ذلك ذِكر من لا حَظَّ لهم في الآخرة، مع تظاهرهم بالرغبة فيها، وهم: المنافقون. (١) وقد اعترض المقبري (ت: ١٢٣) هذا المنْزَع بقوله: (قد عرفتَُ فيمن أنزلت هذه الآية)، وكأنه يشير بذلك إلى ما ذكره أكثر المفسرين في سبب نزولها، وأنها نزلت في الأخنس بن شُريق الثقفي الذي جاء إلى النبي ﷺ وأظهرَ الإسلام وأبطنَ خلافه (٢). وظاهرُ قوله، وما أجابَه به القُرظي (ت: ١٠٨) فقال: (إن الآية تنْزِل في الرَّجلِ ثم تكون عامَّةً بعدُ)، أنه يرى الآيةَ خاصَّةً فيمن نزلت فيه ولا تتجاوزه إلى غيره، ومن ثَمَّ لم يصح عنده استشهاد القرظي (ت: ١٠٨) بالآية على هذه المعاني. فهو في قوله هذا آخِذٌ بسبب النُّزول، وقاصِرٌ له على صورته دون غيرها. * الحكم على الاستدراك: يدور الخلاف في هذا الاستدراك على قولين: الأول: يرى نزول الآية في الأخنس بن شُريق، ولا تتعدَّاه إلى غيره. وهو رأي المقبري (ت: ١٢٣). والثاني: يرى نزول الآية في الأخنس بن شُريق، وتتعدَّاه إلى غيره، فتشمل كُلّ من

стр. 377

اتَّصَفَ بشيء من معناها، ويدخل فيها دُخُولًا أَوَّلِيًّا: المنافقون. وهو رأي القرظي (ت: ١٠٨)، وبه فَسَّرها ابن عباس ﵁، وأبو العالية (ت: ٩٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠)، وعطاء (ت: ١١٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، وابن زيد (ت: ١٨٢). (١) والرأي الثاني هو الصواب من كُلِّ وجه؛ فالأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب هو الصحيح عند عامَّة العلماء (٢)، وحكى بعضهم الإجماع فيه (٣)، وقد قَرَّرَ هذه القاعدةَ رسولُ الله ﷺ ، ففي حديث ابن مسعود ﵁: أن رجلًا أصابَ من امرأةٍ قُبلَة، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فأنزل الله ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، فقال الرجل: ألِي هذا؟ قال: (لجميع أُمَّتي كُلِّهم) (٤)، وقد احتَجَّ الصحابة وغيرهم من أئمة الإسلام في جميع الأعصار والأمصار وفي وقائع مُختلفة بعموم آيات نزلت في أسباب خاصَّة، وهذا شائع بينهم، ولم يُعرَف عنهم استدلالٌ فيها بغير عموم لفظها (٥)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (قَصْرُ عمومات الكتاب والسنة على أسباب نزولها باطل؛ فإن عامَّة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد عُلِم أن شيئًا منها لَم يُقصَر على سببه) (٦)، وقال ابن القيم (ت: ٧٥١): (ما يذكره كثير من المفسرين في آيات عامَّة أنها

стр. 378

في قومٍ مخصوصين من المؤمنين والكفار والمنافقين، تقصيرٌ ظاهرٌ منهم، وهضمٌ لتلك العمومات المقصود عمومها، وكأن الغلط في ذلك إنما عرض من جهة أن أقوامًا في عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه قالوا أقوالًا وفعلوا أفعالًا في الخير والشر، فنَزلت بسبب الفريقين آياتٌ حمد اللهُ فيها المحسنين وأثنى عليهم، ووعدهم جزيل ثوابه، وذَمَّ المسيئين ووعدهم وبيل عقابه. فعمَدَ كثيرٌ من المفسرين إلى تلك العمومات فنسبوها إلى أولئك الأشخاص وقالوا: إنهم المعنيون بها) (١). وجمهور المفسرين على أن الآيةَ عامَّة في المنافقين وغيرهم، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وهذا الذي قاله القرظي حسنٌ صحيحٌ) (٢)، وقال الرازي (ت: ٦٠٤): (وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين) (٣). * * * [٦٦] ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ﴾ [آل عمران ١٩٣]. قال محمد بن كعب القرظي: ليس كل الناس سمع النبي ﷺ ، ولكن المنادي: القرآن. (٤)

стр. 379

* تحليل الاستدراك: نفى القرظي (ت: ١٠٨) أن يكون المُراد بالمنادي في الآية رسولَ الله ﷺ ، وعَلَّلَ ذلك بقوله: (ليس كل الناس سمع النبي ﷺ . ومن ذهب إلى أن المنادي: رسول الله ﷺ ، حملوا اللفظ على ظاهره وحقيقته، واعتمدوا سياقَ الآية، وآياتٍ قرآنيةٍ في معناها. ففي الآية بعدها قال تعالى ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران ١٩٤]، أي: الذين استجبنا دعاءَهم، وآمنَّا بما جاءوا به (١). والمُراد بالنداء في الآية: الدعاء، ونسبته إلى النبي ﷺ أشهر وأظهر، فقد قال تعالى ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل ١٢٥]، ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف ١٠٨]، ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٤٦] (٢)، وقال تعالى آمرًا المؤمنين باستجابة دعوة رسوله ﷺ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال ٢٤]. (٣) وذهب القرظي (ت: ١٠٨) إلى أن المُراد بالمُنادي: القرآن. واستدل لقوله بأن القرآن يسمعه كل أحد من المؤمنين، سواءً في زمن رسول الله ﷺ أو بعده، ثُمَّ هو داعٍ أيضًا إلى الإيمان، فقد أخبر الله تعالى عن مؤمني الجن قولهم ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن ١ - ٢]، فهذا نظير ما قاله مؤمني الإنس في هذه الآية. (٤) * الحكم على الاستدراك: ذهب إلى قول القرظي (ت: ١٠٨) في هذه الآية قتادة (ت: ١١٧)، واختاره ابن جرير (ت: ٣١٠) (٥).

стр. 380

وذهب إلى أن المنادي: رسولُ الله ﷺ . ابنُ مسعود، وابن عباس ﵃، وابن جريج (ت: ١٥٠)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢) (١)، وهو أظهر القولين، وعليه جمهور المفسرين (٢)، وفيه أخذٌ بحقيقة اللفظ، وهو أولى من التَّجوُّز في المعنى الأوّل، وقد ذكر ابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١) من وجوه الترجيح في التفسير: تقديم الحقيقة على المجاز، وقال: (فإن الحقيقة أولى أن يُحمَل عليها اللفظ عند الأصوليين) (٣). ثم قد شهد السياق لهذا القول، وكذا نظائره الكثيرة في القرآن. ولا يُشكِلُ عليه الاعتراض الذي ذكره القرظي (ت: ١٠٨)، لأن نداءه ﷺ لمن لم يسمعه كندائِه لمن سَمعَه، والقرآن والسُّنَّةُ من دعائِه ﷺ لأُمَّته، وكلاهُما باقٍ محفوظ، ونقل القرطبي (ت: ٦٧١) جوابَ بعض العلماء عن ذلك فقال: (وأجاب الأولون فقالوا: من سَمِعَ القرآن فكأنَّما لَقي النبي ﷺ ، ثُمَّ قال: (وهذا صحيحٌ معنىً) (٤). وقد لَحَظ بعض المفسرين كالراغب (ت: بعد ٤٠٠) (٥)، والواحدي (ت: ٤٦٨) (٦) تقارب المعنيين السابقين وارتباطهما، فحملا الآية عليهما؛ لأن الإيمان بأحدهما إيمان بالآخر، ودعوتهما واحدة. والأولى التفصيل السابق؛ لأن قولَ القرظي (ت: ١٠٨) تابعٌ للقول الأول، ومترتبٌ عليه. * * *

стр. 381

[٦٧] ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء ٣٥]. قال مجاهد: أما إنه ليس بالرجل والمرأة، ولكنه الحكمان. (١) * تحليل الاستدراك: نفى مجاهدُ (ت: ١٠٤) أن يكون الضمير في قوله تعالى ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء ٣٥] عائدًا على الزوجين، ومن ذكر ذلك اعتبر صِحَّتَه لُغَةً ومعنىً، فالزوجان سبق ذكرهما فصحَّ إعادة الضمير عليهما، ويكون المعنى: إن أراد الزوجان إصلاح ما بينهما من الشقاق، أوقع الله بينهما الألفة والوفاق. وذهب مجاهدُ (ت: ١٠٤) إلى أن الضميرَ في الآيةِ عائدٌ على الحكمين، فهُما أقرب مذكور، وإعادة الضمير إليهما أظهر، ويكون به المعنى: إن يُرِد الحكمان إصلاحًا بين الزوجين وتأليفًا، يوفِّق الله بينهما، فتتفق كلمتهما، ويحصل مقصودهما. * الحكم على الاستدراك: اختلف المفسرون في تعيين مُفَسّر الضمير في قوله تعالى ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء ٣٥] على أربعة أقوال (٢): الأول: أنهما عائدان على الحكمين، على ما سبقَ بيانُه، قال ابن عباس ﵁: (ذلك الحكمان، وكذلك كُلُّ مُصلِح يوفقه الله للحق والصواب) (٣)، وهو قول سعيد

стр. 382

بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والشعبي (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعطاء (ت: ١١٤)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨)، وأبي صالح (ت: ١٢١)، وأبي مالك، ومقاتل (ت: ١٥٠). (١) الثاني: أنهما عائدان على الزوجين، وسبق ذكر معناه، واختاره الثعلبي (ت: ٤٢٧) (٢). الثالث: أن الأول عائدٌ على الحكمين، والثاني عائدٌ على الزوجين، فيكون المعنى: إن قصدَ الحكمان إصلاح ذات البين ونصحا، أوقع الله بين الزوجين الألفة والمحبة، والموافقة والصحبة، قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧): (ذكره بعضُ المفسرين) (٣)، ونسبه الواحدي (ت: ٤٦٨) لعامَّة المفسرين (٤)، - ولعلَّ مُراده الضمير الأول في الآية؛ إذ عامَّة المفسرين عليه-، واستظهره ابنُ عطية (ت: ٥٤٦)، وابنُ جُزَيّ (ت: ٧٤١)، واختاره ابن حزم (ت: ٤٥٦)، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، والبيضاوي (ت: ٦٨٥)، وابنُ تيمية (ت: ٧٢٨)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (٥). الرابع: أن الأول عائدٌ على الزوجين، والثاني عائدٌ على الحكمين، أي: إن يُرِد الزوجان إصلاحًا واتفاقًا، يوفق الله الحكمين لتحري الصواب وإصابته. ولفظ الآية وإن كان مُحتَمِلًا لكلِّ هذه الوجوه، إلا أن القول الأول منها أظهر؛ لأن سياق الآية واضِحٌ في الحَكَمَين، فناسب اتساق الحديث عنهما، وعودُ الضمير

стр. 383

إليهما (١)، ثُمَّ حملُ الضمائر على مُفَسَّر واحد صحيح المعنى أولى من تفريقها؛ لفائدة انسجام النظم، وتناسق السياق، قال أبو حيَّان (ت: ٧٤٥): (تناسق الضمائر لواحد مع صحة المعنى أولى من جعلهما لمُختَلِفين) (٢)، وقال الزركشي (ت: ٧٩٤): (إذا اجتمع ضمائر، فحيث أمكَنَ عَوْدُها لواحِدٍ فهو أولى من عَوْدِها لمختلف) (٣). وعلى هذا القول جمهور المفسرين (٤)، وذكر ابنُ عبد البر (ت: ٤٦٣) إجماع العلماء عليه (٥). * * * [٦٨] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١]. قال عيسى بن عبد الرحمن (٦): (سألت الشعبي عن هذه الآية ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١]، قلت: تزعم الخوارج أنها في الأمراء. قال: كذبوا، إنما أنزلت هذه الآية في المشركين، كانوا يخاصمون أصحاب رسول الله ﷺ فيقولون: أمَّا مَا قتل الله فلا تأكلوا منه - يعني الميتة-، وأما ما قتلتم أنتم فتأكلون منه!، فأنزل الله

стр. 384

﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١]، قال: لئن أكلتم الميتة وأطعتموهم إنكم لمشركون) (١). * تحليل الاستدراك: نفى الشعبيُّ (ت: ١٠٤) أن يكون المُراد بقوله تعالى ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١]: الأمراء. وهو ما تذهبُ إليه الخوارج بناءً على أصلهم في تكفير الأمراء من غير معسكرهم، وكُفْرِ من أطاعهم أو أقام في دارهم، وكذا تكفيرهم الحكمين ومن رضي بالتحكيم وأطاع فيه. (٢) وبَيَّن الشعبيُّ (ت: ١٠٤) أن المُراد بالآية: طاعةُ المشركين في تحليل الميتة على أنها ممَّا قَتَلَ الله تعالى. وهو في ذلك مُعتَمِدٌ صراحةً على سبب النُّزول الذي ذكره، وكذا سياق الآية ظاهرٌ في بيان أحكام الأطعمة وحالاتها، قال تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٨ - ١١٩]. * الحكم على الاستدراك: أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في مجادلة المشركين في الميتة (٣)، وجوابًا على ما أوحته إليهم شياطينهم من الإنس والجن في ذلك، قال ابن عباس ﵁: (قالوا: يا محمد أمَّا ما قتلتم وذبحتم فتأكلونه، وأمَّا ما قتل ربكم

стр. 385

فتحرمونه!. فأنزل الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١]، وإن أطعتموهم في أكل ما نهيتكم عنه إنكم إذًا لمشركون) (١)، وهذا نَصُّ تفسير الشعبي (ت: ١٠٤) السابق، وورد نحوه عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥) (٢)، وهو أقربُ ما يكون إجماعًا من المفسرين: أنكم إذا أطعتموهم في أكل الميتة استحلالًا فقد أشركتم مثلُهُم (٣). وقد ذكره الماوردي (ت: ٤٥٠)، وابن الجوزي (ت: ٥٩٧) قولًا واحدًا في الآية (٤). قال الزجاج (ت: ٣١١): (هذه الآية فيها دليل أن كل من أحَلَّ شيئًا ممَّا حرَّم الله عليه، أو حَرَّمَ شيئًا ممَّا أحلَّ الله له فهو مُشرِك. لو أحَلَّ مُحِلٌّ الميتةَ في غير اضطرار، أو أحلَّ الزنا لكانَ مُشرِكاَ بإجماع الأُمَّة، وإن أطاعَ الله في جميع ما أمر به. وإنما سُمِّيَ مُشركًا لأنه اتَّبَع غير الله، فأشرك بالله غيره) (٥). وقد سبق (٦) بيان أن تحليل ما حَرَّم الله تعالى أو تحريم ما أحَلَّه أو الطاعة في أحدهما شركٌ، كما في حديث عديّ بن حاتم ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو يقرأ

стр. 386

في سورة براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فقلت: يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم. قال: أجل، ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم) (١). أمَّا تنْزيل الخوارج الآيةَ على من أطاع الأمراء؛ لأنهم كفارٌ عندهم، ومن أطاع الكافر فهو مثله؛ فباطلٌ من وجوه: الأوّل: مناقضته لسبب النُّزول الصريح، وأن الآية نزلت جوابًا على شبهات المشركين. الثاني: مخالفته لسياق الآية، فهو واضحٌ في حكم الْمَيْتَة. الثالث: أنه جارٍ على أصول المبتدعة في الاعتقاد والاستدلال، فإنهم يعتقدون ثُمَّ يستدِلُّون، وهكذا صنع الخوارج في هذه الآية، فإنهم لمَّا اعتقدوا كُفر من خالفهم من الأمراء ومن أطاعهم، نظروا في كتاب الله فوجدوا هذا الجزء من الآية فاقتطعوه منها، وعزلوه عن السياق، ولم يلتفتوا لسبب نزُوله، وما أجمع عليه العلماء من معناه، فجاء معنىً شاذًّا ناشزًا عن معنى الآية ونظمها، خارجًا عن سياقها، ومباعدًا لسببها، ومخالفًا لأصول الشريعة وأدلتها. الرابع: أن هذا القول مبنِيٌّ على باطل لا تنْزل الآيةُ بمثله، ولا يصح حملها عليه، فإن تكفيرهم للأمراء الذين خرجوا عليهم وخالفوهم- كعلي ومعاوية وأبي موسى وعمرو بن العاص وابن عباس وغيرهم ﵃، من أعظم ضلالاتهم التي فارقوا بها جماعة المسلمين، وعلى الخصوص صحابةَ رسول الله ﷺ ، ومناظرة ابن عباس ﵁ لهم في ذلك معروفة مشهورة. (٢) * * *

стр. 387

[٦٩] ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُ مْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام ١٣٠]. قال مجاهد: ليس في الجِنِّ رُسُل، إنَّمَا الرُّسُل في الإنْس، والنَّذَارةُ في الجِنّ، وقرأ ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩]. (١) * تحليل الاستدراك: نفى مجاهدُ (ت: ١٠٤) أن يكون في الجنِّ رسلًا، ومن ذهب إلى ذلك استَدَلَّ بظاهر هذه الآية، إذ أعاد فيها ضمير الجمع إلى الجن والإنس (٢)، وكذا يشهد لهذا القول أن الرسل إنما تُبعَثُ من أقوامهم، كما قال تعالى ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وقال ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون ٣٢]، وقال ﷺ : (وكان النبي يُبعَثُ إلى قومه) (٣)، وقوم الجن غير قوم الإنس. (٤) وبَيَّنَ مجاهدُ (ت: ١٠٤) أن الرُّسُلَ في الإنْس، والنَّذَارةَ في الجِنّ، واستدَلَّ بظاهر قوله تعالى عن الجن ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩]، ويشهدُ لهذا القول آياتٌ كثيرةٌ من كتاب الله، منها قوله تعالى ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، إلى قوله ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ

стр. 388

الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٣ - ١٦٥]، وقوله تعالى عن نوح وإبراهيم ﵉ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، فحصر النبوة في ذُرِّيَّتِهما، ثم كرر الحصر في ذُرِّيَّة إبراهيم ﵇ فقال ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت ٢٦]، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (ولم يقُل أحدٌ من الناس إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته .. ، ومعلومٌ أن الجن تبعٌ للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف ٢٩ - ٣٢]) (١)، فذكر استماعهم لموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ثم نذارتهم لقومهم. وقد تلا ﷺ على الجنِّ سورةَ الرحمن، وفيها قوله تعالى ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ٣١ - ٣٢] (٢)، فهم مُخَاطَبون بِمَا خوطِبَ به الإنس (٣). وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران ٣٣ - ٣٤]، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (وأجمعوا على أن المُراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء القوم فقط) (٤).

стр. 389

* الحكم على الاستدراك: استدلَّ الضحاك (ت: ١٠٥) بِهذه الآية على أن للجن رُسُلًا كالإنس، وهو قول مقاتل (ت: ١٥٠)، وأبي سليمان الدمشقي (١)، وابن حزم (ت: ٤٥٦)، واستظهره ابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (٢)، وهو وإن كان الظاهر من اللفظ إلا أنه محتمل غير صريح، وذلك أن من عادة العرب في كلامها أن تَنسِبَ الفعل لِمَذكورَيْن وهو واقِعٌ من أحَدِهِما (٣)، ومن شواهده الكثيرة في كتاب الله قوله تعالى ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف ٦١]، مع أن الناسي هو فتى موسى، فقد قال تعالى عنه ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف ٦٣]، وقوله تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩ - ٢٠]، ثم قال ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ٢٢]، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرجان من الماء الملح لا العذب، ومثله قوله تعالى ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر ١٢] (٤)، وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا

стр. 390

كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح ١٥ - ١٦]، وإنما هو في سماء واحدة (١). وقد ذكر الرازي (ت: ٦٠٤) أن الأخذ بِهذا الوجه كافٍ في حمل اللفظ على ظاهره؛ لأن الضمير عائدٌ على مجموع الإنس والجن، وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسلُ بعضًا من أبعاض ذلك المجموع، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن. (٢) وللعلماء توجيهات أخرى في الآية منها: أولًا: أن الضمير إنما عادَ للإنس والجن لاشتراكهما في أمور كالخطاب والعقل، والحياة والنطق، والأكل والشرب، والتناكح والتناسل، وليس منه ما انفرد به الإنس فقط كالرسالة (٣)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فصار الرسول من أنْفُسِ الثقلين باعتبار القدر المشترك بينهم الذي تَمَيَّزوا به عن الملائكة، حتى كان الرسول مبعوثًا إلى الثقلين دون الملائكة) (٤)، وذكر النحاس (ت: ٣٣٨) عن هذا التوجيه أحسن ما قِيلَ في معنى الآية. (٥) ثانيًا: أن من الإنس رُسُل الله، ومن الجن رُسُلُ رُسُلِ الله، كما ورد عن ابن عباس ﵁، وابن جريج (ت: ١٥٠). (٦) ثالثًا: أنه غَلَّبَ في الخطاب جانب الإنس على جانب الجن، كما يُغَلَّب المُذَكر
следующие страницы →