← Тафсир

Тафсир · id 1490

استدراكات السلف في التفسير في القرون الثلاثة الأولى

نايف الزهراني

Полный текст (492 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

في سورة براءة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فقلت: يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم. قال: أجل، ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم) (١). أمَّا تنْزيل الخوارج الآيةَ على من أطاع الأمراء؛ لأنهم كفارٌ عندهم، ومن أطاع الكافر فهو مثله؛ فباطلٌ من وجوه: الأوّل: مناقضته لسبب النُّزول الصريح، وأن الآية نزلت جوابًا على شبهات المشركين. الثاني: مخالفته لسياق الآية، فهو واضحٌ في حكم الْمَيْتَة. الثالث: أنه جارٍ على أصول المبتدعة في الاعتقاد والاستدلال، فإنهم يعتقدون ثُمَّ يستدِلُّون، وهكذا صنع الخوارج في هذه الآية، فإنهم لمَّا اعتقدوا كُفر من خالفهم من الأمراء ومن أطاعهم، نظروا في كتاب الله فوجدوا هذا الجزء من الآية فاقتطعوه منها، وعزلوه عن السياق، ولم يلتفتوا لسبب نزُوله، وما أجمع عليه العلماء من معناه، فجاء معنىً شاذًّا ناشزًا عن معنى الآية ونظمها، خارجًا عن سياقها، ومباعدًا لسببها، ومخالفًا لأصول الشريعة وأدلتها. الرابع: أن هذا القول مبنِيٌّ على باطل لا تنْزل الآيةُ بمثله، ولا يصح حملها عليه، فإن تكفيرهم للأمراء الذين خرجوا عليهم وخالفوهم- كعلي ومعاوية وأبي موسى وعمرو بن العاص وابن عباس وغيرهم ﵃، من أعظم ضلالاتهم التي فارقوا بها جماعة المسلمين، وعلى الخصوص صحابةَ رسول الله ﷺ ، ومناظرة ابن عباس ﵁ لهم في ذلك معروفة مشهورة. (٢) * * *

стр. 387

[٦٩] ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُ مْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام ١٣٠]. قال مجاهد: ليس في الجِنِّ رُسُل، إنَّمَا الرُّسُل في الإنْس، والنَّذَارةُ في الجِنّ، وقرأ ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩]. (١) * تحليل الاستدراك: نفى مجاهدُ (ت: ١٠٤) أن يكون في الجنِّ رسلًا، ومن ذهب إلى ذلك استَدَلَّ بظاهر هذه الآية، إذ أعاد فيها ضمير الجمع إلى الجن والإنس (٢)، وكذا يشهد لهذا القول أن الرسل إنما تُبعَثُ من أقوامهم، كما قال تعالى ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وقال ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون ٣٢]، وقال ﷺ : (وكان النبي يُبعَثُ إلى قومه) (٣)، وقوم الجن غير قوم الإنس. (٤) وبَيَّنَ مجاهدُ (ت: ١٠٤) أن الرُّسُلَ في الإنْس، والنَّذَارةَ في الجِنّ، واستدَلَّ بظاهر قوله تعالى عن الجن ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩]، ويشهدُ لهذا القول آياتٌ كثيرةٌ من كتاب الله، منها قوله تعالى ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، إلى قوله ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ

стр. 388

الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٣ - ١٦٥]، وقوله تعالى عن نوح وإبراهيم ﵉ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، فحصر النبوة في ذُرِّيَّتِهما، ثم كرر الحصر في ذُرِّيَّة إبراهيم ﵇ فقال ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت ٢٦]، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (ولم يقُل أحدٌ من الناس إن النبوة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته .. ، ومعلومٌ أن الجن تبعٌ للإنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف ٢٩ - ٣٢]) (١)، فذكر استماعهم لموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ثم نذارتهم لقومهم. وقد تلا ﷺ على الجنِّ سورةَ الرحمن، وفيها قوله تعالى ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن ٣١ - ٣٢] (٢)، فهم مُخَاطَبون بِمَا خوطِبَ به الإنس (٣). وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران ٣٣ - ٣٤]، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (وأجمعوا على أن المُراد بهذا الاصطفاء إنما هو النبوة، فوجب كون النبوة مخصوصة بهؤلاء القوم فقط) (٤).

стр. 389

* الحكم على الاستدراك: استدلَّ الضحاك (ت: ١٠٥) بِهذه الآية على أن للجن رُسُلًا كالإنس، وهو قول مقاتل (ت: ١٥٠)، وأبي سليمان الدمشقي (١)، وابن حزم (ت: ٤٥٦)، واستظهره ابن الجوزي (ت: ٥٩٧)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (٢)، وهو وإن كان الظاهر من اللفظ إلا أنه محتمل غير صريح، وذلك أن من عادة العرب في كلامها أن تَنسِبَ الفعل لِمَذكورَيْن وهو واقِعٌ من أحَدِهِما (٣)، ومن شواهده الكثيرة في كتاب الله قوله تعالى ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف ٦١]، مع أن الناسي هو فتى موسى، فقد قال تعالى عنه ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف ٦٣]، وقوله تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩ - ٢٠]، ثم قال ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ٢٢]، واللؤلؤ والمرجان إنما يخرجان من الماء الملح لا العذب، ومثله قوله تعالى ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر ١٢] (٤)، وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا

стр. 390

كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح ١٥ - ١٦]، وإنما هو في سماء واحدة (١). وقد ذكر الرازي (ت: ٦٠٤) أن الأخذ بِهذا الوجه كافٍ في حمل اللفظ على ظاهره؛ لأن الضمير عائدٌ على مجموع الإنس والجن، وإذا كان الرسل من الإنس كان الرسلُ بعضًا من أبعاض ذلك المجموع، فلم يلزم من ظاهر هذه الآية إثبات رسول من الجن. (٢) وللعلماء توجيهات أخرى في الآية منها: أولًا: أن الضمير إنما عادَ للإنس والجن لاشتراكهما في أمور كالخطاب والعقل، والحياة والنطق، والأكل والشرب، والتناكح والتناسل، وليس منه ما انفرد به الإنس فقط كالرسالة (٣)، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (فصار الرسول من أنْفُسِ الثقلين باعتبار القدر المشترك بينهم الذي تَمَيَّزوا به عن الملائكة، حتى كان الرسول مبعوثًا إلى الثقلين دون الملائكة) (٤)، وذكر النحاس (ت: ٣٣٨) عن هذا التوجيه أحسن ما قِيلَ في معنى الآية. (٥) ثانيًا: أن من الإنس رُسُل الله، ومن الجن رُسُلُ رُسُلِ الله، كما ورد عن ابن عباس ﵁، وابن جريج (ت: ١٥٠). (٦) ثالثًا: أنه غَلَّبَ في الخطاب جانب الإنس على جانب الجن، كما يُغَلَّب المُذَكر

стр. 391

على المُؤَنث. (١) رابعًا: أن هذا الخطاب موَجَّه للجن والإنس المُحاسَبين في عرصات القيامة، وهم هنا جماعةٌ واحِدة هي الثقلان، والرسل منهم على تلك الحال، سواءٌ كانوا من كلٍّ منهما أو من أحدهما. (٢) وهذه الوجوه قد يرجع بعضها إلى بعض. أمَّا قول من ذكر أن من الجن رسلًا: إن الرسل إنما تُبعَثُ من أقوامهم، وقوم الجن غير قوم الإنس. فلا إشكال فيه؛ لأن حكمةَ ذلك أن يُفهَم خطابهم، ويأنس بهم أقوامهم، قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]، وكُلُّ ذلك حاصِلٌ في بعث رسل الإنس إلى الثقلين، فالجن تخالطُ الإنس، وتفهم خطابهم، وترى الإنسَ من حيثُ لا يرونهم، وقد بعث الله رسولَه محمدًا ﷺ إلى كافَّة الخلق؛ جِنَّهُم وإنسَهم، بإجماع المسلمين (٣)، فلو لم تَقُم بذلك حُجَّة لم يبعثه الله تعالى إليهم. وقد سبق مجاهدًا في قوله في الآية ابنُ عباس ﵁، ووافقه الحسن (ت: ١١٠)، والكلبي (ت: ١٤٦)، وابن جُرَيج (ت: ١٥٠)، والفراء (ت: ٢٠٧)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦) (٤)، وهو أشهر القولين وأَوْلاهُما، وعليه جمهور العلماء (٥)، وأكثر

стр. 392

المفسرين. (١) وجعل الكرماني (ت: بعد ٥٠٠) قولَ الضحاك (ت: ١٠٥) في هذه الآية من العجيب الذي فيه أدنى خلل ونظر (٢)، وقال عنه ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهذا ضعيف) (٣). * * * [٧٠] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨ - ١١٩]. عن ابن أبي نجيح: (أن رجلين اختصما إلى طاووس فأكثَرَا، فقال: اختلفتما وأكثَرتُما. فقال أحد الرجلين: لذلك خُلقنا. قال: كذبت. قال: أليس يقول الله ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨ - ١١٩]؟ قال: لم يخلقهم ليختلفوا، إنما خلقهم للرحمة والجماعة) (٤).

стр. 393

* تحليل الاستدراك: لَمَّا اختصم هذان الرجلان إلى طاوس (ت: ١٠٦) فأكثَرَا، نهاهُمَا عمَّا هُمْ فيه من اختلافٌ مذمومٌ، فقال أحدهما مُسَوِّغًا ذاك الاختلاف: (لذلك خُلِقنا)، واستدل على قوله هذا بقوله تعالى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨ - ١١٩]، فذهب الرجلُ إلى أن الضمير في ﴿وَلِذَلِكَ﴾ [هود ١١٩] عائدٌ على الاختلاف السابق ذكره، واللاَّمُ فيه للتعليل، أي: خَلَقَهُم ليَختَلِفُوا. واللفظ يحتمله. وأنكر طاووس (ت: ١٠٦) هذا الاستدلال، ورَدَّ المعنى الذي ذكره الرجل، وبَيَّنَ أن الضمير في قوله ﴿وَلِذَلِكَ﴾ [هود ١١٩] عائِدٌ على الرحمة المذكورة في قوله ﴿إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٩]، وهي للضمير أقربُ مذكور، ومن ثَمَّ يبطُلُ الاستدلال بالآية على تسويغ ما فيه هذان الرجلان من اختلاف؛ لأن أهل الرحمة لا يختلفون اختلافًا يفترقون به ويتباغضون، كما هو ظاهرُ حالِ هذين الرجلين، ويؤكد أن اختلافهما من الاختلاف المذموم ذكرُ طاووس (ت: ١٠٦) للجماعة في رده على الرجل بقوله: (إنما خلقهم للرحمة والجماعة)، أي: لا لِمَا أنتُمَا فيه من فرقة وخِصَام. * الحكم على الاستدراك: استدلال الرجل بالآية على خلافه وتفَرُّقِه مع صاحبه مردودٌ غيرُ صحيح؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية دوامَ اختلاف الخلق، ثم استثنى منهم أهل الرحمة، فقال تعالى ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ [هود ١١٨ - ١١٩]، فأهل الرحمة لا يختلفون، وإن اختلفوا فليس اختلافهم من جنس اختلاف الخلق في أديانهم وتباغضهم وتفرقهم، فإن اختلافهم رحمةٌ لا تباغُضَ فيه، واجتماعٌ لا فُرقَةَ فيه، فهُم أعلَمُ الخلق بالحَقِّ، وأرحمهم للخلق، قال الحسن (ت: ١١٠): (أهل رحمة الله لا يختلفون اختلافًا يضرُّهم) (١)، وقال قتادة

стр. 394

(ت: ١١٧): (أهلُ رحمة الله أهلُ الجماعة، وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهلُ معصيته أهلُ فرقةٍ، وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم) (١). فهذا الاختلاف المذموم غير داخل في معنى الآية على جميع الأقوال الآتية، واللام التي جعلها للتعليل ليست كما ذهب إليه، وسيأتي بيان معناها في القول الثاني في الآية. وقد اختلفت أقوال المفسرين في تعيين مُفَسّر الضمير في الآية على قولين: الأول: أن المُراد بقوله ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٩]: الرحمة التي هي أقرب مذكور، أي: ولرحمته خلق الذين لا يختلفون في دينهم. وهو قول ابن عباس ﵁ (٢)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وطاووس (ت: ١٠٦)، وقتادة (ت: ١١٧)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، والثوري (ت: ١٦١) (٣)، واختاره الحداد (ت: ٨٠٠) (٤). وإنما لم يُؤنث في الإشارة إلى الرحمة؛ لأنها مصدر، أي: خلقهم ليرحمهم. ولأن تأنيث الرحمة ليس حقيقيًا، ومثله قوله تعالى ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف ٥٦]. (٥) الثاني: أن المُراد: خلقهم ليختلفوا فريقين، فريقًا يَرْحمُ فلا يختلف، وفريقًا لا يَرْحَمُ يختلف. فتكون الإشارة بقوله ﴿وَلِذَلِكَ﴾ [هود ١١٩] للأمرين: الاختلاف والرحمة، قال

стр. 395

الثعلبي (ت: ٤٢٧): (وهذا بابٌ سائِغٌ في اللغة، وهو أن يُذكَرَ لفظان مُتَضادَّان، ثُمَّ يُشَارُ إليهما بلفظ التوحيد) (١)، ومنه قوله تعالى ﴿لاَّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٦٨]، وقوله ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٨]، وقوله ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨] (٢). ويدُلُّ على هذا القول أن الكلام في الآية في بيان اختلاف الخلق في أديانهم، وهو مُفتَتَحُ الكلام وإليه يعود، قال تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود ١١٨]، ثُمَّ الاختلاف المذكور أكثر مناسبة للإشارة للمُذَكَّر البعيد في قوله ﴿وَلِذَلِكَ﴾ [هود ١١٩]، كما أن سباق الآية ولحاقها يؤكد هذا المعنى، فقد ذكر تعالى قبل هذه الآية انقسام الخلق إلى شَقِيٍّ وسعيد فقال ﴿شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود ١٠٥]، ثم تَمَّمَ تعالى هذه الآية ببيان حالِ هذين الفريقين المُختَلِفَين فقال ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٩]. وقد أشار إلى سِبَاقِ الآية ابنُ عباس ﵁ (٣)، كما أشارَ إلى لِحاقِها أبو عبيد القاسم بن سلاَّم (ت: ٢٢٤) (٤). وعلى هذا القول تكون اللامُ في قوله تعالى ﴿وَلِذَلِكَ﴾ [هود ١١٩]، بمعنى: "على" كما ذكره ابن جرير (ت: ٣١٠) (٥)، أو للصيرورة، وبيان العاقبة الكونية (٦). وهو قول ابن عباس ﵁ (٧)، وعمر بن عبد العزيز (ت: ١٠١)، والحسن (ت: ١١٠)، وعطاء

стр. 396

(ت: ١١٤)، والكلبي (ت: ١٤٦)، والأعمش (ت: ١٤٨)، ومقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، والفراء (ت: ٢٠٧) (١)، وأبي عبيد القاسم بن سلاَّم (ت: ٢٢٤) وقال: (وعليه أهلُ السُّنةِ) (٢). وما عدا هذين القولين من الأقوال إمَّا راجِعٌ إليهما (٣)، أو فيه تكلُّفٌ وبُعدٌ، قال أبو حيَّان (ت: ٧٤٥): (وقد أبعد المتأوِّلُون في تقدير غير هذه الثلاث) (٤)، أي: رجوع الضمير للاختلاف، أو الرحمة، أو كليهما. والقول الثاني أرجح القولين وأولاهُما؛ لدلالة لفظ الآية وسياقها عليه، ولأنه أعم من القول الأول، بل القول الأول راجِعٌ إليه ومترتبٌ عليه، كما أشار إلى ذلك جماعةٌ من المفسرين (٥)، وقال عنه النحاس (ت: ٣٣٨): (وهو أبيَنُها وأجمعُها) (٦)، وعليه أكثر المفسرين. (٧) * * *

стр. 397

[٧١] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف ١٠]. قال مسروق: (والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم بها محمد ﷺ قومه، قال: فنَزلت ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف ١٠]. قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد صلى الله عليهما وسلم، فآمَنوا بالتوراة وبرسولهم، وكفرتم) (١). * تحليل الاستدراك: ذهب مسروق (ت: ٦٣) إلى أن المُراد بالشاهد: موسى ﵇، شَهِدَ على مثل هذا القرآن وهو: التوراة، فآمنَ هو وأتباعه، واستكبرتم أنتم عن الإيمان برسولكم محمد ﷺ (٢). وهو قولٌ مُعتَمِدٌ على سياق الآية، فإن هذه الآية جاءت في سياق مُحَاجَّة مشركي قريش وتوبيخهم، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وهذه الآية نظير سائر الآيات قبلها) (٣)، وهي قوله تعالى ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا

стр. 398

يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف ٧ - ٩]. ثُمَّ قوله تعالى ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩] يُقَوِّي هذا المعنى، فهو ﷺ ليس بأوَّل الرسل، فقد كان قبله رُسلٌ، منهم موسى ﵇ الشاهد على مثل القرآن وهي التوراة. ثُمَّ ذكر تعالى بعد هذه الآية تأكيدَ هذا المعنى بقوله ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف ١١ - ١٢]. ونظير هذا القول قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود: ١٦ - ٢٠]. ونفى مسروق أن يكون الشاهد عبد الله بن سلام ﵁، ومن ذهب إلى ذلك اعتمد سببَ النُّزول، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت هذه الآية ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف ١٠]) (١)، وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: (نزلت فيَّ آياتٌ من كتاب الله ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف ١٠]) (٢). * الحكم على الاستدراك: وافق الشعبيُّ (ت: ١٠٤)، وعكرمةُ (ت: ١٠٥) مسروقًا (ت: ٦٣) فيما ذهب إليه من أن الآية لم تنْزل في عبد الله بن سلام ﵁. (٣)

стр. 399

وذهب سعد بن أبي وقاص، وعوف بن مالك الأشجعي ﵃، وابن عباس من طريق العوفيين، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥) في رواية، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسُّدي (ت: ١٢٨)، والثوري (ت: ١٦١)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، وغيرهم، إلى أنها نزلت في عبد الله بن سلام ﵁. (١) وظاهرُ الآية وسياقها ظاهرٌ في مُحاجَّة قريش، وإثبات صدق محمد ﷺ ، وموافقته ما جاء به المرسلون قبله، ويؤكد ذلك أن السورة مكية بالإجماع (٢)، وسبق ذكر نظير هذه الآية في كتاب الله تعالى. وقد رَدَّ مسروقُ (ت: ٦٣)، والشعبيُّ (ت: ١٠٤) القولَ الثاني بأن السورة مكية؛ لأن عبد الله بن سلام إنما أسلم في المدينة. فأجاب من ذهب إلى أنها في عبد الله بن سلام عن ذلك بأن هذه الآية مدنية في سورة مكية، قال ابن سيرين (ت: ١١٠): (كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام. قال: والسورة مكية، والآية مدنية. قال: وكانت الآية تنْزل فيُؤمر النبي ﷺ أن يضعها بين آيتي كذا وكذا، في سورة كذا، يرون أن هذه منهُن) (٣). ومع وجاهة هذا القول، وجلالة القائلين به، وذهاب كثير من المفسرين إليه (٤)، إلا أن القول الأول أرجح منه؛ لوجوه:

стр. 400

الأول: موافقته لسياق الآية. الثاني: موافقته لموضوع السورة العام ومكان نزولها. الثالث: لم يَجرِ لأهل الكتاب أو اليهود ذِكرٌ في محيط الآية. (١) الرابع: أن السلف كثيرًا ما يذكرون نزول الآية في أمر، ويريدون بذلك أنه داخلٌ في معنى الآية، وممَّا يَصِحُّ أن تُراد به، وقد سبق بيان ذلك (٢). ويشهد لهذا قول عبد الله بن سلام ﵁: (نزل فِيَّ آياتٌ من كتابِ الله ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف ١٠]، ونزلت فِيَّ ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٤٣]) (٣)، وكلا الآيتين مكِّيَّتان، والعموم في الثانية ظاهر، وتخصيصها بعبد الله بن سلام باطلٌ قطعًا (٤)، فمُرادُه إذًا من كلا الآيتين ما ذُكِر. (٥) الخامس: أن إخراج الآية من سياقها مُخالِفٌ للأصل، ومُحِيلٌ لنظم الآية واتساقها، ولا حاجَة داعيةً إليه، وقد استقام المعنى بدونه، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (ولا دَلَّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدَّم الخبر عنهم معنى) (٦). السادس: أن لفظة ﴿شَاهِدٌ﴾ [الأحقاف ١٠] نَكِرَةٌ في سياق الشرط، فتُفيد العموم. (٧) فمن ثَمَّ يكون الشاهد اسمُ جنس يَعُمُّ عبد الله بن سلام وغيره، وهو اختيار ابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن عبد البر (ت: ٤٦٣)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨)، وابن كثير

стр. 401

(ت: ٧٧٤)، والسعدي (ت: ١٣٧٦)، وابن عاشور (ت: ١٣٩٣) (١)، ونسبه ابن عطية (ت: ٥٤٦) للجمهور. (٢) * * * [٧٢] ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر ١]. عن سعيد بن جبير: (أن ابن عباس ﵁ قال في الكوثر: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر (٣): فقلت لسعيد بن جبير: فإن ناسًا يزعمون أنه نَهرٌ في الجنة. فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه) (٤). * تحليل الاستدراك: ذهب سعيد بن جبير (ت: ٩٥) إلى أن المُراد بالكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله رسولَه ﷺ . ونقل ذلك عن ابن عباس ﵁، وهو قولٌ مُعتَمِدٌ على اللغة كما سيأتي. وذهب قومٌ إلى أن المُراد بالكوثر في الآية: نَهرٌ في الجنة. مُعتَمِدِين على حديث أنس ﵁ قال: (بَيْنَا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهُرنا إذ أغفى إغفاءةً، ثم رفع رأسه مُتَبَسِّمًا، فقلنا: ما أضحككَ يا رسول الله؟ قال: أُنزلت عليَّ آنفًا سورة. فقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ

стр. 402

شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ١ - ٣]. ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه نَهرٌ وَعَدَنِيهِ ربي في الجنة، عليه خيرٌ كثيرٌ، هو حوضٌ ترِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيتُهُ عددُ النجوم، فيُختَلَج العبدُ منهم، فأقول: رَبِّ إنه من أمتي. فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك) (١)، فهذا تفسيرٌ نبويٌ صريحٌ في أن الكوثر نهرٌ في الجنة. * الحكم على الاستدراك: صَحَّ عن ابن عباس ﵁ أن الكوثرَ في الآية: الخير الكثير. وتبعه سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، ومحارب بن دِثَار (٢) (ت: ١١٦)، وقتادة (ت: ١١٧) (٣). وذهب أنس بن مالك، وعائشة، وابن عمر، وابن عباس (٤) ﵃، وأبو العالية (ت: ٩٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤)، وعطاء الخراساني (ت: ١٣٥)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، إلى أن المُراد به في الآية: نَهرٌ في الجنة أعطاه الله رسوله ﷺ (٥). وقد صَحَّ به الخبر عن رسول الله ﷺ كما سبق.

стр. 403

والكوثر لُغَةً: فَوْعَلٌ من الكثرة، أي: بليغُ الكَثرَة (١)، قال الشاعر (٢): وأنتَ كَثيرٌ يا ابنَ مروانَ طَيِّبٌ … وكانَ أبوكَ ابنُ العَقائِل كَوثَرا (والعرب تُسَمِّي كُلَّ شيءٍ كثيرٍ في العدد والقدر والخطر: كوثَرًا) (٣)، وهو ما اعتمده أصحاب القول الأول. ولكنه تفسيرٌ مُقابَلٌ في القول الثاني بتفسير النبي ﷺ ، وقَد جعلَهُ جماعةٌ من المفسرين نَصًّا من النبي ﷺ ، يُخَصَّصُ به العموم اللفظي في الآية، وممَّن ذهب إلى ذلك ابن جرير (ت: ٣١٠)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والبغوي (ت: ٥١٦)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والطوفي (ت: ٧١٦)، وابن جُزي (ت: ٧٤١)، وأبو حيان (ت: ٧٤٥)، وابن حجر (ت: ٨٥٢) (٤)، ونسبه الواحدي (ت: ٤٦٨) لأكثر المفسرين (٥)، وقال الرازي (ت: ٦٠٤): (وهو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف) (٦). والصواب أن تفسير النبي ﷺ للكوثر بأنه نهرٌ في الجنة، هو من باب التمثيل لا التخصيص، وهو ما فهمه ابن عباس ﵁، ومن تبعه من المفسرين، فإن الأحاديث في الكوثر بلغت حَدَّ التواتر (٧)، فلم تكن لتخفى على ابن عباس ﵁،

стр. 404

بل قد صَحَّ عنه تفسير الكوثر بأنه نهرٌ في الجنة، كما سبق، ولا يُتَصَوَّر أن يخالف ابن عباس ﵁ نَصَّ حديث رسول الله ﷺ لو كان أراد ذلك. ووجوه ترجيح العموم في الآية عديدة، وهي: الأول: أنه الحقيقة اللغوية لكلمة: كوثر. ولا يُقَدَّم عليها النقل الشرعي ما لَم يكُن صريحًا. الثاني: أنه دلالة اللفظ في قوله تعالى ﴿الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر ١]، فإن اقتران هذه الصفة باللام المفيدة للاستغراق جعلها شامِلَة، ولإعطاء معنى الكثرة كاملة. (١) الثالث: دلالة حذف موصوف الكوثر، فإنه أبلغُ في العموم؛ لِمَا فيه من عدم التعيين. (٢) الرابع: أن فَهم ابن عباس ﵁ للتمثيل، أولى من فهم من بعده للتخصيص، فمن حضر التنْزيل وعاصر نزوله وأحواله، كان أعرف بتأويله، ولا يُعارَض هذا بأقوال غيره من الصحابة أن الكوثر نهرٌ في الجنة كما سبق؛ إذ أقوالُهم جاريةٌ مجرى التعريف بالكوثر شرعًا، لا تفسير معناه في الآية، ولو جُعِلَت أقوالهم في سياق بيان معنى الآية لكانت من قبيل التمثيل للمعنى أيضًا، إذ ليس في كلامهم دليلُ تخصيص يُعتَمَد عليه. الخامس: أن قَولَه ﷺ في الحديث: (عليه خيرٌ كثيرٌ)، يُشعِرُ بأن معنى الوصفية موجود، وهو ما فهمه ابن عباس ﵁ ومن تبعه من المفسرين. السادس: أن العموم أنسب لسياق الآية، فقد قال تعالى في آخر السورة ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر ٣]، وذلك فيمَن قال من المشركين عن رسول الله ﷺ لَمَّا

стр. 405

مات ابنه عبد الله: دَعُوه فإنما هو رجلٌ أبتَر لا عَقِبَ له، لو هلك لانقطع ذِكره، واسترحتم منه (١). فناسَب ذلك أن يذكر عظيمَ نِعَمه، وجليل فضله على رسوله ﷺ في الدنيا والآخرة، وهو القول بالعموم على ما سَبَق. السابع: أن أكثر المفسرين على عدم التخصيص، ثُمَّ هُمْ بعد ذلك على قسمين: - فمنهم من يُحَدِّد معنىً للآية على جِهَة التمثيل (٢)، كقول عكرمة (ت: ١٠٥): (هو: النبوة)، وقول الحسن (ت: ١١٠): (هو: القرآن). (٣) - ومنهم من يَختارُ العموم مُطلَقًا بلا تَمثيل (٤)، كقول السمرقندي (ت: ٣٧٥): (يعني: الخير الكثير) (٥)، وقول ابن عطية (ت: ٥٤٦): (كأنه يقول في هذه الآية: إنا أعطيناك الحظ الأعظم .. ، فنعمَ ما ذَهَبَ إليه ابن عباس، ونِعمَ ما تَمَّمَ به ابن جبير ﵃ (٦). ولا شَكَّ أن البيان النبوي السابق عن الكوثر يدخُلُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا في معنى الآية عند اختيار العموم، كما أشار إلى ذلك ابن عباس ﵁، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥).

стр. 406

ومن مسائل هذا الاستدراك: أولًا: إدراك مفسري السلف لترابط المعاني وتداخلها، وحرصهم على اختيار أعَمِّها وأفخَمِها، وهذا بَيِّنٌ من جواب سعيد بن جبير (ت: ٩٥): (النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه). ثانيًا: لزوم التفريق في كلام النبي ﷺ على معاني الآيات بينَ ما هو نَصٌّ في التفسير فلا يجوز مخالفته، وما هو من قبيل التمثيل، أو بيان الأولى، ونحو ذلك مِمَّا لا حصر فيه للمعنى. ومن وسائل التفريق المُعتَبَرة بين نَوْعَي التفسير النبوي السابِقَين: فَهمُ الصحابي وتفسيره، فهو الأقدَرُ على تَمْييز هذين النوعين من جميع من بعده؛ لاطِّلَاعِه على أمور خارِجَةٍ عن النص النبوي الذي بين أيدينا، كسياق الموقف ومُناسبته، وشهود التنْزيل، وقرائنه الحالِيَّة، ومعرفة حال من نزل فيهم القرآن، بالإضافة إلى إدراكهم لخصائص ألفاظه، وفَهمِهم مُراده عن قُرب واطلاع، فإدراكهم للمعاني أَتَمّ، وتعبيرهم عنها أفصح وأوضح، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (والصحابة أعلم الأمة بتفسير القرآن، ويجب الرجوع إلى تفسيرهم) (١)، وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠): (فمتى جاء عنهم تقييدُ بعضُ المُطلَقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعَمَلُ عليه صواب) (٢). وتُعَدُّ هذه الأمور وغيرها من أسباب حُجِّيَة قول الصحابي، ووجوه تقديمه على ما عداه. (٣) * * *

стр. 407

[٧٣] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَ طَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]. عن أبي المنهال (١) قال: (كنت عند أبي العالية يومًا فتوضأ وتوضأت، فقلت ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]. فقال: إن الطهور بالماء لَحَسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب) (٢). * تحليل الاستدراك: حملَ أبو المنهال (ت: ١٢٩) التطهر في الآية على الطهارة بالماء، وهو قولٌ معتَمِدٌ على المتبادر من اللفظ، وسياق الآية، ووروده بهذا المعنى في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية. فظاهر اللفظ المتبادر منه هو التطهر بالماء، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (ذلك هو الأغلب من ظاهر معانيه) (٣)، قال تعالى ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة ٨]، وقال ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال ١١]، ثُمَّ موضوع الآية في الحيض وبيان حكمه والطهارة منه، ولَمَّا كانت الطهارة منه بالغسل بالماء، ناسب خِتام الآية بالثناء على فاعليه، وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة ١٠٨]، وقد ثبت

стр. 408

أن الله تعالى أثنى على هؤلاء القوم من الأنصار لتطهرهم بالماء (١)، وجاءت السنة بهذا المعنى في دعائِه ﷺ بعد الوضوء: (اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين) (٢)، فتطابق دعاء رسول الله ﷺ مع لفظ الآية، واقترن بالوضوء بالماء، فدلَّ على أنه المُراد. أمَّا أبو العالية (ت: ٩٣) فقد أثنى على التطهر بالماء، وذكر أنه أمرٌ حَسَنٌ فَضيلٌ، لكن المُراد عنده بالتطهر في الآية: من الذنوب. وهو معنىً مأخوذٌ من عموم اللفظ، ومناسب لسياق الآية، وله شواهد في القرآن. فالتطهر في الآية جاء مقرونًا ب"أل" المفيدة للعموم والاستغراق، وأولى ما تَطَهَّرَ منه العبدُ ذنوبَه، وطهارة الباطن أصلٌ لطهارة الظاهر، وهو الأنسب لذكر التوابين في الآية، والثناء عليهم بترك الذنوب والطهارة منها. ويشهد له من القرآن قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]، وقوله ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل ٥٦]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٣]، قال الطحاوي (ت: ٣٢١): (فإن ذلك عند جميعهم على التطهير من الذنوب، ومن سائر الأشياء التي تدنس بني آدم) (٣).

стр. 409

* الحكم على الاستدراك: ذهب ابنُ عباس ﵁، وعطاء (ت: ١١٤)، وأبو المنهال (ت: ١٢٩)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل (ت: ١٥٠)، إلى أن المُراد: التطهر بالماء. (١) وذهب سعيد بن جبير (ت: ٩٥)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، إلى ما ذهب إليه أبو العالية (ت: ٩٣)، فحملوا الآية على التطهر من الذنب (٢)، واختاره ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والشوكاني (ت: ١٢٥٠). (٣) ولفظ التَّطَهر في الآية المقترن بأل المفيدة للعموم والاستغراق يشمل جميع معاني التطهر الظاهرة والباطنة، غيرَ أن التطهر بالماء أولى هذه المعاني؛ لأنه الأغلب من معانيه، والأوفق لسياق الآية وموضوعها، قال ابن العربي (ت: ٥٤٣): (واللفظ وإن كان يحتمل جميع ما ذُكر، فالأول به أخص- أي: التطهر بالماء للصلاة-، وهو فيه أظهر، وعليه حَمَلَه أهلُ التأويل، وهو المُنعَطِف على سابق الآية، المُنتَظم معها) (٤)، وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه يحب المتطهرين في آيتين، آية البقرة هذه، وآية التوبة في قوله تعالى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة ١٠٨]، ولَمَّا صَحَّ أن المُراد بالتطهر في آية التوبة التطهر بالماء كما سبق، كان ذلك أولى المعاني وأقربها في الآية الأخرى، قال الطحاوي (ت: ٣٢١): (فدلَّ ذلك على أن الطهارة المذكورة في الآية الأولى، هي هذه الطهارة المذكورة في الآية الأخرى) (٥)، وقد جاءت دلالة السنة ظاهرة على هذا المعنى كما سبق.

стр. 410

وهو اختيار ابن جرير (ت: ٣١٠)، والطحاوي (ت: ٣٢١)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والسمرقندي (ت: ٣٧٥)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن العربي (ت: ٥٤٣)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥)، وابن القيم (ت: ٧٥١). (١) * * * [٧٤] ﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي ا لتَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح ٢٩]. عن منصور بن المعتمر (٢)، عن مجاهد في قوله تعالى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح ٢٩]، قال: (هو الخشوع. قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه. فقال: رُبَّما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون) (٣).

стр. 411

* تحليل الاستدراك: ذهب منصور إلى أن المراد بالسِّيمَا (١) في الآية أثر السجود المحسوس في الوجه، ومن فسرها بذلك أخذه من ظاهر لفظ الآية، فإنها بينت سبب هذه السيماء والعلامة، فقال تعالى ﴿مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح ٢٩]. ثم السياق يشهد له أيضًا، ففي الآية قبلها ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح ٢٩]، ومن كانت هذه حاله ظهر عليه نحو ذلك الأثر ولو لم يقصد. كما ورد في السنة ما يشهد له، وهو قوله ﷺ فيمن يُخرج من النار من الموحدين: (ويعرفونهم بآثار السجود، وحَرَّم الله على النار أن تأكل أثر السجود) (٢)، وعن جابر مرفوعًا: (إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا داراتِ وجوهِهِم، حتى يدخلون الجنة) (٣)، فهو أثرٌ في الوجه محسوس لا تمسه النار يوم القيامة. وفسَّرها مجاهد بأنها الخشوع، وفي ألفاظ أخرى عنه قال: التواضع، والوقار، والسَّحنة (٤). فهي ليست بالأثر المحسوس على وجه المصلي؛ لأنه ربما ظهرت على من لا يدخل في من وَصَفَتْهُم الآية، كقساة القلوب، وبعض المنافقين (٥). قال ابن عطية (ت: ٥٤٦): (وهذه حال مكثري الصلاة؛ لأنها تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتُقِل الضحك، وتَرد النفس بحالة تخشع معها الأعضاء) (٦)، وظاهر اللفظ يحتمل بعمومه هذا المعنى، كما يشهد له سياق الآية، فهو في وصف رسول الله ﷺ وأصحابه، ولم يكن ذلك الأثر المحسوس من وصف رسول الله ﷺ ، ولا من سِمَةِ جميع أصحابه ﵃.

стр. 412

* الحكم على الاستدراك: يجتمع كلا هذين القولين في بيان المراد بالسيما في الآية على أنها في الدنيا، وقد سَبَقَ بعضُ الصحابة مُجاهدًا إلى هذا القول، فعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح ٢٩] قال: (أما إنه ليس بالذي ترون، ولكنه سيما الإسلام وسحنته، وسمته وخشوعه) (١)، وعن الجعيد بن عبد الرحمن (٢) قال: كنت عند السائب بن يزيد (٣) إذ جاء الزبير بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف وفي وجهه أثر السجود، فقال السائب: (لقد أفسدَ هذا وجهَه، أما والله ما هي السِّيمَا التي سَمَّى اللهُ، ولقد صليت على وجهي منذ ثمانين سنة ما أثَّرَ السجود بين عيني) (٤)، ومُراد السائب ﵁ أن هذه العلامة لا تؤثر عند عدمها، فكذلك لا تؤثر عند وجودها، فصاحب هذه العلامة لا يدخل في من وُصِف في الآية بمجردها، بل لا بد من أمر آخر هو ما بينه ابن عباس ﵁، ومِنْ بعده مجاهد (ت: ١٠٤)، وهو سمت الإسلام العام، وهديه وخشوعه وتواضعه. ومن ثَمَّ يكون نفيهم للأثر الحسِّي للسجود في الوجه أن يكون مرادًا في الآية، أي: بمفرده، أو من يتقصَّدُه، ويُرائي به، كما في اعتراض مجاهد في الاستدراك. وقريب من هذا القول تفسير السيما بنور الوجه من أثر الصلاة، كما قاله

стр. 413

الثوري (ت: ١٦١)، وصححه النحاس (ت: ٣٣٨) (١)، وفيه قول بعض السلف: (من كثرت صلاته بالليل، حَسُنَ وجهه بالنهار) (٢). وذهب أبو العالية (ت: ٩٣)، وسعيد بن جبير (ت: ٩٥)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، ومالك (ت: ١٧٩)، إلى أن السيما آثارُ السجود في الدنيا من نحو: أثر السهر والتعب في الوجه، والصُّفرة، وأثر ثرى الأرض وترابها، والطَّهُور (٣). وهذا من تفسير السيما بالمثال من غير حصر. وعن ابن عباس ﵁ قال: (هو ما يبدو على وجوه المؤمنين يوم القيامة من أثر صلاتهم) (٤). وعن أبي بن كعب ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ في قوله ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح ٢٩]: النور يوم القيامة) (٥)، قال ابن عاشور (ت: ١٣٩٣): (وهو لا يقتضي تعطيل بقية الاحتمالات، إذ كل ذلك من السيما

стр. 414

المحمودة، ولكن النبي ﷺ ذَكَرَ أعلاها) (١)، واختاره مقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠) (٢)، واستبعده ابن جزي (ت: ٧٤١)، وقال: (لأن قوله ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح ٢٩]، وصف حالهم في الدنيا، فكيف يكون سيماهم في وجوههم كذلك) (٣). والصحيح حمل السيما في الآية على العموم، فجميع آثار السجود الحسية والمعنوية، في الدنيا والآخرة، داخلة في معنى الآية. واختاره قتادة (ت: ١١٧)، وعطاء الخراساني (ت: ١٣٥) (٤)، وابن جرير (ت: ٣١٠) وقال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: إن الله تعالى ذكره أخبرنا أن سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم: في وجوههم من أثر السجود، ولم يخص ذلك على وقت دون وقت، وإذا كان ذلك كذلك، فذلك على كل الأوقات) (٥). * * *

стр. 415

رابعًا: استدراكات أتباع التابعين [٧٥] ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [البقرة ٢٦٩]. قال مالك بن أنس: (قال زيد بن أسلم: إن الحكمة العقل. قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في دين الله، وأمرٌ يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل ضعيفًا في أمر دينه، عاقلًا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخَر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله) (١). * تحليل الاستدراك: ذهب زيد بن أسلم (ت: ١٣٦) إلى أن الحكمة: العقل. وهذا القول معتمدٌ على اللغة، إذ أصل الحكمة: المنع (٢)، ومن معانيها: العقل؛ لأنه يمنع صاحبه من الجهل والهوى، قال ابن الأنباري (ت: ٣٢٨): (والحِكمَةُ: اسمُ العقل، وجمعها: حِكَم) (٣). كما أنه صحيحٌ في السياق، فالعقل من خير الله الكثير الذي يؤتيه من يشاء. وذهب مالك (ت: ١٧٩) إلى أن الحكمة: العلم والفقه في دين الله، والتفكر في أمره، وإصابة الحق واتباعه (٤). وهو معنىً معتمِدٌ على اللغة؛ إذ من معاني الحكمة

стр. 416

أيضًا: الحُكم وفصل القضاء (١)، وكذا: الإحكام والإتقان والإصابة (٢)، والفقه في دين الله واتِّبَاعه مانعٌ من الجهل والظلم والخلل. وقد استشهد مالك (ت: ١٧٩) على هذا المعنى بقوله تعالى ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم ١٢]، وقوله ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ﴾ [الزخرف ٦٤] (٣)، وقد جاءت "الحكمة" في أكثر الآيات بِهذا المعنى، كما في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة ١٢٩]، وقوله ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣]، وقوله تعالى لنبيه عيسى ﵇ ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [المائدة ١١٠]، وقوله ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء ٣٩]، وقوله تعالى لأزواج نبيه ﷺ ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب ٣٤]، وقوله تعالى عن داود ﵇ ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٠]، ثُمَّ هو معنىً صحيحٌ في السياق، فالفقه في الدين خيرُ ما يُؤتى العبد، ويشهد له من السنة قوله ﷺ : (من يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّه في الدين) (٤). * الحكم على الاستدراك: الحِكمَةُ عند العرب: ما مَنَعَ من الجهل (٥). ولا يكون ذلك إلا بعلم وفهم، والعلم الممدوح في هذه الآية وفي غيرها من كتاب الله هو علم القرآن والفقه في الدين، ومن ثَمَّ دارت تفاسير السلف للحكمة حول هذا المعنى: (الإتقان وإصابة

стр. 417

الحق في القول والفعل)، وإن اختلفت عباراتهم، وتعددت ألفاظهم (١)، فعن ابن مسعود ﵁ قال: (الحكمة: القرآن) (٢)، وقال ابن عباس ﵁: (يعني: المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابِهه، ومُقَدَّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله) (٣)، وقريبٌ من ذلك عن أبي الدرداء ﵁، وأبي العالية (ت: ٩٣)، والنخعي (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وأبي مالك، والحسن (ت: ١١٠)، ومكحول (ت: ١١٢)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، والكلبي (ت: ١٤٦)، ومقاتل بن حيان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، ومالك بن أنس (ت: ١٧٩)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦)، وأبو العباس ثعلب (٤) (ت: ٢٩١) (٥)، وغيرِهِم، مِمَّا هو من التفسير بالمثال، وبجزء المعنى، ولا تعارض فيه (٦)، قال ابن القيم (ت: ٧٥١): (وأحسنُ ما قيلَ في الحكمة: قول مجاهد، ومالك: إنها معرفةُ الحق والعمل به، والإصابةُ في القول والعمل. وهذا لا يكون إلا بفهم القرآن، والفقه في شرائع الإسلام وحقائق الإيمان) (٧). وقد جاء رَدُّ مالك بن أنس (ت: ١٧٩) على قول زيد بن أسلم (ت: ١٣٦) من هذا

стр. 418

الوجه، فحملُ الحكمة في الآية على العقل مُجَرَّدًا لا يصح، من جهة أن العقل بلا دين لا خيرَ فيه، بل العاقل بلا دين والجاهل سواءٌ في عدم الانتفاع والاهتداء للحق والعمل به، ومثلُ ذلك غير ممدوح، قال مالك (ت: ١٧٩): (ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل ضعيفًا في أمر دينه، عاقلًا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخَر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به، يؤتيه الله إياه، ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين الله)، فالعالم بأمر دينه هو مِمَّنْ آتاه الله الحكمة وإن كان ضعيف العقل والتدبير في أمر دنياه. ومن ثَمَّ فقول زيد (ت: ١٣٦) في تفسير الحكمة وإن كان صحيحًا لُغةً، إلا أنه ضعيفٌ تفسيرًا؛ لقصور معناه عن اشتمال وصف الخيرية الأعظم الممدوح في لفظ الحكمة وهو: الفقه في الدين والعمل به، والصواب قول مالك (ت: ١٧٩) لصحته في اللغة، ولأنه أعمُّ في المعنى، ولشواهد هذا المعنى المتوافرة من الكتاب والسنة، بل لم يَرِد العقل مُجَرَّدًا معنىً للحكمة في القرآن الكريم (١)، إذ ما كُلُّ عاقلٍ بحكيم، كما أن العقل الممدوح في كتاب الله هو ما كان طريقًا للتدبر، وموصلًا للحق والاهتداء، لا ما عَرِيَ عن ذلك، قال تعالى ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ٢٤٢]، وقال ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران ١١٨]، وقال ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف ٢]، والعاقل بلا هداية كغير العاقل سواء، قال تعالى ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، وقال ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠]. وقد اتفقت كلمة المفسرين (٢) على قول مالك (ت: ١٧٩) كما سبق. (٣)

стр. 419

[٧٦] ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة ٢٨٢]. قال سفيان بن عيينة: (ليس تأويل قوله ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة ٢٨٢] من الذِّكْرِ بعدَ النِّسيَان، إنما هو من الذَّكَر، بِمعنى أنها إذا شهدت مع الأخرى صارت شهادتهما كشهادة الذَّكَر) (١). * تحليل الاستدراك: نفى ابن عيينة (ت: ١٩٨) أن يكون المُراد بالتذكير في الآية: ما يُقابلُ النسيان. ومن ذهب إلى ذلك اعتمد ظاهرَ اللفظ والمتبادر منه، وكذا سياق الآية؛ إذ عِلَّةُ الأمر بشهادة امرأتين مع رجل مذكورة في الآية وهي قوله تعالى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة ٢٨٢]، فخشيةً من نسيان إحدى المرأتين تشهد معها أخرى لِتُذَكرها ما نسيت، فالمناسب لذكر النسيان في الآية ما يقابله وهو: التذكر. وذهب ابن عيينة (ت: ١٩٨) إلى أن المُراد بالتذكير هنا: أن تجعلها ذَكَرًا في شهادتها بشهادتها معها، إذ شهادتهما كشهادة رجل في الضبط والحفظ والإتقان. وقوله هذا معتمدٌ على معنى الآية وحكمها، فقد جعل تعالى شهادة امرأتين كشهادة

стр. 420

رجل في قوله ﴿فَإِنْ لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة ٢٨٢]، فناسب أن يكون التذكير بعد هذا الحكم أن تجعل إحداهما الأخرى ذكرًا في الشهادة حين تشهد معها فتكونا بذلك بمنْزلة الذَّكَر، وقد صَحَّ هذا المعنى عن رسول الله ﷺ بقوله: (ما رأيت من ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أغلبَ لذي لُبٍ منكُنّ. فقالت امرأةٌ: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل) (١). كما اعتمد هذا القول على قراءة من قَرَأ ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ [البقرة ٢٨٢]، بالتخفيف (٢)، من أذْكَرَ يُذْكِر، وعن الفراء (ت: ١٥٠) وأبي عمرو بن العلاء (٣) (ت: ١٥٤): (من قَرَأ بالتخفيف فهو من الذَّكَر الذي هو ضد الأُنثى) (٤). * الحكم على الاستدراك: رُوِيَ عن أبي عمرو بن العلاء (ت: ١٥٤) في هذه الآية نحو ما رُوِيَ عن ابن عيينة (ت: ١٩٨) (٥)، واختاره القاضي أبو يعلى (٦) (ت: ٤٥٨) (٧)، وجوز الجصاص

стр. 421

(ت: ٣٧٠) كلا المعنيين؛ تكثيرًا للمعاني، وجمعًا بينها. (١) واختار أن التذكير في الآية: ضد النسيان، سعيدُ بن جبير (ت: ٩٥)، والضحاكُ (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (ت: ١٢٨)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩)، ومقاتل بن حيَّان (ت: ١٥٠)، ومقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠)، وابن زيد (ت: ١٨٢)، والفراء (ت: ٢٠٧)، وابن قتيبة (ت: ٢٧٦) (٢)، وعليه جمهور المفسرين وعامَّتُهم (٣)، وهو الصواب من معنى الآية؛ لأنه الظاهر المُتبادر من اللفظ في هذا السياق، ولدلالة السياق عليه دلالةً صريحةً، إذ المُقابِلُ للضلال والنسيان المذكور فيها: التذكر بعد النسيان. (٤) أمَّا قولُ ابنُ عيينة (ت: ١٩٨) فهو عند عامَّة المفسرين قولٌ غريبٌ شاذٌّ بعيدٌ باطلٌ (٥)،

стр. 422

من مُنْكَر التأويل (١)، وبدع التفاسير (٢)، ويتبَيَّن خَطَؤه من وجوه: الوجه الأول: خروجه عن مقتضى اللغة، فقد ذكر النحاس (ت: ٣٣٨) أنه قولٌ لا يعرفه أهل اللغة (٣)، وجعله أبو بكر النقاش (ت: ٣٥١) في مقدمة تفسيره ضمن باب: في شواذ التفسير ممَّا يُنكِره أهل اللغة والنظر، ويتذاكر به أصحاب الأخبار والأثر (٤). وكذا أدرجه أبو نصر الحدادي (٥) (ت: بعد ٤٠٠) في كتابه "المدخل لعلم التفسير" ضمن باب: ما جاء عن أهل التفسير ولا يوجد له أصلٌ عند النحويين ولا في اللغة (٦). وبَيَّن أبو حيّان (ت: ٧٤٥) خللَ هذا القول من جهة اللغة فقال: (إن المحفوظ أن هذا الفعل لا يتعدى، تقول: أذكَرَت المرأةُ فهي مُذكر، إذا ولدت الذكور، وأما: أذكَرَت المرأةَ، أي: صيرتها كالذَّكَر، فغير محفوظ) (٧). الوجه الثاني: أن السياق صريحٌ في إرادة التذكير الذي هو ضد النسيان، قال ابنُ العربي (ت: ٥٤٣): (والذي يَصِحُّ أن يعقُبَ الضلالَ والغفلَةَ: الذِّكرُ) (٨)، والضالَّة منهما إلى التذكير أحوج منها إلى الإذكار. (٩)

стр. 423

الوجه الثالث: اختلاله من جهة المعنى، وذلك من وجهين: أولهما ذكره النحاس (ت: ٣٣٨) بقوله: (لو كان إنما معناه: تجعلها بمنْزلة الذَّكَر. لم يُحتَج إلى ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ [البقرة ٢٨٢]؛ لأنها كانت تجعلها بمنْزلة الذَّكَر، ضَلَّت أو لم تَضِلّ، ولا يجوز أن تُصَيِّرها بمنْزلة الذَّكر وقد نسيت شهادتها) (١). وثانيهما ذكره أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) (٢) ومعناه: أنه لو سُلِّمَ بأن أذكَرَ بمعنى: تصيرها ذَكَرًا. فلا يصح؛ لأن التصيير ذَكَرًا سيشملُ المرأتين، إذ كلتاهُما سَتُذَكِّرُ الأُخرى على هذا التأويل، فتصبح شهادة المرأتين كشهادة رجلين، وهذا باطل. الوجه الرابع: أن النساء لو بَلَغنَ ما بَلَغنَ، ولم يكن معهنَّ رجلٌ لم تَجُز شهادَتُهُن (٣)، قال الرازي (ت: ٦٠٤): (فإذا كان كذلك فالمرأة الثانية ما ذَكَّرَت الأولى) (٤). ولا حُجَّة لهذا القول في القراءة السبعية المذكورة؛ فإن "ذَكَّرَ وأَذْكَرَ" بمعنىً واحد، قال الجوهري (٥) (ت: ٣٩٣): (وذكرتُ الشيءَ بعدَ النسيانِ، وذَكَرْتُه بلساني وقلبي، وتَذَكَّرتُه، وأَذْكَرتُه غيري، وذَكَّرتُه بمعنىً) (٦)، قال مكيّ (ت: ٤٣٧): (فالقراءتان مُتعادِلتان) (٧)، أي في المعنى.

стр. 424

الوجه الخامس: ما قاله ابنُ جرير (ت: ٣١٠) عن هذا القول: (أنه خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ) (١). وليس ذهابُ الجصاص (ت: ٣٧٠) للأخذ بكلا المعنيين للفائدة المتجددة في كلتيهما، بأولى من جمع القراءتين على معنىً واحدٍ صحيحٍ لُغةً وسياقًا ومعنىً، خاصَّةً إذا عُلِمَ ضعفُ أحد معنيي قراءة منهما، فالصواب يكون في حملها على معنى القراءة الثانية إذا صَحَّ ذلك لُغةً. وأمَّا تخريجُ ابنُ جرير (ت: ٣١٠) لقول ابن عيينة (ت: ١٩٨) على أنه رُبَّما أراد أن المرأة الأولى تعين الأُخرى وتُجَرِّئها على ذكرِ ما نَسِيَت، فتُقَوِّي ذاكِرَتَها بالتذكير حتى تكون كالرجل في التَّذَكُّر، كقولهم للشيء القوي في عمله: ذَكَر، وكما يُقال للسيف الماضي في ضربه: سيفٌ ذَكَر (٢) = فبعيدٌ لا وجه له؛ لنفي ابن عيينة (ت: ١٩٨) الصريح لمعنى التذكر المقابل للنسيان، ولأن مُؤَدَّاه للقول الثاني بعد تطويلٍ شديد، (وإذا دعاك اللفظ إلى المعنى من مكان قريب، فلا تُجِب من دعاك إليه من مكان بعيد) (٣)، وقد قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (أولى العبارات أن يُعَبَّر بِها عن معاني القرآن أقربَها إلى فهم سامعيه) (٤). * * *

стр. 425

[٧٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف ١٥٢]. قال سفيان بن عيينة: (ليس في الأرضِ صاحبُ بدعةٍ إلا وهو يجدُ ذِلَّةً تَغْشَاه، وهو في كتابِ الله. قالوا: وأين هي من كتاب الله؟! قال: أما سمعتم قولَه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف ١٥٢]. قالوا: يا أبا محمد هذه لأصحاب العجلِ خاصَّةً. قال: كلا، اتلوا ما بعدها ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف ١٥٢]، فهي لكل مُفتَرٍ ومُبتَدعٍ إلى يوم القيامة) (١). * تحليل الاستدراك: ذهب بعضُ جلساءِ ابن عيينة (ت: ١٩٨) إلى أن الوعيد الوارد في الآية خاصٌّ بأصحابِ العجل، الذين سِيقَ الحديثُ عنهم فيها، ولا يعدوهم إلى غيرهم، فيكون المعنى: وهكذا نجزي هؤلاء المفترين الذين زعموا أن العجل إلاهُهُم. فهو تخصيصٌ لمعنى الآيةِ بحسب سياقها وقصَّتها. فبَيَّنَ لهم ابنُ عيينة (ت: ١٩٨) من هذه الآية معنىً عامَّا، وذكر أنَّها شاملةٌ لكُلِّ مُفتَرٍ ومُبتَدِعٍ إلى يوم القيامة. وهذا العموم مأخوذٌ من لفظ الآية وهو قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ﴾ [الأعراف ١٥٢]، أي: وبمثل هذا العذاب نَجزي كَلَّ مُفتَرٍ. وهو ما استدَلَّ به على من استنكر قوله.
следующие страницы →