← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

هذان الأثران استدل بهما من ذهب إلى أن إعسار الزوج بالنفقة يوجب أن يكون للمرأة حقُّ الفسخ في هذه الحال؛ فأما أثر سعيد فدلالته على ذلك ظاهرة؛ لأنه قال: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا» أي: إذا طلبت المرأة ذلك، وقوله: «سُنَّةٌ» يحتمل أنه أراد سنَّة النبي ﷺ ، وهو الأظهر؛ فهو من مراسيل سعيد بن المسيَّب، وهي من أقوى المراسيل عند أهل العلم. أما أثر عمر فليست دلالته ظاهرة على هذا الحكم، أعني التفريق بالإعسار بالنفقة، لأن قوله: «أَنْ يُنْفِقُوا» وقوله: «فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا»، ليس فيه ذكر للإعسار، بل ظاهره أنهم قادرون، ولا شك أن من امتنع من النفقة على امرأته وهو قادر؛ أنَّه يجبر على الإنفاق أو يفرق بينهما، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فذهب الجمهور إلى ما دلَّ عليه أثر سعيد بن المسيَّب، وقالوا: إذا أعسر الزوج بالنفقة فُرِّق بينهما، وقاسوا ذلك على العجز عن الوطء، والضرورة إلى الطعام أشدُّ من ضرورة الاستمتاع. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الإعسار بالنفقة لا يوجب التفريق، ولا يجعل للمرأة حق الفسخ، وقد قال الله : ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]، قالوا: ولم ينقل عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه فُرِّق بينه وبين امرأته لإعساره، مع ما نقل من قلة ذات اليد عن كثير منهم، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، ونصره ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١)، وتوسط بعضهم فقال: لا يفرق بينهما، لكن على الزوج أن يمكنها من الاكتساب. وفي الأثرين فوائد؛ منها: ١ - منزلة سعيد بن المسيب في الفتوى. ٢ - بعث عمر ﵁ الجنود للجهاد وحماية البلاد.

стр. 1017

٣ - رعاية عمر ﵁ لحقوق المُغِيبات على أزواجهن. ٤ - أن نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمن؛ لقوله: «فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا». ٥ - وجوب النفقة على الزوج لامرأته وإن كان غائبًا للجهاد. ٦ - أن لغياب الرجل عن امرأته مدة مقدَّرة، وهي أربعة أشهر، كما جاء في أثر عن عمر (١). * * * * * (١٣٠٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ». قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْتَ أَعْلَمُ». أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَلَدِ (٢). * * * هذا الحديث أصل في باب النفقات. وفيه فوائد؛ منها: ١ - أن نفقة الإنسان على نفسه مقدمة على نفقة غيره. ٢ - تقديم نفقة الولد على الزوجة.

стр. 1018

٣ - وجوب النفقة على الخادم، وهو الأجير أو المملوك. ٤ - أن ما فضل عن النفقات الواجبة فلصاحب المال التصرف فيه بما شاء من مستحب أو مباح. * * * * * (١٣٠٨) وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (١). * * * هذا الحديث يدل على صلة الرحم، وأن آكدها برُّ الوالدين، ومناسبة الحديث لباب النفقات ظاهرة؛ فإن النفقة على الوالدين والرحم وسائر القرابة من البر والصلة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية صلة الرحم، والرحم هي القرابة مطلقًا. ٢ - أن أحق الرحم بالصلة الوالدان. ٣ - أن أحق الوالدين بالبر الأم. ٤ - أن الإحسان إلى الوالدين هو برهما. ٥ - أن صلة الرحم تتفاضل تبعًا لدرجة القرابة، فمن كان أقرب كان أحق بالصلة. * * * * *

стр. 1019

بَابُ الحَضَانَةِ الحضانة: مصدر حَضَنه يحضُنُه حَضْنًا وحضانة إذا ضمَّه إليه، وهي مأخوذة من الحِضْن، وهو الجنب، سميت بذلك لضم الحاضنة المحضون إلى جنبها. وفي اصطلاح الفقهاء: كفالة القاصر للقيام عليه ورعاية مصالحه، كاليتيم والسفيه والمجنون، وقد اختلف في الحضانة، هل هي حق للحاضن أو حق للمحضون على الحاضن؟ والصواب: أنها عند التنافس في كفالة المحضون أنها حق للحاضن، ومع التخاذل فهي حق للمحضون على الحاضن. وحينئذ تكون على الأقارب فرض كفاية. * * * * * (١٣٠٩) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄؛ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). * * * في هذا الحديث أن الأحق بحضانة الولد هي الأم إذا تشاحَّ في ذلك الأبوان، ما لم تتزوج. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تقديم الأم في الحضانة على الأب.

стр. 1020

٢ - أن حضانة الأم لا تسقط بالطلاق. ٣ - حكمة الشرع في هذا التقديم، وهي معاناة الأم مشاق الحمل والرضاعة والتربية. ٤ - أن الأم إذا تزوجت كان الأب أحق بالحضانة، قيل: مطلقًا سواء تزوجت بأجنبي أو قريب، وقيل: إن تزوجت بأحد أقارب الطفل لم يبطل حقها بالحضانة. ٥ - أن الحضانة حق للحاضن. ٦ - أن الفتوى لا يلزم فيها حضور الخصم. وفتوى الرسول ﷺ هذه لا تمنع حجة الخصم الغائب. ٧ - جواز السجع في المطالبة بحق، لا لرد ما هو حق. * * * * * (١٣١٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁؛ أن امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي، وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا غُلَامُ! هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهُمَا شِئْتَ». فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). (١٣١١) وَعَنْ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ؛ أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ. فَأَقْعَدَ النَّبِيُّ ﷺ الْأُمَّ نَاحِيَةً، وَالْأَبَ نَاحِيَةً، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّ بَيْنَهُمَا. فَمَالَ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِهِ». فَمَالَ إِلَى أَبِيهِ، فَأَخَذَهُ. أخرجه أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ (٢). * * *

стр. 1021

هذان الحديثان هما عمدة من يقول من العلماء بتخيير المحضون بين أبيه وأمه، ولكن بين هذين الحديثين وحديث «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ» (١) تعارضٌ في الظاهر، ويمكن الجمع بينها بأن الأم أحق بالصبي إذا لم يكن أهلًا للاختيار؛ كالذي لا تمييز له، فأما المميز فهو لمن اختار من أبويه. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن الصبي يخير بين أبيه وأمه، وهو لمن اختار منهما. ٢ - توجيه الصبي لاختيار الأصلح من أبويه. ٣ - أن التمييز لا يعتبر له سن؛ وأما حديث «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ» (٢)، فقد خرج مخرج الغالب. ٤ - أنه إذا اختلف دين الأبوين في الكفر والإسلام، فلا حضانة للكافر منهما؛ لأن كونه عند الكافر فيه أعظم الضرر، والمقصود من الحضانة إصلاح المحضون، فلا يُقَر في يد من لا يصلحه. * * * * * (١٣١٢) وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبِ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ لِخَالَتِهَا، وَقَالَ: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣). (١٣١٣) وأَخْرَجَهُ أحمد مِنْ حَدِيْثِ علي؛ فقال: «والْجَارِيَةُ عِنْدَ خَالَتِهَا، فَإِنَّ الْخَالَةَ وَالِدَةٌ» (٤). * * * هذا الحديث طرف من حديث طويل في قصة ابنة حمزة حين لحقت النبي ﷺ عام الحديبية، فتنازع في كفالتها عليٌّ وجعفر ابنا أبي طالب وزيد بن حارثة، وفيه أن جعفرًا قال: هي ابنة عمي وخالتها تحتي، فقضى النبي ﷺ بها لخالتها،

стр. 1022

وقال: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ»، وقد استدل بالحديث من قدم الخالة في الحضانة على العمة، وهو استدلال قويٌّ، ولا يلزم من ذلك أن تكون الخالة أمًّا فتقدم على الأب، فالأم مقدمة على الأب، بخلاف الخالة، وقد استدل من قدم العمة على الخالة بتقديم الأب عليها، والراجح القول الأول؛ لظاهر الحديث. والله أعلم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن ابن العم من أهل الحضانة، ومن كان أدنى منه إلى المحضون من العصبة فهو أولى. ٢ - ترجيح أحد المتساويين إذا كان لأحدهما مرجح. ٣ - أن الخالة بمنزلة الأم؛ لأن هذا مقتضَى التشبيه. ٤ - أن الجدة أولى من الخالة؛ لأن الجدة أم. ٥ - أن الأم لا يسقط حقها من الحضانة إذا رضي الزوج منها بذلك. هذا ما يتعلق بالطرف المذكور من الحديث. والله أعلم. * * * * * (١٣١٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). (١٣١٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلْتِ النَّارَ فِيهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا، تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * *

стр. 1023

هذان الحديثان الأليق بهما باب النفقات، وتقدم قوله ﷺ : «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (١)، ولعل الحافظ ابن حجر ذكر الحديثين في باب الحضانة إشارة أن على الحاضن أن يرعى مصلحة المحضون بتوفير القوت له. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - إباحة الرق في الإسلام بأسبابه المشروعة. ٢ - الإحسان إلى الرقيق. ٣ - خدمة العبد لسيده. ٤ - الرفق بالمملوك، ومراعاة حالته النفسية بتطييب خاطره بإشراكه في الطعام الذي صنعه وقدمه. ٥ - إرشاد السيد إلى التواضع. ٦ - تحريم حبس الحيوان مع منعه من الطعام والشراب، وأن ذلك من أسباب دخول النار. ٧ - جواز حبس الحيوان، مع القيام بسقيه وإطعامه. ٨ - وجوب نفقة الحيوان الذي تحت يد الإنسان. ٩ - أن الإسلام دين الرفق والرحمة بالإنسان والحيوان. ١٠ - إثبات عذاب القبر؛ لأن الحديث إخبار عمَّا وقع. * * * * *

стр. 1024

كِتَابُ الجِنَايَاتِ

стр. 1025

الجِنايات: جمع جِناية، وهي العدوان على من له حرمة في دمه وماله وعرضه وفي الاصطلاح عدوان على معصوم في دمه بقتل أو ما دونه، فتشمل الشجاج والجراحات وإتلاف الأعضاء، مما يوجب قصاصًا أو دية. * * * * * (١٣١٦) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ؛ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ؛ المُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٣١٧) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُسْلِمٍ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: زَانٍ مُحْصَنٌ فَيُرْجَمُ، وَرَجُلٌ يَقْتُلُ مُسْلِمًا مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، وَرَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ فَيُحَارِبُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَيُقْتَلُ، أَوْ يُصْلَبُ، أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ». رَوَاهُ أبُوْ دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (٢). (١٣١٨) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * تضمنت هذه الأحاديث أن أعظم الجنايات العدوان على النفس، وأن أعظمها القتل. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن أعظم الحُرَم حرمة دم المسلم.

стр. 1026

٢ - فضيلة الإسلام، وأنه السبب الأعظم في عصمة الدم. ٣ - أن دم المسلم لا يحل إلا بإحدى الأسباب المذكورة. ٤ - أن الإسلام يثبت بالشهادتين، ولا تكفي إحداهما عن الأخرى. ٥ - أن تارك بقية أركان الإسلام لا يكفر، وفي ذلك خلاف. ٦ - انحصار سبب حل دم المسلم في هذه الأسباب الثلاثة، وهذا الحصر ليس حقيقيًّا؛ لدلالة السنة على أسباب أخرى، كالقتل تعزيرًا، ومن يدعو لبيعته ليفرق جماعة المسلمين. ٧ - حِلُّ دم المسلم إذا زنى وهو مُحصَنٌ، وذلك بإقامة حد الزاني المحصن، وهو الرجم. ٨ - أن الزاني البكر لا يحل دمه؛ لأن حده جلد مئة، للآية الكريمة. ٩ - أن مما يبيح دم المسلم أن يقتل مسلمًا معصومًا عمدًا وعدوانًا، فيقتل قصاصًا. ١٠ - أن مما يبيح قتل المسلم ردته عن الإسلام، أو السعي في الأرض بالفساد. ١١ - عظم شأن النفوس، وأن حرمة الدماء أعظم من حرمة المال. ١٢ - أن المحاربين أصناف، تختلف عقوبتهم في الدنيا بحسب عدوانهم، كما جاء في الآية: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. ١٣ - أن أول ما يقضى فيه بين الناس أمر الدماء. ١٤ - أن الله يحكم بين العباد يوم القيامة فتُستوفى الحقوق لأصحابها، ويؤخذ للمظلوم من الظالم، إلا ما كان قد استوفي في الدنيا. ١٥ - إثبات حكمة الله وعدله. * * * * *

стр. 1027

(١٣١٩) وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ عَنْ سَمُرَةَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ (١). (١٣٢٠) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ: «وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ .. » وَصَحَّحَ الحَاكِمُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ (٢). * * * هذا الحديث تضمن حكم جناية السيد على عبده بقتل أو ما دونه، وقد دل على القصاص من السيد لعبده، فهو مخالف لمفهوم قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ فإن جمهور العلماء استدلوا بالآية على أن الحر لا يقاد بالعبد، وحديث سمرة يدل على أن السيد يقتل إذا قتل عبده، ويقاد له منه، وقد ذهب الجمهور إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، وعليه؛ فلا يقتل السيد بعبده، لمفهوم الآية: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، واعتذروا عن هذا الحديث بأنه من رواية الحسن البصري، والمشهور أنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية قول أهل المدينة؛ أن الحر لا يقتل بالعبد إلا في المحاربة، قال: «وهو أعدل الأقوال، وفيه جمع بين الآثار المنقولة في هذا الباب» (٣). واختار أيضًا أن السيد إذا قتل عبده فأمره إلى الإمام، فله قتله تعزيرًا، وجنح إلى ذلك تلميذه ابن القيم (٤)، رحمهما الله.

стр. 1028

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم اعتداء السيد على مملوكه بأيِّ نوع من أنواع العدوان. ٢ - أن معاملة السيد لعبده مقيدة بالشرع، فليست تابعة لهواه. ٣ - القصاص من السيد لعبده في القتل والجدع والخصاء. وسبقت الإشارة إلى الخلاف في ذلك. وقد ذهب إلى ظاهر هذا الحديث الظاهرية (١) وجمع من المحققين، وإذا اقتُص للعبد من سيده فغير السيد من باب أولى، وهو قول قوي. وإذا قيل: لا يقتص من السيد لعبده، فإنه يجب عليه إن كان العبد باقيًا؛ أن يحرره، وعلى الإمام تعزير السيد على معصيته بظلم العبد. ٤ - أن القصاص يكون في النفس وما دونها من الأعضاء، والجدع: قطع الأنف، وهو الأصل فيه، ويطلق على غيره من الأطراف، والخصاء: قطع الخصيتين. * * * * * (١٣٢١) وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يُقَادُ الوَالِدُ بِالوَلَدِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: «إِنَّهُ مُضْطَرِبٌ» (٢). (١٣٢٢) وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ ﵄: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنْ الوَحْيِ غَيْرُ القُرْآنِ؟ قَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمٌ يُعْطِيهِ اللهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفَكاكُ الأَسِيرِ، وَ أَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣).

стр. 1029

(١٣٢٣) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلِيٍّ وَقَالَ فِيهِ: «المُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ». وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). * * * هذان الحديثان تضمنا مسألتين: قتل الوالد بولده، وقتل المسلم بالكافر، فأما المسألة الأولى: فذهب الجمهور إلى معنى هذا الحديث، وأن الوالد لا يقتل بولده، وقالوا: إن هذا الحديث مخصص لقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولحديث ابن مسعود ﵁: «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ» (٢). وذهب آخرون إلى أنه لا يقتل الوالد بولده إلا أن يقتله صبرًا. ولكن الحديث مختلف في تصحيحه، وإذا لم يصح فالأصل قول الله وقول رسوله ﷺ : «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ». وأما المسألة الثانية: وهي قتل المسلم بالكافر، فقد دل عليها الحديث الثاني، وقد ذهب الجمهور إلى ظاهر هذا الحديث، وأن المسلم لا يقتل بالكافر، وذهب أبو حنيفة إلى أن المسلم يقتل بالكافر الذميِّ، وخصَّ الكافر في الحديث بالكافر الحربي. والصواب القول الأول؛ لأن الحديث صحيح وصريح في أنه لا يقتل مسلم بكافر. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - عظم حق الوالد على الولد. ٢ - أن الوالد لا يقاد بولده، وفيه الخلاف المتقدم. ٣ - وجوب فك الأسير المسلم.

стр. 1030

٤ - علو الإسلام على غيره من الأديان. ٥ - ثبوت العقل، الذي هو دية الخطأ. وأهل العلم مختلفون فيمن يجب عليه. ٦ - أن الرسول ﷺ لم يخص عليًا ولا أحدًا من أهل بيته بشيء من علم النبوة، ففيه: ٧ - الرد على الرافضة فيما يزعمونه من اختصاص أهل البيت بعلم من دون الصحابة. ٨ - أن الله فالق الحب، وبارئ النسم. وتلك من الصفات الفعلية. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: ٩٥]، وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]. ٩ - أن فهم القرآن من فضل الله الذي يؤتيه من يشاء. ١٠ - تفاضل الناس في حظهم من فهم القرآن. ١١ - جواز الحلف على الفتيا. ١٢ - جواز الحلف دون استحلاف، لقول علي: «لَا وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ». ١٣ - جواز كتابة السنة. ١٤ - عناية علي ﵁ بذلك. ١٥ - حرص أبي جحيفة ﵁ على العلم. ١٦ - أن النفي يأتي بمعنى النهي. ١٧ - فضل المسلم على الكافر. ١٨ - أن المسلم لا يقتل بالكافر. ١٩ - أن المعاهد لا يقتل في مدة عهده، بل يجب الوفاء له، ما استقام على عهده.

стр. 1031

٢٠ - أن المسلمين تتكافأ دماؤهم، فيقتل المسلم بالمسلم، ذكرًا كان المقتول أو أنثى، حرًّا أو عبدًا. ٢١ - صحة جوار المرأة والعبد؛ لقوله: «وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ». ٢٢ - أن على المسلمين أن يكونوا جميعًا ضدًّا للكافرين. ٢٣ - وجوب تعاون الأمة على العدو الكافر. ٢٤ - أن من رفض إعانة المسلمين على عدوهم فليس منهم. * * * * * (١٣٢٤) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ جَارِيَةً وُجِدَ رَأْسُهَا قَدْ رُضَّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَسَأَلُوهَا: «مَنْ صَنَعَ بِكِ هَذَا؟ فُلَانٌ، فُلَانٌ، حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا. فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَأَقَرَّ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ. * * * هذا الحديث أصل في ثبوت القود بالقتل بالمثقَّل. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - القصاص من القاتل بالمثقَّل. ٢ - أن من القصاص أن يُفعل بالجاني نظير ما فعل بالمجني عليه، ولو كان فيه بشاعة. ٣ - قتل الرجل بالمرأة. ٤ - قتل الذمي بالمسلم. ٥ - العمل بالإشارة. ٦ - أن إشارة المجني عليه إلى من اعتدى عليه قرينة توجب التهمة، إذا كان مع المقتول عقله.

стр. 1032

٧ - أن المتهم بالقتل أو بجناية لا يقتص منه إلا بإقراره. ٨ - أن المتهم لا يؤخذ بمجرد التهمة حتى يكون معها قرينة تشعر بصدقها. ٩ - أن الله يُقيد من القاتل بفضحه. ١٠ - أن النبي ﷺ كان يقضي في الخصومات بين الناس. ١١ - صراحة النبي ﷺ وقوته في الحق. ١٢ - أن المدينة ليست كمكة في منع الكفار من دخولها. ١٣ - محبة اليهود للمال؛ لأن اليهودي قتلها من أجل الحليِّ الذي في يدها. ١٤ - أنه لا ينبغي إلباس البنات الصغار الحلي، ثم يخرجن إلى الخارج، فإنه يطمع فيهن اللصوص. * * * * * (١٣٢٥) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ ﵁ أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (١). * * * هذا الحديث أصل في عدم وجوب القصاص من الغلام إذا جنى؛ لأن شرط وجوب الواجبات البلوغ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنه لا أثر للغنى والفقر في القصاص وعدمه، وإنما أثرهما في الحقوق المالية.

стр. 1033

٢ - أنه إذا تعذر القصاص لعدم أهلية الجاني وجبت الدية على العاقلة. ٣ - أن العاقلة تحمل عمد الصبيِّ. ٤ - أن العاقلة إذا كانوا فقراء سقطت الدية عنهم، ولهذا ذكرت حال أهل الغلام في الفقر. ٥ - أن وصف أهل الغلام المجني عليه بصفة الغنى لا مفهوم له، بل يستحق المجنيُّ عليه أو أهله الدية ولو كانوا أغنياء، وقوله: «فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ شَيْئًا» أي: لفقر أولياء الجاني، وليس لغنى أهل المجني عليه. وهل تجب الدية على بيت المال في مثل هذه الحال؟ فيه خلاف. وقد روي أن النبي ﷺ وداه من عنده. وهذا أشبه بسيرته ﷺ ، كما جاء في قصة عبد الله بن سهل ﵁ الذي قُتل في خيبر، لما لم يثبت قتله من قبل اليهود (١). * * * * * (١٣٢٦) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ؛ ﵄؛ أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَقَالَ: «حَتَّى تَبْرَأَ»، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَرَجْتُ، فَقَالَ: «قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، فَأَبْعَدَكَ اللهُ، وَبَطَلَ عَرَجُكَ». ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَأُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ (٢). * * * هذا الحديث أصل في أنه لا يقتص في الجراحات إلا بعد البُرء. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية القصاص في الجروح. ٢ - أنه لا قصاص في الجروح إلا بعد البرء.

стр. 1034

٣ - أن أمر القود إلى الإمام. ٤ - رفع قضية الخصومة إلى الإمام. ٥ - وجوب طاعة الرسول في أمره ونهيه، ﷺ . ٦ - مضرة معصية الرسول ﷺ شرعًا وقدرًا. ٧ - أن النبي ﷺ قد يغضب على من عصاه، ويدعو عليه. ٨ - أن من استعجل شيئًا قبل وقته عوقب بالحرمان. ٩ - أن أثر الجُرح بعد البرء مضمون على الجاني. ١٠ - أن سراية الجناية مضمونة، ويقابلها؛ أن ما يترتب على المأذون فليس بمضمون. ١١ - أن على القضاة أن يتأسوا بحكم النبي ﷺ في هذه المسألة وغيرها. * * * * * (١٣٢٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا: غُرَّةٌ؛ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ المَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. فَقَالَ حَمَلُ بْنُ النَّابِغَةِ الْهُذَلِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ يَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ، وَلَا أَكَلَ، وَلَا نَطَقَ، وَلَا اسْتَهَلَّ، فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ»، مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٣٢٨) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَأَلَ: «مَنْ شَهِدَ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْجَنِينِ؟» قَالَ: فَقَامَ حَمَلُ

стр. 1035

بْنُ النَّابِغَةِ، فَقَالَ: «كُنْتُ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى» … فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان وَالْحَاكِمُ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل في حمل العاقلة دية الخطأ وشبه العمد، وفي ضمان الجنين. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وقوع هذه القصة في عهد النبي ﷺ . ٢ - أن المرأتين من هذيل، وأنهما ضرتان، كما جاء في بعض الروايات. ٣ - شدة الغيرة بين الضرائر. ٤ - أن دية القتل الخطأ على العاقلة، وهم العصبة. ٥ - أن قتل شبه العمد حكمه حكم الخطأ. ٦ - أن من حكمة الشريعة التفريق بين المختلفات، ومنه التفريق بين الخطأ والعمد. ٧ - أن دية الجنين إذا سقط غُرةٌ؛ عبدٌ أو وليدة. وللسقط بسبب الجناية أحوال: أ. أن يسقط ميتًا أو حيًّا حياة غير مستقرة، ففيه الغُرة. ب. أن يسقط حيًّا حياة مستقرة، ثم يموت بسبب الجناية ففيه الدية. ج. أن يسقط ويعيش، ثم يموت بسبب غير الجناية فليس فيه شيء. وهذه الأقسام الثلاثة بعد نفخ الروح فيه. ٤ - أن يسقط قبل نفخ الروح فيه، فإن تبين فيه خلق إنسان ففيه الغُرة، وإذا لم يتبين فيه خلق إنسان فلا شيء فيه، فإن مات الجنين مع أمه ولم يسقط فلا شيء فيه؛ لأنه صار كعضو من أعضائها.

стр. 1036

٨ - أن دية المقتول خطأ لورثته؛ لقوله: «وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ». ٩ - ذم السجع الذي يراد به معارضة الحكم الشرعي. وما عداه فلا بأس به، دون تكلف. وقول حمل: «فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ»، أي: يكون هدرًا، فلا تكون له دية. ١٠ - أن السجع من عادة الكهان للتمويه وغرور الناس، وهو من زخرف القول. ١١ - الإنكار على من عارض الحق. * * * * * (١٣٢٩) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ النَّضْرِ -عَمَّتَهُ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا إِلَيْهَا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَعَرَضُوا الأَرْشَ فَأَبَوْا، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَبَوْا إِلَّا القِصَاصَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟ لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ». فَرَضِيَ القَوْمُ، فَعَفَوْا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). * * * هذا الحديث أصل في القصاص في السن، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ القِصَاصُ»، والكتاب في كلام رسول الله ﷺ هذا إما أن يريد به القرآن، إشارة إلى الآية، أو يريد به حكم الله، كما قال رسول الله ﷺ : «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (٢).

стр. 1037

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - القَود في السن. ٢ - أن حكم الله في جناية العمدِ العدوانِ القصاصُ. ٣ - فضيلة أنس بن النضر ﵁. ٤ - جواز الإقسام على الله المبني على حسن الظن بالله وصدق الرجاء. ٥ - أن من عباد الله من يبر الله بقسمه إذا أقسم عليه، وهو العبد الصالح. ٦ - أن إبرار الله لقَسَم من أقسم عليه هو حصول مطلوب المقسِم، بمشيئته سبحانه. ٧ - أن صورة القسم على الله بالحلف أن يكون الشيء في المستقبل، أو أن لا يكون، رجاءً وحسنَ ظنٍّ بالله، لا معارضة لشرعه. ٨ - جواز القسم بالله موصوفًا ببعض صفاته الفعلية؛ لقوله: «لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ». ٩ - في الحديث شاهد لقوله سبحانه في الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (١). ١٠ - أن الحق في اختيار القصاص أو العفو إلى المجني عليه إن كان جائز التصرف، أو لأوليائه إن كان غير جائز التصرف. ١١ - جواز الصلح عن القصاص. ١٢ - أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا ثبت في شرعنا، ولم يأت شرعنا بخلافه. ١٣ - أن الله يصرف قلوب العباد لما شاء. ١٤ - وصفه تعالى بإبرار من أقسم عليه. * * * * *

стр. 1038

(١٣٣٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّا أَوْ رِمِّيَّا بِحَجَرٍ، أَوْ سَوْطٍ، أَوْ عَصًا، فَعَقْلُهُ عَقْلُ الخَطَإِ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ (١). * * * هذا الحديث هو الأصل في أن حكم القتل شبه العمد حكمُ الخطأ؛ تجب فيه الدية، لا القوَد. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن القتل في عِمِّيَّا أو برمي حجر لا يُقصد به القتل غالبًا، أو بالسوط ونحوه، ولو كان الفعل عمدًا؛ فإن حكمه حكم الخطأ، ولذا سمي شبهَ العمد. والعِمِّيَّا: هي الحال التي يَعمَى فيها أمر المقتول، فلا يُعلم قاتله ولا صفة قتله، والرِّمِّيَّا: هي ترامي الخصوم بالحجارة مثلًا، فيقع بينهم قتيل، فلا يعلم قاتله، فيكون معنى الرِّمِّيَّا قريبًا من العِمِّيَّا. ٢ - أن القتل شبه العمد حكمه حكم الخطأ لا يوجب إلا الدية. ٣ - أن قتل العمد، أي العمد العدوان يوجب القَوَد، أي: القصاص. ٤ - أن إيواء من وجب عليه القصاص، وإجارته من أخذ الحق منه من كبائر الذنوب، ومن أسباب حلول لعنة الله عليه، ففي الحديث شاهد لقوله ﷺ : «لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا» (٢). ٥ - أن اللعن يكون من الله قولًا وفعلًا، فالقول كقوله لإبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّين (٧٨)﴾ [ص: ٧٨]، والفعل بالطرد من رحمته تعالى. * * * * *

стр. 1039

(١٣٣١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، وَقَتَلَهُ الْآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ، وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَجَّحَ المُرْسَلَ (١). * * * تضمَّن هذا الحديث الفرق بين القاتل المباشر والمعين، فالقاتل يُقتل، والمعين يعزر، وهذا الحديث معارض لحديث عمر الآتي، وفيه: «لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ» (٢)، ويمكن الجمع بينهما بأن الممسك في هذا الحديث لا يَعلم أن الآخر يريد قتله، أما إذا تواطأ معه فهو شريكه، فيقتلان معًا، لأن كلًّا منهما قصد القتل، وفعل ما يتحقق فيه مقصودهما. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب القصاص على من باشر القتل. ٢ - أن المعين على القتل لا يجب عليه قصاص، بل التعزير بالحبس أو بغيره. * * * * * (١٣٣٢) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهِدٍ. وَقَالَ: «أَنَا أَوْلَى مَنْ وَفَى بِذِمَّتِهِ». أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ هَكَذَا مُرْسَلًا. وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، بِذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وَإِسْنَادُ المَوْصُولِ وَاهٍ (٣). * * * هذا الحديث لا نشتغل بشرحه؛ لأن إسناده واه، كما قال المصنف، وكذلك متنه، فإنه معارَض بما في «الصَّحِيحَيْنِ»، وهو قوله ﷺ : «وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ

стр. 1040

بِكَافِرٍ» (١)، ولكن قتل المعاهد حرام، وهو من كبائر الذنوب، وفي الحديث الصحيح: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ» (٢)، والوفاء بالعهد للمعاهَد يكون بحمايته وتعزير المتعدي عليه، وفي الوعيد المذكور أبلغُ زاجر عن العدوان على المعاهد. ولا ريب أن النبي ﷺ أوفى الناس بعهده، ولا أحد أوفى من الله. * * * * * (١٣٣٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «قُتِلَ غُلَامٌ غِيلَةً، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٣). (١٣٣٤) وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : « … فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ؛ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَأْخُذُوا العَقْلَ، أَوْ يَقْتُلُوا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ (٤). (١٣٣٥) وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»؛ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ (٥). * * * أثر عمر ﵁ أصل في وجوب القصاص من المشتركين في قتل العمد العدوان، وأما حديث أبي شريح ﵁ الذي تضمن معناه حديثُ أبي هريرة ﵁ في «الصَّحِيحَيْنِ»، فهو أصل في أن وليَّ المقتول يخير بين القصاص وأخذ الدية.

стр. 1041

وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - فضيلة عمر ﵁؛ لفقهه وشدته في الحق. ٢ - أن المتواطئين على القتل يثبت القصاص في حق جميعهم، ومعنى قول عمر ﵁: «لَوْ اشْتَرَكَ فِيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ»، أي: لو اشتركوا في مباشرة القتل، وهذا على سبيل الفرض والتقدير، أو اشتركوا في القتل بالتواطؤ عليه، كما جاء في رواية الموطأ: «لَوْ تَمَالَأَ عَلِيْهِ … » (١)، ويشهد لهذا الحكم الشرعي حكمه تعالى الكوني الجزائي في المتواطئين على عقر الناقة، حيث قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤] مع قوله: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَر (٢٩)﴾ [القمر: ٢٩]، فالمباشر للعقر واحد، وهو أشقاها الذي انبعث لعقر الناقة، ومع ذلك أضاف الله العقر إليهم جميعًا، لتواطئهم على الفَعْلة ورضاهم بها، فقال: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ [الشمس: ١٤]، فأحل الله العذاب بهم جميعًا، قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ [الشمس: ١٤ - ١٥]. ٣ - أن قتل الغيلة يتحتم فيه القتل، فليس الحق لأولياء المقتول، وقتل الغيلة هو الذي يحصل بطريقة المكر والخديعة والغدر، والجناية فيه أعظم فسادًا، ولا يحسمها إلا تحتم قتل الجاني. وفي حديث أبي شريح وأبي هريرة ﵄: ١ - أن ولي المقتول يُخيَّر بين القصاص وأخذ العقل، أي: الدية، وعليه؛ فإن القتل العمد العدوان يبيح القصاص من القاتل ولا يوجبه. وقوله: «بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ» هو معنى: «بخَيْرِ النَّظَرَينِ» في حديث أبي هريرة ﵁ (٢)، أي: بخير النظرين في نظر ولي المقتول. وحقُّ ولي المقتول هو أحد الحقوق الثلاثة

стр. 1042

المتعلقة بالقاتل، والثاني: حق الله، ويسقط بالتوبة، أو يغفره الله لمن شاء، والثالث: حق المقتول، وهذا يحكم الله فيه يوم القيامة. ٢ - أن الأحكام الشرعية تتجدد وقت نزول الوحي؛ لقوله: «فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ مَقَالَتِي هَذِهِ». * * * * *

стр. 1043

بَابُ الدِّيَاتِ الديات: جمع دية، وأصلها مصدر وَدَى القتيلَ يَدِيه دِيةً، ثم أُطلقت على ما يدفع إلى أولياء المجني عليه، أو أولياء المقتول أصالة؛ كدية الخطأ، أو بدلًا عن القصاص في العمد، وهذا من تسمية المفعول به بالمصدر، وهو كثير في اللغة. والأصل فيها قوله تعالى في دية الخطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] الآية. وقوله ﷺ في قتل العمد: «ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُودَى وَإِمَّا أَنْ يُقَادُ» (١). والدية ثابتة بسنة النبي ﷺ القولية والفعلية، كما سيأتي. * * * * * (١٣٣٦) عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ-فَذَكَرَ الْحَدِيثَ- وَفِيهِ: «أَنَّ مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِ، وَإِنَّ فِي النَّفْسِ الدِّيَةَ؛ مائَةً مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي المَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي المُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَفِي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ». أَخْرَجَهُ

стр. 1044

أَبُو دَاوُدَ فِي «المَرَاسِيلِ»، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَحْمَدُ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ (١). (١٣٣٧) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دِيَةُ الخَطَأِ أَخْمَاسًا: عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ، بِلَفْظِ: «وَعِشْرُونَ بِنِي مَخَاضٍ» بَدَلَ «بَنِيَ لَبُونٍ». وَإِسْنَادُ الْأَوَّلِ أَقْوَى (٢). (١٣٣٨) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ المَرْفُوعِ (٣). (١٣٣٩) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ: مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵄ رَفَعَهُ: «الدِّيَةُ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» (٤). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في فرض دية الأطراف والجروح، وبيان جنس الدية ومقاديرها، وعليها المُعوَّل والعمل في الجملة عند أئمة المذاهب وعامة الفقهاء. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن من سنة النبي ﷺ الكتابة في تبليغ العلم، وكتابتُه ﷺ للملوك في تبليغ الدعوة مشهورة في كتب الحديث والسيرة.

стр. 1045

٢ - العمل بالكتابة؛ لقوله: «كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ». ٣ - أن في قتل العمد القوَد؛ لقوله: «مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فَإِنَّهُ قَوَدٌ»، ومعنى اعتبط: قتله بلا سبب يبيح قتله. وقوله: «فَإِنَّهُ قَوَدٌ» أي: فيه القصاص. ٤ - أنه إذا رضي بعض أولياء المقتول بما دون القتل سقط حق الباقين في القصاص، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ٥ - أن دية النفس مئة من الإبل. ٦ - أنه لو اشترك في القتل جماعة؛ فإن الدية تقسم عليهم. ٧ - أن الأصل في الديات الإبل، وما سواها فمعدول بها. ٨ - أن في الأنف إذا أُوعِب جَدْعًا الدية كاملة، ومعنى أوعب أي: قطع المنخران وما بينهما. ٩ - أن في قطع اللسان الدية. ١٠ - أن في الشفتين الدية. ١١ - أن في الذَّكَر الدية. ١٢ - أن في البيضتين الدية، أي: الخصيتين. ١٣ - أن في الصلب الدية، والمراد: الظهر. ١٤ - أن في العينين الدية. ١٥ - أن في الرِّجل الواحدة نصف الدية، وفي الرجلين الدية، لا فرق بين اليمنى واليسرى. ١٦ - أن دية الأعضاء جارية على قاعدة؛ وهي: أن ما كان في البدن منه شيء واحد ففيه الدية كاملة، كالأنف واللسان والذَّكَر، وما كان منه اثنان ففيه نصف الدية، كالعينين واليدين.

стр. 1046

١٧ - أن في المأمومة ثلث الدية، وهي الشَّجَّة في الرأس تصل إلى أم الدماغ. ١٨ - أن في الجائفة ثلث الدية، وهي التي تنفذ إلى الجوف. ١٩ - أن في المُنَقِّلة خمس عشرة من الإبل، والمُنَقِّلة هي الشجة في الرأس، وتؤدي إلى نقل العظام فتتطاير من موضعها. ٢٠ - أن في كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشرًا من الإبل. ٢١ - أن في السِّن خمسًا من الإبل. ٢٢ - أن في المُوضِحة خمسًا من الإبل، وهي: الشجة في الرأس توضح العظم، أي يبين العظم من أثرها. ٢٣ - أن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى هذا فلا مفهوم لقوله تعالى: ﴿وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. ٢٤ - أن الدية من الذهب وزن ألف دينار، والدينار وزنه مثقال، والمثقال وزنه أربعة جرامات ونصف، فألف دينار أربعة آلاف وخمسمئة جرام، وقيل: المثقال أربعة جرامات وربع. فالألف دينار على هذا أربعة آلاف ومئتان وخمسون جرامًا. وفي حديث ابن مسعود ﵁: ١ - أن دية الخطأ مئة من الإبل. ٢ - أنها أخماس: عشرون حِقَّة، وعشرون جَذَعة، وعشرون بناتِ مَخاض، وعشرون بناتِ لبون، وعشرون بني لبون. وفي حديث عمرو بن شعيب ﵄: ١ - أن الدية ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة. في بطونها أولادها. والأشبه أن هذا تغليظ وبيان لدية شبه العمد، كما يدل له حديث عبد

стр. 1047

الله بن عمرو ﵄ الآتي، ولفظه: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ -مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا- مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» (١). ٢ - أنه لا اعتبار في الديات للتفاضل في المنافع، فالصغير يقتل بالكبير، والعالم بالجاهل، وأصابع الرجلين كأصابع اليدين، والأسنان كلها سواء، الثنية والضرس. والحكمة في هذا -والله أعلم- أن تقدير الديات تعبديٌّ، ولم يُنظر فيها إلى تفاضل المتلَف من الإنسان؛ لأنها ليست قيمة، لذلك اختصت بالأحرار، وأما العبد فيضمن بقيمته، وقد تبلغ أضعاف دية الحر. * * * * * (١٣٤٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ ثَلَاثَةٌ: مَنْ قَتَلَ فِي حَرَمِ اللهِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ لِذَحْلِ الجَاهِلِيَّةِ»، أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ (٢). (١٣٤١) وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٣). * * * تضمن هذا الحديث ذم هؤلاء الثلاثة ووعيدهم، والجامع بينهم هو الظلم والعدوان، ومعنى عتا أي عصى وتمرد، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ [الطلاق: ٨]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - غلظ تحريم القتل في الحرم. ٢ - فضل الحرم وحرمته. ٣ - تحريم الأخذ بالثأر بقتل غير القاتل.

стр. 1048

٤ - أن قتل وليِّ المقتول غيرَ قاتله لا تُسقِط عنه الشبهةُ العقوبةَ، ولا تُخفِّفها، بل يلزمه القصاص. ٥ - أن من قتل بريئًا لشبهة ذَحْل الجاهلية، وهي الجناية والعداوة. طلبًا للمكافأة لا تسقط عنه العقوبة للشبهة، بل يجب عليه القصاص؛ لأن دماء الجاهلية موضوعة تحت قدمي النبي ﷺ . ٦ - أن كبائر الذنوب تتفاوت. ٧ - التحذير من هذه الفعلات العدوانية. ٨ - ورود أفعل التفضيل مرادًا به غير حقيقته، فقوله: «أَعْتَى» أي: من أعتى. * * * * * (١٣٤٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ -مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا- مِئَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * هذا الحديث أصل في دية الخطأ شبه العمد. وفيه فوائد؛ منها: ١ - أن الدية مئةٌ من الإبل. وتقدم أنها تكون أخماسًا (٢).

стр. 1049

٢ - التغليظ في دية الخطأ شبه العمد، بأن يكون من المئة «أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا». وقد تقدمت الإشارة إلى هذا. ٣ - أن من حكمة الشريعة التفريقَ في الأحكام بين المختلفات. ٤ - أن القتل يكون على ثلاثة أوجه: عمدًا، وخطأً، وخطأً شبهَ العمد. * * * * * (١٣٤٣) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ» -يَعْنِي: الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ-. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). (١٣٤٤) وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ: «دِيَةُ الْأَصَابِعِ سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ: الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ» (٢). (١٣٤٥) وَلِابْنِ حِبَّانَ: «دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ، عَشَرَةٌ مِنْ الْإِبِلِ لِكُلِّ إصْبَعٍ» (٣). (١٣٤٦) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ ﵄ رَفَعَهُ قَالَ: «مَنْ تَطَبَّبَ -وَلَمْ يَكُنْ بِالطِّبِّ مَعْرُوفًا- فَأَصَابَ نَفْسًا فَمَا دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا؛ إِلَّا أَنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ أَقْوَى مِمَّنْ وَصَلَهُ (٤). (١٣٤٧) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فِي المَوَاضِحِ خَمْسٌ، خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَزَادَ أَحْمَدُ: «وَالْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، كُلُّهُنَّ عَشْرٌ، عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ». وَصحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ (٥).

стр. 1050

تضمنت هذه الأحاديث مقدار دية الأصابع والأسنان والمُوضحات، وحكم من تطبب وليس أهلًا للطب. وفي الأحاديث فوائد، منها: ١ - أن دية الأصابع؛ كل أصبع عشرٌ من الإبل. ٢ - أن أصابع اليدين والرجلين في ذلك سواء. ٣ - أن الخنصر والإبهام سواء. ٤ - أن دية الأسنان؛ كلُّ سن خمس من الإبل. ٥ - أن الضرس والسن سواء. ٦ - أن دية الموضحة خمس من الإبل، والمراد بالموضحة الشَّجَّة التي أوضحت العظم، بأن كشطت ما عليه من الجلد واللحم. ٧ - أن من تطبب وهو يحسن الطب؛ فلا ضمان عليه، إلا أن يتعدى أو يفرط. ٨ - أن من تطبَّب وهو لا يحسن الطب؛ فإنه يضمن ما تلف بسببه من النفس وما دونها. ٩ - أن ما ترتب على المأذون من تلف فليس بمضمون. ١٠ - جواز مهنة الطب. ١١ - أنه لا ينظر في الديات إلى التفاضل في المنافع، فلذلك كانت الأصابع في الدية سواء، والأسنان سواء. ١٢ - حكمة الشريعة في التسوية بين الأصابع وفيما بين الأسنان؛ لأن اعتبار التفاضل في المنافع يؤدي إلى عدم انضباط مقدار الدية، وإلى جعلِ الحر كالعبد، الذي تضمن نفسه بقيمته، وما أتلف منه بما نقص من قيمته. * * * * *

стр. 1051

(١٣٤٨) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ (١). (١٣٤٩) وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: «دِيَةُ المُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ» (٢)، وَلِلنَّسَائِيِّ: «عَقْلُ المَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» (٣). وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١٣٥٠) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ، فَتَكُونُ دِمَاءٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ وَلَا حَمْلِ سِلَاحٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَضَعَّفَهُ (٤). (١٣٥١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (٥). * * * هذه الأحاديث اشتملت على جملة من أحكام الديات، وهي: ١ - أن دية الذمي والمعاهد إذا قُتِل خطأ على النصف من دية الحر المسلم. ٢ - أن دية المرأة في الجراحات والأطراف مثلُ دية الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها. ٣ - أن عقل الخطأ شبهِ العمد مغلَّظٌ، كعقل العمد إذا سقط القصاص. ٤ - أن مقدار الدية من الفضة اثنا عشر ألف درهم.

стр. 1052

وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - فضل المسلم على الكافر عند الله في حكم الله وجزائه. ٢ - أن دية الكافر المعاهد نصف دية المسلم في النفس والأطراف. ٣ - أن دماء أهل الذمة معصومة. ٤ - أن دية الخطأ شبه العمد مغلظة، كدية العمد. وقد تقدم (١) أنها: «مِئَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا». ٥ - أن شبه العمد لا يجب فيه القصاص. ٦ - أن الخطأ شبه العمد ما تعمد المكلَّف سببَه، ولم يقصده، ولم يكن بآلة القتل، كالسيف والمثقَّل، بل شبه العمد ما كان بالسوط والعصا، وكالذي يحصل في المضاربات بغير سلاح، كما في هذا الحديث، وإن كان ضعيفًا، وقد تقدم (٢) معناه في حديث: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ -مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا- … ». ٧ - أن دية المرأة في النفس نصف دية الرجل، وفي الأطراف كدية الرجل، حتى تبلغ الثلث من ديتها. ٨ - فضل الرجل على المرأة في بعض الأحكام. ٩ - أن مقدار الدية من الفضة اثنا عشر ألف درهم، وتقدم أن مقدارها من الذهب ألف دينار. وهل هذه المقادير أصول للدية أو هي تقويم للمئة من الإبل؟ تقدم أن المئة هي الأصل في الدية. والله أعلم. * * * * *

стр. 1053

(١٣٥٢) وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي ابْنِي، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟»، قُلْتُ: ابْنِي أَشْهَدُ بِهِ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ (١). * * * تضمن هذا الحديث معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - إبطال عادة الجاهلية، وهي أخذ البريء بالمجرم، للقرابة بينهما. ٢ - أن الابن لا يحمل جناية أبيه، ولا الأب يحمل جناية ابنه. فإن قيل: يرد على هذا وجوب حمل العصبة عقل الخطأ، ومنهم الأصول والفروع على الصحيح. فيجاب عن هذا بأحد أمرين: الأول: إما أن يكون هذا الحديث من العام الذي أريد به الخصوص، وهي الجناية التي توجب القصاص. الثاني: أن يكون من العام المخصوص بأدلة وجوب الدية على العاقلة. ٣ - أن الرجل إذا استلحق ولدًا لا نسب له ولا منازع له فيه، فإنه يلحقه، ولا يحلف، ولا تطلب منه بينة. ٤ - إطلاق الشهادة على الإقرار، فإن الشهادة على النفس للغير إقرار، وعلى الغير للغير شهادة، والشهادة للنفس على الغير دعوى. * * * * *

стр. 1054

بَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالقَسَامَةِ دعوى الدم: المراد بها القتل من ولي المقتول، ودعوى الدم؛ كدعوى المال فيما تثبت به، لقوله ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهمْ؛ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (١). فتثبت دعوى الدم بشاهدي عدل، كدعوى المال. والقَسَامة: هي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم، ليس فيها مع المدعي بينة، وتكون من الجانبين؛ المدعي والمدعى عليه، وهي خمسون يمينًا، لذلك سميت قسامة، من القَسَم؛ بمعنى الحلف. فإن حلف المدعون على معين؛ دفع إليهم، واستحقوا القصاص منه. * * * * * (١٣٥٣) عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁، عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأُتِيَ مَحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ : «كَبِّرْ كَبِّرْ» يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ»، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟» قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ،

стр. 1055

فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِئَةَ نَاقَةٍ. قَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٣٥٤) وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذان الحديثان هما الأصل في مشروعية القَسامة في الإسلام. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن القسامة كان معمولًا بها في الجاهلية. ٢ - أن الله أقرها في الإسلام على ما كانت عليه. ٣ - أن النبي ﷺ حكم بها في دعوى قتيل من الأنصار اتهم به اليهود، وهو عبد الله بن سهل. ٤ - أن شرط الحكم بالقسامة التهمة. ٥ - أن الأيمان تتوجه على المدَّعِي، ثم إن حلف، وإلا توجهت على المدَّعَى عليه. فإن كان المدَّعِي أو المدَّعَى عليه جماعة وزعت الأيمان عليهم. ٦ - أن من المستقر عند المسلمين عداوة اليهود للمسلمين. ٧ - أن اليهود وغيرهم من الكفار لهم جرأة على الأيمان؛ فلا يوثق بهم، ويشبههم في ذلك الرافضة. ٨ - جواز الكتابة في القضاء. ٩ - أن القسامة إذا تمت شروطها يجب فيها القصاص.
следующие страницы →