← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

(١٣٤٨) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ المُسْلِمِينَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ (١). (١٣٤٩) وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: «دِيَةُ المُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ» (٢)، وَلِلنَّسَائِيِّ: «عَقْلُ المَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهَا» (٣). وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. (١٣٥٠) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ، وَذَلِكَ أَنْ يَنْزُوَ الشَّيْطَانُ، فَتَكُونُ دِمَاءٌ بَيْنَ النَّاسِ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ وَلَا حَمْلِ سِلَاحٍ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَضَعَّفَهُ (٤). (١٣٥١) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ النَّسَائِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (٥). * * * هذه الأحاديث اشتملت على جملة من أحكام الديات، وهي: ١ - أن دية الذمي والمعاهد إذا قُتِل خطأ على النصف من دية الحر المسلم. ٢ - أن دية المرأة في الجراحات والأطراف مثلُ دية الرجل حتى تبلغ الثلث من ديتها. ٣ - أن عقل الخطأ شبهِ العمد مغلَّظٌ، كعقل العمد إذا سقط القصاص. ٤ - أن مقدار الدية من الفضة اثنا عشر ألف درهم.

стр. 1052

وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - فضل المسلم على الكافر عند الله في حكم الله وجزائه. ٢ - أن دية الكافر المعاهد نصف دية المسلم في النفس والأطراف. ٣ - أن دماء أهل الذمة معصومة. ٤ - أن دية الخطأ شبه العمد مغلظة، كدية العمد. وقد تقدم (١) أنها: «مِئَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا». ٥ - أن شبه العمد لا يجب فيه القصاص. ٦ - أن الخطأ شبه العمد ما تعمد المكلَّف سببَه، ولم يقصده، ولم يكن بآلة القتل، كالسيف والمثقَّل، بل شبه العمد ما كان بالسوط والعصا، وكالذي يحصل في المضاربات بغير سلاح، كما في هذا الحديث، وإن كان ضعيفًا، وقد تقدم (٢) معناه في حديث: «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ -مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا- … ». ٧ - أن دية المرأة في النفس نصف دية الرجل، وفي الأطراف كدية الرجل، حتى تبلغ الثلث من ديتها. ٨ - فضل الرجل على المرأة في بعض الأحكام. ٩ - أن مقدار الدية من الفضة اثنا عشر ألف درهم، وتقدم أن مقدارها من الذهب ألف دينار. وهل هذه المقادير أصول للدية أو هي تقويم للمئة من الإبل؟ تقدم أن المئة هي الأصل في الدية. والله أعلم. * * * * *

стр. 1053

(١٣٥٢) وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَمَعِي ابْنِي، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟»، قُلْتُ: ابْنِي أَشْهَدُ بِهِ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْجَارُودِ (١). * * * تضمن هذا الحديث معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - إبطال عادة الجاهلية، وهي أخذ البريء بالمجرم، للقرابة بينهما. ٢ - أن الابن لا يحمل جناية أبيه، ولا الأب يحمل جناية ابنه. فإن قيل: يرد على هذا وجوب حمل العصبة عقل الخطأ، ومنهم الأصول والفروع على الصحيح. فيجاب عن هذا بأحد أمرين: الأول: إما أن يكون هذا الحديث من العام الذي أريد به الخصوص، وهي الجناية التي توجب القصاص. الثاني: أن يكون من العام المخصوص بأدلة وجوب الدية على العاقلة. ٣ - أن الرجل إذا استلحق ولدًا لا نسب له ولا منازع له فيه، فإنه يلحقه، ولا يحلف، ولا تطلب منه بينة. ٤ - إطلاق الشهادة على الإقرار، فإن الشهادة على النفس للغير إقرار، وعلى الغير للغير شهادة، والشهادة للنفس على الغير دعوى. * * * * *

стр. 1054

بَابُ دَعْوَى الدَّمِ وَالقَسَامَةِ دعوى الدم: المراد بها القتل من ولي المقتول، ودعوى الدم؛ كدعوى المال فيما تثبت به، لقوله ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهمْ؛ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (١). فتثبت دعوى الدم بشاهدي عدل، كدعوى المال. والقَسَامة: هي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم، ليس فيها مع المدعي بينة، وتكون من الجانبين؛ المدعي والمدعى عليه، وهي خمسون يمينًا، لذلك سميت قسامة، من القَسَم؛ بمعنى الحلف. فإن حلف المدعون على معين؛ دفع إليهم، واستحقوا القصاص منه. * * * * * (١٣٥٣) عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ﵁، عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ ومُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ، فَأُتِيَ مَحَيِّصَةُ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ، وَطُرِحَ فِي عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ، فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللهِ قَتَلْتُمُوهُ. قَالُوا: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ : «كَبِّرْ كَبِّرْ» يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ»، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ: «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟» قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ؟» قَالُوا: لَيْسُوا مُسْلِمِينَ،

стр. 1055

فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِئَةَ نَاقَةٍ. قَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٣٥٤) وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ نَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي قَتِيلٍ ادَّعَوْهُ عَلَى الْيَهُودِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذان الحديثان هما الأصل في مشروعية القَسامة في الإسلام. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن القسامة كان معمولًا بها في الجاهلية. ٢ - أن الله أقرها في الإسلام على ما كانت عليه. ٣ - أن النبي ﷺ حكم بها في دعوى قتيل من الأنصار اتهم به اليهود، وهو عبد الله بن سهل. ٤ - أن شرط الحكم بالقسامة التهمة. ٥ - أن الأيمان تتوجه على المدَّعِي، ثم إن حلف، وإلا توجهت على المدَّعَى عليه. فإن كان المدَّعِي أو المدَّعَى عليه جماعة وزعت الأيمان عليهم. ٦ - أن من المستقر عند المسلمين عداوة اليهود للمسلمين. ٧ - أن اليهود وغيرهم من الكفار لهم جرأة على الأيمان؛ فلا يوثق بهم، ويشبههم في ذلك الرافضة. ٨ - جواز الكتابة في القضاء. ٩ - أن القسامة إذا تمت شروطها يجب فيها القصاص.

стр. 1056

١٠ - أن أحكام القضاء تجري على الكافر كالمسلم. ١١ - أن المسلم إذا قتل ولم يتعين قاتله فديته في بيت المال، ولا يذهب دمه هدرًا؛ لقوله: «فَوَدَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مِئَةَ نَاقَةٍ». ١٢ - أن الدية مئة من الإبل، وقد تضافرت في ذلك الأحاديث. ١٣ - تقديم الأكبر سنًّا في الكلام والإكرام. * * * * *

стр. 1057

بَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْيِ البغي: هو الظلم بقول أو فعل، والمراد به هنا: البغي بالخروج على الإمام بالقتال، وحمل السلاح على جماعة المسلمين، والمراد بهذه الترجمة (باب قتال أهل البغي) أي إباحة قتال أهل البغي ومشروعيته، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وهذا أحد أنواع القتال المشروع، وأولى منه وأهم؛ قتال الكافرين، وهو الجهاد في سبيل الله، ومنه؛ قتال المرتدين، ومن القتال المشروع؛ قتال الطائفة الممتنعة من المبتدعين؛ كالخوارج، أو الممتنعين عن بعض شرائع الإسلام كمانعي الزكاة. * * * * * (١٣٥٥) عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ، فَلَيْسَ مِنَّا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث تضمن وعيدًا شديدًا على من يحمل السلاح على أحد من المسلمين، فردًا أو جماعة، فضمير الجمع للمسلمين، المعنى: من حمل علينا نحن المسلمين، والوعيد في قوله: «فَلَيْسَ مِنَّا» معناه: براءة المسلمين منه، وهو يتضمن إبعاده وترك موالاته، وليس المراد خروجه عن جماعة المسلمين فيكون مرتدًا، وليس المراد بقوله: «لَيْسَ مِنَّا» ليس على طريقتنا، كما قيل، فإن هذا أمر معلوم، فليس فيه ما ينفر عن الفعل على هذا التأويل، والحديث عام لكل من حمل السلاح على المسلمين بقتل أو قتال أو تخويف.

стр. 1058

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - حرمة المسلم عند الله. ٢ - حرمة دماء المسلمين. ٣ - تحريم حمل السلاح على المسلم بقتل أو قتال أو إرهاب بغير حق. ٤ - تحريم الخروج على ولي الأمر؛ منازعة، أو لمطالب ودعاوى. وبهذا تظهر مناسبة الحديث للباب. ٥ - أن حمل السلاح على المسلمين على أي وجه من كبائر الذنوب؛ لقوله: «فَلَيْسَ مِنَّا». * * * * * (١٣٥٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الجَمَاعَةَ، وَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ مِيتَةٌ جَاهِلِيَّةٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث تضمن تهديدًا ووعيدًا شديدًا لمن خرج عن طاعة الإمام، وهو ولي الأمر المسلم، بأن خرج عن طاعته؛ باعتقاد أن لا سمع له ولا طاعة، أو برفض طاعته بالمعروف، وهذا يستلزم ترك الجماعة المجتمعة على الإمام، وأن من مات وهو على هذه الحال مات على حالة من أحوال أهل الجاهلية؛ فإن أهل الجاهلية قبل الإسلام أحوالُهم مذمومة؛ لأنها صادرة عن الجهل، ومن ذلك إيثارُهم التفرق على الاجتماع وإيثارُ اتباع كلٍّ لرأيه وقبيلته، فمن مات على هذه الحال مات على ضلال، وكان مذمومًا ومستوجبًا للعقاب على مخالفته لمقتضى الشرع، فعلم مما تقدم؛ أن عطف ترك الجماعة على الخروج عن الطاعة من عطف أحد المتلازمين على الآخر، كقوله تعالى:

стр. 1059

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى … ﴾ [النساء: ١١٥] الآية. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب طاعة ولي الأمر بالمعروف، ولزومُ بيعته. ٢ - وجوب المحافظة على جماعة المسلمين، وتحريمُ ما يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين. ٣ - تحريم مشابهة أهل الجاهلية. ٤ - ذمُّ أمرِ الجاهلية وكلِّ ما يضاف إليها؛ كظنِّ الجاهلية وحكم الجاهلية. ٥ - التحذير من أسباب سوء الخاتمة. ٦ - أن الخروج على ولي الأمر من الكبائر، وهذا مقيَّد بقوله ﷺ : «عَلَى المَرْءِ المُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» (١). * * * * * (١٣٥٧) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * عمار هو ابن ياسر، وهو من الصحابة السابقين إلى الإسلام، أسلم هو وأبوه ياسرٌ وأمه سُمَيَّةُ بمكة، وابتلوا على أيدي المشركين، وهم الذين قال لهم الرسول ﷺ : «صَبْرًا يَا آلَ يَاسِر؛ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الَجنَّة» (٣)، وعمار هو الذي

стр. 1060

نزل فيه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وهذا الحديث خبرٌ من النبي ﷺ ؛ أن عمارًا يُقتل لا في جهاد الكفار، بل في قتال بين المسلمين، فقد وقع كما أخبر ﷺ ، حيث قُتل عمار في صفين، في الموقعة العظيمة بين أهل الشام وأهل العراق، بين علي ومعاوية ﵄. وكان عمارٌ مع عليٍّ ﵄، فقتله بعض جيش معاوية، لذلك استدل بالحديث على أن أهل الشام بغاة، وقد أجاب بعض أهل الشام عن هذا الحديث بأن عمارًا قتله من أخرجه، وقد رُدَّ هذا التأويل؛ بأنه يلزم منه أن حمزة ﵁، قتله من أخرجه، وهو الرسول ﷺ . وقال بعضهم: إن هذا الوصف لا ينسحب على معاوية ﵁، وأصحابه، وإنما يصدُق على من باشر قتل عمار. والله أعلم. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - فضيلة عمار ﵁، لأن الخبر بأنه تقتله الفئة الباغية؛ يدل على أنه مع الفئة العادلة، ويؤكد ذلك ما جاء في حديث أبي سعيد ﵁ عند البخاري: «يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» (١). ٢ - أن قتل عمار على يد أهل الشام علم من أعلام النبوة، حيث وقع الأمر كما أخبر النبي ﷺ . ٣ - أن عليًّا ﵁ ومن معه أولى بالحق من معاوية ومن معه، وإن كان الجميع مجتهدين. * * * * * (١٣٥٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ تَدْرِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، كَيْفَ حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟» قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.

стр. 1061

قَالَ: «لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهَا، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهَا، وَلَا يُطْلَبُ هَارِبُهَا، وَلَا يُقْسَمُ فَيْؤُهَا» رَوَاهُ الْبَزَّارُ و الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ فَوَهِمَ؛ فَإِنَّ فِي إِسْنَادِهِ كَوْثَرَ بْنَ حَكِيمٍ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ (١). (١٣٥٩) وَصَحَّ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ طُرُقٍ نَحْوُهُ مَوْقُوفًا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْحَاكِمُ (٢). * * * تضمن هذا الحديث ما يعامل به البغاة إذا ظُهر عليهم، والحديث وإن لم يصح سندًا، فمعناه صحيح، وعليه عمل المسلمين، فمعناه أن البغاة لا يعامَلون معاملة الكفار، بل يقاتَلون قتال دفع، فإذا كفوا وجب الكفُّ عنهم، والمدبر كافٌّ، والجريح قد صار عاجزًا، والأسير في قبضة المسلمين، وأموالهم أموال مسلمين، وحرمتها باقية، فلا تغنم ولا تقسم كأموال الكفار. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن البغاة يقاتَلون لدفع بغيهم. ٢ - أنهم لا يعامَلون معاملة الكفار. ٣ - أنهم لا يجهز على جريحهم. ٤ - أنهم لا يقتل أسيرهم. ٥ - أنهم لا يطلب هاربهم. ٦ - أنهم لا يقسم فيئهم، لأن مُلكهم باقٍ عليه، فيجب ردُّ المال إلى صاحبه إن عُلم، وإلا فلبيت المال، وأصل هذا كله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى

стр. 1062

تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون (١٠)﴾ [الحجرات: ٩، ١٠]. * * * * * (١٣٦٠) وَعَنْ عَرْفَجَةَ بْنِ شُرَيْحٍ ﵁، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمَرُكُمْ جَمِيعٌ، يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث أصلٌ في وجوب المحافظة على اجتماع الكلمة ووحدة الجماعة وتحريم ما يضاد ذلك، وهو راجع إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - منزلة اجتماع الكلمة في الإسلام. ٢ - ذمُّ التفرق. ٣ - تحريم السعي في الفرقة بين الجماعة المسلمة. ٤ - إباحة دم من سعى في ذلك. ٥ - في الحديث شاهد لقاعدة ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، وقاعدة سد الذرائع. * * * * *

стр. 1063

بَابُ قِتَالِ الجَانِي وَقَتْلِ المُرْتَدِّ الجاني: هو المعتدي على غيره بغير حق، طلبًا لأخذ ماله أو سفك دمه، وقد يعبر عنه ب (الصائل)، فهذا يُقاتَل ويُدفع بما يكف شره، والمرتد: هو من كفر بعد إسلامه، وسماه الله مرتدًا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِه﴾ [المائدة: ٥٤]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾ [محمد: ٢٥]، أي: رجعوا عن الدين الحق إلى الكفر. وكفرُ المرتد أغلظ من كفر الكافر الأصلي؛ لأنه أبصر ثم عمي، وآثر الضلال على الهدى، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُون (٣)﴾ [المنافقون: ٣]، وضرب الله لهم مثلًا بمن استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون. ومناسبة الجمع بين الجاني والمرتد في الترجمة؛ أن الجاني هو المعتدي على حق المخلوق، فيقاتَل لأجل ذلك، والمرتد هو الجاني على نفسه في حق الله، فيقتل لذلك. وفُرِّق بينهما بأن الجاني يقاتَل، ولا يلزم من ذلك قتله، إِلَّا أَلَّا يندفع صياله إلا بالقتل، وأما المرتد فحكمه القتل؛ لقوله ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (١)، لكن بعد استتابته. والمرتدون أنواع؛ منهم من يستتاب، ومنهم من لا يستتاب، ومنهم من اختلف في استتابته. * * * * *

стр. 1064

(١٣٦١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١). * * * هذا الحديث وما في معناه أصل في قتال الصائل؛ لأنه تضمن بشارة من قُتل وهو يدافع عن ماله بأنه شهيد، أي: يكون من الشهداء المذكورين بعد الصديقين في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، وشهيد بمعنى شاهد، ومعنى ذلك -والله أعلم- أنهم يشهدون وتقبل شهادتهم لمن شهدوا له أو عليه، لفضلهم عند ربهم. والله أعلم بمراده. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - إباحة قتال الصائل لأخذ المال، أي: فلا يحرم عليه. ٢ - أنه لا إثم على من قُتل في الدفع عن ماله، أي: فلا يقال: إنه تسبب في قتل نفسه. ٣ - أن من قتل دون ماله فهو من الشهداء. ٤ - أن من قتل دون دينه وأهله ونفسه فهو شهيد، وقد جاء ذلك كله في حديث سعيد بن زيد ﵁ في السنن (٢)، وهؤلاء في الفضل والعذر وإباحة الدفع أولى ممن قتل دون ماله. وهم على مراتب، وأفضلهم من يقتل في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر. * * * * *

стр. 1065

(١٣٦٢) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: قَاتَلَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ رَجُلًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَنَزَعَ ثَنِيَّتَهُ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَيَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ؟ لَا دِيَةَ لَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). (١٣٦٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: «فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قِصَاصَ» (٣). * * * هذان الحديثان أصل في دفع الصائل، وأن ما ترتب عليه من تلف فلا ضمان فيه. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن العدوان على الغير بالعض من طباع الحيوان، لا من شأن الإنسان. ٢ - تقبيح عض الإنسان غيره بتشبيهه بالحيوان. ٣ - أن المعضوض له أن يتخلص من العض، ولو أضرَّ ذلك بالعاض. ٤ - أنه لا ضمان على المعضوض فيما أتلف لتخليص نفسه. ٥ - أنه لا دية لأسنان العاض إذا انتزعها المعضوض في تخليص نفسه. ٦ - في الحديث شاهد لحديث: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» (٤).

стр. 1066

وفي حديث أبي هريرة ﵁: ١ - أن ما يستره بيت الإنسان حرمةٌ له، لا يحل الاطلاع عليه إلا بإذنه. ٢ - تحريم الاطلاع على عورة المسلم وحرمته. ٣ - أنه يجوز لمن اطُّلع عليه بغير إذنه أن يدفع المطَّلع، ولو أن يحذفه بحجر. ٤ - أنه لو فقأ عينه؛ فلا إثم عليه ولا ضمان. ٥ - أن من الصِّيال الاعتداء بالبصر. ٦ - أنه كما يحرم الاطلاع على عورة المسلم بالنظر؛ فإنه يحرم الاطلاع على سره بالاستماع، وفي الحديث: «مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ، وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ؛ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١)، وهو الرَّصاص المذاب. ٧ - أنه لا يجب إنذار المطَّلع قبل حذفه. ٨ - حماية الشريعة لحرمات الناس وحقوقهم. * * * * * (١٣٦٤) وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ حِفْظَ المَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا، وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ المَاشِيَةِ مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَفِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافٌ (٢). * * *

стр. 1067

هذا الحديث أصل في حكم ما تتلفه الماشية من ثمار الناس وزروعهم، وما يجب على أهل الحوائط والمواشي من حفظها، ومناسبة هذا الحديث للباب؛ أن إرسال الماشية بالليل جناية من أهلها على أصحاب الحوائط. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار. ٢ - أن على أهل المواشي حفظها بالليل. وسرُّ الفرق أن الماشية تُرسل بالنهار لترعى، ومن الحرج على أهل الحوائط حراستها بالليل. ٣ - أن ما أتلفته الماشية بالليل فعلى صاحبها الضمان، ويقال له: النَّفْش، كما قال تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. ثم اختلف العلماء فيما أتلفته الماشية بالليل، فقيل بقيمته، وقيل بالمثل. ٤ - بناء الأحكام الشرعية على العلل والمناسبات. ٥ - اعتبار العرف في الأحكام. * * * * * (١٣٦٥) وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁؛ فِي رَجُلٍ أَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ: «لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِهِ»، فَأُمِرَ بِهِ، فَقُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: وَكَانَ قَدْ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ (٢). (١٣٦٦) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣). (١٣٦٧) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا، فَلَا تَنْتَهِي، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَخْذَ الْمِغْوَلَ، فَجَعَلَهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ

стр. 1068

عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ (١). * * * هذه الأحاديث تضمنت حكم المرتد عن الإسلام، وهو معنى تبديل الدين، فالدين هو دين الإسلام، وتبديله بالانتقال عنه إلى دين آخر من أديان الكفر، أو بالكفر به دون انتقال إلى غيره، وقد يعد هذا تبديلًا؛ لأنه انتقال عن الدين الحق إلى الكفر، وهو الدين الباطل، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنه يجب على الإمام بعث الدعاة لتبليغ الدين. ٢ - وجوب التعاون بين الدعاة والولاة على إقامة شرع الله. ٣ - تنبيه الإمام لمن يبعثه من الدعاة إلى مقومات الدعوة؛ لقوله ﷺ لمعاذ وأبي موسى ﵄ في أصل الحديث: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» (٢). ٤ - أن حكم المرتد القتل وجوبًا. ٥ - أن المرتد يستتاب، أي: يؤمر بالتوبة، فإن تاب وإلا قتل. ثم قيل: يستتاب ويمهل ثلاثة أيام، واختلف في استتابة بعض المرتدين، كالساحر، ومن تكررت ردته، وشاتم الرسول ﷺ . ٦ - الفرق بين المرتد والكافر الأصلي من حيث الإقرار على دينه، فالمرتد لا يقر على دينه بخلاف الكافر الأصلي.

стр. 1069

٧ - الاحتجاج للحكم بالنص الذي يقطع النزاع. ٨ - أن شاتم الرسول لا يستتاب. ٩ - أن للسيد أن يقيم الحد على رقيقه، ويشهد له قوله ﷺ : «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا؛ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ» (١). ١٠ - أن من المعلوم عند الصحابة؛ أن من سب النبي ﷺ أنه مباح الدم. ١١ - الإشهاد على الأحكام؛ لقوله ﷺ : «أَلَا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». ١٢ - فضل معاذ وسائر الصحابة ﵃ في الغضب لله ولرسوله ﷺ ، والصرامة في تنفيذ أحكام الشرع. * * * * *

стр. 1070

كِتَابُ الحُدُودِ

стр. 1071

الحدود: جمع حدٍّ، والحد في اللغة: المنع، وهو مصدر، ويطلق بمعنى اسم المفعول، ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهي المحرمات، وسميت حدودًا لأنها ممنوعات، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهي حدود المباحات والمشروعات، فلا يجوز تعدي المباح إلى الحرام، ولا المشروع إلى البدعة، وتطلق الحدود على العقوبات المقدرة، كحد الزنا والسرقة والشرب، وهي المرادة هنا، وهذا هو المشهور عند الفقهاء، ومنه قوله ﷺ : «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» (١)، وقوله: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا؛ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا» (٢). وبدأ المصنف بحد الزنا؛ لأن حد الزاني المحصَن أغلظ الحدود، ولأن الزنا فاحشة ودواعيها بالطبع قوية، وفي المجتمعات كثيرة، فلذلك نهى الله عن قربانها، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]. * * * * *

стр. 1072

بَابُ حَدِّ الزَّانِي (١٣٦٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵄؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْشُدُكَ بِاللهِ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، فَقَالَ الْآخَرُ -وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ- نَعَمْ. فَاقَضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ: «قُلْ». قَالَ: إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلَتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي؛ أَنَّمَا عَلَى ابْنِيْ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَام، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). (١٣٦٩) وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ؛ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ؛ جَلْدُ مِائَةٍ، وَالرَّجْمُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (١٣٧٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ المُسْلِمِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ -وَهُوَ فِي المَسْجِدِ- فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَّى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟»، قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣).

стр. 1073

(١٣٧١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ؟» قَالَ: لَا يَا رَسُولَ الله. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). * * * هذه الأحاديث هي الأصل من السنة في حدِّ الزاني المحصَن وهو الرَّجم، والزاني البكر وهو جلد مئة وتغريب عام، رجلًا كان أو امرأة. وأصله من القرآن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]. وفي الأحاديث فوائد كثيرة؛ منها: ١ - تحريم الزنا، وقد دلَّ عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة. فتحريمه معلوم من دين الإسلام بالضرورة، فمستحلُّه كافر بالإجماع. ٢ - أن حدَّ الزاني البكر جلدُ مئة وتغريب عام، وحدُّ الثيب الرجم بالحجارة حتى يموت. وأجمع العلماء على أن الزاني البكر يجلد مئة، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسنة، وأجمعوا على أن الزاني المحصَن يرجم، واختلفوا في هذا المقام في مسألتين: الأولى: في التغريب، وفي الجمع بين الرجم والجلد؛ فذهب الجمهور إلى أن الزاني البكر، رجلًا كان أو امرأة يغرَّب سنة، كما في هذه الأحاديث، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى عدم التغريب، بناء على أصلهم أن الزيادة على النصِّ نسخٌ، وأن القرآن لا يُنسخ بالسنة، وإنما دلَّ القرآن على الجلد فقط، والصواب ما ذهب إليه جمهور العلماء من الجمع في حدِّ الزاني البكر بين الجلد والتغريب، فالجلد في الكتاب والسنة، والتغريب في السنة، ومنعوا حجة أبي حنيفة، فليست الزيادة على النص نسخًا.

стр. 1074

المسألة الثانية: الجمع في حدِّ الزاني المحصن بين الجلد والرجم، فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى عدم الجمع بين الجلد والرجم، والاقتصار على الرجم، وأن ما ورد في حديث عبادة منسوخٌ. واستدلوا بحديث ماعز والغامدية واليهوديين، وليس فيها إلا الرجم، وبحديث عمر ﵁ الآتي؛ أن حدَّ الزاني الرجم. ولعله قد صار إجماعًا. وذهب بعض الصحابة إلى الأخذ بحديث عبادة في الجمع بين الجلد والرجم. ٣ - قبح الفتوى بالجهل، وضلال من يستفتي الجهال. ٤ - الاستئذان من الكبير في الكلام. ٥ - أن الهدى في سؤال أهل العلم. ٦ - أن الحدود لا يعاوض عنها بالمال. ٧ - أن من عاوض عن حدٍّ وجب عليه، فالمال ردٌّ عليه، والحدُّ لازم له. ٨ - التوكيل في إثبات الحد وإقامته. ٩ - أن الهُدَى كل الهُدَى في حكم الله ورسوله ﷺ . ١٠ - أن من قبض مالًا بغير حقٍّ وجب عليه رده على صاحبه، إلا أن يكون قبض عوضًا عنه مالًا أو منفعة. ١١ - أن من الفقه إنزال كل أحد منزلته، ومن أعظم ذلك معرفة منزلة النبي ﷺ . ١٢ - جواز الحلف على ما يعلم العبد أنه محقِّق له وقادر عليه. ١٣ - أن كتاب الله يراد به حكمُه، كما يراد به القرآن، واللفظ في الحديث محتمل. ١٤ - أن نفس العبد ملك لله. ١٥ - أن مما يكثر في قسم النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ».

стр. 1075

١٦ - أن حد الزاني البكر جلد مئة وتغريب عام. ١٧ - خطر استخدام الرجال في البيوت. ١٨ - أن حدَّ الزاني المحصن الرجم. ١٩ - ثبوت حد الزنا بالاعتراف، مرةً أو أربع مرات، على الخلاف. يدل للقول الأول الحديث الأول في قوله ﷺ : «فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، ويدل للثاني الحديثُ الثالث، وهو حديث ماعز ﵁، وفيه؛ أنه اعترف أربع مرات. والأصل ثبوته بأربعة شهداء، كما جاء في القرآن في مواضع، والأصل في الإقرار أنه مرة. ٢٠ - تفسير السبيل في آية النساء: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلا (١٥)﴾ [النساء: ١٥]. ٢١ - أن (جَعَل) في القرآن تأتي بمعنى شَرع. ٢٢ - أن العقوبة بحبس الزانية منسوخ، أو انتهى أمده. ٢٣ - أن حكم الرجل والمرأة في حد الزنا سواء، بكرًا أو ثيبًا، وليس من شرط ذلك تساوي الزانيين في البكارة والثيوبة، فلا مفهوم لقوله: «بِالْبِكْرِ» وقوله: «بِالثَّيِّبِ»، لأن المقصود بذلك التسوية بين الرجل والمرأة في الحد. ٢٤ - الجمع في المحصَن بين الرجم والجلد، كما يفيده حديث عبادة، وتقدم القول فيه. ٢٥ - أنه يجب على الأمَّة أخذ بيان الرسول وحكمه ﷺ بالإيمان به والعمل به، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]. ٢٦ - حرص النبي ﷺ على البلاغ؛ لقوله: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي». ٢٧ - فضيلة ماعز ﵁ لاستعظامه الذنب، وحرصه على التطهير، وإلحاحه على النبي ﷺ في ذلك.

стр. 1076

٢٨ - أن الإنسان مؤتمن على نفسه فيما يخبر به، مما له تعلق بدينه. ٢٩ - أن إقرار زائل العقل لا يعتبر. ٣٠ - أن الزنا الموجب للحد هو زنا الفرج، لا زنا العين والأذن واليد، كما في حديث: «فزِنَا الْعيْنَيْنِ النّظَرُ، وزِنَا اللِّسَانِ النُّطْقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» (١). ٣١ - أن على الإمام التثبت عند التردد في صحة إقرار المقر. * * * * * (١٣٧٢) وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁؛ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ، وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ فِي كِتَابِ اللهِ؛ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوْ الاعْتِرَافُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذا أثر عظيم عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، الذي أعز الله في خلافته الإسلام وأهله، وأذل به الكفر وأهله، تضمن هذا الأثر التنويه بحد الرجم، وأنه شريعة دل عليها القرآن وسنة الرسول ﷺ ، كما تضمن الدلالة على الرجم بالإجماع، فقد خطب عمر بذلك على منبر رسول الله ﷺ بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه ذلك أحد، كما تضمنت خطبته ﵁ ذكر ما يَثبت به الزنا.

стр. 1077

وفي هذه الخطبة فوائد؛ منها: ١ - أن السنة في الذي يتولى الخطبة هو الإمام. ٢ - فضيلة عمر ﵁، لما تضمنته الخطبة من التأصيل والتعظيم لأحكام الله وتبليغ العلم. ٣ - التمهيد في الخطبة للمقصود منها. ٤ - التنويه بأصلَيْ الشريعة: الكتاب والسنة. ٥ - مبالغة عمر في الإخبار عن نزول آية الرجم في جملة ما نزل من القرآن؛ لقوله: «قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا». ٦ - أن حدَّ الزاني المحصن الرجم. ٧ - أن الإحصان شرط في حد الرجم. ٨ - أنه قد نزل فيه قرآن كان يتلى، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، ولفظه كما جاء في بعض الروايات: «الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (١). وفُسِّر الشيخ بالمحصن. ٩ - أن الرجم الذي كان في عهد النبي ﷺ كان حكمًا بالقرآن. ١٠ - أن حد الرجم لم ينسخ، فقد درج الصحابة ﵃ على رجم الزاني المحصن بعد موت النبي ﷺ ؛ لقوله: «وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ». ١١ - غلظ تحريم الزنا بعد التمتع بالنكاح المباح. ١٢ - وجوب الإيمان بحد الرجم. ١٣ - التحذير من إنكار حد الرجم.

стр. 1078

١٤ - وجوب الإيمان بحكمة الله في شرعه، فلا تجوز معارضته برأي ولا قياس. ١٥ - أن إقامة الحدود فريضة من فرائض الإسلام. ١٦ - أن ترك إقامة الحدود ضلال عن صراط الله. ١٧ - أن الزنا يثبت بأحد ثلاثة أمور: أ. بالبينة، وهي أربعة شهداء، كما دل على ذلك الآيات. ب. الاعتراف، كما دل على ذلك حديث العسيف وحديث ماعز، كما تقدم، ولا خلاف في ثبوت الزنا بهذين الأمرين. ج. الحَبَل، وهذا يختص بالمرأة، فإذا حبلت من لا زوج لها ولا سيد ثبت بذلك زناها، ما لم تدع شبهة أو إكراهًا. وقد اختلف العلماء في زنا المرأة بالحَبَل، فذهب الجمهور إلى ما دل عليه قول عمر ﵁، وهو الصواب بالشرط المتقدم. وهو دليل في غاية القوة؛ لأنه قول المحدَّث الملهم ﵁، خطب به بمشهد من الصحابة. ١٨ - توقع أمير المؤمنين ﵁ حصول ذلك، وقد وقع ذلك، فقد أنكرت الخوارج حد الرجم، وقالوا: لا نجده في كتاب الله. * * * * * (١٣٧٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ، وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (١).

стр. 1079

(١٣٧٤) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مَوْقُوفٌ (١). * * * حديث أبي هريرة وأثر علي ﵄ هما الأصل من السنة في وجوب الحدود على الرقيق. وفيهما فوائد؛ منها: ١ - وجوب إقامة حد الزنا على الأمة بكرًا كانت أو ثيبًا، وهو خمسون جلدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والمراد بالعذاب الجلد. ٢ - أن شرط إقامة الحد على الأمة أن يتبين زناها للسيد بأيِّ طريق؛ بحبَل أو اعتراف أو برؤية السيد لها. ٣ - أنها لا تحد بعد زناها الثالثة، بل يندب بيعها. ٤ - أنه لا يجوز التثريب عليها بعد إقامة الحد، ولا تعييرها ولا توبيخها، وذهب جمهور العلماء إلى أن حكم العبد حكم الأمة في تنصيف الجلد، وخالف في ذلك الظاهرية فمنعوا القياس (٢). ٥ - أن الذي يقيم حد الزنا على الأمة سيدها. ٦ - وجوب بيع الأمة بعد زناها المرة الثالثة، والجمهور على أن الأمر للاستحباب، ومحل ذلك إذا رجي صلاح حالها بعد بيعها، فإن الحكمة من بيعها استصلاحها. ٧ - بيان عيبها عند بيعها؛ لقوله: «وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ»؛ لأنها مع بيان العيب مظنة عدم الرغبة فيها إلا بأدنى الأثمان. ٨ - أن الأمة إذا زنت لا تغرب، وكذلك العبد، على الصحيح. ٩ - اعتبار التكرار في بعض الأحوال والأحكام.

стр. 1080

١٠ - جواز عطف الأمر المقتضي للندب على الأمر المقتضي للوجوب؛ لأن الأمر بالجلد واجب، والأمر بالبيع مندوب. ١١ - وجوب إقامة الحدود على المماليك، كحد الزنا وحد السرقة. ١٢ - أن للرقيق أحكامًا تخالف أحكام الأحرار في كثير من أبواب الأحكام في الواجبات والحقوق والعقوبات. في العبادات والمعاملات والجنايات. ١٣ - جواز إضافة الملك إلى الإنسان، وليس كملك الله. * * * * * (١٣٧٥) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصِينٍ ﵁؛ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللهِ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ ﷺ وَلِيَّهَا. فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَائْتِنِي بِهَا» فَفَعَلَ. فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدَتْ أَفَضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلهِ؟». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث تضمن قصة المرأة الغامدية أو الجهنية التي حبلت من الزنا واعترفت، وطلبت من النبي ﷺ إقامة الحد عليها، فأمر بها النبي ﷺ فرُجمت، والحديث من أدلة حد الزاني المُحصَن، وهو الرجم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - ثبوت الزنا بالاعتراف، ولا سيما مع الحبَل. وهذا هو السبب في أن النبي ﷺ لم يتوقف في أمرها، فلم يتثبت في أمرها كما تثبت في أمر ماعز ﵁. ٢ - جواز إقرار الإنسان على نفسه بالذنب لإقامة الحد عليه.

стр. 1081

٣ - أن الحامل لا ترجم حتى تضع، ولا المرضع حتى تفطم وليدها. ٤ - الأمر بالإحسان للمرأة الزانية إذا تابت، وظهر صدق توبتها. ٥ - فضل هذه المرأة، وذلك من وجوه: ١ - شدة خوفها من الله. ٢ - صدقها في التوبة. ٣ - عظم توبتها. ٤ - بذلها نفسها لله. ٥ - ثناء النبي ﷺ عليها. ٦ - بشارة النبي ﷺ بقبول توبتها. ٦ - أن التوبة تتفاوت في القلوب. ٧ - الإشارة إلى كمال الإخلاص في التوبة. ٨ - أن للذنب حرقة في نفس المؤمن. ٩ - أن الإقرار بالذنب وطلب التطهير يتضمن التوبة. ١٠ - صفة إقامة حد الرجم على المرأة، وهي أن تقعد، وتشد عليها ثيابها. ١١ - الصلاة على من أقيم عليه الحد، فمعصيته لا تمنع من الصلاة عليه. ١٢ - أن إقامة الحد -وإن كان كفارة- لا يسقط الصلاة عليه. ١٣ - فضل عمر ﵁ لغيرته لله. ١٤ - أنه ليس بمعصوم، وإن كان مُحَدَّثًا، واعتراضه على الصلاة عليها من جنس اعتراضه على صلاة النبي ﷺ على ابن أبيٍّ، وقد وافقه هناك القرآن. ١٥ - التصريح بذكر ما يستحيى من ذكره عند الحاجة. ١٦ - قصور المرأة وحاجتها إلى ولي.

стр. 1082

١٧ - أنه لا يحفر للمرجوم إذا كان أصلح. ١٨ - سد الذريعة المفضية إلى المفسدة؛ لقوله: «فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا». ١٩ - التوكيل في إنفاذ الحد؛ لقوله: «ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ». ٢٠ - أن ارتكاب الكبيرة لا يوجب الكفر، ففيه: ٢١ - الرد على الخوارج. * * * * * (١٣٧٦) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: «رَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مَنْ أَسْلَمَ، وَرَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ، وَامْرَأَةً». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١٣٧٧) وَقِصَّةُ رَجْمِ الْيَهُودِيَّيْنِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ (٢). * * * تضمن هذا الحديث الخبر من جابر ﵁ عما وقع من الرجم في عهد النبي ﷺ وبأمره، فذكر أنهم أربعة: رجلٌ من أسلم وهو ماعز، وامرأة وهي الغامدية، وقد تقدم ذكرهما (٣)، واليهودِيَّان، وأجمل في قصتهما، ولكن قصة اليهودِيَّيْن جاءت مفصلة في حديث ابن عمر ﵄، كما أشار إلى ذلك المصنف، وخلاصة قصتهما: أن اليهود رفعوا أمر رجل وامرأة منهم قد زنيا، فسألهم النبي ﷺ عن حد الزاني المحصن عندهم، فقالوا: يحمم ويخزى، فقال: كذبتم، بل حده الرجم، فقالوا: لا نجد ذلك في التوراة، فطلبها النبي ﷺ ، فجيء بها، فوضع القارئ يده على آية الرجم يخفيها، فقيل له ارفع يدك، فإذا فيها آية الرجم تلوح، فأمر بهما النبي ﷺ فرجما، وليس هذا حكمًا بما في التوراة، بل المراد الاحتجاج على اليهود بها.

стр. 1083

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - ثبوت حد الرجم على الزاني المحصن. ٢ - أن حد الرجم عام في الرجل والمرأة. ٣ - إقامة الحد على الكافر الذمي إذا زنى. ٤ - الحكم في أهل الكتاب بما في شرعنا إذا تحاكموا إلينا، وأصل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُم أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢]، ومن المشهور أن الآية نزلت في اليهودِيَّيْن. * * * * * (١٣٧٨) وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵄ قَالَ: كَانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا رُوَيْجِلٌ ضَعِيفٌ، فَخَبَثَ بِأَمَةٍ مِنْ إِمَائِهِمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: «اضْرِبُوهُ حَدَّهُ». فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَضْعَفُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «خُذُوا عِثْكَالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، ثُمَّ اضْرِبُوهُ بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً». فَفَعَلُوا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ (١). * * * هذا الحديث أصل في تخفيف حدِّ الجلد في الزنا عن الضعيف والمريض. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - خطر مخالطة الرجال للنساء وضرره البالغ، ولو كان الرجل ضعيفًا لا يظن به أنه يفعل شيئًا. ٢ - ألا يغتر بالمظاهر. ٣ - أن هذا الرويجل ليس محصنًا. ٤ - وجوب إقامة الحد على الزاني بحسب الاستطاعة.

стр. 1084

٥ - أن من صور تخفيف الجلد عن الزاني الضعيف أن يضرب بعِثْكال، وهو عِذْق النخل الذي نزع عنه التمر، فبقي أعوادًا فيه الشماريخ. * * * * * (١٣٧٩) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ، وَمَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا (١). * * * تضمن الحديث مسألتين: الأولى: حكم من عمِل عمَلَ قوم لوط. الثانية: حكم من وقع على بهيمة. أما الأولى، فقد أجمع الصحابة على قتل من عمِل عمَلَ قوم لوط، محصنًا كان أو غير محصَن، قال ابن القيم: لكن اختلفوا في صفة قتله (٢)، ثم اختلف العلماء بعد ذلك على ثلاثة مذاهب: الأول: القتل بكل حال، على ما جاء عن الصحابة، وليس المعوَّل عند هؤلاء على هذا الحديث. الثاني: أنه كالزنا يفرق فيه بين المحصَن وغير المحصَن، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد. وهذا منهم قياسًا على الزنا. الثالث: أنه يعزَّر تعزيرًا بالغًا، والصواب هو القول الأول، ولا ريب أن فاحشة اللواط أعظم من فاحشة الزنا، وقد ذمَّ الله به قوم لوط أعظمَ ذمٍّ، وعيَّرهم ووصفهم بأقبح صفات، من الإسراف والفسوق والفحش والجهل والخُبث والعدوان والإفساد.

стр. 1085

المسألة الثانية: حكم من وقع على بهيمة، والجمهور على أنه يعزَّر على معصيته، ولا يقتل؛ لأن الحديث لا يبلغ درجة الدلالة على إثبات مثل هذا الحكم، فالحديث من قسم الضعيف، ويتعلق بهذا الحكم حكمُ البهيمة، وظاهر الحديث أنها تقتل، وإلى هذا ذهب بعض العلماء، وذهب الأكثر إلى أنها لا تقتل، وينتفع بها، فعلى القول الأول إن كانت للفاعل فقد أتلفها على نفسه، وإن كانت لغيره لزمه أن يغرمها؛ لأنه المتسبب بقتلها. قيل: الحكمة في قتلها أن بقاءها يذكر بالفَعلة القبيحة، وقيل: ربما حبلت فأتت بصورة شنيعة، ويحتمل أن ذلك لأنها أصبحت مستخبثة ومستقذرة. والله أعلم. * * * * * (١٣٨٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ (١). * * * مضمون هذا الحديث قد تقدم في أحاديث أول الباب، عند حديث أبي هريرة وزيد بن خالد، وحديث عبادة بن الصامت، لكن الحديثين من قوله ﷺ ، وهذا الحديث خبر عن فعله ﷺ ، فكما كان الرجم ثابتًا بقوله وفعله ﷺ ، فكذلك الجلد والتغريب. ولا ينبني على الخلاف في رفع الحديث ووقفه إشكالٌ في أصل الحكم، وإن كان الراجح عند أهل الشأن وقف الحديث (٢)، والراجح من حيث النظر رفعه. فلا بد أن يكون الرسول ﷺ لما حكم على العسيف بالجلد والتغريب أنه جلده وغربَّه، وقولُ ابن عمر هذا في الجلد والتغريب كقول أبيه ﵄: «فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ» (٣). والله أعلم.

стр. 1086

(١٣٨١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). * * * هذا الحديث أصلٌ في تحريم تشبه الرجال بالنساء، وهم المخنثون، وتشبه النساء بالرجال، وهن المترجلات. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم تشبه الرجال بالنساء. ٢ - تحريم تشبه النساء بالرجال، والتشبه يكون باللسان والكلام والحركة واللباس. ٣ - أن ذلك من كبائر الذنوب. ٤ - وجوب إخراج كلٍّ من الصنفين من البيوت؛ لأن مخالطتهم من أعظم وسائل الوقوع في الفاحشة؛ زنًا أو لواطًا أو سحاقًا. ٥ - جواز لعن أصحاب المعاصي على العموم، واللعن من الله الطرد والإبعاد من رحمته. ومن الرسول ﷺ إمَّا دعاءٌ أو خبر. وكلاهما يدل على قبح موجِبه وغلظ تحريمه. ٦ - أن من مقاصد الشرع تميز صنفي الرجال والنساء كل عن الآخر، كما ميَّز الله بينهما في الخِلقة والخُلُق والأحكام الشرعية، فتَشَبُّه أحدهما بالآخر منافٍ للفطرة ولمقتضَى الشريعة. ٧ - الرد على من ينادي بالتسوية بين الرجل والمرأة. ٨ - الرد على من يبيح تمثيل كل من الجنسين للآخر. * * * * *

стр. 1087

(١٣٨٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ادْفَعُوا الْحُدُودَ، مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١). (١٣٨٣) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ: «ادْرَأُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ». وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا (٢). (١٣٨٤) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ: «ادْرَأُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» (٣). * * * استُدل بهذه الأحاديث على ترك إقامة الحد على من وجب عليه بالشبهات التي يمكن أن تكون عذرًا له؛ كالجهل والتأويل والخطأ والنسيان. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - ابتناء الشريعة على التيسير. ٢ - تشوف الشريعة إلى العفو. ٣ - أن من شروط إقامة الحد انتفاء الشبهة. ٤ - أن الحد يسقط بالشبهة في الجملة. وهذان الحديثان، وإن كانا ضعيفين، فيعضدهما الموقوف، وإلى معناهما ذهب عامة العلماء على تفصيل في نوع الشبهة التي يدرأ بها الحد. ثم الأمر بعد ذلك إلى اجتهاد القاضي. والله أعلم. * * * * *

стр. 1088

(١٣٨٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ تَعَالَى، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ فِي «المُوْطَّإِ» مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (١). * * * هذا الحديث أصل في وجوب الاستتار بستر الله عند اقتراف المعاصي، مما شأنُه أن يستتر فاعله، كالزنا واللواط، فتلك هي الخبائث والقاذورات. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب اجتناب المعاصي. ٢ - تحريم المجاهرة بالذنوب. ٣ - وجوب ستر الإنسان على نفسه. ٤ - وجوب التوبة. ٥ - أن من مقاصد الشريعة ستر الذنوب وإخفاءها. ٦ - جواز تسمية هذا النوع من الذنوب قاذورات. ٧ - أن من أقر بالذنب عند الحاكم وجب إقامة حكم الله عليه، وهذا معنى قوله: «فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ ». ٨ - الاعتماد في الأحكام على حكم الله. * * * * *

стр. 1089

بَابُ حَدِّ القَذْفِ المقصود بهذا الباب بيان عقوبة من يقذف غيره بالزنا، وأصل القذف: الرمي بالحجر ونحوه، وفي الاصطلاح: الرمي بالزنا، وهو من كبائر الذنوب. والدليل على ذلك من كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون (٤)﴾ [النور: ٤]. * * * * * (١٣٨٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا الحَدَّ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ. وَأَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيُّ (١). * * * هذا الحديث يتعلق بقصة الإفك، ويتضمن بعض ما جرى على إثر ذلك. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن القرآن نزل بعذر أم المؤمنين عائشة ﵂ مما رماها به المنافقون والجاهلون، وقولها: «عُذْرِي» أي: براءتي. ٢ - أن من رمى أم المؤمنين بما برأها الله منه في القرآن فإنه مكذِّب للقرآن، فيكون كافرًا. وهذا ينطبق على الروافض.

стр. 1090

٣ - أن الرسول ﷺ أقام حدَّ القذف على من خاض في شأن عائشة ﵂ من المسلمين، والرجلان قيل: هما حسان بن ثابت ومِسطح بن أُثاثة، والمرأة قيل: حَمْنة أخت زينب أم المؤمنين ﵃. ٤ - تبليغ الأحكام، وتلاوة القرآن على المنبر. ٥ - مبادرته ﷺ إلى تنفيذ حكم الله. ٦ - أن حدَّ القذف جلدٌ، كما في الآية. ٧ - أن النبي ﷺ لم يقم الحدَّ على رأس المنافقين ابن أبيٍّ؛ لأن الحدَّ لا يطهره، مع أنه هو الذي تولَّى كبر الإفك. * * * * * (١٣٨٧) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَي، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). (١٣٨٨) وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٢). * * * هذا الحديث طرف من قصة هلال بن أمية مع امرأته، وأصله في الصحيح، وهذا الحكم كان قبل أن ينزل القرآن بحكم اللعان. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن على القاذف البينة على دعواه، وهم أربعة شهود، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ [النور: ٤] الآية، وقال: ﴿لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ [النور: ١٣].
следующие страницы →