← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

٣ - فيها شاهد لقولهم: إن البلاء موكل بالمنطق، فمن كان في عافية فلا يفرض وقوعه في البلاء. ٤ - صفة اللِّعان بين الزوجين. ٥ - حضور الإمام أو نائبه عند اللِّعان بين الزوج القاذف والمرأة. ٦ - أن اللِّعان يدرأ حد القذف عن الرجل؛ لقوله ﷺ : «الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» (١)، فإذا امتنع الرجل من اللعان وجب على الزوج حد القذف. ٧ - أن المرأة إذا أصرت على تكذيب الزوج وأدت الشهادات فإنها لا تحد. ٨ - دعوة المتلاعنين إلى التوبة. ٩ - وعظ الإمام المتلاعنين حتى لا يقدما على الكذب. ١٠ - البداءة في اللِّعان بالرجل؛ لأنه المدعي. ١١ - أن المتلاعنين لا بد أن يكون أحدهما كاذبا. ١٢ - أنه إذا تم اللِّعان فرق بينهما. ١٣ - أن هذه الفرقة لا توجب رد شيء من المهر. ١٤ - أن المهر عوض عن استحلال الاستمتاع. ١٥ - أن المهر لا يرد إلى الزوج، ولو قدِّر أنه صادق؛ لقوله: «إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا». ١٦ - حسن تعليمه ﷺ ؛ لقوله: «إِنْ كُنْتَ .. وإِنْ كُنْتَ». ١٧ - الاستدلال بالشَبَه في الخلقة. ١٨ - أن الشَّبَه لا يرفع حكم اللِّعان.

стр. 982

١٩ - أن الملاعِنة إذا جاءت بمولود يشبه الزوج دلَّ ذلك على صدقها وكذبه، ولا يثبت بذلك نسبه، إلا إن أقرَّ به الزوج واستلحقه، وإن أشبه المولودُ مَنْ رُميت به دلَّ على صدق الزوج وكذبها. ٢٠ - أن نسبة المولود إلى الواطئ تكون كونية لا توجب نسبًا شرعيا، كما في هذا الحديث؛ لقوله: «فَهُوَ لِزَوْجِهَا»، وقوله: «فَهُوَ لِلَّذِي رَمَاهَا بِهِ»، بخلاف قوله ﷺ في الحديث الآخر: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (١)، فتجتمع النسبتان الكونية والشرعية في المولود من وطء يلحق به النسب، وتنفرد النسبة الكونية في نسبة الولد إلى الزاني، كما في قوله ﷺ : «فَهُوَ الَّذِي رَمَاهَا بِهِ»، وكما في حديث جريج: «مَنْ أَبُوكَ يَا غُلامُ؟» (٢)، وتنفرد النسبة الشرعية في المولود من زنا على فراش الزوج أو السيد؛ لحديث: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ»، والمراد بالفراش الزوجة أو السرية. ٢١ - استحباب أن يضع إنسان يده على فم الملاعن عند الخامسة؛ لعظم خطرها، وهي قوله: إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ٢٢ - خطر من دعا على نفسه، وهو يعلم أنه كاذب. ٢٣ - جواز جمع الطلاق الثلاث؛ لإقرار النبي ﷺ للملاعن على ذلك، كذا قيل، وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأن الفرقة باللِّعان مؤبَّدة، فلا أثر لذلك الطلاق. ٢٤ - أن قذف الزوج لامرأته برجل إنما يوجب حد القذف لحق المرأة. * * * * *

стр. 983

(١٢٥١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أن رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ. قَالَ: «غَرِّبْهَا». قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي. قَالَ: «فَاسْتَمْتِعْ بِهَا». رواه أبُوْ دَاوُدَ والبَزَّارُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١) .. (١٢٥٢) وأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ من وجه آخر: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظٍ قَالَ: «طَلِّقْهَا». قَالَ: لَا أَصْبِرُ عَنْهَا. قَالَ: «فَأَمْسِكْهَا» (٢). * * * هذا الحديث تضمن حكم إمساك المرأة الضعيفة العفة، مثل التي تتهاون بالزنى الأصغر؛ كاللمس والنظر والكلام، بفعل منها، أو بفعل غيرها معها، ومن ذلك ما جاء في هذا الحديث، وهذا هو معنى قوله: «لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ»، وليس المراد أنها تفعل الفاحشة الكبرى؛ لأن النبي ﷺ رخَّص بإمساكها، ولا يمكن أن يأذن الرسول ﷺ بالإقامة مع امرأة تصر على فعل الفاحشة؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِين (٣)﴾ [النور: ٣]، ومن فهم من إذن الرسول ﷺ للرجل بإمساكها أنه يلزم منه جواز إمساك الزانية فقد اضطر إلى تأويل اللمس بمعنى بعيد عن سياق الحديث، وهو أنها لا ترد يد ملتمس للصدقة، فيفضي ذلك إلى إفساد ماله، والصواب ما تقدم، وقوله ﷺ للرجل: «غَرِّبْهَا» أي: أبعدها، يريد الطلاق، كما تدل عليه رواية النَّسَائِيِّ، ولهذا قال: «أَخَافُ أَنْ تَتْبَعَهَا نَفْسِي»، أي: تتعلق بها، فلا أسلو عنها، لذلك رخص له النبي ﷺ بإمساكها تيسيرًا عليه، ودفعًا للحرج الذي خافه.

стр. 984

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم لمس المرأة الأجنبية، ولا سيما إذا كانت ذات زوج، وهو زنى اليد، كما جاء في الحديث: «واليد تزني، وزناها اللمس» (١). ٢ - استحباب مفارقة المرأة المتهاونة بمثل هذا. ٣ - جواز إمساكها إذا خاف من فراقها مفسدة أكبر من الإقامة معها. ٤ - غيرة الصحابة ﵃ على نسائهم. ٥ - بناء الفتوى على قول المستفتي المدعي، بخلاف المدعي في الخصومة. ٦ - فيه شاهد لقاعدة احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. ٧ - أن المشقة تجلب التيسير. ٨ - بناء الشريعة على التيسير. ٩ - ضعف الإنسان في أمر النساء. * * * * * (١٢٥٣) وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أنهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ -وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ- احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ، وَفَضَحَهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ». أخْرجَهُ أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (٢).

стр. 985

(١٢٥٤) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «مَنْ أَقَرَّ بِوَلَدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ». أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ حَسَنٌ مَوْقُوفٌ (١). (١٢٥٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ؟ قَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟» قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: «هَلْ فِيهَا مَنْ أَوْرَقَ؟»، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَأَنَّى ذَلِكَ؟»، قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: «فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذه الأحاديث تضمنت حكمين: ١. تحريم أن تزني المرأة ذات الزوج، فتحمل من الزنى وتلد فينسب لزوجها وعشيرته، وهو معنى قوله: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ … ». ٢. تحريم أن يجحد الرجل ولده وهو يعلم أنه منه، وهو معنى قوله: «وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ -وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ- … »، وكل من الأمرين من كبائر الذنوب. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم أن تتسبب المرأة بزناها بإدخال ولدها من الزنى على من ليس منهم، فتجمع بين الزنا والافتراء، وهذا هو البهتان الذي قال الله فيه: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]، قال ابن عباس: «يعني: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم» (٣). ٢ - تحريم أن ينفي الرجل ولده، وهو يعلم أنه منه. ٣ - أن من مقاصد الشريعة حفظ النسب، وهذا أحد الضروريات الخمس.

стр. 986

٤ - أن اختلاف شبه المولود لا يسوغ نفيه. ٥ - أن من أقرَّ بولده فلا يمكنه نفيه. ٦ - أن من الوعيد أن يتبرأ الله من فاعل الذنب. ٧ - أنه لا حرج في الشك في نسب المولود إذا وجد ما يوجبه، وهو اختلاف الشبه. ٨ - أنه ينبغي للإنسان أن يسعى فيما يزيل الشك عن نفسه، ويكشف الشبهة. ٩ - أن الشبه قد يرجع إلى بعض الأصول القديمة للأبوين. ١٠ - إثبات القياس. ١١ - الاحتجاج بقياس المشكِل على المسلَّم. ١٢ - الشبه بين الإنسان والحيوان في تأثير الولادة في الصفات. ١٣ - أنه ينبغي للمفتي أن يراعي حال المستفتي، وذلك أن يكون في الجواب ما يناسب حال المستفتي. ١٤ - حسن تعليمه ﷺ . ١٥ - أن الإجابة ب (نعم) تتضمن الإقرار بالمسؤول عنه. * * * * *

стр. 987

بَابُ العِدَّةِ وَالإِحْدَادِ وَالاسْتِبْرَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ العِدَّة: لغة بمعنى العَدَد، وتطلق على الشيء المعدود المحدود، والمراد بها هنا مدة تربص المرأة المفارقة لزوجها بطلاق أو غيره، والاستبراء هو طلب البراءة، والمراد به هنا التوصل إلى العلم ببراءة رحم المرأة، زوجة كانت أوسُرِّية، والإحداد لغة ترك الزينة، وفي لسان الشرع ترك المرأة المتوفى عنها للزينة، ويقال لها: حادٌّ ومُحِدٌّ، بلا تاء على الأفصح. * * * * * (١٢٥٦) عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵁: أَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ ﵂ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَنَكَحَتْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (١٢٥٧) وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» (٢). (١٢٥٨) وفي لفظٍ: أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً (٣). (١٢٥٩) وفي لفْظٍ لمسْلِمٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: «وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَزَوَّجَ وَهِيَ فِي دَمِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حتَّى تَطْهُر» (٤). (١٢٦٠) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «أُمِرَتْ بَرِيرَةُ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ (٥). (١٢٦١) وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). * * *

стр. 988

هذه الأحاديث اشتملت على جملة من أحكام المعتدات: المتوفى عنها، والمحررة تحت عبد، والمطلقة ثلاثًا. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب العدة على المتوفى عنها، وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. ٢ - أن الحامل المتوفى عنها تنقضي عدتها بوضع الحمل، فالحديث مخصص للآية في عدة الوفاة، فلذلك يقدم عموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] على عموم قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]؛ لأنه محفوظ لم يتطرق إليه تخصيص؛ فإن القاعدة أنه إذا تعارض عامَّان قُدِّم ما دل الدليل على تقديمه، فيكون هذا العام مخصَّصًا بالعامِّ الآخر. ومن المرجحات لأحد العامَّين على الآخر كونه محفوظًا لم يتطرق إليه تخصيص، فيخص بهذا العامِّ المحفوظِ العامُّ الآخرُ غيرُ المحفوظ. ٣ - أن الأمة إذا عتقت تحت عبد، فإن عدتها ثلاث حيض، كالمطلقة، هذا إذا صح حديث بريرة، وإلا فالواجب عليها الاستبراء، أي تعتد بحيضة. ٤ - أن المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة، إلا أن تكون حاملًا فلها النفقة من أجل الحمل، وقيل: لها السكنى دون النفقة، والصواب ما دل عليه حديث فاطمة بنت قيس، فلا سكنى لها ولا نفقة. ٥ - جواز مخاطبة المرأة للرجل الأجنبي، والرجل للمرأة إذا أمنت الفتنة، كما جاء في أصل الحديث. * * * * *

стр. 989

(١٢٦٢) وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُحِدَّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلْ، وَلَا تَمَسَّ طِيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (١). (١٢٦٣) ولأَبِي دَاوُدَ، والنَّسَائيِّ مِنْ الزِّيَادَةِ: «وَلَا تَخْتَضِبْ» (٢). (١٢٦٤) وَلِلنَّسَائِيِّ: «وَلَا تَمْتَشِطْ» (٣). (١٢٦٥) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: جَعَلْتُ عَلَى عَيْنِي صَبْرًا، بَعْدَ أَنْ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ، فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ، وَانْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ، وَلَا بِالْحِنَّاءِ، فَإِنَّهُ خِضَابٌ». قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَالَ: «بِالسِّدْرِ». رواه أبُوْ دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ (٤). (١٢٦٦) وَعَنْهَا؛ أن امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ قَالَ: «لَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). * * * هذه الأحاديث الثلاثة تضمنت حكم الإحداد وصفته، والإحداد ترك الزينة بأنواعها، لوفاة الزوج أو القريب. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم الإحداد على أي ميت فوق ثلاث سوى الزوج. ٢ - جواز الإحداد على غير الزوج في مدة ثلاثة أيام.

стр. 990

٣ - وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا. ٤ - عظم حق الزوج. ٥ - أن من حق الزوج أن تتزين له المرأة في حياته، وتتركها لوفاته مدة العدة. ٦ - تحريم جميع أنواع الزينة والطيب على المحدة على زوجها. ٧ - أن الكحل من الزينة التي تترك في حال الإحداد. ٨ - أن المحدة إذا مرضت فلها التداوي بغير ما يعد زينة، فلا يباح الكحل في العين من أجل التداوي. ٩ - أن المُحِدة لا تستعمل طيبًا إلا إذا طهرت من الحيضة، فتطيب مواضع الدم بنبذة أي بقطعة من قسط أو أظفار، وهما نوعان من البخور. ١٠ - جواز امتشاط المحدة بما لا طيب فيه من سدر ونحوه. ١١ - أن على المُحِدة أن تترك الثوب المصبوغ بحمرة أو صفرة. ١٢ - الرخصة في ثوب العصب على المحدة، وهو ما يصبغ قبل نسجه، وهي ثياب تجلب من اليمن. ١٣ - أن المحد لا تختضب ولا تمتشط ولا تتداوى بما يورثها جمالًا. ١٤ - تحريم التداوي بالمحرم. * * * * * (١٢٦٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «بَلْ جُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).

стр. 991

(١٢٦٨) وَعَنْ فُرَيْعَةَ بِنْتِ مَالِكٍ: أَنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ، فَقَتَلُوهُ. قَالَتْ: فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ ؛ أن أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي؛ فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْ لِي مَسْكَنًا يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةً، فَقَالَ: «نَعَمْ». فَلَمَّا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ نَادَانِي، فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ». قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَقَضَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عُثْمَانُ. أخرجه أحمد، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، والذهلي، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وغيرُهُم (١). (١٢٦٩) وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ»، قَالَ: فَأَمَرَهَا، فَتَحَوَّلَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذه الأحاديث تضمنت بيان المكان الذي تقيم فيه المعتدة من وفاة أو البائنة من طلاق مدة العدة. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب اعتداد المتوفَّى عنها في البيت الذي كانت تسكنه حياة زوجها؛ لحديث فُريعة. ٢ - جواز تحول المطلقة من مسكنها إلى غيره؛ لحديث فاطمة. ٣ - أنه قد يخفى على الصحابي بعض الأحكام الشرعية. ٤ - استحباب الصدقة وفعل المعروف عند الجداد. ٥ - أنه ينبغي للإنسان ألا يعرض نفسه للخطر، وما فعله زوج فُريعة فيه مخاطرة ظاهرة. ٦ - أن المتوفى عنها لا سكنى لها ولا نفقة، لكن إن تيسر لها المكث في البيت الذي مات فيه زوجها وجب عليها.

стр. 992

٧ - أن النبي ﷺ قد يحكم بالاجتهاد، لكن لا يُقَرُّ على خطأ؛ لأنه أذن لفُريعة ثم استدرك. ٨ - صحة رواية المرأة، لأن فُريعة ﵂ حدثت به عثمان ﵁، فقضى به. * * * * * (١٢٧٠) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: «لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وأبُوْ دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالِانْقِطَاعِ (١). (١٢٧١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِنَّمَا الْأَقْرَاءُ؛ الْأَطْهَارُ». أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي قِصَّةٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ (٢). (١٢٧٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ .. » رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وأَخْرَجَهُ مَرْفُوعًا وضَعَّفَهُ (٣). (١٢٧٣) وأَخْرَجَهُ أبُوْ دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيْثِ عائشة، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ، وَخَالَفُوهُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ (٤). * * * هذه الأحاديث اشتملت على جملة من أحكام العدد. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن عدة أم الولد المتوفى عنها سيدها كعدة الزوجة الحرة، أربعة أشهر وعشر، وقيل: تعتد بحيضة، بقصد الاستبراء، وقيل: تعتد بثلاثة أقراء، كالمطلقة الحرة.

стр. 993

٢ - أن أم الولد تعتق بموت سيدها. ٣ - أن الأقراء هي الأطهار، والمراد الأقراء التي تعتبرها المطلقة في عدتها، والجمهور على أنها الحيض، وقيل: هي الأطهار، ويدل له قول عائشة، فعلى القول بأنها الأطهار فإن العدة تنتهي بشروعها في الحيضة الثالثة، وعلى القول بأنها الحيض فإن عدتها تنقضي بطهرها من الحيضة الثالثة. ٤ - أن الطلاق يعتبر بحال الزوجة، حرية ورقًّا، فالحرة يقع عليها ثلاث، والأمة طلقتان، وقيل: إن الطلاق يعتبر بالزوج، فالحر يطلق ثلاثًا، والعبد طلقتين. ٥ - أن عدة الأمة المطلقة حيضتان، وهذا الفرق بين الحرة والأمة والحر والعبد أصله قياس أحكام الرقيق في النكاح والطلاق والعِدد والحدود على حد الزنا في التنصيف، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، ويعضد هذا القياس ما جاء من الآثار؛ كحديث ابن عمر هذا. وقال كثير من أهل العلم: المعتبر في النكاح والطلاق حال الزوج؛ فالعبد يطلق طلقتين، ويتزوج زوجتين، وأما العِدد فتعتبر بحال الزوجة، فعدة الأمة المطلقة حيضتان أو شهران، وعدة الأمة المتوفى عنها شهران وخمسة أيام، لكن عند الظاهرية لا فرق بين الحر والعبد والأمة والحرة. * * * * * (١٢٧٤) وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ». أخرجه أبُوْ دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان، وحسَّنَهُ البَزّارُ (١).

стр. 994

هذا الحديث يتعلق بحكم وطء الحامل من غيره، وعبر عن ذلك بسقي الزرع على سبيل الكناية، وهذا مناسب لتسمية الله المرأة حرثًا: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ويوضح معنى الحديث قول الفقهاء أن وطء الحامل يزيد في سمع الجنين وبصره، فظهر بذلك وجه تسميته في الحديث سقيا. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم وطء الحامل من غيره، سواء أكانت أمتَه، أو زوجتَه، كما لو وطئت بشبهة. ٢ - تحريم عقد النكاح على الحامل المطلقة البائن بينونة كبرى؛ لأن العقد وسيلة للوطء. ٣ - تحريم وطء المسبية الحامل، وحكم المسبية هو سبب الحديث، لذلك قال النبي ﷺ في سبايا أوطاس: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» (١). ٤ - أن الإيمان بالله واليوم الآخر من دواعي الطاعة بفعل المأمور وترك المحظور. ٥ - أن ما نفي عنه الحل فهو حرام؛ لأنهما ضدان، فالحرام يقابل الحلال، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]. ٦ - أن من أساليب البيان: الكناية. ٧ - أن وطء الحامل يزيد في نمو الحمل، كالزرع يسقى بالماء. * * * * *

стр. 995

(١٢٧٥) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: «تَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا». أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ (١). (١٢٧٦) وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ امْرَأَتُهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا الْبَيَانُ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (٢). * * * أثر عمر وحديث المغيرة في حكم امرأة المفقود، والمفقود هو من غاب غيبة طويلة، وانقطعت أخباره، ولا يُدرى عن حاله حيًّا أو ميتًا، وقد دل أثر عمر على أن امرأة المفقود تتربص أربع سنين، ثم تعتد بعد ذلك عدة الوفاة، وفي حديث المغيرة أن امرأة المفقود امرأتُه حتى يتبين أمره، حياته أو موته، ولكن الحديث ضعيف (٣). وقد فصَّل الفقهاء في مدة انتظار المفقود والحكم بموته، وبنوا ذلك على ما هو الغالب من حاله، من السلامة أو العطب، فما كان الغالب من حاله العطب فينتظر للحكم بموته أربع سنين، كما في قول عمر، وما كان الغالب من حاله السلامة فينتظر حتى يبلغ من مولده تسعين سنة، وهذا لا دليل عليه من أثر ولا نظر، والصواب أن يرجع في تقدير المدة إلى اجتهاد الحاكم؛ فإن أمر المفقود يختلف باختلاف الزمان والمكان وحال المفقود، وإذا حكم الحاكم بموت المفقود ترتب على ذلك ما يترتب على موت غير المفقود من عدة زوجته، وإرث ماله، فإن تبين بعد الحكم أنه حيٌّ ورجع، استرد ماله، وزوجته هي زوجته، وإن وجدها قد تزوجت، خير بين استرجاعها، أو تركها للزوج الثاني. * * * * *

стр. 996

(١٢٧٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا، أَوْ ذَا مَحْرَمٍ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). (١٢٧٨) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). * * * هذان الحديثان تضمنا النهي عن الخلوة بالمرأة الأجنبية، وهي من يحل له نكاحها من قريباته أو غيرهن، والنهي عن البيات عند المرأة في بيت ليس فيه غيرهما إلا أن يكون زوجًا لها أو ذا محرم، وهو من تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا، كالعم والخال، والخلوة بالمرأة تثبت في مكان ليس معهما غيرهما، ومتى كان ذلك كان ثالثهما الشيطان، كما في الحديث الصحيح: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا» (٣)، أي يوسوس لهما بالفاحشة أو دواعيها، فإن كان معهما ثالث من رجل أو امرأة زالت الخلوة، ولكن تبقى مفسدة الاختلاط الذي يجر إلى النظر المحرم أو الكلام المحرم أو غير ذلك، مما يحرم بين الرجال والنساء الأجانب، ولا تزول الخلوة بالطفل الذي لا يعرف شؤون النساء، وهو من لا يجب على المرأة الاحتجاب منه، كما قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾ [النور: ٣١]، ومناسبة هذين الحديثين للباب أن المعتدة مظنة الطمع فيها. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تحريم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية.

стр. 997

٢ - تحريم أن يبيت الرجل عند امرأة في بيت وليس هو بزوج ولا ذي محرم. ٣ - خطر خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية. ٤ - حكمة الشريعة في سد ذرائع الفساد. ٥ - أن الخلوة من أعظم الذرائع المفضية إلى الوقوع في الفاحشة، كما يؤكد ذلك قوله ﷺ في الحديث: «إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا». ٦ - في الحديثين دليل لقاعدة سد الذرائع المفضية إلى المحرم. ٧ - أن الخلوة لا تزول إلا بمن يحذران من اطلاعه، بخلاف الطفل الذي لا يفهم شيئًا عن أمور النساء الخاصة، فوجوده كعدمه. ٨ - عناية الشرع بصيانة الأعراض. * * * * * (١٢٧٩) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁؛ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً». أخرجه أبُوْ دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). (١٢٨٠) وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ (٢). (١٢٨١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ (٣). (١٢٨٢) وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةٍ (٤).

стр. 998

(١٢٨٣) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عِنْدَ النَّسَائِيِّ (١). (١٢٨٤) وَعَنْ عُثْمَانَ. عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٢). * * * حديث أبي سعيد في حكم وطء المسبية التي كانت ذات زوج، وحديث أبي هريرة فيه بيان ما به يُلحق نسب المولود، ومن يُلحق به نسب المولود، والعاهر الزاني. وقوله: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر» كناية عن عدم لحوق النسب بالزاني، والمعنى ليس له ولد، بل له الحجر الذي يرجم به إن كان محصَنًا، وقيل: الحجر الذي يلقم به لإبطال دعواه، وهذا أقرب. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم وطء المسبية الحامل حتى تضع، فهو شاهد لحديث رويفع المتقدم: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ، يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» (٣). ٢ - تحريم وطء المسبية غير ذات الحمل حتى تستبرأ بحيضة. ٣ - أن الحامل لا تحيض؛ لأنه خص الاستبراء بحيضة بغير ذات الحمل، وعلَّق وطء الحامل بالوضع. ٤ - أن الاستبراء يكون بحيضة. ٥ - جواز وطء الحامل من زوجة أو سرية، إلا أن يكون به ضرر.

стр. 999

٦ - أن من حكمة الشريعة حفظ الأنساب، والمنع مما يوجب الاختلاط. ٧ - إباحة سبي نساء الكفار إذا غلب المسلمون المجاهدون عليهم. ٨ - جواز وطء المسبية في دار الحرب. ٩ - ثبوت حكم الرق في الإسلام. وأدلة ذلك لا تحصى من الكتاب والسنة، رغم أنوف الكارهين الطاعنين من جهلة المسلمين متابعة لأعداء الإسلام. وفي حديث أبي هريرة وعائشة ﵄: ١ - أن المولود يلحق نسبه بصاحب الفراش، وهو الزوج أوالسيد. والفراش هو الزوجة أو السرية. ٢ - أن المولود من زنا لا يلحق بالزاني. ٣ - أنه يلحق بصاحب الفراش، إلا أن ينفيه باللعان، على القول بمشروعية اللعان بنفي الولد. ٤ - أن الشبه لا يعارض الفراش؛ فلا يقدم عليه. ٥ - إعمال كلٍّ من السببين المختلفين في القضية، وإعطاء كل منهما ما يقتضيه من الحكم، وهما في هذه القصة الشبه والفراش، فبالفراش ثبت النسب، وبالشبه ثبتت حرمة النظر، وقيل: إن أمر سودة بالاحتجاب من باب الاحتياط. ٦ - الكناية عن الخيبة والحرمان بالحجر والتراب. ٧ - أن مقتضى الدليل الشرعي مقدم على مقتضى الدليل الكوني عند التعارض. ٨ - أن المرأة المزني بها إذا لم تكن فراشًا فالولد للزاني إذا استلحقه.

стр. 1000

وحديث عائشة ورد على سبب، وهو أنه اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد ابن زمعة في مولود ولد من أمة كانت لزمعة، زنى بها عتبة ابن أبي وقاص في الجاهلية، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: «هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته»، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه فرأى شبها بيِّنًا بعتبة، فقال: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ ابْنَةَ زَمْعَةَ» فلم تره سودة قط. ٩ - أن من طرق البيان عند العرب: الكناية الدالة على المقصود، لقوله: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ». * * * * *

стр. 1001

بَابُ الرَّضَاعِ الرضاع: يحتمل أنه مصدر رضع رضاعًا، أو أنه اسم مصدر من أرضع يرضع إرضاعًا، تقول: رضع الصبي الثدي، وأرضعت المرأة الصبي، وهما متلازمان في الغالب، والمراد بهذا الباب من أبواب الأحكام الشرعية بيان الأحكام المترتبة من رضاع الصبي من غير أمه من تحريم النكاح وما يتبعه من الأحكام، وما يشترط في الرضاع المحرِّم، وقد دل على حكم التحريم بالرضاع الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى في المحرمات من النساء: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، ومن السنة قوله ﷺ : «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (١)، وقد ذكر المؤلف في هذا الباب أحد عشر حديثًا. * * * * * (١٢٨٥) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). (١٢٨٦) وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٢٨٧) وَعَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ مَعَنَا فِي بَيْتِنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ. قَالَ: «أَرْضِعِيهِ، تَحْرُمِي عَلَيْهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤).

стр. 1002

(١٢٨٨) وَعَنْهَا: أَنْ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْحِجَابِ. قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ. وَقَالَ: «إِنَّهُ عَمُّكِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٢٨٩) وَعَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * تضمنت هذه الأحاديث جملة من أحكام الرضاع، ومن العجيب في هذا المقام أن كل هذه الأحاديث ترويها أم المؤمنين عائشة ﵂، مما يدل على عنايتها بشأن الرضاع وأحكامه. وفي هذه الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن الرضاع مما تثبت به حرمة النكاح بشروطه التي دلت عليها السنة. ٢ - أن الرضعة والرضعتين لا تحرمان، ومفهومه أن الثلاث تحرم، «لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ». ٣ - أن الرضاع المحرِّم هو ما يكون قبل الفطام؛ لقوله ﷺ : «فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ»، والمعنى: أن الرضاع المحرم ما كان لسد جوعة الصبي، وهذا إنما يكون قبل الفطام. ٤ - أن الرضاع بعد لا يحرِّم. ٥ - ثبوت لقب علاقات القرابة للرضاع؛ كالأخوة والأبوة والعمومة، وغير ذلك. ٦ - تحريم دخول الرجل الأجنبي على المرأة والخلوة بها، ووجوب الحذر من ذلك.

стр. 1003

٧ - تحذير الرجل لأهل بيته من دخول الرجال الأجانب عليهم، والتثبت في السبب المبيح. ٨ - جواز إرضاع الكبير إذا دعت الحاجة إلى دخوله إلى المرأة، كما في قصة سالم. وقد ذهب جمهور الصحابة والعلماء إلى اختصاص ذلك بسالم، فقالوا: إن إرضاع الكبير لا يحرم. وذهبت عائشة أم المؤمنين وجمع من العلماء إلى أن رضاع الكبير يحرم، والصواب أن إرضاع الكبير لا يحرم، وإذا دعت الحاجة إلى دخول رجل على امرأة فيرجع الأمر إلى اجتهاد المفتي. ٩ - أن الرضاعة تنشر الحرمة من جهة صاحب اللبن، وهو الزوج، وهو ما يعبر عنه العلماء بلبن الفحل، فكما أن إخوان المرضعة أخوال الرضيع لأنها أمه، فإخوان الزوج أعمامه، لأن الزوج أبوه من الرضاع. فعائشة ﵂ أرضعتها أم القعيس، وزوجها أبو القُعيس، وأفلح أخو أبي القُعيس، ولذلك أمرها النبي ﷺ أن تأذن له، وقال: «إِنَّهُ عَمُّكِ». ١٠ - أن من المستقر عند الصحابة وجوب الاستئذان للدخول إلى بيت غير بيته. ١١ - قوة عائشة ﵂ في الحق، فلم تجامل أفلح بالإذن؛ بناء على اعتقادها أنه أجنبي منها. ١٢ - حسن خلق النبي ﷺ مع أهله. ١٣ - أن الرضاع تثبت به المحرمية كالنسب؛ لقوله ﷺ : «إِنَّهُ عَمُّكِ». ١٤ - ثبوت نسخ اللفظ والحكم في القرآن، ونسخ اللفظ دون الحكم؛ فما أنزل فيه عشر رضعات نسخ لفظًا وحكمًا، وما أنزل فيه خمس رضعات نسخ لفظه دون حكمه، لكن عائشة لم تعلم بنسخ ما يتعلق بخمس رضعات، وإجماعُ الصحابة على عدم كتابته دليلٌ على النسخ.

стр. 1004

١٥ - أن النسخ قد يخفى على بعض الصحابة؛ لقولها: «فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ». ١٦ - نسخ القرآن بالقرآن. ١٧ - أن الرضاع المحرم خمس رضعات معلومات، كما في حديث عائشة، ويؤيده ما جاء في رواية في قصة سالم عند الإمام أحمد أنه ﷺ قال: «أَرْضِعِيه خَمْسَ رَضَعَاتٍ تَحْرُمِي عَلَيْه» (١)، وقد اختلف العلماء في مقدار الرضاع المحرم، فقيل: مطلق الرضاع، فتثبت الحرمة في أقل رضعة، وهو مذهب الظاهرية، وقيل: لا يحرم إلا ثلاث رضعات، لمفهوم حديث عائشة: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ»، وقيل: لا يحرم إلا خمس رضعات، لحديث عائشة وحديث سهلة بنت سهيل في قصة سالم، وهذا هو الصحيح؛ لأن الحديثين نصٌّ في تحريم خمس الرضعات، والأحاديث المطلقة مجملة، والمفهوم لا يعارض المنطوق. ١٨ - اشتراط العلم بالرضاع وعدد الرضعات. ١٩ - أن من المتقرر عند الصحابة أن إرضاع الكبير غير محرِّم. ٢٠ - أن السنة تخصص العموم وتقيد المطلق في القرآن. ٢١ - أن من جهل الأحكام الشرعية فعليه سؤال أهل العلم. ٢٢ - أن على المستفتي أن يوضح الواقع للمفتي؛ لقولها: «وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ». ٢٣ - أن من حرمت عليه المرأة تحريمًا مؤبدًا أبيح له النظر إليها والخلوة بها. * * * * *

стр. 1005

(١٢٩٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أن النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ. فَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي؛ إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصل في حكم التحريم بالرضاع، وأنه كالنسب. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الرضاع سبب لتحريم النكاح، كالنسب. ٢ - أنه يحرم من النساء بالرضاع ما يحرم بالنسب، وهن سبع: الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت. ٣ - أن الرضاع ينشر الحرمة من قبل المرضعة في قراباتها ومن قبل زوجها في قراباته، لذلك تحرم على المرتضع المرضعةُ وأخواتها وأمهاتها وعماتها وخالاتها وبناتها وبنات أولادها، وأخوات الزوج وأمهاته وعماته وخالاته وبناته وبنات أولاده، كما يحرم كل أولئك من النسب. وكذلك يحرم بالرضاعة ما يحرم بالمصاهرة بواسطة النسب، على الصحيح، وهو قول جماهير أهل العلم، كزوجة الأب وزوجة الابن وأم الزوجة وبنت الزوجة، فتحرم زوجة الأب من الرضاع وزوجة الابن من الرضاع وأم الزوجة من الرضاع وبنت الزوجة من الرضاع. كما يحرم مثلهن من النسب. ٤ - أنه يحرم الجمع بين الأختين من الرضاع، وبين المرأة وعمتها من الرضاع، وبين المرأة وخالتها من الرضاع؛ لعموم قوله ﷺ : «وَيَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ». ٥ - أن الرسول ﷺ يحرم عليه من النساء ما يحرم على أمته؛ لقوله ﷺ لما عرضت عليه ابنة حمزة: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ».

стр. 1006

٦ - أن هذا الحديث من جوامع الكلم التي اختص بها النبي ﷺ ، وفي معنى هذا الحديث قوله ﷺ : «الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» (١). * * * * * (١٢٩١) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ هو وَالْحَاكِمُ (٢). (١٢٩٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَا رَضَاعَ إِلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَرَجَّحَا الْمَوْقُوفَ (٣). (١٢٩٣) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ». رواه أبُوْ دَاوُدَ (٤). (١٢٩٤) وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ؛ أنهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ. فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟» فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ. وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٥). (١٢٩٥) وَعَنْ زِيَادِ السَّهْمِيِّ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ أن تُسْتَرْضَعَ الْحَمْقَى». أخْرجَهُ أبُوْ دَاوُدَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَتْ لِزِيَادٍ صُحْبَةٌ (٦). * * * اشتملت هذه الأحاديث على جملة من أحكام الرضاعة. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام.

стр. 1007

٢ - أن الرضاع المحرم ما وصل إلى المعدة. ٣ - أن حقن اللبن في الدم لا يُحرِّم، ومن باب أولى في الشَّرْج. ٤ - أن الرضاع المحرِّم ما كان في الحولين. وهما مدة الرضاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وبهذا يظهر تعارضٌ بين حديث الحولين، وحديث: «وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ»؛ لأن الفطام قد يكون قبل تمام الحولين، وقد يكون بعدهما، والجمع بينهما أن الحكم للفطام تقدم أو تأخر؛ لأنه لا يكون إلا عند استغناء الطفل بالطعام، وذكر الحولين خرج مخرج الغالب. ويؤيده قوله ﷺ : «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ». وجمع بعضهم بين الحديثين باعتبار أبعدهما؛ الفطام أو تمام الحولين. ٥ - التفريق بين الزوجين إذا كان بينهما رضاع، ولو بشهادة امرأة ثقة. ٦ - أن من عُرفت عدالته لا يطلب من يزكيه؛ لأن النبي ﷺ لم يطلب تزكية المرأة. ٧ - فضل الصحابة بكمال طاعتهم لله ولرسوله ﷺ . ٨ - كراهة استرضاع الحمقاء؛ لأن اللبن غذاء يؤثر في المرتضع. ٩ - تأثر الرضيع بأخلاق المرضعة. * * * * *

стр. 1008

بَابُ النَّفَقَاتِ النفقات: جمع نَفَقة، وهي اسم مصدر من الإنفاق، وليست من نَفَق الثلاثي، فإنه معنى آخر، والنفقة في اصطلاح الفقهاء: ما يبذل للإنسان لكفايته من طعام وشراب ولباس، وهي حقٌّ للزوجة والقريب والمملوك، كما قال تعالى: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]. وباب النفقات من محاسن الإسلام، وهي من جنس ما يسمى بالتكافل الاجتماعي، وتكون واجبة ومستحبة، فتجب للزوجة على زوجها، وللقريب على قريبه الوارث؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، كما سيأتي بيانه. وتجب للمملوك من الرقيق والبهائم. ومثل هذه الواجبات أو المستحبات تجري في عرف الناس مجرى العادات لا يفعلها أكثر الناس إلا بحكم العادة، أو للتخلص من المطالبة، لا يفعلونها احتسابًا لنيل الثواب من الله، ولا ينوون بها امتثال أمر الله، فلا تقع منهم على وجه العبادة؛ لأنهم لم يفعلوها لله، فلا يجدون فيها لذة العبادة؛ التي يجدونها في صدقاتهم إذا تصدقوا. وقد رغَّب النبي ﷺ في إحسان القصد في النفقة على الأهل والعيال حين قال لسعد بن أبي وقاص: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ» (١)، مع أن نفقة المرأة فيها شائبة المعاوضة،

стр. 1009

فكيف بالنفقة على الأولاد، مع صلاح النية، ولهذا كان من المناسب ذكر حديث سعد في باب النفقات، للتنبيه على ما تضمنه من معنى الاحتساب وترتب الثواب، والله أعلم. * * * * * (١٢٩٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ -امْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فَقَالَ: «خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيكِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٢٩٧) وَعَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ وَيَقُولُ: «يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٢). * * * تضمن هذان الحديثان حكم النفقة على الزوجة والولد والقرابة. وفي الحديثين فوائد؛ منها: في حديث عائشة ﵂: ١ - وجوب النفقة على الزوج لزوجته، وعلى الأب لأولاده. ٢ - جواز أن تأخذ الزوجة من مال زوجها بغير إذنه لتنفق على نفسها وأولادها. ٣ - جواز ذكر الإنسان بما يكره، وهو غائب، لغرض شرعي؛ كالاستفتاء، وهي من المسائل المستثناة من حكم الغيبة.

стр. 1010

٤ - اعتبار العرف في قدر النفقة. ٥ - حسن تصرف هذه المرأة، امرأة أبي سفيان، حيث لم تقدم على ما همَّت به إلا بعد سؤال النبي ﷺ . ٦ - أنه لا يجوز للمرأة أن تسرق من مال زوجها. ٧ - أنه لا يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها إلا بإذنه، أو ما أذن به الشرع. ٨ - أن للمرأة ولاية على أولادها. ٩ - أن المعتبر في النفقة الكفاية. ١٠ - أن من له حق عند أحد فيجوز أن يستوفيه من ماله، إذا ظفر بشيء منه، وهذه مسألة الظفر. وخص ذلك بعض المحققين في الحق الظاهر سببُه؛ كالزوجية. وفي حديث طارق ﵁: ١ - أن السنة للخطيب القيام على المنبر. ٢ - فضل المعطي على الآخذ من جهة العطاء والأخذ. ٣ - فضل الإحسان. ٤ - فضل الاستغناء عما في أيدي الناس. ٥ - فضل القائم على غيره في النفقة، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء﴾ [النساء: ٣٤]. ٦ - وجوب نفقة القرابة. ٧ - البداءة بمن هم تحت رعاية المنفق، ثم الأقرب فالأقرب. ٨ - تقديم الأبوين والإخوة على من بعدهم.

стр. 1011

٩ - البداءة بالأضعف؛ لقوله: «أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ». ١٠ - أن الحكم يتفاوت بتفاوت علته؛ لقوله: «أُمَّكَ وَأَبَاكَ» إلخ. ١١ - تقرير الأحكام في الخطبة، سواء أكانت خطبةً راتبة كخطبة الجمعة، أم غير راتبة، أي: خطبة عارضة لسبب، كما في قصة بريرة ﵂ (١)، والرَّهط الذين سألوا عن عمل النبي ﷺ ، ثم قالوا ما قالوا (٢). * * * * * (١٢٩٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). * * * هذا الحديث أصل في وجوب نفقة العبد على سيده. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - ثبوت الرق في الإسلام. ٢ - أن أهم حوائج الإنسان الطعام والكسوة، كما قال تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥]. ٣ - أن علة هذا الاستحقاق هي الملك. وفي حديث أبي ذر ﵁ في الصحيح (٤): أن على السيد أن يطعم المملوك مما يأكل، ويلبسه مما يلبس. ٤ - الإرشاد إلى الرفق بالمملوك. ٥ - جواز تكليف المملوك بما يطيق. ٦ - أن المملوك لا يكلَّف من العمل إلا ما يطيق.

стр. 1012

٧ - وجوب إعانتهم فيما يعجزون عنه. ٨ - حماية الشرع للحقوق التي بين العباد. * * * * * (١٢٩٩) وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ … ». الْحَدِيثَ. وتَقَدَّمَ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ (١). (١٣٠٠) وَعَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الْحَجِّ بِطُولِهِ قَالَ فِي ذِكْرِ النِّسَاءِ: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذان الحديثان أصل في وجوب حق المرأة على زوجها. وفيهما فوائد؛ منها: ١ - أن للمرأة حقًا على الزوج. ٢ - أن من حقها الإنفاق عليها بتوفير الطعام والكسوة. والمعتبر في النفقة من حيث الغنى والفقر: حال الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]. ٣ - أن من حق المرأة السكنى، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]. ٤ - أنه لا يجب عليه علاجها إذا مرضت، لكنه من مكارم الأخلاق. ٥ - تحريم التقبيح وضرب الوجه. ٦ - أن تقبيح الرجل للمرأة من الظلم الذي حرمه الله بين العباد.

стр. 1013

٧ - أن في الحديث شاهدًا لقوله سبحانه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ٨ - أن للمرأة الفسخ إذا أعسر الزوج بالنفقة، إلا أن تكون تزوجته في حال إعساره، كما يدل لذلك أثر سعيد بن المسيب الآتي في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله قال: يفرق بينهما، قال سعيد: سنة، وأثر عمر ﵁ أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم: أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا (١). * * * * * (١٣٠١) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: «أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ» (٢). * * * في هذا الحديث تغليظ إثم من امتنع عن بذل ما يجب عليه من نفقة زوجة أو قريب أو مملوك أو بهيمة. ومعنى «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا» أي: كفى المرءَ إثمًا تضييعُه من يقوت. فيفيد أن ذلك إثم عظيم، فهو من كبائر الذنوب. وكفى فعل ماض، والباء حرف زائد داخل على المفعول، و «أَنْ يُضَيِّعَ» مصدر في موضع رفع فاعل. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الامتناع من بذل النفقة الواجبة حرام. ٢ - أن للحاكم إجباره على أداء الواجب.

стр. 1014

٣ - جواز تعزيره حتى يؤدي الواجب. ٤ - رعاية الشرع لأصحاب الحقوق بالتحذير من ظلمهم بتضييع حقوقهم. * * * * * (١٣٠٢) وَعَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ، فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا قَالَ: «لَا نَفَقَةَ لَهَا». أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنْ قَالَ: الْمَحْفُوظُ وَقْفُهُ (١). (١٣٠٣) وَثَبَتَ نَفْيُ النَّفَقَةِ فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ كَمَا تَقَدَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذا الأثر دليل على أن الحامل المتوفى عنها لا نفقة لها؛ لانقطاع السبب الموجب للنفقة؛ لأن فرقة الوفاة فرقة تامة، كبينونة المطلقة ثلاثًا، ولهذا أشار الحافظ إلى حديث فاطمة بنت قيس وقد طلقت ثلاثًا، فأخبرها النبي ﷺ أنه لا نفقة لها. ولكن قال الفقهاء: تجب لها النفقة من أجل الحمل من ماله، أو من مال من تجب عليه نفقته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]. * * * * * (١٣٠٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَيَبْدَأُ أَحَدُكُمْ بِمَنْ يَعُولُ»، تَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَطْعِمْنِي، أَوْ طَلِّقْنِي. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنيُّ، وإسْنَادُهُ حَسَنٌ (٣). * * *

стр. 1015

في هذا الحديث الترغيب في الإنفاق الواجب والمستحب؛ لقوله ﷺ : «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى»، وجاء في رواية عند الطبراني: «يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا وَيَدُ الْآخِذِ السُّفْلَى» (١). وأورده المؤلف لدلالته على نفقة الزوجة. وقول الحافظ هنا: «إسناده حسن» يوهم أن الحديث كلَّه مرفوع، وقد جاء في صحيح البخاري أن أبا هريرة ﵁ سئل: سمعت هذا من رسول الله؟ قال: «لا، هذا من كيس أبي هريرة» (٢)، وفي هذا السياق عند الدارقطني خلط، وحملوا ذلك على عاصم بن بهدلة، ولهذا حكم الحافظ في فتح الباري (٣) أن رفع هذا اللفظ: «تَقُولُ الْمَرْأَةُ: … » خطأ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضل الإنفاق وشرف المنفِق. ٢ - الترغيب في الزهد عما في أيدي الناس. ٣ - البداءة في نفقة الأقارب بالعيال. ٤ - وجوب النفقة للزوجة. * * * * * (١٣٠٥) وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ -فِي الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ- قَالَ: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا». أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ؛ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْهُ. قَالَ: «فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: سُنَّةٌ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ». وَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيٌّ (٤). (١٣٠٦) وَعَنْ عُمَرَ ﵁؛ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي رِجَالٍ غَابُوا عَنْ نِسَائِهِمْ؛ أَنْ يَأْخُذُوهُمْ بِأَنْ يُنْفِقُوا أَوْ يُطَلِّقُوا، فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا. أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (٥). * * *

стр. 1016

هذان الأثران استدل بهما من ذهب إلى أن إعسار الزوج بالنفقة يوجب أن يكون للمرأة حقُّ الفسخ في هذه الحال؛ فأما أثر سعيد فدلالته على ذلك ظاهرة؛ لأنه قال: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا» أي: إذا طلبت المرأة ذلك، وقوله: «سُنَّةٌ» يحتمل أنه أراد سنَّة النبي ﷺ ، وهو الأظهر؛ فهو من مراسيل سعيد بن المسيَّب، وهي من أقوى المراسيل عند أهل العلم. أما أثر عمر فليست دلالته ظاهرة على هذا الحكم، أعني التفريق بالإعسار بالنفقة، لأن قوله: «أَنْ يُنْفِقُوا» وقوله: «فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا»، ليس فيه ذكر للإعسار، بل ظاهره أنهم قادرون، ولا شك أن من امتنع من النفقة على امرأته وهو قادر؛ أنَّه يجبر على الإنفاق أو يفرق بينهما، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فذهب الجمهور إلى ما دلَّ عليه أثر سعيد بن المسيَّب، وقالوا: إذا أعسر الزوج بالنفقة فُرِّق بينهما، وقاسوا ذلك على العجز عن الوطء، والضرورة إلى الطعام أشدُّ من ضرورة الاستمتاع. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الإعسار بالنفقة لا يوجب التفريق، ولا يجعل للمرأة حق الفسخ، وقد قال الله : ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق: ٧]، قالوا: ولم ينقل عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه فُرِّق بينه وبين امرأته لإعساره، مع ما نقل من قلة ذات اليد عن كثير منهم، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، ونصره ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» (١)، وتوسط بعضهم فقال: لا يفرق بينهما، لكن على الزوج أن يمكنها من الاكتساب. وفي الأثرين فوائد؛ منها: ١ - منزلة سعيد بن المسيب في الفتوى. ٢ - بعث عمر ﵁ الجنود للجهاد وحماية البلاد.

стр. 1017

٣ - رعاية عمر ﵁ لحقوق المُغِيبات على أزواجهن. ٤ - أن نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمن؛ لقوله: «فَإِنْ طَلَّقُوا بَعَثُوا بِنَفَقَةِ مَا حَبَسُوا». ٥ - وجوب النفقة على الزوج لامرأته وإن كان غائبًا للجهاد. ٦ - أن لغياب الرجل عن امرأته مدة مقدَّرة، وهي أربعة أشهر، كما جاء في أثر عن عمر (١). * * * * * (١٣٠٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! عِنْدِي دِينَارٌ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ؟ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ». قَالَ عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْتَ أَعْلَمُ». أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِتَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَلَدِ (٢). * * * هذا الحديث أصل في باب النفقات. وفيه فوائد؛ منها: ١ - أن نفقة الإنسان على نفسه مقدمة على نفقة غيره. ٢ - تقديم نفقة الولد على الزوجة.

стр. 1018

٣ - وجوب النفقة على الخادم، وهو الأجير أو المملوك. ٤ - أن ما فضل عن النفقات الواجبة فلصاحب المال التصرف فيه بما شاء من مستحب أو مباح. * * * * * (١٣٠٨) وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أَبَاكَ، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (١). * * * هذا الحديث يدل على صلة الرحم، وأن آكدها برُّ الوالدين، ومناسبة الحديث لباب النفقات ظاهرة؛ فإن النفقة على الوالدين والرحم وسائر القرابة من البر والصلة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية صلة الرحم، والرحم هي القرابة مطلقًا. ٢ - أن أحق الرحم بالصلة الوالدان. ٣ - أن أحق الوالدين بالبر الأم. ٤ - أن الإحسان إلى الوالدين هو برهما. ٥ - أن صلة الرحم تتفاضل تبعًا لدرجة القرابة، فمن كان أقرب كان أحق بالصلة. * * * * *

стр. 1019

بَابُ الحَضَانَةِ الحضانة: مصدر حَضَنه يحضُنُه حَضْنًا وحضانة إذا ضمَّه إليه، وهي مأخوذة من الحِضْن، وهو الجنب، سميت بذلك لضم الحاضنة المحضون إلى جنبها. وفي اصطلاح الفقهاء: كفالة القاصر للقيام عليه ورعاية مصالحه، كاليتيم والسفيه والمجنون، وقد اختلف في الحضانة، هل هي حق للحاضن أو حق للمحضون على الحاضن؟ والصواب: أنها عند التنافس في كفالة المحضون أنها حق للحاضن، ومع التخاذل فهي حق للمحضون على الحاضن. وحينئذ تكون على الأقارب فرض كفاية. * * * * * (١٣٠٩) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄؛ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأبُوْ دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). * * * في هذا الحديث أن الأحق بحضانة الولد هي الأم إذا تشاحَّ في ذلك الأبوان، ما لم تتزوج. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تقديم الأم في الحضانة على الأب.

стр. 1020

٢ - أن حضانة الأم لا تسقط بالطلاق. ٣ - حكمة الشرع في هذا التقديم، وهي معاناة الأم مشاق الحمل والرضاعة والتربية. ٤ - أن الأم إذا تزوجت كان الأب أحق بالحضانة، قيل: مطلقًا سواء تزوجت بأجنبي أو قريب، وقيل: إن تزوجت بأحد أقارب الطفل لم يبطل حقها بالحضانة. ٥ - أن الحضانة حق للحاضن. ٦ - أن الفتوى لا يلزم فيها حضور الخصم. وفتوى الرسول ﷺ هذه لا تمنع حجة الخصم الغائب. ٧ - جواز السجع في المطالبة بحق، لا لرد ما هو حق. * * * * * (١٣١٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁؛ أن امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي، وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، فَجَاءَ زَوْجُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا غُلَامُ! هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهُمَا شِئْتَ». فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). (١٣١١) وَعَنْ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ؛ أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ. فَأَقْعَدَ النَّبِيُّ ﷺ الْأُمَّ نَاحِيَةً، وَالْأَبَ نَاحِيَةً، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّ بَيْنَهُمَا. فَمَالَ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِهِ». فَمَالَ إِلَى أَبِيهِ، فَأَخَذَهُ. أخرجه أبُوْ دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ (٢). * * *
следующие страницы →