← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

(١٣٨١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: «أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). * * * هذا الحديث أصلٌ في تحريم تشبه الرجال بالنساء، وهم المخنثون، وتشبه النساء بالرجال، وهن المترجلات. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم تشبه الرجال بالنساء. ٢ - تحريم تشبه النساء بالرجال، والتشبه يكون باللسان والكلام والحركة واللباس. ٣ - أن ذلك من كبائر الذنوب. ٤ - وجوب إخراج كلٍّ من الصنفين من البيوت؛ لأن مخالطتهم من أعظم وسائل الوقوع في الفاحشة؛ زنًا أو لواطًا أو سحاقًا. ٥ - جواز لعن أصحاب المعاصي على العموم، واللعن من الله الطرد والإبعاد من رحمته. ومن الرسول ﷺ إمَّا دعاءٌ أو خبر. وكلاهما يدل على قبح موجِبه وغلظ تحريمه. ٦ - أن من مقاصد الشرع تميز صنفي الرجال والنساء كل عن الآخر، كما ميَّز الله بينهما في الخِلقة والخُلُق والأحكام الشرعية، فتَشَبُّه أحدهما بالآخر منافٍ للفطرة ولمقتضَى الشريعة. ٧ - الرد على من ينادي بالتسوية بين الرجل والمرأة. ٨ - الرد على من يبيح تمثيل كل من الجنسين للآخر. * * * * *

стр. 1087

(١٣٨٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ادْفَعُوا الْحُدُودَ، مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١). (١٣٨٣) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِلَفْظِ: «ادْرَأُوا الحُدُودَ عَنِ المُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ». وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا (٢). (١٣٨٤) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ بِلَفْظِ: «ادْرَأُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» (٣). * * * استُدل بهذه الأحاديث على ترك إقامة الحد على من وجب عليه بالشبهات التي يمكن أن تكون عذرًا له؛ كالجهل والتأويل والخطأ والنسيان. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - ابتناء الشريعة على التيسير. ٢ - تشوف الشريعة إلى العفو. ٣ - أن من شروط إقامة الحد انتفاء الشبهة. ٤ - أن الحد يسقط بالشبهة في الجملة. وهذان الحديثان، وإن كانا ضعيفين، فيعضدهما الموقوف، وإلى معناهما ذهب عامة العلماء على تفصيل في نوع الشبهة التي يدرأ بها الحد. ثم الأمر بعد ذلك إلى اجتهاد القاضي. والله أعلم. * * * * *

стр. 1088

(١٣٨٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ الَّتِي نَهَى اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَمَنْ أَلَمَّ بِهَا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ تَعَالَى، وَلْيَتُبْ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ ». رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ فِي «المُوْطَّإِ» مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (١). * * * هذا الحديث أصل في وجوب الاستتار بستر الله عند اقتراف المعاصي، مما شأنُه أن يستتر فاعله، كالزنا واللواط، فتلك هي الخبائث والقاذورات. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب اجتناب المعاصي. ٢ - تحريم المجاهرة بالذنوب. ٣ - وجوب ستر الإنسان على نفسه. ٤ - وجوب التوبة. ٥ - أن من مقاصد الشريعة ستر الذنوب وإخفاءها. ٦ - جواز تسمية هذا النوع من الذنوب قاذورات. ٧ - أن من أقر بالذنب عند الحاكم وجب إقامة حكم الله عليه، وهذا معنى قوله: «فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ ». ٨ - الاعتماد في الأحكام على حكم الله. * * * * *

стр. 1089

بَابُ حَدِّ القَذْفِ المقصود بهذا الباب بيان عقوبة من يقذف غيره بالزنا، وأصل القذف: الرمي بالحجر ونحوه، وفي الاصطلاح: الرمي بالزنا، وهو من كبائر الذنوب. والدليل على ذلك من كتاب الله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون (٤)﴾ [النور: ٤]. * * * * * (١٣٨٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا الحَدَّ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ. وَأَشَارَ إِلَيْهِ البُخَارِيُّ (١). * * * هذا الحديث يتعلق بقصة الإفك، ويتضمن بعض ما جرى على إثر ذلك. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن القرآن نزل بعذر أم المؤمنين عائشة ﵂ مما رماها به المنافقون والجاهلون، وقولها: «عُذْرِي» أي: براءتي. ٢ - أن من رمى أم المؤمنين بما برأها الله منه في القرآن فإنه مكذِّب للقرآن، فيكون كافرًا. وهذا ينطبق على الروافض.

стр. 1090

٣ - أن الرسول ﷺ أقام حدَّ القذف على من خاض في شأن عائشة ﵂ من المسلمين، والرجلان قيل: هما حسان بن ثابت ومِسطح بن أُثاثة، والمرأة قيل: حَمْنة أخت زينب أم المؤمنين ﵃. ٤ - تبليغ الأحكام، وتلاوة القرآن على المنبر. ٥ - مبادرته ﷺ إلى تنفيذ حكم الله. ٦ - أن حدَّ القذف جلدٌ، كما في الآية. ٧ - أن النبي ﷺ لم يقم الحدَّ على رأس المنافقين ابن أبيٍّ؛ لأن الحدَّ لا يطهره، مع أنه هو الذي تولَّى كبر الإفك. * * * * * (١٣٨٧) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ لِعَانٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ شَرِيكَ بنَ سَحْمَاءَ قَذَفَهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ بِامْرَأَتِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْبَيِّنَةَ وَإِلَّا فَحَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَي، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). (١٣٨٨) وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٢). * * * هذا الحديث طرف من قصة هلال بن أمية مع امرأته، وأصله في الصحيح، وهذا الحكم كان قبل أن ينزل القرآن بحكم اللعان. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن على القاذف البينة على دعواه، وهم أربعة شهود، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ [النور: ٤] الآية، وقال: ﴿لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ [النور: ١٣].

стр. 1091

٢ - أن على القاذف الحدَّ إذا لم يأت ببينة، وهو الجلد ثمانين جلدة، بنص القرآن، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وخرج من هذا الحكم الزوجُ إذا قذف زوجته، فبينته أربع شهادات من نفسه، كما في آيات اللعان، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الآيات. ٣ - أن هذا الحكم الذي في هذا الحديث منسوخ بآيات اللعان. * * * * * (١٣٨٩) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِر بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: «لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ فِي الْقَذْفِ إِلَّا أَرْبَعِينَ». رَوَاهُ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ فِي «جَامِعِهِ» (١). * * * هذا الأثر أصل في وجوب حد القذف على الرقيق، وأنه نصف حد الحر، أربعون جلدة. وفيه فوائد؛ منها: ١ - أن الخلفاء الراشدين ﵃ كانوا يقيمون حد القذف على العبد. ٢ - تنصيف حد القذف على المملوك. ٣ - أن المملوك على النصف من الحر في الأحكام، أخذًا من قوله تعالى في المحصنات من الإماء: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، فتنصيف حد الزنا دل عليه القرآن، وأما تنصيف غيره من الأحكام، فبالقياس على تنصيف حد الزنا. * * * * *

стр. 1092

(١٣٩٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * تضمن هذا الحديث حكم قذف المملوك، وهو التحريم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب حد القذف على قاذف العبد أو الأمة، إلا أن يكون السيد. ٢ - أن السيد لا يجب عليه الحد في الدنيا بقذف مملوكه. ٣ - أنه يحد يوم القيامة. ٤ - أنه لا حد على السيد يوم القيامة إذا كان العبد قد زنى. ويستفاد من هذا أن من حلف أو تصرف بطلاق وغيره، بناءً على اعتقاد، ثم تبين الأمر بخلافه، لم يحنث في يمينه، ولم ينفذ تصرفه. ٥ - أن السيد يحرم عليه قذف عبده. ٦ - وجوب احترام المسلم، ولو كان مملوكًا، فلا يُظلم ولا يُقذف. ٧ - رعاية الإسلام لحقوق الضعفة من المماليك وغيرهم، وهذا من محاسنه. * * * * *

стр. 1093

بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ باب حد السرقة، أي: هذا باب بيان حد السرقة، وما يتعلق به، والسرقة نوع من أخذ المال بغير حق، وحقيقتها: أخذ مال الغير من حرزه بغير حق، على وجه الخفية، وحدُّ السرقة هو قطع يد السارق اليمنى، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] الآية، ومن السنة ما ذكر من أحاديث في هذا الباب. * * * * * (١٣٩١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ: «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». (١٣٩٢) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ» (٢). (١٣٩٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٣٩٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَعَنَ الله السَّارِقَ؛ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا (٤). * * *

стр. 1094

هذه الأحاديث هي الأصل في مقدار ما تقطع به يد السارق، ويظهر بين حديث عائشة وحديث أبي هريرة تعارض، ووجه الجمع بينهما أن حديث عائشة ﵂ نصٌّ في أنه لا قطع فيما دون ربع دينار، وحديث أبي هريرة ﵁، أحسن ما قيل في الجواب عنه: أن سرقة البيضة والحبل وإن كان لا قطع فيهما على ما دلَّ عليه حديث عائشة، فسرقتهما تجر إلى سرقة ما فوقهما، وتجر إلى سرقة ما يجب به القطع، وقوله في الحديث: «فَتُقْطَعُ يَدُهُ» أي: باعتبار المآل. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم السرقة. ٢ - أن حدَّ السرقة قطعُ اليد. ٣ - أن نصاب السرقة ربع دينار فصاعدًا، وهو الموجب للقطع، فلا قطع فيما دونه. وروايات حديث عائشة متطابقة، وأقواها في الدلالة وأوضحها رواية مسلم: «لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا». ٤ - أنه لا قطع في سرقة ما دون ربع دينار، والدينار من الذهب، ويعادله اثنا عشر درهما من الفضة. ٥ - ثبوت القطع فيما قيمته ثلاثة دراهم، وهي تعادل ربع دينار. ومعنى: «فَصَاعِدًا» أي: فأكثر. ٦ - أن سرقة ربع دينار تبيح قطع يد المعصوم. ٧ - أن المعتبر في نصاب السرقة: الذهبُ، وربعُ الدينار: هو ربع مثقال، ويساوي جرامًا وثمن الجرام. ٨ - أن سرقة البيضة تجر إلى سرقة ما فوقها. وتفسير البيضة ببيضة الحديد تكون على الرأس، وبالحبل حبل السفينة، تأويلٌ بعيد؛ لأنه خلاف الظاهر. ٩ - تحريم السرقة وأنها من كبائر الذنوب.

стр. 1095

١٠ - جواز لعن السارق بالعموم. ١١ - رحمة الله بعباده فيما شرع لهم. ١٢ - أن حدَّ السرقة من موجَبات عِزَّته تعالى وحكمته، لختم الآية بالاسمين الكريمين: ﴿وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم (٣٨)﴾ [المائدة: ٣٨]. وقد اعترض بعض الزنادقة على حكم الله، قائلا: كيف تقطع اليد في سرقة ربع دينار، وديتها خمس مئة دينار؟! وزعم أنه هذا تناقض، وفي ذلك قال: يدٌ بخمسِ مئينٍ عَسجدٍ وديتْ * ما بالُها قُطعتْ في ربْع دينارِ؟ تناقضٌ ما لنا إلا السكوتُ لهُ * وأنْ نعوذَ بمولانا منَ النارِ (١) فأجابه بعضهم (٢): عِزُّ الأمانةِ أغلاها، وأرخَصَها * ذُلُّ الخيانةِ فافهمْ حكمةَ الباري وعبَّر بعضهم (٣) بقوله: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت. * * * * * (١٣٩٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟»، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ» الحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)؛ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ، وَلَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ:

стр. 1096

(١٣٩٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَتِ امْرَأَةٌ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ، وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا» (١). * * * هذا الحديث اختصره المؤلف، واقتصر منه على ما يتعلق بالشفاعة في الحدود، وما يتعلق بجحد العارية، وفي أصل الحديث؛ «أهَمَّهُمْ شأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ»، أي: التي أمر النبي ﷺ بقطع يدها، فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد؟ فكلم أسامة النبي ﷺ ، فقال له: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟!» ثم خطب، وكان مما قال: «وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن بني مخزوم من قريش. ٢ - أن منزلتهم في قريش عالية؛ لحميتهم لهذه المرأة. ٣ - أن قطع اليد فيه مذلة وهوان. ٤ - غضب النبي ﷺ إذا انتهكت حرمات الله وحدوده، وأنه لا تأخذه في الله لومة لائم. ٥ - مهابته ﷺ أن يعارضه أحد في حكم من أحكام الله. ٦ - تحريم الشفاعة في الحدود. ٧ - منزلة أسامة عند النبي ﷺ . ٨ - عدم المحاباة في إنكار المنكر. ٩ - أن من هديه ﷺ الخطبة لتقرير الأحكام المهمة، والإنكار على من يعارضها. ١٠ - مراعاة المقام في أسلوب الخطاب.

стр. 1097

١١ - أن مداهنة الشريف في الأحكام والحدود من سنة الجاهلية، فمن فعل ذلك من المسلمين فهو متشبه بهم. ١٢ - أن حدَّ السرقة ثابت في شرع من قبلنا. ١٣ - أن تعطيل الحدود سبب للهلاك. ١٤ - أن سنة الله لا تتبدل في أوليائه وأعدائه. ١٥ - منزلة فاطمة ﵂ عند أبيها، ﷺ . ١٦ - الحلف لتأكيد الخبر وتعظيم الأمر، ولو لم تتطرق التهمة إلى المخبِر، «وَايْمُ اللهِ»: هي أيمانه، وهي الأقسام، والله يقسم بنفسه وبما شاء من خلقه، ومعنى «وَايْمُ اللهِ» أي: أيمان الله قسمي. ١٧ - أن حد السرقة القطع، أي قطع اليد اليمنى من الكف. ١٨ - إن إقامة الحدود ليس من شأن الإمام مباشرته. ١٩ - مناسبة الحدود لأسبابها، وهذا من حكمة الشريعة. ٢٠ - أن حكم جحد العارية حكمُ السرقة، فهو موجب للقطع، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب الجمهور إلى أنه لا قطع في جحد العارية؛ لأنه خيانة؛ لأن جاحد العارية لم يُخرِج مالًا من حرزه على وجه الخفية، فلا ينطبق على الجحد تعريفُ السرقة، وأجابوا عن هذا الحديث بأن قطع يد المرأة من أجل أنها سرقت، وأما قول الراوي: «كَانَتِ تَسْتَعِيرُ المَتَاعَ، وَتَجْحَدُهُ»، فليس لبيان موجِب القطع، بل لبيان صفة فيها، وذهب جمع من أهل العلم، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم، وهو رواية عن الإمام أحمد، أن جحد العارية موجب للقطع (١). وأن إلحاقه بالسرقة من حكمة الشريعة (٢)، وقولُ الجمهور -والله

стр. 1098

أعلم- أظهر؛ لأنه جاء في روايات أنها سرقت (١)، والرسول ﷺ ذكر السرقة في قوله: «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ»، وجحد العارية خيانة؛ لأن المعير يدفع إليه ماله باختياره. * * * * * (١٣٩٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، قَطْعٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (٢). (١٣٩٨) وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ». رَوَاهُ المَذْكُورُونَ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّان (٣). * * * هذان الحديثان أصل في ترك القطع في أنواع من أخذ مال الغير بغير حق، وهي أربعة: الخيانة، والاختلاس، والانتهاب، والأخذ من الثمر المعلَّق في شجره، أو الكَثَر، وهو جُمَّار النخل. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أنه لا قطع في هذه المذكورات، بل فيها الغُرم والتعزير. ٢ - أن هذه المذكورات لا تدخل في تعريف السرقة، وهو أخذ المال من حرزه على وجه الخفية. فالخيانة في الأمانة، لأن المؤتمَن مسلَّط عليها باختيار صاحبها؛ لأنه هو الذي سلَّمها له، والاختلاس أخذ المال من صاحبه

стр. 1099

في حال غفلته، والانتهاب أخذ للمال جهرة، وصاحب المال والناس ينظرون، والثمر والكَثَر في الشجر ليس في حرز، إلا أن يكون على البستان حائط، يمنع من دخوله. * * * * * (١٣٩٩) وَعَنْ أَبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ ﵁ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ»، قَالَ: بَلَى، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَقُطِعَ. وَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ: «اسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ»، فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ» ثَلَاثًا. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ، وَأَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). (١٤٠٠) وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَسَاقَهُ بِمَعْنَاهُ، وَقَالَ فِيهِ: «اذْهَبُوا بِهِ، فَاقْطَعُوهُ، ثُمَّ احْسِمُوهُ». وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا، وَقَالَ: «لَا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ» (٢). * * * هذا الحديث دليلٌ على ثبوت السرقة ووجوب الحد بالاعتراف. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من أقرَّ بما يوجب الحد أقيم عليه. ٢ - جواز التعريض له بالرجوع عن إقراره. ٣ - إن إقامة الحد وإن كان كفارة، فإنه لا يسقط وجوب التوبة، واستحباب إرشاده إلى ذلك. ٤ - إن إقامة الحدود ليس مما يباشره الإمام.

стр. 1100

٥ - مشروعية حسم يد السارق إذا قُطعت، ومعنى ذلك أن تغمس في زيت يغلي لتنكمش العروق، فيتوقف الدم؛ وهو يشبه الكيَّ، فإنه لو ترك لمات بنزف الدم، وكان هذا هو الممكن في القديم، وقد تيسر في العصور المتأخرة أسباب لوقف الدم أفضل من الحسم. ٦ - أنه لا غُرم على السارق إذا قُطع. ويدل له الحديث الذي بعده، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وذهب الجمهور إلى أنه يلزم السارقَ الضمانُ؛ لأن الحديث ضعيف سندًا، منكر متنًا؛ لمخالفته القاعدة: أن من أتلف شيئًا فعليه ضمانه. * * * * * (١٤٠١) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُغَرَّمُ السَّارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١)، وَبَيَّنَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: هُوَ مُنْكَرٌ. (١٤٠٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ الْغَرَامَةُ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الجَرينُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٢). * * * هذا الحديث أصل في حكم السرقة من الثمر المعلَّق في شجره وما آواه الجرين؛ وهو ما يجمع فيه الثمر لتجفيفه.

стр. 1101

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من أخذ من الثمر المعلَّق ليأكل فقط، وهو محتاجٌ، فلا شيء عليه، إلا أن يكون على البستان حائط أو ناظر؛ فلا يحل الأكل منه والأخذ منه إلا بإذن. ٢ - أن من خرج منه بشيء في خُبنته أو كُمِّه فعليه الغرامة والعقوبة تعزيرًا، والخبنة ما يجعل في الثوب ليخفى فيه ما يراد إخفاؤه. ٣ - أن من أخذ من الثمر في الجرين ما قيمته نصاب، فعليه القطع. وهذا معنى قوله ﷺ : «فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ». وثمنُ المجن ثلاثة دراهم، وتقدم أن النبي ﷺ قطع في مجنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم (١). ٤ - أن من حكمة الشريعة التفريق في الحكم بين المختلفات، ومن ذلك: الفرق في الأكل من الثمرة بين المحتاج وغير المحتاج، وبين من أكل فقط ولم يخرج بشيء، ومن زاد على الأكل وخرج ببعض الثمر؛ فإن الأول منتفع، والثاني متملك. ٥ - أن ما لم يؤوه الجرينُ من الثمر لا قطع في أخذه، ولو بلغ نصابًا. ٦ - اعتبار الحرز لوجوب القطع، والجرين حرزٌ لما وضع فيه، والثمر في شجره ليس في حرز، فدلَّ على الفرق. * * * * *

стр. 1102

(١٤٠٣) وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ -لَمَّا أَمَرَ بِقَطْعِ الَّذِي سَرَقَ رِدَاءَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ-: «هَلَّا كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ، وَالْحَاكِمُ (١). * * * هذا الحديث مما يستدل به على أن الحدود إذا بلغت السلطان وجب إنفاذها وامتنعت الشفاعة، ولو عفى المسروق منه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن أخذ المال من جيب النائم أو ما وضعه تحت رأسه سرقةٌ يجب بها القطع إذا توفرت الشروط؛ فإنه جاء في روايةٍ؛ أن رداء صفوان كان تحت رأسه (٢). ٢ - أن الحرز يختلف باختلاف الأموال؛ فحرز الدراهم ليس كحرز السيارة. ٣ - جواز الشفاعة في الحد قبل أن يصل إلى السلطان، وهو الإمام، ومن ينوب منابه كالقاضي. * * * * * (١٤٠٤) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: جِيءَ بِسَارِق إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: «اقْطَعُوهُ» فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ»، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ كَذَلِكَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الْخَامِسَةَ فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَاسْتَنْكَرَهُ (٣).

стр. 1103

(١٤٠٥) وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ نَحْوَهُ (١)، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْقَتْلَ فِي الْخَامِسَةِ مَنْسُوخٌ (٢). * * * هذا الحديث تضمن الأمر بقتل السارق في الخامسة، ولكن الحديث استنكره النسائي، كما ذكر المصنف، وقال الشافعي: إن القتل في الخامسة منسوخ، وأقول: إن متن الحديث فيه نكارة؛ إذ كيف يأمر النبي ﷺ بقتل من أتي به دون أن يتثبت أنه قاتل أو سارق؟! ومن المستنكر أيضًا أن يأمر بقطعه أربع مرات، وليس فيها في الثالثة ولا الرابعة: اقطعوا رجله، وقطع السارق إنما ينصرف إلى قطع يده. * * * * *

стр. 1104

بابُ حَدِّ الشَّارِبِ وَبَيَانِ المُسْكِر مقصود هذا الباب، كما تفيده الترجمة بيان حد الشارب، و (أل) في الشارب للعهد الذهني، ومن مقصود هذا الباب بيان المسكر من الأشربة، وعقوبة الشارب لم تؤخذ من نصٍّ قولي، من آية أو حديث، وإنما أخذت مما فعل بالشارب بأمر النبي ﷺ ، ثم من اجتهاد الصحابة ﵃، وقد استقر الأمر على أن حد الشارب ثمانون جلدة. * * * * * (١٤٠٦) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِىَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ، قَالَ: «وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٤٠٧) وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ فِي قِصَّةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: «جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ». وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ؛ أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ الْخَمْرَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: «إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْهَا حَتَّى شَرِبَهَا» (٢). * * * تضمنت هذه الأحاديث عقوبة شارب الخمر، وأنها أربعون جلدة في عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر، ثم رأى الصحابة في عهد عمر ﵃ لما تمادى الناس في الشرب أن يجلد الشارب ثمانين، فعلم بذلك أن ما فعل في عهد

стр. 1105

النبي ﷺ وأبي بكر أشبه بالتعزير، ليس حدًّا لا تجوز الزيادة عليه، كحدِّ الزنا والقذف. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم الخمر، وذلك معلوم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، فهو إذن من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة، فيكفر جاحده. ٢ - أن عقوبة الشارب في عهد النبي ﷺ أن يجلد أربعين، وهو كذلك في عهد أبي بكر ﵁. ٣ - أن الصحابة في عهد عمر ﵁ أجمعوا على جلد الشارب ثمانين، واعتبروه بأدنى الحدود، وهو حد القاذف، واستقر الأمر على ذلك. ٤ - أن عقوبة شارب الخمر ليست حدًّا. ٥ - مشروعية الاستشارة حتى في المسائل الشرعية الاجتهادية. ٦ - فضل عمر لتواضعه وحرصه على صلاح الأمة. ٧ - أنه ينبغي التغليظ في العقوبة التعزيرية كلما كثر في الناس الشرب. ٨ - أن تقيؤ الخمر قرينةٌ قاطعة على شربها، فتجب عقوبته ما لم يدع شبهة. * * * * * (١٤٠٨) وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَالْأَرْبَعَة، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَأَخْرَجَ ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ صَرِيحًا عَنِ الزُّهْرِيِّ (١). * * *

стр. 1106

هذا الحديث هو الأصل في قتل الشارب بعدما يشرب الرابعة، وبعد جلده في المرات الثلاث قبلها، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى ظاهر هذا الحديث، وقالوا: يقتل الشارب بعد الرابعة، وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم قتله، بل يجلد كلما شرب، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه منسوخ، وقد جاء في بعض الروايات ما يدل على نسخه (١). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم الخمر. ٢ - وجوب عقوبة الشارب بالجلد، وتقدم أنه يجلد إما أربعين أو ثمانين، وكلٌّ سُنَّة. ٣ - أن الشارب يجلد في كل مرة، ويقتل في الرابعة، وقد تقدمت الإشارة في هذا والخلاف فيه. والصواب ما ذهب إليه الجمهور من أن الشارب لا يقتل، ودم المسلم معصوم لا يحل إلا ببرهان. * * * * * (١٤٠٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه (٢). (١٤١٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِم (٣). * * * هذان الحديثان اشتملا على حكمين يتعلقان بإقامة الحدود والتعزيرات: أولهما: تحريم ضرب الوجه، فلا يحل ضرب الوجه في حد ولا تعزير ولا تأديب؛ كضرب الرجل امرأته وولده، وقد نص النبي ﷺ على هذا في حق

стр. 1107

المرأة، قال: «وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ» (١). أما الضرب قصاصًا فيجوز؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال سبحانه: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. الثاني: تحريم إقامة الحدود في المساجد؛ لأن ذلك يترتب عليه امتهان المسجد بالصراخ فيه، وكشف العورة، أو تلويثه بالنجاسة من دم أو بول، كما يحصل ذلك في الغالب ممن يُضرب. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - حكمة الشريعة في صيانة الحرمات عن الامتهان. ٢ - حرمة وجه الإنسان. ٣ - حرمة المساجد. * * * * * (١٤١١) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، وَمَا بِالمَدِينَةِ شَرَابٌ يُشْرَبُ إِلَّا مِنْ تَمْرٍ». أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢). (١٤١٢) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: «نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه (٣). (١٤١٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤).

стр. 1108

(١٤١٤) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (١). * * * هذه الأحاديث هي الأصل في تحريم كل مسكر، وأن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرامٌ، وبهذا يعلم أن تحريم الخمر ثابت في الكتاب والسنة والإجماع، فتحريمها معلوم من دين الإسلام بالضرورة، فجاحد تحريمها كافرٌ، وأصل تحريمها من القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُون (٩١)﴾ [المائدة: ٩١]. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن الخمر كانت مباحة حتى بعد الهجرة، ثم حُرِّمت بتدرج؛ بذمها والتنفير عنها أولًا، كما في آية البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، ثم نهي عنها وقت قرب الصلاة في آية النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ثم حرمت تحريمًا قاطعًا في آية المائدة. ٢ - أن التحريم والتحليل إلى الله. ٣ - أن الخمر يكون من الخمسة المذكورات في قول عمر ﵁، وليس ذكرها على سبيل الحصر، فلا مفهوم للعدد. ولهذا قال: «وَالْخَمْرُ: مَا خَامَرَ الْعَقْلَ». ٤ - الرد على من حصر اسم الخمر بعصير العنب، وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة، والجمهور على خلافه، وهو الصواب.

стр. 1109

٥ - أن الخمر ما خامر العقل، أي غطَّاه، وهذا معنى قوله ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ». ٦ - أن «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»؛ كما في حديث جابر ﵁، وهذا شامل لما كان من العنب وغيره. ومن خصَّ اسم الخمر بعصير العنب خصَّ به هذا الحكم، فما كان من غير العنب فلا يحرم عنده منه إلا القدر المسكر. وفي حديث جابر والأحاديث قبله ردٌّ عليه. ٧ - أن الشراب الذي لا يسكر قليله ولا كثيره فليس بحرام. ٨ - في حديث جابر ﵁ شاهد لقاعدة سد الذرائع، بل من حكمة تحريم الخمر سد الذريعة لما تفضي إليه من العداوة والبغضاء. ٩ - أن تحريم الخمر من كمال الشريعة، وأن من أعظم مقاصد الشريعة حفظ العقل. * * * * * (١٤١٥) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فِي السِّقَاءِ، فَيَشْرَبُهُ يَوْمَهُ، وَالْغَدَ، وَبَعْدَ الْغَدِ، فَإِذَا كَانَ مَسَاءُ الثَّالِثَةِ شَرِبَهُ وَسَقَاهُ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ أَهْرَاقَهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث تضمن شيئًا من هديه ﷺ في الشراب، وذلك أنه ﷺ كان ينبذ له الزبيب في السقاء، أي يطرح ليحلو الماء، فيشرب منه ثلاثة أيام، وفي آخرها إن فَضَل شيءٌ سقاه، وإلا أهراقه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز شرب النبيذ الذي لا يسكر. ٢ - استحباب إراقته إذا خشي أن يشتد.

стр. 1110

٣ - في الحديث شاهد لقاعدة سد الذرائع؛ فإنه ﷺ أراق الشراب سدًّا لذريعة أن يُشرب مسكرًا. ٤ - جواز التمتع باللذيذ من الطعام والشراب. * * * * * (١٤١٦) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ». أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان (١). (١٤١٧) وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ؛ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ ﵄ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ يَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ؟ فَقَالَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهَا دَاءٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا (٢). * * * هذان الحديثان أصل في تحريم التداوي بالخمر. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن من رحمة الله لهذه الأمة أن لم يجعل شفاء أي داء متوقفًا على شيء حرمه الله. ٢ - تحريم التداوي بالخمر. ٣ - أنها مجلبة لأنواع من الأمراض؛ فهي داء وليست بدواء. ٤ - جواز التداوي بالمباح. ٥ - أن هدي الصحابة السؤال عن حكم الفعل قبل الإقدام عليه. * * * * *

стр. 1111

بَابُ التَّعْزِيرِ وَحُكْمِ الصَّائِلِ أي هذا باب بيان أحكام التعزير، وهو العقاب أو التأديب بلا تقدير من جهة الشرع، بل المرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم أو غيره ممن له حق العقاب وتغيير المنكر، والصائل: هو المعتدي على غيره بسفك دمه، أو أخذ ماله، أو هتك عرضه، وحكمه: أنه يدفع ولو أدى ذلك إلى قتله. * * * * * (١٤١٨) عَنْ أَبِي بُرْدَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصل في التعزير في غير حدود الله، وقوله ﷺ : «لَا يُجْلَدُ» نفي بمعنى النهي، وقوله: «أَسْوَاطٍ» أي جلدات. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز التعزير بالضرب تأديبًا فيما ليس فيه حق لله تعالى؛ كضرب الرجل امرأته، والوالد ولده، والمعلم تلميذه. ٢ - أنه لا تجوز الزيادة في هذا على عشر جلدات. ٣ - جواز التعزير بأكثر من ذلك فيما هو من حدود الله. ٤ - أن شريعة الإسلام مبناها على الحكمة، وهي وضع الأمور في مواضعها، وتقدير الأشياء بقدرها. * * * * *

стр. 1112

(١٤١٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الحُدُودَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ (١). * * * هذا الحديث أصل في اغتفار الزلة من ذوي الاستقامة بترك المؤاخذة إلا في العقوبات المقدرة، وهي الحدود. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من حكمة الشريعة إنزال الناس منازلهم. ٢ - الحكم على الأشخاص باعتبار الأغلب من أحوالهم. ٣ - الفرق في المؤاخذة على السيئات بين ما كان هفوة أو عادة. ٤ - أن هذه هي سنة الله في شرعه وجزائه، فلا يسوِّي في الحكم والجزاء بين المحسنين والمسرفين، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُون (٢١)﴾ [الجاثية: ٢١]. * * * * * (١٤٢٠) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «مَا كُنْتُ لِأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتُ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي، إِلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). * * * هذا الأثر عن علي ﵁ دليل على أن عقوبة شارب الخمر تعزير لا حدٌّ، وهذا صحيح؛ لما تقدم من أن الشارب كان يجلد على عهد رسول الله ﷺ بالجريد والنعال أربعين، وفي عهد أبي بكر ﵁، وفي أول خلافة عمر ﵁، ثم لما كثر في الناس شرب الخمر جمع عمر ﵁ من حضره من الصحابة

стр. 1113

فاستشارهم، فقالوا: أقل الحدود ثمانون، وهو حد القذف، فاعتبروه به، وقالوا: يجلد الشارب ثمانين. وفي هذا الأثر فوائد؛ منها: ١ - أن عقوبة الشارب تعزير لا حدٌّ. ٢ - أن مذهب عليٍّ أن الشارب إذا مات بتعزيره أنه يجب على الإمام أن يَدِيَه، وهكذا كل من يموت بالتعزير. ٣ - ورع عليٍّ ﵁ واحتياطه في النفس المعصومة. ٤ - أنه لا دية لمن يموت بالحدِّ، كحد الزاني البكر، وحد القاذف، ما لم يكن تعدٍّ. * * * * * (١٤٢١) وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). * * * هذا الحديث أصل في جواز دفع المعتدي الطالب للمال، ولو بالقتال. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز قتال الصائل لأخذ المال. ٢ - جواز قتله إذا لم يندفع إلا بذلك. ٣ - أن المعتدَى عليه إذا قتل فهو شهيد، وقوله: «دُونَ مَالِهِ» أي إذا قُتل وهو يدافع عن ماله، وقوله: «فَهُوَ شَهِيدٌ» أي: من الشهداء الذين مدحهم الله وأثنى عليهم، ﴿وَالشُّهَدَاء عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩].

стр. 1114

٤ - أن من قُتل دون دمه أو أهله فهو شهيد من باب أولى، وقد جاء النص عليهما في بعض روايات الحديث (١). ٥ - فيه شاهد لحديث أبي هريرة ﵁؛ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: «قَاتِلْهُ»، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: «هُوَ فِي النَّارِ» (٢). * * * * * (١٤٢٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ ﵁، قَال: سَمِعْتُ أَبِي ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «تَكُونُ فِتَنٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللهِ المَقْتُولَ، وَلَا تَكُنِ الْقَاتِلَ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٣). (١٤٢٣) وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ نَحْوَهُ: عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ ﵁ (٤). * * * هذا الحديث وما في معناه يستدل به على الكف عن القتال في الفتنة، وهو القتال الذي لا يتبين به المحق من المبطل من المتقاتلين، أو يعلم به أن كلًّا من المتقاتلين مبطلٌ، كالنزاعات على السلطة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - الكف عن القتال في الفتنة.

стр. 1115

٢ - أنه لا يشرع دفع الصائل المتأوِّل في الفتنة، بل يستحب الكف عنه، وقوله ﷺ : «تَكُونُ فِتَنٌ، فَكُنْ فِيهَا عَبْدَ اللهِ المَقْتُولَ، وَلَا تَكُنِ الْقَاتِلَ»؛ لأن المقتول مظلوم إلا أن يشارك في القتال، والقاتل إما ظالم وإما معذور في التأويل. * * * * *

стр. 1116

كِتَابُ الجِهَادِ

стр. 1117

قوله: كتاب الجهاد، أي هذا كتاب تذكر فيه أبواب أحكام الجهاد، ووضعه المؤلف إثر كتاب الحدود اتباعًا لطريقة المصنفين من الشافعية، وأما الحنابلة فإنهم يجعلون الجهاد آخر أبواب العبادات، بعد كتاب الحج وأبواب الهدايا والضحايا. والجهاد في اللغة: مصدر جاهد يجاهد مجاهدة وجهادًا، وهو بذل الجهد للوصول إلى الأمر المطلوب، وهو في الشرع نوعان: عام وخاص، فأما العام فهو بذل الوسع للقيام بكل ما أمر الله به، فيدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وجهاد الكفار بنوعيه، جهادهم بالحجة والبيان، كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢]، وجهادهم بالسيف والسنان، وأما الجهاد بمعناه الخاص، فهو: جهاد الكفار بالقتال؛ لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا هو المراد من الجهاد في سبيل الله في أكثر النصوص، وهذا الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، قال ﷺ : «رَأْسُ الْأمْرِ الْإسْلَامُ، وعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامهِ الْجهَادُ» (١). وقد استفاضت النصوص في الأمر به والترغيب فيه، والثناء على أهله، وبيان ما أعد الله لهم في العقبى، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم (٢٤٤)﴾ [البقرة: ٢٤٤]، وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]، وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾

стр. 1118

[التوبة: ١١١]، وقال: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٢٠]، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيم (٢٢)﴾ [التوبة: ٢٢]، وقال: ﴿وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء: ٩٥]، ومن السنة قوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأَنَّ محَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ» (١)، وقال ﷺ : «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَأَنْفُسِكُمْ، وَأَلْسِنَتِكُم» (٢)، وقال ﷺ : «إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (٣). فجهاد الكفار -إذن- عبادة من أجلِّ العبادات التي يحبها الله تعالى، ويحب أهلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَّرْصُوص (٤)﴾ [الصف: ٤]، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيم (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]. وكذلك دلَّ الكتاب والسنة على أحكام هذه العبادة؛ من الإعداد إلى بلوغ غاية الجهاد، ودون العلماء في مصنفاتهم هذه الأحكام بأدلتها من الكتاب والسنة؛ تحت عنوان: كتاب الجهاد، أوكتاب السِّيَر، ضمن مصنفاتهم المطولة، ومنهم من أفرد الجهاد بمصنف خاص. ومن ذلك: أحكام الجهاد وفضائله؛

стр. 1119

للعز بن عبد السلام، ومنها: الإنجاد في أبواب الجهاد وتفصيل فرائضه وسننه؛ لأبي عبد الله الأزدي القرطبي، وهما مطبوعان. هذا ومن أحكامه الأولية حكمه إجمالًا، وهو أنه فرض كفاية على الأمة، ويصير فرض عين في أسباب وأحوال معينة، كما سيأتي -إن شاء الله- في الكلام على أحاديث هذا الكتاب من بلوغ المرام. * * * * * (١٤٢٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِهِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١٤٢٥) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٢). * * * هذان الحديثان دالَّان على عظم شأن الجهاد في الإسلام، وشاهدان لقوله ﷺ في الإسلام: «وَذرْوَةُ سَنَامهِ الْجهَادُ» (٣)، ولحديث الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، قال ﷺ : «فمَنْ جاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» (٤). وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن الإعراض عن الجهاد فعلًا ونية من شُعَب النفاق، أي من صفات المنافقين، والغزو في الحديث؛ هو الخروج لجهاد الكفار. ٢ - أن من مات على ذلك؛ مات على شعبة من النفاق.

стр. 1120

٣ - أن من تاب من هذه الحال قبل الموت؛ نجا من الذم والعقاب. ٤ - أن النفاق شُعَب، كما أن الإيمان شُعَب. ٥ - أنه يمكن أن يجتمع في الإنسان شُعب إيمان وشُعب نفاق. ٦ - وجوب الإيمان بشريعة الجهاد والإيمان بفضله. ٧ - وجوب جهاد المشركين وغيرهم من طوائف الكفر، بكل نوع من أنواع الجهاد؛ بالمال والنفس في قتالهم، وباللسان بدعوتهم ودحض شبهاتهم. ٨ - أن من أنواع الجهاد: الجهاد بالمال؛ بإنفاقه في سبيل الله. وتقديمه على النفس من تقديم الوسيلة على الغاية، وهو مطرد في القرآن إلا في آية البيع على الله: ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم (١١١)﴾ [التوبة: ١١١]. * * * * * (١٤٢٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ، جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ، الحَجُّ وَالْعُمْرَةُ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (١). * * * هذا الحديث أصل في عدم وجوب الجهاد على النساء، وبيان حكمة ذلك، وهو من أدلة وجوب العمرة، وهو مذهب جمهور العلماء، وذهب جماعة من العلماء إلى أنها ليست واجبة، ولكل من القولين وجوه من الاستدلال، وقد استوفاها شيخ الإسلام في «شرح العمدة»، واختار عدم الوجوب (٢)، وأصل الحديث في صحيح البخاري لكن بلفظ: قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! نَرَى الْجِهَادَ

стр. 1121

أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ»، وهو بهذا اللفظ لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على فضل الحج، ولهذا آثر الحافظ ﵀ هذا اللفظ. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - عدم وجوب الجهاد على النساء. ٢ - وجوب الحج عليهن كوجوبه على الرجال. ٣ - وجوب العمرة على النساء. ٤ - أن الحج والعمرة من نوع الجهاد في سبيل الله. ٥ - الإشارة إلى الفرق بين الحج والعمرة وبين الجهاد في حق المرأة؛ لقوله ﷺ : «لَا قِتَالَ فِيهِ». ٦ - أن المرأة ليست من أهل القتال، وإن جاز خروجها لبعض مصالح المجاهدين مع مراعاة الشروط المعتبرة في سفر المرأة ووجودها مع الرجال. ٧ - حرص عائشة ﵂ على العلم، وعلى فضائل الأعمال. ٨ - حكمة الشريعة في التفريق بين الرجال والنساء في بعض الأحكام؛ لاختلاف الجنسين في الخلقة والطبيعة. ٩ - الرد على من يدعو إلى التسوية بينهما من المطيعين للكفرة في مثل: وثيقة سيداو؛ الداعية إلى التسوية بين المرأة والرجل في كل شيء. * * * * *

стр. 1122

(١٤٢٧) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ: قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٤٢٨) وَلِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ؛ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ؛ وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا» (٢). * * * هذان الحديثان هما الأصل في اشتراط إذن الوالدين في الخروج إلى الجهاد، إلا أن يكون الجهاد فرض عين. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - اعتبار إذن الإمام في الجهاد؛ لأن الرجل جاء يستأذن. ٢ - عظم حق الوالدين. ٣ - أن برهما أفضل من الجهاد. ٤ - فيه شاهد لحديث ابن مسعود ﵁: قلت: يا رسول الله، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (٣). ٥ - اعتبار إذن الوالدين في الجهاد. ٦ - أن بر الوالدين نوعٌ من الجهاد بمعناه العام. ٧ - أن إذنهما لا بد أن يكون صريحًا؛ لقوله: «فَإِنْ أَذِنَا لَكَ». ٨ - استفصال المفتي من المستفتي في مقام الاحتمال. ٩ - تشوُّف الشريعة إلى الألفة بين أفراد الأسرة، ولَمِّ الشمل.

стр. 1123

(١٤٢٩) وَعَنْ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ المُشْرِكِينَ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ البُخَارِيُّ إِرْسَالَهُ (١). * * * هذا الحديث أصل في مفارقة المشركين في المكان، كما تجب مفارقتهم في الدين، ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين (٦)﴾ [الكافرون: ٦]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم الإقامة بين ظهرانَي الكافرين من المشركين وغيرهم، والمراد الإقامة الدائمة، لا العارضة، ويقيد هذا الحكم بما إذا لم يقدر على إظهار دينه، أما إذا قدر على إظهار دينه فلا تحرم عليه الإقامة، إلا أن يترتب على ذلك مفسدة في أمر دينه في نفسه أو أهله، لسبب المخالطة. ٢ - وجوب الهجرة من أرض المشركين، وذلك إذا لم يقدر الإنسان على إظهار دينه بإقامة شعائر الإسلام؛ كالصلاة والأذان، وبالدعوة إلى الله، وهي الدعوة إلى الدخول في دين الله، وخُصَّ من هذا المستضعفون؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] الآية. ٣ - أن الإقامة بين المشركين على الوجه المذكور من كبائر الذنوب؛ لقوله: «أَنَا بَرِيءٌ»، أما من أظهر موافقتهم على دينهم خوفًا منهم مع قدرته على الهجرة؛ فإنه يكفر بهذه الموافقة. * * * * *

стр. 1124

(١٤٣٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * المراد بالفتح فتح مكة، وقد وقع في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة. والمعنى: لا هجرة من مكة بعد الفتح. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الهجرة من مكة كانت واجبة. وقد هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة. ٢ - انقطاع الهجرة من مكة بعد الفتح. ٣ - أن من لم يهاجر قبل الفتح فاتته الفضيلة، لكن بقي له نية صالحة، وهي الرغبة في الهجرة والخروج للجهاد. ٤ - أن مكة كانت دار كفر، فصارت بالفتح دار إسلام، لكن من قدم مكة بعد الفتح من المهاجرين، فليس له البقاء فيها؛ لأنه تركها لله، فلا يرجع فيما تركه؛ لقوله ﷺ : «يُقِيمُ المُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاثًا» (٢). ٥ - أن النية الصادقة بمنزلة العمل. * * * * * (١٤٣١) وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * *

стр. 1125

هذا الحديث تضمَّن أصلًا من أصول العمل الصالح، وهو الإخلاص، كما تضمَّن الضابط للقتال الذي يصدُق عليه أنه في سبيل الله. وفي أصل الحديث أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ فقال: الرجل يُقاتِل حَمِيَّة، ويُقاتِل شجاعة، ويُقاتِل رياء، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من أهم وسائل تحصيل العلم سؤال أهل العلم. ٢ - حرص الصحابة على العلم. ٣ - أن العلم قبل العمل. ٤ - القتال لتكون كلمة الله هي العليا؛ هو القتال في سبيل الله، وكلمة الله: هي دينه التي بعث بها رسله. ٥ - أن القتال لغير ذلك ليس في سبيل الله؛ كالقتال حمية أو وطنية أو رياءً أو شجاعة، فكل ذلك ليس في سبيل الله. ٦ - ذم الحرص على الدنيا والقتال لأجلها. ٧ - الترغيب في إصلاح النية. ٨ - تفاوت الناس في نياتهم. ٩ - أن للنية أثرًا في الأعمال؛ صلاحًا وفسادًا. ١٠ - أن دين الإسلام أعلى الأديان؛ لأنه دين الله. ١١ - فيه شاهد لما خُصَّ به النبي ﷺ من جوامع الكلم. ١٢ - فيه شاهد للأسلوب الحكيم، وهو العدول في الجواب عن مطابقة السؤال للجواب إلى ما هو أوفى، إيجازًا ومضمونًا. * * * * *
следующие страницы →