← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ»، وهو بهذا اللفظ لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على فضل الحج، ولهذا آثر الحافظ ﵀ هذا اللفظ. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - عدم وجوب الجهاد على النساء. ٢ - وجوب الحج عليهن كوجوبه على الرجال. ٣ - وجوب العمرة على النساء. ٤ - أن الحج والعمرة من نوع الجهاد في سبيل الله. ٥ - الإشارة إلى الفرق بين الحج والعمرة وبين الجهاد في حق المرأة؛ لقوله ﷺ : «لَا قِتَالَ فِيهِ». ٦ - أن المرأة ليست من أهل القتال، وإن جاز خروجها لبعض مصالح المجاهدين مع مراعاة الشروط المعتبرة في سفر المرأة ووجودها مع الرجال. ٧ - حرص عائشة ﵂ على العلم، وعلى فضائل الأعمال. ٨ - حكمة الشريعة في التفريق بين الرجال والنساء في بعض الأحكام؛ لاختلاف الجنسين في الخلقة والطبيعة. ٩ - الرد على من يدعو إلى التسوية بينهما من المطيعين للكفرة في مثل: وثيقة سيداو؛ الداعية إلى التسوية بين المرأة والرجل في كل شيء. * * * * *

стр. 1122

(١٤٢٧) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ: قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٤٢٨) وَلِأَحْمَدَ، وَأَبِي دَاوُدَ؛ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوُهُ، وَزَادَ: «ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا، فَإِنْ أَذِنَا لَكَ؛ وَإِلَّا فَبِرَّهُمَا» (٢). * * * هذان الحديثان هما الأصل في اشتراط إذن الوالدين في الخروج إلى الجهاد، إلا أن يكون الجهاد فرض عين. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - اعتبار إذن الإمام في الجهاد؛ لأن الرجل جاء يستأذن. ٢ - عظم حق الوالدين. ٣ - أن برهما أفضل من الجهاد. ٤ - فيه شاهد لحديث ابن مسعود ﵁: قلت: يا رسول الله، أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (٣). ٥ - اعتبار إذن الوالدين في الجهاد. ٦ - أن بر الوالدين نوعٌ من الجهاد بمعناه العام. ٧ - أن إذنهما لا بد أن يكون صريحًا؛ لقوله: «فَإِنْ أَذِنَا لَكَ». ٨ - استفصال المفتي من المستفتي في مقام الاحتمال. ٩ - تشوُّف الشريعة إلى الألفة بين أفراد الأسرة، ولَمِّ الشمل.

стр. 1123

(١٤٢٩) وَعَنْ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ المُشْرِكِينَ». رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَرَجَّحَ البُخَارِيُّ إِرْسَالَهُ (١). * * * هذا الحديث أصل في مفارقة المشركين في المكان، كما تجب مفارقتهم في الدين، ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين (٦)﴾ [الكافرون: ٦]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم الإقامة بين ظهرانَي الكافرين من المشركين وغيرهم، والمراد الإقامة الدائمة، لا العارضة، ويقيد هذا الحكم بما إذا لم يقدر على إظهار دينه، أما إذا قدر على إظهار دينه فلا تحرم عليه الإقامة، إلا أن يترتب على ذلك مفسدة في أمر دينه في نفسه أو أهله، لسبب المخالطة. ٢ - وجوب الهجرة من أرض المشركين، وذلك إذا لم يقدر الإنسان على إظهار دينه بإقامة شعائر الإسلام؛ كالصلاة والأذان، وبالدعوة إلى الله، وهي الدعوة إلى الدخول في دين الله، وخُصَّ من هذا المستضعفون؛ لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] الآية. ٣ - أن الإقامة بين المشركين على الوجه المذكور من كبائر الذنوب؛ لقوله: «أَنَا بَرِيءٌ»، أما من أظهر موافقتهم على دينهم خوفًا منهم مع قدرته على الهجرة؛ فإنه يكفر بهذه الموافقة. * * * * *

стр. 1124

(١٤٣٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * المراد بالفتح فتح مكة، وقد وقع في رمضان في السنة الثامنة من الهجرة. والمعنى: لا هجرة من مكة بعد الفتح. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الهجرة من مكة كانت واجبة. وقد هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة. ٢ - انقطاع الهجرة من مكة بعد الفتح. ٣ - أن من لم يهاجر قبل الفتح فاتته الفضيلة، لكن بقي له نية صالحة، وهي الرغبة في الهجرة والخروج للجهاد. ٤ - أن مكة كانت دار كفر، فصارت بالفتح دار إسلام، لكن من قدم مكة بعد الفتح من المهاجرين، فليس له البقاء فيها؛ لأنه تركها لله، فلا يرجع فيما تركه؛ لقوله ﷺ : «يُقِيمُ المُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلاثًا» (٢). ٥ - أن النية الصادقة بمنزلة العمل. * * * * * (١٤٣١) وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * *

стр. 1125

هذا الحديث تضمَّن أصلًا من أصول العمل الصالح، وهو الإخلاص، كما تضمَّن الضابط للقتال الذي يصدُق عليه أنه في سبيل الله. وفي أصل الحديث أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ فقال: الرجل يُقاتِل حَمِيَّة، ويُقاتِل شجاعة، ويُقاتِل رياء، فأيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ». وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من أهم وسائل تحصيل العلم سؤال أهل العلم. ٢ - حرص الصحابة على العلم. ٣ - أن العلم قبل العمل. ٤ - القتال لتكون كلمة الله هي العليا؛ هو القتال في سبيل الله، وكلمة الله: هي دينه التي بعث بها رسله. ٥ - أن القتال لغير ذلك ليس في سبيل الله؛ كالقتال حمية أو وطنية أو رياءً أو شجاعة، فكل ذلك ليس في سبيل الله. ٦ - ذم الحرص على الدنيا والقتال لأجلها. ٧ - الترغيب في إصلاح النية. ٨ - تفاوت الناس في نياتهم. ٩ - أن للنية أثرًا في الأعمال؛ صلاحًا وفسادًا. ١٠ - أن دين الإسلام أعلى الأديان؛ لأنه دين الله. ١١ - فيه شاهد لما خُصَّ به النبي ﷺ من جوامع الكلم. ١٢ - فيه شاهد للأسلوب الحكيم، وهو العدول في الجواب عن مطابقة السؤال للجواب إلى ما هو أوفى، إيجازًا ومضمونًا. * * * * *

стр. 1126

(١٤٣٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّعْدِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْعَدُوُّ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * مضمون هذا الحديث التنبيه إلى التلازم بين الهجرة والجهاد في سبيل الله، بقتال الكفار. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وأنها باقية إلى يوم القيامة. ٢ - التلازم بين الجهاد والهجرة عملًا واقعًا؛ لأن كلًّا منهما يقتضي وجود دارين؛ دار الإسلام ودار العدو، وهم الكفار المحاربون. * * * * * (١٤٣٣) وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: «أَغَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ، وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَهُمْ. حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ﵄». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * اشتمل هذا الحديث على ذكر غزو النبي ﷺ لبني المصطلق، وأنه أغار عليهم غِرَّة وسبى نساءهم وذراريهم، وكانت هذه الغزوة في السنة السادسة، وتسمى المُرَيسِيع. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن إحدى غزوات النبي ﷺ غزوة بني المصطلق.

стр. 1127

٢ - جواز الإغارة على العدو من الكفار على غِرَّة، أي غفلة، وهو معنى: «وَهُمْ غَارُّونَ»، أي: غافلون. ٣ - جواز القتال قبل الدعوة، لمن سبقت دعوتهم. ٤ - أن من تقدمت دعوتهم إلى الإسلام من الكفار لا تجب دعوتهم عند العزم على قتالهم، بل تستحب. ٥ - أن من أحكام الجهاد في سبيل الله غنيمةَ أموال من ظهر عليهم المسلمون من الكفار، وسبيَ نسائهم وذراريهم. وذلك بإجماع العلماء. ٦ - أن النبي ﷺ غنم أموال بني المصطلق، وسبى نساءهم وذراريهم، ومن نسائهم جويرية بنت الحارث ﵂، التي صارت زوجًا للنبي ﷺ ، فإنه أعتقها، وجعل عتقها صداقها. * * * * * (١٤٣٤) وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ المُسْلِمِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ تَعَالَى وَقَاتِلْهُمْ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا

стр. 1128

ذِمَّةَ اللهِ، وَإِذَا أَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تَفْعَلْ، بَلْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا حديث عظيم الشأن جليل القدر، تضمَّن هدي النبي ﷺ مع أمرائه إذا أمَّرهم على الجيوش والسرايا، وهو أنه يوصيهم ويعلمهم ويأمرهم وينهاهم؛ يوصيهم في أنفسهم بتقوى الله، وبمن معهم من المسلمين خيرًا، يأمرهم بالغزو على اسم الله، أي مستعينين بالله، ذاكرين لله، ويعين لهم من يقاتلونه: «قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ»، أي: من عموم الناس، وينهاهم عن كل ما يقدح في العدل والإحسان والرحمة: «اغْزُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»، ثم يبين لهم ﷺ إذا لقوا العدو ما يدعونهم إليه، وهو ثلاثة أمور مرتبة: الدعوة إلى الإسلام، ثم دعوة من أسلم إلى الهجرة، ثم دعوة من أبى الإسلام إلى أداء الجزية، ثم قتال من أبى ذلك كله: «وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ المُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ: ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ المُهَاجِرِينَ … ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا -أي: الإسلام- فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ تَعَالَى وَقَاتِلْهُمْ»، ويوصي ﷺ الأمير إذا حاصر أهل حصن، أي من حصون العدو، فأرادوا أن يجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله، أي: عهد الله وعهد رسوله أوصاه ألا يجيبهم إلى ذلك، بل يجعل لهم ذمته وذمة أصحابه، وإذا أراد أهل الحصن من أمير المسلمين أن ينزلهم على حكم الله وحكم رسوله فلا يفعل، بل على حكمه، مع بيانه ﷺ لعلة هذين الحكمين.

стр. 1129

وقد اشتمل هذا الحديث على كثير من السياسة الشرعية في الجهاد، وأحكامه الفقهية، فالحديث يعتبر منهجًا للمجاهدين في سبيل الله في قتالهم لأعداء الله الكافرين. وفي الحديث فوائد كثيرة؛ منها: ١ - مشروعية تجهيز الجيوش والسرايا لغزو الكفار في عُقر دارهم ابتداءً، ولو لم يقاتلونا. ٢ - الردُّ على من يقول: إن الجهاد شُرع دفاعًا فقط. ٣ - أن الغاية من الجهاد إعلاء كلمة الله؛ إما بالدخول في الإسلام، أو فرض سيادة الإسلام على البلاد، ففي الحديث: ٤ - شاهد لقوله ﷺ : «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (١). ٥ - مشروعية تأمير أمير على كل جيش وسرية. ٦ - وصية الإمام لأمرائه بتقوى الله. ٧ - وصيته لهم بمن معهم من المسلمين خيرًا من الإحسان والصبر والعفو والرفق. ٨ - وصيتهم بالاستعانة بالله وإخلاص النية. ٩ - التنبيه إلى نوع من يقاتلهم المسلمون، وهم الكفار. ١٠ - بيان علة القتال، وهي الكفر بالله. ١١ - فيه شاهد لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّار﴾ [التوبة: ١٢٣]:، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وخُصَّ منهم من جاء النهي عن قتلهم.

стр. 1130

١٢ - تحريم الغلول. ١٣ - تحريم الغدر. ١٤ - تحريم التمثيل، وهو قطع أطراف القتيل من الكفار. ١٥ - تحريم قتل الولدان، وفي حكمهم النساء والرهبان والشيخ الفاني، وكل من ليس من أهل القتال، كما جاءت بذلك الأحاديث والآثار، ففيه: ١٦ - أن دين الإسلام دين العدل والحكمة والرحمة. ١٧ - الدعوة إلى الإسلام قبل القتال. ١٨ - فيه شاهد لقوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (١). ١٩ - دعوة من أسلم إلى الهجرة. ٢٠ - دعوة من أبى الإسلام من الكفار إلى بذل الجزية. ٢١ - أن الجزية تؤخذ من عموم الكفار، لا تختص بأهل الكتاب، وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم، وذهب الجمهور إلى أن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب، كما في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ٢٢ - أن الكافر الأصلي لا يكره على الدخول في الإسلام، بل يقر على دينه إذا أعطى الجزية. ٢٣ - الاستعانة بالله في قتال الكفار. ٢٤ - مشروعية الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وتجب الهجرة على من لم يستطع إظهار دينه، إلا أن يكون من المستضعفين.

стр. 1131

٢٥ - أن من لم يستطع الهجرة وهو قادر على إظهار دينه فليس له من الغنيمة شيء، وكذلك الأعراب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. ٢٦ - أنه ليس للأمير أن يعطي لكافر -يريد العهد- عهدَ الله وعهدَ رسوله بل يعطيه عهده وعهد أصحابه. ٢٧ - بيان العلة في ذلك من الحديث: «فَإِنَّكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ». ٢٨ - أنه لا يجوز للأمير أن ينزل أحدًا من الكفار طَلب النزول على حكم الله، بل ينزلهم على حكمه وحكم أصحابه. ٢٩ - بيان العلة في ذلك: «فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا». ٣٠ - أنه لا يجوز للمستفتي في المسائل الاجتهادية أن يقول: أريد حكم الله. ولا يجوز للمفتي أن يقول في جوابه: هذا حكم الله، بل يقول: هذا حكمي فيما ظهر لي. ٣١ - جواز حصار الكفار في حصونهم لإنزالهم بعهد وأمان، أو إنزالهم للحكم فيهم بالقتل أو غيره. ٣٢ - جواز إضافة العهد والحكم إلى الله ورسوله بالعطف بالواو، وهكذا في كل الأمور الشرعية، كالإيمان بالله ورسوله، وطاعة الله ورسوله، ومحبة الله ورسوله ﷺ . * * * * * (١٤٣٥) وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * *

стр. 1132

هذا طرف من حديث كعب بن مالك الطويل في غزوة تبوك، وذكر الثلاثة المخلَّفين الذين أحدهم كعب بن مالك، وقد تضمن هذا الطرفُ المذكور من سياسته ﷺ في غزو العدو، وهو أنه إذا أراد غزو أحد من الكفار في ناحية من النواحي، ورَّى بأنه يريد غيرها، والمعنى أنه يقول كلامًا يوهم السامع أنه يريد ناحية غير تلك الناحية، كأن يسأل عن طريقها، أو مياهها، ليُعمِّي على العدو أنه يريدهم، ليأتيهم بغتة على غِرة، وذلك في حق من سبقت دعوتهم إلى الإسلام. والغرض من تلك السياسة قطع طمع من يريد التجسس على المسلمين، وإبلاغَ العدو خبر المسلمين، وقد فعل النبي ﷺ ذلك في غزوة الفتح، وأنكر على حاطب ﵁ ما وقع منه من إرسال كتاب لأهل مكة، لشبهة عرضت له، وقد غفر الله له. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية غزو الكفار لإعلاء كلمة الله. ٢ - جواز غزو الكفار على غِرة، ممن ليس له عهد، وقد دُعوا إلى الإسلام. ٣ - أن السياسة الشرعية من الدين، ومن ذلك سياسة الجهاد في سبيل الله. ٤ - الرد على من يقول: إن الدين لا شأن له في السياسة، فيدعو إلى فصل الدين عن الدولة. ٥ - أن من سياسة الجهاد المكرَ بالعدو، ومنه التورية، لكن لا بالغدر والخيانة. ٦ - جواز التورية بالفعل والكلام للحاجة فيما لا ظلم فيه، ولا مخالفة شرعية، ومن ذلك ما جاء في حديث الهجرة في البخاري (١) أن أبا بكر كان إذا سئل: من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، فيظنون أنه يدله الطريق، أي: الطريق الحسِّي، وهو يريد الطريق إلى الله.

стр. 1133

(١٤٣٦) وعَنْ مَعْقِلٍ؛ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ قَالَ: «شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ أَخَّرَ الْقِتَالَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١). وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (٢). * * * تضمن هذا الحديث شيئًا من هديه ﷺ في سياسة القتال، وهو أنه يغير على العدو صباحًا، سنةَ الله في عذاب الكافرين، فإذا لم يتيسر ذلك أخَّر القتال حتى تزول الشمس؛ لأنه وقت هبوب الرياح ونزول النصر. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية الجهاد لقتال الكفار. ٢ - تحري الأوقات المناسبة للغارة على العدو وبدء القتال. ٣ - أن أفضل الأوقات للغارة على العدو أول النهار. ٤ - أنه إذا لم يتهيأ القتال في الصباح فالسُّنَّة التأخير إلى ما بعد الزوال، والسبب في ذلك تعليل هذه السُّنَّة بأن ما بعد الزوال وقتُ هبوب الرياح ونزول النصر. * * * * * (١٤٣٧) وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الدَّارِ مِنَ المُشْرِكِينَ يُبَيَّتُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، فَقَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * *

стр. 1134

هذا الحديث أصل في تبييت المشركين في مساكنهم، وقتلهم ومن معهم من النساء والذرية، إذا لم يمكن تمييزهم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية الجهاد في سبيل الله بقتال المشركين. ٢ - جواز رميهم بما يعم، من يقاتل ومن لا يقاتل من النساء والصبيان؛ كالمنجنيق، وهو آلة تستعمل في ضرب العدو، يُرمى به الحجر العظيم. ٣ - في الحديث شاهد لقاعدة: يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا. ٤ - الإيجاز البليغ في جوابه ﷺ : «هُمْ مِنْهُمْ». ٥ - أن النساء والذرية لا يجوز قتلهم بالقصد؛ لما ورد من النهي عن ذلك، ولذا سئل الرسول ﷺ عن أهل الدار من المشركين «يُبَيَّتُونَ». ٦ - أن من كثَّر سواد العدو من المسلمين فإن حُكمَه حكمُهم في الكفر وإباحة الدم. ٧ - أن حكم أولاد المشركين في الدنيا حكم آبائهم في الجملة. ٨ - اشتمال أحكام الجهاد في سبيل الله على الحكمة والرحمة مع سمو الغاية. * * * * * (١٤٣٨) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ تَبِعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: «ارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث أصل في منع الاستعانة بالكافر والمشرك في الجهاد في سبيل الله.

стр. 1135

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الجهاد عبادة لا تصح إلا من مسلم. ٢ - أنه لا يجوز الاستعانة بالكافر في الجهاد، ولو تطوع بذلك، إلا عند الضرورة، ومما يدل لذلك ما رواه أبو داود عن ذي مخبر أو ذي مخمر مَرْفُوعًا، وفيه: «سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ، فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ» (١). الحَدِيْثَ. ٣ - أنه لا يستعان بأهل الذمة في القتال بأنفسهم، بل بأموالهم، في قتال الدفع. ٤ - وجوب الحذر من الكفار. ٥ - تحريم توليتهم الولايات في بلاد المسلمين. * * * * * (١٤٣٩) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَأَنْكَرَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١٤٤٠) وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْتُلُوا شُيُوخَ المُشْرِكِينَ، وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣). * * * هذان الحديثان أصل في تحريم قتل النساء والصبيان وهم المقصودون بقوله ﷺ : «وَاسْتَبْقُوا شَرْخَهُمْ» عند قتال المشركين، وقد تضافرت السنة في ذلك، وقد استدل لهذا الحكم بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]، على أحد وجوه التفسير لهذه الآية.

стр. 1136

وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن قتال الكفار ليس لمجرد الكفر، بل لمباشرتهم قتال المسلمين، أو استعدادهم لذلك. ٢ - قتل الرجال البالغين من المشركين، وهو معنى قوله ﷺ : «اقْتُلُوا شُيُوخَ المُشْرِكِينَ». ٣ - أن دين الإسلام دين العدل والرحمة للخلق. ٤ - أن الغاية من الجهاد الدخولُ في الإسلام، أو سيادة المسلمين على ذوي الشوكة. ٥ - تخصيص هذين الحديثين لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. ٦ - إنكار المنكر، وإن وقع خطأ. * * * * * (١٤٤١) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ أَنَّهُمْ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُطَوَّلًا (١). (١٤٤٢) وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ قَالَ: إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، يَعْنِي: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، قَالَهُ رَدًّا عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَمَلَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (٢). * * *

стр. 1137

هذان الحديثان أصل في جواز تعريض المجاهد نفسَه للقتل بيد العدو بالمخاطرة والمغامرة، لا بيده وفعله، كما في العمليات الانتحارية، فإنها من قتل الإنسان نفسه. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - جواز المبارزة. ٢ - فضل الصحابة الذين تبارزوا يوم بدر، وهم عليٌّ وحمزة وعبيدة ﵃، ويقابلهم من المشركين: شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩]. ٣ - التباين بين البشر في العمل والمصير؛ كما في الآيات بعد الآية المذكورة في سورة الحج. ٤ - أن الصحابة المذكورين ممن شهد بدرًا. ٥ - جواز انغماس المجاهد في العدو بالحمل على العدو، وإن غلب على ظنه الهلاك. ٦ - الرد على من ظن أن هذا من الإلقاء باليد إلى التهلكة المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. ٧ - تحريم الإلقاء بالنفس إلى التهلكة بالقعود عن الجهاد، أو المخاطرة التي ليس فيها مصلحة راجحة. ٨ - أن الإنسان لا يملك التصرف المطلق في نفسه؛ لأنها ليست ملكه، بل ملك الله. ٩ - التفسير الصحيح لهذه الآية هو ما ذكره أبو أيوب ﵁، وهو القعود عن الجهاد. ١٠ - أن الهلاك يكون حسيًّا ومعنويًّا، فالحسيُّ بإراقة الدم، والمعنويُّ بالكفر والمعاصي، ومنها الشحُّ. * * * * *

стр. 1138

(١٤٤٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَّعَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصل في إتلاف أموال العدو من الكفار غيظًا لهم، وإن كانت تفوت على المسلمين، وقد تضمن الحديث بعض ما جرى في غزوة بني النضير، وهو قطع نخلهم، كما أشار إليه تعالى في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِين (٥)﴾ [الحشر: ٥]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن النبي ﷺ جاهد بني النضير لا بالقتال، بل بحصارهم بغيظهم بإتلاف أعز أموالهم، وهي نخلهم. ٢ - جواز إتلاف أموال العدو غيظًا لهم. ٣ - فيه شاهد لقاعدة: تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، وارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أكبرهما. ٤ - جواز قطع النخل للحاجة والمصلحة. ٥ - شدة عداوة اليهود؛ لحرص الرسول ﷺ على غيظهم. * * * * * (١٤٤٤) وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَغُلُّوا؛ فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). * * *

стр. 1139

هذا الحديث من أدلة تحريم الغلول، والغلول: هو الأخذ من الغنيمة قبل القسمة بغير إذن الإمام، ويلتحق بالغنيمة سائر أموال بيت المال، كما يدل لذلك قوله ﷺ : «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» (١)، وحديث ابن اللُّتبيَّة (٢). والأحاديث في النهي عن الغلول وتعظيم أمره كثيرة، ومن ذلك ما جاء أن الغالَّ يأتي بما غلَّ يحمله يوم القيامة؛ بعيرًا أو شاة أو ذهبًا أو فضة، يدل لذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - النهي عن الغلول. ٢ - أن الغلول سبب للفضيحة يوم القيامة، ومن ذلك أنه يأتي بما غل يحمله؛ إما بعير له رغاء، أو فرس لها حمحمة، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَر، وهو معنى قوله: «فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ». ٣ - أن الغلول سبب لدخول النار؛ لقوله: «نَارٌ وَعَارٌ». ٤ - أنه كذلك نار وعار في الدنيا؛ لقوله: «فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». ٥ - أن الغلول من الكبائر؛ لوعيد الغالِّ بالنار. ٦ - التحذير من الغلول بذكر الوعيد. ٧ - فيه شاهد للمجاز المرسل في قوله: «فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ»، وهو من التعبير بالمسبَّب عن السبب. ٨ - حسن تعليمه ﷺ حيث يقرن الحكم بعلته. * * * * *

стр. 1140

(١٤٤٥) وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (١). (١٤٤٦) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁؛ فِي قِصَّةِ قَتْلِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ: «أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟» قَالَا: لَا، قَالَ: فَنَظَرَ فِيهِمَا فَقَالَ: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ، سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذا الحديث أصل في إعطاء القاتل سَلَب المقتول من الكفار، والسَّلَب: ما على المقتول أو معه من ثيابه وسلاحه ومركوبه، ولهذا الحديث شواهد من السنة صحيحة؛ كقوله ﷺ في الجاسوس الذي قتله سلمة بن الأكوع ﵁: «لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ» (٣). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن السَّلَب للقاتل خاصة، ولا يدخل في الغنيمة، ولكن هل يستحقه بأصل حكم الشرع، ولو لم يصرح الإمام بذلك بقوله: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (٤)، أو لا بد من تصريح الأمير أو القائد؟ قولان للعلماء. ٢ - أن السَّلَب لا يُخمَّس وإن كان كثيرًا، بل كله للقاتل، ويؤيده ما جاء في الحديث نفسه: «قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ، وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ». ٣ - تشجيع المجاهدين على قتل المشركين، وإغراؤهم بهم، بتخصيص القاتل بأمر دنيوي؛ كسَلَب المقتول لقاتله، وتنفيله من الغنيمة. ٤ - حسن تدبير النبي ﷺ بتفضيل من له مزيد غَناء ونفع في الجهاد.

стр. 1141

٥ - أنه يستحب للأمير أن يشترط قبل القتال أو في أثنائه: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (١). ٦ - أن ذلك لا يقدح في نية المجاهد إذا كان أصل نيته إعلاء كلمة الله، كما لا يضر المجاهدين الرغبة في الغنيمة، وإن كان الذي لا يقصد شيئًا من ذلك أفضلَ وأوفرَ أجرًا. ٧ - أن للجهاد خصوصية في الترغيب فيه، لذلك أباح الله للمجاهدين غنيمة أموال الكفار، وسبيَ نسائهم وذراريهم، ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]. ٨ - أن أبا جهل -لعنه الله- قُتل يوم بدر. ٩ - أن الذي قتله معاذ بن عمرو بن الجموح ﵁، وأعطاه النبي ﷺ سَلَبه. ١٠ - أن ابنَي عفراء لم يقتلاه، بل ضرباه بسيفيهما، ولكن الضربة القاتلة كانت بيد معاذ بن عمرو بن الجموح ﵁. ١١ - حسن خلقه ﷺ بتطييب نفس الغلامين بقوله: «كِلَاكُمَا قَتَلَهُ»، وإن فاتهما السَّلَب لم يفتهما الأجر؛ لصدق نيتهما، وفعلهما غاية ما يقدران عليه. ١٢ - العمل بالقرائن؛ لقوله: فنظر فيهما، أي في سيفيهما. ١٣ - فضل شباب الصحابة بمنافستهما الكبار في الجهاد. ١٤ - فيه شاهد لقوله ﷺ : «أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» (٢). * * * * *

стр. 1142

(١٤٤٧) وَعَنْ مَكْحُولٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَبَ المَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «المَرَاسِيلِ»، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (١). (١٤٤٨) وَوَصَلَهُ الْعُقَيْلِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ (٢). (١٤٤٩) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٤٥٠) وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَةً صَبْرًا. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «المَرَاسِيلِ»، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (٤). (١٤٥١) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ المُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ المُشْرِكِينَ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٥). وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ (٦). (١٤٥٢) وَعَنْ صَخْرِ بْنِ الْعَيْلَةِ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهمْ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ (٧). (١٤٥٣) وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: «لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٨). * * * اشتملت هذه الأحاديث الستة على جملة من هديه ﷺ في سياسة القتال والجهاد في سبيل الله:

стр. 1143

١ - ضرب العدو بالمنجنيق، وهو آلة معروفة يرمى بها الحجر العظيم فيصيب الجمع من العدو، وقد يكون فيهم من ليس من أهل القتال، فيقتلون تبعًا. ٢ - أن من اشتدت عداوته من الكفار؛ كسابِّ النبي ﷺ لا يشمله التأمين العام ولا الخاص؛ فقد قال ﷺ : «وَمَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ» (١)، ومع ذلك أمر بقتل ابن خطل؛ لأنه كانت له جاريتان تغنيان بهجاء النبي ﷺ . ٣ - أنه ﷺ قد يقتل بعض الأسرى صبرًا؛ لشدة عداوتهم، وإن فادى غيرهم أو عفا عنه. ٤ - مفاداة بعض أسرى المسلمين عند الكفار ببعض أسرى الكفار لدى المسلمين. ٥ - أنه ﷺ لا يقتل من أسلم من الكفار حال القتال أو في الأسر؛ لأنه بإسلامه صار معصوم الدم والمال. ٦ - أنه ﷺ ينظر إلى المصلحة في معاملة الأسرى من قتل أو عفو أو مفاداة. وفي الأحاديث فوائد زيادة على ما تقدم؛ منها: ٧ - جواز قتال العدو بما يعم من لا يجوز قصده بالقتل؛ كالنساء والذرية، إذا لم يمكن الاحتراز منهم. ٨ - فيه شاهد لحديث سئل ﷺ عن أهل الدار يُبيَّتون وفيهم النساء والذرية، فقال: «هُمْ مِنْهُمْ» (٢). ٩ - مشروعية فعل الأسباب الواقية؛ وذلك أن النبي ﷺ لبس المغفر.

стр. 1144

١٠ - أن سابَّ النبي ﷺ من الكفار لا أمان له، وأن البيت لا يعيذه ولو تعلق بأستاره. ١١ - مشروعية ستر الكعبة، وأنه موروث من قبل البعثة. ١٢ - أن الإخبار عن الجاني ليس نميمة ولا وشاية. ١٣ - أن من المعروف عند المشركين تعظيم البيت الحرام، والاحتماء فيه. ١٤ - جواز قتل المرتد في مكة. ١٥ - أنه لا يجب الإحرام على من أراد دخول مكة، وفي المسألة قولان للعلماء؛ أحدهما: أنه لا يجب إلا على من أراد حجًّا أو عمرة. الثاني: أنه يجب الإحرام على كل داخل إلا في أحوال مخصوصة، ومنها دخولها لقتال مباح، كحال النبي ﷺ في غزوة الفتح. ١٦ - جواز دخول مكة بلا إحرام حال القتال، لقوله: «وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ». والمغفر: ما يغطي الرأس من الدِّرع. ١٧ - جواز قتل الأسرى من الكفار أو بعضهم، إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك. ١٨ - جواز العفو عن الأسرى، وهو المنُّ عليهم، إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك. ١٩ - شكر النبي ﷺ لجميل المطعم بن عدي الذي دخل النبي ﷺ في جواره يوم رجع من الطائف إلى مكة؛ لقوله ﷺ : «لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا … » إلخ. مع أن المطعم كان مشركًا، والمراد بالنتنى: الأسرى من الكفار في بدر. ٢٠ - جواز غيبة الكافر؛ لقوله: «هَؤُلَاءِ النَّتْنَى» ويؤيد هذا المعنى قوله ﷺ في الغيبة: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَه» (١)، والكافر ليس أخًا. * * * * *

стр. 1145

(١٤٥٤) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَحَرَّجُوا، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث أصل في حل السبايا ذوات الأزواج من الكفار، ويوم أوطاس هو يوم حنين؛ فإن أوطاس موضع قريب من حنين، وهما بين مكة والطائف، وكانت الغزوة في السنة الثامنة بعد فتح مكة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من غزوات الرسول ﷺ غزوة أوطاس، وهو اسم لغزوة حنين، سميت بهذا وهذا لتقارب الموضعين، قال ابن حجر: (أوطاس) اسم واد في ديار هوازن، وهو موضع حرب حنين (٢). ٢ - جواز سبي النساء، وإن كن ذوات أزواج. ٣ - انفساخ نكاح المسبية من زوجها الكافر. ٤ - حل وطء الأمة المملوكة بملك اليمين وإن كانت غير كتابية، وقد ذهب جماهير العلماء الأئمة الأربعة وجمهور أتباعهم إلى أنه لا يحل وطء الأمة غيرِ الكتابية بملك اليمين، كما لا يحل نكاحها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، واستثني من ذلك حرائر أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥] إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، أي: وأُحِلَّ لكم المحصنات … ، وهن الحرائر العفيفات، فبقيت الإماء المشركات على حكم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾، وذهب جمع من العلماء إلى جواز

стр. 1146

التسري بالأمة وإن لم تكن كتابية، استدلالًا بما جاء في شأن سبايا أوطاس، وهو قول قويٌّ، وتكون آية البقرة ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ مخصصةً بالسنة، وهو ما ورد في شأن سبايا أوطاس، والله أعلم. ٥ - ورع الصحابة عن الإقدام على ما اشتبه حله عليهم. ٦ - أن قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ [النساء: ٢٤] في شأن سبايا أوطاس، وكنَّ ذوات أزواج، فتحرج الصحابة من وطئهن. ٧ - تفسير هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فلا يستدل بها على حلِّ الأمة ذات الزوج المسلم، فإنها لا تحل لسيدها، ولا يملك فسخ نكاحها من زوجها، حرًّا كان أو عبدًا. ٨ - تبيين الله لأحكام النكاح، ورفع الحرج عن عباده، كما قال تعالى في آخر هذه الآيات: ﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيم (٢٦)﴾ [النساء: ٢٦]. ٩ - ثبوت الرق في الإسلام، وأن أصله السبي في الجهاد. * * * * * (١٤٥٥) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَرِيَّةً وَأَنَا فِيهِمْ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٤٥٦) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٢). وَلِأَبِي دَاوُدَ: أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَلِفَرَسِهِ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ: سَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمًا لَهُ (٣).

стр. 1147

(١٤٥٧) وَعَنْ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا نَفْلَ إِلَّا بَعْدَ الخُمُسِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ (١). (١٤٥٨) وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَفَّلَ الرُّبُعَ فِي الْبَدْأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (٢). (١٤٥٩) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنْ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قَسْمِ عَامَّةِ الْجَيْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٤٦٠) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ، فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَبِي دَاوُدَ: فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمُسُ. وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤). (١٤٦١) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَارُودِ وَالْحَاكِمُ (٥). (١٤٦٢) وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ المُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ (٦). * * *

стр. 1148

هذه الأحاديث تضمنت صفة قسم الغنيمة، وما يحل أخذه منها قبل تخميسها من النفل وغيره. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - حل الغنائم للمجاهدين، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]. ٢ - أن الجيش يشاركون السرية فيما غنمت. ٣ - أن للإمام أن يُنفِّل السرية، أي يفضلها على سائر الجيش مما غنمت. ٤ - أن الغنيمة بين المجاهدين للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم. ٥ - أنه لا نَفَل إلا بعد الخمس، أي: تنفيل بعض الجيش يكون من أربعة أخماس الغنيمة. ٦ - أن الإمام ينفل السرية المنبعثة من الجيش في بدء الغزو ربع ما غنمت، أي تختص به دون سائر الجيش، وإن كان بعثُها بالرجوع فينفلها ثلث ما غنمت. ٧ - أن الطعام والفاكهة والعسل ونحوها يجوز لأفراد الجيش الأكل منها قدر الحاجة، من غير ادخار، قبل التخميس. ٨ - أنه ليس للمجاهد أن يستعمل شيئًا من الغنيمة من دابة وثوب، فيستهلك منفعته، ثم يرده فيها. * * * * * (١٤٦٣) وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَحْمَدُ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ (١). (١٤٦٤) وَلِلْطَيَالِسِيِّ: مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: «يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ» (٢).

стр. 1149

(١٤٦٥) وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ»: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» (١). (١٤٦٦) زَادَ ابْنُ مَاجَه مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: «ويُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ» (٢). (١٤٦٧) وَفِي ««الصَّحِيحَيْنِ»»: مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ ﵂: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ» (٣). * * * تضمنت هذه الأحاديث حكم إجارة المسلم للكافر، والمراد أن يكون في عهدٍ من المسلم، بألا يعتدي عليه أحد من المسلمين. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - جواز إجارة المسلم للكافر. ٢ - أن لكل مسلم أن يجير من الكفار من لا ضرر على المسلمين بجواره. ٣ - إباحة جوار المرأة. ٤ - إباحة جوار العبد. ٥ - أن محل هذا الجوار في الواحد والجماعة القليلة من الكفار، بأمر جزئي، أما جوار أمة أو أهل بلد فليس ذلك إلا للإمام. * * * * * (١٤٦٨) وَعَنْ عُمَرَ ﵁؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). * * *

стр. 1150

هذا الحديث أصل في وجوب تخصيص جزيرة العرب للمسلمين، وتطهيرها من غيرهم، ويشهد لهذا الحديث قوله ﷺ عند موته كما في «الصَّحِيحَيْنِ»: «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (١)، وعند البزار وغيره: «أَخْرِجُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى» (٢)، وفي الموطأ: «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (٣)، والمراد بجزيرة العرب على ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: من البحر الأحمر إلى الخليج العربي، ومن أقصى حِجْرِ اليمامة إلى أوائل الشام، قال شيخ الإسلام: «ولا تدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعثة وقبلها» (٤). وفي هذه الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - فضل جزيرة العرب. ٢ - وجوب تطهيرها من اليهود والنصارى والمشركين. ٣ - تحريم منح الجنسية والإقامة الدائمة لأي كافر في جزيرة العرب. ٤ - وصية النبي ﷺ عند موته بإخراج المشركين من جزيرة العرب، كما جاء في إحدى روايات الحديث (٥). ٥ - أن عمر ﵁ هو الذي نفذ وصية النبي ﷺ في إخراجهم من جزيرة العرب. ٦ - تحريم بناء الكنائس وغيرها من المعابد في جزيرة العرب. * * * * *

стр. 1151

(١٤٦٩) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * تضمن هذا الحديث جانبًا من غزوة بني النضير، وقد غزاهم النبي ﷺ في السنة الثالثة من الهجرة، فلم يكن قتال، ورضوا بالجلاء، فأجلاهم النبي ﷺ إلى الشام، وأذن لهم أن يأخذوا من أموالهم ما يقدرون عليه، عدا السلاح والكراع، والمراد به الخيل، ولذا صاروا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، ليأخذوا منها ما أمكنهم، فعادت أموالهم للمسلمين فيئًا لا غنيمة، وقد جعل الله مصارف الفيء مصارف خمس الغنيمة، وكانت للنبي ﷺ خاصة، فكان يرصد لأهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - غزو النبي ﷺ ليهود بني النضير. ٢ - أنه لم يقع بينهم قتال. ٣ - أن أمرهم انتهى بالجلاء. ٤ - أن مصرف الفيء هو مصرف خمس الغنيمة. ٥ - أنه نزل في شأن هذه الغزوة سورة الحشر. ٦ - أن فيء بني النضير كان للنبي ﷺ خاصة. ٧ - أن ما جلى عنه الكفار من أموالهم يكون فيئًا للمسلمين. ٨ - أن ما فتح من بلاد الكفار بلا قتال فأمره إلى الإمام.

стр. 1152

٩ - جواز ادخار نفقة سنة، وأن ذلك لا ينافي التوكل. ١٠ - أن من أهم مصارف المال الجهاد. ١١ - الاستعداد للجهاد بشراء السلاح والخيل. * * * * * (١٤٧٠) وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ، فَأَصَبْنَا فِيهَا غَنَمًا، فَقَسَمَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ طَائِفَةً، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهَا فِي المَغْنَمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ لَا بَأْسَ بِهِمْ (١). * * * تضمن هذا الحديث بعض ما جرى في غزوة خيبر، وفيها اليهود، وهي إحدى غزوات النبي ﷺ الكبرى، وكانت في السنة السابعة من الهجرة، وقد غنم المسلمون منها، وسبوا، وكان مما غنموه غنمٌ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من غزوات النبي ﷺ غزوة خيبر. ٢ - عموم رسالة محمد ﷺ لأهل الكتاب وغيرهم؛ ففي الحديث شاهد لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد (٢٠)﴾ [آل عمران: ٢٠]، وفي هذه الغزوة دعا النبي ﷺ اليهود إلى الإسلام وقاتلهم، كما في حديث الراية التي أعطاها النبي ﷺ عليًا ﵁. ٣ - أن الصحابة ظفروا بغنم من غنم العدو، فقسم النبي ﷺ بعضها على المجاهدين لحاجتهم، ورد الباقي في الغنيمة لتخميسها وقسمها. ٤ - أن قسم الغنائم إلى الإمام.

стр. 1153

٥ - أن المجاهدين إذا أصابوا شيئًا من أموال العدو فإنه يكون من جملة الغنيمة، لكن يجوز للإمام أن يقسم بعضها قبل التخميس، لحاجة الجيش إلى الطعام أو اللحم. * * * * * (١٤٧١) وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ، وَلَا أَحْبِسُ الرُّسُلَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * تضمن هذا الحديث شيئًا من هديه ﷺ في السياسة في معاملة الكفار. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنه ﷺ لا ينكث العهد، ولا يغدر، وهذا ما وصفه به أبو سفيان في أسئلة هرقل: «قَالَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ قَالَ: لَا» (٢). وقد أخبر ﷺ في هذا الحديث أنه لا يخيس بالعهد، أي: لا ينكث العهد، بل هو أوفى الناس بالعهد. وهذا ما يوصي به أمراءه إذا سيرهم، كما تقدم في حديث بريدة: «وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا» (٣). ٢ - أنه ﷺ لا يحبس الرسل من قبل العدو، أي: لا يأسرهم، فضلًا عن أن يقتلهم. هذا وقد قال ﷺ في الحديث الآخر: «وَاللهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا» (٤). قاله لرسولي مسيلمة. ٣ - تحريم الغدر، ووجوب الوفاء بالعهد. ٤ - تحريم قتل رسل العدو وحبسهم. ٥ - أن أحكام السياسة من الدين، ومن أحكام شريعة الإسلام.

стр. 1154

٦ - اشتمال أحكام الشريعة على الحكمة التي يقتضيها النظر والفطرة. ٧ - الرد على من يفصل بين الدين والسياسة. * * * * * (١٤٧٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا فَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ خُمُسَهَا لِله وَرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * مقصود هذا الحديث الفرق بين قرى الكفار؛ المسالم منها والمحارب، أما المسالم فنصيب المسلمين منها ما يدفعه لهم أهلها في مقابل الصلح من جزية أو خراج، وإن كان المراد القرية التي جلا أهلها عنها ونزلها المسلمون بلا قتال، فهي فيء، فلا يختص المجاهدون منها بشيء، بل سهمُهم فيها -أي حظُّهم من العطاء- كسهم غيرهم. وأما المحارب منها فإنه إذا ظهر المسلمون عليها فكلها غنيمة، فخمسها لمن ذكر الله في قوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]، وأربعة الأخماس للمجاهدين، ويُخيَّر الإمام بين قسمها على الغانمين، أو وقفها على المسلمين وضرب الخراج عليها، سُنَّةَ عمرَ ﵁ في سواد العراق. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن ما فتحه المسلمون من بلاد الكفار صلحًا، فسهمهم فيها ما جرى عليه الصلح من جزية أو خراج، وما جلا أهله عنه فإنه يكون فيئًا للمسلمين يصرف في المصالح العامة.

стр. 1155

٢ - أن ما فتحه المسلمون عنوة فهو غنيمة؛ خمسها لمن ذكر الله، وأربعة الأخماس للمجاهدين. ٣ - أن سبب تسليط الله للمسلمين على الكافرين هو معصيتهم لله ورسوله ﷺ بالكفر وغيره من المعاصي، وبهذا تكون الديار ثلاثاً: دار الصلح، ودار الحرب، وكلاهما دار كفر، ودار الإسلام. * * * * *

стр. 1156

بَابُ الجِزْيَةِ وَالهُدْنَةِ قوله: «بَابُ الجِزْيَةِ وَالهُدْنَةِ»، أي: هذا باب ذكر أدلة الهدنة والجزية من السُّنَّة، والجزية: فِعلة من الجزاء، وهي ما يفرض من المال على الكفار إذا أبوا الإسلام، ورضوا بعقد الذمة لهم، والهدنة: العهد الموقت على ترك القتال. * * * * * (١٤٧٣) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا -يَعْنِي: الْجِزْيَةَ- مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلَهُ طَرِيقٌ فِي (المُوَطَّإِ) فِيهَا انْقِطَاع (١). (١٤٧٤) وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، فَأَخَذُوهُ، فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢). (١٤٧٥) وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِريًّا. أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (٣). * * * هذه الأحاديث هي الأصل من السنة على أخذ الجزية من طوائف الكفار، في مقابل الكف عنهم وبقائهم على دينهم الباطل، ويشهد لهذه الأحاديث حديث بريدة المتقدم (٤)، وفيه: «فَإِنْ هُمْ أَبَوْا -يعني الإسلام- فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ».

стр. 1157

وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أخذ الجزية من المجوس. ٢ - أخذ الجزية من النصارى؛ فإن أُكَيْدِرَ دُومة الجندل كان نصرانيًا، على ما ذكره ابن الأثير في أسد الغابة (١) وابن حجر في «فتح الباري» (٢) وغيرهما، ودُومة الجندل معروفة بهذا الاسم إلى اليوم، في منطقة الجوف. ٣ - فرض الجزية على الكفار، والمراد بالحالم: المحتلم، وهو البالغ. ٤ - أن الجزية إذا فرضت ذهبًا أو فضة جاز أخذ العروض بدلًا عنها. * * * * * (١٤٧٦) وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو المُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٣). (١٤٧٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). * * * هذان الحديثان تضمَّنا علو الإسلام شرعًا وقدرًا على غيره من الأديان، وعزة أهله على غيرهم من أهل الملل والأديان. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - البشارة بظهور هذا الدين على الدين كله. ٢ - وجوب إعلاء كلمة الله. ٣ - تحريم كل ما يؤدي إلى خفض الإسلام.

стр. 1158

٤ - جواز عقد الذمة دائمًا أو موقتًا مع الكفار. ٥ - تحريم بدء المعاهدين بالسلام، وجواز الرد. ٦ - تحريم إظهار الاحترام لهم، ومع ذلك يحرم ظلمهم وإيذاؤهم. * * * * * (١٤٧٨) وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ -فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ- وَفِيهِ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو: عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (٢). (١٤٧٩) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁، وَفِيهِ: أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُّمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: أَنَكْتُبُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا» (٣). (١٤٨٠) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٤). * * * تضمَّن الحديثان أولًا: نص صلح الحديبية بين المسلمين والمشركين. ثانيًا: حكم قتل المعاهد. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - جواز الصلح بين المسلمين والكفار.

стр. 1159

٢ - أن صلح الحديبية تضمن ثلاثة أمور: ١ - وقف القتال مدة عشر سنين. ٢ - أن من جاء من المشركين إلى المسلمين فإنه يرد إليهم. ٣ - ومن جاء من المسلمين إلى المشركين فإنهم لا يردونه. ٣ - ذكر الحكمة من هذه الشروط. ٤ - أن العاقبة للمتقين. ٥ - وجوب الوفاء بالعهد. ٦ - تحريم قتل المعاهد. ٧ - أنه من كبائر الذنوب. ٨ - أن للجنة رائحة، وأنها تشم من بعد. ٩ - عظم نعيم الجنة. ١٠ - أن (راح) يأتي بمعنى شمَّ، ومضارعه: يراح. فهو من باب نال ينال. وهذه فائدة لغوية. * * * * *

стр. 1160

بَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ قوله: «بَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ»، أي هذا باب بيان حكم السِّباق، وذكر الدليل عليه من السنة، والسَّبْق بفتح السين وسكون الباء مصدر سبَق، والأشبه أنه في الترجمة اسمُ مصدر سابق يسابق سباقًا، والسَّبَق بفتح السين والباء هو المال الذي يبذل للسابق. والرَّمي: إرسال السهم بالقوس ونحوه، والرامي هو الفاعل، والرَّمِيُّ أو الرَّمِيَّة ما يقع عليه السهم. * * * * * (١٤٨١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «سَابَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). زَادَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ سُفْيَانُ: «مِنْ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ، وَمِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ» (٢). (١٤٨٢) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ فِي الْغَايَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). (١٤٨٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤).
следующие страницы →