← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفةً -على ما ذكر الحافظ- فقد استدلَّ بها بعض العلماء على أنَّ النَّوم ناقضٌ للوضوء، من حيث إنَّه مظنَّةٌ للحدث، ولهذا قال: «فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ». وتقدَّمت الإشارة إلى مذاهب العلماء في نقض الوضوء بالنَّوم، وأصحُّ ما ورد في هذا حديث صفوان بن عسَّالٍ ﵁ المتقدِّم في باب المسح على الخفَّين (١)، وحديث أنسٍ ﵁ وهو أوَّل حديثٍ في باب النَّواقض (٢)، وتقدَّمت الإشارة إلى مذاهب النَّاس في نقض الوضوء بالنَّوم، وهي ثمانية مذاهب؛ أرجحها: أنَّ النَّوم من الجالس المتمكِّن لا ينقض الوضوء، وكذا النَّوم اليسير الَّذي لا يفقد الإنسان معه كامل شعوره. * * * * * (٩١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي صَلَاتِهِ، فَيَنْفُخُ فِي مَقْعَدَتِهِ فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ (٣). وأصله في الصَّحيحين من حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁ (٤). (٩٢) وَلِمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ (٥). (٩٣) وَلِلْحَاكِمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إنَّكَ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ». وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: «فَلْيَقُلْ فِي نَفْسِهِ» (٦). * * *

стр. 107

هذه الأحاديث تقدَّم الكلام في موضوعها في الكلام على حديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا … » الحديث (١). وفي هذه الأحاديث من الفوائد زيادةً على ما تقدم: ١ - إثبات وجود الشَّيطان من الجنِّ، والأدلَّة على ذلك أكثر من أن تحصى وتحصر. ٢ - حرص الشَّيطان على إفساد صلاة العبد. ٣ - تخييله للمصلِّي أنَّه أحدث وهو لم يحدث. ٤ - أنَّ الشَّيطان يجمع في التَّشويش على المصلِّي بين الفعل والقول فينفخ في مقعدته، ويقول له في نفسه: أحدثت. ٥ - أنَّ ما يحسُّ به الإنسان في مخرج الحدث لا يلتفت إليه ما لم يتيقَّن خروج الحدث. ٦ - أنَّ ممَّا يحصل به اليقين سماع الصَّوت، ووجدان الرِّيح، وقد يحصل اليقين بغيرهما. ٧ - استحباب أن يقول المصلِّي للشَّيطان إذا قال له: أحدثت، أن يقول له في نفسه: كذبت. تنبيهٌ: وكان من المناسب ذكر أحاديث آخر الباب مع ما يناسبها في أوَّله، لكن يظهر من صنيع المؤلِّف أنَّ منهجه: ذكر أصول الباب في أوَّله، ومكمِّلاته في آخره، وهذا بيِّنٌ في هذا الباب وغيره. * * * * *

стр. 108

بَابُ آدَاب قَضَاء الْحَاجَة الآداب: جمع أدبٍ، والأدب: ما يستحسن من قولٍ أو فعلٍ أو تركٍ. والمراد به هنا: ما يجب على مريد قضاء الحاجة وما يستحبُّ له حال قضاء الحاجة أو قبله أو بعده. وورود الشَّريعة بهذه الآداب، وبيان النَّبيِّ ﷺ لها يدلُّ على أمرين: ١ - كمال الشَّريعة. ٢ - وأنَّ الرَّسول ﷺ قد بلَّغ البلاغ المبين، وأنَّه دلَّ أمَّته على كلِّ خيرٍ وحذَّرهم من كلِّ شرٍّ، ومن أعظم ذلك أن بيَّن لهم ما يجب عليهم اعتقاده في ربِّهم؛ ممَّا يجب له أو يجوز عليه أو يمتنع عليه. وقد نبَّه على هذا الاستدلال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في مطلع «العقيدة الحمويَّة». * * * * * (٩٤) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (١). * * * الحديث مختلَفٌ في صحَّته (٢)، ويشهد لصحَّة معناه الأدلَّة على تعظيم ذكر الله، وما فيه ذكر الله، وما له من الحرمة.

стр. 109

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب إبعاد ما فيه ذكر الله عند إرادة دخول الخلاء، وهو محلُّ قضاء الحاجة. ٢ - أنَّ الخلاء ليس محلًّا لذكر الله. ٣ - كراهية دخول الخلاء بما فيه ذكر الله من خاتمٍ وغيره، كمن نقش خاتمه عبد الله وعبد الرَّحمن، أو نقش خاتمه كلمة التَّوحيد. وأمَّا القرآن فحرمته أعظم، فدخول الخلاء به أشدُّ كراهةً، وأمَّا المصحف فالقول بتحريم دخول الخلاء به قويٌّ، كلُّ ذلك لأنَّ الخلاء محلٌّ للخبائث الحسِّيَّة والمعنويَّة والأرواح الخبيثة، ولهذا استحبَّ التَّعوُّذ بالله من الخبث والخبائث عند إرادة دخول الخلاء. وهذه الكراهة أو التَّحريم ما لم يخش الإنسان على ما معه من ذلك من نسيانٍ أو سرقةٍ، وحينئذٍ فلا كراهة ولا تحريم؛ لما في ذلك من الحرج. ٤ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان له خاتمٌ، وهذا ثابتٌ في الأحاديث الصَّحيحة، وكان نقشه (مُحمَّدٌ رسول الله)، (مُحمَّدٌ) سطرٌ و (رسول) سطرٌ و (الله) سطرٌ. ومن أجل ما فيه من ذكر الله كان يضعه من يده عند دخول الخلاء، على ما جاء في هذا الحديث. ٥ - جواز لبس الخاتم، ولا يقال: استحباب الخاتم؛ لأنَّ لبسه من الأمور العاديَّة، لا من الأمور التَّعبُّديَّة. * * * * *

стр. 110

(٩٥) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ بشرٌ يكون منه قضاء الحاجة، ففيه الرَّدُّ على من جعلوا له ﷺ بعض خصائص الإلهيَّة. ٢ - افتقار النَّبيِّ ﷺ إلى ربِّه في الوقاية من الشُّرور. ٣ - اتِّخاذ مكانٍ في البيت لقضاء الحاجة. ٤ - استحباب هذا الذِّكر عند إرادة دخول الخلاء، وقد جاء في غير الصَّحيحين زيادة «باسم الله» (٢) قبل هذا الدُّعاء كما في «سنن سعيد بن منصورٍ» وغيرها، وجوَّد الحافظ ابن حجرٍ إسناده (٣). ٥ - أنَّ الأماكن الخبيثة تأوي إليها الأرواح الخبيثة، ويدلُّ له حديث زيد بن أرقم، وهو قوله ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ» (٤). ٦ - أنَّ الشَّياطين من الجنِّ فيهم الذُّكور والإناث. ٧ - أنَّ التَّعوُّذ بالله من أعظم أسباب العصمة من شرِّ كلِّ ذي شرٍّ. ٨ - أنَّ قدرة الله فوق كلِّ شيءٍ، فلا يعصم من جميع الشُّرور إلَّا هو. * * * * *

стр. 111

(٩٦) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ نَحْوِي إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصلٌ في جواز الاستنجاء بالماء، والاستنجاء هو: إزالة النَّجو (وهو الخارج من الإنسان) بالماء أو بالأحجار ونحوها. وفي الحديث فوائد، منها بعض ما في الحديثين قبله، ومنها: ١ - فضيلة أنسٍ ﵁ لخدمته النَّبيَّ ﷺ ، وفضيلة ذلك الغلام، وقد قيل: إنَّه ابن مسعودٍ ﵁، ولكن قال الشَّيخ عبد العزيز بن بازٍ: «ليس بشيءٍ؛ فإنَّ ابن مسعودٍ ليس نحو أنسٍ، فهو من المهاجرين ومن الكبار السَّابقين» (٢)، وقيل: أبو هريرة، وقيل: ابن عبَّاسٍ، وقيل: جابرٌ، ولا ينبني على تعيين الغلام شيءٌ. ٢ - جواز الاستنجاء بالماء، وهو مجمعٌ عليه، وكرهه بعض السَّلف للرِّجال، وقالوا: إنَّما يستنجي بالماء النِّساء (٣)، وكرهوه؛ لما فيه من مباشرة النَّجاسة باليد، والصَّواب: جوازه للجميع بلا كراهةٍ لثبوته عن النَّبيِّ ﷺ ، ولعلَّ من كرهه لم يبلغه الحديث. ٣ - جواز استخدام الأحرار. ٤ - اتِّخاذ النَّبيِّ ﷺ العنزة، وهي عصًا طويلةٌ، وفي أسفلها زجٌّ أي حديدةٌ، وكانت تنصب أمام النَّبيِّ ﷺ سترةً في المصلَّى ويصلِّي إليها. ٥ - جواز المساعدة في شأن الطَّهارة.

стр. 112

٦ - التَّعاون في الخدمة. ٧ - أنَّ استخدام الأحرار برضاهم لا ينافي التَّواضع. ٨ - استعداد الإنسان بما يحتاج إليه في شؤونه؛ لحمل أنسٍ وصاحبه العنزة مع النَّبيِّ ﷺ . * * * * * (٩٧) وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «خُذِ الإِدَاوَةَ»، فَانْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، فَقَضَى حَاجَتَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استخدام الأحرار، وأنَّ ذلك لا ينافي التَّواضع. ٢ - فضيلة المغيرة ﵁ لخدمته النَّبيَّ ﷺ . ٣ - استحباب البعد عن النَّاس والتَّواري عنهم لقضاء الحاجة، وأمَّا ستر العورة عن النَّاس فواجبٌ. ٤ - حاجة المتخلِّي إلى الماء إمَّا للاستنجاء أو للوضوء، وأمر النَّبيِّ ﷺ المغيرة بحمل الإداوة محتملٌ، والأظهر: أنَّه من أجل الوضوء؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأخذ الإداوة معه، وقد انطلق بعيدًا عن المغيرة فيشعر باقتصاره على الأحجار. ٥ - حياؤه ﷺ وكمال خلقه. * * * * * (٩٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ؛ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ ظِلِّهِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).

стр. 113

(٩٩) وَزَادَ أبو دَاوُدَ عَنْ مُعَاذٍ ﵁: «الْمَوَارِدَ»، وَلَفْظُهُ: «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبِرَازُ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» (١). (١٠٠) وَلأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: «أَوْ نَقْعِ مَاءٍ». وَفِيهِمَا ضَعْفٌ (٢). (١٠١) وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ: النَّهْيَ عَنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ تَحْتَ الأَشْجَارِ الْمُثْمِرَةِ، وَضَفَّةِ النَّهْرِ الْجَارِي. مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (٣). * * * هذه الأحاديث وإن كانت ضعيفةً (٤) -إلَّا الأوَّل منها- فإنَّ معناها تشهد له قواعد الشَّرع ومقاصده. وفيها فوائد، منها: ١ - وجوب احترام مرافق المسلمين، وصيانتها عمَّا يؤذيهم. ٢ - تحريم التَّخلِّي في هذه المواضع وما هو في معناها. ٣ - أنَّ ذلك مجلبةٌ للعن من يفعله، وإضافة اللَّعن إلى المكان في قوله: «اللَّاعِنَيْنِ» هو من إضافة الشَّيء إلى سببه أو إلى مكانه، فهو من المجاز العقليِّ؛ لأنَّ التَّخلِّي في الظِّلِّ الَّذي يستظلُّ به النَّاس -ونحوه: كالمتشمَّس والطَّريق- يحمل النَّاس على لعن فاعله. ويحتمل أن يكون من إسناد اسم الفاعل إلى المفعول، فهو اللَّاعن بمعنى الملعون، فيكون مجازًا عقليًّا علاقته المفعوليَّة، ويتضمَّن مجازًا مرسلاً بالحذف؛ أي: اتَّقوا فعل الملعونين. ٤ - جواز التَّخلِّي في الظِّلِّ الَّذي لا يحتاج إليه النَّاس، وكذا الموضع الَّذي لا يحتاج إليه من الطَّريق الواسع.

стр. 114

٥ - أنَّ التَّخلِّي في مرافق النَّاس ظلمٌ لهم. ٦ - اتِّقاء دعوة المظلوم. ٧ - أنَّ الشَّجر الَّذي لا يحتاج إلى ظلِّه ولا ثمرة له لا ينهى عن التَّخلِّي تحته. ٨ - كمال دين الإسلام بما اشتمل عليه من الآداب في جميع الأحوال. * * * * * (١٠٢) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلَانِ فَلْيَتَوَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ ولا يَتَحَدَّثَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَهُوَ مَعْلُولٌ (٢). * * * هذا الحديث مع الاختلاف في صحَّته، وفي لفظه، وفي راويه من الصَّحابة ﵃، فإنَّ معناه صحيحٌ في الجملة. وهو يدلُّ على أحكامٍ، منها ما هو ثابتٌ بأدلَّةٍ غير هذا الحديث، ومنها ما تعضده الفطرة وآداب الإسلام العامَّة. وفيه فوائد، منها: ١ - وجوب تواري كلٍّ من المتغوِّطين عن صاحبه، والظَّاهر أنَّ المراد: أن يستر كلٌّ منهما عورته عن الآخر، فستر العورة عن الأنظار واجبٌ لقوله ﷺ :

стр. 115

«احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» (١)، وقوله ﵊: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، ولا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ» (٢). ٢ - تحريم أن ينظر كلٌّ من المتغوِّطين إلى عورة الآخر وأن يكشف عورته بحيث يراه الآخر، ويشتدُّ القبح إذا كانا مع ذلك يتحدَّثان. ٣ - كراهة الكلام حال قضاء الحاجة إلَّا لضرورةٍ أو حاجةٍ، وهذا ما تقتضيه الفطرة وحسن الأدب. ٤ - أنَّ الجمع بين النَّظر إلى العورة والتَّحدُّث عند التَّخلِّي سببٌ لمقت الله، فيقتضي ذلك أنَّ هذه الحال من الكبائر. ٥ - إثبات صفة المقت لله وهو شدَّة البغض، وهو ثابتٌ في القرآن؛ قال تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [غَافِر: ١٠]. ٦ - ويعضد هذا الحديث ما رواه الإمام أحمد بسنده -وإن تكلِّم فيه- عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ» (٣). * * * * * (١٠٣) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَمَسَّنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ، ولا يَتَمَسَّحْ مِنَ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ، ولا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (٤). * * *

стр. 116

اشتمل هذا الحديث على ثلاثة آدابٍ فهو بمنزلة ثلاثة أحاديث، اثنان منها يتعلَّقان بآداب قضاء الحاجة، والثَّالث يتعلَّق بآداب الشَّراب، ولعلَّ الجمع بينها في حديثٍ لم يكن من كلام النَّبيِّ ﷺ ، بل النَّبيُّ ﷺ نهى عن هذا وهذا في مقاماتٍ متفرِّقةٍ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - النَّهي عن مسِّ الذَّكر باليمين حال البول. ٢ - جواز مسِّ الذَّكر باليمين في غير حال البول. ٣ - النَّهي عن التَّمسُّح باليمين، والمراد به: الاستنجاء، وهذا النَّهي للكراهة عند الجمهور، وقيل: إنَّه للتَّحريم، وهو الأصل في النَّهي، فلا يعدل عنه إلَّا بصارفٍ. ٤ - فضل اليمين على الشِّمال وصيانتها عن مباشرة القذر والنَّجاسة، كيف واليد اليمنى آلة الأكل، قال ﷺ : «كُلْ بِيَمِينِكَ» (١). ٥ - أنَّ التَّيمُّن لا يشرع في الأمور المستقذرة، بل يكره أو يحرم في بعض ذلك. ٦ - إطلاق اسم الخلاء على الخارج كإطلاق الغائط، فهو من المجاز المرسل الَّذي علاقته المكانيَّة. ٧ - النَّهي عن التَّنفُّس في الإناء؛ أي: عند الشُّرب منه، وهو عند جمهور العلماء للكراهة، والأظهر: أنَّه للتَّحريم، كما هو الأصل. ٨ - صيانة الشَّراب عمَّا يقذِّره، فإنَّ التَّنفُّس لا يؤمن أن يقع معه في الشَّراب ما يقذِّره من الفم أو الأنف، وترك التَّنفُّس في الإناء يكون بإبعاد الإناء

стр. 117

عند إرادة التَّنفُّس، وقد كان النَّبيُّ ﷺ يتنفَّس في الشَّراب ثلاثًا ويقول: «إنَّهُ أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ» (١). * * * * * (١٠٤) وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ قَالَ: «لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ عَظْمٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (١٠٥) وَلِلسَّبْعَةِ: عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁: «فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (٣). * * * وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - النَّهي عن استقبال القبلة واستدبارها حال البول والغائط احترامًا للقبلة، وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافًا كثيرًا، فللعلماء في هذه المسألة ثمانية مذاهب، أهمُّها مذهبان: أَحَدُهُمَا: تحريم استقبال القبلة واستدبارها حال البول والغائط مطلقًا في الصَّحراء والبنيان؛ للنَّهي الصَّريح عن ذلك في هذين الحديثين، وهو مذهب ابن حزمٍ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة وابن القيِّم (٤).

стр. 118

الثَّانِي: ما ذهب إليه كثيرٌ من العلماء من تحريم ذلك في الصَّحراء دون البنيان، واستدلُّوا بحديث ابن عمر، قال: «رَقِيتُ يَوْمًا عَلَى بَيْتِ حَفْصَةَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ» (١). وأجاب أهل القول الأوَّل عن هذا الحديث بأنَّ النَّبي ﷺ لم يفعل ذلك لبيان الجواز؛ لأنَّه كان خاليًا لا يراه أحدٌ، ولكن وقع عليه نظر ابن عمر ﵃ من غير قصدٍ، فيكون ذلك من خصائصه ﵊. ٢ - أنَّ من كانت قبلته شرقًا أو غربًا فإنَّه يتوجَّه حال قضاء الحاجة إلى الشَّمال أو الجنوب، وأمَّا قوله: «وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» فهو لأهل المدينة ومن في سمتهم؛ لأنَّ قبلتهم إلى الجنوب. ٣ - جواز استقبال النَّيِّرين عند قضاء الحاجة خلافًا لمن كرهه، لقوله ﷺ : «شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». ٤ - تحريم التَّمسُّح باليمين، وهو الاستنجاء. ٥ - أنَّ الاستنجاء بأقلَّ من ثلاثة أحجارٍ لا يجزئ في طهارة المحلِّ. ٦ - تحريم الاستنجاء بالعظم والرَّجيع وهو الرَّوث، وقد جاء تعليل هذا النَّهي بأنَّ العظم الَّذي ذكر اسم الله عليه طعام الجنِّ المؤمنين، يجدونه أوفر ما كان لحمًا. والرَّوث علفٌ لدوابِّهم، وأيضًا: فإنَّ العظم لا يحصل به الإنقاء؛ لأنَّه أملس، أو خشنٌ يؤذي المتمسِّح به. ٧ - أنَّ هذه الأحكام والآداب تدلُّ على شمول دين الإسلام، وقد روى سلمان ﵁ هذا الحديث ردًّا على اليهوديِّ الَّذي قال له: «علَّمكم نبيُّكم كلَّ شيءٍ حتَّى الخراءة»، فقال سلمان ﵁: «أجل، لقد نهانا رسول الله ﷺ … » الحديث.

стр. 119

(١٠٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١). * * * هذا طرفٌ من حديثٍ طويلٍ مشتملٍ على أربعة أحكامٍ (٢)، والحديث عند أبي داود من حديث أبي هريرة ﵁، وكذلك هو في التَّلخيص الحبير (٣)، فنسبته إلى رواية عائشة ﵂ وهمٌ، والحديث مختلفٌ في صحَّته، ومعناه صحيحٌ؛ لأدلَّةٍ غير هذا الحديث. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أمر من أتى الغائط بالاستتار، ويحتمل أن يراد به التَّواري عن الأبصار؛ بالبعد أو دخول المكان المعدِّ لذلك، وهو الخلاء. ويحتمل أن يراد به ستر العورة، وذلك إذا لم يكن هناك من يراه، فستر العورة مستحبٌّ في هذه الحال، ففي أصل رواية الحديث: «مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لا فَلَا حَرَجَ» أمَّا إذا كان بحضرته من يراه فستر العورة واجبٌ. ويؤيِّد الاحتمال الثَّاني -وهو أنَّ المراد ستر العورة- قوله في الحديث: «فَإنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ». ٢ - أنَّ فعل المستحبِّ إحسانٌ.

стр. 120

٣ - أنَّ ترك المستحبِّ لا إثم فيه. * * * * * (١٠٧) وَعَنْهَا ﵂؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْغَائِطِ قَالَ: «غُفْرَانَكَ». أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ أبو حَاتِمٍ وَالْحَاكِمُ (١). * * * هذا الحديث أصحُّ ما ورد في الذِّكر عقب الخروج من الغائط، وإسناده حسنٌ، وقوله: «غُفْرَانَكَ»؛ أي: أسألك غفرانك. وفيه من الفوائد: ١ - استحباب الاستغفار بعد الخروج من الغائط، وأن يكون بهذه الصِّيغة. ٢ - تذكُّر الخلوص من الخبث الحسِّيِّ وسؤال الخلوص من الخبث المعنويِّ، وهو الذُّنوب، وبهذا تظهر مناسبة هذا الدُّعاء، وقيل غير ذلك. ٣ - أنَّ من مواطن الاستغفار الخروج من الغائط. ٤ - استغفار النَّبيِّ ﷺ مع أنَّه قد غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، بل كان يكثر من الاستغفار ﵊. * * * * * (١٠٨) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدتُ حَجَرَيْنِ، وَلَمْ أَجِدْ ثَالِثًا، فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ، فَأَخَذَهُمَا وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: «هَذَا رِجْسٌ أَوْ رِكْسٌ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.

стр. 121

(١٠٩) وَزَادَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ: «ائْتِنِي بِغَيْرِهَا» (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضيلة ابن مسعودٍ ﵁ لخدمته النَّبيَّ ﷺ . ٢ - الاستنجاء بالأحجار ونحوها. ٣ - أنَّه لا يجزئ أقلُّ من ثلاثة أحجارٍ، كما تقدَّم في حديث سلمان ﵁. ٤ - أنَّه لا يجزئ الاستنجاء بالنَّجاسة، وجاء في روايةٍ أنَّ الرَّوثة كانت روثة حمارٍ (٢). ٥ - نجاسة روث الحمار، وهكذا روث كلِّ ما لا يؤكل لحمه. ٦ - جواز استخدام الأحرار برضاهم. ٧ - أنَّ طلب الحاجة من الخادم ونحوه (كالزَّوجة والولد) ليس من السُّؤال المذموم. ٨ - أنَّ الاجتهاد إذا خالف النَّصَّ فهو باطلٌ؛ لأنَّ ابن مسعودٍ ﵁ اجتهد فأتى بدل الحجر بروثةٍ فردَّها النَّبيُّ ﷺ . ٩ - عذر المجتهد إذا أخطأ فلا يؤاخذ على خطئه. ١٠ - حسن خلقه ﵊. ١١ - تعليل الأحكام؛ لقوله ﷺ : «هَذَا رِجْسٌ أَوْ رِكْسٌ». ١٢ - أنَّ تعليل الحكم بعلَّةٍ يثبت به الحكم في كلِّ ما وجدت فيه علَّته، فتفيد عموم الحكم.

стр. 122

(١١٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ، أَوْ رَوْثٍ، وَقَالَ: «إنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ (١). * * * معنى هذا الحديث وما يتعلَّق به من الفوائد تقدَّم في حديث سلمان ﵁، وفيه: «أو أن نستنجي برجيعٍ أو عظمٍ» (٢)، وفي هذا الحديث زيادةٌ، وهي قوله: «إنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ». وفي هذه الزيادة فوائد، منها: ١ - بيان أنَّ الاستنجاء بالرَّجيع أو العظم لا يرفع حكم النَّجاسة، فلا يحصل بهما المقصود، وهو الطَّهارة، مع الإثم بارتكاب النَّهي. ٢ - أنَّ الاستنجاء بالأحجار ونحوها يطهِّر المحلَّ. * * * * * (١١١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٣). (١١٢) وَلِلْحَاكِمِ: «أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ». وَهُوَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ (٤). * * * هذا الحديث يشهد له حديث صاحبي القبرين المتَّفق عليه (٥).

стр. 123

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - نجاسة بول الآدميِّ. ٢ - وجوب الاستنزاه من البول، وذلك باتِّقائه؛ حتَّى لا يصيب الثَّوب أو البدن شيءٌ منه، وبغسله إن أصابه. ٣ - أنَّه لا يعفى عن يسير البول. ٤ - إثبات عذاب القبر. ٥ - أنَّ من أعظم أسباب عذاب القبر عدم التَّنزُّه من البول، فيقتضي ذلك أنَّه من الكبائر. ٦ - إثبات الجزاء على الأعمال. * * * * * (١١٣) وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْخَلَاءِ أَنْ نَقْعُدَ عَلَى الْيُسْرَى وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١). (١١٤) وَعَنْ عِيسَى بْنِ يَزْدَادَ عَنْ أَبِيهِ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (٢). * * * هذان الحديثان ضعيفان فلا يصلحان للاستدلال بهما على حكمٍ، وقد استدلَّ بهما بعض الفقهاء على استحباب ما ذكر فيهما، وهو أمران:

стр. 124

١ - الاعتماد على اليسرى حال قضاء الحاجة ونصب اليمنى، وأيَّد بعضهم ذلك بأمرٍ طبيعيٍّ، وذلك أنَّه أيسر لخروج الخارج. ٢ - نتر الذَّكر ثلاثًا بعد البول، وهو استخراج بقيَّة البول بالضَّغط على المثانة من داخلٍ، والصَّواب: أنَّه لا يستحبُّ، لكنَّه أمرٌ عاديٌّ. * * * * * (١١٥) وَعَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵃: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَ قُبَاءَ، فَقَالَ: «إنَّ الله يُثْنِي عَلَيْكُم؟»، قَالُوا: إنَّا نُتْبِعُ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ (١). وَأَصْلُهُ فِي أَبِي دَاوُدَ (٢). (١١٦) وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِدُونِ ذِكْرِ الْحِجَارَةِ (٣). * * * هذان الحديثان فيهما فوائد، منها: ١ - جواز الاستنجاء بالماء خلافًا لمن كرهه، وقد تقدَّم القول فيه، وأنَّه ثبت من فعله ﷺ . ٢ - استحباب الاستنجاء بالماء بعد الاستنجاء بالحجارة ونحوها، كما يفيده حديث ابن عبَّاسٍ ﵃، ولكنَّ الحديث ضعيفٌ، وإلى الاستحباب ذهب أكثر أهل العلم، وذلك لوجهين: أَحَدُهُمَا: عدم مباشرة النَّجاسة باليد.

стр. 125

الثَّانِي: أنَّه أكمل في نظافة المحلِّ. ٣ - فضيلة أهل قباء من الصَّحابة ﵃، وهذا مبنيٌّ على أنَّ المراد بالمسجد الَّذي أسِّس على التَّقوى هو مسجد قباء، والصَّواب: أنَّه مسجد النَّبيِّ ﷺ ويدلُّ له حديث أبي سعيدٍ ﵁ عند مسلمٍ، قال: قلت: يا رسول الله أيُّ المسجدين الَّذي أسِّس على التَّقوى؟ قال: فأخذ كفًّا من حصباء فضرب به الأرض، ثمَّ قال: «هُو مَسْجِدُكُمْ هَذَا» لمسجد المدينة (١). وعلى هذا فلا يختصُّ ثناء الله في الآية بأهل قباء بل يعمُّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ الَّذين كانوا يصلُّون معه من أهل قباء وغيرهم. وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃ ضعيفٌ لا يصلح الاعتماد عليه في تفسير الآية. * * * * *

стр. 126

بَابُ الْغُسْلِ وَحُكْمِ الْجُنُبِ الغسل: اسم مصدرٍ للاغتسال وهو الفعل، والمراد بالغسل هنا: الغسل المشروع، والجنب من أصابته جنابةٌ، وهو يطلق على الواحد والمثنَّى والجمع والمذكَّر والمؤنَّث، تقول: رجلٌ جنبٌ وامرأةٌ جنبٌ، والمراد بحكم الجنب: أحكام الجنب؛ كوجوب الغسل، وما يستحبُّ له وما يكره له. * * * * * (١١٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (١). (١١٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١١٩) وَزَادَ مُسْلِمٌ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ». * * * الحديثان من أدلَّة الغسل من الجنابة، وقد دلَّ على وجوبه الكتاب والسُّنَّة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والمراد بالتَّطهُّر: الغسل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُوا﴾ [النِّسَاء: ٤٣]، وقوله ﷺ : «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» معناه الغسل من الإنزال، و «من» سببيَّةٌ، والماء الأوَّل: ماء الاغتسال، والماء الثَّاني: المنيُّ، وهذا جناسٌ تامٌّ.

стр. 127

وعبَّر بالماء الأوَّل عن الاغتسال؛ لأنَّه آلته، فهو مجازٌ مرسلٌ علاقته الآليَّة. وهذا اللَّفظ «الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» يفيد الحصر، معناه: ما الغسل إلَّا من الإنزال، وقد جاء في بعض روايات الحديث «إنَّما الماء من الماء» (١). وفي حديث أبي سعيدٍ ﵁ فوائد، منها: ١ - وجوب الغسل من الإنزال بأيِّ سببٍ حصل. ٢ - أنَّه لا يجب الغسل بالجماع من غير إنزالٍ، وقد ذهب إلى هذا بعض الصَّحابة ﵃ وبعض التَّابعين؛ لحديث أبي سعيدٍ ﵁ ولم يبلغهم نسخ هذا الحكم. وقد نقل غير واحدٍ إجماع العلماء على وجوب الغسل بالجماع وإن لم ينزل (٢)، ومن خالف في ذلك فقوله شاذٌّ مخالفٌ لحديث أبي هريرة ﵁: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ» ولفظ مسلمٍ: «وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ»، وكذلك حديث عائشة ﵃ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ» (٣)، وهذا كنايةٌ عن الإيلاج فلو مسَّ الختان الختان من غير إيلاجٍ لم يجب غسلٌ، وكذا قوله في حديث أبي هريرة ﵁ «ثُمَّ جَهَدَهَا» هو كنايةٌ عن الجماع، وشعبها الأربع: فخذاها وساقاها. وفي حديث أبي هريرة ﵁ فوائد، منها: ٣ - وجوب الغسل من الجماع وإن لم يكن معه إنزالٌ. ٤ - الأدب بالكناية عمَّا يستحيا من التَّصريح به.

стр. 128

ومن فوائد الحديثين: ٥ - شمول هذا الدِّين وكماله بتشريع هذه الأحكام المتعلِّقة بهذه الأحوال. * * * * * (١٢٠) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ -وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي طَلْحَةَ- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ الْغُسْلُ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: «نَعَمْ؛ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ … » الْحَدِيثَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٢١) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ، قَالَ: «تَغْتَسِلُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١٢٢) زَادَ مُسْلِمٌ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟» (٣). * * * الحديثان من أدلَّة وجوب الغسل من الجنابة بخروج المنيِّ. وفيهما فوائد، منها: ١ - فضيلة أمِّ سليمٍ ﵂ لسؤالها عن أمر دينها وحسن سؤالها. ٢ - أنَّ من حسن السُّؤال التَّقديم له بما يكون عذرًا للسَّائل. ٣ - إثبات صفة الحياء لله تعالى. ٤ - أنَّ الله لا يستحيي من بيان الحقِّ، ولو كان بما يستحيا من ذكره. وقد أخبر الله بذلك عن نفسه في آيتين من كتابه.

стр. 129

٥ - أنَّ المرأة تحتلم، والمراد بالاحتلام: رؤية الجماع في المنام، ففيه شاهدٌ لما يروى من قوله ﷺ : «النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» (١). ٦ - أنَّ احتلام المرأة قليلٌ بخلاف الرِّجال؛ لقول أمِّ سلمة ﵂ كما في أصل الحديث: وتحتلم المرأة؟ قال: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟». ٧ - وجوب الغسل من خروج المنيِّ بالاحتلام، ولو لم يذكر احتلامًا. ٨ - أنَّ مناط وجوب الغسل رؤية المنيِّ، كما يدلُّ عليه حديث أبي سعيدٍ ﵁ المتقدِّم (٢). ٩ - أنَّه لا يجب الغسل بمجرَّد الاحتلام من غير خروج الماء. ١٠ - أنَّه لا يجب الغسل بمجرَّد انتقال المنيِّ من غير أن يخرج. ١١ - أنَّه لا يجب الغسل مع الشَّكِّ في خروج المنيِّ أو الشَّكِّ في كونه منيًّا. ١٢ - جواز الدُّعاء على المخطئ بالإنكار عليه من غير قصد الحقيقة؛ لقوله ﷺ : «تَرِبَتْ يَمِينُكِ»؛ أي: لصقت بالتُّراب، والأصل: أنَّه دعاءٌ بالفقر، بصيغة الكناية. ١٣ - الإنكار على من أنكر على المحقِّ. ١٤ - أنَّ الولد يخلق من ماء الرَّجل ومن ماء المرأة. ١٥ - أنَّ خلقه من مائهما سبب شبهه بهما. ١٦ - اعتبار الشَّبه في لحوق النَّسب ما لم يعارضه ما هو أقوى منه وهو الفراش. ١٧ - أنَّ الحياء من طبع النِّساء، ومن لا تستحيي فقد خرجت عن طبع الأنوثة.

стр. 130

١٨ - أنَّ ذكر أحوال النِّساء والعلاقات الزَّوجيَّة ممَّا يستحيا منه، وممَّا لا ينبغي الجهر به إلَّا لأمرٍ يقتضيه. ١٩ - السُّؤال لمزيد التَّحقُّق. ٢٠ - حلم النَّبيِّ ﷺ وتقبُّله للمسائل. ٢١ - ذكر المفتي للدَّليل لتحصل الطُّمأنينة للسَّائل. * * * * * (١٢٣) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ مِنْ أرْبَعٍ، مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَمِنَ الْحِجَامَةِ، وَمِنْ غَسْلِ الْمَيِّتِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). * * * الحديث مختلفٌ في صحَّته، والرَّاجح: أنَّه لا بأس به كما قال شيخنا عبد العزيز بن بازٍ ﵀: وقولها: «كان يغتسل من أربعٍ» يقتضي أنَّه يغتسل من هذه الأسباب الأربعة، ومنها غسل الميِّت، ولم يثبت أنَّه ﷺ غسَّل ميِّتًا، ولهذا قال بعض شرَّاح الحديث: «كان يغتسل من أربعٍ»؛ أي: يأمر بالغسل من أربعٍ، احترازًا من تغسيله الميِّت، كما نقله صاحب (بذل المجهود) (٢) عن السّنديِّ. وهو توجيهٌ حسنٌ، ولم يتنبَّه إلى ذلك أحدٌ من شرَّاح (البلوغ)، ولفظ الحديث عند أحمد: «يغتسل من أربعٍ» (٣)، وهو خبرٌ بمعنى الأمر، وهذا اللَّفظ لا يرد عليه ما ورد على لفظ حديث الباب، والله أعلم.

стр. 131

وهو يدل على أربعة أحكامٍ: ١ - مشروعيَّة الغسل من الجنابة، وقد تقدَّم القول فيه. ٢ - مشروعيَّة الغسل ليوم الجمعة وسيأتي البحث فيه. ٣ - مشروعيَّة الغسل من الحجامة. ٤ - مشروعيَّة الغسل من غسل الميِّت. أمَّا الغسل من الجنابة فمجمعٌ على وجوبه، وأمَّا غسل الجمعة فمختلفٌ فيه، وأمَّا الغسل من الحجامة فمستحبٌّ؛ لهذا الحديث ولا قائل بوجوبه. وأمَّا الغسل من تغسيل الميِّت فمستحبٌّ؛ لهذا الحديث ولحديث أبي هريرة ﵁ المتقدِّم: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ» (١)، وجمهور العلماء على أنَّه لا يجب. * * * * * (١٢٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ عِنْدَمَا أَسْلَمَ وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَغْتَسِلَ. رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (٢)، وَأَصْلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * هذا أحد حديثين في مشروعيَّة الغسل لمن دخل في الإسلام، وقد اختلف النَّاس في ذلك، فذهب الجمهور إلى أنَّ هذا الغسل مستحبٌّ؛ لحديث ثمامة ﵁ هذا، ولحديث قيس بن عاصمٍ ﵁، وحملوا الأمر في الحديثين على الاستحباب؛ لأنَّه قد دخل في الإسلام أفواجٌ من النَّاس في عهد النَّبيِّ ﷺ وفي عهد من بعده، وما كانوا يؤمرون بالاغتسال. وقال آخرون: إنَّ الغسل واجبٌ على من دخل في الإسلام؛ لهذين الحديثين. وفصَّل بعضهم فقال: إذا دخل في الإسلام وقد أجنب في حال كفره فإنَّه يغتسل لرفع الجنابة.

стр. 132

والرَّاجح -والله أعلم-: هو القول الأوَّل، والقول الثَّالث متوجِّهٌ، وعليه فليس الغسل لأجل الدُّخول في الإسلام، بل لرفع الجنابة، والغسل للجنابة لا يجب إلَّا على من حضرته الصَّلاة؛ كالوضوء من الحدث الأصغر. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضيلة ثمامة ﵁. ٢ - وجوب الاغتسال على من دخل في الإسلام عند من يقول به، وتقدَّم ذكر الخلاف في ذلك. ٣ - الجمع بين الطَّهارتين الظَّاهرة والباطنة؛ كالجمع بينهما في الوضوء والتَّشهُّد بعده، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين﴾ [الْبَقَرَة: ٢٢٢]، وسيأتي ذكرٌ لهذا الحديث في باب المساجد (١)، وتذكر بقيَّة فوائده هناك إن شاء الله. * * * * * (١٢٥) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (٢). (١٢٦) وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣). * * *

стр. 133

الحديثان أصلٌ في حكم غسل الجمعة. وفي حديث أبي سعيدٍ ﵁ فوائد، منها: ١ - وجوب غسل الجمعة، وقد ذهب إلى هذا جمعٌ من العلماء، وذهب الجمهور إلى أنَّ الغسل مستحبٌّ؛ لحديث سمرة ﵁ -على ما قيل فيه من التَّضعيف- ولحديث عثمان ﵁ عندما جاء متأخِّرًا ولم يغتسل (١). ٢ - وقوله في الحديث: «وَاجِبٌ» ليس هو الوجوب في اصطلاح الأصوليِّين، بل هو كقول الرَّجل: حقُّك عليَّ واجبٌ، وأيَّدوا ذلك بأنَّ في الحديث «والسِّواك والطِّيب» (٢) وليسا بواجبين. ٣ - أنَّ الغسل لا يجب إلَّا على المحتلم وهو البالغ. ٤ - أنَّ غسل الجمعة لا يختصُّ بمن تجب عليه، بل يشرع لكلِّ بالغٍ، والصَّحيح: أنَّه مختصٌّ بمن يحضر الجمعة؛ لقوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵃: «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (٣) وغيره من الأحاديث. ٥ - أنَّه لا يؤمر به غير البالغ. ٦ - فضل يوم الجمعة وصلاة الجمعة. ٧ - أنَّ الاحتلام من موجبات البلوغ. وفي حديث سمرة من الفوائد: ٨ - أنَّه يجزئ الوضوء للجمعة دون الغسل، وأنَّه لا عيب على من اقتصر على الوضوء للجمعة لقوله: «وَنِعْمَتْ».

стр. 134

٩ - فيه أنَّ الغسل أفضل من الوضوء. ١٠ - أنَّ غسل الجمعة ليس بواجبٍ. * * * * * (١٢٧) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ، وَحَسَّنَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * هذا الحديث حجَّة من منع الجنب من قراءة القرآن، وهم الجمهور، ولكنَّ الحديث مختلفٌ فيه بين التَّصحيح والتَّحسين والتَّضعيف فمن قبله قال بموجبه، ومن ضعَّفه قال: يجوز للجنب أن يقرأ القرآن. ووجه دلالة الحديث على تحريم القراءة على الجنب أنَّه ﷺ ما كان ليمتنع من قراءة القرآن وإقرائه حال الجنابة لولا أنَّ ذلك محرَّمٌ؛ لقوله في بعض الرِّوايات: «ولم يكن يحجبه -أو قال: يحجزه- عن القرآن شيءٌ ليس الجنابة» (٢) وقوله: «فأمَّا الجنب فلا، ولا آيةً» (٣). ومع هذا الاختلاف في ثبوت الحديث، والاحتمال في دلالته فالأحوط للمسلم أن لا يقرأ شيئًا من القرآن وهو جنبٌ، وهذا كلُّه في القراءة عن ظهر قلبٍ، أمَّا مع مسِّ المصحف فلا تجوز القراءة مع الحدث الأصغر أو الأكبر، إذا كان يلزم من ذلك مسُّ المصحف.

стр. 135

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعلِّم أصحابه القرآن. ٢ - جواز الإقراء مع الحدث الأصغر. ٣ - تحريم القراءة والإقراء على الجنب، ومن باب أولى قراءته في الحشِّ أو حال قضاء الحاجة. ٤ - أنَّ من تعظيم كلام الله التَّطهُّر لقراءته. ٥ - تحريم قراءة القرآن على الحائض والنُّفساء قياسًا على الجنب، وفي هذا القياس نظرٌ؛ لأنَّ الحائض والنُّفساء تفارقان الجنب من وجهين: أنَّهما لا يمكنهما رفع حدثهما. أنَّه تطول مدَّته؛ أي: الحدث، بخلاف الجنب، ولهذا فرَّق بعض العلماء بين الجنب والحائض، فقال: يجوز للحائض والنُّفساء قراءة القرآن. وأمَّا حديث: «لَا تَقْرَأِ الْحَائِضُ ولا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ» فهو ضعيفٌ (١)، وعليه فيجوز للحائض والنُّفساء قراءة القرآن لكن من غير مسٍّ للمصحف. * * * * * (١٢٨) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وَضُوءًا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (١٢٩) زَادَ الْحَاكِمُ: «فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ» (٣). * * *

стр. 136

هذا الحديث يتعلَّق ببابين: أحكام الجنب وعشرة النِّساء. وفيه فوائد، منها: ١ - استحباب الكناية عمَّا يستفحش التَّصريح به. ٢ - أنَّ الأهل يطلق على الزَّوجة خاصَّةً في مثل هذا السِّياق. ٣ - جواز العود من قريبٍ. ٤ - مشروعيَّة الوضوء لذلك وهو عند الجمهور على الاستحباب، لتعليله بمصلحة الجماع. ٥ - بيان الحكمة في ذلك، كما في رواية الحاكم. ٦ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة. ٧ - أنَّه لا يجب الغسل للعود ولا يستحبُّ بل يقتصر على الوضوء، إلَّا إذا كان العود مع امرأةٍ أخرى، كما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ في حديث أبي رافعٍ ﵁؛ «أنَّ رسول الله ﷺ طاف ذات يومٍ على نسائه يغتسل عند هذه وعند هذه» (١)، كما ثبت في «الصَّحيحين» عن أنسٍ ﵁؛ «أنَّه طاف على نسائه بغسلٍ واحدٍ» (٢). ٨ - كمال هذا الدِّين وشموله للأحكام والآداب في جميع الأحوال. * * * * * (١٣٠) وَلِلأرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً». وَهُوَ مَعْلُولٌ (٣). * * *

стр. 137

هذا الحديث استدلَّ به جمهور العلماء على جواز نوم الجنب من غير غسلٍ ولا وضوءٍ، كما يستدلُّون به على أنَّ أمر الجنب بالوضوء إذا أراد أن يرقد للاستحباب، وهو ما جاء عن عمر ﵁ في «الصَّحيحين»: قال: قلت: يا رسول الله، أيرقد أحدنا وهو جنبٌ؟ قال: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأ أَحَدُكُم فَلْيَرْقُدْ» (١)، ومفهومه أمر الجنب بالوضوء قبل النَّوم ونهيه عن النَّوم قبل الوضوء ولكنَّ حديث عائشة ﵂ معلولٌ فلا يقاوم حديث عمر ﵁. وأجاب عنه بعضهم بأنَّ قولها: «من غير أن يمسَّ ماءً»؛ أي: للغسل؛ جمعًا بين الحديثين، وعلى هذا فجمهور العلماء على أنَّ وضوء الجنب للنَّوم مستحبٌّ لا واجب. ومن نظر إلى إعلال حديث عائشة ﵂ وصحَّة حديث عمر ﵁ قال بوجوب الوضوء، وهو قول الظَّاهريَّة، وظاهر قول مالكٍ (٢). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز نوم الجنب من غير وضوءٍ. ٢ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان ينام جنبًا. ٣ - أنَّ الرَّسول ﷺ تصيبه الجنابة؛ لأنَّه بشرٌ. ٤ - فضل عائشة ﵂ لرواية أحوال النَّبيِّ ﷺ الخاصَّة. ٥ - جواز تأخير الغسل من الجنابة؛ لأنَّه لا يجب إلَّا عند القيام إلى الصَّلاة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. * * * * *

стр. 138

(١٣١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُم يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، ثُمَّ (١) حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (٢). (١٣٢) وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ ﵂: «ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى فَرْجِهِ وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهَا الأَرْضَ» (٣). وَفِي رِوَايَةٍ: «فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ»، وَفِي آخِرِهِ: «ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ»، وَفِيهِ: «وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ» (٤). * * * هذان الحديثان هما الأصل في صفة الغسل من الجنابة، وقد اختصر الحافظ حديث ميمونة ﵂ وهما من البيان بالفعل، فقد أمر الله بالغسل والتَّطهُّر من الجنابة من غير بيانٍ لصفته، فبيَّن النَّبيُّ ﷺ صفة الغسل الكامل كما تضمَّنه هذان الحديثان، وأجمع العلماء على إجزاء الغسل -وهو تعميم البدن بالماء- كيفما كان مع المضمضة والاستنشاق بشرط نيَّة رفع الحدث على الصَّحيح. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة الغسل من الجنابة، وهو واجبٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع. ٢ - خدمة المرأة لزوجها، كما في حديث ميمونة ﵃. ٣ - فيهما صفة الغسل الكامل. ٤ - غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء. ٥ - البداءة بغسل الفرج.

стр. 139

٦ - مسح اليد اليسرى بعد ذلك بالتُّراب أو غيره لمزيد النَّظافة، وفي معناه غسلها بالصَّابون ونحوه. ٧ - الوضوء في أوَّل غسل الجنابة. ٨ - التَّخيير في غسل الرِّجلين بين التَّقديم مع أعضاء الوضوء أو التَّأخير بعد غسل سائر البدن. ٩ - غسل شعر الرَّأس وتخليله قبل إفاضة الماء على سائر البدن. ١٠ - أنَّه لا يشرع التَّثليث في غسل سائر البدن. ١١ - أنَّه لا يشترط الدَّلك عند غسل البدن. ١٢ - أنَّ ترك التَّنشُّف أولى. ١٣ - إباحة التَّنشُّف من ماء الغسل والوضوء؛ لأنَّه ﵊ لم ينكر على ميمونة ﵂. ١٤ - التَّنحِّي عن المكان لغسل الرِّجلين إذا كان فيه ما يعلق بالرِّجلين كالطِّين ونحوه، كما في حديث ميمونة ﵂. ١٥ - ارتفاع الحدثين الأصغر والأكبر بهذا الغسل؛ لأنَّه ﵊ لم يتوضَّأ بعد ذلك. فروقٌ بين الحديثين في صفة الغسل: ١٦ - ذكر عدد غسلات اليدين في حديث ميمونة ﵂. ١٧ - ضرب اليد بالتُّراب ومسحها بعد غسل الفرج في حديث ميمونة ﵂. ١٨ - إجمال الوضوء في حديث عائشة ﵂ وتفصيله في حديث ميمونة ﵂.

стр. 140

١٩ - التَّصريح بتأخير غسل الرِّجلين في حديث ميمونة ﵂، وهو ظاهر حديث عائشة ﵂، ويحتمل أنَّه غسل رجليه مرَّتين؛ لقول عائشة ﵂: «توضَّأ وضوءه للصَّلاة» (١) ثمَّ قولها: «ثمَّ غسل رجليه»؛ لأنَّ وضوء الصَّلاة يتضمَّن غسل الرِّجلين، ويحتمل أنَّ قولها: «وضوءه للصَّلاة» فيه تجوُّزٌ بإطلاق الاسم على معظم الشَّيء، وهذا كلُّه على تقدير ثبوت قولها: «ثمَّ غسل رجليه»، وهي لفظةٌ انفرد بها مسلمٌ عن البخاريِّ، وانفرد بها أبو معاوية عن بقيَّة الرُّواة، ولهذا لم يثبتها بعض أهل الحديث، وعليه فقول عائشة ﵂: «توضَّأ وضوءه للصَّلاة» على حقيقته؛ أي: توضَّأ وضوءًا كاملاً. ٢٠ - تخليل شعر الرَّأس ليبلغ الماء أصوله في حديث عائشة ﵂. ٢١ - التَّثليث في غسل الرَّأس. ٢٢ - غسل الرَّأس بثلاث حفناتٍ في حديث عائشة ﵂. ٢٣ - التَّنحِّي لغسل الرِّجلين في حديث ميمونة ﵂. ٢٤ - نفض الماء باليد في حديث ميمونة ﵂ لتخفيفه من الشَّعر والبدن. * * * * * (١٣٣) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ شَعْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ -وَفِي رِوَايَةٍ: وَالْحَيْضَةِ- قَالَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - غسل شعر الرَّأس في الغسل من الجنابة والحيض، وهو مجمعٌ عليه.

стр. 141

٢ - أنَّه لا يجب نقض الشَّعر إذا كان مشدودًا، بل يكفي صبُّ الماء عليه، بحيث يصل الماء إلى باطن الشَّعر. ٣ - أنَّه لا فرق في ذلك بين غسل الحيض وغسل الجنابة، وهو مذهب الجمهور، وفرَّق بعضهم بين غسل الجنابة وغسل الحيض، فأوجب النَّقض في غسل الحيض دون الجنابة، والصَّواب: أنَّه لا يجب النَّقض إلَّا إذا غلب على الظَّنِّ عدم وصول الماء إلى باطن الشَّعر وأصوله. ٤ - جواز شدِّ المرأة شعرها وجعله ضفائر. ٥ - صبُّ الماء على الرَّأس «ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ» (أي: ثلاث غرفاتٍ بكلتا يديه) كما في النِّهاية (١) ليصل الماء إلى أصول الشَّعر، ويشهد لهذا الحديث في عدم وجوب النَّقض قول عائشة ﵂ لابن عمرٍو ﵃ حين بلغها أنَّه يأمر النِّساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهنَّ، فقالت: «يا عجبًا لابن عمرٍو: هو يأمر النِّساء أن ينقضن رؤوسهنَّ، أفلا يأمرهنَّ أن يحلقن رؤوسهنَّ، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغاتٍ» (٢). * * * * * (١٣٤) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣). * * * الحديث هو الأصل في تحريم دخول الحائض والجنب في المسجد واللُّبث فيه، واستدلَّ على ذلك أيضًا في شأن الحائض بقوله ﷺ لعائشة ﵂

стр. 142

لمَّا حاضت وهي محرمةٌ: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (١)، وهو محتملٌ لذلك، واستدلَّ أيضًا في منع الجنب بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]؛ أي: لا تقربوا مواضع الصَّلاة، وفسِّر (عابرو السَّبيل) بالمجتاز في المسجد غير لابثٍ فيه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ نفي الحلِّ يعبَّر به في نصوص الشَّرع عن التَّحريم؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]. ٢ - أنَّ رسول الله ﷺ يحلُّ ويحرِّم، وما أحلَّ وحرَّم فقد أحلَّه الله وحرَّمه، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. ٣ - تحريم دخول المسجد واللُّبث فيه على الحائض والجنب، أمَّا دخولهما المسجد من غير لبثٍ فهو جائزٌ، كما دلَّ على ذلك السُّنَّة الصَّحيحة، وهو قوله ﷺ لعائشة ﵂: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ» فقالت: إنِّي حائضٌ، فقال: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» (٢)، وإذا كان هذا في الحائض فالجنب أولى، كما استدلَّ على ذلك -في حقِّ الجنب- بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، كما تقدَّم. واختلف العلماء في لبث الحائض والجنب في المسجد، فذهب الجمهور إلى التَّحريم مطلقًا، وذهب الإمام أحمد في المشهور إلى جوازه بعد الوضوء؛ لما جاء أنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ كانوا يجلسون في المسجد وهم جنبٌ إذا توضَّؤوا (٣).

стр. 143

والقول بالتَّحريم مطلقًا هو موجب الحديث، وفعل الصَّحابة ﵃ لا يصلح للتَّخصيص؛ إذ قد يكون عن اجتهادٍ أو لم يعلموا بدليل التَّحريم. وذهب ابن المنذر وداود وابن حزمٍ إلى جواز لبث الحائض والجنب في المسجد ولو لم يتوضَّأ الجنب؛ لأنَّ حديث الباب لم يصحَّ عندهم، وحملوا قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣] على الصَّلاة نفسها، وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ على المسافر، وأيَّدوا قولهم ذلك بحديث عائشة ﵂ في المرأة السَّوداء الَّتي كان لها خباءٌ في المسجد (١). ويمكن الجواب عنه بأنَّه لا يلزم من ذلك إقامتها في المسجد وهي حائضٌ؛ لأنَّنا لا نعلم كم مكثت في المسجد، ويحتمل أن تكون امرأةً كبيرةً آيسةً، هذا وهي قضيَّة عينٍ لا عموم لها، قاله ابن رجبٍ (٢). * * * * * (١٣٥) وعنها ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١٣٦) وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: «وَتَلْتَقِي أَيْدِينَا» (٣). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - التَّصريح بما يستحيا من ذكره لبيان أحكام الشَّرع. ٢ - جواز اغتسال الرَّجل وامرأته من إناءٍ واحدٍ في مكانٍ واحدٍ ووقتٍ واحدٍ، ومعنى «تختلف أيدينا فيه» أنَّ كلًّا منهما تخلف يده يد الآخر، وقد تلتقيان كما في رواية ابن حبَّان.

стр. 144

٣ - أنَّ اغتسال الرَّجل وامرأته ليس من الاغتسال في فضل أحدهما. ٤ - أنَّه لا يجب على الزَّوجين ستر كلٍّ منهما عورته عن الآخر، وهذا يستلزم جواز الرُّؤية، ومطلق الرُّؤية لا يستلزم النَّظر، فإنَّ النَّظر يكون مع القصد. ٥ - طهوريَّة الماء المستعمل؛ لأنَّه لا بدَّ أن يتساقط من بدن الجنب شيءٌ في الإناء. ٦ - الاقتصاد في ماء الوضوء والغسل، وأنَّه يكفي الاثنين ما بين الصَّاعين والثَّلاثة، كما في حديث أنسٍ ﵁: «كان رسول الله ﷺ يتوضَّأ بالمدِّ ويغتسل بالصَّاع إلى خمسة أمدادٍ» (١). * * * * * (١٣٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَاهُ (٢). (١٣٨) وَلأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ، وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ (٣). * * * الحديثان يدخل معناهما في صفة الغسل، ومعناهما صحيحٌ وإن ضعِّفا، فإنَّ حدث الجنابة يتعلَّق حكمه بجميع البدن، ولهذا جاء الشَّرع فيه بالاغتسال، وهو التَّطهُّر الَّذي قال الله فيه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والاغتسال: غسل جميع البدن، فيدخل في ذلك ما تحت الشَّعر. ويشهد لصحَّة ذلك من فعله ﷺ ؛ ما جاء في حديث عائشة ﵂ في صفة غسله ﷺ من أنَّه ﷺ كان يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشَّعر حتَّى إذا ظنَّ أنَّه أروى بشرته حثا على رأسه ثلاث حثياتٍ (٤)، كما يدلُّ له حديث عائشة

стр. 145

﵂ أنَّ أسماء بنت شَكَلٍ ﵃ سألت النَّبيَّ ﷺ عن غسل الجنابة، فقال: «تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ -أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ- ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا -أَيْ: أُصُولَهُ- ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ» (١). وقال لها مثل ذلك في غسل الحيض، وعليه فإذا كان الشَّعر مشدودًا أو ملبَّدًا بحيث لا يصل الماء إلى أصول الشَّعر إلَّا بنقضه وجب نقضه، وإذا كان الماء يصل إلى جلدة الرَّأس بتخليل الشَّعر ودلكه فلا يجب نقضه؛ لأنَّه لا يجب غسل باطن ضفائر الشَّعر المسترسل على الصَّحيح. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب الإسباغ في الغسل، وهو تعميم جميع البدن بالماء. ٢ - غسل باطن الشَّعر، وهو ما تحت الشَّعر من البشرة. ٣ - أنَّه لا يعفى عن شيءٍ من البدن، فمن ترك بقعةً وجب عليه غسلها ولو بعد جفاف بدنه؛ لأنَّ الغسل لا تجب فيه الموالاة، وعلى هذا فالمرأة إذا اغتسلت من الجنابة أو الحيضة وعلى أظفارها ما يسمَّى ب (المناكير) فيجب عليها إزالة ما على أظفارها ثمَّ غسل الأظفار بنيَّة رفع الجنابة، وإن كانت قد صلَّت فيجب عليها إعادة الصَّلاة. وبهذا يتمُّ القول في باب الغسل. * * * * *
следующие страницы →