← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٢ - أنَّه لا يجب نقض الشَّعر إذا كان مشدودًا، بل يكفي صبُّ الماء عليه، بحيث يصل الماء إلى باطن الشَّعر. ٣ - أنَّه لا فرق في ذلك بين غسل الحيض وغسل الجنابة، وهو مذهب الجمهور، وفرَّق بعضهم بين غسل الجنابة وغسل الحيض، فأوجب النَّقض في غسل الحيض دون الجنابة، والصَّواب: أنَّه لا يجب النَّقض إلَّا إذا غلب على الظَّنِّ عدم وصول الماء إلى باطن الشَّعر وأصوله. ٤ - جواز شدِّ المرأة شعرها وجعله ضفائر. ٥ - صبُّ الماء على الرَّأس «ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ» (أي: ثلاث غرفاتٍ بكلتا يديه) كما في النِّهاية (١) ليصل الماء إلى أصول الشَّعر، ويشهد لهذا الحديث في عدم وجوب النَّقض قول عائشة ﵂ لابن عمرٍو ﵃ حين بلغها أنَّه يأمر النِّساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهنَّ، فقالت: «يا عجبًا لابن عمرٍو: هو يأمر النِّساء أن ينقضن رؤوسهنَّ، أفلا يأمرهنَّ أن يحلقن رؤوسهنَّ، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغاتٍ» (٢). * * * * * (١٣٤) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (٣). * * * الحديث هو الأصل في تحريم دخول الحائض والجنب في المسجد واللُّبث فيه، واستدلَّ على ذلك أيضًا في شأن الحائض بقوله ﷺ لعائشة ﵂

стр. 142

لمَّا حاضت وهي محرمةٌ: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (١)، وهو محتملٌ لذلك، واستدلَّ أيضًا في منع الجنب بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النِّسَاء: ٤٣]؛ أي: لا تقربوا مواضع الصَّلاة، وفسِّر (عابرو السَّبيل) بالمجتاز في المسجد غير لابثٍ فيه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ نفي الحلِّ يعبَّر به في نصوص الشَّرع عن التَّحريم؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]. ٢ - أنَّ رسول الله ﷺ يحلُّ ويحرِّم، وما أحلَّ وحرَّم فقد أحلَّه الله وحرَّمه، كما قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. ٣ - تحريم دخول المسجد واللُّبث فيه على الحائض والجنب، أمَّا دخولهما المسجد من غير لبثٍ فهو جائزٌ، كما دلَّ على ذلك السُّنَّة الصَّحيحة، وهو قوله ﷺ لعائشة ﵂: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ» فقالت: إنِّي حائضٌ، فقال: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» (٢)، وإذا كان هذا في الحائض فالجنب أولى، كما استدلَّ على ذلك -في حقِّ الجنب- بقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣]، كما تقدَّم. واختلف العلماء في لبث الحائض والجنب في المسجد، فذهب الجمهور إلى التَّحريم مطلقًا، وذهب الإمام أحمد في المشهور إلى جوازه بعد الوضوء؛ لما جاء أنَّ أصحاب النَّبيِّ ﷺ كانوا يجلسون في المسجد وهم جنبٌ إذا توضَّؤوا (٣).

стр. 143

والقول بالتَّحريم مطلقًا هو موجب الحديث، وفعل الصَّحابة ﵃ لا يصلح للتَّخصيص؛ إذ قد يكون عن اجتهادٍ أو لم يعلموا بدليل التَّحريم. وذهب ابن المنذر وداود وابن حزمٍ إلى جواز لبث الحائض والجنب في المسجد ولو لم يتوضَّأ الجنب؛ لأنَّ حديث الباب لم يصحَّ عندهم، وحملوا قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣] على الصَّلاة نفسها، وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ على المسافر، وأيَّدوا قولهم ذلك بحديث عائشة ﵂ في المرأة السَّوداء الَّتي كان لها خباءٌ في المسجد (١). ويمكن الجواب عنه بأنَّه لا يلزم من ذلك إقامتها في المسجد وهي حائضٌ؛ لأنَّنا لا نعلم كم مكثت في المسجد، ويحتمل أن تكون امرأةً كبيرةً آيسةً، هذا وهي قضيَّة عينٍ لا عموم لها، قاله ابن رجبٍ (٢). * * * * * (١٣٥) وعنها ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (١٣٦) وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: «وَتَلْتَقِي أَيْدِينَا» (٣). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - التَّصريح بما يستحيا من ذكره لبيان أحكام الشَّرع. ٢ - جواز اغتسال الرَّجل وامرأته من إناءٍ واحدٍ في مكانٍ واحدٍ ووقتٍ واحدٍ، ومعنى «تختلف أيدينا فيه» أنَّ كلًّا منهما تخلف يده يد الآخر، وقد تلتقيان كما في رواية ابن حبَّان.

стр. 144

٣ - أنَّ اغتسال الرَّجل وامرأته ليس من الاغتسال في فضل أحدهما. ٤ - أنَّه لا يجب على الزَّوجين ستر كلٍّ منهما عورته عن الآخر، وهذا يستلزم جواز الرُّؤية، ومطلق الرُّؤية لا يستلزم النَّظر، فإنَّ النَّظر يكون مع القصد. ٥ - طهوريَّة الماء المستعمل؛ لأنَّه لا بدَّ أن يتساقط من بدن الجنب شيءٌ في الإناء. ٦ - الاقتصاد في ماء الوضوء والغسل، وأنَّه يكفي الاثنين ما بين الصَّاعين والثَّلاثة، كما في حديث أنسٍ ﵁: «كان رسول الله ﷺ يتوضَّأ بالمدِّ ويغتسل بالصَّاع إلى خمسة أمدادٍ» (١). * * * * * (١٣٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَاهُ (٢). (١٣٨) وَلأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ، وَفِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ (٣). * * * الحديثان يدخل معناهما في صفة الغسل، ومعناهما صحيحٌ وإن ضعِّفا، فإنَّ حدث الجنابة يتعلَّق حكمه بجميع البدن، ولهذا جاء الشَّرع فيه بالاغتسال، وهو التَّطهُّر الَّذي قال الله فيه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والاغتسال: غسل جميع البدن، فيدخل في ذلك ما تحت الشَّعر. ويشهد لصحَّة ذلك من فعله ﷺ ؛ ما جاء في حديث عائشة ﵂ في صفة غسله ﷺ من أنَّه ﷺ كان يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشَّعر حتَّى إذا ظنَّ أنَّه أروى بشرته حثا على رأسه ثلاث حثياتٍ (٤)، كما يدلُّ له حديث عائشة

стр. 145

﵂ أنَّ أسماء بنت شَكَلٍ ﵃ سألت النَّبيَّ ﷺ عن غسل الجنابة، فقال: «تَأْخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ -أَوْ تُبْلِغُ الطُّهُورَ- ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا -أَيْ: أُصُولَهُ- ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ» (١). وقال لها مثل ذلك في غسل الحيض، وعليه فإذا كان الشَّعر مشدودًا أو ملبَّدًا بحيث لا يصل الماء إلى أصول الشَّعر إلَّا بنقضه وجب نقضه، وإذا كان الماء يصل إلى جلدة الرَّأس بتخليل الشَّعر ودلكه فلا يجب نقضه؛ لأنَّه لا يجب غسل باطن ضفائر الشَّعر المسترسل على الصَّحيح. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - وجوب الإسباغ في الغسل، وهو تعميم جميع البدن بالماء. ٢ - غسل باطن الشَّعر، وهو ما تحت الشَّعر من البشرة. ٣ - أنَّه لا يعفى عن شيءٍ من البدن، فمن ترك بقعةً وجب عليه غسلها ولو بعد جفاف بدنه؛ لأنَّ الغسل لا تجب فيه الموالاة، وعلى هذا فالمرأة إذا اغتسلت من الجنابة أو الحيضة وعلى أظفارها ما يسمَّى ب (المناكير) فيجب عليها إزالة ما على أظفارها ثمَّ غسل الأظفار بنيَّة رفع الجنابة، وإن كانت قد صلَّت فيجب عليها إعادة الصَّلاة. وبهذا يتمُّ القول في باب الغسل. * * * * *

стр. 146

بَابُ التَّيَمُّمِ التَّيَمُّمُ لُغَةً: القصد، تقول: تيمَّمت كذا؛ أي: قصدتُه. وَفِي الشَّرْعِ: قصد الصَّعيد الطَّيِّب بضربه باليدين ثمَّ مسح الوجه والكفَّين بنيَّة التَّطهُّر، وهو رخصةٌ من الله لعباده يقوم مقام الوضوء والغسل عند عدم الماء أو خوف التَّضرُّر باستعماله. وقد دلَّ على مشروعيَّته الكتاب، والسُّنَّة المتواترة، وإجماع الأمَّة. * * * * * (١٣٩) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵃؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ … » وَذَكَرَ الْحَدِيثَ (١). (١٤٠) وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁، عِنْدَ مُسْلِمٍ: «وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ» (٢). (١٤١) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، عِنْدَ أَحْمَدَ: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا» (٣). * * * اقتصر الحافظ على خصلتين من الخمس في حديث جابرٍ ﵁ اختصارًا، والشَّاهد من الحديث قوله: «وَطَهُورًا»؛ أي: مطهِّرًا، كما قال النَّبيُّ ﷺ في البحر: «هُو الطَّهُورُ مَاؤُهُ» (٤) ويؤكِّد ذلك قوله ﷺ : «فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ

стр. 147

فَلْيُصَلِّ»؛ أي: فعنده المسجد والطَّهور، وإن لم يكن ماءٌ. وبقيَّة الخصائص الخمس هي قوله ﷺ : «وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ». وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ للرَّسول ﷺ خصائص لم تكن لمن قبله من الأنبياء. ٢ - أنَّ من هذه الخصائص ما تشاركه فيه أمَّته ﷺ ؛ كحلِّ الغنائم، والصَّلاة في أيِّ بقعةٍ من الأرض، والتَّطهُّر من أيِّ موضعٍ، والنَّصر بالرُّعب، ومنها ما لا تشاركه فيه الأمَّة؛ كعموم الرِّسالة والشَّفاعة الكبرى. ٣ - تفاضل الأنبياء وتفاضل الأمم. ٤ - فضل نبيِّنا مُحمَّدٍ ﷺ على غيره من الأنبياء، وفضل أمَّته على من قبلها من الأمم. ٥ - نصر الله لنبيِّه مُحمَّدٍ ﷺ ولأتباعه بالرُّعب الَّذي يلقيه الله في قلوب أعدائه، وشاهده في القرآن ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرَّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]. ٦ - خوف الكفَّار من النَّبيِّ ﷺ والمؤمنين وبينهم مسيرة شهرٍ، وفي روايةٍ «شَهْرَيْنِ» (١)، والبعد والقرب في هذا يرجع إلى حال المؤمنين من حيث قوَّة الإيمان والتَّوكُّل والأخذ بالأسباب. ٧ - جواز الصَّلاة في جميع بقاع الأرض إلَّا ما خصَّه الدَّليل: كالمقبرة، والحمَّام، والمواضع النَّجسة. ٨ - جواز التَّطهُّر بالتَّيمُّم على جميع أجزاء الأرض، سواءٌ أكان صخرًا أم رملاً أم ترابًا، إلَّا ما خصَّه الدَّليل كالمواضع النَّجسة.

стр. 148

وخصَّ كثيرٌ من العلماء التَّيمُّم بالتُّراب الَّذي له غبارٌ، لما جاء في حديث حذيفة عند مسلمٍ «وجعلت تربتها لنا طهورًا»، ونحوه من حديث عليٍّ ﵁ عند أحمد: «وَجُعِلَ التُّرَابُ لِيَ طَهُورًا» وعضدوا ذلك بقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، ف «من» على هذا للتَّبعيض، وكذلك الباء في قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣] تدلُّ على ممسوحٍ به؛ كقوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ونازع بعض العلماء في هذه الأدلَّة فقالوا: يجوز التَّيمُّم على جميع أجزاء الأرض. ٩ - أنَّه لا تؤخَّر الصَّلاة عن وقتها، ولا لآخر وقتها من أجل طلب الماء؛ لقوله: «فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ». ١٠ - أنَّ الأمم الماضية لا يصلُّون إلَّا في محاريبهم، وهي الأماكن المعدَّة للصَّلاة، وأنَّهم لا يجزئهم في طهارتهم التَّيمُّم. ١١ - حلُّ الغنائم لهذه الأمَّة وتحريمها على الأمم السَّابقة، فإذا غنموا من أموال الكفَّار جمعوه فنزلت عليه نارٌ فأكلته. ١٢ - جواز النَّسخ بين الشَّرائع بل وفي الشَّريعة الواحدة. ١٣ - رحمة الله بهذه الأمَّة بهذه الشَّريعة السَّمحة. ١٤ - اختصاصه ﷺ بالشَّفاعة الكبرى دون سائر الأنبياء، وهي المقام المحمود. ١٥ - الدَّلالة على عموم رسالته ﷺ لجميع النَّاس واختصاص كلِّ نبيٍّ بقومه. ١٦ - أنَّ التَّيمُّم رافعٌ للحدث؛ لقوله: «طَهُورًا». ١٧ - أنَّ كلَّ موضعٍ تجوز الصَّلاة فيه يسمَّى مسجدًا.

стр. 149

١٨ - أنَّه لا يسع أحدًا الخروج عن شريعة مُحمَّدٍ ﷺ لا اليهود ولا النَّصارى ولا غيرهم؛ لقوله ﷺ : «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً». * * * * * (١٤٢) وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵃، قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُم أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ (١). (١٤٣) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» (٢). * * * هذا الحديث مع ما في القرآن أصلٌ في مشروعيَّة التَّيمُّم وصفته، والآية والحديث مبيِّنان للإجمال في حديث جابرٍ ﵁ من قوله ﷺ : «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٣)؛ فإنَّه لم يبيِّن فيه صفة التَّيمُّم. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - فضيلة عمَّار بن ياسرٍ ﵃. ٢ - بعث النَّبيِّ ﷺ أصحابه في المهمَّات. ٣ - أنَّ الجنابة تكون بالاحتلام. ٤ - التَّيمُّم للجنابة. ٥ - فهم عمَّارٍ ﵁ التَّيمُّم للجنابة من الآية.

стр. 150

٦ - جواز العمل بالاجتهاد عند عدم النَّصِّ أو خفائه. ٧ - جواز الاجتهاد في عصر النَّبيِّ ﷺ . ٨ - جواز القياس في الجملة، وذلك أنَّ عمَّارًا قاس التُّراب على الماء في تعميم البدن. ٩ - أنَّ من اجتهد ثمَّ وجد النَّصَّ على خلاف اجتهاده وجب رجوعه إلى النَّصِّ. ١٠ - أنَّ القول يطلق على الفعل؛ لقوله ﷺ : «أَنْ تَقُولَ». ١١ - التَّعليم بالفعل. ١٢ - فيه صفة التَّيمُّم للتَّطهُّر من الجنابة، وأنَّه لا يختلف عن التَّيمُّم للحدث الأصغر. ١٣ - أنَّ التَّيمُّم يكون بضربةٍ واحدةٍ. ١٤ - مسح الوجه والكفَّين في التَّيمُّم. ١٥ - الاقتصار على مسح الكفَّين دون الذِّراعين. ١٦ - تقديم الوجه على الكفَّين في التَّيمُّم وجوبًا. ١٧ - مسح باطن الكفَّين وظاهرهما في التَّيمُّم. ١٨ - حسن تعليمه ﷺ وحسن خلقه. ١٩ - ترك التَّصريح بما لا حاجة إلى ذكره؛ لقول عمَّارٍ: «في حاجةٍ». ٢٠ - جواز التَّصريح بما يستحيا من ذكره إذا دعت الحاجة، لقوله ﵁: «فأجنبت». ٢١ - أنَّه لا يجوز التَّيمُّم إلَّا عند عدم الماء. ٢٢ - أنَّ من اجتهد فأخطأ فإنَّه لا يؤمر بالإعادة ولا ينكر عليه.

стр. 151

٢٣ - جواز نفخ الكفَّين إذا علق بهما ترابٌ كثيرٌ. ٢٤ - يسر الشَّريعة في حكم التَّيمُّم وصفته. * * * * * (١٤٤) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ؛ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ (١). * * * هذا الحديث اختلف الأئمَّة في رفعه ووقفه، والرَّاجح أنَّه موقوفٌ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة التَّيمُّم، وهو ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع. ٢ - صفة التَّيمُّم، وأنَّه ضربتان؛ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين. وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وهو مخالفٌ لما دلَّ عليه حديث عمَّارٍ المتقدِّم المتَّفق على صحَّته من وجهين: الأوَّل: عدد الضَّربات. الثَّاني: صفة مسح اليدين. وذهب كثيرٌ من العلماء إلى أنَّ التَّيمُّم ضربةٌ واحدةٌ للوجه والكفَّين دون الذِّراعين، وهو الصَّواب كما دلَّ عليه حديث عمَّارٍ ﵁، ودلَّت عليه الآية. فحديث ابن عمر ﵃ لا يقاوم حديث عمَّارٍ ﵁؛ لأنَّه موقوفٌ كما تقدَّم، ويؤيِّد ذلك أنَّ اليدين في آية التَّيمُّم لم يحدَّ مسحهما بغايةٍ كما في الوضوء، وأقلُّ ما يطلق عليه اسم اليد هو الكفُّ، فهو الَّذي يتعلَّق به الحكم بيقينٍ؛ ولهذا اقتصر في حدِّ السَّرقة على قطع الكفِّ.

стр. 152

ولا يصحُّ قياس مسح اليدين في التَّيمُّم على غسلهما في الوضوء؛ لأنَّه قياسٌ في مقابل النَّصِّ؛ فلا يصحُّ، مع ما بين المسح بالتُّراب والغسل بالماء من الفرق المانع من القياس؛ ولأنَّ المسح مبنيٌّ على التَّخفيف. * * * * * (١٤٥) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ». رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ، وَلَكِنْ صَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ إرْسَالَهُ (١). (١٤٦) وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوُهُ، وَصَحَّحَهُ (٢). * * * هذان الحديثان معناهما واحدٌ، ويعضد أحدهما الآخر، فالأشبه أنَّهما من الحسن لغيره، ومعناهما صحيحٌ متَّفقٌ عليه بين العلماء، ولا عبرة بمن شذَّ. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أنَّ الصَّعيد -وهو التُّراب أو هو ما على وجه الأرض- كالماء في التَّطهير. ٢ - أنَّ التَّيمُّم كالوضوء وكالغسل. ٣ - أنَّ التَّيمُّم رافعٌ للحدث، وإلى هذا ذهب كثيرٌ من أهل العلم. وذهب الجمهور إلى أنَّه مبيحٌ لا رافعٌ، فيتقيَّد بوقت الصَّلاة. والحديث يدلُّ للقول الأوَّل وهو الصَّواب. ويدلُّ له أيضًا أنَّ الرَّسول ﷺ سمَّى التُّراب طهورًا في حديث جابرٍ ﵁، وفي هذا الحديث سمَّاه وضوءًا.

стр. 153

٤ - أنَّ شرط التَّيمُّم عدم الماء؛ كما جاء في القرآن: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦]، وفي هذا الحديث: «وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ». ٥ - أنَّ عدم الماء مبيحٌ للتَّيمُّم وإن طالت المدَّة. ٦ - توضيح الأحكام بفرض وجود ما هو نادرٌ، وهو من المبالغة؛ فذكر العشر لا مفهوم له. ٧ - أنَّ رفع التَّيمُّم للحدث موقَّتٌ بعدم الماء، وقد نقل غير واحدٍ الإجماع على ذلك، وحكم بالشُّذوذ على من قال بأنَّه رافعٌ مطلقًا حتَّى بعد وجود الماء، كما روي عن أبي سلمة بن عبد الرَّحمن (١). ٨ - أنَّ عدم الماء شرطٌ في التَّيمُّم ابتداءً ودوامًا. ٩ - بطلان حكم التَّيمُّم بوجود الماء فيما يستقبل من الصَّلوات لا فيما مضى، وهذا هو الفرق بين التَّيمُّم والتَّطهُّر بالماء، فطهارة الماء تبطل بالحدث، وطهارة التَّيمُّم تبطل بالحدث وبوجود الماء. ١٠ - أنَّ من تقوى الله التَّطهُّر بالماء عند وجوده من الحدث السَّابق. ١١ - حسن تعليمه ﷺ بتوضيح الأحكام بالتَّشبيه والتَّقدير وغيرهما. ١٢ - وجوب إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة في الغسل والوضوء؛ لقوله: «وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ». * * * * * (١٤٧) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ الله ﷺ فَذَكَرَا

стр. 154

ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ»، وَقَالَ لِلآْخَرِ: «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (١). * * * الحديث اختلف في وصله وإرساله، والأكثرون على أنَّه مرسلٌ، وله شاهدٌ من حديث ابن عبَّاسٍ (٢)، لكن فيه ابن لهيعة، ويدلُّ لصحَّة معنى الحديثين قوله ﷺ في حديث جابرٍ ﵁ المتقدِّم: «فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ» (٣)؛ أي: دخل عليه وقتها ولا ماء عنده، ولم يأمره بتأخير الصَّلاة لطلب الماء. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - التَّيمُّم في السَّفر لعدم الماء، وهو جائزٌ بالإجماع. ٢ - جواز الاجتهاد في عصر النَّبي ﷺ في حال الغيبة عنه. ٣ - جواز الاختلاف بين المجتهدين. ٤ - خطأ من قال: كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ. ٥ - أنَّ الصَّواب من الأقوال المتضادَّة واحدٌ. ٦ - أنَّ المجتهد مأجورٌ وإن أخطأ. ٧ - أنَّ المجتهد إذا عمل عملين وأخطأ في أحدهما فله الأجر على العملين. ٨ - عذر بعض المجتهدين لبعضٍ. ٩ - أنَّ من صلَّى بالتَّيمُّم ثمَّ وجد الماء فإنَّه لا يعيد. ١٠ - أنَّه لا يجب تأخير الصَّلاة لآخر وقتها ولو ظنَّ أنَّه يجد الماء.

стр. 155

١١ - أنَّ المصيب أفضل من المجتهد المخطئ ولو كان عمله أكثر. ١٢ - التَّحاكم عند الاختلاف إلى النَّصِّ من كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، فالرَّدُّ إلى الله هو الرَّدُّ إلى كتابه، والرَّدُّ إلى الرَّسول هو الرَّدُّ إليه في حياته ﷺ وإلى سنَّته بعد وفاته. ١٣ - أنَّ الَّذي لم يعد أصاب والَّذي أعاد أخطأ. * * * * * (١٤٨) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، فِي قَوْلِهِ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦]، قَالَ: «إِذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الْجِرَاحَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْقُرُوحُ، فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إِنِ اغْتَسَلَ؛ تَيَمَّمَ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَرَفَعَهُ الْبَزَّارُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ (١). * * * هذا الأثر هو من تفسير ابن عبَّاسٍ ﵃ للآية، وابن عبَّاسٍ ترجمان القرآن، والظَّاهر أنَّه فسَّر الآية بالمثال، وهي عادة السَّلف في التَّفسير كما أوضح ذلك شيخ الإسلام ابن تيميَّة في مقدِّمة التَّفسير. وفي الآية وفي تفسير ابن عباسٍ ﵃ لها فوائد، منها: ١ - أنَّ المرض الَّذي يباح لأجله التَّيمُّم هو ما يخاف معه الموت باستعمال الماء، وهذا ممَّا لا خلاف فيه، ونصُّ ابن عبَّاسٍ ﵃ على هذه الصُّورة على سبيل المثال لا يقتضي تقييد الحكم بها، وممَّا يدلُّ على أنَّه قصد المثال لا الحصر: تقييد الجراحة بأنَّها في سبيل الله، فإنَّه لا أحد يقول بذلك.

стр. 156

٢ - إباحة التَّيمُّم لكلِّ مرضٍ يخشى الضَّرر معه باستعمال الماء؛ لإطلاق الآية، والتَّقييد بالضَّرر راجعٌ إلى النَّظر في المعنى والحكمة، وهذا قول جمهور العلماء. ٣ - إباحة التَّيمُّم لكلِّ مريضٍ بأيِّ مرضٍ ولو لم يخش ضررًا باستعمال الماء، وهو قول الظَّاهريَّة (١)، وهو قولٌ يخالف بناء الأحكام على المعاني والحكم؛ فإنَّ المريض الَّذي لا يضرُّه استعمال الماء كالصَّحيح لا فرق (٢). ٤ - رحمة الله بعباده أن رفع الحرج عنهم. ٥ - وجوب التَّيمُّم إذا خشي المريض من استعمال الماء الموت أو الضَّرر، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقد استدلَّ بهذه الآية عمرو بن العاص ﵁ عندما أجنب فعدل عن الغسل إلى التَّيمُّم خشيةً على نفسه من استعمال الماء مع شدَّة البرد (٣). ٦ - جواز التَّفسير بذكر بعض الصُّور الَّتي تتناولها الآية. ٧ - وجوب اجتناب ما يضرُّ بالحياة والصِّحَّة، وهذا راجعٌ إلى أحد الضَّروريَّات الخمس، وهو حفظ النَّفس. * * * * * (١٤٩) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ وَاهٍ جِدًّا (٤).

стр. 157

(١٥٠) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، فِي الرَّجُلِ الَّذِي شُجَّ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى رُوَاتِهِ (١). * * * حديث عليٍّ ﵁ وحديث جابرٍ ﵁ ضعيفان كما ذكر المصنِّف، لكنَّ العمل عليهما عند جمهور أهل العلم وهو المسح على الجبيرة والعصابة إذا خيف الضَّرر بنزعهما، وقد اختصر المؤلِّف حديث جابرٍ ﵁ فحذف سببه، وأصل الحديث: قال جابرٌ ﵁: «خرجنا في سفرٍ، فأصاب رجلاً منَّا حجرٌ فشجَّه في رأسه، ثمَّ احتلم فسأل أصحابه، فقال: هل تجدون لي رخصةً في التَّيمُّم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنت تقدر على الماء، فاغتسل؛ فمات فلما قدمنا على النبي ﷺ أخبر بذلك فقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم»» إلخ. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز المسح على الجبيرة. ٢ - جواز المسح على العصابة. ٣ - السُّؤال عمَّا أشكل من مسائل الدِّين. ٤ - أنَّ الَّذي يُسأَل هو العالم بأحكام الشَّريعة؛ قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧]. ٥ - أنَّ المسح على الجبيرة لا توقيت له. ٦ - أنَّ الجبيرة لا يشترط للمسح عليها لبسها على طهارةٍ، وهذا على الصَّحيح من قولي العلماء. ٧ - ضرر الفتوى بلا علمٍ. ٨ - الزَّجر عن الفتوى بغير علمٍ.

стр. 158

٩ - أنَّ السُّؤال عن أمور الدِّين شفاءٌ من داء الجهل. ١٠ - التَّيمُّم لما يعجز الإنسان عن غسله في الوضوء أو الغسل. ١١ - الجمع بين التَّيمُّم والمسح على الجبيرة والعصابة إذا وضعتا على غير طهارةٍ، وقد قال بذلك بعض العلماء؛ أخذًا من حديث جابرٍ ﵁، حيث جمع فيه بين التَّيمُّم والمسح. ولكنَّ الحديث ضعيفٌ كما تقدَّم، فالرَّاجح -والله أعلم- أنَّه إذا أمكن المسح كفى عن التَّيمُّم، وعليه؛ فإذا كان الجرح مكشوفًا ولا يمكن مسحه كان الواجب التَّيمُّم، وإذا كان معصوبًا؛ كان الواجب المسح. والله أعلم. وذهبت الظَّاهريَّة (١) إلى أنَّ ما تعذَّر غسله من البدن أو أعضاء الوضوء فلا يجب التَّيمُّم له، ولا المسح على ما وضع عليه؛ من جبيرةٍ أو عصابةٍ؛ لأنَّه لم يصحَّ في المسح على الجبيرة حديثٌ، والقياس لا يصحُّ عندهم، قالوا: وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ولا شكَّ أنَّ قول جمهور العلماء أرجح، وهم بالعمل بالآية أسعد. * * * * * (١٥١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالتَّيَمُّمِ إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلَاةِ الأُخْرَى». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا (٢). * * * حديث ابن عبَّاسٍ ﵃ هذا حكم عليه المصنِّف بالضَّعف الشَّديد، بل حكم عليه بعضهم بالوضع (٣)، ومع هذا فقد قال بموجبه كثيرٌ من العلماء.

стр. 159

وعضدوه بآثارٍ جاءت عن الصَّحابة ﵃ تدلُّ على معناه؛ منهم ابن عمر ﵃؛ فقد جاء عنه قوله: «يتيمَّم لكلِّ صلاةٍ وإن لم يحدث» (١). وعضدوه من جهة المعنى بأنَّ التَّيمُّمَ طهارةُ ضرورةٍ؛ تبيح الصَّلاة ولا ترفع الحدث؛ فيقتصر فيه على قدر الحاجة. وقد تقدَّم أنَّ الصَّواب أنَّ التَّيمُّم رافعٌ للحدث إلى وجود الماء، بقوله ﷺ : «وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٢)، وقوله ﵊: «الصَّعِيدُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» (٣). وهذا يقتضي أنَّ التَّيمُّم لا يبطل إلَّا بما يبطل الوضوء ما دام العذر المبيح للتَّيمُّم قائمًا؛ فيبطل التَّيمُّم بزوال العذر؛ وهو وجود الماء أو القدرة على استعماله، وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃ هذا وأثر ابن عمر ﵃ لا يصلحان لمعارضة هذين الحديثين. وفي هذا الحديث -لو صح- ثلاث فوائد: ١ - أنَّه مرفوعٌ للنَّبيِّ ﷺ حكمًا؛ لقوله: «من السُّنَّة». ٢ - أنَّ التَّيمُّم مبيحٌ لما تجب له الطَّهارة لا رافعٌ للحدث. ٣ - أنَّ حكم التَّيمُّم يبطل بخروج الوقت؛ فيجب التَّيمُّم لوقت كلِّ صلاةٍ، بل قال بعضهم: يجب التَّيمُّم لكلِّ صلاةٍ؛ كما دلَّ عليه أثر ابن عمر ﵃ المتقدِّم. والله أعلم. * * * * *

стр. 160

بَابُ الْحَيْضِ قال العلماء: الحيض لغةً: السَّيلان، ومنه حاض الوادي إذا سال. وهو في الاصطلاح: جريان الدَّم من قعر الرَّحم على موجب الجبلَّة والطَّبيعة، ويكون في أوقاتٍ معلومةٍ غالبًا، ويقال للحيض: نفاسٌ، ومنه قوله ﷺ : «لَعَلَّكِ نَفِسْتِ»؛ يعني: حضت، ثمَّ قال: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» (١). وباب الحيض اختلف العلماء في كثيرٍ من مسائله، وتباينت مذاهبهم فيه، وتوسَّعوا في تفصيل مسائله، وذلك لكثرة اختلاف أحوال النِّساء في حيضهنَّ. * * * * * (١٥٢) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ : «إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِك فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أبو حَاتِمٍ (٢). (١٥٣) وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: «وَلْتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، غُسْلاً وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلاً وَاحِدًا وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلاً وَاحِدًا، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ» (٣).

стр. 161

(١٥٤) وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ، فَقَالَ: «إِنَّمَا هِي رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ اغْتَسِلِي، فَإِذَا اسْتَنْقَأْتِ فَصَلِّي أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، وَصُومِي وَصَلِّي فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، فَإِنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ ثُمَّ تَغْتَسِلِي حِينَ تَطْهُرِينَ، وَتُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي. وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الصُّبْحِ وَتُصَلِّينَ»، قَالَ: «وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إلَيَّ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ (١). * * * هذه الأحاديث أصلٌ في تمييز دم الحيض من دم الاستحاضة. والاستحاضة: جريان الدَّم من المرأة دائمًا أو غالبًا، واختلف العلماء فيما تعتبر به المستحاضة حيضها: فقيل: باللَّون، وهو الأسود إن كان، لحديث عائشة ﵂، وهو قول مالكٍ (٢). وقيل: بالعادة، إن كانت لها عادةٌ؛ لقوله ﷺ للمستحاضة: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ» (٣) وهو قول أبي حنيفة (٤). وقيل: تعتبر حيضها بأحد ثلاثة أمورٍ مرتَّبةٍ: ١ - بالعادة إن كانت. ٢ - وإلَّا فبتمييز لون الدَّم.

стр. 162

٣ - وإن لم تكن عادةٌ ولا تمييزٌ فبغالب الحيض، وهو ستَّة أيَّامٍ أو سبعةٌ؛ لحديث حمنة ﵂ المذكور وهو المشهور في مذهب الشَّافعيِّ وأحمد، وهو الرَّاجح؛ لأنَّه يتضمَّن العمل بأحاديث الباب كلِّها. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ فاطمة بنت أبي حبيشٍ ﵂ إحدى المستحاضات في عهد النَّبيِّ ﷺ . ٢ - الفرق بين الحيض والاستحاضة في الصِّفة والأحكام. ٣ - أنَّ دم الحيض أسود يعرف، أي تعرفه النِّساء، وقيل: يعرف -بضمِّ الياء وكسر الرَّاء- من العرف وهو الرَّائحة. ٤ - أنَّ دم الاستحاضة لا يمنع من الصَّلاة بخلاف الحيض. ٥ - أنَّ المستحاضة تقعد عن الصَّلاة في الأيَّام الَّتي تعتبرها حيضتها. ٦ - وجوب الوضوء على المستحاضة للصَّلاة، وذلك بعدما تغسل عنها الدَّم وتغتسل عند إدبار حيضتها كما في الصَّحيح: «وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» (١) وقوله: «فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي» تفسِّره رواية البخاريِّ: «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» كما تقدَّم في نواقض الوضوء (٢). ٧ - أنَّ دم الاستحاضة يضرب إلى الصُّفرة لقوله: «إِذَا رَأَتْ صُفْرَةً». ٨ - تحقُّق المستحاضة من صفة دمها بالجلوس في ماءٍ، لقوله ﷺ : «وَلْتَجْلِسْ فِي مِرْكَنٍ … » إلخ. والمركن: إناءٌ يشبه الطَّست، أو هو الطَّست؛ تغسل فيه الثِّياب ويغتسل فيه. ٩ - جواز جمع المستحاضة للصَّلوات: الظُّهر والعصر، والمغرب والعشاء.

стр. 163

١٠ - مشروعيَّة الغسل للمستحاضة ثلاث مرَّاتٍ للظُّهر والعصر، وللمغرب والعشاء، وللفجر. ١١ - أنَّ حمنة بنت جحشٍ ﵂ إحدى المستحاضات في عهد النَّبيِّ ﷺ . ١٢ - فضل نساء الصَّحابة؛ حيث لم يمنعهنَّ الحياء من التَّفقُّه في الدِّين. ١٣ - أنَّ للشَّيطان تأثيرًا في نزف الدَّم من الرَّحم؛ لقوله ﷺ : «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ»؛ أي: رفسةٌ من الشَّيطان. ١٤ - أنَّ من لا عادة لها ولا تمييز تجلس غالب مدَّة الحيض ستًّا أو سبعًا وتصوم وتصلِّي في باقي أيَّام الشَّهر؛ ثلاثةً وعشرين أو أربعةً وعشرين، وتعتبر في تعيين أحد العددين السِّتَّة أو السَّبعة بغالب حال نسائها. ١٥ - أنَّ المستحاضة مخيَّرةٌ في الصَّلاة بين التَّوقيت والجمع. ١٦ - أنَّها إذا اختارت الجمع استحبَّ لها الاغتسال ثلاث مرَّاتٍ. ١٧ - أنَّها إذا اختارت التَّوقيت؛ وهو فعل كلِّ صلاةٍ في وقتها، فعليها الوضوء لكلِّ صلاةٍ. ١٨ - أنَّ الجمع بين الصَّلوات والاغتسال أفضل من التَّوقيت من غير اغتسالٍ؛ لقوله ﷺ : «وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إلَيَّ». * * * * * (١٥٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ ﵂ شَكَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الدَّمَ، فَقَالَ: «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي»، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١).

стр. 164

(١٥٦) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» (١)، وَهِيَ لأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ (٢). * * * هذا الحديث هو من الأدلَّة على ردِّ المستحاضة في معرفة حيضها إلى عادتها. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ أمَّ حبيبة بنت جحشٍ إحدى المستحاضات في عهد النَّبيِّ ﷺ . ٢ - أنَّ المستحاضة الَّتي لها عادةٌ تدع الصَّلاة أيَّام عادتها. ٣ - وجوب الغسل على الحائض إذا انقضت حيضتها. ٤ - أنَّ المستحاضة المعتادة تنقضي حيضتها بانقضاء أيَّامها المعتادة. ٥ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يأمر أمَّ حبيبة ﵂ بالاغتسال لكلِّ صلاةٍ. ٦ - أنَّ الحائض لا تصلِّي، فلا تجب عليها ولا تصحُّ منها. ٧ - وجوب الصَّلاة على المستحاضة في غير أيَّام حيضتها. ٨ - وجوب الوضوء للمستحاضة لكلِّ صلاةٍ. ٩ - أنَّ دم الاستحاضة ناقضٌ للوضوء. * * * * *

стр. 165

(١٥٧) وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنَّا لا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ (١). * * * هذا الحديث عن أمِّ عطيَّة، وحديث عائشة ﵃، وهو قولها للنِّساء: «لا تعجلن حتَّى ترين القصَّة البيضاء» (٢). هذان الأثران هما الأصل عند العلماء في حكم الصُّفرة والكدرة. والمراد بالصُّفرة والكدرة: دمٌ خفيفٌ يشبه غسالة اللَّحم، تفرزه الرَّحم في أيَّام عادة المرأة في أوَّلها أو في آخرها، وفي غير أيَّام العادة، وقد اختلف العلماء في حكم الصُّفرة والكدرة اختلافًا كبيرًا، والجمهور على أنَّهما في زمن العادة حيضٌ، وفي غيرها ليست حيضًا، كما يفهم من منطوق ومفهوم قول أمِّ عطيَّة ﵂. فمنطوقه أنَّ الصُّفرة والكدرة بعد الطُّهر ليست من الحيض، فلا تمنع ممَّا يمنع منه الحيض، ومفهوم ذلك أنَّ الصُّفرة قبل الطُّهر حيضٌ، وهذا يوافق قول عائشة ﵂ للنِّساء: «لا تعجلن حتَّى ترين القصَّة البيضاء»، والمراد بالقصَّة: ماءٌ أبيض تدفعه الرَّحم يدلُّ على انقطاع الدَّم، وبه تعرف المرأة الطَّهارة. وذهب ابن حزمٍ إلى أنَّ الصُّفرة والكدرة ليست حيضًا مطلقًا (٣)، وإنَّما دم الحيض هو الأسود الثَّخين المنتن، وفرَّق بعضهم بين ما اتَّصل بالدَّم في أوَّل العادة، فلم يجعله حيضًا، دون ما اتَّصل به في آخرها؛ فهو حيضٌ. وذهب بعض العلماء إلى أنَّه لا اعتبار إلَّا للمتَّصل فقط، سواءٌ أكان قبل الدَّم أم بعده، فذلك حيضٌ عندهم، كما يدلُّ له قول عائشة ﵂: «لا تعجلن

стр. 166

حتَّى ترين القصَّة البيضاء»، والرَّاجح -والله أعلم- أنَّ الصُّفرة والكدرة بعد الدَّم متَّصلةً به حيضٌ، وما سوى ذلك ليس شيئًا، كما يدلُّ له قول أمِّ عطيَّة. وقول أمِّ عطيَّة ﵂: «كُنَّا»؛ أي: نساء الصَّحابة في عهد النَّبيِّ ﷺ وبعده، وبهذا يكون له حكم الرَّفع عند أكثر العلماء. وفي حديث أم عطية وقول عائشة ﵃ فوائد، منها: ١ - الاستدلال بما كان عليه الحال في عهد النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ قول الصَّحابيِّ: «كُنَّا» ينصرف إلى عهد النَّبيِّ ﷺ ، فيكون له حكم الرَّفع. ٢ - أنَّ الصُّفرة والكدرة بعد الطُّهر ليست حيضًا؛ فحكمها حكم الاستحاضة. ٣ - أنَّ الصُّفرة والكدرة قبل الطُّهر حيضٌ. ٤ - فقه عائشة ﵂ في الأحكام الشَّرعيَّة. ٥ - سؤال النِّساء لها. ٦ - أنَّ أظهر علامةٍ للطُّهر من الحيض القصَّة البيضاء، وقد يعرف الطُّهر بالجفوف. ٧ - إرشاد النِّساء إلى التَّثبُّت في معرفة الطَّهارة من الحيض. * * * * * (١٥٨) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَم يُؤَاكِلُوهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١٥٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * *

стр. 167

هذان الحديثان هما الأصل في حكم مباشرة الحائض وما يحلُّ منها، فالأوَّل من قوله ﷺ ، والثَّاني من فعله. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تشدُّد اليهود في أمر النَّجاسة. ٢ - أنَّ من تشدُّد اليهود ترك مجالسة الحائض ومؤاكلتها. ٣ - مخالفة هذه الشَّريعة لما عليه اليهود. ٤ - يسر شريعة الإسلام. ٥ - إباحة الاستمتاع من الحائض بكلِّ نوعٍ من الاستمتاع إلَّا الجماع في الفرج؛ فإنَّه حرامٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع. ٦ - استحباب ترك مباشرة الحائض فيما بين السُّرَّة والرُّكبة؛ لفعله ﷺ . ٧ - جواز التَّصريح بما يستحيا من ذكره؛ لبيان الحكم الشَّرعيِّ. ٨ - فضل عائشة ﵂ في تبليغ هدي النَّبيِّ ﷺ مع أهله. ٩ - طهارة بدن الحائض وثيابها إلَّا ما أصابه الدَّم. ١٠ - جواز أمر الرَّجل امرأته بما يناسب لاستمتاعه بها؛ لقولها: «يأمرني»، وهذا ممَّا تجب طاعته فيه. * * * * * (١٦٠) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ -فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ- قَالَ: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ، أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَرَجَّحَ غَيْرُهُمَا وَقْفَهُ (١).

стр. 168

هذا الحديث هو عمدة من أوجب الكفَّارة في وطء الحائض، وقد اختلف النَّاس في ثبوت هذا الحديث والعمل به، والأكثر على تضعيفه وعدم وجوب الكفَّارة، وذهب كثيرون إلى تصحيح الحديث والعمل بمقتضاه، وهذا هو الرَّاجح، وممَّن قوَّاه وذهب إليه: الإمام أحمد، وجاء عن ابن القيِّم قوله: «إنَّ وجوب الكفَّارة هو موجب القياس، ووجهه أنَّ الشَّريعة جاءت بالكفَّارة في التَّحريم الموقَّت كالوطء في نهار رمضان والظِّهار فهكذا وطء الحائض» (١). وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تحريم وطء الحائض، وهو ثابتٌ بالكتاب والسُّنَّة والإجماع كما تقدَّم. ٢ - وجوب الكفَّارة بوطء الحائض، وإنَّما تجب الكفَّارة على العالم العامد دون الجاهل والنَّاسي، والمرأة والرَّجل في ذلك سواءٌ؛ لعدم الفارق، كما قال جمهور العلماء مثل ذلك في كفَّارة الجماع في نهار رمضان، والجماع في الإحرام. ٣ - تقدير الكفَّارة بدينارٍ أو نصف دينارٍ، و (أو) في قوله: «أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» قيل: للتَّخيير، وقيل: للتَّنويع، والأظهر: أنَّها للتَّخيير، أمَّا التَّخيير فظاهرٌ، وأمَّا التَّنويع فيرجع إلى اختلاف حال الحائض، فالوطء عند إقبال الدَّم وفورانه يجب فيه دينارٌ، وفي إدبار الحيض نصف دينارٍ. ٤ - فيه شاهدٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. * * * * *

стр. 169

(١٦١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (١). * * * هذا الحديث طرفٌ من حديثٍ طويلٍ كما أشار المصنِّف، ونصُّه: عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو في فطرٍ إلى المصلَّى، فمرَّ على النِّساء فقال: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ»، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إحْدَاكُنَّ». قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟» قلن: بلى. قال: «فَذَلِك مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟» قلن: بلى. قال: «فَذَلِك مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا». والحديث دليلٌ على منع الحائض من الصَّلاة والصَّوم؛ فأمَّا الصَّلاة فقد دلَّ عليها أيضًا أحاديث المستحاضة؛ كقوله ﷺ : «فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ» (٢)، وأمَّا الصَّوم فقد دلَّ عليه أيضًا حديث عائشة ﵂ في قولها: «كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصَّوم ولا نؤمر بقضاء الصَّلاة» (٣). وفي هذا القدر من الحديث الذي أورده المصنف فوائد، منها: ١ - تحريم الصَّلاة على الحائض؛ فلا تجب عليها، ولا تصحُّ منها. ٢ - تحريم الصَّوم على الحائض؛ فلا يصحُّ منها؛ لكن يجب عليها؛ بدليل أمرها بالقضاء.

стр. 170

٣ - أنَّ ترك الحائض للصَّوم والصَّلاة أمرٌ مستقرٌّ عند نساء الصَّحابة ﵃ وعنهنَّ. ٤ - أنَّ ترك الحائض للصَّلاة والصَّوم نقصٌ في دينها، لكن ليس ممَّا تأثم به، وهو نقصٌ سببه النَّقص الطَّبيعيُّ، لكن تؤجر على إيمانها وامتثالها لأمر ربِّها وقبولها لشرعه. * * * * * (١٦٢) وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا جِئْنَا سَرِفَ حِضْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ (١). * * * هذا الحديث طرفٌ من حديثٍ طويلٍ روته عائشة ﵂ في حجَّة النَّبيِّ ﷺ . وهو الأصل في منع الحائض من الطَّواف بالبيت، وقد دلَّ على هذا الحكم أيضًا حديث عائشة ﵂ في شأن صفيَّة ﵂ لمَّا قيل للنَّبيِّ ﷺ : إنَّها حائضٌ، قال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟» (٢)، وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃ في طواف الوداع، وهو قوله: «أمر النَّاس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلَّا أنَّه خفِّف عن الحائض» (٣). وقد أجمع العلماء على تحريم الطَّواف بالبيت على الحائض، إلَّا أنَّه اختلف في تعليل هذا الحكم: أهو لمنع الحائض من المكث في المسجد؛ أم لاشتراط الطَّهارة للطَّواف أو وجوبها؟

стр. 171

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ (سرف) موضعٌ بين مكَّة والمدينة في طريق الحاجِّ، وهو قريبٌ من مكَّة. ٢ - أنَّ عائشة ﵂ حاضت في حجَّتها مع النَّبيِّ ﷺ . ٣ - بكاء عائشة ﵂ لمَّا حاضت خوفًا من أنَّ حيضها يمنعها من إكمال المناسك. ٤ - تسلية النَّبيِّ ﷺ لها ببيان أنَّ هذا قدر الله على بنات آدم، فالكتابة في الحديث كونيَّةٌ، وأنَّ الحيض لا يمنعها من شيءٍ من المناسك إلَّا الطَّواف بالبيت. ٥ - استحباب تسلية المصاب بما يهوِّن عليه المصيبة. ٦ - إباحة جميع المناسك للحائض، الواجب منها والمستحبِّ؛ من الوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسَّعي بين الصَّفا والمروة. ٧ - تحريم الطَّواف على الحائض، وقد أجمع على ذلك عامَّة العلماء. ٨ - أنَّه لا يصحُّ طواف الحائض، وقد أجمع على ذلك كلُّ من يرى اشتراط الطَّهارة للطَّواف أو وجوبها، وهم جمهور العلماء الأئمَّة الأربعة وغيرهم. وأمَّا من ذهب إلى أنَّ الطَّهارة للطَّواف مستحبَّةٌ؛ فطواف الحائض لا يصحُّ عندهم من غير ضرورةٍ، ويصحُّ مع الضَّرورة؛ لأنَّ النَّهي يقتضي الفساد، وقد يقول بعض هؤلاء: إنَّ الحيض مانعٌ من صحَّة الطَّواف وإن لم تكن الطَّهارة شرطًا فيه؛ كما يمنع الحيض من الصِّيام. والقول الثَّاني هو الظَّاهر من اختيار شيخ الإسلام ابن تيميَّة، ومنشأ هذا الاختلاف في صحَّة طواف الحائض هو الاختلاف في علَّة تحريم الطَّواف

стр. 172

على الحائض؛ أذلك لمنع الحائض من المكث في المسجد، أم لاشتراط الطَّهارة في الطَّواف كما تقدَّم. فتحصَّل ممَّا سبق: أنَّ منع الحيض من صحَّة الطَّواف؛ إمَّا أن يكون كمنع الحيض من الصَّلاة والصِّيام؛ فلا يصحُّ بحالٍ، وهو قول الجمهور، وإمَّا أن يكون كمنع الحدث من الصَّلاة؛ فيصحُّ مع الضَّرورة؛ كفاقد الطَّهورين، وإمَّا أن يكون الطَّواف مع الحيض كالصَّلاة في الأرض المغصوبة، وهذا مقتضى قول من يعلِّل تحريم الطَّواف بتحريم المكث في المسجد، فالحيض عنده ليس مانعًا للطَّواف لذاته، فيحتمل أن يصحَّ من غير ضرورةٍ مع الإثم، كما قيل ذلك في الصَّلاة في الأرض المغصوبة. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وكثيرٌ من العلماء -كأبي حنيفة وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه- يقولون: إنَّها في حال القدرة على الطَّهارة إذا طافت مع الحيض أجزأها وعليها دمٌ، مع قولهم: إنَّها تأثم بذلك» (١). ٩ - جواز قراءة الحائض للقرآن؛ لعموم قوله ﷺ : «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ»، وممَّا يفعل الحاجُّ قراءة القرآن. * * * * * (١٦٣) وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : مَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ: «مَا فَوْقَ الإِزَارِ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَضَعَّفَهُ (٢). * * * هذا الحديث ضعَّفه أبو داود كما نقله الحافظ، وهو يدلُّ بمفهومه على تحريم مباشرة الحائض فيما بين السُّرَّة والرُّكبة، وإنَّما يحلُّ من مباشرتها ما

стр. 173

فوق الإزار، وقد تقدَّم بيان حكم مباشرة الحائض وأنَّه يحلُّ منها كلُّ شيءٍ إلَّا الجماع، كما في حديث أنسٍ ﵁: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» (١). لكن يستحبُّ الاقتصار في المباشرة على ما فوق الإزار كما دلَّ عليه حديث عائشة ﵂ المتقدِّم: «كان رسول الله ﷺ يأمرني فأتَّزر، فيباشرني وأنا حائضٌ» (٢). وهذا الحديث لا يصلح لمعارضة الحديثين المذكورين؛ لضعفه. * * * * * (١٦٤) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَقْعُدُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَاللَّفْظُ لأَبِي دَاوُدَ. (١٦٥) وَفِي لَفْظٍ لَهُ: «وَلَمْ يَأْمُرْهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَضَاءِ صَلَاةِ النِّفَاسِ». وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٣). * * * هذا الحديث هو عمدة الجمهور في تقدير مدَّة النِّفاس وأنَّها أربعون يومًا، ومعنى «تقعد»؛ أي: عن الصَّلاة والصِّيام، وقد أجمع العلماء على أنَّ النُّفساء كالحائض في ذلك، بل إنَّ أحكام النِّفاس أحكام الحيض فيما يحلُّ ويحرم إلَّا ما ذهب إليه ابن حزمٍ من جواز الطَّواف للنُّفساء (٤) مستدلًّا بقصَّة أسماء بنت عميسٍ ﵂ حين ولدت بذي الحليفة، فأمرها النَّبيُّ ﷺ أن تغتسل وتحرم، ولم ينهها عن شيءٍ من المناسك (٥).

стр. 174

وقد اختلف العلماء في مدَّة النِّفاس؛ فقيل: أربعون يومًا، وهو مذهب الجمهور لهذا الحديث. وقيل: ستُّون يومًا، وقيل: سبعون يومًا، والرَّاجح: هو القول الأوَّل؛ لأنَّ ما سواه لم يذكر له دليلٌ. وإذا كان الإطلاق في المدَّة لا يمكن فلا بدَّ من تحديدٍ، ولا تحديد إلَّا بدليلٍ، والتَّحديد بالأربعين هو الَّذي تدلُّ عليه الآثار. والله أعلم. * * * * *

стр. 175

كِتَابُ الصَّلَاةِ

стр. 176

الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعاء، هذا هو المشهور، والصَّواب: أنَّ الصَّلاة أخصُّ من الدُّعاء، بل الصَّلاة تتضمَّن ثناءً على المصلَّى عليه، وبه فسِّرت الصَّلاة من الله كما جاء عن أبي العالية ﵀، قال: «الصَّلاة من الله: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى» (١)، وأمَّا الصَّلاة من العبد على غيره فهي بسؤال الله أن يصلِّي عليه كما في صلاة المؤمنين على النَّبيِّ ﷺ ، كما في الصَّلاة الإبراهيميَّة: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ … إلخ. وكان النَّبيُّ ﷺ إذا أتاه قومٌ بصدقتهم يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ» (٢)؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقد ذكر العلَّامة ابن القيِّم فروقًا لفظيَّةً ومعنويَّةً بين الصَّلاة والدُّعاء (٣). وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الشَّرْعِ: فهي العبادة المعروفة ذات الرُّكوع والسُّجود والتَّحريم والتَّسليم، وسمِّيت صلاةً لاشتمالها على نوعي الدُّعاء: دعاء المسألة، ودعاء العبادة. والصَّلاة منها ما هو فرضٌ، وهو الصَّلوات الخمس في كلِّ يومٍ وليلةٍ، ومنها ما هو تطوُّعٌ، وهو أنواعٌ، كما قال النَّبيُّ ﷺ للرَّجل الّذي سأله عن الصَّلوات: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (٤). والصَّلوات الخمس أعظم واجبات الدِّين ومبانيه، بعد الشَّهادتين، وهي عمود الإسلام، ولهذا جاء في «الصَّحيح» قوله ﷺ : «بيْنَ الرَّجُلِ وَبيْنَ الشِّرْكِ

стр. 177

أَوِ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاة» (١)، وقال ﷺ : «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبيْنَهُمُ الصَّلَاةُ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (٢). وقد أمر الله بإقامتها والمحافظة عليها، وأثنى على عباده المؤمنين بذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُون (٣٤)﴾ [المعارج: ٣٤]. وذمَّ المعرضين عن الصَّلاة وتوعَّدهم والمضيِّعين لها، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُون (٤٨)﴾ [المرسلات: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠]. وكتاب الصَّلاة في مصنَّفات العلماء يشتمل على أبوابٍ يذكر فيها أحكام الصَّلاة وأنواعها. * * * * *

стр. 178

بَابُ المَوَاقِيتِ المَوَاقِيتُ: جمع ميقاتٍ؛ وهو: الوقت المحدود لأمرٍ ما، ويطلق على المكان المحدود كذلك، كما في مواقيت الإحرام. وَالمَقْصُودُ بِهَذَا البَابِ: بيان أوقات الصَّلوات الخمس، بذكر الأحاديث الدَّالَّة عليها من السُّنَّة، فإنَّها مبيِّنةٌ لما أجمل في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]، وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨]. * * * * * (١٦٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵃، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث أصلٌ في بيان مواقيت الصَّلوات الخمس، وهو أجمع حديثٍ بيَّن فيه النَّبيُّ ﷺ بقوله أوقات الصَّلاة، فإنَّ ما سواه من أحاديث المواقيت إخبارٌ عن فعله ﷺ . وقد ذكر الحافظ ﵀ أطرافًا منها حسب ما يقتضيه المقام والاختصار.

стр. 179

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أوَّل وقت الظُّهر؛ وهو زوال الشَّمس، وذلك بإجماع العلماء. ٢ - آخر وقت الظُّهر؛ وهو إذا صار ظلُّ الشَّيء مثله؛ لقوله ﷺ : «وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ»، وعنده يحضر وقت العصر، وإليه ذهب الجمهور لهذا الحديث. وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ آخر وقت الظُّهر إذا صار ظلُّ الشَّيء مثليه، وحينئذٍ يدخل وقت العصر عنده. ٣ - أوَّل وقت العصر. ٤ - آخر وقت العصر الاختياريِّ، وهو اصفرار الشَّمس. ٥ - أوَّل وقت المغرب؛ وهو غروب الشَّمس، كما يدلُّ عليه اسم هذه الصَّلاة. ٦ - آخر وقت صلاة المغرب؛ وهو مغيب الشَّفق، وهو الحمرة كما سيأتي. ٧ - آخر وقت صلاة العشاء؛ وهو نصف اللَّيل. ٨ - أوَّل وقت صلاة الصُّبح؛ وهو طلوع الفجر. ٩ - آخر وقت صلاة الصُّبح؛ وهو طلوع الشَّمس. ١٠ - بيان مواقيت الصَّلاة بالتَّحديد لأوَّلها وآخرها، وقد دلَّ على ذلك أيضًا حديث جبريل عندما صلَّى بالنَّبيِّ ﷺ في يومين في أوَّل الوقت وفي آخره (١). وقد أجمع العلماء على أوائل أوقات الصَّلاة على ما تقدَّم إلَّا العصر؛ فالجمهور على أنَّ أوَّل وقتها حين يصير ظلُّ الشَّيء مثله، وقال أبو حنيفة: «أوَّل وقتها حين يصير ظلُّ الشَّيء مثليه».

стр. 180

وأجمع العلماء على أنَّ آخر وقت صلاة الفجر؛ ما لم تطلع الشَّمس. وأنَّ آخر وقت المغرب ما لم يغب الشَّفق. واختلفوا في آخر وقت الظُّهر، فقيل: إذا صار ظلُّ الشَّيء مثله، وهو أوَّل وقت العصر، وعليه؛ فهذا الوقت مشتركٌ بين الظُّهر والعصر، وهذا مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: «آخر وقت الظُّهر إذا صار ظلُّ الشَّيء مثليه»، وقيل: ما لم تصفرَّ الشَّمس، وقيل: إلى أن يبقى قدر خمس ركعاتٍ قبل أن تغرب الشَّمس، والصَّواب: الأوَّل، وما بعد ذلك فهو وقتٌ للجمع أو للضَّرورة. واختلفوا في آخر وقت العصر، فقيل: إلى أن يصير ظلُّ الشَّيء مثليه، على ما جاء في حديث جبريل، وقيل: ما لم تصفرَّ الشَّمس، على ما في حديث عبد الله بن عمرٍو ﵃ هذا، وهذا هو الرَّاجح؛ لأنَّ حديث عبد الله متأخِّرٌ، وهو من البيان بالقول لا بالفعل، وقيل: آخر وقت العصر قدر ركعةٍ قبل أن تغرب الشَّمس، والصَّحيح: أنَّ هذا وقت ضرورةٍ لا وقت اختيارٍ. والله أعلم. واختلفوا في آخر وقت العشاء، فقيل: إلى ثلث اللَّيل؛ لحديث جبريل، وقيل: إلى نصف اللَّيل؛ لحديث عبد الله بن عمرٍو ﵃، وقيل: إلى طلوع الفجر، وممَّن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة والشَّافعيُّ، واستدلَّ لهم بحديث أبي قتادة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الأُخْرَى» (١)، وخصَّ من ذلك صلاة الفجر، فإنَّ ما بعد طلوع الشَّمس ليس وقتًا لها بالإجماع. وقيل: ما بعد ثلث اللَّيل أو نصفه وقت ضرورةٍ، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقال ابن حزمٍ: ما بعد نصف اللَّيل ليس وقتًا لصلاة العشاء مطلقًا، كما أنَّ ما بعد طلوع الشَّمس ليس وقتًا لصلاة الصُّبح. ١١ - التَّيسير في أوقات الصَّلاة؛ حيث جعلها الله موسَّعةً.
следующие страницы →