← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

بَابُ الجِزْيَةِ وَالهُدْنَةِ قوله: «بَابُ الجِزْيَةِ وَالهُدْنَةِ»، أي: هذا باب ذكر أدلة الهدنة والجزية من السُّنَّة، والجزية: فِعلة من الجزاء، وهي ما يفرض من المال على الكفار إذا أبوا الإسلام، ورضوا بعقد الذمة لهم، والهدنة: العهد الموقت على ترك القتال. * * * * * (١٤٧٣) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا -يَعْنِي: الْجِزْيَةَ- مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلَهُ طَرِيقٌ فِي (المُوَطَّإِ) فِيهَا انْقِطَاع (١). (١٤٧٤) وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، فَأَخَذُوهُ، فَحَقَنَ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٢). (١٤٧٥) وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِريًّا. أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (٣). * * * هذه الأحاديث هي الأصل من السنة على أخذ الجزية من طوائف الكفار، في مقابل الكف عنهم وبقائهم على دينهم الباطل، ويشهد لهذه الأحاديث حديث بريدة المتقدم (٤)، وفيه: «فَإِنْ هُمْ أَبَوْا -يعني الإسلام- فَاسْأَلْهُمُ الْجِزْيَةَ».

стр. 1157

وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أخذ الجزية من المجوس. ٢ - أخذ الجزية من النصارى؛ فإن أُكَيْدِرَ دُومة الجندل كان نصرانيًا، على ما ذكره ابن الأثير في أسد الغابة (١) وابن حجر في «فتح الباري» (٢) وغيرهما، ودُومة الجندل معروفة بهذا الاسم إلى اليوم، في منطقة الجوف. ٣ - فرض الجزية على الكفار، والمراد بالحالم: المحتلم، وهو البالغ. ٤ - أن الجزية إذا فرضت ذهبًا أو فضة جاز أخذ العروض بدلًا عنها. * * * * * (١٤٧٦) وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو المُزَنِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٣). (١٤٧٧) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). * * * هذان الحديثان تضمَّنا علو الإسلام شرعًا وقدرًا على غيره من الأديان، وعزة أهله على غيرهم من أهل الملل والأديان. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - البشارة بظهور هذا الدين على الدين كله. ٢ - وجوب إعلاء كلمة الله. ٣ - تحريم كل ما يؤدي إلى خفض الإسلام.

стр. 1158

٤ - جواز عقد الذمة دائمًا أو موقتًا مع الكفار. ٥ - تحريم بدء المعاهدين بالسلام، وجواز الرد. ٦ - تحريم إظهار الاحترام لهم، ومع ذلك يحرم ظلمهم وإيذاؤهم. * * * * * (١٤٧٨) وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ -فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ- وَفِيهِ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو: عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهَا النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١)، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ (٢). (١٤٧٩) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ بَعْضَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁، وَفِيهِ: أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُّمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: أَنَكْتُبُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا» (٣). (١٤٨٠) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٤). * * * تضمَّن الحديثان أولًا: نص صلح الحديبية بين المسلمين والمشركين. ثانيًا: حكم قتل المعاهد. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - جواز الصلح بين المسلمين والكفار.

стр. 1159

٢ - أن صلح الحديبية تضمن ثلاثة أمور: ١ - وقف القتال مدة عشر سنين. ٢ - أن من جاء من المشركين إلى المسلمين فإنه يرد إليهم. ٣ - ومن جاء من المسلمين إلى المشركين فإنهم لا يردونه. ٣ - ذكر الحكمة من هذه الشروط. ٤ - أن العاقبة للمتقين. ٥ - وجوب الوفاء بالعهد. ٦ - تحريم قتل المعاهد. ٧ - أنه من كبائر الذنوب. ٨ - أن للجنة رائحة، وأنها تشم من بعد. ٩ - عظم نعيم الجنة. ١٠ - أن (راح) يأتي بمعنى شمَّ، ومضارعه: يراح. فهو من باب نال ينال. وهذه فائدة لغوية. * * * * *

стр. 1160

بَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ قوله: «بَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ»، أي هذا باب بيان حكم السِّباق، وذكر الدليل عليه من السنة، والسَّبْق بفتح السين وسكون الباء مصدر سبَق، والأشبه أنه في الترجمة اسمُ مصدر سابق يسابق سباقًا، والسَّبَق بفتح السين والباء هو المال الذي يبذل للسابق. والرَّمي: إرسال السهم بالقوس ونحوه، والرامي هو الفاعل، والرَّمِيُّ أو الرَّمِيَّة ما يقع عليه السهم. * * * * * (١٤٨١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «سَابَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). زَادَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ سُفْيَانُ: «مِنْ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سِتَّةٌ، وَمِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ» (٢). (١٤٨٢) وَعَنْهُ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَبَّقَ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ فِي الْغَايَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). (١٤٨٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ نَصْلٍ، أَوْ حَافِرٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٤).

стр. 1161

هذه الأحاديث هي أصل في مشروعية السباق. وفيها فوائد؛ منها: ١ - مشروعية السِّباق بين الخيل. ٢ - المفاضلة بين الخيل في المدى، أي: في مسافة السباق. ٣ - وجوب الإعلام بالابتداء والانتهاء لميدان السباق. ٤ - تفضيل الخيل المضمَّرة والقُرَّح. والمضمرَّة: هي التي تجوَّع حتى يخف وزنها بعد السِّمَن، والقُّرَّح: هي المسنَّة التي تم لها أربع سنين، جمع قارح. ٥ - جواز تجويع البهيمة للمصلحة. ٦ - فضل الخيل وأنها عدة في الحرب، ففيه شاهد لقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ٧ - مشروعية السباق على الخيل والإبل، وفي الرمي. ٨ - نسبة الفعل إلى الآمر به؛ لأن قوله: «سَابَقَ» أي: أمر أو أباح. ٩ - جواز أخذ السَّبَق على السَّبْق في هذه الثلاثة، ويحرم أخذه في السباق على غيرها. ١٠ - عظم شأن الجهاد في الإسلام، ووجوب الإعداد له. ١١ - جواز إضافة المسجد إلى قوم مخصوصين، وقد ترجم له البخاري بذلك في كتاب الصلاة. * * * * *

стр. 1162

(١٤٨٤) وَعَنْهُ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ -وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ- فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أَمِنَ فَهُوَ قِمَارٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١). * * * هذا الحديث هو حجة من قال: لا يجوز أن يكون السَّبَق من المتسابقَين إلا أن يكون معهما محللٌ، أي: مسابقٌ ثالث، وذلك إذا كان السَّبَق من المتسابقين لتزول به مفسدة القمار، الذي حقيقته أن كلًّا من المتسابقين إما أن يغنم أو يغرم، وهذا هو الواقع إذا كان السَّبَق منهما، لذلك قال من منع ذلك: إن ذلك لا يجوز إلا أن يَنضمَّ مع المتسابقين ثالث، وتكون فرسه مكافئة لفرسيهما في العدو، ولا يدفع هو شيئًا، فإن سبَق أخذ ما في يدي صاحبيه، وإن سُبق -أي: كان السابق أحدُهما- لم يغرم الثالث شيئًا، فإن دخل وهو لا يأمَن أن يسبقه أحدهما، ففي هذه الحال لا بأس به؛ لأنه إن سبق أخذ ما في يديهما، وإن سُبق لم يغرم شيئًا، فإن أمِن أن يُسبق، أي: علم أنه سابق ولا بد فلا معنى لدخوله؛ لأن السباق مبنيٌّ على التكافؤ والتنافس، وإن أمن أن يَسبقهما، أي: علم أنه لا يسبق فلا تزول بدخوله مفسدة القمار؛ لأن وجوده حينئذ كعدمه. وبعد: فهذا كله على القول بأنه إذا كان السَّبَق من المتسابقين كان قمارًا، وعلى القول بصحة الحديث، وكلٌّ من الأمرين ممنوع؛ فالحديث الصواب أنه ضعيفٌ، وبذل المتسابقين للسَّبَق ليس قمارًا، وإن قدِّر أنه يشبه القمار فهو مخصوصٌ بأدلة إباحة السَّبَق، دون تعيين لباذله، ونظرًا لأن الحديث ضعيف واشتراط المحلل قول ضعيف، فلا يشتغل باستنباط الفوائد؛ لأنه لا معنى لذلك. والله أعلم. * * * * *

стр. 1163

(١٤٨٥) وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقْرَأُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]، «أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث من أحاديث التفسير النبوي للقرآن، وهو أبلغ قول في تعظيم شأن الرَّمي في الجهاد، فتطابق على ذلك دلالة الكتاب ودلالة السنة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تلاوة القرآن في الخطبة. ٢ - الخطبة في الحث على جهاد الكفار. ٣ - وجوب الاستعداد للجهاد، وهذا الحكم يقتضيه كل ما ورد من الأمر بالجهاد؛ فإن الأمر بالشيء أمر به وبوسائله. ٤ - أن شرط الوجوب الاستطاعة، وهذا في كل الواجبات. ولهذا قيل: لا واجب مع العجز. ٥ - أن قراءة النبي ﷺ لهذه الآية على المنبر تأويل لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. ٦ - فيه شاهد لقوله ﷺ : «ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا» (٢)، وقوله ﷺ : «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا» (٣)، والأحاديث في تعلم الرمي كثيرة. ٧ - الحكمة في مشروعية الإعداد لحرب الكفار، وهي الإرهاب لهم.

стр. 1164

٨ - أن المقتضي للإرهاب عداوةُ الكفار لله وللمؤمنين؛ من المحاربين والذميين والمعاهدين. ٩ - أن من الإرهاب ما هو واجب، وهو المذكور في هذه الآية. ومن الإرهاب ما هو حرام؛ كالإرهاب بالظلم على الأنفس والأموال والأعراض؛ كالمحاربين لله ولرسوله ﷺ ، الساعين في الأرض بالفساد. * * * * *

стр. 1165

كِتَابُ الأَطْعِمَةِ

стр. 1166

الأطعمة: جمع طعام، وهو كل مأكول يطعمه الإنسان من نبات وحيوان، مما للإنسان فيه صنع، أو ليس له فيه صنع. والأصل في الطعام الحل، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا﴾ [النحل: ١١٤]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩]، والحرام من الطعام إما أن يكون لحق الله كالميتة والدم، أو لحق العباد كالمغصوب؛ فالأول تحريمه ذاتي عيني، والثاني تحريمه عرَضي. ولا يدخل في هذا الباب حكم الأشربة؛ لأن الطعام أخص بالمأكول، وإن كانت تُطعم، ولهذا عقد العلماء بابين: باب الأطعمة، وباب الأشربة. * * * * * (١٤٨٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، فَأَكْلُهُ حَرَامٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١٤٨٧) وَأَخْرَجَهُ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظٍ: نَهَى. وَزَادَ: «وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» (٢). (١٤٨٨) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ: «وَرَخَّصَ» (٣). (١٤٨٩) وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ الْجَرَادَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). * * * اشتملت هذه الأحاديث على ذكر بعض ما يحل وبعض ما يحرم من الحيوان.

стр. 1167

وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم كل ذي ناب من السِّباع؛ كالذئب والفهد والأسد. ٢ - أن التحريم مختص بما اجتمع فيه الوصفان؛ الناب والسبعية، فخرج بذلك الضبع؛ فإنها ليست معدودة من السباع، وأيضًا فنابها ليس كناب سائر السباع العاديَة. ٣ - تحريم كل ذي مخلب من الطير؛ كالباز والصقر والعقاب، والمخلب هو ظفر كل ما يصيد. وظفر ما لا يصيد ليس بمخلب، فبين الظفر والمخلب عموم وخصوص؛ فكل مخلب ظفر، وليس كل ظفر مخلبًا. ٤ - تحريم لحم الحمر الأهلية، ويقال لها: الإنسية، وهي التي ينتفع بها في الركوب، قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]، وخرج بقوله الحمر الأهلية حمر الوحش؛ فإنها حلال. ٥ - أن تحريم الحمر كان يوم خيبر. ٦ - الرد على من قال بحلها. ٧ - أنها كانت حلالًا ثم نسخ ذلك. ٨ - أن هذه المحرمات من الخبائث؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ٩ - أن كل ما حرمه الله فهو خبيث يورث آكله شيئًا من طبيعته الخبيثة؛ من شراسته أو بلادته. ١٠ - حل لحوم الخيل؛ لقوله: وأذن. وإلى حلها ذهب جمهور العلماء، وخالف في ذلك أبو حنيفة، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، قال: ولم يذكر الأكل، وأجيب بأن الآية مكية، والإذن بالخيل في غزوة خيبر. هذا على تقدير صحة الاستدلال. وفيه نظر.

стр. 1168

١١ - حل الجراد. وما ذكر في الحديث من أكلهم الجراد سنةٌ فعلية إن كان الرسول ﷺ أكل منه، أو تقريرية إن كان لم يأكل، وجاء في رواية البخاري: «نَأْكُلُ مَعَه» (١)، والظاهر من هذه الرواية أنه ﷺ كان يأكل معهم الجراد. * * * * * (١٤٩٠) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ -فِي قِصَّةِ الْأَرْنَبِ- قَالَ: «فَذَبَحَهَا، فَبَعَثَ بِوَرِكِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَبِلَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١٤٩١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). (١٤٩٢) وَعَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: «قُلْتُ لِجَابِرٍ: الضَّبُعُ صَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: قَالَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (٤). * * * هذه الأحاديث تضمنت بعض ما يحل وما يحرم من الدواب والطير. وفيها فوائد؛ منها: ١ - حل الأرنب. ٢ - أن النبي ﷺ أكل من لحم الأرنب. ٣ - تواضع النبي ﷺ إذ قبل ورك الأرنب هدية، وهي شيء يسير.

стр. 1169

٤ - أن من هدي النبي ﷺ قبول الهدية. ٥ - تحريم قتل الدواب الأربع المذكورة في حديث ابن عباس: النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد. ٦ - تحريم أكلهن. ٧ - من القواعد المستنبطة في الحلال والحرام: أن ما نهينا عن قتله فإنه يحرم أكله؛ ووجه ذلك أنه لو كان حلالًا لما نهينا عن قتله؛ إذ لا يمكن الانتفاع به أكلا إلا بقتله. ٨ - حل أكل الضَّبُع. ٩ - أنها من صيد البر الذي لا يحرم إلا على المحرم: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ولذا جاء في الحديث نفسه في جزاء قتل المحرم لها: كبشٌ. ١٠ - أن من هدي السلف السؤال عن الأحكام الشرعية. ١١ - السؤال عن الدليل استرشادًا لا تعنتًا، من غير العامي. * * * * * (١٤٩٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُنْفُذِ، فَقَالَ: ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٥]، فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَهُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «خَبْثَةٌ مِنَ الْخَبَائِثِ» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ (١). (١٤٩٤) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا». أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)

стр. 1170

(١٤٩٥) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ -فِي قِصَّةِ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ- «فَأَكَلَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٤٩٦) وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: «نَحَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا، فَأَكَلْنَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١٤٩٧) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «أُكِلَ الضَّبُّ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٤٩٨) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الْقُرَشِيِّ ﵁؛ أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الضِّفْدَعِ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَى عَنْ قَتْلِهَا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٤). * * * هذه الأحاديث تضمنت ذكر بعض ما يحل وبعض ما يحرم من الحيوان. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - كراهة أكل القنفذ؛ لأنه يأكل الحيات، أما الحديث فضعيف، والأصل في الأشياء الحل، كما جاء في هذه الرواية عن ابن عمر الاستدلالُ على حله بقوله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ٢ - الاكتفاء في الفتوى بذكر الدليل دون الحكم. ٣ - تعليق إثبات الحكم على صحة الدليل. ٤ - تحريم الجلَّالة، وهي التي تأكل النجاسات، لكن تحريمها مؤقت، حتى تُغذَّى بغذاء طيب، فيزول أثر غذائها الخبيث. وليس لهذا مدة مقدرة، بل ما يغلب على الظن في العادة.

стр. 1171

٥ - حل الحمر الوحشية، وهو إجماع. ٦ - حل أكل لحم الخيل، وقد سبق أنه ﷺ حرم لحوم الحمر الأهلية، وأذن في الخيل، وسبقت الإشارة إلى الخلاف فيه (١). ٧ - أن ما يذبح يجوز نحره، وما ينحر يجوز ذبحه. ٨ - حل أكل الضب، وهو من السُّنة التقريرية، بل من القولية أيضًا. ٩ - النهي عن قتل الضفدع، وقد روي النهي عن قتلها؛ لأن نقيقها تسبيح (٢). ١٠ - تحريم أكل الضفدع؛ للقاعدة المقررة عند العلماء أن ما أمر بقتله أو ما نهي عن قتله، فيحرم أكله. ١١ - تحريم التداوي بلحم الضفدع؛ لما ورد عن ابن مسعود: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» (٣)، ولقوله ﷺ : «تَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ» (٤).

стр. 1172

بَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ أي هذا باب ذكر ما ورد في السنة في شأن الصيد والذبائح. والصيد يراد به فعل الصائد، وهو المعنى المصدريُّ، ويراد به الحيوان المصيد، فهو من إطلاق المصدر على اسم المفعول، وهو المراد في جميع المواضع التي وردت في القرآن. وتحريم الصيد في الإحرام يستلزم تحريم الصيد بمعنى الاصطياد. * * * * * (١٤٩٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ، أَوْ صَيْدٍ، أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْم قِيرَاطٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٥٠٠) وَعَنْ عَدِيِّ بنِ حَاتِم ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَرْسَلَتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْرَكْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قُتِلَ وَلَمْ يُؤْكَلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قُتِلَ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا، فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ إِلَّا أَثَرَ سَهْمِكَ، فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ (٢). (١٥٠١) وَعَنْ عَدِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ: «إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقُتِلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣).

стр. 1173

(١٥٠٢) وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ، فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْرَكْتَهُ، فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * تضمنت هذه الأحاديث ذكر آلة الصيد من الكلب والسهم والمِعراض، وهو الرمح، وما يشترط فيها، وصفة الصيد وما يشترط فيه. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم اقتناء الكلب إلا ما استثني. ٢ - الرخصة في اقتناء كلب الصيد والزرع والماشية. ٣ - جواز الصيد بالكلب المعلَّم. ٤ - أن صيد الكلب غير المُعلَّم لا يحل. ٥ - فضل العلم حتى في الحيوان. ٦ - فيه شاهد وتفسير لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ﴾ [المائدة: ٤]. ٧ - سفه الذين يقتنون الكلاب إعجابًا بها، ويبالغون في الحفاوة بها والعناية بها. ٨ - جواز الصيد برمي السهم، وفي حكمه كل ما يرمى به، مما يقتل بحده. ٩ - وجوب ذكر اسم الله عند إرسال الكلب أو السهم أو الطعن بالرمح. ١٠ - جواز الصيد بالرمح. ١١ - أنه لا يحل إلا ما أصاب بحده، بحيث ينفذ، لقوله في حديث عدي في رواية: «وَإِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْ» (٢).

стр. 1174

١٢ - تحريم ما أصابه المعراض أو الرمح بعَرْضه. ١٣ - تحريم كل وقيذ، وهو الموقوذة. ١٤ - أن ما صاده الكلب إن أَكل منه لم يحل، أو كان معه كلب آخر. ١٥ - أن ما صاده الكلب إن وجد حيًّا يجب تذكيته. ١٦ - أن ما صيد بالسهم إذا غاب ثم وجد غريقًا، أو وجد فيه أثر سهم آخر، أو أنتن فلا يحل أكله. ١٧ - أن الشك في شرط الحل يمنع من الحل. ١٨ - من حسن التعليم والفتوى بيان وجه الحكم؛ لقوله: «فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيَّهُمَا قَتَلَهُ». ١٩ - وجوب التفصيل في الفتوى إذا اقتضى الأمر ذلك؛ لقوله: «إِذَا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقُتِلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ؛ فَلَا تَأْكُلْ». ٢٠ - التوسعة من الله في أسباب الرزق. ٢١ - فيه شاهد ليسر الشريعة، ولقاعدة: المشقة تجلب التيسير. ٢٢ - أن من مقاصد الشريعة حفظ الصحة؛ لقوله: «فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ». ٢٣ - من حسن التعليم ذكر الحكم بدليله؛ لقوله: «وَإِذَا أَصَبْتَ بِعَرْضِهِ فَقُتِلَ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ، فَلَا تَأْكُلْ». * * * * * (١٥٠٣) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: «سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ أَنْتُمْ، وَكُلُوهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).

стр. 1175

(١٥٠٤) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مُغَفَّل ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: «إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). (١٥٠٥) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (١٥٠٦) وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ امْرَأَةً ذَبَحَتْ شَاةً بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٣). (١٥٠٧) وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ؛ أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). * * * هذه الأحاديث تضمنت ذكر بعض ما يشترط لحل ما يُذبح من الحيوان؛ كذكر اسم الله وإنهار الدم. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - حل ما يذبحه المسلم، وإن جهل تسميته عليه. ٢ - وجوب التسمية عند الذبح. ٣ - النهي عن الخذف وما أشبهه؛ لأنه دائر بين الضرر وعدم الفائدة. والخذف هو الرمي بالحجر الصغير. ٤ - أن ما يقتل بالخذف لا يحل. ٥ - النهي عن كل فعل يؤدي إلى الضرر.

стр. 1176

٦ - تحريم اتخاذ ما فيه الروح غرضًا، أي هدفًا في المناضلة، أي المسابقة بالرمي. ٧ - أن دين الإسلام دين الرحمة. ٨ - جواز الذبح بالحجر إذا كان طرفه محددًا. ٩ - جواز الذبح بكل ما يُنهِر الدم، أي يسيله. ١٠ - جواز تذكية المرأة، وإن كانت أمة، وإن كانت حائضًا. ١١ - أن من النساء من تكون قوية القلب واليد. ١٢ - جواز تصرف الأمين بما فيه مصلحة. ١٣ - أن ما أصابه سبب الموت فأدرك فذكِّي؛ حلَّ. ١٤ - أن الفعل إذا وقع من أهله فلا يُسأل عن شروطه. ١٥ - التثبت فيما اشتبه على المسلم حكمُه، بسؤال أهل العلم. ١٦ - أن الأمر يأتي بمعنى الإباحة. ١٧ - أن شرط الحل فيما يُذبح ذكر اسم الله عليه. ١٨ - اشتراط إنهار الدم لحل الذبيحة، وهذا يحصل بقطع الودجين. ١٩ - تحريم الذبح بالسن، وعلة ذلك أنه عظمٌ، فما ذبح به فلا يحل. ٢٠ - تحريم الذبح بالظفر، وعلة ذلك أنه تشبه بالكفار الذين يذبحون بالأظفار، وهم الحبشة، فما ذبح بذلك فلا يحل. ٢١ - النهي عن التشبه بالكفار. وقد استفاضت السنة بذلك. ٢٢ - أن ما تعذر ذبحه من الحيوان لعدم القدرة عليه فحكمه حكم الصيد، لما جاء في أصل حديث أبي رافع أنه ندَّ بعير فرماه رجل بسهم، فقال ﷺ : «إِنَّ لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ؛ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» (١). * * * * *

стр. 1177

(١٥٠٨) وَعَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١٥٠٩) وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذان الحديثان أصل في رحمة الحيوان، حتى في ذبحه. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تحريم أن يُقتل الحيوان صبرًا، وهو حبس البهيمة ورميها حتى تموت. ٢ - أن ما يقدر على ذبحه لا يحل برميه. ٣ - تحريم تعذيب الحيوان. ٤ - فيه شاهد لما تقدم، وهو قوله ﷺ : «لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا» (٣). ٥ - إضافة الكتابة إلى اللهِ، وهي نوعان: أ. كتابة كونية. ب. كتابة دينية. فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ومنه ما في هذا الحديث.

стр. 1178

٦ - الحث على الإحسان إلى الخلق بكتابته على كل شيء، و (على) في الحديث بمعنى (في)، وهذا أقرب الوجوه، والإحسان يكون بالقول والفعل والترك، والإحسان إلى أصناف الناس كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: ٣٦] الآية، ويدخل فيه الإحسان إلى الحيوان كما في حديث البغي التي سقت كلبًا فغفر اللهُ لها (١)، وكما في هذا الحديث، وجماع القول في معنى الإحسان أنه إيصال النفع ودفع الضرر وكف الأذى. ٧ - من الإحسانِ: الإحسانُ في صفة قتل من أبيح قتله، وذلك بفعل ما يقتضيه الشرع من صعوبة وسهولة فيدخل في ذلك رجم الزاني والقتل قصاصًا، فإنه يتبع فيه فعل الجاني. ٨ - الإحسان في صفة ذبح الحيوان، ومن ذلك فعل الأسباب التي تكون أسرع في إزهاق الروح، كشحذ الشفرة، وهي السكين. ٩ - تحريم تعذيب الحيوان كاتخاذه غرضًا وتجويعه وحبسه بلا طعام ولا شراب. ١٠ - رحمة اللهِ بخلقه. ١١ - كمال هذه الشريعة واشتمالها على كل خير، ومن ذلك رحمة الحيوان والرفق به. ١٢ - أن اللهَ له الأمر والحكم. ١٣ - حسن تعليم النبي ﷺ لتوضيحه القاعدة الكلية بذكر بعض أفرادها. * * * * *

стр. 1179

(١٥١٠) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * الحديث أصل في حل جنين البهيمة بذكاة أمه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الذكاة شرط فيما أبيح من الحيوان، لأن بها إنهار الدم. ٢ - أنه لا تجب ذكاة الجنين، بل يحل تبعًا لأمه، والسر -والله أعلم- أنه كعضو منها، إلا أن يخرج حيًّا، فتجب تذكيته. ٣ - أنه يجوز ذبح البهيمة الحامل، ولو قرب ولادتها. * * * * * (١٥١١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمُسْلِمُ يَكْفِيهِ اسْمُهُ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمِّيَ حِينَ يَذْبَحُ، فَلْيُسَمِّ ثُمَّ لْيَأْكُلْ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بنُ يَزِيدَ بنِ سِنَانٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحِفْظِ (٢). (١٥١٢) وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (٣). (١٥١٣) وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ فِي «مَرَاسِيلِهِ» بِلَفْظِ: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ». وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ (٤). * * * هذا الحديث تمسك به من لا يشترط التسمية على الذبيحة مطلقًا، وهو المشهور من مذهب الشافعي ﵀، ولكن الحديث ضعيف، كما ذكر

стр. 1180

المصنف ﵀، وغايته أن يكون من قول ابن عباس ﵄، فهو لا يقاوم الأحاديث الصحيحة التي تقدمت، وفيها الأمر بذكر اسم الله على الصيد والذبيحة، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على مذاهب: أحدها: أن التسمية شرط لحل الصيد والذبيحة مطلقًا؛ فلا يحل متروك التسمية عمدًا ولا سهوًا. الثاني: أن التسمية شرط، لكنه يسقط بالنسيان، ومنهم من يفرق في ذلك بين الصيد والمُذكَّى، فلا يحل متروك التسمية من الصيد ولو نسيانًا أو سهوًا، بخلاف المذكَّى، على هذا القول. الثالث: أن التسمية مستحبة؛ فذبيحة المسلم حلال، ولو ترك التسمية عمدًا من غير استخفاف، كما هو ظاهر حديث الباب: «ذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ حَلَالٌ، ذَكَرَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ»، وهذا أهم ما يتعلق بهذا الحديث. والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، فإنه أوسط الأقوال، وهو الموافق ليسر الشريعة ورفع الحرج، مع العمل بأدلة وجوب ذكر اسم الله على الذبيحة حسب الاستطاعة؛ فإن تحريم متروك التسمية نسيانا يتضمن حرجًا عظيمًا، وهو تلف المال، الذي تلفه قد يكون ضرره عظيمًا في حق كثير من الناس. والله أعلم. * * * * *

стр. 1181

بَابُ الأُضْحِيَةِ أي هذا باب ذكر الأدلة من السنة على مشروعية الأضحية وما يتعلق بها من أحكام، والأُضحية والضَّحيَّة ما شرع التقرب به من الذبائح في عيد الأضحى، واسم الأُضحية مأخوذ من وقتها، وهو الضحى؛ لأنه وقت ذبحها، لقوله ﷺ : «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ» (١). * * * * * (١٥١٤) عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، وَيُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، وَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا. وَفِي لَفْظٍ: ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). وَفِي لَفْظٍ: سَمِينَيْنِ (٣). (١٥١٥) وَلِأَبِي عَوَانَةَ فِي «صَحِيحِهِ»: ثَمِينَيْنِ، بِالْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ السِّينِ (٤). (١٥١٦) وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: وَيَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ» (٥). (١٥١٧) وَلَهُ: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ؛ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ: «اشْحَذِي الْمُدْيَةَ»، ثُمَّ أَخَذَهَا، فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ، وَقَالَ: «بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمّةِ مُحَمَّدٍ» (٦).

стр. 1182

(١٥١٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، لَكِنْ رَجَّحَ الْأَئِمَّةُ غَيْرُهُ وَقْفَهُ (١). (١٥١٩) وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ ﵁ قَالَ: شَهِدْتُ الْأَضْحَى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ بِالنَّاسِ، نَظَرَ إِلَى غَنَمٍ قَدْ ذُبِحَتْ، فَقَالَ: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ شَاةً مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَبَحَ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذه الأحاديث أصل في مشروعية الأضحية، وهي متضمَّنة لسنته ﷺ القولية والفعلية. وفي الأحاديث فوائد كثيرة؛ منها: ١ - أن الرسول ﷺ كان يضحي. ٢ - أنه ﷺ كان يضحي بالضأن من الغنم. ٣ - أنه ﷺ كان يضحي بكبشين، وربما ضحى بكبش. ٤ - أن من صفتهما كونهما أملحين -أي أبيضين-، أقرنين -أي ذَوَيْ قرون-، سمينين. وقولها: «يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ»: أي إن هذه المواضع من جلده وجسمه لونها أسود. ٥ - الجود وطيب النفس باختيار الأضحية. ٦ - أن ما كان أكمل خِلقة وأغلى ثمنًا من الأضاحي فهو أفضل. ٧ - أن النبي ﷺ كان يضحي بذلك عن نفسه وآله وأمته.

стр. 1183

٨ - مشروعية التسمية والتكبير عند ذبح الأضحية، والتسمية شرط، والتكبير سنة. ٩ - أن النبي ﷺ يباشر ذبح الأضحية بيده، كما ذبح بعض هديه بيده في حجة الوداع (١). ١٠ - مشروعية شحذ المدية، وهي السكين، وشحذها: تحديدها، حتى يدق حدها، فتكون ماضية سريعة القطع. ١١ - جواز أمر الإنسان في حاجته مَنْ له عليه أمرٌ؛ كزوجته، وولده، وخادمه، أو مَنْ يسره قضاء حاجته، وأن ذلك ليس من السؤال المذموم. ١٢ - فيه شاهد لقوله: «وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ» (٢). ١٣ - أن ذبح الغنم يكون بإضجاعها على شقها الأيمن أو الأيسر، حسب ما هو الأسهل. ١٤ - استحباب مباشرة المضحي ذبح أضحيته. ١٥ - جواز الاقتصار على التسمية دون التكبير. ١٦ - استحباب الدعاء بقبول الأضحية عند ذبحها. ١٧ - أن الأضحية سنة مؤكدة عند الجمهور؛ لفعله ﷺ ، وترغيبه فيها، ومداومته عليها، وقال بعض أهل العلم بوجوبها؛ لحديث أبي هريرة: «مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا»، ولكن قد قيل: إنه موقوف على أبي هريرة ﵁. ١٨ - أن وقت ذبح الأضحية بعد صلاة العيد. ١٩ - أن ذبح الأضحية لا يشترط فيه أن يكون بعد الخطبة، ولا بعد ذبح الإمام.

стр. 1184

٢٠ - تحريم ذبح الأضحية قبل الصلاة. ٢١ - فيه شاهد للأصل، وهو أن العبادة إذا فعلت قبل الوقت فإنها لا تجزئ. ٢٢ - أن من ذبح قبل الصلاة لا تجزئه أضحيته، ولو كان خطأ أو نسيانًا، وعليه أن يذبح مكانها. ٢٣ - التنبيه على الإخلاص والتسمية عند الذبح؛ لقوله: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». * * * * * (١٥٢٠) وَعَنِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الضَّحَايَا: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تُنْقِي». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ (١). (١٥٢١) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (١٥٢٢) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ، وَلَا نُضَحِّيَ بِعَوْرَاءَ، وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا خَرْمَاءَ وَلَا ثَرْمَاءَ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (٣). * * *

стр. 1185

تضمَّنت هذه الأحاديث صحة ما يضحى به من السن والسلامة من العيوب. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن أربعًا لا تجوز في الضحايا: ١ - العوراء البين عورها، وهي التي انخفست عينها، وأولى منها العمياء. ٢ - المريضة البيِّن مرضها، كذات الجدري. ٣ - العرجاء البين ظلَعها، وهي التي لا تلحق الغنم، وأولى منها التي لا تمشي. ٤ - الكسيرة، أي: الهزيلة التي لا مخَّ فيها. ٢ - جواز التضحية بذوات العيوب الخفيَّة، كالعوراء التي عينها قائمة. ٣ - أنه لا تجوز التضحية إلا بمسنة، وهي الثَّنيُّ من الضأن والمعز، وهو ما تم له سنة. ٤ - جواز التضحية بالجذع من الضأن، وهو ما تم له ستة أشهر، وذلك عند تعسر المسنة. وقيل: هذا شرط كمال، لا شرط صحة. ٥ - اشتراط السن المعتبرة في الأضحية، وهو أن تكون الأضحية مسنة، وهو الثنيُّ من بهيمة الأنعام، فمن الضأن والمعز ما تم له سنة، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن الإبل ما تم له خمس سنين. ٦ - بناء أحكام الشريعة على اليسر. ٧ - أن المشقة تجلب التيسير. ٨ - مشروعية تفقد الأضحية، بمعرفة سلامتها من العيوب المانعة. وهو معنى: «نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ».

стр. 1186

٩ - النهي عن التضحية بالمذكورات في حديث علي ﵁؛ وهي العوراء، وتقدمت، والمقابَلة، وهي ما قطع طرف أذنها، والمدابَرة، وهي ما قطع من مؤخر أذنها، والخرماء، وهي مثقوبة الأذن، والثرماء، وهي التي سقطت ثناياها. ١٠ - النهي عن القصد في القربة إلى ما فيه عيب. ففي الأحاديث: ١١ - شاهد لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ١٢ - ومن مجموع الأحاديث: يعلم أنه يشترط في الأضحية أربعة شروط: ١ - أن تكون من بهيمة الأنعام. ٢ - أن تبلغ السن المقدر شرعًا. ٣ - أن تكون سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء. ٤ - أن تكون في وقت الأضحية، وهو ما بين صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق. * * * * * (١٥٢٣) وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَقْوَمَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أُقَسِّمَ لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَا أُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * في هذا الحديث بيان ما يُصنع في الهدي بعد ذبحه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية الهدي، وهو ما يقدَم به الحاج والمعتمر من بهيمة الأنعام ليذبحه في الحرم.

стр. 1187

٢ - استحباب كثرة الهدي الذي يساق إلى الحرم؛ لأن النبي ﷺ أهدى في حجته مئة بدنة. ٣ - استحباب تقسيم لحم الهدي وجلودها، وجِلالها، جمع جِل، وهو الكساء الذي يجلل به الهدي. ٤ - فضيلة عليٍّ ﵁. ٥ - جواز التوكيل في نحر الهدي والأضحية وتقسيم اللحم. ٦ - أن الجزار لا يعطى أجرته من لحم الهدي والأضحية، بل يعطى الأجرة من غيرها. ٧ - جواز أخذ الأجرة على الهدي والأضاحي. * * * * * (١٥٢٤) وَعَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ: الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * في هذا الحديث بيان من تجزئ عنه البدنة والبقرة في الهدي. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية سوق الهدي إلى الحرم في العمرة. ٢ - أن الرسول ﷺ وأصحابه ساقوا الهدي في عمرة الحديبية. ٣ - أنه وجب عليهم ذبح الهدي بالإحصار. ٤ - أنهم ذبحوا إبلًا وبقرًا.

стр. 1188

٥ - أن البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة عن سبعة؛ في الهدي، وكذلك الأضحية؛ فالبدنة عن سبع شياه، والبقرة عن سبع شياه. وهذه معادلة حُكمية شرعية، لا تختلف باختلاف القيمة، لكن تجب مراعاة السن المجزئة. وأما الغنم، فلا تجزئ الشاة إلا عن واحد في الهدي، وفي حكمها سبع البدنة والبقرة. وأما في الأضحية فتجزئ الشاة عن الرجل وأهل بيته، ومن شاء أن يُشركه في ثوابها. واختُلف في التشريك في ثواب سبع البدنة والبقرة؛ فقيل: لا يصح التشريك فيه. وقيل: يصح؛ فيضحي الرجل بسبع البدنة عنه وعن أهل بيته؛ لأن سبع البدنة والبقرة معدول بالشاة. وهو الصحيح، إن شاء الله. والله أعلم. * * * * *

стр. 1189

بَابُ العَقِيقَةِ العقيقة: ما يذبح شكرًا لله على نعمة المولود، وكان النبي ﷺ يكره هذا الاسم؛ لأنه مشتق من العقوق، لكن هكذا نطق العرب، فسموا ما يذبح للمولود عقيقة. فالعقيقة -إذن- نوع من النسك المذكور في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٦٢)﴾ [الأنعام: ١٦٢]، فهي كالهدي والأضحية. * * * * * (١٥٢٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ وَعَبْدُ الْحَقِّ، لَكِنْ رَجَّحَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ (١). (١٥٢٦) وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ: مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ (٢). (١٥٢٧) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُمْ أَنْ يُعَقَّ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٣). (١٥٢٨) وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ عَنْ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ نَحْوَهُ (٤). (١٥٢٩) وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٥). * * *

стр. 1190

تضمنت هذه الأحاديث الدلالة على حكم العقيقة، وما يتعلق بها من أحكام. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية العقيقة عن المولود؛ ذكرًا كان أو أنثى. ٢ - أنها تذبح يوم السابع من يوم الولادة. ٣ - جواز أن يتولى العقيقة غير الأب، لكن بإذنه. ٤ - أن الأفضل أن يعق عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة. ٥ - أنه يجزئ عن الغلام شاة واحدة. ٦ - أن النبي ﷺ عقَّ عن الحسن والحسين كبشًا كبشًا، والكبش ذكر الضأن إذا أثنى، أي: صار ثنيًّا. ٧ - تفضيل الذكر على الأنثى في العقيقة بالضِّعف، وهذا أحد المواضع الخمسة التي يفضَّل فيها الذكر على الأنثى بالضعف. والثاني: الميراث، والثالث: العتق في الأجر، الرابع: الدية، والخامس: الشهادة. وفي هذه الأحكام ردٌّ على دعاة التسوية بين الذكر والأنثى. وبطلان ما يسمى وثيقة سيداو المناقضة للعقل والشرع، الداعية إلى التسوية بين الرجل والمرأة. ٨ - أن المولود يُسمَّى يوم السابع، ويُحلَق رأس الصبي الذكر، ويُتصدَّق بوزن شعره فضة. ٩ - أن العقيقة سنة مؤكدة، وقيل: واجبة، لقوله: «كُلُّ غُلَامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ».

стр. 1191

١٠ - أن السنة أن تكون الشاتان متكافئتين، أي: متقاربتين في خلقتهما وقيمتهما. ويعتبر في العقيقة ما يعتبر في الأضحية من السن والسلامة من العيوب. * * * * *

стр. 1192

كِتَابُ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ

стр. 1193

درج كثير من المصنفين في الأحكام وأحاديثها على ذكر كتاب الأيمان والنذور قبل القضاء والشهادات، وكأنه تمهيد لها. والأيمان: جمع يمين، وهو القسم، والنذور: جمع نذر، وهو أن يوجب المكلف على نفسه ما لم يجب بأصل الشرع، والأيمان والنذور أنواع، ولذا ذُكرا بلفظ الجمع. وسبب الجمع بين الأيمان والنذور أن بينهما تداخلًا، فمن النذور ما له حكم اليمين؛ كنذر اللَّجاج والغضَب، ومن الأيمان ما يؤول إلى النذر. * * * * * (١٥٣٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٥٣١) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» (٢). * * * هذا الحديث أصل في تحريم الحلف بغير الله، ويشهد له الحديث الآخر عنه ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» (٣). وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن من عادة العرب في الجاهلية: الحلف بالآباء والأمهات وبالأنداد؛ كاللَّات والعُزَّى. ٢ - تحريم الحلف بغير الله مما يُحلف به تعظيمًا له، وليس للحلف بغير الله حرمة، لذلك لا يجب به كفارة.

стр. 1194

٣ - جواز الحلف بالله بشرط الصدق في الخبر؛ لقوله ﷺ : «وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ». ٤ - تعظيم تحريم الحلف بغير الله بإضافة النهي إلى الله، لقوله: «أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ»، وتأكيد الخبر بذلك ببعض المؤكدات، وهي: (أَلَا) و (إنَّ). ٥ - أن النهي عن الحلف بغير الله كان متأخرًا، لذلك وقع من عمر ﵁. وهذا مما أجيب به عن حديث: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ» (١). ٦ - المبادرة بإنكار المنكر. ٧ - العذر بالجهل في الحلف بغير الله. * * * * * (١٥٣٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ». أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ (٢). * * * هذا الحديث أصل في اعتبار نية المستحلف -وهو المدَّعي- دون الحالف في الدعاوى. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - اعتبار الحلف في الدعاوى في الجملة. ٢ - أن الأصل الرجوع إلى نية الحالف. ٣ - أن المدَّعى عليه لا تبرأ ذمته بالحلف إذا نوَى خلاف ما ادُّعي عليه به.

стр. 1195

٤ - أن يمين المدَّعى عليه تحمل على نية المستحلف، فتتعلق اليمين بالمدَّعى به. ٥ - أن على المدَّعي أن يصدِّق المدَّعى عليه في يمينه إذا لم يعلم كذبه. * * * * * (١٥٣٣) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٥٣٤) وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَائِت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (٢). (١٥٣٥) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: «فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ (٣). * * * هذا الحديث أصل في حكم الحِنْث في اليمين المنعقدة، وهي اليمين على مستقبل ممكن، والحِنث هو ترك المحلوف على فعله، أو فعل المحلوف على تركه. وأصل الحِنث الإثم، وعقْد اليمين بالله يقتضي الوفاء بها، وللحِنث في الشريعة أحكام، وهي الأحكام التكليفية الخمسة؛ الوجوب إن حلف على فعل محرم، والاستحباب إن حلف على فعل مكروه، والتحريم إن حلف على فعل فريضة، والكراهة إن حلف على فعل مستحب، والإباحة إن حلف على مباح، فعلًا أو تركًا. وعلى كل حال يجب بالحنث في اليمين كفارة، وهي الكفارة المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ
следующие страницы →