← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

١٠ - أن السنة أن تكون الشاتان متكافئتين، أي: متقاربتين في خلقتهما وقيمتهما. ويعتبر في العقيقة ما يعتبر في الأضحية من السن والسلامة من العيوب. * * * * *

стр. 1192

كِتَابُ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ

стр. 1193

درج كثير من المصنفين في الأحكام وأحاديثها على ذكر كتاب الأيمان والنذور قبل القضاء والشهادات، وكأنه تمهيد لها. والأيمان: جمع يمين، وهو القسم، والنذور: جمع نذر، وهو أن يوجب المكلف على نفسه ما لم يجب بأصل الشرع، والأيمان والنذور أنواع، ولذا ذُكرا بلفظ الجمع. وسبب الجمع بين الأيمان والنذور أن بينهما تداخلًا، فمن النذور ما له حكم اليمين؛ كنذر اللَّجاج والغضَب، ومن الأيمان ما يؤول إلى النذر. * * * * * (١٥٣٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٥٣١) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلَا بِالْأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاللهِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ» (٢). * * * هذا الحديث أصل في تحريم الحلف بغير الله، ويشهد له الحديث الآخر عنه ﷺ : «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» (٣). وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن من عادة العرب في الجاهلية: الحلف بالآباء والأمهات وبالأنداد؛ كاللَّات والعُزَّى. ٢ - تحريم الحلف بغير الله مما يُحلف به تعظيمًا له، وليس للحلف بغير الله حرمة، لذلك لا يجب به كفارة.

стр. 1194

٣ - جواز الحلف بالله بشرط الصدق في الخبر؛ لقوله ﷺ : «وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ». ٤ - تعظيم تحريم الحلف بغير الله بإضافة النهي إلى الله، لقوله: «أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ»، وتأكيد الخبر بذلك ببعض المؤكدات، وهي: (أَلَا) و (إنَّ). ٥ - أن النهي عن الحلف بغير الله كان متأخرًا، لذلك وقع من عمر ﵁. وهذا مما أجيب به عن حديث: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ» (١). ٦ - المبادرة بإنكار المنكر. ٧ - العذر بالجهل في الحلف بغير الله. * * * * * (١٥٣٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ». أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ (٢). * * * هذا الحديث أصل في اعتبار نية المستحلف -وهو المدَّعي- دون الحالف في الدعاوى. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - اعتبار الحلف في الدعاوى في الجملة. ٢ - أن الأصل الرجوع إلى نية الحالف. ٣ - أن المدَّعى عليه لا تبرأ ذمته بالحلف إذا نوَى خلاف ما ادُّعي عليه به.

стр. 1195

٤ - أن يمين المدَّعى عليه تحمل على نية المستحلف، فتتعلق اليمين بالمدَّعى به. ٥ - أن على المدَّعي أن يصدِّق المدَّعى عليه في يمينه إذا لم يعلم كذبه. * * * * * (١٥٣٣) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٥٣٤) وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَائِت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (٢). (١٥٣٥) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: «فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ». وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ (٣). * * * هذا الحديث أصل في حكم الحِنْث في اليمين المنعقدة، وهي اليمين على مستقبل ممكن، والحِنث هو ترك المحلوف على فعله، أو فعل المحلوف على تركه. وأصل الحِنث الإثم، وعقْد اليمين بالله يقتضي الوفاء بها، وللحِنث في الشريعة أحكام، وهي الأحكام التكليفية الخمسة؛ الوجوب إن حلف على فعل محرم، والاستحباب إن حلف على فعل مكروه، والتحريم إن حلف على فعل فريضة، والكراهة إن حلف على فعل مستحب، والإباحة إن حلف على مباح، فعلًا أو تركًا. وعلى كل حال يجب بالحنث في اليمين كفارة، وهي الكفارة المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ

стр. 1196

كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - إطلاق اليمين على المحلوف عليه مجازًا، وهو من إطلاق السبب على المسبَّب، واليمين حقيقةً هي جملة القسم. ٢ - أن اليمين -أي الحلف- لا يوجب المحلوف عليه ولا يحرمه. ٣ - أن الحالف مخيَّرٌ بين الوفاء بيمينه أو الحنث مع الكفارة، على ما تقدم في حكم الحنث. ٤ - استحباب ترك الوفاء باليمين إذا كان ذلك خيرًا مع التكفير، على ما تقدم تفصيله في حكم الحنث. ٥ - وجوب الكفارة على من حنث في يمينه. ٦ - أن الحالف مخيَّر؛ إن شاء كفَّر أولا، ثم فعَل المحلوف عليه، وإن شاء فعَل المحلوف عليه، ثم كفَّر وجوبًا. ٧ - أن مقتضى الشرع تقديم الأفضل على الفاضل، وترجيح أعلى المصلحتين على أدناهما، وارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. * * * * * (١٥٣٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * هذا الحديث أصل في جواز الاستثناء في اليمين، ومعنى حلف على يمين، أي على شيء من فعل أو ترك.

стр. 1197

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز الاستثناء في اليمين بالتعليق على مشيئة الله. ٢ - أن هذا الاستثناء يمنع من الحنث، أي: الإثم المترتب على عدم الوفاء بالقسم، فلا تجب عليه كفارة. ٣ - أن ذكر المشيئة في اليمين لا يمنع من الحنث إلا إذا قصد به التعليق، لا مجرد التعظيم لله؛ لربط الأمور كلها بالمشيئة. ٤ - أن الاستثناء في اليمين لا ينفع إلا نطقا؛ لقوله: «فَقَالَ». ٥ - اشتراط اقتران الاستثناء باليمين، بأن يأتي عقبه دون تراخ؛ لقوله: «فَقَالَ»، فعطف الجملة بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب. ٦ - أن تعليق الطلاق والعتق على المشيئة يمنع من الحنث، فلا يقع طلاق ولا عتق. * * * * * (١٥٣٧) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ ﷺ «لَا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). * * * تضمن هذا الحديث شيئًا من هدي النبي ﷺ في الأيمان، وهو أنه كثيرًا ما يحلف بقوله: «وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ». وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الله هو مقلب القلوب، أي: المتصرف فيها، فيقيمها إذا شاء، ويزيغها إذا شاء.

стр. 1198

٢ - أن مقلب القلوب اسم لله، وصفةٌ من صفاته. ٣ - مشروعية القسم بهذا الاسم «مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ». ٤ - جواز القسم بكل اسم من أسماء الله، وأن ذلك من الإقسام بالله. ٥ - أن القلوب تتقلب، وتقلبها تغير أحوالها باعتقاداتها وأعمالها وإراداتها. ٦ - فيه شاهد لما كان يدعو به النبي ﷺ : «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (١). ٧ - فيه شاهد لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ٨ - استحباب استحضار معنى هذا الاسم لله، مما يوجب للعبد الخوف من زيغ قلبه، ويوجب الدعاء بدعاء النبي ﷺ ، ودعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. * * * * * (١٥٣٨) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْكَبَائِرُ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). * * * هذا الحديث من أدلة أن الذنوب منها كبائر، ومنها صغائر، وقد دل على ذلك آيات من القرآن وأحاديث من السنة، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا

стр. 1199

كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُم﴾ [النساء: ٣١]، ومن السنة هذا الحديث، ويشهد لبعض معناه حديث أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» -ثَلَاثًا- قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ … » الحديث (١). وقد تضمن حديث الباب ذكر ثلاث من كبائر الذنوب، وهي الشرك، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، كما في أصله في البخاري. وقد فسرت اليمين الغموس بأنها التي يقتطع بها مال المسلم، ويشهد لهذا التفسير قوله ﷺ : «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (٢). وسميت هذه اليمين غموسًا؛ لأنها تغمس صاحبها في نار جهنم. والسائل عن معنى اليمين الغموس هو عبد الله بن عمرو راوي الخبر، والمجيب هو النبي ﷺ ، كذا قال بعض الشراح، ورجَّح الحافظ ابن حجر أن السائل فراس بن يحيى الهمْداني، والمجيب هو الشعبي، وهما من رواة الحديث، كما جاء في رواية ابن حبان (٣). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الذنوب منها كبائر، ومنها صغائر. ٢ - أن الشرك بالله من الكبائر، بل هو أكبر الكبائر على الإطلاق. وهو اتخاذ الند لله، كما قال النبي ﷺ لما سئل: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» (٤).

стр. 1200

٣ - أن عقوق الوالدين من الكبائر، بل هو من أكبر الكبائر، كما في حديث أبي بكرة. وهو ترك ما يجب لهما من البر، وفعل ما يحرم في حقهما. ٤ - أن عقوق الوالدين قرين الشرك في السنة، كما أن الإحسان إلى الوالدين قرين التوحيد في القرآن، ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]. ٥ - أن اليمين الغموس من الكبائر، ولأجل ذلك أورد المصنف هذا الحديث في باب الأيمان، واختصره. * * * * * (١٥٣٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، قَالَتْ: هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ: لَا وَاللهِ، بَلَى وَاللهِ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). (١٥٤٠) وَأَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا (٢). * * * هذا الحديث من أحاديث تفسير السنة للقرآن، فهو وإن كان من كلام عائشة فإن له حكم الرفع. وقد تضمن تفسير اللغو في قوله تعالى: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، قال أبو عبد الله الحاكم: «ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين: حديث مسندٌ» (٣). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن السنة تفسر القرآن.

стр. 1201

٢ - أن لغو اليمين هو ما يجري على اللسان، مما لم يقصده الحالف؛ كقول الإنسان: لا والله، وبلى والله. في درج الكلام. وألحق به بعض العلماء الحلف بناء على غلبة الظن، كمن حلف على خبر يظن صدقه. فاليمين في الأول لم تنعقد؛ لأنها لم تقصد. واليمين في الثاني مقصودة؛ لكنه أخطأ في ظنه، فلا يؤاخذ؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ٣ - فيه شاهد لقوله ﷺ : «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١). * * * * * (١٥٤١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ لِلهِ تِسْعةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). وَسَاقَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ الْأَسْمَاءَ، وَالتَّحْقِيقُ؛ أَنَّ سَرْدَهَا إِدْرَاجٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (٣). * * * هذا الحديث هو الأصل في هذه العدة من أسماء الله، وفضل إحصائها، وهي مجملة لم تعيَّن، وأما تعيينها وسردها -كما عند الترمذي وغيره- فليس من كلام الرسول ﷺ ، بل هو مدرج من بعض الرواة، كما قال الحافظ ﵀. ومناسبة هذا الحديث لباب الأيمان ظاهرة، وهي بيان ما يشرع الحلف به، وهو أسماء الله وصفاته، فلا تُتعدى؛ لقوله ﷺ : «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» (٤).

стр. 1202

ويجب أن يعلم أنه ليس في هذا الحديث حصرٌ لأسماء الله في تسعة وتسعين، بل المقصود الإخبار عن فضل تسعة وتسعين من أسماء الله غير معينة بأن من أحصاها دخل الجنة. وقد تحرى كثير من العلماء جمع هذا العدد من الكتاب والسنة من غير جزم بأنها هي المقصودة في الحديث، ومن أحسن من جمعها الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في كتابه القواعد المثلى. ويدل على عدم انحصار أسماء الله في هذا العدد حديث ابن مسعود ﵁ في دعاء الهَمِّ: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ بْنُ عَبْدِكَ» الحديث، وفيه: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» (١)، ومما يوضح جلالة حديث الباب معرفة إعرابه، فإنه جملتان؛ الأولى: «إِنَّ لِلهِ تِسْعةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»، ف «إِنَّ» حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر، «لِلهِ» خبر مقدم، و «تِسْعةً» اسم إن، و «تِسْعِينَ» معطوف. الثانية: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، وهي جملة شرطية، «مَنْ» اسم شرط، و «أَحْصَاهَا» فعل الشرط، وها ضمير في محل نصب مفعول به، «دَخَلَ الْجَنَّةَ» جواب الشرط، والجنة معمول الفعل، والجملة صفة لاسم إن. وعليه؛ فالمعنى: لله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة، وإحصاء الشيء معرفة عدده، وهو في هذا الحديث يشمل جمْعَ هذه الأسماء، والإيمان بها، ومعرفة معانيها وأحكامها، وجمعها يكون من الكتاب والسنة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - إثبات الأسماء لله. ٢ - إثبات ما تدل عليه من الصفات، وهي معاني تلك الأسماء.

стр. 1203

٣ - أن أشهر أسمائه تعالى (الله)، ولهذا أضيفت الأسماء إليه في الحديث، وهذا مطرد في القرآن، إذ تضاف الأسماء والصفات إلى هذا الاسم الشريف أخبارًا ونعوتًا، كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٣ - ٢٤]، ونظائر ذلك كثير. ولهذا قيل: إنه أعرف المعارف، وقيل: إنه الجامع لمعاني أسمائه وصفاته تعالى، وإنه الاسم الأعظم. ٤ - فيه شاهد لقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] في أربعة مواضع من القرآن. ٥ - أن من أسماء الله تسعة وتسعين، من أحصاها دخل الجنة. ٦ - فضل العلم بأسماء الله وصفاته، وبهذا العلم معرفة العبد لربه. ٧ - الندب إلى تدبر الكتاب والسنة لمعرفة هذه الأسماء. تنبيه: ههنا مسألة كلامية تتعلق بأسماء الله، وهي: هل الاسم هو المسمَّى أو غيره؟ الصواب أنه لا يصح إطلاق هذا ولا هذا، بل ذلك يختلف بحسب السياق، فإذا قلت: الله هو رب العالمين، فالاسم هو المسمَّى، وإذا قلت: الله لفظ مشتق، فالاسم غير المسمَّى، فالاسم هو اللفظ الدال، والمسمَّى هو مدلول اللفظ، ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ جوابٌ فصلٌ في هذا (١). * * * * *

стр. 1204

(١٥٤٢) وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا؛ فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * هذا الحديث يتضمن الإرشاد إلى مكافأة صانع المعروف بهذا الدعاء: «جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا»، وأنه تحصل به المكافأة، ولكنه ينبغي تقييده بمن لم يجد ما يكافئ صانع المعروف، لقول النبي ﷺ : «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» (٢). وذكْرُ هذا الحديث في هذا الباب لا تظهر مناسبته إلا أن يقال: إن صنع المعروف قد يكون بنذر، وربما تقترن به اليمين، مبالغة في الإكرام. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية شكر الجميل، وأنه يكون بالدعاء وبالثناء، كما يكون بالمكافأة. ٢ - أن من الدعاء الجامع قول: «جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا». ٣ - أن الله يجزي المحسنين بالإحسان. * * * * * (١٥٤٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * *

стр. 1205

هذا الحديث أصل في كراهة النذر، ولو كان نذر طاعة، ولا سيما النذر المشروط، كأن يقول: لله علي أن أتصدق بكذا إن شفى الله مريضي، أو إن أعطاني كذا وكذا من المال، وهذا وعد من العبد لربه، وإخلافه إثم عظيم إذا أعطاه الله سؤله، وقد ذم الله بعض المنافقين بقوله: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُّعْرِضُون (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُون (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - النهي عن النذر، والأصل في النهي التحريم، وقيل: إنه هنا للكراهة. ٢ - أن النذر لا يكون سببًا في حصول خير. فيعلم بذلك أنه إذا حصل مطلوب الناذر فليس سببه عقد النذر. ٣ - أن النذر المعلق على حصول أمر يُشعِر ببخل الناذر، فلا يفعل خيرًا إلا بمقابل يشترطه على ربه. ٤ - أن عقد النذر ليس بعبادة في نفسه، بل بما يتضمنه من تعظيم المنذور له، أو بما يؤول إليه نذر الطاعة. ٥ - أن الناذر النذر المعلق فيه شبه من المنافقين في عدم الإخلاص والبخل. ٦ - ذم البخل. ٧ - الرد على القدرية. * * * * *

стр. 1206

(١٥٤٤) وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١٥٤٥) وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ: «إِذَا لَمْ يُسَمِّ». وَصَحَّحَهُ (٢). (١٥٤٦) وَلِأَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ، فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» (٣). وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ؛ إِلَّا أَنَّ الْحُفَّاظَ رَجَّحُوا وَقْفَهُ (٤). (١٥٤٧) وَلِلْبُخَارِيِّ: مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» (٥). (١٥٤٨) وَلِمُسْلِمٍ: مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ: «لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ» (٦). * * * هذه الأحاديث تضمت أنواع النذر التي يجزئ عنها كفارة يمين، وهي النذر الذي لم يسم، ونذر المعصية، والنذر الذي لا يطاق، والنذر الذي يقصد به اليمين، وجِماعها ما يتعسر أو يتعذر الوفاء به، كونًا أو شرعًا. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن النذر الذي لم يسم -أي لم يسم المنذور- أنه صحيح، وكفارته كفارة يمين. ٢ - أن النذر الذي لا يطيقه الناذر، أو يشق عليه مشقة شديدة تجزئ عنه الكفارة. والمانع من الوفاء أمر كوني. ٣ - أن نذر المعصية منعقد، وتجزئ فيه الكفارة، والمانع شرعي.

стр. 1207

٤ - وفي حكم هذه الأيمان: النذر الذي يقصد به الحض أو المنع، فإنه تجزئ فيه الكفارة، أو يفعل المنذور. ٥ - يسر الشريعة، ففيه شاهد لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. * * * * * (١٥٤٩) وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ حَافِيَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). (١٥٥٠) وَلِلْخَمْسَةِ: فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، مُرْهَا: فَلْتَخْتَمِرْ، وَلْتَرْكَبْ، وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» (٢). * * * تضمن هذا الحديث حكم نذر ما لا يطاق وما ليس بمشروع، وأنه لا يجب الوفاء به، وأنه تجزئ عنه الكفارة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن نذر المشي إلى البيت، أيْ: حجًّا أو عمرة، لا يجب الوفاء به؛ لأنه من نذر ما لا يطاق، ولا سيما مع شرط الحَفَاء. ٢ - أنه تجزئ عنه كفارة يمين؛ لقوله ﷺ : «وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، ولعله ﷺ علم من حالها أنها لا تجد إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. ٣ - أن فيه شاهدًا لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى شيخًا يُهادى بين ابنيه، فقال: «مَا بَالُ هَذَا؟» قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ»، وأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ (٣).

стр. 1208

٤ - أن الله لا يحب التقرب إليه بالعمل الذي يشق به الإنسان على نفسه، بل يكره ذلك، وهو معنى قوله: «إِنَّ اللهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا»، وقوله ﷺ : «إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ»؛ لأن الله غنيٌّ عن العالمين وأعمالهم، ففي الحديثين شاهد لقوله ﷺ : «اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» (١). ٥ - جواز التوكيل في الاستفتاء، وأن المفتي لا يطلب الأصل إلا إذا اقتضى الأمر ذلك، كمسائل الطلاق. ٦ - أن من جمع في نذره بين مشروع وغير مشروع، وجب عليه الوفاء بالمشروع دون غيره، كما في حديث أبي إسرائيل أنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال النبي ﷺ : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلِيُتِمَّ صَوْمَهُ» (٢). * * * * * (١٥٥١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: اسْتَفْتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ﵁ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ: «اقْضِهِ عَنْهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * هذا الحديث أصل في قضاء النذر عن الميت، وهو مطلق فيشمل أي نوع من أنواع الطاعات، ولأن النبي ﷺ لم يستفصل عن نوع النذر، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. ولكن جاء في رواية؛ أَنَّ سَعْدًا ﵁ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي

стр. 1209

تُوُفِّيَتْ وَأَنَا غَائِبٌ عَنْهَا، أَيَنْفَعُهَا شَيْءٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قال: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ حَائِطِيَ الْمِخْرَافَ صَدَقَةٌ عَلَيْهَا (١). ولعل الحديثين في قضيتين؛ قضاء نذر، وتبرع من سعد ﵁. الله أعلم. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - صحة عقد النذر. ٢ - أن نذر أم سعد مسمَّى، لقوله: أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فقال النبي ﷺ : «اقْضِهِ عَنْهَا». ٣ - وجوب الوفاء بنذر الطاعة. ٤ - مشروعية قضاء النذر عن الميت. ٥ - فضيلة سعد بن عبادة ﵁ لاهتمامه بنذر أمه، ولصدقته بحائطه عنها. ٦ - أن هدي الصحابة سؤالُ النبي ﷺ عمَّا أشكل عليهم. * * * * * (١٥٥٢) وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ يُعْبَدُ؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَاللَّفْظُ لهُ، وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (٢). (١٥٥٣) وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ كَرْدَمٍ عِنْدَ أَحْمَدَ (٣). * * *

стр. 1210

هذا الحديث أصل في الوفاء بالنذر ما لم يمنع منه مانع شرعي؛ كنذر المعصية. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز التقرب إلى الله بالذبح والنحر مطلقًا. ٢ - تحريم النذر بالمعصية، أو ما يستلزم المعصية. ٣ - تحريم التشبه بالكفار في أعيادهم الزمانية والمكانية وعند أوثانهم، فكيف بالقصد إلى تعظيمها؟! ٤ - أن للمعصية أثرًا في المكان، كما للطاعة. ٥ - جواز تخصيص المكان بالنذر، ما لم يترتب عليه مفسدة حاضرة أو مستقبلة، ومن غير اعتقاد خصوصية شرعية. ٦ - سدُّ ذرائع الشرك. ٧ - وجوب الاستفصال إذا قوي الاحتمال. ٨ - تحريم الوفاء بنذر المعصية. ٩ - أنه لا يجب الوفاء بالنذر فيما لا يملك. * * * * * (١٥٥٤) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ؛ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: «صَلِّ هَا هُنَا». فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «صَلِّ هَا هُنَا». فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «شَأْنَكَ إِذًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١).

стр. 1211

(١٥٥٥) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَسْجِدِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (١). (١٥٥٦) وَعَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١٥٥٧) وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: «فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً» (٣). * * * هذه الأحاديث الثلاثة أصل في فضل المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، والمسجد الأقصى. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - فضل هذه المساجد الثلاثة على سائر المساجد. ٢ - أن أفضلها المسجد الحرام. ٣ - أن النذر المخصوص بالمسجد الحرام يتعين الوفاء به فيه؛ لأنه أفضل المساجد. ٤ - أن ما زيد في هذه المساجد للتوسعة فله حكم الأصل. ٥ - جواز السفر إليها والاعتكاف فيها، أما السفر إلى المسجد الحرام فهو واجب في العمر مرة، وهو فريضة الحج، وما سوى ذلك فمستحب، ويجب بالنذر. ٦ - تحريم السفر لغير المساجد الثلاثة على وجه العبادة؛ من مسجد أو قبر.

стр. 1212

٧ - أن من نذر الصلاة أو الاعتكاف في المسجد الفاضل أجزأه فعله في المسجد الأفضل، كما في خبر الرجل الذي نذر أن يصلي في المسجد الأقصى، فأمره النبي ﷺ أن يصلي في المسجد الحرام من غير إيجابه عليه، لقوله ﷺ لما راجعه الرجل: «فَشَأْنَكَ إذًا». ٨ - أنه ليس من شرط الاعتكاف الصوم؛ لأن عمر ﵁ نذر أن يعتكف ليلة، فأمره النبي ﷺ أن يوفي بنذره، وليس الليل وقتًا للصوم. ٩ - جواز الاعتكاف في غير رمضان، لكن ليس من السنة. ١٠ - وجوب الوفاء بالنذر. ١١ - صحة النذر المعلق. ١٢ - استحباب الانتقال عن النذر المعين إلى ما هو أفضل منه. ١٣ - انعقاد النذر من الكافر. * * * * *

стр. 1213

كِتَابُ القَضَاءِ

стр. 1214

قوله: كتاب القضاء، أي: هذا كتاب ذكر الأحاديث المتعلقة بالقضاء، والقضاء في اللغة الحُكم، وفي الاصطلاح هو الفصل بين الخصمين، ومن شواهده في القرآن قوله تعالى: ﴿* وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَاب (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاط (٢٢)﴾ [ص: ٢١ - ٢٢] الآيات، وقوله سبحانه: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِين (٧٨)﴾ [الأنبياء: ٧٨] الآيات. ومن السنة ما ذكره المؤلف في هذا الباب. وإذا كان القضاء هو الفصل بين الخصمين بما يقطع النزاع ويوصل الحقوق إلى أصحابها فتولِّيه فرض كفاية، فيجب على ولي الأمر أن يَنصِب في الناس قضاة يحكمون فيهم بعلم وعدل، فلذا يشترط في القاضي أن يكون عالمًا بما توجبه الشريعة، وديِّنًا يتحرى الحق ما استطاع؛ فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وبهذا يُعلَم أن منصب القضاء منصب شريف تولاه النبي ﷺ والأنبياء قبله، قال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] إلى قوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] الآية، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلَا تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥]. * * * * *

стр. 1215

(١٥٥٨) عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ، رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الجَنَّةِ؛ وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَلَمْ يَقْضِ بِهِ وَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الحَقَّ فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ». رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١). (١٥٥٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ (٢). (١٥٦٠) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣). * * * تضمنت هذه الأحاديث الدَّلالة على خطر وِلاية القضاء، والتحذيرَ من طلب ذلك والحرصِ عليه. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - حسن تعليمه ﷺ لذكره أصناف القضاة. ٢ - وجوب القضاء بعلم وعدل. ٣ - تحريم القضاء بالجهل. ٤ - تحريم الجور في القضاء. ٥ - فضل القاضي بعدل وعلم. ٦ - ذم القضاء بالجهل أو بخلاف الحق.

стр. 1216

٧ - بناء القضاء الشرعي على العلم والأمانة. ٨ - جواز حكم القاضي بعلمه؛ لقوله: «عَرَفَ الْحَقَّ، فَقَضَى بِهِ»، وذلك فيما لا تتوجه إليه التهمة فيه. ٩ - أن القضاة باعتبار ذلك ثلاثة، كما في الحديث. ١٠ - أن شرًّا من القاضيين اللذين في النار من يقضي بجهل وجور. ١١ - أن تولي القضاء تعرُّضٌ للهلكة؛ لقوله في الحديث: «ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ»، قيل في معنى «ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» أن القضاء هلاك معنويٌّ، فهو من قبيل التشبيه، أي: إنه ذبحٌ معنويٌّ، لقوله: «بِغَيْرِ سِكِّينٍ». وقيل: معناه: أنه كمن ذُبح بالخنق، فهي ذِبحة أشد من الذبحة بالسكين، ففيه التحذير البالغ من تولي القضاء، وهذا الذم والوعيد يفسره قوله: «القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ»، فيكون المراد بهذا الحديث: من قضى بجهل أو جور. والله أعلم. ١٢ - ذمُّ الحرص على الإمارة إلا لسبب شرعي. ١٣ - أنَّ عاقبة الحرص على الإمارة ندامة يوم القيامة. ١٤ - فيه شاهد لقوله ﷺ لعبد الرحمن بن سمرة: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» (١). ١٥ - تحريم طلب ولاية الإمارة والقضاء إلا لسبب شرعي ومصلحة عامة. ١٦ - أن الإمارة حلوة في أولها عند توليها لما يطلب من منافعها، مُرَّةٌ في آخرها عند فراقها بعزل أو موت، أو غير ذلك، ولعل هذا معنى قوله ﷺ في الحديث: «فَنِعْمَ المُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الفَاطِمَةُ»، فيكون هذا إخبارًا عن حال الناس فيها. * * * * *

стр. 1217

(١٥٦١) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵁؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ. وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٥٦٢) وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١٥٦٣) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَسَوْفَ تَدْرِي كَيْفَ تَقْضِي». قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا بَعْدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَوَّاهُ ابْنُ المدِينِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). (١٥٦٤) وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ الحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٤). * * * تضمَّنت هذه الأحاديث ما يجب على القاضي مراعاته في الحكم فعلًا وتركًا، وهو ثلاثة أشياء: ١ - أن يجتهد في معرفة ما يقتضيه الشرع في القضية المعينة، ويجتهد في معرفة صورة الواقع، ويجتهد في تطبيق الحكم الشرعي على القضية المعينة. ٢ - ألا يحكم وهو مشوش الذهن بما يشغله عن تدبر القضية وفهمها فهمًا مطابقًا للواقع، وتطبيقِ حكم الشرع عليها؛ من غضب، أو شدة جوع، أو برد، أو حرٍّ، أو نحو ذلك. ٣ - ألا يعجل في الحكم قبل معرفة الأطراف وسماع ما عند كل واحد.

стр. 1218

وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - فضل الاجتهاد في معرفة الحكم، وما يوصل إليه، والاجتهاد بذل الجهد بحسب الإمكان. ٢ - فيه شاهد لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ٣ - أن من اجتهد في الحكم فأصاب في الحكم، فله أجران؛ أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة. والأول وسيلة إلى الثاني، وهو بتوفيق الله. ٤ - أن من اجتهد وأخطأ فلا إثم عليه ولا لوم، بل هو مأجور على اجتهاده. ٥ - أن القاضي قد يصيب حكم الله في نفس الأمر، وقد يخطئه. ٦ - الرد على من يقول من أهل الأصول: إن كل مجتهد مصيب. ٧ - أن لله في كل قضية حكما، عَلِمه من عَلِمه، وجَهِله من جَهِله. ٨ - تحريم القضاء مع وجود ما يمنع من الاجتهاد من الشواغل النفسية والبدنية. ٩ - أن الغضب الشديد من موانع الاجتهاد. ١٠ - أنه يلحق بالغضب كل ما في معناه. ١١ - أن الغضب اليسير لا يمنع من الحكم؛ لعدم علة التحريم فيه. ١٢ - أن من الاجتهاد في الحكم معرفة ما عند المدَّعي والمدَّعى عليه من البينات. ١٣ - في حديث أبي بكرة شاهد لقاعدة سد الذرائع وحكمة الشريعة. ١٤ - عناية الشريعة بحفظ حقوق العباد في الدماء والأموال والأعراض. ١٥ - أنه لا يجوز القضاء على الغائب. ١٦ - أنه لا يجوز الحكم إلا بعد سماع كلام الخصمين. * * * * *

стр. 1219

(١٥٦٥) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصل عظيم في باب القضاء، تضمن أن الحكم بين الخصوم يكون بحسب ما يدلي به كل واحد من حجة، وأن أثر حكم الحاكم بحسب الظاهر دون الباطن. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب. ٢ - أن حكمه ﷺ بين المتخاصِمَين بحسبما تقتضيه شريعته التي بيَّنها بمثل قوله: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٢)، لا بوحي ينزل يعيِّن المحق من المبطل، إلا أن يكون خطأٌ باجتهاد من النبي ﷺ ، فقد ينزل في ذلك وحيٌ، كما جاء في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلَا تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥] الآيات. ٣ - أن أثر حكم الحاكم بين الخصوم باعتبار الظاهر دون الباطن. ٤ - أن حكم الحاكم للخصم بما ليس له لا يحله له؛ لقوله: «فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ». ٥ - تحريم التوصل إلى أخذ الحقوق ظلمًا بالمخاصمات.

стр. 1220

٦ - فيه دليل لما يذكره أهل الأصول من أن أحكام النبي ﷺ ترجع إلى اعتبارات؛ فإما باعتباره نبيًّا، أوباعتباره قاضيًا، أو قائدًا. وما في هذا الحديث راجع إلى أنه قاض؛ لقوله: «فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ»، وهذه وظيفة القاضي. ٧ - ذمُّ البيان الذي يتوصل به إلى أكل ما لا يحل، ففيه شاهد لقوله ﷺ : «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» (١). ٨ - أن القاضي لا يحكم بعلمه؛ لقوله: «فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ»، ويستثنى من ذلك ما لا تتوجه إليه فيه التهمة (٢). ٩ - وعيد من أخذ مالًا بغير حق. ١٠ - رعاية الشريعة للحقوق التي بين العباد. * * * * * (١٥٦٦) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْ شَدِيدِهِمْ لِضَعِيفِهِمْ؟». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). (١٥٦٧) وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ البَزَّارِ (٤). (١٥٦٨) وَآخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَه (٥). (١٥٦٩) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُدْعَى بِالقَاضِي العَادِلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي عُمْرِهِ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ، وَلَفْظُهُ: «فِي تَمْرَةٍ» (٦).

стр. 1221

(١٥٧٠) وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (١٥٧١) وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ الأَزْدِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَلَّاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ المُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ عَنْ حَاجَتِهِمْ وَفَقِيرِهِم، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ (٢). (١٥٧٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٣). (١٥٧٣) وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو عِنْدَ الْأَرْبَعَةِ إِلَّا النَّسَائِيَّ (٤). (١٥٧٤) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْحَاكِمِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٥). * * * هذه الأحاديث تضمنت جملة من المعاني والأحكام المتعلقة بالقضاء، من واجبات وشروط وآداب وحِكَم. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن من حِكَم الولاية ومقاصدها أخذ حق الضعيف من القوي. ٢ - وعيد الأمة التي لا يتحقق فيها ذلك؛ لقوله في الحديث: «كَيْفَ تُقَدَّسُ أُمَّةٌ»، وهذا استفهام استبعاد. ومعنى «تُقَدَّسُ»: تصان وتكرم، أي: إنها لا تستحق ذلك. ٣ - إثبات الحساب يوم القيامة.

стр. 1222

٤ - أن القاضي -وإن كان عادلًا- مُعرَّضٌ للحساب، ولكنه لا يُناقَش ولا يُعذَّب؛ فإنه من نوقش الحساب عُذِّب؛ كما جاء في الحديث الصحيح (١). ولعل تمنيه أنه لم يقض في تمرة لهيبة الحساب. ٥ - تحريم تولية المرأة ولاية عامة على الرجال. ٦ - أن من شروط الإمامة والقضاء الذكورية. ٧ - وعيد من خالف ذلك بعدم الفلاح، وهو الفوز والظفر بالبقاء. ٨ - قصور المرأة في عقلها وتدبيرها. ٩ - تحريم احتجاب الوالي من إمام أو أمير أو وزير أو قاض عن ذوي الحاجات المتعلقة بولايته، بمنعهم من الدخول عليه، أو غيبته عن مكان مقابلتهم. ومعنى «احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِهِ» -والله أعلم- أنه لا يجيب دعاءه، ولا يقضي حاجته، كما في الحديث في دعوة المظلوم: «لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (٢). ١٠ - أن من أعظم مقاصد الولاية قضاء حاجات ذوي الحاجات، وإيصال الحقوق لأصحابها. ١١ - أن الجزاء من جنس العمل. ١٢ - تحريم الرشوة، وأنها من كبائر الذنوب، وهي ما يعطاه القاضي ليجور في حكمه، أو الوالي ليمنع حقًّا عن مستحقه، أو ليعطي من أمر ولايته ما لا يُستحق من مال أو ولاية، وهي من جهة اللغة مأخوذة من الرِّشا -أي: الحبل- الذي يدلى به الدلو لاستقاء الماء، سميت الرشوة بذلك لأنها يتوصل بها الراشي إلى مطلوبه.

стр. 1223

١٣ - أن الرشوة من كبائر الذنوب، وهي من أكل المال بالباطل، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُون (١٨٨)﴾ [البقرة: ١٨٨]. ١٤ - أن من العدل في القضاء إجلاس الخصمين بين يدي القاضي دون تمييز لأحدهما عن الآخر في مجلس أو لفظ أو لحظ. * * * * *

стр. 1224

بَابُ الشَّهَادَاتِ قوله: «بَابُ الشَّهَادَاتِ»، أي: هذا باب ذكر ما ورد في السنة مما يتعلق بأحكام الشهود والشهادات. والشهادات: جمع شهادة، يقال: شهد بكذا، أي: أخبر به، فشهد مضمن معنى أخبر، ولهذا عدِّي بالباء. وأصل الشهادة: الإخبار عمَّا يعلمه الشاهد بحسِّه أو بعقله وفطرته، أو بما بلغه من خبر صادق، وهي أنواع باعتبار الشاهد، والمشهود به، والمشهود عليه، والشاهد إما صادق وإما كاذب، والمشهود به إما حق لله، أو حق للعبد، وحق العبد إما عام وإما خاص، والمشهود عليه إما الإنسان نفسه أو غيره، وكذا المشهود له، إما الإنسان نفسه أو غيره، فإن كانت الشهادة من الإنسان على الإنسان نفسه فهي إقرار، وإن كانت الشهادة لنفسه على الغير فهي دعوى، وإن كانت على الغير للغير فهي شهادة. فإن كان المشهود به حقًا عامًا لله فإن كان خبرًا عن الغير فهو رواية، وإن كان خبرًا عمَّا دل عليه الشرع من حكم فهو فتوى، فإن كان مع إلزام فهو حكم. وكذلك تتنوع الشهادة من جهة ما يعتبر فيها من العدد، شاهد واحد، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة. وكان من المناسب ذكر هذا الباب بعد باب الدعاوى والبينات؛ لأن الشهادة من جملة البينات. * * * * *

стр. 1225

(١٥٧٥) عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١٥٧٦) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ خَيْرَكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذان الحديثان أصل في حكم من يَشهد قبل أن يُستشهد، ولكنْ بين الحديثين في ذلك تعارض في الظاهر؛ فإن في الحديث الأول مدح الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها، وفي الثاني ذمٌّ لمن يَشهد ولم يُستشهد، وجُمِع بين الحديثين بحمل الأول على من يأتي بالشهادة لمن يحتاجها ولم يكن يعلم بها، وبحمل الحديث الثاني على من يبادر بالشهادة لهوى في نفع المشهود له، أو الإضرار بالمشهود عليه، وصاحبُ الحق يعلم بما عند الشاهد، لكن لم يحتج إليه، ولم يطلبه. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - فضل من يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها إذا توقف عليها وصول الحق لمستحقه، ومنع الظلم. ٢ - فضل التعاون على البر والتقوى. ٣ - تفاضل الشهداء، فبعضهم أفضل من بعض. ٤ - أن خير الشهداء من يشهد قبل أن يُستشهد. ٥ - ذمُّ من يَشهد قبل أن يُستشهد بنية فاسدة، وإن كان محقًّا في شهادته.

стр. 1226

٦ - التحذير من شهادة الزور، وهو معنى «يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ»، أي: لم يتحملوا الشهادة. ٧ - أنَّ أفضل قرون الأمة القرون الثلاثة، وأن أفضلها قرن الصحابة، ثم قرن التابعين، ثم تابعي التابعين. ٨ - تغير أحوال الناس في دينهم وأمانتهم. ٩ - أن الفساد يكون إما بترك واجب كترك الوفاء بالنذر، أو فعل محرم كالتسرع في الشهادة. ١٠ - ذمُّ السِّمَن. قال العلماء: المراد السِّمَن الذي سببه الترف، والإفراط في الملذات، وعدم الهموم بسبب الغفلة عن الأخطار العاجلة والآجلة. ١١ - أن الإخبار بوقوع الشيء في الأمة لا يدل على جوازه؛ بل الغالب أنه يراد به الذم والتحذير، وشواهد هذا كثيرة؛ كقوله ﷺ : «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (١). ١٢ - في الحديثين علم من أعلام النبوة؛ وذلك أنه وقع الأمر كما أخبر النبي ﷺ ؛ فإن أعظم ما وقع من التغير في القرن الرابع وما بعده. * * * * * (١٥٧٧) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ (٢). (١٥٧٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (٣).

стр. 1227

تضمَّن الحديثان ذكر أنواع من الشهداء ممن لا تقبل شهادتهم، وهم: الأول: الخائن والخائنة، والمراد من يخون الأمانة، والثاني: ذو الغمر -أي: ذو العداوة والشحناء- على أخيه، والثالث: القانع لأهل البيت، وهو الأجير والمنتفع من أهل البيت بالصدقة ونحوها. والرابع: البدوي -وهو الذي يسكن البادية- على صاحب القرية، وهو الحضري. فالخائن مردود الشهادة مطلقًا، وذو الغِمر مردودة شهادته على خصمه، والقانع مردودة شهادته لأهل البيت، والبدويُّ مردودة شهادته على الحضريِّ. ومرد عدم قبول شهادة هؤلاء تطرُّقُ التهمة إليهم فيما شهدوا فيه؛ لفساد دينٍ كالخائن، أو عداوةٍ كذي الغِمر والبدوي، أو منفعة وهو القانع. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - اشتراط العدالة في الشاهد. ٢ - ألا تتطرق إليه التهمة فيما شهد فيه؛ لسبب من الأسباب، وإن كان عدلًا، والمراد بها التهمة القوية. ٣ - أن الخيانة مانع من قبول الشهادة. ٤ - التحذير من الخيانة. ٥ - أن العداوة والبغضاء لا تبطل الأخوة الإيمانية. ٦ - أن المتهم في شهادته لا تقبل شهادته، سواء أكان بدويًا أم حضريًا، وأما قوله: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ» فإنه ليس على إطلاقه، بل خرج مخرج الغالب. * * * * *

стр. 1228

(١٥٧٩) وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁؛ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). * * * هذا أثر عظيم من كلام الخليفة الراشد المحدَّث عمر بن الخطاب ﵁، يتضمن أصلًا من أصول الشريعة، وهو إجراء أمور الناس على الظاهر، وتفويض سرائرهم إلى الله، ويدل لهذا الأصل نصوص من الكتاب والسنة، كقوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (٢)، وقوله ﷺ للذي قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، ظنًا منه أنه قالها تعوُذًا: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» (٣)، وقال ﷺ : «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ» (٤)، وعلى هذا جرت أحكام الشريعة وسيرة النبي ﷺ وأصحابه في المنافقين، من عصمة دمائهم وأموالهم ومناكحتهم وموارثتهم. وأما قوله: «كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ » فذلك في بعض الأحوال، وفي حق بعض الأشخاص، ويدل لذلك قوله ﵁: «إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ» والغالب أخذهم بالظاهر، فالحكم فيهم بما تقتضيه أصول الشرع ونصوص الوحي، ومناسبة هذا الأثر لباب الشهادات أن الحكم على الشهود من حيث العدالة يكون بما ظهر من حالهم.

стр. 1229

وفي هذا الأثر فوائد؛ منها: ١ - تقرير الأصل الذي دلت عليه الشريعة من أخذ الناس بظواهرهم. ٢ - ثبوت علم الله بما في القلوب، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥١]. ٣ - أن الله قد يخبر النبي ﷺ عن بعض المنافقين، كما قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤]. ٤ - إعلان الخليفة الراشد ﵁ المنهج الذي يسير عليه في معاملة الرعية. ٥ - تحقيق العدل في الرعية بمراعاة الوالي لهذا الأصل في معاملة الرعية. ٦ - التحذير من المجاهرة بالمخالفات الشرعية. ٧ - أن عدالة الشهود بحسب ما ظهر منهم؛ فمن ظهر منه الخير فهو عدل، ومن ظهر منه الشر فليس بعدل، ومن لم يظهر منه هذا ولا هذا فيطلب من يزكيه. * * * * * (١٥٨٠) وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ (١). * * * هذا الحديث أصل في تحريم شهادة الزور، وبذا تظهر مناسبة الحديث للباب، ولفظه كما في الصحيح: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» -ثَلَاثًا- قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ». وقول الزور كل قول

стр. 1230

باطل وكذب ظاهر، ونظير هذا الحديث في اقتران قول الزور بالشرك قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور (٣٠)﴾ [الحج: ٣٠]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الشرك أكبر الكبائر مطلقًا، ويشهد له قوله ﷺ لما قال له ابن مسعود: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» (١). وفي الحديث تفسير الشرك. ٢ - أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، وقد قرن بالشرك، كما قرن الإحسان إلى الوالدين بالتوحيد. ٣ - أن من أكبر الكبائر شهادة الزور، وهي تتفاوت بحسب ما يترتب عليها من المفاسد في حقوق الله وحقوق عباده، وأصل الزور الميل، وسميت شهادة الزور بذلك لأنها ميل بالكلام عن وجهه وصوابه. ٤ - أن الذنوب منها كبائر وصغائر. ٥ - أن الكبائر تتفاوت، فبعضها أكبر من بعض. ٦ - التغليظ في الإنكار بالقول والفعل، وذلك بتكرير الكلام وتغيير الجِلْسة. * * * * * (١٥٨١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: «تَرَى الشَّمْسَ» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ (٢). * * *
следующие страницы →