← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

٦ - التحذير من شهادة الزور، وهو معنى «يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ»، أي: لم يتحملوا الشهادة. ٧ - أنَّ أفضل قرون الأمة القرون الثلاثة، وأن أفضلها قرن الصحابة، ثم قرن التابعين، ثم تابعي التابعين. ٨ - تغير أحوال الناس في دينهم وأمانتهم. ٩ - أن الفساد يكون إما بترك واجب كترك الوفاء بالنذر، أو فعل محرم كالتسرع في الشهادة. ١٠ - ذمُّ السِّمَن. قال العلماء: المراد السِّمَن الذي سببه الترف، والإفراط في الملذات، وعدم الهموم بسبب الغفلة عن الأخطار العاجلة والآجلة. ١١ - أن الإخبار بوقوع الشيء في الأمة لا يدل على جوازه؛ بل الغالب أنه يراد به الذم والتحذير، وشواهد هذا كثيرة؛ كقوله ﷺ : «لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (١). ١٢ - في الحديثين علم من أعلام النبوة؛ وذلك أنه وقع الأمر كما أخبر النبي ﷺ ؛ فإن أعظم ما وقع من التغير في القرن الرابع وما بعده. * * * * * (١٥٧٧) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ (٢). (١٥٧٨) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ (٣).

стр. 1227

تضمَّن الحديثان ذكر أنواع من الشهداء ممن لا تقبل شهادتهم، وهم: الأول: الخائن والخائنة، والمراد من يخون الأمانة، والثاني: ذو الغمر -أي: ذو العداوة والشحناء- على أخيه، والثالث: القانع لأهل البيت، وهو الأجير والمنتفع من أهل البيت بالصدقة ونحوها. والرابع: البدوي -وهو الذي يسكن البادية- على صاحب القرية، وهو الحضري. فالخائن مردود الشهادة مطلقًا، وذو الغِمر مردودة شهادته على خصمه، والقانع مردودة شهادته لأهل البيت، والبدويُّ مردودة شهادته على الحضريِّ. ومرد عدم قبول شهادة هؤلاء تطرُّقُ التهمة إليهم فيما شهدوا فيه؛ لفساد دينٍ كالخائن، أو عداوةٍ كذي الغِمر والبدوي، أو منفعة وهو القانع. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - اشتراط العدالة في الشاهد. ٢ - ألا تتطرق إليه التهمة فيما شهد فيه؛ لسبب من الأسباب، وإن كان عدلًا، والمراد بها التهمة القوية. ٣ - أن الخيانة مانع من قبول الشهادة. ٤ - التحذير من الخيانة. ٥ - أن العداوة والبغضاء لا تبطل الأخوة الإيمانية. ٦ - أن المتهم في شهادته لا تقبل شهادته، سواء أكان بدويًا أم حضريًا، وأما قوله: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ» فإنه ليس على إطلاقه، بل خرج مخرج الغالب. * * * * *

стр. 1228

(١٥٧٩) وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁؛ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الْآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١). * * * هذا أثر عظيم من كلام الخليفة الراشد المحدَّث عمر بن الخطاب ﵁، يتضمن أصلًا من أصول الشريعة، وهو إجراء أمور الناس على الظاهر، وتفويض سرائرهم إلى الله، ويدل لهذا الأصل نصوص من الكتاب والسنة، كقوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (٢)، وقوله ﷺ للذي قتل الكافر بعد أن قال لا إله إلا الله، ظنًا منه أنه قالها تعوُذًا: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» (٣)، وقال ﷺ : «إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ» (٤)، وعلى هذا جرت أحكام الشريعة وسيرة النبي ﷺ وأصحابه في المنافقين، من عصمة دمائهم وأموالهم ومناكحتهم وموارثتهم. وأما قوله: «كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ » فذلك في بعض الأحوال، وفي حق بعض الأشخاص، ويدل لذلك قوله ﵁: «إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ» والغالب أخذهم بالظاهر، فالحكم فيهم بما تقتضيه أصول الشرع ونصوص الوحي، ومناسبة هذا الأثر لباب الشهادات أن الحكم على الشهود من حيث العدالة يكون بما ظهر من حالهم.

стр. 1229

وفي هذا الأثر فوائد؛ منها: ١ - تقرير الأصل الذي دلت عليه الشريعة من أخذ الناس بظواهرهم. ٢ - ثبوت علم الله بما في القلوب، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥١]. ٣ - أن الله قد يخبر النبي ﷺ عن بعض المنافقين، كما قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٤]. ٤ - إعلان الخليفة الراشد ﵁ المنهج الذي يسير عليه في معاملة الرعية. ٥ - تحقيق العدل في الرعية بمراعاة الوالي لهذا الأصل في معاملة الرعية. ٦ - التحذير من المجاهرة بالمخالفات الشرعية. ٧ - أن عدالة الشهود بحسب ما ظهر منهم؛ فمن ظهر منه الخير فهو عدل، ومن ظهر منه الشر فليس بعدل، ومن لم يظهر منه هذا ولا هذا فيطلب من يزكيه. * * * * * (١٥٨٠) وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهُ عَدَّ شَهَادَةَ الزُّورِ فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ (١). * * * هذا الحديث أصل في تحريم شهادة الزور، وبذا تظهر مناسبة الحديث للباب، ولفظه كما في الصحيح: عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» -ثَلَاثًا- قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ». وقول الزور كل قول

стр. 1230

باطل وكذب ظاهر، ونظير هذا الحديث في اقتران قول الزور بالشرك قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور (٣٠)﴾ [الحج: ٣٠]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن الشرك أكبر الكبائر مطلقًا، ويشهد له قوله ﷺ لما قال له ابن مسعود: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» (١). وفي الحديث تفسير الشرك. ٢ - أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، وقد قرن بالشرك، كما قرن الإحسان إلى الوالدين بالتوحيد. ٣ - أن من أكبر الكبائر شهادة الزور، وهي تتفاوت بحسب ما يترتب عليها من المفاسد في حقوق الله وحقوق عباده، وأصل الزور الميل، وسميت شهادة الزور بذلك لأنها ميل بالكلام عن وجهه وصوابه. ٤ - أن الذنوب منها كبائر وصغائر. ٥ - أن الكبائر تتفاوت، فبعضها أكبر من بعض. ٦ - التغليظ في الإنكار بالقول والفعل، وذلك بتكرير الكلام وتغيير الجِلْسة. * * * * * (١٥٨١) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: «تَرَى الشَّمْسَ» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ، أَوْ دَعْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ (٢). * * *

стр. 1231

هذا الحديث وإن كان ضعيفًا فمعناه صحيح؛ وهو أن شرط الشهادة العلم، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُون (٨٦)﴾ [الزخرف: ٨٦]؛ فلا بد أن يكون الشاهد عالمًا بما شهد به؛ إما بمشاهدة، أو بما هو بمنزلة المشاهدة؛ كالاستفاضة، والتواتر، ولا يجوز أن تبنى الشهادة في حقوق العباد على ما يكون في النفس من غلبة الظن. * * * * * (١٥٨٢) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ: إِسْنَادٌ جَيِّدٌ (١). (١٥٨٣) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مِثْلَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). * * * هذان الحديثان هما الأصل في القضاء بالشاهد واليمين، ومعناهما أنه يُقضى للمدعي على خصمه إذا جاء بشاهد، وحلف على ما ادَّعى به، فالحديثان مخصصان لقوله ﷺ : «وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، وقوله: «وَلَكِنِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (٣)؛ فإن محل ذلك إذا لم يأت المدعي ببينة أصلًا؛ فإنها لا تُردُّ عليه اليمين، أما إذا جاء بشاهد فإنها تردُّ عليه اليمين؛ لتَقوِّي جانبه بالشاهد، فإذا حلف قُضي له.

стр. 1232

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنه لا يقضى للمدَّعي بشاهد واحد، ولا تُردُّ عليه اليمين، إذا نكَل المدَّعَى عليه. ٢ - أن شهادة الواحد إذا اعتضدت بيمين المدَّعي عُمل بها، وحكم بها، وصارت مع اليمين بينة يقضى له بها. * * * * *

стр. 1233

بَابُ الدَّعاوَى وَالبَيِّنَاتِ (١٥٨٤) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ، وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٥٨٥) وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (٢). * * * هذا الحديث أصل من أصول القضاء، وقد تضمن أنه لا تقبل دعوى إلا ببينة، وإذا لم تكن فعلى المدعَّى عليه اليمين. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - غلبة الظلم والكذب على الناس. ٢ - أن دم المعصوم وماله لا يحل شيء منهما إلا ببينة، فالأصل براءة ذمته. ٣ - عظم شأن المال؛ لأنه قُرن بالدم. وشواهد هذا كثيرة، كقوله ﷺ : «إن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» (٣). ٤ - ثبوت الدعوى بكل بينة، وتختلف باختلاف الدعاوى. ٥ - أن الدعوى لا تقبل إلا ببينة.

стр. 1234

٦ - أن البينة عامة في كل ما يُبين الحق من شهود وقرائن. ٧ - أنه لا فرق في ذلك بين الرجل العدل وغيره. ٨ - براءة المدَّعى عليه بيمينه إذا لم تكن للمدعي بينة. ٩ - أن المدعي إذا لم تكن له بينة لا يحلف، بل يحلف المدعى عليه. ١٠ - أن الدعوى تكون في الدماء والأموال وغيرهما من الحقوق، وذكرهما خرج مخرج الغالب. ١١ - أن القاضي لا يحكم بعلمه، ويستثنى من ذلك ما لا تتوجه إليه فيه التهمة (١). ١٢ - صيانة الشريعة للحقوق من ظلم الظالمين. ١٣ - سد ذرائع الفساد. * * * * * (١٥٨٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). * * * موضوع هذا الحديث صورتان: الأولى: أن يدعي اثنان عينًا لا فضل لأحدهما على الآخر في دعواه من بينة أو يد، فلا تُستحق العين إلا باليمين، فاليمين متوجهة إليهما، فإذا أراد كل منهما يحلف أقرع بينهما؛ فمن خرجت له القرعة منهما حلف واستحق العين دون صاحبه، وقد ورد معنى هذه الصورة في رواية عند الإمام أحمد، على ما ذكره الحافظ في «الفتح» (٣).

стр. 1235

الصورة الثانية: أن يُدعى على جماعة بحق، من عين أو دين، ولا بينة للمدعي، ثم ينكرون، فتعرض عليهم اليمين فيبادرون إلى ذلك، فيقرع بينهم أيهم يبدأ. والله أعلم. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - قيام أحكام الشريعة على العدل. ٢ - العدل بين الخصوم. ٣ - تخصيص حديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (١) بهذا الحديث باعتبار الصورة الأولى. ٤ - أن القرعة من الأدلة الشرعية، وأنه يميز بها المستحق أو الأحق بالشيء، وقد جاءت في الكتاب والسنة. ٥ - أن المدَّعى عليه قد يكون أكثر من واحد، فتتوجه إليهم اليمين مع الإنكار. ٦ - أن اليمين لا يعتد بها إلا بعد عرض القاضي لها على الخصم. * * * * * (١٥٨٧) وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْحَارِثِيِّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). (١٥٨٨) وَعَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ؛ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * *

стр. 1236

هذان الحديثان أصل في تحريم اليمين الفاجرة، وهي اليمين الغموس التي يقتطع بها الرجل حق أخيه ظلمًا. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن اليمين الفاجرة من كبائر الذنوب. ٢ - أن اليمين يحكم بها لمن توجهت له، كالمنكر للدعوى إذا حلف، والمدعي إذا أتى بشاهد وحلف، فإن صدق لم يضره الحلف، وإن كذب باء بإثمه، ولم يحل له ما اقتطع بيمينه من حق أخيه. ٣ - شدة وعيد من ظلم وفجر في يمينه، وهذا الوعيد من شبهات المعتزلة والخوارج في تخليد صاحب الكبيرة من الموحدين، وأهل السنة يقيدون نصوص الوعيد في أهل الكبائر بأدلة خروج الموحدين من النار. ٤ - أن هذا لا يختلف باختلاف مقدار المدَّعى به المأخوذ بغير حق. ٥ - حرمة مال المسلم. ٦ - إثبات لقاء العباد لربهم. ٧ - إثبات التحريم الجزائي، وهو حرمان دخول الجنة. ٨ - إثبات صفة الغضب لله. ٩ - إثبات الجنة والنار. * * * * * (١٥٨٩) وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁؛ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبيِّ ﷺ فِي دَابَّةٍ، لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَقَضَى بِهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ: إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ (١). * * *

стр. 1237

هذا الحديث أصل في حكم الدَّعْويَيْن إذا تعارضتا، ولا بينة لواحد منهما، ولا مرجح لأحدهما على الآخر؛ ولا يحلَّف واحد منهما، ومحل ذلك إذا لم تكن العين بيد واحد منهما، فإن المدَّعى به يكون بينهما، وإذا صح هذا الحديث -وقد جوَّد إسناده النسائي، وأقره المؤلف- فلا يُصار إلى خلافه، أما إذا كانت العين في يد واحد منهما فإنه يحلف ويستحقها، كما يدل له حديث جابر الآتي في اللَّذَيْن اختصما في ناقة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من العدل التسويةَ بين المتماثلين. ٢ - حكمة الشريعة، وأنها جارية على وفق العقل والفطرة. ٣ - اعتبار البينة في الدعاوى، وأنه لا تثبت دعوى إلا بها. * * * * * (١٥٩٠) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي هَذَا بِيَمِينٍ آثِمَةٍ؛ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). (١٥٩١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ، يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَهُ بِاللهِ: لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا، وَفَى، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا، لَمْ يَفِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * *

стр. 1238

هذان الحديثان شاهدان لحديثي أبي أمامة الحارثي والأشعث بن قيس المتقدمين في تغليظ إثم ووعيد من حلف بالله كاذبًا، والتقييد بالمنبر في حديث جابر للدلالة على فضله وحرمته، لذلك غلظ الوعيد على من حلف بالله كاذبًا، وهو على منبر رسول الله ﷺ . وأما تخصيص الحلف كذبًا بالبيع بعد العصر فللدلالة على أن اليمين في هذه الحال أشد تحريمًا ووعيدًا، وأما التقييد بكون ذلك بعد العصر، والمراد صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى، فلأن الإقدام على اليمين الكاذبة بعد هذه الصلاة دليل على تمكن الفجور في هذا الحالف؛ إذ لم تنهه هذه الصلاة عن الفحشاء والمنكر، وقوله ﷺ : «ثَلَاثَةٌ» أي: ثلاثة أصناف، لا أعيان. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - غلظ تحريم اليمين الكاذبة. ٢ - أن اليمين الكاذبة بعضها أغلظ من بعض، والتغليظ يكون بالزمان والمكان وبالصيغة. ٣ - فضل منبر الرسول ﷺ . ٤ - أن الله يتكلم ويكلم من شاء، وينظر إلى من يشاء، ويعرض عمن شاء؛ فلا يكلمه ولا ينظر إليه. ٥ - وجوب بذل فضل الماء. ٦ - إثم منع فضل الماء عن ابن السبيل. ٧ - شدة تحريم منع فضل الماء. ٨ - أنه من الكبائر. ٩ - أن من كان على ماء فهو أحق به. ١٠ - شدة تحريم الحلف كذبًا في البيع بعد العصر.

стр. 1239

١١ - أنه من الكبائر. ١٢ - تحريم مبايعة الإمام من أجل الدنيا التي تحت يده، فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يفِ. ١٣ - أن ذلك من الكبائر. ١٤ - وجوب الوفاء ببيعة الإمام، ووجوب طاعته ما لم يأمر بمعصية، وهذه حقيقة الوفاء. ١٥ - أن التشابه في عظم الجريمة يقتضي الاشتراك في العقوبة. * * * * * (١٥٩٢) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي نَاقَةٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نُتِجَتْ عِنْدِي، وَأَقَامَا بَيِّنَةً، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمَنْ هِيَ فِي يَدِهِ (١). (١٥٩٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ. رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِي إِسْنَادِهِمَا ضَعْفٌ (٢). * * * هذان الحديثان تقدم الكلام عن معناهما عند حديث ابن عباس؛ أن النبي ﷺ قضى باليمين والشاهد في باب الشهادات، وعند حديث أبي موسى أن رجلين اختصما في دابة في هذا الباب (٣). وتقدمت الإشارة هناك إلى حديث جابر هذا. أما حديث ابن عمر فهو شاهد لحديث ابن عباس أن النبي ﷺ قضى باليمين والشاهد، وهذه اليمين هي التي ترد على المدعي طالب الحق؛ لقوة جانبه بالشاهد الذي معه. * * * * *

стр. 1240

(١٥٩٤) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: «أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ؟ نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَقَالَ: هَذِهِ أَقْدَامٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصل في الحكم بالقيافة، وهي مأخوذة من القَفْو، وهي اتِّباع الأثر، والفعل قفا يقفو، وقاف يقُوف، ويقال لمن يعرف الأثر: قائف، ويجمع على قافة، والقيافة أمر فطري في بعض القبائل، وفي بعض الأشخاص، وهي ضرب من الفراسة الطبيعية، ومن قبائل العرب المعروفة بهذا العلم بنو مُدلج وبنو أسد، والعرب تعترف لهم بذلك، وليس ذلك خاصًا بهم على الصحيح، كما قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٢). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - حُبُّ النبي ﷺ لزيد وابنه أسامة، وكلاهما حِبُّ رسول الله ﷺ . ٢ - سرور النبي ﷺ بما يبطل الطعن في نسب أسامة من أبيه، ومعنى: «تَبْرُقُ أَسَارِيرُ» أي: يظهر على وجهه السرور، الأسارير هي الخطوط التي في جبهة الإنسان، واحدها سَرَرٌ وسِرٌّ، وجمعها أسرار، وأسارير جمع الجمع. ٣ - أن النبي ﷺ بشر يتأثر بأسباب السرور والحزن. ٤ - السرور بما به صيانة العرض. ٥ - أن من علم القيافة معرفة الشبه الخفي بين أعضاء الناس. ٦ - أن اختلاف الشبه بين الرجل وابنه لا يوجب الطعن في نسبه. ٧ - اعتبار قول القائف. ٨ - أن مُجزِّزًا المدلجي كان معروفًا بالقِيافة، وكذا قبيلته، كما تقدم. * * * * *

стр. 1241

كِتَابُ العِتْقِ

стр. 1242

قوله: «كِتَابُ العِتْقِ» أي: هذا كتاب يذكر فيه ما جاء في السنة في شأن العتق، والعتق اسم مصدر بمعنى الإعتاق، وهو تحرير المملوك وتخليصه من رق العبودية، كما قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وهو -أيضًا-مصدر عتَق يعتِق-من باب ضرب يضرب- أي: صار حرًّا. والعتق: من أنواع القربات التي يحبها الله، وشرعه سبحانه بسبب وبغير سبب، فهو بين واجب ومستحب، والعتق حكم من أحكام الرقيق، وهو المملوك من بني آدم، والرجل يقال له: عبد، والأنثى: أمة، والأصل في الإنسان الحرية، والرق طارئ، وليس له في الشرع إلا سبب واحد، وهو الكفر؛ لأن الله أباح للمسلمين إذا جاهدوا الكفار وغلبوهم واستولوا على نسائهم وأولادهم فإنهم يكونون سبيًا، فيصيرون ملكًا للمجاهدين، كما تكون أموال الكفار ملكًا لهم، وهي الغنيمة، فالرق حكم شرعي من أحكام الجهاد، والرقيق يوجد ويكثر بقيام الجهاد في سبيل الله لكثرة الفتوح، كما حصل في صدر هذه الأمة، نسأل الله أن يعز دينه. وينصر أولياءه. * * * * * (١٥٩٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٥٩٦) وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ؛ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: «وَأَيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ؛ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ» (٢). (١٥٩٧) وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ: «وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْتَقَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً؛ كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنَ النَّارِ» (٣). * * *

стр. 1243

هذه الأحاديث أصل في فضل العتق، سواء كان واجبًا أو تطوعًا. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن عتق الرقاب سبب للعتق من النار. ٢ - أن العتق يتجزأ بالأجزاء كالنصف والربع، وبالأعضاء كالرأس واليد، ثم يسري، كما سيأتي. ٣ - أن عتق الرجل لامرأتين يعدل عتق رجل. ٤ - أن عتق الرجل لرجل، وعتق المرأة لامرأة سببٌ للعتق من النار. ٥ - فضل الذكر على الأنثى في باب العتق، كما في الشهادة والميراث. ٦ - الرد على من يسوي بين الذكر والأنثى في كل شيء. ٧ - أن هذا الفضل -وهو العتق من النار- لا يثبت إلا للمسلم في عتق مسلم، وهذا لا يمنع من صحة إعتاق المسلم لعبده الكافر، ولا يمنع الكافر من إعتاق عبده المسلم أو الكافر، ويدل لهذا حديث حكيم بن حزام ﵁، وقد سأل النبي ﷺ عن أعماله الصالحة في الجاهلية، ومنها العتاقة، فقال له ﷺ : «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ» (١). ٨ - الترغيب في العتق. ٩ - الرد على جهال الصوفية في الاستهانة بالثواب والعقاب، فهم يعبدون الله -بزعمهم- بالحبِّ فقط، لا خوفًا ورجاءً. ١٠ - أن الجزاء من جنس العمل. * * * * *

стр. 1244

(١٥٩٨) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ»، قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَعْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * هذا الحديث أصل في تفاضل الأعمال في العبادات الظاهرة والباطنة، البدنية والمالية. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن أفضل الأعمال مطلقًا الإيمانُ بالله ورسوله؛ لأنه أصل جميع الأعمال الصالحة، وشرطُها. ٢ - أن أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله الجهادُ في سبيل الله، وهو قتال الكفار لتكون كلمة الله هي العليا. ٣ - فيه شاهد لقوله ﷺ : «وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ -أي الإسلام- الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (٢). وأما قوله ﷺ في جوابه لابن مسعود ﵁ حين سأله: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» (٣)، فلأن الصلاة أعظم شرائع الإيمان، وأما بر الوالدين فإنما قدم على الجهاد الذي هو فرض كفاية، لا الجهاد الذي هو فرض عين. ٤ - أن عتق الرقاب من القربات إلى الله. ٥ - أن أفضل ما يعتق من الرقاب أعلاها ثمنًا وأنفسها. ٦ - أن أفضل ما ينفق من المال: النفيسُ المحبوبُ، كما قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].

стр. 1245

٧ - أن من العلم النافع العلمَ بتفاضل الأعمال. ٨ - حرص الصحابة على العلم بذلك للعمل به. * * * * * (١٥٩٩) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٦٠٠) وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (٢)، وَقِيلَ: إِنَّ السِّعَايَةَ مُدْرَجَةٌ فِي الْخَبَرِ (٣). * * * هذان الحديثان هما الأصل في سِراية العتق، بمعنى أنَّ عتق بعض المملوك يؤدي إلى عتق سائره، وهذه السراية قهرية. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أن من أعتق شِركًا له في عبد وجب عليه عتق جميع العبد، وذلك بأن يعطي شركاءه قيمة حصصهم إن كان له مال يسع ذلك، فيعتق العبد. ٢ - أن مُعتِقَ الشِّركِ إذا لم يستطع شراء باقيه فإن العبد يبقى مُبعَّضًا، وهذا معنى قوله ﷺ : «وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» أي: يصير نصيب معتق الشرك حرًا، وباقيه على أصل الرق.

стр. 1246

٣ - أنه يجب على الرقيق المُبعَّض أن يسعى في تحرير باقيه بأن يكتسب بقدر ما فيه من الحرية ليؤدي لباقي الشركاء قيمة حصصهم. وهذا معنى ما جاء في الحديث «وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، وَاسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ»، وقد اختلف العلماء في ذلك للاختلاف في رفع هذه الزيادة إلى النبي ﷺ . ٤ - تشوُّف الشرع لتحرير الرقاب. وحكم الأَمَة في ذلك حكم العبد الذكَر لعدم الفارق المؤثر. ٥ - أن لتقويم السلع أصلًا. ٦ - أنه إذا وجب بيع السلعة جاز التسعير على مالكها، وهذا معنى قوله: «قُوِّمَ قِيمَةَ عَدْلٍ». * * * * * (١٦٠١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيُعْتِقَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (١٦٠٢) وَعَنْ سَمُرَةَ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ، وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ (٢). * * * هذان الحديثان أصل في عتق الرحم المحرم بمِلكه، والرَّحِم المحرَّم هو القرابة القربى؛ الوالدان وإن علوا، والأولاد وإن نزلوا، والإخوة والأخوات وأولادهم، والأعمام والعمات والأخوال والخالات دون أولادهم، وضابطه حرمة النكاح بينهما، وهو معنى قوله: «ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ».

стр. 1247

وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أن من ملَك ذا رحم محرم عتَق عليه، وهذا صريح في حديث سمرة، وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا يعتق بمجرد الملك لقوله: «إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ (١) فَيُعْتِقَهُ»، ولهذا اختلف العلماء في حكم العتق بالملك، وسبب هذا الاختلاف هو التعارضُ بين حديث أبي هريرة وحديث سمُرة، وترجيحُ الحفاظ أن حديث سمُرة من قوله. ٢ - عظم حق الوالدين. ٣ - أن من أعظم صلة الرحم وبر الوالدين عتقَ من كان في الرق منهم بشرائه وتحريره. ٤ - جواز مِلك الولد لوالده، لكن يجب عليه أن يعتقه. ٥ - أنه يمكن أن يكون الابن حرًا، والأب مملوكًا. ٦ - أن الابن لا يبلغ جزاء والده بأي نوع من الإحسان إلا أن يجده مملوكًا فيعتقه. * * * * * (١٦٠٣) وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * هذا الحديث أصل في تقييد تبرع الإنسان في مرض موته بالثلث، فهو كالوصية؛ لأنه قد تهيأ أن يكون المال للورثة.

стр. 1248

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - صحة عتق المريض المرض المخوف لمملوكه، لكن ذلك مقيد بما إذا خرج من ثلثه. ٢ - أن المريض المرض المَخُوف إذا أخرج جميع ماله بعتق أو عطية فإنه يُرد إلى الثلث. ٣ - أن المال إذا كان متماثلًا فيعيَّن المُخرَج بالقرعة. ٤ - أن المال إذا لم يكن متماثلًا فلا بد من التقويم لمعرفة الثلث. ٥ - أنه يحرم على المريض أن يتبرع بأكثر من الثلث، كالوصية. ٦ - أن القرعة طريق شرعي لتعيين المطلوب في الأشياء المتماثلة. ٧ - الإنكار الشديد على من خالف في تصرفه حكم الشرع. * * * * * (١٦٠٤) وَعَنْ سَفِينَةَ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: أُعْتِقُكَ وَأَشْتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدِمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا عِشْتَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ (١). (١٦٠٥) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثٍ (٢). (١٦٠٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ». رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (٣).

стр. 1249

(١٦٠٧) وَأَصْلُهُ فِي ««الصَّحِيحَيْنِ»» بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ (١). * * * هذه الأحاديث تضمنت جملة من أحكام العتق، فمنها: ١ - جواز العتق بشرط. ٢ - جواز اشتراط خدمة العتيق لسيده أو غيره، وهذا الاشتراط بمعنى الاستثناء. ٣ - أن الولاء لمن أعتق، والولاء علاقة شرعية بين المعتِق والعتيق تقتضي إرث المعتِق للعتيق بالتعصيب عند عدم العصبة من الأقارب، وقال بعض العلماء: إن العتيق يرث المعتِق عند عدم وارثه من القرابة. ٤ - أن الولاء صلة بين المُعتِق والعتيق تشبه صلة الوالد بالولد. ومعنى قوله: «لُحْمَةٌ» أي: كلُحمة الثوب، وهو نسيجه الظاهر المتصل بنسيجه الباطن، وهو السَّدَى. ٥ - أن الولاء لا يباع ولا يوهب، كالنسب، أي: فكما أن الأخوة والعمومة لا يصح فيهما البيع، فكذلك الولاء. وقول الحافظ: «في حديث»: يشير إلى سبب الحديث وهو قصة بريرة الشهيرة التي كاتبها أهلها، واشترتها عائشة ﵂، فاشترط أهلها أن يكون الولاء لهم، فخطب النبي ﷺ فقال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ»، وفيه: «كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (٢). * * * * *

стр. 1250

بَابُ المُدَبَّرِ وَالمُكَاتَبِ وَأُمِّ الوَلَدِ قوله: «بَابُ المُدَبَّرِ … »، أي: هذا ذكر ما جاء في السنة في حكم هؤلاء الرقيق: المدبر والمكاتب وأم الولد، والمراد بالمدبر: المعتَق عن دُبر، أي: الذي عُلق عتقه على موت سيده؛ لأن الموت دبر الحياة. والمكاتب: هو العبد الذي اشترى نفسه من مواليه بثمن مؤجل، وأم الولد: هي الأمة السُّرِّية التي ولدت من سيدها، أو حملت من سيدها، وولدت ما فيه خلق إنسان. * * * * * (١٦٠٨) عَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٦٠٩) وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَاحْتَاجَ (٢). (١٦١٠) وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَبَاعَهُ بِثَمَانِمَائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ وَقَالَ: «اقْضِ دَيْنَكَ» (٣). * * * هذا الحديث هو الأصل في حكم المدبَّر، وهو أنه لا يَعتق قبل موت سيده، فيصح بيعه وهبته وعتقه. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز بيع المدبَّر.

стр. 1251

٢ - أن للحاكم بيع المدبَّر في قضاء دين سيده، وتوليه لذلك. ٣ - أن حكم التدبير حكم الوصية، فلا ينفذ إلا بعد الموت. ٤ - جواز عرض السلع لمن يشتري ولمن يزيد. * * * * * (١٦١١) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتَبَتِهِ دِرْهَمٌ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (١). (١٦١٢) وَأَصْلُهُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالثَّلَاثَةِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (٢). (١٦١٣) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ : «إِذَا كَانَ لِإِحْدَاكُنَّ مُكَاتَبٌ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَا يُؤَدِّي، فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣). (١٦١٤) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يُودَى الْمُكَاتَبُ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ دِيَةَ الْحُرِّ، وَبِقَدْرِ مَا رَقَّ مِنْهُ دِيَةَ الْعَبْدِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (٤). * * * تضمَّنت هذه الأحاديث جملة من أحكام المكاتب؛ منها: الأول: أن المكاتب قِنٌّ، أي: كلُّه عبد، حتى يؤدي دين الكتابة. الثاني: أن مكاتَب المرأة إذا كان عنده ما يؤدي منه دينه، فعليها أن تحتجب منه؛ لأنه بصدد أن يكون حرًّا، فيكون أجنبيًا منها.

стр. 1252

الثالث: أن المكاتب الذي أدَّى بعض دين كتابته يكون في ديته إذا قتل في حكم المُبعَّض، فبقدر ما أدَّى يكون هو الحرَّ منه، فتجب فيه ديةُ الحر، وبقدر ما بقي من دين الكتابة يكون رقيقًا، فيودَى بقدر دية الرقيق، أي: المملوك، وليس هو قبل الموت مُبعَّضًا. لكنه لما قُتل صار في حكم المُبعَّض؛ لتعذر تحريره أو إرقاقه. وفي الأحاديث فوائد سوى ما تقدم، منها: ١ - مشروعية الكتابة، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع. وهي أن يشتري العبد نفسه من سيده بمال يؤديه له. ٢ - أن الكتابة طريق إلى الحرية. ٣ - أن المُكاتَب لا يَعتِق منه شيء حتى يؤدي دين الكتابة، إلا إذا قُتل ووجبت فيه الدية، على ما ذكر في حديث ابن عباس، فلا يكون بين الحديثين تعارض. ٤ - جواز تملك المرأة للعبد. ٥ - أن مملوك المرأة يجوز له النظر إليها، ولا يجب عليها الاحتجاب عنه. ٦ - وجوب الحجاب على المرأة من الرجال الأجانب. ٧ - أن المُبعَّض حكمه حكم كامل الحرية في نظره لسيدته، واحتجابها منه، تغليبًا لجانب التحريم. ٨ - جواز تصرف المرأة في مالها بغير إذن زوجها. ٩ - أنه إذا تعذر العلم بحكم من الأحكام على وجه الكمال فُعل منه المقدور، ففيه شاهد لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، يدل لذلك حديث ابن عباس.

стр. 1253

١٠ - جواز تسمية المملوك عبدًا، وفي القرآن: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُّشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وهذه عبودية عارضة خاصة، أما العبودية لله فهي لازمة وعامة، وقد يورَّى بالعامة عن الخاصة، ومنه قوله ﷺ لزاهر بن حرام الأشجعي ﵁: «مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟» (١). * * * * * (١٦١٥) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ -أَخِي جُوَيْرِيَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵄ قَالَ: «مَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (٢). * * * هذا الحديث من شواهد تقلله ﷺ من الدنيا، وإنفاقه كل ما وقع في يده منها، لذلك لم يترك عند موته شيئًا من أثمان ولا عُروض، فلم يورث شيئًا، وما يُقدَّر أنه تركه فإنه لا يورث عنه؛ لقوله ﷺ : «إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ» (٣)، وأما بغلته البيضاء فيقال لها: دُلدُل، وهي التي أهداها

стр. 1254

له المقوقس، ولا نعلم أنها آلت بعده لأحد من المسلمين، ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث في كتاب العتق للاستدلال به على أن ما كان للنبي ﷺ من رقيق فقد أعتقهم في حياته. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - ما كان عليه النبي ﷺ من التقلل في الدنيا. ٢ - أنه لم يخلف شيئًا بعده. ٣ - إباحة اقتناء البغال وركوبها، وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. ٤ - أن بيوت النبي ﷺ لم تكن مِلكه، بل قد جعلها لأزواجه، لكل واحدة بيتها الذي هي فيه. * * * * * (١٦١٦) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا؛ فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١)، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ ﵁ (٢). * * * هذا الحديث إذا لم يثبت عن النبي ﷺ فالمعول على الموقوف، وإذا كان عمر ﵁ قال ذلك، فإما أن يكون له حكم الرفع أو يكون من سنة الخلفاء الراشدين التي أوصانا النبي ﷺ بالعمل بها، وهو دالٌّ على حكم أم الولد، وهو أنها تعتق بموت سيدها، ولعل هذا هو الذي أوجب لعمر ﵁ النهي عن بيع أمهات الأولاد، كما تقدم في البيوع (٣). * * * * *

стр. 1255

(١٦١٧) وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ اللهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (١). * * * هذا الحديث من أحاديث الترغيب في الإعانة على الخير، ففيه معنى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، والشاهد من الحديث ما فيه من الترغيب في إعانة المكاتب. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضل الجهاد في سبيل الله. ٢ - الترغيب في الإعانة عليه. ٣ - الترغيب في إعانة العبد على تحرير نفسه. ٤ - الترغيب في إعانة الغارم على قضاء دينه. ٥ - حاجة الخلق إلى الظل يوم القيامة حين تدنو الشمس من الخلائق. ٦ - أنه ليس هناك ما يستظل به يوم القيامة إلا الظل الذي يخلقه الله فيظل به من يشاء، كهؤلاء المذكورين في الحديث، وكالسبعة، وإضافة الظل إلى الله من إضافة المخلوق إلى خالقه، لا من إضافة الصفة إلى الموصوف، ومما يدل لذلك قوله ﷺ : «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» (٢). * * * * *

стр. 1256

كِتَابُ الجَامِعِ

стр. 1257

قوله ﵀: «كِتَابُ الجَامِعِ»، أي: هذا كتاب جامع لأحاديث كثيرة وآثار لأبواب من العلم في الآداب والأخلاق، والأدعية والأذكار. * * * * *

стр. 1258

بَابُ الأَدَبِ قوله: «بَابُ الأَدَبِ»، أي: هذا باب ذكر ما جاء في السنة من الآداب القولية والفعلية، والأدب: اسم جنس، ويجمع على آداب، وهي كل ما يحسن ويستحسن في الهدي والمعاملة من قول أو فعل، وهي من أخصِّ الأخلاق الكريمة التي يحبها الله تعالى، وليس منه الأدب في اصطلاح الشعراء والكتاب، بل إطلاق اسم الأدب على ذاك من زور القول، لذلك يندرج في الأدباء مَنْ هو مِنْ فاسدي الأخلاق والاعتقاد. وينبغي أن يعلم أن الأدب قسمان؛ أدب مع الله وأدب مع العباد، فأما الأدب مع الله فهو استعمال التقوى له في السر والعلن، ومن ذلك ترْكُ التقدم عليه في الحكم من تحليل أوتحريم أو إيجاب أو استحباب، أو تقديم لما أخره، أو تأخير لما قدمه، والأدب مع العباد هو أداء الحقوق، والمسامحة في الحقوق، وإنزال كل منزلته. * * * * * (١٦١٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * تضمن هذا الحديث جملة من أدب الأخوة الإسلامية، وهو أداء الحقوق، وقد اشتمل الحديث على ستة منها، وظاهر الحديث وجوبها من وجهين:

стр. 1259

١ - من قوله: «عَلَى الْمُسْلِمِ»، كما تفيده (على)، كما قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. ٢ - ومن الأمر بكل واحد. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - عظم شأن الأخوَّة الإسلامية. كيف وهي مبنيَّة على الإيمان بالله والحب في الله. ٢ - وجوب رعاية الأخوَّة لأداء ما تقتضيه من الحقوق. ٣ - مشروعية السلام على المسلم عند لقائه، وظاهر الحديث وجوب ابتداء السلام، والمشهور عند العلماء أن ابتداء السلام سنة أو مستحب، ورده واجب. ٤ - أن السلام تحية المسلم للمسلم. ٥ - أن السلام حق للمسلم على المسلم، وإن تفاوتت منزلتهما، وإن لم يكن بينهما معرفة، كما قال ﷺ : «وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» (١). ٦ - أنه لا حق للكافر في ابتداء السلام عليه. ٧ - أن من حق المسلم على المسلم إجابة دعوته، وللعلماء في ذلك تفاصيل معروفة، والدعوة معتبرة بأي وسيلة معتادة. ٨ - أن من حق المسلم على المسلم النصيحة له إذا استنصح، أي: طلب النصيحة في أمر من الأمور، وهي الاستشارة. والنصيحة أن تدله على خير ما تعلمه له، وتحذره من شر ما تعلمه له. ٩ - مشروعية تشميت العاطس إذا حمد الله، وهو أن تقول له: يرحمك الله.

стр. 1260

١٠ - مشروعية عيادة المريض المسلم واتباعِ جنازته. ١١ - أن لأداء هذه الحقوق مصالح عامة وخاصة دينية ودنيوية، وأعظمها التحاب بين المؤمنين الذي به يتحقق الإيمان، كما قال ﷺ : «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» (١). * * * * * (١٦١٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * تضمن هذا الحديث ما هو من أعظم الأسباب لتحقيق القناعة والرضا بما قسم الله، وهو النظر إلى من دون الإنسان في الحظوظ، وترك النظر إلى من فضل عليه. وفي الحديث فوائد، منها: ١ - تفاضل العباد في الخلق والرزق وغيرهما من الحظوظ. ٢ - أن نظر الإنسان إلى من فُضِّل عليه في المال أو غيره يحقِّر في نفسه النعمة التي هو فيها، فلا يشكر ربه عليها. ٣ - أن نظر الإنسان إلى من فوقه مجلبةٌ للحسد والغم، إلا نظرَ الغبطة فيما تُستحب فيه؛ كالعلم والعمل الصالح؛ لحديث: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ» (٣).

стр. 1261

٤ - أن نظر الإنسان إلى من دونه يثمر الرضا والقناعة وشكر المنعم سبحانه. ٥ - تفكر العبد في نعمة الله عليه، وما فضله به على كثير من الناس. ٦ - الإرشاد إلى ما يحمل على شكر النعمة وترك ما يؤدي إلى كفرها. ٧ - كراهة الدخول على الأثرياء أصحاب الأبهات. ٨ - حسن إرشاد النبي ﷺ إلى ما يحقق الاستقامة في النظر إلى أحوال الناس. ٩ - حسن تعليمه ﷺ ببيان الحكمة فيما أرشد إليه. * * * * * (١٦٢٠) وَعَنِ النَوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ: «الْبِرُّ: حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث أصل في تفسير البر والإثم، ولكن البر في الحديث أخص من البر في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية، والإثم في الحديث أخصُّ منه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - حرص الصحابة على معرفة المعاني الشرعية. ٢ - فضل حسن الخلق. ٣ - أن حسن الخلق جامع للبرِّ كُلِّهِ.

стр. 1262

٤ - أن البر والإثم ضدان. ٥ - أن الإثم يجلب القلق للنفس. ٦ - أن الإثم مستقبح عند ذوي الفطر السليمة. ٧ - أن ذا الفطرة السوية لا يجاهر بالإثم بل يستتر به. ٨ - أن طمأنينة قلب المؤمن التقي إلى الشيء دليل على البر. ٩ - أن البر يجلب الطمأنينة. ١٠ - أن التردد في الشيء والتحرج منه دليل على أنه إثم، وليس منه تردُّدُ المبتلى بالوسواس وتحرُّجه. * * * * * (١٦٢١) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). (١٦٢٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذان الحديثان تضمنا أدبين من آداب المجالسة؛ أحدهما: ألا يتناجى اثنان دون الثالث إذا كانوا ثلاثة. الثاني: لا يقيم الرجلُ الرجلَ ثم يجلس مكانه. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تحريم أن يتناجى اثنان دون الثالث إذا كانوا ثلاثة، وكذا إذا كانوا ثلاثة دون الرابع إن كانوا أربعة؛ لأنه لا مفهوم للعدد. وذكر الثلاثة خرج مخرج الغالب.

стр. 1263

٢ - أن محل النهي إذا كانوا منفردين عن الناس. ٣ - تعليل الأحكام الشرعية؛ لقوله: «مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ». ٤ - تحريم أن يقيم الرجل غيره، ثم يجلسُ مكانه. ٥ - أن الإنسان أحق بمكانه الذي سبق إليه، ما دامت حاجته لم تنقض، وللعرف في هذا مدخل، فيراعى. ٦ - مشروعية التفسح في المجالس. ٧ - فيه شاهد لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ [المجادلة: ١١]. ٨ - كمال الشريعة؛ لاشتمالها على أحسن الآداب في جميع الأحوال. ومن ذلك أدب المجالسة. * * * * * (١٦٢٣) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٦٢٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). (١٦٢٥) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣). * * *

стр. 1264

هذه الأحاديث تضمَّنت جملة من آداب الأكل والشرب، وهي لعق اليد قبل مسحها، وترك الشرب قائمًا، والأكل والشرب باليمين. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية لعق الأصابع بعد الأكل. ٢ - أن السنة الأكلُ باليد. ٣ - جواز أن يلعق يدَ الآكل غيرُه ممن لا يكره ذلك، أو يحبه. ٤ - التواضع بلعق اليد بعد الأكل. ٥ - النهي عن الشرب قائمًا. ٦ - وجوب الأكل باليمين. ٧ - تحريم الأكل بالشمال. ٨ - اشتمال الشريعة على محاسن الآداب في جميع الأحوال. ٩ - تعليل الأحكام الشرعية. ١٠ - أن الشيطان يأكل ويشرب، وأن له شمالًا ويمينًا. ١١ - النهي عن التشبه بالكفار؛ لأنهم كالشيطان يأكلون ويشربون بالشمال. ١٢ - نصح النبي ﷺ لأمته بدلالتهم على كل خير، ونهيهم عن كل شر. * * * * * (١٦٢٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِيُسَلِّمِ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٦٢٧) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي» (٢).

стр. 1265

(١٦٢٨) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ (١). (١٦٢٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيْتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * تضمنت هذه الأحاديث بعض آداب السلام وأحكامه. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية السلام عند التلاقي ابتداءً وردًّا. ٢ - أن ابتداء السلام يكون من الصغير على الكبير، ومن المار على القاعد، ومن القليل على الكثير، ومن الراكب على الماشي. ٣ - أنه يجزئ في السلام عن الجماعة بعضُهم في الابتداء والرد، ومعنى هذا أن السنة تكون كفائية وعينية، كالفَرض. فابتداء السلام سنة، ورده واجب، وكلاهما على الكفاية. ٤ - تفاوت الناس في الرتب الحسية والمعنوية، ويتبع ذلك التفاوت في حق ابتداء السلام. ٥ - تحريم ابتداء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار بالسلام، وأما الرد عليهم إذا سلموا، فقد قال ﷺ : «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» (٣)، وكان اللائق بالمصنف ﵀ أن يذكر هذا الحديث في الباب. ٦ - الأمر باضطرارهم عند اللقاء في الطريق إلى أضيقه، وهو جانبه، فلا يترك المسلم لهم وسط الطريق؛ لأن ذلك نوعٌ من التكريم. وهو لا يليق إلا
следующие страницы →