← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

٤ - أن نظر الإنسان إلى من دونه يثمر الرضا والقناعة وشكر المنعم سبحانه. ٥ - تفكر العبد في نعمة الله عليه، وما فضله به على كثير من الناس. ٦ - الإرشاد إلى ما يحمل على شكر النعمة وترك ما يؤدي إلى كفرها. ٧ - كراهة الدخول على الأثرياء أصحاب الأبهات. ٨ - حسن إرشاد النبي ﷺ إلى ما يحقق الاستقامة في النظر إلى أحوال الناس. ٩ - حسن تعليمه ﷺ ببيان الحكمة فيما أرشد إليه. * * * * * (١٦٢٠) وَعَنِ النَوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ: «الْبِرُّ: حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث أصل في تفسير البر والإثم، ولكن البر في الحديث أخص من البر في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية، والإثم في الحديث أخصُّ منه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - حرص الصحابة على معرفة المعاني الشرعية. ٢ - فضل حسن الخلق. ٣ - أن حسن الخلق جامع للبرِّ كُلِّهِ.

стр. 1262

٤ - أن البر والإثم ضدان. ٥ - أن الإثم يجلب القلق للنفس. ٦ - أن الإثم مستقبح عند ذوي الفطر السليمة. ٧ - أن ذا الفطرة السوية لا يجاهر بالإثم بل يستتر به. ٨ - أن طمأنينة قلب المؤمن التقي إلى الشيء دليل على البر. ٩ - أن البر يجلب الطمأنينة. ١٠ - أن التردد في الشيء والتحرج منه دليل على أنه إثم، وليس منه تردُّدُ المبتلى بالوسواس وتحرُّجه. * * * * * (١٦٢١) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ، حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). (١٦٢٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). * * * هذان الحديثان تضمنا أدبين من آداب المجالسة؛ أحدهما: ألا يتناجى اثنان دون الثالث إذا كانوا ثلاثة. الثاني: لا يقيم الرجلُ الرجلَ ثم يجلس مكانه. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تحريم أن يتناجى اثنان دون الثالث إذا كانوا ثلاثة، وكذا إذا كانوا ثلاثة دون الرابع إن كانوا أربعة؛ لأنه لا مفهوم للعدد. وذكر الثلاثة خرج مخرج الغالب.

стр. 1263

٢ - أن محل النهي إذا كانوا منفردين عن الناس. ٣ - تعليل الأحكام الشرعية؛ لقوله: «مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ». ٤ - تحريم أن يقيم الرجل غيره، ثم يجلسُ مكانه. ٥ - أن الإنسان أحق بمكانه الذي سبق إليه، ما دامت حاجته لم تنقض، وللعرف في هذا مدخل، فيراعى. ٦ - مشروعية التفسح في المجالس. ٧ - فيه شاهد لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ [المجادلة: ١١]. ٨ - كمال الشريعة؛ لاشتمالها على أحسن الآداب في جميع الأحوال. ومن ذلك أدب المجالسة. * * * * * (١٦٢٣) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا، أَوْ يُلْعِقَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٦٢٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). (١٦٢٥) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣). * * *

стр. 1264

هذه الأحاديث تضمَّنت جملة من آداب الأكل والشرب، وهي لعق اليد قبل مسحها، وترك الشرب قائمًا، والأكل والشرب باليمين. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية لعق الأصابع بعد الأكل. ٢ - أن السنة الأكلُ باليد. ٣ - جواز أن يلعق يدَ الآكل غيرُه ممن لا يكره ذلك، أو يحبه. ٤ - التواضع بلعق اليد بعد الأكل. ٥ - النهي عن الشرب قائمًا. ٦ - وجوب الأكل باليمين. ٧ - تحريم الأكل بالشمال. ٨ - اشتمال الشريعة على محاسن الآداب في جميع الأحوال. ٩ - تعليل الأحكام الشرعية. ١٠ - أن الشيطان يأكل ويشرب، وأن له شمالًا ويمينًا. ١١ - النهي عن التشبه بالكفار؛ لأنهم كالشيطان يأكلون ويشربون بالشمال. ١٢ - نصح النبي ﷺ لأمته بدلالتهم على كل خير، ونهيهم عن كل شر. * * * * * (١٦٢٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِيُسَلِّمِ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٦٢٧) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي» (٢).

стр. 1265

(١٦٢٨) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ (١). (١٦٢٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيْتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * تضمنت هذه الأحاديث بعض آداب السلام وأحكامه. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعية السلام عند التلاقي ابتداءً وردًّا. ٢ - أن ابتداء السلام يكون من الصغير على الكبير، ومن المار على القاعد، ومن القليل على الكثير، ومن الراكب على الماشي. ٣ - أنه يجزئ في السلام عن الجماعة بعضُهم في الابتداء والرد، ومعنى هذا أن السنة تكون كفائية وعينية، كالفَرض. فابتداء السلام سنة، ورده واجب، وكلاهما على الكفاية. ٤ - تفاوت الناس في الرتب الحسية والمعنوية، ويتبع ذلك التفاوت في حق ابتداء السلام. ٥ - تحريم ابتداء اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار بالسلام، وأما الرد عليهم إذا سلموا، فقد قال ﷺ : «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» (٣)، وكان اللائق بالمصنف ﵀ أن يذكر هذا الحديث في الباب. ٦ - الأمر باضطرارهم عند اللقاء في الطريق إلى أضيقه، وهو جانبه، فلا يترك المسلم لهم وسط الطريق؛ لأن ذلك نوعٌ من التكريم. وهو لا يليق إلا

стр. 1266

مع المسلم، وكذا إذا كان الكافر خلفك في سيارة فلا تفسح له الطريق ليتقدم، لكن لا تُضطره إلى ما فيه خطر على حياته. ٧ - وجوب الفرق بين المسلم والكافر بالاحترام والإكرام وتحية السلام. * * * * * (١٦٣٠) وَعَنْهُ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ يَرْحَمُكَ اللهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). (١٦٣١) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهُ ﷺ : «إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، وَلْتَكُنْ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١٦٣٢) وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَمْشِ أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ، وَلْيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٦٣٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). (١٦٣٤) وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلْ وَاشْرَبْ وَالْبَسْ وَتَصَدَّقْ فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (٥). * * *

стр. 1267

تضمَّنت هذه الأحاديث جملة من الآداب القولية المتعلقة بالعطاس، والآداب الفعلية المتعلقة باللباس، وبالطعام والشراب. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - كمال الشريعة؛ لاشتمالها على مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب في جميع شؤون الإنسان. ٢ - مشروعية حمد الله بعد العطاس. ٣ - مشروعية الدعاء بالرحمة للعاطس إذا حمد الله، فيقال له: «يَرْحَمُكَ اللهُ»، وهذا هو معنى التشميت، وهو من حق المسلم على المسلم. ٤ - مشروعية دعاء العاطس لمن شمته بالهداية وصلاح البال: «يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ». ٥ - مشروعية التيمُّن في لبس النعل، ففي الحديث شاهد لسنته الفعلية؛ إذ كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله (١). وعكس ذلك في خلع النعل؛ إذ يبدأ فيه بالشمال. ٦ - النهي عن المشي بنعل واحدة. ٧ - مراعاة حُسن الهيئة في اللباس؛ فإن المشي بنعل واحدة مما لا يحسن في الفطرة. ٨ - أن المشي بنعل واحدة من التشبه بالشيطان، كما جاء صريحًا في رواية أخرى (٢). ٩ - أن الأكل والشرب واللباس من نعم الله التي خلقها الله وأباحها لعباده.

стр. 1268

١٠ - أن الأمر يأتي للإباحة. ١١ - تحريم السَّرف في الأكل والشرب واللباس، ومنه: تعدي حدود المباح. ١٢ - في الحديث شاهد لما جاء في القرآن من الأمر بهذه الثلاثة، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]. ١٣ - تحريم الخُيلاء، وهو -في الغالب- يكون في اللباس. والخيلاء حالة نفسية تنشأ عن الإعجاب بالنفس، وبما يؤتاه الإنسان من الحظوظ والمُتَع. والمخِيلة -كمَسِيرة- وهي الخُيلاء، وهي اسم مصدر من اختال. * * * * *

стр. 1269

بَابُ البِرِّ وَالصِّلَةِ قوله: باب البر والصلة، أي: هذا باب ذكر ما جاء في السنة من الترغيب في البر والصلة، والبر هو الإحسان، وأخصُّه الإحسان إلى الوالدين، والصلة مصدر وصَله يصِله صِلة ووصْلًا، كوعَده يعِده عِدة ووعدًا. وهي -أي الصلة- الإحسان الذي يقوِّي وشيجة القرابة والأخوة، وهي أخص بالإحسان إلى القريب. ولذا يقال لها: صلة الرحم. وبر الوالدين آكدها، واسم الرحم يعم جميع القرابات، وشواهد هذا في الكتاب والسنة كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١]، وقوله ﷺ : «إنَّ الرَّحِمَ شُجْنَةٌ مِنْ الرَّحْمَنِ، قال الله: فَمَنْ وصَلكِ وصَلْتُه، ومَنْ قَطَعكِ قَطَعْتُه» (١)، وقال ﷺ : «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِى عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» (٢)، وضد بر الوالدين العقوق، وضد صلة الرحم القطيعة، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُم (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢]. * * * * * (١٦٣٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣). (١٦٣٦) وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» يَعْنِي: قَاطِعَ رَحِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤).

стр. 1270

(١٦٣٧) وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٦٣٨) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رِضَا اللهِ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ اللهِ فِي سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (٢). * * * تضمنت هذه الأحاديث الترغيب في بر الوالدين وصلة الرحم. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - الترغيب في صلة الرحم. ٢ - أن الجزاء على الأعمال يكون معجَّلًا في الدنيا ومؤجَّلًا في الآخرة، خيرًا كان أو شرًّا. ٣ - أن من جزاء صلة الرحم سعة الرزق وطول العمر، وهو معنى «يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ». ٤ - أن المقصود هو الإرشاد إلى سببهما، أي سعة الرزق وطول العمر، وإلا فكلٌّ يحبهما. ٥ - أن لسعة الرزق ولطول العمر أسبابًا شرعية، كما أن لهما أسبابًا كونية، وكلٌّ من الأسباب والمسبَّبات لا يخرج عن القدر السابق، فلا منافاة بين إثبات الأسباب وإثبات القدر. ٦ - تحريم قطيعة الرحم، وتحريم عقوق الوالدين، وهو أعظم ما يكون من قطيعة الرحم، وأقبحُه عقوق الأمهات.

стр. 1271

٧ - أن قطيعة الرحم من كبائر الذنوب. ٨ - تحريم وأد البنات، وهو قتلهن صغارًا خشية العار، وهي عادة أهل الجاهلية، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل: ٥٨، ٥٩]. ٩ - تحريم الشح، وهو البخل بما يجب مع شدة الطمع، وهو معنى «وَمَنْعًا وَهَاتِ». ١٠ - تحريم الخوض في الكلام دون تحفظ عن الحرام من كذب وغيبة ونميمة، وهو معنى: «قِيلَ وَقَالَ». ١١ - تحريم سؤال المال من غير ضرورة. ١٢ - تحريم سؤال العلم على وجه التعنت والتكلف. ١٣ - تحريم إضاعة المال بإتلافه أو إنفاقه فيما لا ينفع، وفيما يضر. ١٤ - أن الله يحرِّم ويكره. ١٥ - أن من بلاغة الكلام التنويع في التعبير؛ لقوله أولا: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ»، ثم قال: «وَكَرِهَ»، والتحريم والكراهة من الله متلازمان. ١٦ - الترغيب في إرضاء الوالدين. ١٧ - أن الجزاء من جنس العمل. ١٨ - إثبات صفة الرضا والسخط لله، وأنه تعالى يرضى ويسخط كيف شاء. * * * * *

стр. 1272

(١٦٣٩) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أَوْ لِأَخِيهِ- مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٦٤٠) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَكَ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (١٦٤١) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْه (٣). (١٦٤٢) وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ؛ يَلْتَقِيَانِ، فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). * * * تضمنت هذه الأحاديث جملة من المحرمات المتعلقة بحقوق الناس بعضهم على بعض مع تفاوت درجاتها. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - عظم حق الجار المسلم. ٢ - وجوب النصح للجار المسلم، وأنه من كمال الإيمان. ٣ - أن الإيمان يتفاضل. ٤ - أنه يجوز نفي الشيء لنفي كماله الواجب. ٥ - جواز الحلف لتأكيد الخبر. ٦ - أن نفوس العباد ملك لله.

стр. 1273

٧ - إثبات اليد لله. ٨ - جواز الحلف بالاسم الموصول الذي هو صفة لله تعالى. ٩ - أن من عادة النبي ﷺ في أيمانه الحلف بهذه الصيغة المذكورة في حديث أنس. ١٠ - حرص الصحابة على العلم. ١١ - أن الذنوب مراتب بعضها أعلى من بعض حتى الكبائر بعضها أعلى من بعض. ١٢ - أن أعظم الذنوب الشرك، وهو أظلم الظلم. ١٣ - أن الله لا ندَّ له. ١٤ - أن الخالق هو المستحق أن يُعبد. ١٥ - أن من جعل لله ندًّا في الربوبية أو الإلهية فقد ناقض موجَب العقل والشرع والفطرة؛ لقوله: «وَهُوَ خَلَقَكَ». ١٦ - أن من أكبر الكبائر قتل الولد خشية الفقر، وهي عادة أهل الجاهلية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]. ١٧ - أن من كبائر الذنوب الزنا. ١٨ - أن من أعظم الزنا: الزنا بحليلة الجار، أي: زوجته؛ لقوله: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ»، وهذا هو الشاهد من الحديث. ١٩ - أن من الكبائر شتم الرجل والديه أو أحدهما، وأصرح الشتم وأقبحه ما كان باللعن. ٢٠ - أن مِنْ شتْم الرجل والديه التسببَ في ذلك؛ لقوله ﷺ : «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ»، فكيف إذا واجههما بالشتم أو خصهما؟! إن ذلك أعظم وأعظم، وهو من أشد أنواع العقوق. ٢١ - أن كلًّا من الساب لأبي غيره أو أمه والراد عليه بالمثل كلٌّ منهما عاصٍ، والبادئ أظلم، فمعصيته كبيرة من كبائر الذنوب، والرادُّ عليه عاصٍ في

стр. 1274

سب غيره بغير حق. وردُّه على البادئ بسب أبيه وأمه ليس من باب ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]؛ فإن والدي السَّابِّ لم يظلماه، فالرادُّ على السَّابِّ بسبِّ أبيه وأمه ظلمٌ لا يسوغه ظلم البادئ بالسب. ٢٢ - أن المتسبب بالفعل شريك في الأجر والوزر؛ على معنى قوله ﷺ : «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً؛ فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ» (١). ثم قد يستويان في الجزاء، وقد يكون أحدهما أعظم أجرًا أو وزرًا من الآخر بحسب الدواعي والآثار. ٢٣ - في الحديث -حديث عبد الله بن عمرو- شاهد لقاعدة سد الذرائع. ٢٤ - تحريم هجران المسلم لأخيه أكثر من ثلاثة أيام، والهجر يكون بترك السلام عند التلاقي ابتداء أو ردًّا. ٢٥ - الرخصة في الهجر لحظ النفس ثلاثة أيام. وأما الهجر لله فهو مشروع، ولا يقيد بمدة، بل حده بما يحصل به مقصود الهجر، من إنكار المنكر، أو اتقائه. ٢٦ - أن الهجر يكون ابتداء تركه بإلقاء السلام، ولا يكفي ذلك حتى يعود المتهاجران إلى ما كانا عليه قبل الهجر. ٢٧ - أن خير المتهاجرين هو من يبدأ بالسلام أولًا. ٢٨ - حكمة الشريعة في الرخصة فيما أصله محرم، مراعاةً لمقتضى الجبلة البشرية، وذلك بالإذن بالهجر مدةً يحصل بها شفاء النفس من الغيظ، كما يدل لذلك مفهوم قوله: «فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ». ٢٩ - أن على المسلم أن يفعل ما يجب لإخوانه من حقوق تجلب المودة. * * * * *

стр. 1275

(١٦٤٣) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). (١٦٤٤) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). (١٦٤٥) وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٣). (١٦٤٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا؛ نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ؛ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا؛ سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). (١٦٤٧) وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ؛ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٥). (١٦٤٨) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ بِاللهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ أَتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا، فَادْعُوا لَهُ» أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ (٦). * * * تضمنت هذه الأحاديث الترغيب في بعض الأخلاق والأفعال الجالبة للمودة بين المسلمين، والوفاء بحقوقهم.

стр. 1276

وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن كل معروف من القول والفعل صدقة من العبد على نفسه، ثم على أخيه فيما يتعدى نفعه. ٢ - أن طلاقة الوجه عند لقاء المسلم لأخيه من المعروف الذي لا يستهان به؛ لأن أثره في الأُلفة كبير، وأجره عظيم. وطلاقة الوجه تهلله، وضده العبوس والتقطيب. ٣ - أن المعروف يتفاوت في الأجر والأثر. ٤ - استحباب الإحسان إلى الجار، ولو بالشيء اليسير، وما ذكر في الحديث من طبخ المرق يناسب مَنْ جيرانه مِنْ الفقراء الذين يكون لذلك عندهم وقع فيفرحون به. ٥ - الترغيب في تنفيس الكرب عن المؤمنين. ٦ - إثبات القيامة وأن فيها كُربًا عظيمة. ٧ - فضل التيسير على المعسر بإنظاره أو إبرائه. ٨ - الترغيب في الستر على المسلم؛ ستر عيوبه أو ذنوبه ما لم يكن في الستر مفسدة راجحة. ٩ - فضل إعانة المسلم لأخيه في أمور دينه ودنياه. ١٠ - أن الجزاء من جنس العمل، وهذا موجَب الحكمة وهو سنة اللهِ في جزاء العباد شرعًا وقدرًا، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَان (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠]. ١١ - الترغيب في الإعانة على الخير، والدلالة عليه، ومنه تعليم العلم الشرعي.

стр. 1277

١٢ - سعة فضل الله؛ إذ جعل للمتسبب في فعل الخير مثل أجر فاعله. ١٣ - أن للوسائل حكم الغايات. ١٤ - وجوب تعظيم الله بإعاذة المستعيذ به، وإعطاء السائل به، ما لم يتعدَّ باستعاذته أو بسؤاله. ١٥ - وجوب مكافأة المعروف، وهو من شكر الجميل. ١٦ - أن الدعاء لصانع المعروف تحصل به المكافأة ممن لم يجد ما يكافئ به. ١٧ - الاجتهاد في الدعاء لتحقيق مكافأة المعروف. ١٨ - أن الدعاء سبب ينتفع به المدعو له. * * * * *

стр. 1278

بَابُ الزُّهْدِ وَالوَرَعِ أي: هذا باب ما ورد في السنة من الترغيب في الزهد والورع، والزهد والورع تركٌ؛ لكن الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، فيشمل ترك الفضول في كل شيء، والورع ترك ما قد يضر في الآخرة، وبذا يعلم أن الزهد أعلى من الورع، ولفظ الزهد والورع أكثر ما ورد في كلام السلف، وورد في السنة قوله ﷺ : «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ» (١)، وحديث: «مِلَاكُ الدِّينِ الْوَرَعُ» (٢). * * * * * (١٦٤٩) عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ-: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٦٥٠) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٤).

стр. 1279

(١٦٥١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِك، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (١). (١٦٥٢) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). (١٦٥٣) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ (٣). (١٦٥٤) وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ، وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، فقَالَ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ (٤). (١٦٥٥) وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٥). (١٦٥٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ (٦). (١٦٥٧) وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (٧).

стр. 1280

(١٦٥٨) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ قَوِيٌّ (١). (١٦٥٩) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الصَّمْتُ حُكْمٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ». أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الشُّعَبِ» بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. وَصَحَّحَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ (٢). * * * تضمَّنت هذه الأحاديث الترغيب في الزهد والورع واتخاذهما ديدنًا وهديًا في الحياة، وذمَّ الطمع والهلع والحرصِ على الدنيا. وفي الأحاديث فوائد: ففي حديث النعمان ﵁: ١ - الحديث أصل من أصول الدين في الحلال والحرام. ٢ - تقسيم الأشياء من حيث الحل والحرمة إلى ثلاثة أقسام: حلال بيِّن وحرام بيِّن ومشتبه، وهذا التقسيم شامل للمطاعم والمشارب والملابس والمناكح والعبادات والمعاملات. والحرام منه ما حُرِّم لحق اللهِ كالميتة والدم والخنزير، ومنه ما حُرِّم لحق العبد كالمغصوب والمسروق. والحلال منه ما نص الشرع على حلِّه كبهيمة الأنعام وصيد البحر، ومنه ما سكت عنه الشرع مثل أنواع الطير مما ليس له مخلب. والمشتبه ما تجاذبته الأدلة أو مقتضِيات الحِلِّ والحُرمة، فيشكل حكمه على كثير من الناس ويتبين حكمه لأهل العلم؛ فإما حلال أو حرام، فما تبيَّن للعالم حلُّه التحق عنده بالحلال البين، وما تبيَّن له تحريمه التحق عنده بالحرام البيِّن.

стр. 1281

وعلى هذا فقد يرى العالم حل ما يرى العالم الآخر تحريمه. ومردُّ هذا إلى اجتهادهما؛ فمن أصاب منهما فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، وخطؤه مغفور، وعلى المقلد أن يقتدي بأعلمهما وأوثقهما، حسبما ظهر له مع التجرد عن الهوى والتعصب. ٣ - أن من الحلال ما هو بيِّن تعرفه العامة والخاصة، ومن الحرام ما هو بيِّن تعرفه العامة والخاصة، فمن الأول الأكل والشرب مما يخرج من الأرض، ومن الثاني الزنى وشرب الخمر. ٤ - فضل العلم الذي به الفرقان بين الحق والباطل والحلال والحرام. ٥ - الإرشاد إلى اتقاء المشتبهات، وهي ما حصل فيه التردد في حله وحرمته. ٦ - أن في اجتناب الشبهات احتياطًا للدين والعرض بالسلامة من الوقوع في الحرام، وهذا هو الورع. ٧ - أن الإقدام على المشتبهات سبب للوقوع في الحرام. ٨ - فيه شاهد لقاعدة سد الذرائع. ٩ - أن من طرق البيان ضرب الأمثال وتشبيه المعقول بالمحسوس. ١٠ - حسن تعليم النبي ﷺ ، يدل له التقسيم والتمثيل في الحديث. ١١ - أن المتسبب في إتلاف مال الغير بماشيته ضامن له. ١٢ - أن الاقتراب من الحمى والمحظور سببٌ للوقوع فيه. ١٣ - أن من عادة الملوك أن يكون لهم حمًى يمنعون الناس منه بحق أو بغير حق.

стр. 1282

١٤ - أن لملك الملوك سبحانه حمًى، وهو ما حرَّم على عباده كالفواحش ما ظهر منها وما بطن. ١٥ - وجوب اجتناب محارم اللهِ. ١٦ - وجوب اجتناب الأسباب المفضية إلى المحرمات. ١٧ - أن مدار الصلاح والفساد في الإنسان على القلب، وسائر الجوارح تابعة له صلاحًا أو فسادًا. ١٨ - أن صلاح الباطن يستلزم صلاح الظاهر، وفساد الظاهر يستلزم فساد الباطن. وقد يصلح الظاهر مع فساد الباطن كحال المنافق والمرائي. وفي حديث أبي هريرة من الفوائد: ١ - أن حال هذا العبد ضدُّ حال الزهد والورع. ٢ - ذم تعلق القلب بمتع الدنيا. ٣ - أن هذا التعلق نوع من العبودية لغير الله. ٤ - أن مظهر هذه العبودية الرضا لحصولها والسخط لفقدها. ٥ - أن العبودية لأنواع المتاع مجلبة للتعاسة والحرمان؛ لدعاء النبي ﷺ على من هذه حاله. ٦ - أن ما ذكر من أنواع المتاع سيق للتمثيل، وإلا فالحكم لا يخصهما. ٧ - وجوب العبودية لله وحده. ٨ - أن كمال العبودية لله يوجب الرضا لما يحب الله والفرحَ به، والسخطَ لما يبغضه. ٩ - أن تحقيق العبودية سبب للسعادة والفوز. ١٠ - أن مناط العبودية ومتعلَّقها القلب.

стр. 1283

وفي حديث ابن عمر ﵄: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ» من الفوائد: ١ - الترغيب في قصر الأمل والاستعداد بحسن العمل. ٢ - أن وضع العالم يده على بدن المتعلم كمنكبه وكفه، من وسائل إحضار ذهنه إليه. ٣ - حسن تعليم النبي ﷺ بالتشبيه وضرب الأمثال. ٤ - أن من طرق البيان التشبيه. ٥ - وصية النبي ﷺ ونصحه له. ٦ - فيه شاهد لما اختص به النبي ﷺ من جوامع الكلم (١). ٧ - فضيلة ابن عمر ﵄؛ لأخذ النبي ﷺ بمنكبه، وتخصيصه بالوصية. ٨ - الإرشاد إلى الزهد في متع الدنيا وحظوظها، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ [طه: ١٣١]. ٩ - أن المؤمن في الدنيا كالغريب وهو النازل في غير وطنه، يعد العدة للرحيل والعودة، ولا يعنيه ما يعني أهل الوطن، ولا يبالي بقلة من يعرف، قال الحسن: «الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا كَالْغَرِيبِ لَا يُنَافِسُ فِي عِزِّهَا، وَلَا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا، لِلنَّاسِ حَالٌ وَلَهُ حَالٌ» (٢). ١٠ - أن المؤمن في هذه الدنيا كعابر السبيل، وهو المسافر الذي همُّه الوصول إلى غايته، لا يستقر له قرار في منازل سيره، ولا يلهو بما يمر به من المشاهد. ١١ - أن المؤمن لا يطمئن بالحياة الدنيا، ولا يرضَى بها بدلًا عن الآخرة.

стр. 1284

١٢ - أن هذه الوصية من النبي ﷺ لا تقتضي الإعراض عن الدنيا مطلقًا. ١٣ - أن المؤمن حقًّا دائمُ التشمير في سيره إلى اللهِ، فهو دائم العبودية لله. ١٤ - عمل ابن عمر بوصية النبي ﷺ ، كما هو ظاهر من قوله: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ». ١٥ - أن قول ابن عمر تضمن تفسيرًا لوصية النبي ﷺ . ١٦ - وصيته ﵁ بقصر الأمل بقوله: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ». ١٧ - وصيته ﵁ باغتنام الفرص بإحسان العمل، وذلك في قوله: «وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِسَقَمِك، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ». ١٨ - أن الصحة فرصة للعمل، حتى إن العبد يُكتب له في مرضه ما كان يعمل في صحته. ١٩ - في الحديث شاهد لقوله ﷺ : «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» (١). وفي حديث ابن عمر: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» من الفوائد: ١ - أنه أصل في التحذير من التشبه بالكفار. ٢ - ذم التشبه بالكفار بالترف وأُبَّهة الدنيا وزينتها في كل شؤون الحياة؛ من المطعم والمشرب والمسكن والمركب، وهذا المعنى هو الشاهد من الحديث. ٣ - ذم التشبه بالكفار في جميع أمورهم الخاصة بهم من الآداب والمعاملات. ٤ - أن التشبه بالكفار على درجات بحسب نوع المتشبَّه فيه من الصغائر إلى الكبائر إلى الكفر.

стр. 1285

٥ - الترغيب في التشبه بالصالحين. ٦ - فيه شاهد لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]. ٧ - فيه شاهد لما اختُص به النبي ﷺ من جوامع الكلم. وفي حديث ابن عباس ﵄ من الفوائد: ١ - أنه أصل في وجوب الإيمان بالشرع والقدر، والعمل بمقتضى ذلك. ٢ - التواضع للصغار وتعليمهم. ٣ - حسن خلقه ﷺ ، وحسن تعليمه. ٤ - من حسن التعليم التمهيد لما يراد من الكلام، لقوله: «يَا غُلامُ، إنِّي أعلّمُكَ كَلِمَاتٍ .. ». ٥ - فضل ابن عباس ﵄، حيث رآه النبي ﷺ أهلًا لهذه الوصايا مع صغر سنه. ٦ - الوصية بحفظ العبد لربه، ومعناه مراقبته وطاعته فحقيقته حفظ الدين، والحفظ ضد الإضاعة. ٧ - أن الجزاء من جنس العمل، فمن حفظ اللهَ حفظه، وعَكْسُه بعكسِه، فمن لم يحفظ اللهَ لم يحفظه الله، وحفظ اللهِ للعبد كفايته له ووقايته وهدايته، فقوله: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ» نظير لقوله: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]. ٨ - أن حفظ اللهِ سبب لمعيته الخاصة المتضمنة للنصر والتأييد والكفاية. ٩ - تحقيق التوحيد بالاستغناء باللهِ عن خلقه بترك سؤالهم وترك الاستعانة بهم وصرفِ ذلك إلى الله وحده، فينزل العبد حوائجه بربه ويطلب العون منه.

стр. 1286

١٠ - الزهد فيما عند الناس بعدم التعلق به، وعدم سؤالهم، وبهذا تظهر مناسبة الحديث للباب. ١١ - جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق؛ لأن قوله: «خلف النبي» أي: كان رديفه، كما جاء في رواية (١). وفي حديث سهل بن سعد ﵁: ١ - الحديث أصل في الزهد. ٢ - حرص الصحابة على معرفة أسباب السعادة في الدنيا والآخرة. ٣ - مشروعية السؤال عن فضائل الأعمال، وحرص الصحابة على ذلك. ٤ - أن الرسول ﷺ أوتي جوامع الكلم. ٥ - الإيجاز في جواب السؤال ما لم تدع الحاجة إلى التفصيل. ٦ - فضل الزهد في الدنيا، وهو ترك ما لا ينفع منها في الآخرة، وهو أعلى من الورع لأن الورع ترك ما يضر. ٧ - أن التعلق بالدنيا وإيثارها سبب للحرمان. ٨ - أن الزهد في الدنيا سبب لمحبة اللهِ لعبده. ٩ - إثبات صفة المحبة لله والرد على النفاة. ١٠ - طلب محبة الناس والتسبب لذلك بما ليس عبادة لله. ١١ - أن الاستغناء عمّا في أيدي الناس يجلب مودتهم. ١٢ - أن منازعة الناس في دنياهم مما يجلب بغضهم وحسدهم، ومن ذلك سؤالهم، كما قيل: وبُنيُّ آدم حين يُسأل يغضبُ.

стр. 1287

وفي حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ من الفوائد: ١ - إثبات المحبة لله. ٢ - إثبات العبودية الخاصة. ٣ - أن التقوى أعظم سبب لنيل محبة الله. ٤ - الترغيب في الاستغناء عن الناس، وأن ذلك سبب لمحبة الله، فالغني هو المستغني لا الغني بالمال. ٥ - الترغيب في البعد عن الشهرة. ٦ - أن من أسباب كمال العمل إخفاءه عن الناس. وفي حديث أبي هريرة ﵁: ١ - المنهج القويم للمسلم فيما يأتي ويذر في ضوء الإسلام. ٢ - أن من محاسن إسلام العبد العنايةَ بما ينفع في الدين ثم في الدنيا. ٣ - الإرشاد إلى ترك ما يضر في الآخرة وما لا ينفع. ٤ - الإرشاد إلى ترك ما ليس من شأن الإنسان، وما ليس منه بسبيل. ٥ - الترغيب في الإعراض عن شؤون الناس الخاصة. ٦ - الحث على الإقبال على النفس واستكمال فضائلها. ٧ - من حسن إسلام المرء ترك السؤال عمّا لا سبيل إلى معرفته، كحقائق الغيب وتفاصيل الحِكَم في الخلق والأمر، وكذا السؤال والبحث عن مسائل مقدّرة ومفترضة لم تقع، أو يندر أن تقع، أو لا تكاد تقع، أو لا يتصور وقوعها. ٨ - الإرشاد إلى فعل محاسن الدين وترك ما ينافيها.

стр. 1288

وفي حديث المقدام بن معد يكرب ﵁، وقد ساقه المصنف مختصرًا، وتمامه: قال ﷺ : «مَا مَلأَ ابنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». رواهُ الإمامُ أحمَدُ والتِّرمِذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجَه، وقَالَ التِّرمِذيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (١). وفيه من الفوائد: ١ - الحديث أصل في الاقتصاد في الطعام والشراب، ومنهج في نظام الأكل والشرب. ٢ - فيه شاهد لما اختص به النبي ﷺ من جوامع الكلم. ٣ - الندب إلى الاقتصاد في الأكل. ٤ - الغاية من الأكل، وهي حفظ الصحة والقوة اللتين بهما سلامة الحياة. ٥ - ذم الشِّبع، وذلك إذا كان دائمًا أو غالبًا، وعليه فلا يُكره الشبع أحيانًا لقول أبي هريرة في الحديث: «مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا» (٢)، وغيره. ٦ - أن لملء البطن من الطعام أضرارًا بدنية ودينية، قال عمر ﵁: «إِيَّاكُمْ وَالبِطْنَةَ، فِإنَّها مُفْسِدَةٌ للجِسْمِ وَمُكْسِلَةٌ عَنِ الصَّلَاة» (٣). ٧ - أن الأكل من حيث الحُكم على أقسام:

стр. 1289

واجب: وهو ما به تُحفظ الحياة ويؤدي تركه إلى ضرر. جائز: وهو ما زاد على القدر الواجب ولا يُخشى ضرره. مكروه: وهو ما يُخشى ضرره. محرم: وهو ما يُعلم ضرره. وترك المكروه والمحرم من الورع. مستحب: وهو ما يُستعان به على عبادة اللهِ وطاعته. وقد أجمل ذلك في الحديث في ثلاث مراتب: أ. ملء البطن. ب. أُكُلات أو لقيمات يقمن صلبه. ج. قوله: «ثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (١) هذا كله إذا كان جنس المأكول حلالًا. ٨ - الحديث قاعدة من قواعد الطب، وحيث إن علم الطب مداره على ثلاثة أصول: حفظ القوة والحمية والاستفراغ؛ فقد اشتمل الحديث على الأولين منها، كما في قوله تعالى: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١]. ٩ - كمال هذه الشريعة حيث اشتملت على مصالح الإنسان في دينه ودنياه. ١٠ - أن الشريعة جاءت بما فيه شفاء الأبدان والقلوب. ١١ - أن الشريعة جاءت باتقاء الأسباب الجالبة للأذى والضرر. ١٢ - أن من علوم الشريعة أصولَ الطب وأنواعًا منه، كما جاء في العسل والحبَّة السَّوداء.

стр. 1290

١٣ - اشتمال أحكام الشريعة على الحكمة، وأنها مبنية على درء المفاسد وجلب المصالح. ١٤ - أن شهوة الأكل سبب للمعصية، وهي التي كانت لآدم، ولعل هذا هو السر في التعبير ب «ابنُ آدَمَ» تذكيرًا وتحذيرًا. ١٥ - إثبات الأسباب. ١٦ - إطلاق اسم الشر على سببه، فسبب الشر شر، كما أن سبب الخير خير. وفي حديث أنس ﵁: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاء» من الفوائد: ١ - الحكم على بني آدم بكثرة الخطأ، والخطأ ما خالف الصواب تعمدًا أو جهلًا أو نسيانًا. ٢ - أن الناس في الخطأ صنفان: منهم من يُصر على خطئه، ومنهم من يتوب وينيب، وهذا خير الصنفين. ٣ - الترغيب في التوبة من الخطأ، سواء كان معذورًا أو غير معذور. ٤ - فيه شاهد للحديث القدسي: «يَا عِبَادي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيلِ وَالنَّهارِ وَأَنَا أغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُوني أغْفِرْ لَكُمْ» (١). وفي حديث أنس ﵁: «الصَّمْتُ حُكْمٌ» من الفوائد: ١ - أن الصمت حكمةٌ في الجملة، والمحمود منه ترك الكلام المحرم، والمكروه، والفضول، ويفسر هذا الحديث قوله ﷺ في الحديث الصحيح: «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (٢).

стр. 1291

٢ - أن الغالب على الناس كثرة الكلام فيما لا ينفع. ٣ - أن هذا اللفظ ليس بحديث مرفوع؛ لضعف سنده، بل هو حكمة مأثورة عن لقمان أو غيره. * * * * *

стр. 1292

بَابُ التَّرْهِيبِ مِنْ مَسَاوِئِ الأَخْلَاقِ قوله: «بَابُ التَّرْهِيبِ مِنْ مَسَاوِئِ الأَخْلَاقِ»، أي: هذا باب ما جاء في السنة من التحذير والترهيب من الأخلاق السيئة المذمومة؛ كالكذب والسباب وظن السوء والحسد والظلم والغش والكبر وغير ذلك. * * * * * (١٦٦٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (١). (١٦٦١) وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ نَحْوُهُ (٢). (١٦٦٢) وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٦٦٣) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). (١٦٦٤) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٥). (١٦٦٥) وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ (٦).

стр. 1293

تضمنت هذه الأحاديث النهي والتحذير والذم لجملة من مساوئ الأخلاق، وهي الحسد والغضب والظلم في الأنفس والأموال والأعراض والرياء وغيرها. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم الحسد، وهو تمني زوال النعمة عمَّن أنعم الله عليه، وذلك من عمل القلب، فإن سعَى في ذلك فهو أقبح، فإن كره نعمة الله ولم يتمن زوالها ولم يسع في ذلك، بل كره من نفسه ذلك، وسعى لإزالة ما في قلبه لم يضره. وليس من الحسد تمني مثلِ ما أنعم الله به على أحد من الناس؛ لقوله ﷺ : «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ» (١). ٢ - أن من العقوبات العاجلة للحاسد حبوط حسناته، بحسب ما في قلبه من الحسد، وهو معنى قوله ﷺ : «يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ». ٣ - أن من أنواع البيان: التشبيه. ٤ - حسن تعليمه ﷺ . ٥ - التحذير من الظلم بأنواعه. ٦ - أن الظلم من كبائر الذنوب. ٧ - أن من أنواع العقوبات: الظلمات في يوم القيامة. ٨ - التحذير من الشح، وهو منع الواجب بذله، وطلب ما لا يحل. ٩ - أن الشح سبب الهلكة. ١٠ - أنه سبب لسفك الدماء واستحلال الحرام وقطع الأرحام.

стр. 1294

١١ - أن سنة الله في الظالمين ماضية. ١٢ - أن التقوى تضاف إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب (٢)﴾ [المائدة: ٢] أي: اتقوا سخطه وعقابه، وتضاف إلى النار، قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، وتضاف إلى يوم القيامة كقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وتضاف إلى أسباب العقاب كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وكقوله ﷺ في الحديث: «اتَّقُوا الظُّلْمَ». ١٣ - ذم الغضب؛ لأنه يوقع صاحبه إذا انساق معه في أنواع من قبيح القول والفعل. ١٤ - فيه شاهد لقوله ﷺ للذي قال للنبي ﷺ : أَوْصِنِي، قالَ: «لَا تَغْضَبْ»، وَرَدَّدَهَا ثلاثًا (١). ١٥ - مدح الذي يملك نفسه إذا غضب؛ فلا يقول ولا يفعل ما يقتضيه غضبه. ١٦ - أن القوة الحقيقية حبسُ النفس عند الغضب عن الاندفاع معه، ومعنى الصُّرعة هو الذي يصرع الرجال بقوة بدنه، أي: الشديد القوي. ١٧ - الإرشاد إلى أسباب إطفاء الغضب، كالتعوذ بالله من الشيطان، والوضوء، والقعود بعد القيام، كما جاء في أحاديث أخرى. ١٨ - فيه شاهد لقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. ١٩ - التحذير من الرياء، وهو أن يعمل الرجل العمل ليراه الناس، فيحمدوه عليه، فإن كانت هذه النية هي الباعثَ على العمل كان العمل حابطا،

стр. 1295

وإن وردت على قلبه في أثناء العمل ودفعها لم يبطل العمل، وإن وردت على قلبه بعد الفراغ لم تضره إن شاء الله. والمراد بالرياء المذكور في الحديث: اليسير منه، وهو ما يعرض في بعض الأعمال، لا في أصل الإيمان وأداء الفرائض، فذلك رياء المنافقين النفاق الأكبر. ٢٠ - أن الرياء من الشرك الأصغر. ٢١ - أن الذنوب تتفاوت، فمنها الصغائر، ومنها الكبائر، والكبائر بعضها أكبر من بعض، وكذا الصغائر ليست سواءً. ٢٢ - أن الشرك قسمان: أكبر وأصغر. ٢٣ - شفقة النبي ﷺ على أمته، لذلك يخاف عليهم ما يضرهم، ويحذرهم منه. * * * * * (١٦٦٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٦٦٧) وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (٢). (١٦٦٨) وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٦٦٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤).

стр. 1296

(١٦٧٠) وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٦٧١) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢). * * * تضمنت هذه الأحاديث جملة من الأخلاق الذميمة؛ القولية والفعلية، كالكذب والسباب وظن السَّوء وغش الرعية والإشقاق عليهم. وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أن للنفاق علامات، وهي صفات للمنافق. ٢ - أن ديدن المنافق أنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر. ٣ - أن هذه الخصال جماعها الكذب، وهو أصل النفاق. ٤ - تحريم هذه الخصال، وذمها، والتحذير منها. ٥ - أن الكذب في الحديث يتضمن ما ذكر من خصال النفاق. ٦ - وجوب الوفاء بالوعد. ٧ - أن من غلبت عليه هذه الصفات كان منافقا، ومن كانت فيه واحدة كان فيه شعبة من النفاق. ٨ - أن النفاق نوعان: نفاق عملي، وهو المذكور في هذا الحديث. ونفاق اعتقادي، وهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر. وأهل هذا النفاق هم المعنيون في

стр. 1297

آيات القرآن. كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِين (٨)﴾ [البقرة: ٨] الآيات. ٩ - أن من الفجور اليمين الكاذبة في الخصومة. ١٠ - التحذير من مشابهة المنافقين في شيء من هذه الخصال. وفي حديث ابن مسعود ﵁: ١ - عظم حق المسلم على المسلم. ٢ - حرمة دم المسلم وعرضه. ٣ - تحريم سبه وتحريم قتاله. ٤ - أن سباب المسلم نوع من الفسوق، وهو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته. ومعنى السِّباب السَّب. ٥ - أن الفسق في هذا الحديث دون الكفر. ٦ - إطلاق اسم الكفر على بعض الذنوب التي لا تخرج عن الملة. ٧ - أن قتال المسلم من كبائر الذنوب؛ لإطلاق اسم الكفر عليه. ٨ - في الحديث شاهد لقوله ﷺ : «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (١). وفي حديث أبي هريرة: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ» من الفوائد: ١ - أن من الأخلاق القبيحة سوء الظن بالمسلم من غير موجب. ٢ - التحذير من ظن السَّوء بالمسلمين.

стр. 1298

٣ - فيه شاهد لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]، والظن الذي في الحديث هو البعض الذي في الآية، فالآية مخصصة للحديث. ٤ - أن الظن السيِّئَ الذي لا موجب له أكذبُ حديث النفس، والتحدثُ بمضمونه من أكذب الحديث. ٥ - أن الكذب يتفاوت. وفي حديث معقل بن يسار ﵁: ١ - أن الله جعل العباد منهم راع، ومنهم رعية. ومعنى يسترعيه أي: يجعله راعيا. ٢ - وجوب النصح على الراعي للرعية، وهو أن يريد لها الخير، ويسعى فيما يصلحها. ٣ - تحريم غش الراعي للرعية، وهو ألا يريد لها الخير، ولا يسعى فيما يصلحها. ٤ - أن غش الراعي لرعيته من كبائر الذنوب. ٥ - أن من التحريم: التحريم الجزائي، وهو حرمان دخول الجنة. وعليه؛ فالتحريم من الله ثلاثة: جزائي، وكوني وهو ما شاء الله ألَّا يكون، وشرعي وهو ما نهى الله عنه؛ فالجزائي كما في الحديث، والكوني كما قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢]، والشرعي كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. وفي حديث عائشة ﵁ من الفوائد: ١ - شفقة النبي ﷺ على أمته، ورفقه بهم، وكراهته لما يشق عليهم.

стр. 1299

٢ - أنه يجب على من تولى أمرًا من أمور المسلمين الرفق بهم. ويحرم عليه أن يشق عليهم بتكليفهم ما لا يجب عليهم، أو مطالبتهم بما يعجزون عنه. ٣ - أن الجزاء من جنس العمل. ٤ - الدعاء على الظالم بجنس ظلمه. * * * * * (١٦٧٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَتَجَنَّبِ الْوَجْهَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٦٧٣) وَعَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٢). (١٦٧٤) وَعَنْ خَوْلَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ رِجَالًا يَتخوَّضون فِي مَالِ اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (٣). (١٦٧٥) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ قَالَ: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٤). (١٦٧٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ بَهَتَّهُ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٥). * * *

стр. 1300

تضمنت هذه الأحاديث الخمسة ذكر بعض الأخلاق المنكرة والمذمومة، قوليةً كالغيبة، أو فعليةً كضرب الوجه. وفي الأحاديث فوائد: ففي حديث أبي هريرة الأول: ١ - تحريم ضرب الوجه، سواء كان تأديبًا أو عقوبة، أما قصاصًا فيجوز؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، سواء كان القتال بحق أو بغير حق، والمراد بالقتال المضاربة، ليس القتال الذي هو بالسيوف ونحوها. ٢ - كرامة وجه الإنسان. ٣ - أن في ضرب الوجه من الإهانة والعدوان والضرر ما ليس في بقية أعضاء الإنسان. ٤ - تحريم الملاكمة؛ لأنها تؤدي إلى ضرب الوجه والقتل. وفي حديث أبي هريرة ﵁ الثاني: ١ - الوصية بترك الغضب. ٢ - في ضمنه الإرشاد إلى ترك أسباب الغضب. ٣ - الإرشاد إلى مدافعة الغضب، والأخذ بأسباب إطفائه. ٤ - حسن تعليمه ﷺ ، وكمال نصحه بإرشاد كلِّ أحد إلى ما هو أحوج إليه. ٥ - أن الغضب باب شر كثير. وفي حديث خولة الأنصارية ﵁: ١ - أهمية المال في الحياة؛ ففيه معنى قوله تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ [النساء: ٥]، والتخوض في المال هو التخبط بسوء التصرف، كسبًا
следующие страницы →