← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعاء، هذا هو المشهور، والصَّواب: أنَّ الصَّلاة أخصُّ من الدُّعاء، بل الصَّلاة تتضمَّن ثناءً على المصلَّى عليه، وبه فسِّرت الصَّلاة من الله كما جاء عن أبي العالية ﵀، قال: «الصَّلاة من الله: ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى» (١)، وأمَّا الصَّلاة من العبد على غيره فهي بسؤال الله أن يصلِّي عليه كما في صلاة المؤمنين على النَّبيِّ ﷺ ، كما في الصَّلاة الإبراهيميَّة: اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ … إلخ. وكان النَّبيُّ ﷺ إذا أتاه قومٌ بصدقتهم يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ» (٢)؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقد ذكر العلَّامة ابن القيِّم فروقًا لفظيَّةً ومعنويَّةً بين الصَّلاة والدُّعاء (٣). وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الشَّرْعِ: فهي العبادة المعروفة ذات الرُّكوع والسُّجود والتَّحريم والتَّسليم، وسمِّيت صلاةً لاشتمالها على نوعي الدُّعاء: دعاء المسألة، ودعاء العبادة. والصَّلاة منها ما هو فرضٌ، وهو الصَّلوات الخمس في كلِّ يومٍ وليلةٍ، ومنها ما هو تطوُّعٌ، وهو أنواعٌ، كما قال النَّبيُّ ﷺ للرَّجل الّذي سأله عن الصَّلوات: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (٤). والصَّلوات الخمس أعظم واجبات الدِّين ومبانيه، بعد الشَّهادتين، وهي عمود الإسلام، ولهذا جاء في «الصَّحيح» قوله ﷺ : «بيْنَ الرَّجُلِ وَبيْنَ الشِّرْكِ

стр. 177

أَوِ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاة» (١)، وقال ﷺ : «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبيْنَهُمُ الصَّلَاةُ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (٢). وقد أمر الله بإقامتها والمحافظة عليها، وأثنى على عباده المؤمنين بذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِين (٤٣)﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال سبحانه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (٢٧٧)﴾ [البقرة: ٢٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُون (٣٤)﴾ [المعارج: ٣٤]. وذمَّ المعرضين عن الصَّلاة وتوعَّدهم والمضيِّعين لها، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُون (٤٨)﴾ [المرسلات: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ [مريم: ٥٩ - ٦٠]. وكتاب الصَّلاة في مصنَّفات العلماء يشتمل على أبوابٍ يذكر فيها أحكام الصَّلاة وأنواعها. * * * * *

стр. 178

بَابُ المَوَاقِيتِ المَوَاقِيتُ: جمع ميقاتٍ؛ وهو: الوقت المحدود لأمرٍ ما، ويطلق على المكان المحدود كذلك، كما في مواقيت الإحرام. وَالمَقْصُودُ بِهَذَا البَابِ: بيان أوقات الصَّلوات الخمس، بذكر الأحاديث الدَّالَّة عليها من السُّنَّة، فإنَّها مبيِّنةٌ لما أجمل في القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]، وقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨]. * * * * * (١٦٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵃، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرْ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلاةِ العِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * هذا الحديث أصلٌ في بيان مواقيت الصَّلوات الخمس، وهو أجمع حديثٍ بيَّن فيه النَّبيُّ ﷺ بقوله أوقات الصَّلاة، فإنَّ ما سواه من أحاديث المواقيت إخبارٌ عن فعله ﷺ . وقد ذكر الحافظ ﵀ أطرافًا منها حسب ما يقتضيه المقام والاختصار.

стр. 179

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أوَّل وقت الظُّهر؛ وهو زوال الشَّمس، وذلك بإجماع العلماء. ٢ - آخر وقت الظُّهر؛ وهو إذا صار ظلُّ الشَّيء مثله؛ لقوله ﷺ : «وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ»، وعنده يحضر وقت العصر، وإليه ذهب الجمهور لهذا الحديث. وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ آخر وقت الظُّهر إذا صار ظلُّ الشَّيء مثليه، وحينئذٍ يدخل وقت العصر عنده. ٣ - أوَّل وقت العصر. ٤ - آخر وقت العصر الاختياريِّ، وهو اصفرار الشَّمس. ٥ - أوَّل وقت المغرب؛ وهو غروب الشَّمس، كما يدلُّ عليه اسم هذه الصَّلاة. ٦ - آخر وقت صلاة المغرب؛ وهو مغيب الشَّفق، وهو الحمرة كما سيأتي. ٧ - آخر وقت صلاة العشاء؛ وهو نصف اللَّيل. ٨ - أوَّل وقت صلاة الصُّبح؛ وهو طلوع الفجر. ٩ - آخر وقت صلاة الصُّبح؛ وهو طلوع الشَّمس. ١٠ - بيان مواقيت الصَّلاة بالتَّحديد لأوَّلها وآخرها، وقد دلَّ على ذلك أيضًا حديث جبريل عندما صلَّى بالنَّبيِّ ﷺ في يومين في أوَّل الوقت وفي آخره (١). وقد أجمع العلماء على أوائل أوقات الصَّلاة على ما تقدَّم إلَّا العصر؛ فالجمهور على أنَّ أوَّل وقتها حين يصير ظلُّ الشَّيء مثله، وقال أبو حنيفة: «أوَّل وقتها حين يصير ظلُّ الشَّيء مثليه».

стр. 180

وأجمع العلماء على أنَّ آخر وقت صلاة الفجر؛ ما لم تطلع الشَّمس. وأنَّ آخر وقت المغرب ما لم يغب الشَّفق. واختلفوا في آخر وقت الظُّهر، فقيل: إذا صار ظلُّ الشَّيء مثله، وهو أوَّل وقت العصر، وعليه؛ فهذا الوقت مشتركٌ بين الظُّهر والعصر، وهذا مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: «آخر وقت الظُّهر إذا صار ظلُّ الشَّيء مثليه»، وقيل: ما لم تصفرَّ الشَّمس، وقيل: إلى أن يبقى قدر خمس ركعاتٍ قبل أن تغرب الشَّمس، والصَّواب: الأوَّل، وما بعد ذلك فهو وقتٌ للجمع أو للضَّرورة. واختلفوا في آخر وقت العصر، فقيل: إلى أن يصير ظلُّ الشَّيء مثليه، على ما جاء في حديث جبريل، وقيل: ما لم تصفرَّ الشَّمس، على ما في حديث عبد الله بن عمرٍو ﵃ هذا، وهذا هو الرَّاجح؛ لأنَّ حديث عبد الله متأخِّرٌ، وهو من البيان بالقول لا بالفعل، وقيل: آخر وقت العصر قدر ركعةٍ قبل أن تغرب الشَّمس، والصَّحيح: أنَّ هذا وقت ضرورةٍ لا وقت اختيارٍ. والله أعلم. واختلفوا في آخر وقت العشاء، فقيل: إلى ثلث اللَّيل؛ لحديث جبريل، وقيل: إلى نصف اللَّيل؛ لحديث عبد الله بن عمرٍو ﵃، وقيل: إلى طلوع الفجر، وممَّن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة والشَّافعيُّ، واستدلَّ لهم بحديث أبي قتادة ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الأُخْرَى» (١)، وخصَّ من ذلك صلاة الفجر، فإنَّ ما بعد طلوع الشَّمس ليس وقتًا لها بالإجماع. وقيل: ما بعد ثلث اللَّيل أو نصفه وقت ضرورةٍ، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وقال ابن حزمٍ: ما بعد نصف اللَّيل ليس وقتًا لصلاة العشاء مطلقًا، كما أنَّ ما بعد طلوع الشَّمس ليس وقتًا لصلاة الصُّبح. ١١ - التَّيسير في أوقات الصَّلاة؛ حيث جعلها الله موسَّعةً.

стр. 181

(١٦٧) وَلَهُ (١) مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁ فِي العَصْرِ: «وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ». (١٦٨) وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁: «وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» (٢). (١٦٩) وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وكَانَ يَسْتحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ مِنَ الْعِشَاءِ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (١٧٠) وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: «وَالْعِشَاءُ أَحْيَانًا يُقَدِّمُهَا، وَأَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَؤُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ» (٤). (١٧١) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁: «فَأَقَامَ الْفَجْرَ حينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» (٥). * * * هذه الأطراف من حديث بريدة وحديث أبي موسى ﵃ -في العصر والفجر- وحديث أبي برزة، وحديث جابرٍ ﵃ كلُّها أخبارٌ عن هديه ﷺ في وقت أداء الصَّلوات الخمس، وليس فيها تحديدٌ للأوقات، وهي في جملتها تدلُّ على أنَّ هديه ﷺ : التَّبكير بالصَّلوات في أوَّل وقتها؛ إلَّا العشاء فإنَّه ﷺ يستحبُّ تأخيرها؛ لكن يعجِّلها خوف المشقَّة على أصحابه.

стр. 182

وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - التَّبكير بصلاة الظُّهر؛ لقول أبي برزة ﵁ في أصل الحديث: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي الهجير -أي: الظُّهر- حين تدحض الشَّمس»؛ أي: تزول، إلا في شدة الحر؛ لحديث: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ» (١). ٢ - التَّبكير بصلاة العصر، كما يدلُّ له قول بريدة ﵁: «والشَّمس بيضاء نقيَّةٌ»، وقول أبي موسى ﵁: «والشَّمس مرتفعةٌ»، وقول أبي برزة ﵁: «ثمَّ يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشَّمس حيَّةٌ»؛ أي: لم تزُل حرارتها، ولم يضعف ضوؤها، ولم يدخلها صفرةٌ. ٣ - التَّبكير بصلاة المغرب؛ لقول جابرٍ في أصل حديثه: «والمغرب إذا وجبت»؛ أي: إذا سقطت الشَّمس في الأفق؛ أي: غربت. ٤ - استحباب تأخير صلاة العشاء، إلَّا أن يشقَّ على المأمومين فيستحبُّ تعجيلها. ٥ - أنَّ هديه ﷺ التَّغليس بصلاة الفجر؛ أي: يصلِّيها بغلسٍ؛ وهو اختلاط ظلام اللَّيل بضياء النَّهار، وهو يدلُّ على أنَّه ﷺ يدخل فيها في أوَّل الوقت؛ لقول أبي موسى ﵁: «فأقام الفجر حين انشقَّ الفجر، والنَّاس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا»، وقول أبي برزة ﵁: «وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرَّجل جليسه»، مع تطويله القراءة ﷺ . ٦ - فضل المبادرة إلى فعل الخيرات من الفرائض، وسائر الطَّاعات، قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. ٧ - ترك الفاضل إلى المفضول دفعًا للمشقَّة. ٨ - رأفة النَّبيِّ ﷺ ورحمته بأصحابه وأمَّته.

стр. 183

٩ - استحباب تطويل القراءة في صلاة الفجر؛ لقوله: «وكان يقرأ بالسِّتِّين إلى المئة»؛ أي: في صلاة الغداة، وهي صلاة الصُّبح، وقوله: «بالسِّتِّين إلى المئة» تحتمل أن يكون في الرَّكعتين، وأن يكون في إحداهما، وشكَّ في ذلك بعض الرُّواة، ولكلٍّ من الاحتمالين شاهدٌ من هديه ﷺ في قراءته في صلاة الصُّبح؛ فيشهد لاحتمال أنَّه في الرَّكعتين قراءته في فجر يوم الجمعة بالسَّجدة والإنسان، ومجموع آياتهما ستُّون، ويشهد للثَّاني ما ورد أنَّه ﷺ قرأ في الفجر سورة الصَّافَّات (١). نبَّه إلى هذا المعنى الحافظ ابن حجرٍ (٢) في كلامه على حديث أبي برزة حين ذكره البخاريُّ في باب القراءة في الفجر، والله أعلم. ١٠ - حرص الصَّحابة ﵃ على حضور الصَّلاة مع النَّبيِّ ﷺ ؛ لقول أبي برزة ﵁: «ثمَّ يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة». ١١ - كراهة النَّوم قبل صلاة العشاء. ١٢ - كراهة السَّمر بعد العشاء، وخصَّ من ذلك تحدُّث الرَّجل مع أهله، والإمام في مصالح المسلمين، وفي تعليم العلم، من غير تمادٍ يؤدِّي إلى ترك قيام اللَّيل وترك صلاة الفجر. * * * * * (١٧٢) وَعَنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * *

стр. 184

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - بيان هديه ﷺ في وقت صلاة المغرب. ٢ - أنَّ السُّنَّة التَّبكير بصلاة المغرب. ٣ - عدم التَّطويل في صلاة المغرب. ٤ - صلاة المغرب جماعةً. ٥ - ضبط الوقت بمدى الرُّؤية. ٦ - الرَّدُّ على الرَّافضة الذين لا يصلُّون المغرب حتَّى تشتبك النُّجوم. ٧ - عناية الصَّحابة ﵃ بالرَّمي. * * * * * (١٧٣) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِالعِشَاءِ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). * * * قولها ﵂: «أعتم»؛ أي: دخل في العتمة، وهي: ظلمة اللَّيل. وقولها ﵂: «عامَّة اللَّيل»؛ أي: كثيرٌ من اللَّيل. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب تأخير صلاة العشاء ما لم يخش خروج الوقت، وما لم يشقَّ على المأمومين. ٢ - تعمُّد التَّأخير -وإن شقَّ- لقصد التّعليم والبيان. ٣ - شفقته ﷺ على أمَّته. ٤ - ترك الأفضل لدفع المشقَّة، ففيه شاهدٌ لقاعدة: (المشقَّة تجلب التَّيسير)، وقاعدة: (درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح).

стр. 185

٥ - إيثاره ﷺ الأيسر من الأمرين، وإن كان الآخر أفضل. ٦ - أنَّ الأمر يقتضي الوجوب، كما جاء في روايةٍ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي -أَوْ عَلَى النَّاسِ- لأَمَرْتُهُمْ بِالصَّلَاةِ هَذِهِ السَّاعَةَ» (١). ٧ - أنَّ الغالب من هديه ﷺ عدم تأخير العشاء لآخر وقتها. ٨ - أنَّ اليسير من النَّوم لا ينقض الوضوء، كما جاء في روايةٍ أنَّ عمر ﵁ قال: «يا رسول الله نام النِّساء والصِّبيان» (٢). ٩ - جواز الاجتهاد للنبيِّ ﷺ . ١٠ - جواز أن يأمر النَّبيُّ ﷺ باجتهادٍ؛ ويكون أمره ملزمًا. ١١ - احترام الصَّحابة ﵃ للنَّبيِّ ﷺ بانتظارهم إيَّاه، وصبرهم له مع التَّأخير الكثير. * * * * * (١٧٤) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب تأخير صلاة الظُّهر في شدَّة الحرِّ. والإبراد هو: التَّأخير إلى امتداد الفيء، وانكسار حرارة الرَّمضاء، وليس المراد زوال الرَّمضاء بالكلِّيَّة، وبهذا يظهر الجمع بين هذا الحديث وحديث خبَّابٍ ﵁: «شكونا إلى رسول الله ﷺ الصَّلاة في الرَّمضاء، فلم يشكنا» (٤).

стр. 186

وقيل: إنَّ الأمر للوجوب على الأصل، والجمهور على أنَّه للاستحباب، ثمَّ قيل: إنَّ استحباب الإبراد عامٌّ لكلِّ مصلٍّ، وقيل: إنَّه خاصٌّ بمن يلحقه مشقَّةٌ بالتَّعجيل في شدَّة الحرِّ، وهذا -والله أعلم- أظهر، وإذا كانت المشقَّة في التَّأخير لسببٍ ما، كان التَّعجيل أفضل، كما كان النَّبيُّ ﷺ يراعي ذلك في صلاة العشاء، إذا رآهم اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم أبطؤوا تأخَّر. ٢ - أنَّ الأصل في الظُّهر فعلها في أوَّل وقتها. ٣ - تخصيص أدلَّة المسارعة في الخيرات. ٤ - تعليل الأحكام. ٥ - حسن تعليمه ﷺ ببيان علَّة الحكم. ٦ - أنَّ شدَّة الحرِّ من فيح جهنَّم، و «من»: للتَّبعيض، أو للتَّشبيه، ويرجِّح الأوَّل قوله ﷺ : «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا؛ فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ ونَفَسٍ فِي الصَّيْفِ» (١). ٧ - أنَّ النَّار موجودةٌ الآن. * * * * * (١٧٥) وَعَنْ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَصْبِحُوا بِالصُّبْحِ؛ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لأُجُورِكُمْ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (٢). * * *

стр. 187

استدلَّ بهذا الحديث من يرى تأخير صلاة الفجر إلى وقت الإسفار؛ وهو ذهاب الغلس، وقد ذهب إلى ذلك أبو حنيفة وأصحابه، وذهب الجمهور من العلماء إلى استحباب التَّغليس بصلاة الفجر؛ عملاً بالأحاديث الدَّالَّة على ذلك كما تقدَّم، وحملوا الإصباح -في هذا الحديث- والإسفار -كما في روايةٍ- على التَّحقُّق من طلوع الفجر، أو تطويل الصَّلاة حتَّى يحصل الإسفار، وهذا أجود، والأولى حمل الإسفار على الإمهال في صلاة الفجر من غير أن يخرج بها عن وقت الغلس. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - استحباب إطالة صلاة الفجر وإطالة القراءة فيها. ٢ - فضيلة صلاة الفجر. ٣ - تفاضل الأعمال في الأجور. ٤ - التَّعبير عن الصَّلاة بوقتها، وهو من مجاز الحذف؛ أي: أصبحوا بصلاة الصُّبح. ٥ - تسمية الثَّواب أجرًا، وشواهد هذا المعنى في القرآن كثيرةٌ؛ كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون (٨)﴾ [فصلت: ٨]. * * * * * (١٧٦) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٧٧) وَلِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ نَحْوُهُ، وَقَالَ: «سَجْدَةً» بَدَلَ «رَكْعَةً»، ثُمَّ قَالَ: «وَالسَّجْدَةُ إِنَّمَا هِيَ الرَّكْعَةُ» (٢). * * *

стр. 188

تقدَّم في حديث عبد الله بن عمرٍو ﵃ أنَّ وقت الفجر ما لم تطلع الشَّمس، ووقت العصر ما لم تصفرَّ الشَّمس، وهذا الحديث موافقٌ لحديث عبد الله بن عمرٍو ﵃ في آخر وقت صلاة الفجر، ودالٌّ على الزِّيادة في وقت صلاة العصر إلى غروب الشَّمس. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ وقت الفجر إلى طلوع الشَّمس. ٢ - أنَّ وقت العصر إلى غروب الشَّمس. ٣ - أنَّ من أدرك ركعةً من صلاة الصُّبح قبل طلوع الشَّمس فقد أدرك الصَّلاة في وقتها، ومن أدرك ركعةً من العصر قبل غروب الشَّمس فقد أدرك العصر في وقتها، وهذا محمولٌ عند العلماء على حال الضَّرورة؛ كحائضٍ طهرت، وصبيٍّ بلغ، وكافرٍ أسلم، ونائمٍ استيقظ من نومه، وعلى هذا؛ فلا يجوز تعمُّد تأخير الصَّلاة إلى هذه الغاية، فلا يجوز تعمُّد تأخير العصر إلى أن تصفرَّ الشَّمس، ولا يجوز تأخير الصُّبح حتَّى لا يبقى إلَّا قدر ركعةٍ. ٤ - جواز فعل فرض الوقت وفعل الفائتة في وقت النَّهي، وقد ذهب الجمهور إلى ذلك، وذهبت الحنفيَّة إلى جواز ذلك في فرض الوقت كركعةٍ من صلاة العصر قبل غروب الشَّمس، ومنعوا ذلك في الفائتة، ولهذا قالوا: من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشَّمس أتمَّها وصحَّت منه، ومن أدرك ركعةً من الصُّبح فإنَّها لا تصحُّ منه؛ لأنَّ الرَّكعة الثَّانية تقع في وقت النَّهي، فتبطل الرَّكعة الأولى (١)، وهذا باطلٌ؛ فإنَّه خلاف نصِّ الحديث. ٥ - أنَّ من أدرك أقلَّ من ركعةٍ لم يكن مدركًا للوقت، وذهب بعض العلماء إلى أنَّ من أدرك من الوقت قدر تكبيرةٍ فقد أدرك الوقت، وهذا خلاف ظاهر الحديث.

стр. 189

٦ - إطلاق السَّجدة على الرَّكعة، وهذا من التَّعبير بالجزء عن الكلِّ، ونحوه إطلاق الرَّكعة على مجموع أفعال الرَّكعة من ركعات الصَّلاة. * * * * * (١٧٨) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْريِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ولا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (١٧٩) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ». (١٨٠) وَلَهُ (٢) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً؛ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ؛ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ». والحكم الثَّاني عند الشَّافعيِّ من: (١٨١) حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَزَادَ: «إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (٣). (١٨٢) وَكَذَا لأَبِي دَاوُدَ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ نَحْوُهُ (٤). * * * هذان الحديثان صريحان في النَّهي عن الصَّلاة في هذه الأوقات، وهي خمسةٌ: ١ - بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشَّمس. ٢ - إذا طلعت الشَّمس حتَّى ترتفع.

стр. 190

٣ - حين يقوم قائم الظَّهيرة؛ أي: حين تتوسَّط الشَّمس في كبد السَّماء حتَّى تزول. ٤ - بعد العصر حتَّى تتضيَّف الشَّمس للغروب؛ أي: حين تشرع في الغروب. ٥ - إذا شرعت في الغروب حتَّى يتمَّ. وهذه الأوقات تنقسم إلى قسمين: وقتان طويلان؛ وهما الأوَّل والرَّابع، وثلاثةٌ قصيرةٌ؛ وهي السَّاعات المذكورة في حديث عقبة؛ وهي الثَّاني والثَّالث والخامس. وأجمع العلماء على أنَّه لا يدخل في النَّهي عن الصَّلاة بعد الفجر وبعد العصر فرض الوقت. واختلفوا فيما سوى ذلك من الفوائت، وأنواع التَّطوُّعات، وذهب أبو حنيفة إلى أنَّ النَّهي عامٌّ في جميع الصَّلوات، وخصَّ الجمهور من ذلك الفرائض الفائتة، وخصَّ الشَّافعيُّ من ذلك ذوات الأسباب؛ كتحيَّة المسجد، وركعتي الطَّواف، وصلاة الكسوف. وعلى هذا، فالمحرَّم تعمُّد الصَّلاة في هذه الأوقات من غير سببٍ. والمخصِّص لأحاديث النَّهي في الصَّلوات الفائتة قوله ﷺ : «مَنْ نَسِيَ صَلاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ» (١)، وفي ذوات الأسباب الأحاديث الواردة في مشروعيَّتها؛ كقوله ﷺ : «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» (٢)، وقوله ﷺ في صلاة الكسوف: «فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللهَ … » (٣) الحديث.

стр. 191

وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تحريم الصَّلاة في هذه الأوقات الخمسة إلَّا ما خصَّه الدَّليل على ما تقدَّم. ٢ - الحكمة من النَّهي عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها، وهي عدم مشابهة الكفَّار الَّذين يسجدون للشَّمس عند طلوعها وغروبها، كما جاء النَّصُّ على ذلك في أحاديث أخرى، وهذا من أدلَّة تحريم التَّشبُّه بالكفَّار. ٣ - أنَّ حكمة النَّهي عن الصَّلاة في الوقتين الطَّويلين سدُّ ذريعة التَّشبُّه بالكفَّار، فهو من أدلَّة سدِّ الذَّرائع. وبهذا يتبيَّن أنَّ النَّهي عن الصَّلاة في الوقتين الطَّويلين أخفُّ من الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وعند غروبها؛ لأنَّ الأوَّل من تحريم الوسائل، والثَّاني من تحريم الغايات. ٤ - تحريم الصَّلاة عند توسُّط الشَّمس في كبد السَّماء، وهو حين يقف الظِّلُّ قبيل زوال الشَّمس، وخصَّ من ذلك يوم الجمعة لمن حضرها؛ لما جاء في الآثار من أنَّ الصَّحابة ﵃ كانوا يصلُّون حتَّى يخرج الإمام (١). ٥ - تحريم دفن الميِّت في السَّاعات الثَّلاث؛ لقوله: «وأن نقبر فيهنَّ موتانا». * * * * *

стр. 192

(١٨٣) وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أوْ نَهَارٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضل بني عبد منافٍ، وهو الجدُّ الثَّالث للنَّبيِّ ﷺ . ٢ - اختصاصهم بأمر البيت سدانةً وسقايةً. ٣ - أنَّ لهم أمرًا ونهيًا في المسجد الحرام، وأنَّ أمر الشَّرع فوق أمرهم. ٤ - جواز الطَّواف بالبيت في كلِّ وقتٍ. ٥ - جواز الصَّلاة في المسجد الحرام في كلِّ وقتٍ، فيحتمل أن يكون ذلك مطلقًا بسببٍ أو بغير سببٍ، وقد قيل بذلك في جميع الحرم، وهو المشهور عند الشَّافعيِّ، ويحتمل أن يكون المراد ركعتي الطَّواف؛ لأنَّها من ذوات الأسباب، وهذا الاحتمال أظهر؛ لأنَّه عطف الصَّلاة على الطَّواف بالواو. ٦ - تخصيص أحاديث أوقات النَّهي عن الصَّلاة بهذا الحديث، وقال بذلك جمعٌ من أهل العلم، وذهب آخرون إلى تخصيص حديث جبيرٍ ﵁ هذا بأحاديث النَّهي عن الصَّلاة في الأوقات المخصوصة، كما جاء عن ابن عمر ﵃ أنَّه كان لا يصلِّي ركعتي الطَّواف بعد العصر، وهكذا كلُّ من لا يرى فعل ذوات الأسباب في أوقات النَّهي. ٧ - إقرار النَّبيِّ ﷺ لهم على ما لهم من السِّدانة والسِّقاية. * * * * *

стр. 193

(١٨٤) وَعَنِ ابنِ عُمَرَ ﵃ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ». رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١)، وَصَحَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ وَقفَهُ (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ الشَّفق الحمرة في الأفق التي تكون بعد غروب الشَّمس، وهذا قول الجمهور، وقال بعض العلماء: الشَّفق: البياض، وقال بعضهم: الشَّفق: الحمرة، ولكن يعرف غيابه بذهاب البياض، ولهذا فرَّق بعضهم بين السَّفر والحضر، ففي الحضر يعتبر ذهاب البياض، وفي السَّفر يعتبر ذهاب الحمرة. ٢ - أنَّ وقت المغرب ينتهي بمغيب الحمرة، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرٍو ﵃ (٣). ٣ - أنَّ دخول وقت العشاء إذا غاب الشَّفق كما تقدَّم. * * * * * (١٨٥) وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجْرٌ يُحَرِّمُ الطَّعَامَ وَتَحِلُّ فيهِ الصَّلَاةُ، وَفَجْرٌ تَحْرُمُ فيهِ الصَّلَاةُ -أَيْ: صَلاةُ الصُّبْحِ- وَيَحِلُّ فيهِ الطَّعَامُ». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالحَاكِمُ، وَصَحَّحَاهُ (٤). (١٨٦) وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ نَحْوُهُ، وَزَادَ فِي الذِي يُحَرِّمُ الطَّعَامَ: «إِنَّهُ يَذْهَبُ مُسْتَطِيلاً فِي الأُفُقِ»، وَفِي الآخَرِ: «إِنَّهُ كَذَنَبِ السِّرْحَان» (٥). * * *

стр. 194

المراد بالفجر: ظهور الضَّوء من قبل المشرق آخر اللَّيل. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أنَّ الفجر نوعان. ٢ - الفرق بينهما في الصِّفة: وذلك أنَّ الفجر الأوَّل -ويسمَّى الكاذب- يكون «كَذَنَبِ السِّرْحَان»، أي: عموديًّا رأسيًّا. والفجر الثَّاني -ويسمَّى الصَّادق- يكون ضوؤه مستطيلًا في الأفق، أي: معترضًا يمينًا وشمالًا. ٣ - الفرق بينهما في الحكم: - الفجر الكاذب يحلُّ فيه الطَّعام لمن يريد الصَّوم، وتحرم فيه صلاة الفجر. - الفجر الصَّادق يحرم فيه الطَّعام للصَّائم، وتحلُّ فيه صلاة الفجر. ٤ - وجوب العلم بالفرق بينهما صفةً وحكمًا. * * * * * (١٨٧) وَعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا». رَوَاهُ الترمِذِيُّ، وَالحَاكمُ، وَصَحَّحَاهُ، وَأصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» (١). (١٨٨) وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ، وَأَوْسَطُهُ رَحْمَةُ اللهِ، وَآخِرُهُ عَفْوُ اللهِ». أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا (٢).

стр. 195

(١٨٩) وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ نَحْوُهُ، دُونَ الأَوْسَطِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا (١). * * * وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - فضل الصَّلاة في أوَّل وقتها، ويستثنى من هذا الظُّهر في شدَّة الحرِّ، وصلاة العشاء، فالأفضل فيهما التَّأخير. ٢ - أنَّ الصَّلاة في أوَّل وقتها أفضل الأعمال، ولفظ «الصَّحيحين»: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». ٣ - أنَّ أوقات الصَّلوات موسَّعةٌ، والوقت الموسَّع للعبادة هو ما يتَّسع لأكثر من فعلها. ٤ - إثبات هذه الصِّفات لله: الرِّضا، و الرَّحمة، و العفو، وهي ثابتةٌ بالنُّصوص من الكتاب والسُّنَّة الصَّحيحة. ٥ - تفاضل الصَّلاة من حيث الوقت؛ أوَّله، وأوسطه، وآخره. ٦ - تفاضل العاملين بحسب حظِّهم من الفضائل. * * * * * (١٩٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ (٢). (١٩١) وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» (٣). (١٩٢) وَمِثْلُهُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ عَنِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵃ (٤).

стр. 196

الحديثان فيهما فوائد، منها: ١ - أنَّ راتبة الفجر قبليَّةٌ. ٢ - النَّهي عن الصَّلاة بعد طلوع الفجر إلَّا ركعتي الفجر، وخُصَّ من ذلك ذوات الأسباب كركعتي الطَّواف، وتحيَّة المسجد على الصَّحيح كما تقدَّم، وخُصَّ من ذلك أيضًا الوتر لمن نام عنه أو نسيه؛ لحديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ» (١). وقد ذهب الجمهور إلى كراهة التَّطوُّع بالصَّلاة بعد طلوع الفجر؛ لظاهر حديثي ابن عمر، وابن عمرٍو ﵃. وقال بعض العلماء بجواز التَّطوُّع من غير استحبابٍ. و الأظهر: أنَّ النَّهي في الحديثين للتَّحريم؛ كنظائره في أحاديث النَّهي المتقدِّمة. والله أعلم. * * * * * (١٩٣) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتِي، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «شُغِلْتُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ»، قُلْتُ: أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا؟ قَالَ: «لَا». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٢). (١٩٤) وَلأَبِي دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ بِمَعْنَاهُ (٣). * * * وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة ركعتين بعد الظُّهر، وهما الرَّاتبة.

стр. 197

٢ - قضاؤهما بعد العصر إذا فاتتا، وكذا سائر الرَّواتب إذا فاتت، وأمَّا رواية: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: «لَا»، فمختلفٌ في صحَّتها، ومن صحَّحها قال: لا يجوز قضاء الرَّاتبة بعد العصر. ٣ - جواز قضاء الرَّاتبة بعد العصر؛ لفعله ﷺ ، وهذا من أدلَّة جواز فعل ذوات الأسباب في أوقات النَّهي. ٤ - مداومته ﷺ على صلاة الرَّكعتين بعد العصر، كما في «الصَّحيحين» عن عائشة ﵂، قالت: «ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر عندي قطُّ» (١)، وقد أخذ منه بعض العلماء جواز الصَّلاة بعد العصر، وذهب الجمهور إلى أنَّ هذا من خصائصه ﷺ ، وهذا هو الصَّواب، وبه يحصل الجمع بين الأدلَّة. * * * * *

стр. 198

بَابُ الأَذَانِ الأَذَانُ: اسم مصدرٍ من آذن، أو أذَّن، ومعناه الإعلام. واصطلاحًا: الإعلام بدخول وقت الصَّلاة، أو حضور الصَّلاة. وقد ذكر الله النِّداء للصَّلاة -أي الصَّلوات الخمس- في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]، والنِّداء للجمعة في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. والأذان والإقامة قيل: إنَّهما فرض كفايةٍ يقاتل أهل بلدٍ تركوهما، والدَّليل على وجوبهما قوله ﷺ : «وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (١)، ولمداومته ﷺ على ذلك، ولا يشرع الأذان لغير الصَّلوات الخمس. والأذان إنَّما شرع في المدينة، وقد كان الصَّحابة ﵃ يتحيَّنون وقت الصَّلاة؛ أي: يتحرَّونه، ففكَّروا بشيءٍ يعرفون به الوقت، فرأى بعضهم أن يتَّخذوا ناقوسًا كناقوس النَّصارى، أو بوقًا كبوق اليهود، فكره النَّبيُّ ﷺ ذلك؛ لما فيه من المشابهة، ثمَّ إنَّ عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه ﵁ رأى الأذان، فأقرَّه النَّبيُّ ﷺ وأمر عبد الله أن يلقيه على بلالٍ ﵁ (٢). * * * * * (١٩٥) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ ﵁ قَالَ: طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ … فَقَالَ: تَقُولُ: «اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ … » فَذَكَرَ الأَذَانَ؛ بِتَرْبِيعِ التَّكْبِيرِ بِغَيْرِ تَرْجِيعٍ، وَالإِقَامَةَ فُرَادَى، إِلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ

стр. 199

ﷺ ، فَقَالَ: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ … ». الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ (١). * * * عبد الله بن زيدٍ ﵁ هو ابن عبد ربِّه، ويعرف بالَّذي أري الأذان في المنام، وهو غير عبد الله بن زيد بن عاصمٍ، وقوله: «طاف بي طائفٌ وأنا نائمٌ»؛ أي: رأيت في المنام رجلاً جاء إليَّ ومعه ناقوسٌ، فقلت: «أَعْطِنِيهِ نُعْلِمُ بِهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ … » إلى آخر الأذان «بتربيع التَّكبير»؛ أي: بالتَّكبير في أوَّل الأذان أربعًا، والباقي مثنى مثنى، ثمَّ علَّمه الإقامة: «فُرَادَى إِلَّا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ». والتَّرجيع هو النُّطق بالشَّهادتين مرَّةً بخفض الصَّوت، ومرَّةً برفعه، فأقرَّه النَّبيُّ ﷺ ، وقال: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ»، فثبت بذلك حكم الأذان بشهادة النَّبيِّ ﷺ وتقريره. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضيلة عبد الله بن زيدٍ ﵁. ٢ - أنَّ الرُّؤيا قد تكون سببًا في شرع بعض الأحكام، وذلك في حياة النَّبيِّ ﷺ لا بعده، فإنَّ الأحكام الشَّرعيَّة لا تثبت إلَّا ببيانه ﷺ . ٣ - مشروعيَّة الأذان في الصَّلوات الخمس. ٤ - صفة الأذان وأنَّه خمس عشرة جملةً، وللأذان صفاتٌ أخرى، لكن أشهرها ما في رواية عبد الله بن زيدٍ ﵁. ٥ - أنَّه لا ترجيع في أذان عبد الله بن زيدٍ ﵁. ٦ - مشروعيَّة الإقامة، وأنَّها إحدى عشرة جملةً. ٧ - أنَّ جمل الإقامة فرادى إلَّا جملة «قد قامت الصَّلاة».

стр. 200

٨ - كراهة التَّشبُّه باليهود والنَّصارى وغيرهم من الكافرين، وهو على مراتب. ٩ - فضيلة هذه الأمَّة بشعار الأذان المشتمل على أصول الإيمان. ١٠ - أنَّ الأذان شعار ديار الإسلام. ١١ - فضيلة النَّبيِّ ﷺ حيث قرن ذكره بذكر الله في الأذان والإقامة. * * * * * (١٩٦) وَزَادَ أَحْمَدُ فِي آخِرِهِ قِصَّةَ قَوْلِ بِلَالٍ ﵁ فِي أَذَانِ الفَجْرِ: «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» (١). (١٩٧) وَلاِبْنِ خُزَيْمَةَ: عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «مِنَ السُّنَّةِ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ فِي الفَجْرِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» (٢). * * * في هذين الحديثين فوائد، منها: ١ - التَّثويب في أذان الفجر، وهو قول المؤذِّن: الصَّلاة خيرٌ من النَّوم، والصَّحيح أنَّه في الأذان الثَّاني الذي يكون بعد طلوع الفجر، ويقال لهذا الأذان: الأوَّل، بالنِّسبة للإقامة؛ لأنَّ الإقامة تسمَّى أذانًا؛ لقوله ﷺ : «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» (٣). ٢ - تحديد موضع التَّثويب من الأذان، وأنَّه بعد الحيعلتين. ٣ - التَّذكير بفضل الصَّلاة في هذا الوقت؛ لأنَّه مظنَّة التَّهاون بها. ٤ - المفاضلة بين الصَّلاة والنَّوم مع أنَّه لا نسبة بينهما؛ توبيخًا لمن يؤثر النَّوم عليها؛ فإنَّ لسان حاله يقول: النَّوم خيرٌ من الصَّلاة.

стр. 201

٥ - أنَّ تفضيل الكامل على النَّاقص جائزٌ إذا اقتضاه سببٌ. * * * * * (١٩٨) عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأذَانَ، فَذَكَرَ فيهِ التَّرْجِيعَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١)، وَلَكِنْ ذَكَرَ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهِ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ. (١٩٩) وَرَوَاهُ الخَمْسَةُ فَذَكَرُوهُ مُرَبَّعًا (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ أبا محذورة ﵁ أحد مؤذِّني النَّبيِّ ﷺ . ٢ - أنَّ أبا محذورة ﵁ حسن الصَّوت، كما سيأتي في رواية ابن خزيمة. ٣ - استحباب أن يكون المؤذِّن حسن الصَّوت. ٤ - استحباب التَّرجيع في الأذان، وهذا أحد أنواع الأذان، فيؤذَّن به أحيانًا؛ لأنَّ الأفضل في العبادة الَّتي لها أنواعٌ أن يؤتى بهذا تارةً، وبهذا تارةً. ٥ - تربيع التَّكبير في أوَّل الأذان، كما في حديث عبد الله بن زيدٍ ﵁، وهو أرجح الرِّوايتين في حديث أبي محذورة ﵁. ٦ - بركة دعاء النَّبيِّ ﷺ لأبي محذورة ﵁ فهو سبب هدايته كما جاء في أصل الحديث (٣).

стр. 202

(٢٠٠) وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «أُمِرَ بِلالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأذَانَ، وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ، إِلَّا الإِقَامَةَ» يَعْنِي قَوْلَهُ: «قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْلمٌ الاسْتِثْنَاءَ. (٢٠١) وَلِلنَّسَائِيِّ: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالاً» (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة الأذان والإقامة. ٢ - وجوب شفع الأذان، والمراد: ذكر كلِّ جملةٍ من الأذان مرَّتين إلَّا التَّكبير في أوَّله فالمشروع فيه التَّربيع، وخصَّ من شفع الأذان كلمة التَّوحيد في آخره (لا إله إلا الله)؛ فإنَّها تقال مرَّةً، وهو إجماعٌ. ٣ - وجوب إيتار الإقامة؛ وهو ذكر كلِّ جملةٍ من الإقامة مرَّةً واحدةً، إلَّا الإقامة؛ يعني: (قد قامت الصَّلاة). وخصَّ أيضًا من الوتر في الإقامة التَّكبير في أوَّلها وآخرها، وإن لم يذكر في الحديث فإنَّه يثنَّى بالاتِّفاق، وقد ذهب

стр. 203

الجمهور في صفة الإقامة إلى ما دلَّ عليه هذا الحديث، وذهب أبو حنيفة إلى شفع الإقامة أيضًا؛ لما جاء في حديث أبي محذورة ﵁ (١)، فإن صحَّ فلا تعارض في الحديثين، فإنَّ كلًّا من الصِّفتين جائزٌ، ويكون من تنوُّع العبادات، وإن كان أذان بلالٍ وإقامته أشهر وأكثر. ٤ - فضيلة بلالٍ ﵁ وأنَّه أشهر مؤذِّني النَّبيِّ ﷺ . ٥ - تفسير رواية النَّسائيِّ لرواية الصَّحيح بتعيين الآمر، وهو النَّبيُّ ﷺ . * * * * * (٢٠٢) وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «رَأَيْتُ بِلَالاً يُؤَذِّنُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، وَإِصْبَعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَه (٢). (٢٠٣) وَلاِبْنِ مَاجَهْ: «وَجَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ» (٣). وَلأَبِي دَاوُدَ (٤): «لَوَى عُنُقَهُ لَمَّا بَلَغَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاة يَمِينًا وَشِمَالاً، وَلَمْ يَسْتَدِرْ». وَأَصْلُهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» (٥). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة الأذان. ٢ - مشروعيَّة الالتفات في الأذان عند الحيعلتين يمينًا وشمالاً، وهذا من السُّنَّة التَّقريريَّة، وفائدته: الزِّيادة في إسماع الصَّوت، والظَّاهر: أنَّه لا يشرع في الأذان بواسطة المكبِّر؛ لفوات الحاجة إلى ذلك.

стр. 204

٣ - استحباب وضع المؤذِّن إصبعيه في أذنيه حال الأذان؛ لأنَّ ذلك يعينه على رفع الصَّوت، وذكر وضع الأصابع زيادةٌ على ما في «الصَّحيحين»، وقد اختلف في صحَّة هذه الزِّيادة. ٤ - أنَّ الالتفات بالرَّأس والعنق لا بالبدن. ٥ - استحباب رفع الصَّوت في الأذان، ومع هذه المكبِّرات لا تحسن المبالغة في رفع الصَّوت؛ لعدم الحاجة، ولما فيه من إزعاج من في المسجد وخارج المسجد. * * * * * (٢٠٤) وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْجَبَهُ صَوْتُهُ، فَعَلَّمَهُ الأَذَانَ». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضيلة أبي محذورة ﵁. ٢ - حسن صوت أبي محذورة ﵁. ٣ - استحباب حسن الصَّوت في الأذان. ٤ - تعليم الأذان. ٥ - حسن خلقه ﷺ ؛ لتعليمه أبا محذورة الأذان. * * * * * (٢٠٥) وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵃ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعِيدَيْنِ، غَيْرَ مَرَّةٍ ولا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ ولا إِقَامَةٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢).

стр. 205

(٢٠٦) وَنَحْوُهُ فِي المُتَّفَقِ عَلَيْهِ (١): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃، وَغَيْرِهِ. * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة صلاة العيدين، وهي ركعتان يجهر فيهما بالقراءة، ووقتها بعد ارتفاع الشَّمس، إلى أن تكون في كبد السَّماء قبل الزَّوال. ٢ - أنَّه لا ينادى لصلاة العيد، بل يأتي الإمام ويبدأ بالصَّلاة بلا أذانٍ ولا إقامةٍ، وقال بعضهم: ينادى لها كصلاة الكسوف، ولا أصل له، وهو قياسٌ فاسدٌ؛ لأنَّه خلاف النَّصِّ، وهو قياسٌ مع الفارق؛ فإنَّ صلاة العيد وقتها معلومٌ، وصلاة الكسوف عند حدوث السَّبب. ٣ - تأكيد الخبر بذكر تكرير المشاهدة. ٤ - فضيلة جابر بن سمرة ﵁. ٥ - أنَّ عيد المسلمين يوم ذكرٍ وعبادةٍ. ٦ - أنَّه لا عيد للمسلمين سوى العيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى. ٧ - الاجتماع لصلاة العيدين كالجمعة. ٨ - أنَّ السُّنَّة تكون بالتَّرك كما تكون بالفعل. ٩ - أنَّ ما تركه النَّبيُّ ﷺ مع وجود مقتضيه ففعله بدعةٌ. * * * * * (٢٠٧) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ، فِي نَوْمِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ: «ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ». رَواهُ مُسْلِمٌ (٢).

стр. 206

وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - الأذان للفائتة. ٢ - أنَّ من نام عن الصَّلاة صلَّاها إذا استيقظ من نومه. ٣ - أنَّ الصَّلاة الفائتة تصلَّى على صفتها كالمؤدَّاة. ٤ - أنَّ تأخير الفائتة لأجل الأذان والطَّهارة جائزٌ. ٥ - أنَّ من حكمة نوم النَّبيِّ ﷺ عن صلاة الصُّبح؛ أن يسنَّ ويعلِّم كيفيَّة أداء الصَّلاة الفائتة. * * * * * (٢٠٨) وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ» (١). (٢٠٩) وَلَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃: «جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ» (٢). وَزَادَ أبو دَاوُدَ: «لِكُلِّ صَلَاةٍ». وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَلَمْ يُنَادِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» (٣). * * * الحديث الأوَّل طرفٌ من حديث جابرٍ ﵁ الطَّويل في صفة حجَّة النَّبيِّ ﷺ ، وقد وردت رواياتٌ مخالفةٌ لحديث جابرٍ ﵁، ففي بعضها الأذان والإقامة لكلِّ صلاةٍ، وفي بعضها الإقامة للصَّلاتين دون الأذان، وقد أورد الحافظ بعضها بعد حديث جابرٍ ﵁. وما دلَّ عليه حديث جابرٍ ﵁ هو الذي ذهب إليه جمهور أهل العلم، ورأوا أنَّ الرِّوايات المخالفة لحديث جابرٍ خطأٌ؛ لوهمٍ أو نسيانٍ.

стр. 207

وفي الحديثين فوائد؛ منها: ٦ - تأخير الحاجِّ صلاة المغرب إلى حين الوصول إلى مزدلفة. ٧ - الجمع بين الصَّلاتين بمزدلفة، وهذا الجمع متَّفقٌ عليه. ٨ - الأذان للصَّلاتين المجموعتين أذانًا واحدًا. ٩ - الإقامة لكلِّ واحدةٍ منهما. * * * * * (٢١٠) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ ﵃ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ بلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتَّى يُنادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وَكَانَ رَجُلاً أَعْمَى لا يُنَادِي حتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَفِي آخِرِهِ إِدْرَاجٌ (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - الأذان للفجر قبل طلوع الفجر؛ للتَّنبيه على قربه؛ ليرجع القائم، ويستيقظ النَّائم. ٢ - عدم الاكتفاء به عن الأذان بعد طلوع الفجر. ٣ - اتِّخاذ أكثر من مؤذِّنٍ في مسجدٍ واحدٍ. ٤ - صحَّة أذان الأعمى إذا كان هناك من ينبِّهه، أو عنده ما يستدلُّ به على طلوع الفجر كالسَّاعة.

стр. 208

٥ - أنَّ الأذان قبل الفجر لا يحرِّم الطَّعام على الصَّائم. ٦ - إباحة الأكل والشُّرب في ليل الصِّيام حتَّى يتحقَّق طلوع الفجر، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وفي حكم الأكل والشُّرب: الجماع؛ فيلزم من ذلك أن يصبح الإنسان جنبًا، وقد كان النَّبيُّ ﷺ يصبح جنبًا فيغتسل ويصوم. ٧ - صحَّة صوم من أكل شاكًّا في طلوع الفجر. ٨ - فضيلة بلالٍ وابن أمِّ مكتومٍ ﵃. ٩ - جواز التَّقليد في وقت الصَّلاة. ١٠ - جواز العمل بخبر الواحد في الأذان. * * * * * (٢١١) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃: أَنَّ بِلَالاً أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ، فَيُنَادِيَ: «أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ». رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَضَعَّفهُ (١). * * * هذا الحديث وإن كان ضعيفًا فيستفاد منه: ١ - أنَّ من أذَّن قبل الوقت فينبغي أن يرجع ويعلم النَّاس بغلطه. ٢ - أنَّ هذا النِّداء من بلالٍ كان قبل أذانه المعتاد. ٣ - مشروعيَّة تصحيح الخطأ من قبل المخطئ نفسه، وأنَّه لا غضاضة عليه في ذلك. ٤ - إطلاق اسم العبد على المملوك، وهذا بالنِّسبة لبلالٍ باعتبار ما كان. * * * * *

стр. 209

(٢١٢) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٢١٣) وَلِلْبُخَارِيِّ: عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵁ (٢). (٢١٤) وَلِمُسْلِمٍ: عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي فَضْلِ القَوْلِ كَمَا يَقُولُ المُؤَذِّنُ كَلِمَةً كَلِمَةً سِوَى الحَيْعَلَتَيْنِ؛ فَيَقُولُ: «لَا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (٣). * * * وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة إجابة المؤذِّن، والمراد: أن يقول سامعه مثل ما يقول، كلَّما قال جملةً قال سامعه مثلها، وهو مستحبٌّ عند جمهور العلماء، وقال قومٌ بالوجوب ومنهم الظَّاهريَّة؛ لظاهر الأمر، ولا شكَّ أنّه قولٌ قويٌّ، واستدلَّ الجمهور على أنَّ الأمر للاستحباب بما رواه مسلمٌ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سمع مؤذِّنًا يقول: «الله أكبر الله أكبر»، فقال: «عَلَى الفِطْرَةِ»، ثمَّ قال: «أشهد أن لا إله إلاّ الله»، فقال: «خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ» (٤). ٢ - أنَّ الإجابة في الحيعلتين أن يقول السَّامع بعد كلِّ جملةٍ: (لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله)، كما في حديثي عمر ومعاوية ﵂، وهما مخصِّصان لحديث أبي سعيدٍ ومعاوية ﵃. ٣ - أنَّ إجابة المؤذِّن متضمِّنةٌ للعبادة والاستعانة. العبادة: بالتَّكبير وبالشَّهادتين، والاستعانة: بقول: لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله عند الحيعلتين. ٤ - أنَّ التَّرديد مع المؤذِّن إجابةٌ بالقول تقتضي الإجابة بالفعل. ٥ - أنَّ إجابة المؤذِّن إنَّما تشرع لمن تجب عليه الصَّلاة الَّتي ينادى لها، لكن إجابة من لا تجب عليه هذه الصَّلاة هو من الذِّكر المطلق.

стр. 210

٦ - أنَّ (لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله) استعانةٌ لا تصبُّرٌ. ٧ - الفرق بين الحيعلتين وسائر جمل الأذان من حيث نوع الكلام، فجمل الأذان خبرٌ، والحيعلتان إنشاءٌ، فلذلك اختلف حكمهما. * * * * * (٢١٥) وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي، قَالَ: «أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز طلب الإمامة في الصَّلاة ممَّن هو أهلٌ، ما لم يتَّخذها وسيلةً لرزقٍ من بيت المال أو وقفٍ. ٢ - فضيلة عثمان بن أبي العاص ﵁. ٣ - أنَّ اختيار المؤذِّن يرجع فيه إلى الإمام. ٤ - مشروعيَّة نصب الإمام والمؤذِّن. ٥ - كراهة أخذ الأجرة على وظيفة الأذان، وقيل بالتَّحريم، ولا يحرم الرَّزق من بيت المال، والتَّطوُّع أفضل، وأمَّا أخذ الأجرة على الأذان كلَّ مرَّةٍ بكذا فحرامٌ كأخذ الأجرة على تلاوة القرآن. ٦ - فضل الإمامة على الأذان، وقيل: إنَّ الأذان أفضل لقوله ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا» (٢) والأوَّل أظهر. والله أعلم.

стр. 211

٧ - وجوب مراعاة الإمام لمن خلفه، واعتبار ذلك بالأضعف. ٨ - جواز طلب الولاية إذا كانت الغاية هي المصلحة العامَّة للمسلمين، أمَّا إذا كانت الغاية ما في الإمارة ونحوها من الشَّرف والمصالح الماليَّة فلا يجوز سؤالها؛ لقوله ﷺ : «إِنَّا لا نُوَلِّي هَذَا الأَمْرَ مَنْ سَأَلَهُ» (١)، وقوله لعبد الرَّحمن بن سمرة ﵁: «لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ … » (٢) الحديث. ٩ - وصيَّة الإمام لمن يولِّيهم بما يحقِّق مقصود الولاية. * * * * * (٢١٦) وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ … » الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (٣). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة الأذان، وهو فرض كفايةٍ بدليل الأمر «فليؤذِّن». ٢ - أنَّه لا يعتبر في المؤذِّن ما يعتبر في الإمام من حفظ القرآن والعلم بالسُّنَّة ونحو ذلك. ٣ - أنَّ وقت الأذان هو دخول وقت الصَّلاة، وقد شرع لذلك. ٤ - مشروعيَّة الأذان عند إرادة فعل الصَّلاة إذا لم يؤذَّن لها في أوَّل الوقت، وحضور الصَّلاة في الحديث يشمل دخول الوقت وإرادة فعل الصَّلاة، ولذلك يشرع للمجموعتين وللفوائت. ٥ - اشتراط كون المؤذِّن مسلمًا ذكرًا، لقوله: «أَحَدُكُمْ» فلا يصحُّ أذان الكافر ولا المرأة. * * * * *

стр. 212

(٢١٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: «إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ … » الحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ (١). * * * الحديث وإن كان ضعيفًا فيعضده العمل والمعنى، فإنَّ المقصود من الأذان إعلام البعيد؛ فيناسبه التَّرسُّل، والإقامة إعلامٌ للحاضرين؛ فالمناسب لحالهم الحدر، وكذلك الفصل بين الأذان والإقامة بما يُمكِّن من الاستعداد للصَّلاة والفراغ من الشُّغل اليسير كالأكل والوضوء والغسل. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة الأذان والإقامة للصَّلوات الخمس. ٢ - استحباب التَّرسُّل في الأذان. ٣ - استحباب الحدر في الإقامة؛ وهو عدم الفصل بين الجمل. ٤ - استحباب الفصل بين الأذان والإقامة بحسب ما تدعو إليه الحاجة. ٥ - توجيه الإمام رعيَّته كلًّا بما يخصُّه. * * * * * (٢١٨) وَلَهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ». وَضَعَّفَهُ أيضًا (٢). (٢١٩) وَلَهُ: عَنْ زِيَادِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ». وَضَعَّفَهُ أَيْضًا (٣).

стр. 213

(٢٢٠) وَلأَبِي دَاوُدَ: فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا رَأَيْتُهُ -يَعْنِي الأَذَانَ- وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ. قَالَ: «فَأَقِمْ أَنْتَ». وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا (١). (٢٢١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالأَذَانِ، وَالإِمَامُ أَمْلَكُ بِالإِقَامَةِ». رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ (٢). (٢٢٢) وَلِلْبَيْهَقِيِّ نَحْوُهُ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ (٣). * * * هذه الأحاديث وإن كانت ضعيفةً -كما ذكر الحافظ- فإنَّ معانيها صحيحةٌ ولها ما يعضدها من الآثار والعمل. وفيها فوائد، منها: ١ - استحباب الطَّهارة للأذان من الحدث الأصغر، وليست شرطًا، وهذا متَّفقٌ عليه، وأمَّا الطَّهارة من الجنابة؛ فقيل: إنَّها شرطٌ لصحَّة الأذان، والصَّحيح: أنَّها ليست شرطًا، إلَّا إن كان الأذان في المسجد فإنَّه ينهى عنه؛ لنهي الجنب عن المكث في المسجد، وإذا توضَّأ جاز؛ لأنَّ الصَّحابة ﵃ كانوا إذا أراد أحدهم المكث في المسجد توضَّأ لذلك. ويعضد معنى هذا الحديث قوله ﷺ : «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ» (٤)، فالطَّهارة للذِّكر مطلقًا مستحبَّةٌ فكيف الأذان؟ ٢ - استحباب أن يتولَّى الإقامة من تولَّى الأذان؛ ويشهد لذلك عمل بلالٍ في حياة النَّبيِّ ﷺ وعمل المؤذِّنين بعده. ٣ - جواز أن يتولَّى الإقامة غير من تولَّى الأذان، وهذا ممَّا لا خلاف فيه. ٤ - أنَّ الأذان إلى المؤذِّن المعيَّن لذلك، فلا يفتقر إلى إذن الإمام.

стр. 214

٥ - توقُّف الإقامة للصَّلاة على إذن الإمام، فليس للمؤذِّن أن يفتئت عليه، ويعضد هذا أثر عليٍّ ﵁ الَّذي أشار إليه المصنِّف، وعمل بلالٍ ﵁ ومن بعده. * * * * * (٢٢٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَه ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). * * * الحديث فيه فوائد، منها: ١ - أنَّ ما بين الأذان والإقامة من أوقات إجابة الدُّعاء. ٢ - استحباب الدُّعاء في هذا الوقت. ٣ - أنَّ لإجابة الدُّعاء أسبابًا ولها موانع. ٤ - التَّرغيب في تحرِّي الدُّعاء بين الأذان والإقامة؛ فإنَّ قبول الدُّعاء فيه أرجى، وإلَّا فالدّعاء مستحبٌّ في كلِّ وقتٍ، والإجابة مرجوَّةٌ بل محقَّقةٌ؛ لوعده تعالى، ما لم يكن مانعٌ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. ٥ - أنَّ الوعد في هذا الحديث عامٌّ للرِّجال والنِّساء. * * * * * (٢٢٤) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدتَّهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (٢). * * *

стр. 215

الحديث فيه فوائد، منها: ١ - أنَّه يستحبُّ لمن سمع النِّداء للصَّلاة أن يدعو للنَّبيِّ ﷺ بهذا الدُّعاء. ٢ - أنَّ هذا الدُّعاء لا يختصُّ بآخر الأذان، فلا فرق أن يقوله السَّامع في أوَّل الأذان أو آخره؛ لإطلاق الحديث، ولكن قد ورد ما يدلُّ على تقييد الحديث؛ وأنَّ محلَّ هذا الدُّعاء بعد سماع الأذان كاملاً وإجابة المؤذِّن، وهو ما رواه مسلمٌ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ … ». الحديث (١). ٣ - التَّوسُّل إلى الله بصفاته، وهي هنا ربوبيَّته للدَّعوة التَّامَّة، وهي الأذان؛ لأنَّه دعوةٌ إلى الصَّلاة، وربوبيَّته للصَّلاة القائمة وهي الصَّلاة الحاضرة، ومعنى ربوبيَّته لذلك: أنَّه شرعهما وهو المستحقُّ لهما؛ لأنَّهما من أنواع العبادة. ٤ - أنَّ المشروع ذكر النَّبيِّ ﷺ باسمه العلم في هذا الدُّعاء وكما في الصَّلاة الإبراهيميَّة. ٥ - استحباب الدُّعاء للنَّبيِّ ﷺ بما جاء في الكتاب والسُّنَّة؛ من الأمر به والتَّرغيب فيه؛ مثل الصَّلاة والسَّلام عليه، ومثل هذا الدُّعاء بعد إجابة المؤذِّن. ٦ - أنَّ إرشاد النَّبيِّ ﷺ أمَّته إلى هذا الدُّعاء وترغيبهم في الصّلاة عليه ليس هو من سؤال الدُّعاء من الغير، بل ذلك من تبليغ الشَّرع وإرشاد الأمَّة إلى ما ينفعها من الكلم الطَّيِّب والعمل الصَّالح. والله أعلم. ٧ - أنَّ ممَّا يطلب ويدعى به للنَّبيِّ ﷺ الوسيلة والمقام المحمود، والمراد بالوسيلة: درجةٌ في الجنَّة، كما قال ﷺ : «ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ» (٢)،
следующие страницы →