← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1492

الجامع لفوائد بلوغ المرام

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (1 356 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٧ - وجوب مراعاة الإمام لمن خلفه، واعتبار ذلك بالأضعف. ٨ - جواز طلب الولاية إذا كانت الغاية هي المصلحة العامَّة للمسلمين، أمَّا إذا كانت الغاية ما في الإمارة ونحوها من الشَّرف والمصالح الماليَّة فلا يجوز سؤالها؛ لقوله ﷺ : «إِنَّا لا نُوَلِّي هَذَا الأَمْرَ مَنْ سَأَلَهُ» (١)، وقوله لعبد الرَّحمن بن سمرة ﵁: «لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ … » (٢) الحديث. ٩ - وصيَّة الإمام لمن يولِّيهم بما يحقِّق مقصود الولاية. * * * * * (٢١٦) وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : «وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ … » الحَدِيثَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ (٣). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة الأذان، وهو فرض كفايةٍ بدليل الأمر «فليؤذِّن». ٢ - أنَّه لا يعتبر في المؤذِّن ما يعتبر في الإمام من حفظ القرآن والعلم بالسُّنَّة ونحو ذلك. ٣ - أنَّ وقت الأذان هو دخول وقت الصَّلاة، وقد شرع لذلك. ٤ - مشروعيَّة الأذان عند إرادة فعل الصَّلاة إذا لم يؤذَّن لها في أوَّل الوقت، وحضور الصَّلاة في الحديث يشمل دخول الوقت وإرادة فعل الصَّلاة، ولذلك يشرع للمجموعتين وللفوائت. ٥ - اشتراط كون المؤذِّن مسلمًا ذكرًا، لقوله: «أَحَدُكُمْ» فلا يصحُّ أذان الكافر ولا المرأة. * * * * *

стр. 212

(٢١٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: «إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ … » الحَدِيثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ (١). * * * الحديث وإن كان ضعيفًا فيعضده العمل والمعنى، فإنَّ المقصود من الأذان إعلام البعيد؛ فيناسبه التَّرسُّل، والإقامة إعلامٌ للحاضرين؛ فالمناسب لحالهم الحدر، وكذلك الفصل بين الأذان والإقامة بما يُمكِّن من الاستعداد للصَّلاة والفراغ من الشُّغل اليسير كالأكل والوضوء والغسل. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة الأذان والإقامة للصَّلوات الخمس. ٢ - استحباب التَّرسُّل في الأذان. ٣ - استحباب الحدر في الإقامة؛ وهو عدم الفصل بين الجمل. ٤ - استحباب الفصل بين الأذان والإقامة بحسب ما تدعو إليه الحاجة. ٥ - توجيه الإمام رعيَّته كلًّا بما يخصُّه. * * * * * (٢١٨) وَلَهُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لا يُؤَذِّنُ إلَّا مُتَوَضِّئٌ». وَضَعَّفَهُ أيضًا (٢). (٢١٩) وَلَهُ: عَنْ زِيَادِ بْنِ الحَارِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ». وَضَعَّفَهُ أَيْضًا (٣).

стр. 213

(٢٢٠) وَلأَبِي دَاوُدَ: فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا رَأَيْتُهُ -يَعْنِي الأَذَانَ- وَأَنَا كُنْتُ أُرِيدُهُ. قَالَ: «فَأَقِمْ أَنْتَ». وَفِيهِ ضَعْفٌ أَيْضًا (١). (٢٢١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «المُؤَذِّنُ أَمْلَكُ بِالأَذَانِ، وَالإِمَامُ أَمْلَكُ بِالإِقَامَةِ». رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ (٢). (٢٢٢) وَلِلْبَيْهَقِيِّ نَحْوُهُ: عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ قَوْلِهِ (٣). * * * هذه الأحاديث وإن كانت ضعيفةً -كما ذكر الحافظ- فإنَّ معانيها صحيحةٌ ولها ما يعضدها من الآثار والعمل. وفيها فوائد، منها: ١ - استحباب الطَّهارة للأذان من الحدث الأصغر، وليست شرطًا، وهذا متَّفقٌ عليه، وأمَّا الطَّهارة من الجنابة؛ فقيل: إنَّها شرطٌ لصحَّة الأذان، والصَّحيح: أنَّها ليست شرطًا، إلَّا إن كان الأذان في المسجد فإنَّه ينهى عنه؛ لنهي الجنب عن المكث في المسجد، وإذا توضَّأ جاز؛ لأنَّ الصَّحابة ﵃ كانوا إذا أراد أحدهم المكث في المسجد توضَّأ لذلك. ويعضد معنى هذا الحديث قوله ﷺ : «إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ تَعَالَى إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ» (٤)، فالطَّهارة للذِّكر مطلقًا مستحبَّةٌ فكيف الأذان؟ ٢ - استحباب أن يتولَّى الإقامة من تولَّى الأذان؛ ويشهد لذلك عمل بلالٍ في حياة النَّبيِّ ﷺ وعمل المؤذِّنين بعده. ٣ - جواز أن يتولَّى الإقامة غير من تولَّى الأذان، وهذا ممَّا لا خلاف فيه. ٤ - أنَّ الأذان إلى المؤذِّن المعيَّن لذلك، فلا يفتقر إلى إذن الإمام.

стр. 214

٥ - توقُّف الإقامة للصَّلاة على إذن الإمام، فليس للمؤذِّن أن يفتئت عليه، ويعضد هذا أثر عليٍّ ﵁ الَّذي أشار إليه المصنِّف، وعمل بلالٍ ﵁ ومن بعده. * * * * * (٢٢٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَه ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). * * * الحديث فيه فوائد، منها: ١ - أنَّ ما بين الأذان والإقامة من أوقات إجابة الدُّعاء. ٢ - استحباب الدُّعاء في هذا الوقت. ٣ - أنَّ لإجابة الدُّعاء أسبابًا ولها موانع. ٤ - التَّرغيب في تحرِّي الدُّعاء بين الأذان والإقامة؛ فإنَّ قبول الدُّعاء فيه أرجى، وإلَّا فالدّعاء مستحبٌّ في كلِّ وقتٍ، والإجابة مرجوَّةٌ بل محقَّقةٌ؛ لوعده تعالى، ما لم يكن مانعٌ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. ٥ - أنَّ الوعد في هذا الحديث عامٌّ للرِّجال والنِّساء. * * * * * (٢٢٤) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدتَّهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ (٢). * * *

стр. 215

الحديث فيه فوائد، منها: ١ - أنَّه يستحبُّ لمن سمع النِّداء للصَّلاة أن يدعو للنَّبيِّ ﷺ بهذا الدُّعاء. ٢ - أنَّ هذا الدُّعاء لا يختصُّ بآخر الأذان، فلا فرق أن يقوله السَّامع في أوَّل الأذان أو آخره؛ لإطلاق الحديث، ولكن قد ورد ما يدلُّ على تقييد الحديث؛ وأنَّ محلَّ هذا الدُّعاء بعد سماع الأذان كاملاً وإجابة المؤذِّن، وهو ما رواه مسلمٌ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ … ». الحديث (١). ٣ - التَّوسُّل إلى الله بصفاته، وهي هنا ربوبيَّته للدَّعوة التَّامَّة، وهي الأذان؛ لأنَّه دعوةٌ إلى الصَّلاة، وربوبيَّته للصَّلاة القائمة وهي الصَّلاة الحاضرة، ومعنى ربوبيَّته لذلك: أنَّه شرعهما وهو المستحقُّ لهما؛ لأنَّهما من أنواع العبادة. ٤ - أنَّ المشروع ذكر النَّبيِّ ﷺ باسمه العلم في هذا الدُّعاء وكما في الصَّلاة الإبراهيميَّة. ٥ - استحباب الدُّعاء للنَّبيِّ ﷺ بما جاء في الكتاب والسُّنَّة؛ من الأمر به والتَّرغيب فيه؛ مثل الصَّلاة والسَّلام عليه، ومثل هذا الدُّعاء بعد إجابة المؤذِّن. ٦ - أنَّ إرشاد النَّبيِّ ﷺ أمَّته إلى هذا الدُّعاء وترغيبهم في الصّلاة عليه ليس هو من سؤال الدُّعاء من الغير، بل ذلك من تبليغ الشَّرع وإرشاد الأمَّة إلى ما ينفعها من الكلم الطَّيِّب والعمل الصَّالح. والله أعلم. ٧ - أنَّ ممَّا يطلب ويدعى به للنَّبيِّ ﷺ الوسيلة والمقام المحمود، والمراد بالوسيلة: درجةٌ في الجنَّة، كما قال ﷺ : «ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ» (٢)،

стр. 216

والمراد بالمقام المحمود: مقام الشَّفاعة الكبرى الَّتي يتأخَّر عنها آدم وأولو العزم من الرُّسل، ويتقدَّم لها نبيُّنا محمَّدٌ ﷺ ، وهذه الشَّفاعة إحدى خصائصه ﷺ كما في الحديث: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي … »، وفيه «وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ» (١). ٨ - أنَّ الله قد وعد نبيَّه ذلك المقام، وذلك في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]. ٩ - أنَّ هذا الدُّعاء من أسباب الأهليَّة لشفاعته ﷺ لقوله: «حَلَّتْ لَهُ»؛ أي: حصلت له، وهذه الشَّفاعة هي الخاصَّة بأهل الإيمان والتَّوحيد. ١٠ - أنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما دعا العبد للنَّبيِّ ﷺ بالمقام المحمود وهو الشَّفاعة كان جزاؤه أن يشفع له النَّبيُّ ﷺ . ١١ - التَّوسُّل إلى الله بوعده، كما أخبر تعالى عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. * * * * *

стр. 217

بَابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ الشُّروط: جمع شَرْطٍ بإسكان الرَّاء، وهو لغةً: الإلزام والالتزام، كما في البيع ونحوه، ويطلق على الأمر المشروط، من إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول. والشَّرط في اصطلاح العلماء: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدمٌ، وقيل: ما يتوقَّف عليه الشَّيء؛ كالطَّهارة للصَّلاة، والرِّضا في البيع. وشروط العقود شروطٌ للصِّحَّة، والشُّروط في العبادات؛ منها: ما هو شرطٌ للوجوب، ومنها: ما هو شرطٌ للصِّحَّة، ومنها: ما هو شرطٌ للوجوب والصِّحَّة معًا، ومنها: ما هو شرطٌ للإجزاء. فالطَّهارة شرطٌ لصحَّة الصَّلاة، ودخول الوقت شرطٌ للوجوب والصِّحَّة، والبلوغ شرطٌ للوجوب، والبلوغ والحرِّيَّة شرطٌ للوجوب والإجزاء في الحجِّ، والعقل شرطٌ للوجوب والصِّحَّة، والإسلام شرطٌ للصِّحَّة. * * * * * (٢٢٥) عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * *

стр. 218

هذا الحديث من أدلَّة اشتراط الطَّهارة للصَّلاة، وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسُّنَّة والإجماع. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ الحدث -وهو الفساء والضُّراط- مبطلٌ للطَّهارة، كما قال أبو هريرة ﵁ لمَّا سئل: ما الحدث؟ (١)، وهذا بإجماع أهل العلم. ومن أدلَّة ذلك قوله ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حتَّى يَتَوَضَّأَ» (٢)، وفي حكم الحدث سائر نواقض الوضوء على ما فيها من خلافٍ: كأكل لحم الإبل، والقيء، والنَّوم. ٢ - أنَّ الطَّهارة شرطٌ لصحَّة الصَّلاة. ٣ - أنَّ الصَّلاة تبطل بالحدث في أثنائها؛ فلا يصحُّ البناء على ما قبل الحدث، وأمَّا حديث عائشة ﵂ المتقدِّم في نواقض الوضوء، وفيه: «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ … » إلى قوله: «فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلاتِهِ» (٣)، فهو ضعيفٌ لا يعارض حديث عليِّ بن طلقٍ ﵁ هذا. ٤ - وجوب الإعادة على من أحدث في الصَّلاة إذا كانت الصَّلاة واجبةً. ٥ - وجوب الانصراف من الصَّلاة بعد تيقُّن الحدث لا مع الشَّكِّ؛ لحديث عبد الله بن زيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ سئل عن رجلٍ يخيَّل إليه في الصَّلاة أنَّه يجد الحدث، قال: «لَا يَنْصَرِف؛ حتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (٤). ٦ - جواز التَّصريح بما يستهجن ذكره لبيان الدِّين، وأنَّ ذلك لا ينافي الحياء.

стр. 219

٧ - أنَّ خروج الرِّيح لا يجب له الاستنجاء؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ إنَّما أمر بالوضوء فقط، وهذا بالإجماع. ٨ - عظم شأن الصَّلاة؛ إذ لا تصحُّ إلَّا على طهارةٍ. * * * * * (٢٢٦) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). * * * هذا الحديث من أحاديث ما يجب ستره من البدن في الصَّلاة وحكمه مختصٌّ بالمرأة. وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ العمل منه مقبولٌ ومنه مردودٌ، فما كان على وفق ما شرع الله فهو مقبولٌ، وما كان على خلافه فهو مردودٌ، كما قال ﷺ : «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (٢)، ونفي القبول في الأحاديث أنواعٌ: أ - ما يتضمَّن حرمان الثَّواب مع الإجزاء؛ كقوله ﷺ : «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» رواه مسلمٌ (٣). ب - ما يتضمَّن عدم الإجزاء؛ كقوله ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُور» (٤)، ومنه هذا الحديث.

стр. 220

ج - ما يتضمَّن عدم الثَّواب وعدم الإجزاء؛ كقوله تعالى في الحديث القدسيِّ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (١). ٢ - وجوب ستر المرأة رأسها في الصَّلاة وأنَّ ذلك شرطٌ لصحَّتها. ٣ - صحَّة صلاة من لم تبلغ ولو لم تستر رأسها، لقوله ﷺ : «صَلَاةَ حَائِضٍ»؛ أي: بالغٍ. ٤ - أنَّه لا فرق في مقتضى هذا الحديث بين الحرَّة والأمة، وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من قال: عورة الأمة في الصَّلاة ما بين السُّرَّة والرُّكبة، وأمَّا الحرَّة فكلُّها عورةٌ في الصَّلاة إلَّا وجهها، وقال بعضهم: إلَّا وجهها وكفَّيها، وقال بعضهم: وجهها وكفَّيها وباطن قدميها، والحديث لم يدلَّ إلَّا على وجوب ستر الرَّأس. ٥ - أنَّ الحيض من علامات البلوغ. * * * * * (٢٢٧) وَعَنْ جَابِرٍ ﵁؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «إِنْ كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ»؛ - يَعْنِي: فِي الصَّلَاةِ - وَلِمُسْلِمٍ: «فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ» - «وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). (٢٢٨) وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرةَ ﵁: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (٣). * * * حديث جابرٍ وحديث أبي هريرة ﵃ يتعلَّقان بستر العورة في الصَّلاة. وعورة الرَّجل -في حكم النَّظر- من السُّرَّة إلى الرُّكبة، وهذا قول كثيرٍ من

стр. 221

العلماء، ومنهم من أدخل السُّرَّة والرُّكبة في العورة، ومنهم من أخرجهما، وهذا قول من يقول: إنَّ الفخذ عورةٌ، وقد جاء في الحديث: «الْفَخِذُ عَوْرَةٌ» (١)، وفي حديثٍ آخر: «لَا تَكْشِفْ فَخِذَكَ، ولا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ ولا مَيِّتٍ» (٢). وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ الفخذ ليس بعورةٍ، مستدلًّا بما ورد من انكشاف فخذ النَّبيِّ ﷺ في عددٍ من المناسبات، ومن ذهب إلى ذلك يقول: العورة: السَّوءتان؛ القبل والدُّبر. ومن قال: الفخذ عورةٌ قال: العورة نوعان: مغلَّظةٌ وغير مغلَّظةٍ، فالمغلَّظة لا يجوز النَّظر إليها إلَّا للضَّرورة، وغير المغلَّظة لا يجوز كشفها ولا النَّظر إليها إلَّا بصفةٍ عارضةٍ، وعلى وجه النُّدرة. وأمَّا ما يجب على الرَّجل ستره في الصَّلاة فهو العورة والعاتقان أو أحدهما، فمن صلَّى مكشوف العورة أو شيءٍ منها من غير عذرٍ لم تصحَّ صلاته، ومن صلَّى مكشوف العاتقين، فقيل: يكره، وقيل: يحرم، ولا تصحُّ صلاته، وهذا أظهر في الدَّليل. والله أعلم. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - جواز الصَّلاة في الثَّوب الواحد. ٢ - أنَّ الاتِّزار بالثَّوب الواحد يجزئ إذا كان ضيِّقًا لا يتَّسع للالتحاف به، ولا يوجد غيره.

стр. 222

٣ - الأمر بالالتحاف به إذا كان واسعًا؛ وهو التَّجلُّل به ومخالفة طرفيه، فقيل: الالتحاف به واجبٌ، وقيل: مستحبٌّ، والصَّواب: أنَّه واجبٌ؛ للأمر به في حديث جابرٍ ﵁، وفي معناه حديث أبي هريرة ﵁: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فحديث أبي هريرة ﵁ مؤكِّدٌ لقوله في حديث جابرٍ ﵁: «فَالْتَحِفْ بِهِ» وحديث جابرٍ ﵁ مفسِّرٌ لحديث أبي هريرة ﵁، وأنَّ محلَّ النَّهي إذا كان الثَّوب واسعًا. ٤ - عظم شأن الصَّلاة؛ إذ يجب ويستحبُّ فيها من اللِّباس ما ليس في غيرها من الأحوال، قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وأقلُّ الزِّينة ستر العورة، والزِّيادة على ذلك مستحبَّةٌ، واختُلِف في وجوب ستر العاتق كما تقدَّم. ٥ - يُسر الشَّريعة، ومن ذلك جواز الصَّلاة في الثَّوب الواحد والالتحاف فيه، ولو وجد ثوبًا آخر، كما فعل جابرٌ ﵁؛ إذ صلَّى في ثوبٍ واحدٍ ملتحفًا به، وثوبه الآخر على المشجب، وذكر أنَّه تعمَّد ذلك لتعليم الجاهل (١). * * * * * (٢٢٩) وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ : أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ بِغَيْرِ إِزَارٍ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدمَيْهَا». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، وَصَحَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ (٢). * * * هذا الحديث اختُلف في رفعه ووقفه، واللَّفظ الَّذي ساقه المصنِّف هو المرفوع، لكن قوله: «وصحَّح الأئمَّة» يرجِّح أنَّه موقوفٌ، ومعنى كونه موقوفًا:

стр. 223

أنَّ المسؤول هي أمُّ سلمة ﵂، وهي المجيبة بقولها: «إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا». وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّه يجوز للمرأة أن تصلِّي بدرعٍ وخمارٍ، والدِّرع هو: القميص الَّذي يستر جميع البدن. ٢ - اشتراط أن يكون الدِّرع سابغًا يغطِّي ظهور القدمين. ٣ - وجوب ستر المرأة قدميها في الصَّلاة، وقد اختلف العلماء في ذلك فقيل: يجب، وقيل: يستحبُّ؛ لأنَّ الحديث من قول أمِّ سلمة ﵂ فلا يكون حجَّةً على الوجوب. وهنا ملاحظتان على ترتيب هذه الأحاديث: أ - كان من المناسب أن يبدأ بحديث جابرٍ وحديث أبي هريرة ﵃؛ لتعلُّقهما بالرِّجال. ب - أن يذكر حديث أمِّ سلمة مع حديث عائشة ﵃؛ لتعلُّقهما بلباس المرأة في الصَّلاة. * * * * * (٢٣٠) وَعَنْ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ ﵁، قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَأَشْكَلَتْ عَلَيْنَا الْقِبْلَةُ، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ (١). (٢٣١) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَوَّاهُ البُخَارِيُّ (٢). * * *

стр. 224

هذان الحديثان يتعلَّقان بحكم استقبال القبلة في الصَّلاة، والقبلة هي: الكعبة والمسجد الحرام، وقد دلَّ الكتاب والسُّنَّة والإجماع على اشتراط استقبال القبلة في الصَّلاة إلَّا ما خصَّه الدَّليل، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقال ﷺ : «مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ … » (١) الحديث. وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا قطعيًّا، فمن جحد القبلة كفر، ومن صلَّى متعمِّدًا إلى غير القبلة لم تصحَّ صلاته. وهذان الحديثان قد ضعَّف التِّرمذيُّ أوَّلهما، وقوَّى البخاريُّ الحديث الثَّاني، ومع ذلك فقد اتَّفق العلماء على مضمونهما. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أنَّ من صلَّى إلى غير القبلة وقد اجتهد فأخطأ فصلاته صحيحةٌ. ٢ - أنَّ أيَّ جهةٍ أمر الله سبحانه بالتَّوجُّه إليها فهي القبلة، فالكلُّ ملكه، وقوله: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]؛ أي: قبلة الله؛ أي: القبلة الَّتي شرع الله، هذا أرجح القولين في الآية، وعلى هذا؛ فلا تكون الآية من آيات الصِّفات. وقيل: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ﴾ وجهه الَّذي هو صفته، ومشى على ذلك ابن القيِّم، واختار شيخه الأوَّل، وهو المأثور عن السَّلف كابن عبَّاسٍ ﵃ وغيره. والوجه يطلق على الجهة، فإضافة الوجه إلى الله على القول الأوَّل من إضافة المخلوق إلى خالقه، وعلى القول الثَّاني تكون من إضافة الصِّفة إلى الموصوف.

стр. 225

٣ - أنَّه لا فضل لجهةٍ على جهةٍ، فهي في ذاتها متساويةٌ، وإنَّما الفضل في الإيمان بالله وطاعته، كما قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]. ٤ - أنَّه يجزئ البعيد في استقبال القبلة جهتها، وهو الواجب، لا عينها، وأمَّا القريب ففرضه استقبال عين الكعبة. ٥ - أنَّ قبلة أهل المدينة ما بين المشرق والمغرب من جهة اليمن، فذكر المشرق والمغرب في الحديث باعتبار أهل المدينة ومن على سمتهم؛ كقوله ﷺ في الحديث: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوهَا بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (١)، وعليه؛ فمن كان محلُّه في المشرق أو المغرب فما بين الشَّام واليمن له قبلةٌ. ٦ - اليسر في هذا الدِّين، كما هو ظاهرٌ من الفائدتين الرَّابعة والخامسة، وفي الحديث الصَّحيح: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ» (٢)، ويدلُّ لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. * * * * * (٢٣٢) وَعَنْ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ ﵁، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). (٢٣٣) زَادَ البُخَارِيُّ: «يُومِئُ بِرَأْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَصْنَعُهُ فِي المَكْتُوبَةِ» (٤). (٢٣٤) وَلأَبِي دَاوُدَ: مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: «كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وَجْهُ رِكَابِهِ». وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ (٥). * * *

стр. 226

هذان الحديثان في حكم صلاة التَّطوُّع على الرَّاحلة في السَّفر. وفيهما فوائد، منها: ١ - جواز صلاة النَّافلة على الرَّاحلة في السَّفر، ومن ذلك الوتر، كما جاء في حديث ابن عمر ﵃ (١). ٢ - أنَّ المكتوبة لا تصحُّ على الرَّاحلة إلَّا عند الضَّرورة؛ كخوفٍ من عدوٍّ أو ضررٍ. ٣ - أنَّ التَّطوُّع على الرَّاحلة لا يشترط له استقبال القبلة، فيصلِّي المسافر حيث توجَّهت به راحلته، وإذا أمكنه استقبال القبلة وهو يسير وجب عليه؛ كما في السَّيَّارة والطَّائرة والسَّفينة؛ لأنَّها في الغالب تسير في اتِّجاهٍ واحدٍ. ٤ - استحباب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام، لمن يصلِّي على الرَّاحلة في السَّفر. ٥ - أنَّ المتطوِّع على راحلته يومئ بالرُّكوع والسُّجود. ٦ - تيسير الله أمر العبادة على العباد. ٧ - استحباب التَّطوُّع المطلق بالصَّلاة في السَّفر. ٨ - أنَّ صلاة النَّافلة على الرَّاحلة مختصَّةٌ بالسَّفر دون الحضر؛ إذ لم يكن النَّبيُّ ﷺ يتطوَّع على راحلته إلَّا في السَّفر. ٩ - أنَّ السُّنَّة تخصِّص القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]. * * * * *

стр. 227

(٢٣٥) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَهُ عِلَّةٌ (١). (٢٣٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: المَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ (٢). (٢٣٧) وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُصَلُّوا إِلَى القُبُورِ، ولا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). * * * هذه الأحاديث تضمَّنت النَّهي عن الصَّلاة في مواضع من الأرض، والأصل: جواز الصَّلاة في جميع المواضع؛ لما ثبت في «الصَّحيحين» من قوله ﷺ : «وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (٤)، ويستثنى من ذلك ما قام الدَّليل على تحريم الصَّلاة فيه، فيكون مخصوصًا من عموم الأرض، فقد ثبت النَّهي عن الصَّلاة في المقبرة وإلى المقبرة، وعن الصَّلاة في معاطن الإبل، واتَّفق العلماء على تحريم الصَّلاة في المواضع النَّجسة، وقد دلَّ حديث أبي سعيدٍ وابن عمر ﵃ على النَّهي عن الصَّلاة في سبعة مواضع، ولكنَّ حديث ابن عمر ﵃ لا يصلح للاحتجاج، ولكن من هذه المواضع ما صحَّ النَّهي عنه؛ كالمقبرة ومعاطن الإبل، وكذا الحمَّام عند من صحَّح حديث أبي سعيدٍ ﵁، والمراد بالحمَّام: المكان المعدُّ للاستحمام، وهو الاغتسال بالماء الحارِّ، لا المعدُّ لقضاء الحاجة، كما يعرف الآن، وأمَّا الصَّلاة على ظهر البيت، وهو سطح الكعبة فلا دليل على منع الصَّلاة فيه إلَّا حديث ابن عمر ﵃ وهو ضعيفٌ.

стр. 228

وفي الأحاديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ الأرض كلَّها مصلًّى. ٢ - المنع من الصَّلاة في المقبرة، وقد صحَّت بذلك الأحاديث كقوله ﷺ : «أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» (١). ٣ - النَّهي عن الصَّلاة في الحمَّام، وأصحُّ ما جاء فيه حديث أبي سعيدٍ ﵁، وقد اختلف في وصله وإرساله، ورجَّح شيخنا الشَّيخ عبد العزيز بن بازٍ وصله وسلامته من العلَّة (٢). ٤ - النَّهي عن الصَّلاة في معاطن الإبل، وهي مباركها عند الماء، وقد صحَّ النَّهي عن الصَّلاة فيها، وليس هذا النّهي لنجاسة أبوالها وأرواثها، بل ذلك من جنس الأمر بالوضوء من لحمها، وحكمة ذلك -والله أعلم-: ما جبلت عليه من أخلاق الشَّياطين. ٥ - النَّهي عن الصَّلاة في المزبلة والمجزرة، ولم يأت النَّهي عن ذلك إلَّا في حديث ابن عمر ﵃، وهو ضعيفٌ، لكن ينهى عن الصَّلاة فيهما من أجل النَّجاسة، فإذا كان فيهما موضعٌ لا نجاسة فيه فالأصل صحَّة الصَّلاة. ٦ - النَّهي عن الصَّلاة في قارعة الطَّريق وفوق ظهر الكعبة، ولم يرد النَّهي عن ذلك إلَّا في حديث ابن عمر ﵃، وقد أخذ بذلك كثيرٌ من العلماء، والصَّحيح: أنَّه لا تحرم الصَّلاة في سطح الكعبة ولا في قارعة الطَّريق؛ إلَّا أن تترتَّب على ذلك مفسدةٌ شرعيَّةٌ. ٧ - تحريم الصَّلاة إلى القبور. ٨ - سدُّ ذرائع الشِّرك. ٩ - تحريم الجلوس على القبور.

стр. 229

(٢٣٨) وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ المَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ أَذًى أَوْ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ؛ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا». أَخْرَجَهُ أبو دَاودَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (١). (٢٣٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمُ الأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ». أَخْرَجَهُ أبو دَاودَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). * * * هذان الحديثان أوردهما المؤلِّف في باب شروط الصَّلاة، للاستدلال بهما على أنَّ من شروط الصَّلاة الطَّهارة من النَّجاسة، فيجب على من أراد الصَّلاة أن يطهِّر بدنه وثوبه ومكان الصَّلاة من النَّجاسة، وفي حكم الثَّوب كلُّ ما يلبس على البدن، ومن ذلك: النَّعل والخفُّ. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - أنَّ تطهير النَّعل والخفِّ بدلكهما بالتُّراب. ٢ - وجوب تفقُّد النَّعل والخفِّ قبل الدُّخول في المسجد إذا احتمل أن يكون فيهما قذرٌ. ٣ - وجوب التَّطهُّر من النَّجاسة للصَّلاة. ٤ - أنَّ تطهير النَّجاسة لا يختصُّ بالماء. ٥ - صيانة المسجد من الأقذار. ٦ - استحباب الصَّلاة في النِّعال ونحوها. ٧ - أنَّ المشقَّة تجلب التَّيسير.

стр. 230

(٢٤٠) وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). (٢٤١) وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيّ ﷺ ، يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (٢). * * * هذان الحديثان في حكم الكلام في الصَّلاة، ولحديث معاوية سببٌ، قال معاوية: بينا أنا أصلِّي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجلٌ من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم! فقلت: وا ثكل أُمِّياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم! فلمَّا رأيتهم يصمِّتونني لكنِّي سكتُّ، فلمَّا صلَّى رسول الله ﷺ ، فبأبي هو وأمِّي، ما رأيت معلِّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: «إنَّ هذِهِ الصَّلَاةَ … » الحديث. وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - تحريم الكلام في الصَّلاة، واتَّفق العلماء على أنَّ من تكلَّم في الصَّلاة عمدًا بطلت صلاته. ٢ - أنَّ الكلام في الصَّلاة سهوًا أو خطأً لا يبطلها. ٣ - أنَّ الكلام في الصَّلاة كان جائزًا ثمَّ نسخ.

стр. 231

٤ - أنَّ النَّسخ قد يكون بالأشدِّ. ٥ - أنَّ حكم الكلام في الصَّلاة عامٌّ في فرضها ونفلها، وشاملٌ لقليل الكلام وكثيره. ٦ - وجوب التَّكبير والتَّسبيح والقراءة في الصَّلاة، وهذا فصَّلته السُّنَّة. ٧ - أنَّه ليس في الصَّلاة موضع سكوتٍ، وقول أبي هريرة ﵁: «أرأيت سكوتك بين التَّكبير والقراءة؛ ما تقول؟» (١)، يريد: الإسرار. ٨ - أنَّ ترك نوعٍ من الكلام يسمَّى سكوتًا. ٩ - إطلاق العامِّ وإرادة الخاصِّ في قوله: «ونهينا عن الكلام». ويؤخذ من سبب حديث معاوية: ١٠ - حسن خلقه ﷺ وحسن تعليمه. ١١ - الرِّفق بالجاهل. ١٢ - أنَّ الرِّفق سببٌ لقبول النُّصح والإرشاد، وأنَّ العنف سببٌ للنُّفرة عن الحقِّ. ١٣ - جواز تنبيه من أخطأ في صلاته بكلامٍ أو غيره؛ وذلك بالإشارة ونحوها. ١٤ - أنَّ من عطس في الصَّلاة يحمد الله لكن لا يشمَّت. ويؤخذ من قوله: «حتَّى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِين (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨]»: ١٥ - أنَّ القرآن نزل منجَّمًا. ١٦ - إثبات العلوِّ لله تعالى. ١٧ - أنَّ القرآن منزَّلٌ غير مخلوقٍ.

стр. 232

١٨ - فضيلة صلاة العصر؛ لقوله تعالى: ﴿والصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. ١٩ - عظم شأن الصَّلاة. ٢٠ - وجوب القيام في الصَّلاة إلَّا ما خصَّه الدَّليل. ٢١ - أنَّ السُّنَّة تفسِّر القرآن. ٢٢ - أنَّ السُّكوت في الصَّلاة من تمام القنوت. * * * * * (٢٤٢) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢٤٣) زَادَ مُسْلِمٌ: «فِي الصَّلَاةِ» (١). * * * هذا الحديث فيه بيان ما يفعله المسلم إذا نابه شيءٌ في الصَّلاة. وفيه فوائد، منها: ١ - أنَّ الرَّجل إذا نابه شيءٌ في صلاته يسبِّح، أي يقول: «سبحان الله»؛ كالمأموم إذا سها إمامه فزاد أو نقص في صلاته. ٢ - أنَّ المرأة تصفِّق تصفيقًا يحصل به التَّنبيه ويرشد إلى المقصود. ٣ - أنَّ صوت المرأة فتنةٌ؛ فلذا جاءت السُّنَّة بإرشادها إلى التَّصفيق عند الحاجة. ٤ - جواز صلاة المرأة مع الرِّجال في المسجد أو غيره. ٥ - أنَّ للمرأة -إذا صلَّت مع الرِّجال- أن تنبِّه الإمام إذا لم ينبِّهه الرِّجال. ٦ - جواز الفعل اليسير للحاجة في الصَّلاة.

стр. 233

٧ - أنَّ الذِّكر المشروع في غير محلِّه من الصَّلاة لا يبطلها، لكن يكره؛ كالتَّسبيح في القعود، لكن إذا دعت إليه الحاجة فلا كراهة؛ لهذا الحديث. ٨ - وقوله في الحديث الآخر: «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ … » (١)، يدلُّ على أنَّ ذلك لا يختصُّ بصلاة الجماعة؛ بل يشمل الإمام والمأموم والمنفرد. ٩ - الفرق بين الرِّجال والنِّساء في الأحكام في الجملة. * * * * * (٢٤٤) وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ». أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، إِلَّا ابْنَ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (٢). * * * هذا الحديث يدخل في شمائل النَّبيِّ ﷺ ، وممَّا يبيِّن كمال عبادته. وفيه فوائد، منها: ١ - تعظيم النَّبيِّ ﷺ لربِّه. ٢ - كمال إقباله ﷺ على الله في صلاته. ٣ - إجلاله ﷺ لله وشوقه إليه. ٤ - فضل البكاء في الصَّلاة من خشية الله. ٥ - العمل على كتمانه، لكن من غلبه البكاء فكان له نشيجٌ فلا حرج عليه، وأمَّا تعمُّد النَّشيج والصِّياح فينهى عنه؛ لأنَّه تكلُّف ما ليس بمشروعٍ في الصَّلاة.

стр. 234

(٢٤٥) وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: «كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَدْخَلانِ، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُهُ وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ لِي». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَه (١). * * * هذا الحديث يدخل في فضائل أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁. وفيه فوائد، منها: ١ - فضيلة عليٍّ ﵁. ٢ - كثرة دخوله على النَّبيِّ ﷺ ، كيف لا وهو أخصُّ أهل بيت النَّبيِّ ﷺ به؟ فإنَّه ابن عمِّه وصهره على فضلى بناته. ٣ - جواز التَّنحنح في الصَّلاة للحاجة، وأنَّه لا يبطلها، ولو قصد به التَّنبيه؛ لأنَّه ليس بكلامٍ، ولو بان حرفان. * * * * * (٢٤٦) وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، قَالَ: «قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ النَّبِيّ ﷺ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا، وَبَسَطَ كَفَّهُ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - جواز السَّلام على المصلِّي. ٢ - أنَّه يردُّ بالإشارة ولا يتكلَّم. ٣ - أنَّ الإشارة ليست بكلامٍ؛ فمن حلف ألَّا يتكلَّم لم يحنث بالإشارة باليد والرَّأس ونحوهما.

стр. 235

٤ - صفة ردِّ السَّلام بالإشارة، وهي أن يبسط كفَّه ويجعل باطنها إلى الأرض. ٥ - جواز السَّلام على قارئ القرآن، لكنَّ القارئ يردُّ بالكلام. ٦ - جواز الفعل اليسير في الصَّلاة من غير جنسها للحاجة. ٧ - أخذ العالم ممَّن دونه، وأنَّ هذا لا يزري بالعالم، بل يرفع من قدره. ٨ - حرص الصَّحابة ﵃ على العلم. * * * * * (٢٤٧) وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (٢٤٨) وَلِمُسْلِمٍ: «وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي المَسْجِدِ» (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - حسن خلقه ﷺ ورحمته للصِّغار. ٢ - أنَّ الحركة الكثيرة من غير جنس الصَّلاة لا تبطل الصَّلاة إذا كانت متفرِّقةً. ٣ - فضيلة أمامة بنت زينب ﵃ بنت رسول الله ﷺ . ٤ - حمل المصلِّي ما يحتاج إلى حمله. ٥ - جواز حمل المرأة طفلها في الصَّلاة إذا خشيت أن يشوِّش عليها ببكاءٍ أو غيره. ٦ - التَّعليم بالفعل.

стр. 236

٧ - أنَّ الأصل في ثياب الطِّفل الطَّهارة، وجواز حمله ما لم تعلم نجاستها. ٨ - يُسر الدِّين وسماحة الشَّريعة. ٩ - جواز إدخال الصِّبيان المسجد إذا كان لا يترتَّب عليه مفسدةٌ تتعلَّق بالمصلِّين أو المسجد. * * * * * (٢٤٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ؛ الحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ». أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة قتل الحيَّة والعقرب؛ لأنَّهما من الحيوانات المؤذية والضَّارَّة، فيقتلن في الحلِّ والحرم. ٢ - جواز قتلهما في الصَّلاة، وذلك إذا عرضا للمصلِّي قريبًا منه، أو بعيدًا وخشي منهما الضَّرر. ٣ - احتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما. ٤ - جواز الحركة في الصَّلاة للحاجة والضَّرورة، وذلك من يسر الشَّريعة. ٥ - مجيء الأمر للإباحة والاستحباب. * * * * *

стр. 237

بَابُ سُتْرَةِ المُصلِّي السُّتْرَةُ: ما يتَّقى به النَّظر أو ما يحذر من أيِّ شيءٍ. السُّتْرَةُ فِي الصَّلَاةِ: ما تستر به العورة أو غيرها من البدن. وَسُتْرَةُ المُصَلِّي: ما يتَّقي به المارَّ بين يديه من جدارٍ أو عصًا أو نحوها، ويقال لها: السُّترة في الصَّلاة. واتِّخاذ المصلِّي للسُّترة بين يديه سنَّةٌ عند جمهور العلماء، وقيل: إنَّ اتِّخاذها واجبٌ، وممَّا يرجِّح أنَّها سنَّةٌ: ما جاء أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى في الصَّحراء إلى غير سترةٍ (١)، ولعلَّ ذلك لبيان الجواز، والغالب من هديه ﷺ الصَّلاة إلى سترةٍ، ولهذا كانت تحمل معه العنزة فيصلِّي إليها. * * * * * (٢٥٠) عَنْ أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الحَارِثِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ المَارُّ بَيْنَ يَدَيِ المُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ؛ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ (٢). (٢٥١) وَوَقَعَ فِي البَزَّارِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: «أَرْبَعِينَ خَرِيفًا» (٣).

стр. 238

هذا الحديث تضمَّن حكم المرور بين يدي المصلِّي. وفيه فوائد، منها: ١ - عظم شأن الصَّلاة. ٢ - تحريم المرور بين يدي المصلِّي؛ بينه وبين سترته أو قريبًا منه، سواءٌ كانت الصَّلاة فرضًا أو نفلاً، ولا فرق بين الحرم وغيره لإطلاق الحديث، وهو قول الجمهور، ولا تلازم بين تحريم المرور ووجوب السُّترة، فيحرم المرور بين يدي المصلِّي حتَّى ولو قيل بعدم وجوب السُّترة. ٣ - أنَّ المرور بين يدي المصلِّي من الكبائر؛ لما ورد في الحديث، ولما ورد من الأمر بمنع المارِّ والإذن بمقاتلته. ٤ - أنَّ المحذور هو المرور دون الجلوس أو الاضطجاع أو مدِّ اليد إلى شيءٍ لأخذه. ٥ - أنَّ عقوبة المارِّ بين يدي المصلِّي أعظم من وقوفه أربعين، وأمَّا رواية: «مِنَ الإِثْمِ» فلم تصحَّ، ونسبتها إلى البخاريِّ خطأٌ؛ لأنَّ أكثر رواة البخاريِّ لم يذكروها. ٦ - أنَّ طول الوقوف ممَّا يتألَّم به الإنسان ويتضرَّر، فكيف إذا كان مدَّةً طويلةً؛ كأربعين يومًا، وأكثر من ذلك؟! ٧ - أنَّ الأربعين في رواية «الصَّحيحين» مبهمةٌ، وأمَّا تعيينها بأربعين خريفًا فهي عند البزَّار بسندٍ ضعيفٍ، والمعوَّل على رواية «الصَّحيحين» فلا يجزم بتعيين مدَّةٍ. * * * * *

стр. 239

(٢٥٢) وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَنْ سُتْرَةِ المُصلِّي؟ فَقَالَ: «مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة سترة المصلِّي. ٢ - أنَّ مقدار السُّترة مثل مؤخرة الرَّحل؛ يعني: في العرض والارتفاع إذا تيسَّر ذلك، والرَّحل هو: ما يوضع على ظهر البعير يكون عليه الرَّاكب، ومؤخرته طرفه الذي يكون من خلف الرَّاكب، وقريبٌ منها العنزة، وهي رمحٌ قصيرةٌ كانت تغرز بين يدي النَّبيِّ ﷺ إذا صلَّى في الصَّحراء. ٣ - السُّؤال عن المجمل في الدَّليل. ٤ - أنَّ الظَّاهر أنَّ هذا الحديث من نوع مراسيل الصّحابة؛ لأنَّ عائشة ﵂ لم تكن مع النَّبيِّ ﷺ في تبوك. ٥ - أنَّ السُّترة متقرِّرةٌ عند الصَّحابة ﵃، ولذا سألوا عن كيفيَّتها. * * * * * (٢٥٣) وَعَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لِيَسْتَتِرْ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ وَلَوْ بِسَهْمٍ». أَخْرَجَهُ الحَاكِمُ (٢). وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة السُّترة في الصَّلاة. ٢ - تأكُّد السُّترة في الصَّلاة. ٣ - إجزاء السَّهم ونحوه في سترة الصَّلاة.

стр. 240

٤ - أنَّها إذا كانت أطول من السَّهم فهو أفضل، وتقدَّم أنَّها مثل مؤخرة الرَّحل، والسَّهم ما يرمى به، وهو عودٌ دقيقٌ قصيرٌ في رأسه حديدةٌ مدبَّبةٌ يقال لها: (النَّصل). * * * * * (٢٥٤) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَقْطَعُ صَلَاةَ الْمَرْءِ المُسْلِمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بينَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ؛ المَرْأَةُ، وَالحِمَارُ، وَالكَلْبُ الأَسْوَدُ … » الحَدِيثَ. وَفِيهِ: «الكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). (٢٥٥) وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ نَحْوُهُ، دُونَ الكَلْبِ (٢). (٢٥٦) وَلأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ نَحْوُهُ دُونَ آخِرِهِ، وَقَيَّدَ المَرْأَةَ بِالحَائِضِ (٣). * * * هذه الأحاديث في بيان ما يقطع الصَّلاة مروره بين يدي المصلِّي. وفيها فوائد، منها: ١ - أنَّ السُّترة تمنع من قطع الصَّلاة بمرور أحد الثَّلاثة. ٢ - أنَّ مرور أحد الثَّلاثة المذكورة بين يدي المصلِّي الَّذي لم يتَّخذ سترةً أو بينه وبين سترته = يقطع صلاته. وقد ذهب الجمهور في معنى القطع أنَّه تنقيص الثَّواب، وذهبوا إلى تخصيص هذا الحكم بمرور الكلب الأسود دون المرأة والحمار؛ لحديث

стр. 241

عائشة ﵂ في اضطجاعها بين يدي الرَّسول ﷺ وهو يصلِّي (١)، وحديث ابن عبَّاسٍ ﵃ حين أرسل الأتان ترتع بين يدي بعض الصَّفِّ (٢). وذهب جماعةٌ من العلماء إلى أنَّ المراد بالقطع إبطال الصَّلاة، فمنهم من خصَّ ذلك بمرور الكلب الأسود لما تقدَّم، ومنهم من قال بظاهر هذا الحديث وهو إبطال الصَّلاة بمرور أحد الثَّلاثة، وأجابوا عن حديث عائشة ﵂ بأنَّ الاضطجاع أو الجلوس بين يدي المصلِّي ليس له حكم المرور. وعن حديث ابن عبَّاسٍ؛ بأنَّ سترة الإمام سترةٌ للمأموم، أو بأنَّه لا يلزم من إرسالها بين يدي الصَّفِّ أن تكون قريبةً. واستدلَّ من قال بأنَّ القطع تنقيص الثَّواب بحديث أبي سعيدٍ ﵁ الآتي: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ وَادْرَؤُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» (٣)، ولكنَّ الحديث ضعيفٌ. والرَّاجح: ما دلَّ عليه حديث أبي ذرٍّ ﵁ وما في معناه وهو قطع الصَّلاة -أي إبطالها- بمرور أحد الثَّلاثة. ٣ - أنَّه إنَّما يقطع الصَّلاة بمرور المرأة الحائض؛ أي: البالغ. ٤ - أنَّه إنَّما يقطع مرور الكلب الأسود. ٥ - تعليل ذلك بأنَّه شيطانٌ. ٦ - أنَّ غير الأسود لا يقطع الصَّلاة. ٧ - أنَّ مرور الشَّيطان يقطع الصَّلاة، كما يدلُّ له قوله ﷺ : «إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلاة عَلَيَّ» (٤). ٨ - تعليل الأحكام الشَّرعيَّة.

стр. 242

٩ - أنَّ أيَّ حمارٍ يقطع الصَّلاة؛ لإطلاق الحديث؛ لكن يقيَّد بالأهليِّ؛ لأنَّه المعروف عند الإطلاق. ١٠ - خفاء الحكمة في قطع الصَّلاة بمرور المرأة والحمار. ١١ - أنَّ العباد لا يحيطون بحكمة التَّشريع. ١٢ - جواز السُّؤال عن الحكمة طلبًا لمزيد العلم لا معارضةً ولا توقُّفًا عن العمل. * * * * * (٢٥٧) وَعَنْ أَبِي سَعيدٍ الخُدْريّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بينَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٢٥٨) وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنَّ مَعَهُ القَرِينَ» (٢). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - تحريم المرور بين المصلِّي وسترته. ٢ - أنَّه يجب على المصلِّي منع المجتاز من المرور بدفعه أو بقتاله. ٣ - أنَّه يقاتل من أصرَّ على المرور، وهذا الدَّفع والقتال قيل: إنَّه واجبٌ، وهو قول الظَّاهريَّة، وروايةٌ عن الإمام أحمد، وهو ظاهر الأمر، وذهب جمهور العلماء إلى جوازه أو استحبابه. ٤ - أنَّ من يتعمَّد المرور بين المصلِّي وسترته من غير عذرٍ شيطانٌ. ٥ - أنَّه إذا عاند ولم يندفع فإنَّ مروره يقطع الصَّلاة؛ لقوله: «فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ»، بدليل أنَّه ﷺ علَّل قطع الكلب الأسود بأنَّه شيطانٌ كما تقدَّم.

стр. 243

٦ - جواز الحركة في الصَّلاة لمصلحتها ما لم تكثر. ٧ - أنَّ من لم يتَّخذ سترةً فليس له دفع المارِّ بين يديه ولا قتاله. ٨ - مشروعيَّة السُّترة في الصَّلاة، وأنَّها تزيد في حرمة المرور بين يدي المصلِّي. ٩ - بيان علل الأحكام؛ لقوله ﷺ : «فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». * * * * * (٢٥٩) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بينَ يَدَيْهِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ؛ بَلْ هُوَ حَسَنٌ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - مشروعيَّة السُّترة في الصَّلاة. ٢ - أنَّها تكون تلقاء وجه المصلِّي ولا يكره صموده إليها، وقد ورد ما يدلُّ على النَّهي عن الصُّمود إلى السُّترة وأنَّه ينبغي جعلها إلى الحاجب الأيمن أو الأيسر، ولكنَّ الحديث ضعيفٌ. ٣ - أنَّ الأولى في السُّترة أن تكون عريضةً وطويلةً كالجدار ونحوه. ٤ - أنَّها إذا لم تتيسَّر كذلك أجزأ نصب العصا. ٥ - أنَّه إذا لم يتيسَّر عصًا أو نحوها أجزأ أن يخطَّ خطًّا بيده أو رجله أو بأيِّ شيءٍ، قال العلماء: ويكون الخطُّ على شكل هلالٍ، فيكون كهيئة المحراب المعروف.

стр. 244

٦ - أهمِّيَّة السُّترة في الصَّلاة. ٧ - أنَّ الأحكام منوطةٌ بالاستطاعة. ٨ - يسر الشَّريعة. * * * * * (٢٦٠) وَعَنْ أَبِي سَعيدٍ الخُدْريّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شَيْءٌ، وَادْرَؤُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ». أَخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّه لا يقطع الصَّلاة شيءٌ ممَّا يمرُّ بين يدي المصلِّي؛ أي: لا يبطلها، وقد تأوَّل الجمهور لهذا الحديث أحاديث القطع بالمرأة والحمار والكلب الأسود، فحملوه على قطع الكمال لا الإبطال؛ جمعًا بين الأحاديث؛ ولكن يشكل عليهم أنَّ الحديث ضعيفٌ، ويمكن الجمع بين حديث أبي سعيدٍ ﵁ -لو صحَّ- وأحاديث القطع بحمل العامِّ على الخاصِّ، فأحاديث القطع تكون مخصِّصةً لحديث أبي سعيدٍ ﵁. ٢ - أنَّ على المصلِّي أن يدرأ المارَّ حسب استطاعته؛ فلا يترك شيئًا يمرُّ بين يديه، ويشهد له حديث أبي سعيدٍ ﵁ المتقدِّم في دفع من يريد المرور ومقاتلته. والله أعلم. * * * * *

стр. 245

بَابُ الحَثِّ عَلَى الخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ الخُشُوعُ فِي اللُّغَةِ: السُّكون، ويكون في الصَّوت والبصر والجوارح، ومنه قوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ [القلم: ٤٣]، ﴿وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ﴾ [طه: ١٠٨]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩]؛ أي: ساكنةً لا حركة فيها. وَالخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ هُوَ: الإقبال عليها بترك ما ينافيها أو ينافي كمالها من الأفعال والهيئات وليس من شرطه البكاء، ولكنَّ البكاء ينشأ من شدَّة الخوف أو الشَّوق، قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا * (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨]. * * * * * (٢٦١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١). ومعناه: أن يجعل يده على خاصرته. (٢٦٢) وَفِي البُخَارِيِّ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ «أَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْيَهُودِ» (٢). * * * وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - النَّهي عن الاختصار في الصَّلاة، وروي: التَّخَصُّر وَالخَصْر، والمراد به: وضع اليد على الخاصرة، أو اليدين على الخاصرتين، والخاصرة هي: ما بين أسفل الأضلاع والعظم الَّذي فوق الفخذ، فالخاصرتان: وسط الإنسان

стр. 246

من جانبيه، وهما موضع ما يشدُّه الإنسان على وسطه، وهيئة الاختصار تشعر بالغفلة أو الكبر، وهذا ممَّا ينافي الخشوع في الصَّلاة. ٢ - أنَّ علَّة النَّهي عن ذلك التَّشبُّه باليهود. ٣ - أنَّ اليهود يختصرون في الصَّلاة. ٤ - ذمُّ التَّشبُّه بالكفَّار. ٥ - أنَّ من مقاصد الشَّرع ترك التَّشبُّه بالكفَّار في العادات أو العبادات. * * * * * (٢٦٣) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُدِّمَ العَشَاءُ فَابْدَؤوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا المَغْرِبَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - أنَّ من عادتهم العشاء قبل المغرب. ٢ - سماحة الشَّريعة بمراعاة الطَّبيعة البشريَّة. ٣ - أنَّ السُّنَّة البداءة بالطَّعام قبل الصَّلاة إذا حصل تزاحمٌ بينهما. ٤ - الرُّخصة بترك الجماعة لحضور الطَّعام. ٥ - أنَّ محلَّ هذه الرُّخصة إذا لم يكن تقديم الطَّعام عند حضور الصَّلاة عادةً أو متعمَّدًا. ٦ - أنَّه يجوز له في هذه الحال أن يأكل عادته ولو إلى حدِّ الشِّبع، ولا يجب عليه الاقتصار على ما يسدُّ رمقه. ٧ - أنَّ صلاة الإنسان ونفسه متعلِّقةٌ بشيءٍ من أمر دنياه من طعامٍ وغيره ممَّا يذهب خشوعه أو يضعفه.

стр. 247

٨ - العناية بأمر الصَّلاة؛ لأنَّ البداءة بالطَّعام ليتفرَّغ القلب لها لا تهاونًا بها. ٩ - الاستعداد للصَّلاة بما يعين على إقامتها والخشوع فيها من فعلٍ أو تركٍ. ١٠ - تحريم مشاهدة المسلسلات في القنوات؛ لأنَّها من أعظم ما يلهي القلب في الصَّلاة، بل يلهي عن الصَّلاة. * * * * * (٢٦٤) وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحِ الحَصَى؛ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (٢٦٥) وَزَادَ أَحْمَدُ: «وَاحِدَةً أَوْ دَعْ» (١). (٢٦٦) وَفِي «الصَّحِيحِ» عَنْ مُعَيْقِيبٍ نَحْوُهُ بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ (٢). * * * حديثا أبي ذرٍ ومعيقيبٍ ﵃ فيهما فوائد، منها: ١ - النَّهي عن مسح الأرض عند السُّجود. ٢ - أنَّ في تعفير الوجه بالتُّراب رحمةً للعبد لما فيه من الخضوع والذُّلِّ لله، ومسح الأرض يؤذن بالرَّغبة في تخفيف تعفير الوجه. ٣ - الرُّخصة في مسح الأرض مرَّةً واحدةً، والتَّرك أفضل. ٤ - أنَّ السُّجود على التُّراب أفضل. ٥ - أنَّ مسح ما يؤذي ويذهب الخشوع من شوكٍ أو حصًى لا يدخل في النَّهي. ٦ - ترك الحركة الَّتي لا حاجة إليها في الصَّلاة.

стр. 248

(٢٦٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الالتِفَاتِ فِي الصَّلَاة، فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (٢٦٨) وَلِلتِّرْمِذِيِّ: عَنْ أَنَسٍ وَصَحَّحَهُ: «إِيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاة؛ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ» (٢). * * * وفي الحديثين فوائد؛ منها: ١ - ذمُّ الالتفات في الصَّلاة، والمراد به: الالتفات بالرَّأس يمينًا أو شمالاً لا بكلِّ البدن؛ فإنَّ ذلك انحرافٌ عن القبلة تبطل به الصَّلاة. ٢ - أنَّ الالتفات في الصَّلاة من الشَّيطان. ٣ - أنَّه نقصٌ من الصَّلاة إلَّا لحاجةٍ، كما ثبت أنَّه ﷺ بعث فارسًا فكان يلتفت إلى الشِّعب، وثبت أنَّ أبا بكرٍ ﵁ التفت لمَّا نبِّه إلى خروج النَّبيِّ ﷺ من بيته وهم في الصَّلاة ولم يكن يلتفت في الصَّلاة ﵁. ٤ - التَّحذير من الالتفات في الصَّلاة. ٥ - أنَّه سببٌ للهلكة، وهذا يدلُّ على تحريمه، لكنَّ حديث أنسٍ ﵁ ضعيفٌ (٣)، فالصَّحيح: أنَّ الالتفات مكروهٌ؛ لحديث عائشة. ٦ - حرص عائشة ﵂ على العلم، فلذلك كانت عالمةً. ٧ - أنَّ الالتفات في التَّطوُّع أيسر.

стр. 249

(٢٦٩) وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلا يَبْزُقَنَّ بيْنَ يَدَيْهِ ولا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). (٢٧٠) وَفِي رِوَايَةٍ: «أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ». * * * وفي الحديث فوائد؛ منها: ١ - فضل الصَّلاة. ٢ - أنَّ المصلِّي مناجٍ لله. ٣ - جواز أن يقول الإنسان: «ناجيت ربِّي». ٤ - نهي المصلِّي أن يبصق بين يديه، والنَّهي للتَّحريم. ٥ - تعليل ذلك في الرِّواية الأخرى: «فَإِنَّ اللهَ قِبَلَ وَجْهِهِ» (٢)، وفي لفظٍ: «فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ» (٣). ٦ - نهي المصلِّي أن يبصق عن يمينه، وجاء تعليل ذلك بأنَّ عن يمينه ملكًا. ٧ - إرشاد المصلِّي إذا بدره بصاقٌ أن يبصق عن يساره وتحت قدمه، وذلك إذا لم يكن في المسجد، فإن كان في المسجد لم يجز له أن يبصق فيه، بل في ثوبه، وقد تيسَّر ما يغنيه عن ذلك وهي المناديل. * * * * *

стр. 250

(٢٧١) وَعَنْهُ، قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ ﵂ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا؛ فَإِنَّهُ لا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلاتِي». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١). (٢٧٢) وَاتَّفَقَا عَلَى حَدِيثِهَا فِي قِصَّةِ أَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، وَفِيهِ: «فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي» (٢). * * * هذا الحديث يعرف بحديث القرام أو قرام عائشة ﵂ وهو يدخل في أبوابٍ كثيرةٍ. وفيه فوائد، منها: ١ - جواز ستر حائط البيت تبعًا لستر السَّهوة والفرجة. ٢ - أنَّ العناية بذلك من شأن النِّساء. ٣ - تحريم تصوير ذوات الأرواح وإن لم يكن للصُّورة ظلٌّ؛ كأن تكون من نسجٍ أو صباغٍ. ٤ - أنَّ رؤية بعض المناظر تعرض لفكر الرَّائي يتذكَّرها. ٥ - أنَّ تذكُّر المشاهد في الصَّلاة ينافي كمال الإقبال عليها. ٦ - استحباب أن يكون ما يلبس في الصَّلاة خاليًا عن الأعلام والألوان والنُّقوش، ولهذا طلب النَّبيُّ ﷺ أنبجانيَّة أبي جهمٍ؛ لأنَّها كذلك. ٧ - كراهة لبس ما يلهي المصلِّي؛ كاللِّباس الَّذي فيه أعلامٌ ونقوشٌ وكتابةٌ، وأعظم من ذلك ما فيه صورٌ محرَّمةٌ. ٨ - اجتناب كلِّ ما يمنع من الخشوع في الصَّلاة. ٩ - تحريم تعليق الصُّور على الحيطان سواءٌ كانت مقصودةً أو غير مقصودةٍ.
следующие страницы →